الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 35 من 35
2اعجابات

الموضوع: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 18 )

    شبهة حول التسمية والرد عليها( 2- 2 )

    الوجه الثاني:

    زعم جولد تسيهر أن العرب لم يبتدعوا هذا المفهوم ولا تطبيقاته العملية؛ لأنه وجد سلفا لدى العرب الجاهلين... ومن هنا كان تعلق المسلمين بالسنة كتعلق العرب بسنن أسلافهم... إلى آخر ما قال.

    إن جولد تسيهر بكلامه هذا يرمي كعادته إلى رد ما هو إسلامي إلى العوامل الداخلية والخارجية، بحيث ينفي عنه كل أصالة، أو تجديد، أو ابتكار.
    (نحن لا ننكر أن العرب الجاهليين كانوا يطيعون أسلافهم، ويعبدون آلهتهم، ويهتدون بسنن أجدادهم، ويتمسكون بمعتقداتهم وأصنامهم؛ لأنهم وجدوا آباءهم لها عاكفين، وبتلك السنن فاعلين، وعلى آثارهم مهتدين، ولكن شتان بين مفهوم السنة في ذلك العصر ومفهومها في العصر الإسلامي، فهي ليست آراءً عربية قديمة معدلة كما قال جولد تسيهر، ولكنها اتخذت مفهومها مغايرا لسنن العرب الوثنيين؛ لأنها أصبحت مصدراً تشريعيا لها حجيتها في تقرير الأحكام، وأصبح مصدرها إلهيًا حالة كونها صادرة من الله، ولكنها مروية بألفاظ الرسول، ولأنها تناولت من الموضوعات والقضايا التي عالجت مشاكل ومفاهيم الدين الجديد، ولأنها صدرت كأوامر إلهية لا يجوز التنكب عنها، كما يستطيع العرب الجاهليون التنكب عن سنن أسلافهم، وإن طاعة الرسول في ما يقوله، أو يفعله، أو يقرره، واجب ديني لا مناص للمسلم من الالتفات عنه، ومن هنا فإن مفهوم السنة في العهدين مختلف ومتباين تمام الاختلاف، فالجاهليون يتمسكون بسنن أسلافهم تعصبا، والمسلمون يتبعون سنة نبيهم تعبدا).
    أما استشهاد (جولد تسيهر) بحديث الرسول الذي يدعو المسلمين إلى تتبع سنن من كان قبلهم... الخ، فهو قد شكك في هذا الحديث أولا؛ لأنه قال عنه: (أسند إلى الرسول)، ولم يقل (قال الرسول)، ثم إنه أساء شرحه ثانيا، لأن مراد الرسول ليس دعوة المسلمين إلى التمسك بسنن أسلافهم الجاهليين، ولكنها دعوة إلى التمسك بسنة الرسول، وآثار الصحابة الكرام، وعدم الاختلاف والتفرقة مستقبلاً، وعدم الخروج على الجماعة، وتفادي الفتنة بقدر الإمكان، وقد أخبر النبي عن هذه الأمور جميعا في أحاديث أخرى(1)، ودعا المسلمين إلى التمسك بالسنة الصحيحة، والدخول في رأي الجماعة، وتجنب الفرقة والخلاف، مهما كان الأمر، وإطاعة ولي الأمر حتى لا يتفرق رأي الجماعة، وتذهب قوة المسلمين أشتاتا.
    وكان تأكيده ذلك إخباراً منه لما سيحدث في أمته من تفرق واختلاف، وحثهم على تجنبها، كما يفهم من هذا الحديث أيضا دعوة المسلمين إلى التمسك بسنة النبي، وسنة أصحابه، حتى لا يتشبهوا باليهود، والنصارى، والروم، والفرس، وغيرهم من الأقوام، ومن هنا كان فساد استدلال (جولد تسيهر) بهذا الحديث في هذا السياق(2).




    (1)
    منها ما أخرجه أبو داود في سننه (4597): (إلا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة).
    (2) نقد الخطاب الاستشراقي (1/412-413).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 19 )




    دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (1-3)




    هذا الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه باطل من وجوه:

    الوجه الأول: لقد زعم (جولد تسيهر) وتلامذته أن المفهوم الإسلامي للسنة عبارة معدلة من الآراء العربية القديمة، وموروث جاهلي، يريد أن الإسلام قد أبقى بعض الأمور التي تعارف عليها العرب قبله بعد أن نظمها لهم، وهو ما يذكره المستشرقون دائما، فهذا (جوستاف لوبون) يقول في كتابه (حضارة العرب): (ومثل ذلك شأن محمد الذي عرف كيف يختار من نظم العرب القديمة ما كان يبدو أقومها، فدعمها بنفوذه الديني، ولكن شريعة محمد لم تنسخ جميع العادات التي قامت مقامها)(1).

    وجولد تسيهر يضرب دائما على هذا الوتر في كافة دراساته الإسلامية، فهو يرجع كل شيء إسلامي: إما إلى عوامل داخلية كفقه الجاهليين وأعرافهم، وإما إلى عوامل خارجية كاليهودية، والنصرانية، واليونانية.

    إن تلك الأعراف أو العادات التي أبقى عليها الإسلام محددة تماما، وهي لا تبلغ عشر معشار التشريعات الإسلامية، وهي مع ذلك لم يبق الإسلام عليها إلا بشرط، وهو ألا تخالف دليلا شرعيا، ولا قاعدة من قواعده الأساسية.

    يقول الدكتور/ زكي الدين شعبان: (ولهذا وجدنا الشارع الحكيم يقر الكثير من الأمور التي تعارفها العرب قبل الإسلام، بعد أن نظمها لهم، كالبيع، والرهن، والإجارة، والسلم، والقسامة، والزواج، ومراعاة الكفاءة بين الزوجين، وفرض الدية على عاقلة القاتل، وبناء الإرث، والولاية في الزواج على العصبة، ولا يلغي منها إلا الفاسد والضار الذي لا يصلح كالربا، والميسر، ووأد البنات، وحرمان النساء من الميراث)(2).

    وقد عرض الدكتور/ ساسي الحاج لبعض الأحكام التي كانت موجودة في العرب قديما وأبقاها الإسلام أو ألغاها، ثم قال: (هذه أمثلة تتعلق بالعبادات والمعاملات، وجدت في الجاهلية فأقر الإسلام بعضها وألغى الآخر، ومن هذا الإقرار استند المستشرقون إلى أن النبي قد استقى معلوماته، وأخباره، وأحكامه المتمثلة في أوامره، ونواهيه من هذه القوانين العرفية التي وجدها في بيئته، فتأثر بها، وضمها إلى كتابه الذي ألفه، وفي سننه، وأحاديثه التي أذاعها على أصحابه، وأصبحت جزءاً رئيسا من تشريعاته.

    ونحن لا ننكر وجود مثل هذه الأحكام والقوانين الناتجة عن أعراف الجاهليين في التشريع الإسلامي، ولا يضير الرسول الإبقاء على القوانين الصالحة سواء تلك المنظمة للعبادات أو المعاملات، طالما كانت هذه الأحكام تتناسب وفلسفة التشريع الإسلامي لتحقيق مقاصده التي أنزل من أجلها، ولا يمكن أن نستنتج من الإبقاء عليها تأثر الرسول بها، باعتبارها أموراً استمدها من بيئته، ولم يوح بها الله إليه في محكم كتابه، ولو كان الأمر خلاف ذلك لأبقى على سائر القوانين والأعراف الجاهلية، ولما حرم بعضا منها، وأباح بعضها الآخر، ولكن التشريع يراعي دوما مصالح الناس والعباد التي شرعت الأحكام لمصلحتهم، فتبقى الأحكام الصالحة، وتبطل الأحكام الفاسدة لتعارضها ومصلحة الجماعة.

    إن الإسلام احتفظ بالعديد من أعراف الجاهليين وتشريعاتهم؛ لأنها صالحة للتطبيق؛ ولأنها ليست محل انتقاد من الجماعة؛ ولأنها تحقق مصالح من شرعت هذه الأحكام لهم؛ ولأنه عندما ألغى الفاسد منها، فإنه قد راعى هذه التعاليم الإلهية التي جاءت بالرسالة المحمدية للقضاء على الاستغلال، والفساد، والظلم بأشكاله وألوانه المختلفة، فهو قد هذب مناسك الحج فألغى طواف العري، وأزال الأصنام، وهذب الزواج، فأبقى على النظام الصحيح الذي ينسجم والفطرة البشرية، وألغى الفاسد منه الذي يؤدي إلى اختلاط الأنساب، وزرع البغضاء والعداوة بين أفراد المجتمع، ونظم الطلاق، وسن تشريعات تحفظ حق المرأة في النفقة والحضانة.

    وهذه التشريعات جميعها سواء أكانت عبادات أم معاملات شرعت لتنظيم المجتمع الإسلامي الذي يسعى إلى تحقيق المساواة والمحبة بين أفراد المجتمع البشري بكامله، ولا يمكننا التسليم من خلالها بشبهات المستشرقين من أن الإبقاء عليها وإقرارها يعني تشكيلها لمصادر القرآن الكريم، والأحكام الإسلامية المنبثقة من مصادر التشريع الأخرى)(3).

    إن منهج الأثر والتأثر الذي سلكه المستشرقون في الدراسات الإسلامية لا يؤدي إلى نتائج علمية صحيحة، فالأثر والتأثر لا غبار عليه من الناحية الواقعية والمنهجية، ولكن استخدامه بصورة متعسفة يؤدي إلى تجريد الإسلام من مبادئه وأسسه السليمة، وهذا هو الذي يؤخذ عليه علميًا وموضوعيًا.










    (1) حضارة العرب ص 382.
    (2) أصول الفقه ص 193.
    (3) نقد الخطاب الاستشراقي (1/ 275- 276).






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 20 )




    دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (2-3)





    الوجه الثاني: زعم جولد تسيهر أن العرب لم يبتدعوا هذا المفهوم ولا تطبيقاته العملية لأنه وجد سلفًا لدى العرب الجاهليين... ومن هنا كان تعلق المسلمين بالسنة كتعلق العرب بسنن أسلافهم... إلى آخر ما قال.
    إن جولد تسيهر بكلامه هذا يرمي كعادته إلى رد ما هو إسلامي إلى العوامل الداخلية والخارجية، بحيث ينفي عنه كل أصالة، أو تجديد، أو ابتكار.
    (نحن لا ننكر أن العرب الجاهليين كانوا يطيعون أسلافهم، ويعبدون آلهتهم، ويهتدون بسنن أجدادهم، ويتمسكون بمعتقداتهم وأصنامهم؛ لأنهم وجدوا آباءهم لها عاكفين، وبتلك السنن فاعلين، وعلى آثارهم مهتدين، ولكن شتان بين مفهوم السنة في ذلك العصر ومفهومها في العصر الإسلامي، فهي ليست آراء عربية قديمة معدلة كما قال جولد تسيهر، ولكنها اتخذت مفهومًا مغايرا لسنن العرب الوثنيين؛ لأنها أصبحت مصدراً تشريعيا لها حجيتها في تقرير الأحكام، وأصبح مصدرها إلهيا حالة كونها صادرة من الله، ولكنها مروية بألفاظ الرسول؛ ولأنها تناولت من الموضوعات والقضايا التي عالجت مشاكل الدين الجديد ومفاهيمه؛ ولأنها صدرت كأوامر إلهية لا يجوز التنكب عنها، كما يستطيع العرب الجاهليون التنكب عن سنن أسلافهم، وإن طاعة الرسول في ما يقوله، أو يفعله، أو يقرره، واجب ديني لا مناص للمسلم من الالتفات عنه، ومن هنا فإن مفهوم السنة في العهدين مختلف ومتباين تمام الاختلاف، فالجاهليون يتمسكون بسنن أسلافهم تعصبا، والمسلمون يتبعون سنة نبيهم تعبدا).
    أما استشهاد (جولد تسيهر) بحديث الرسول الذي يدعو المسلمين إلى تتبع سنن من كان قبلهم... الخ، فهو قد شكك في هذا الحديث أولا؛ لأنه قال عنه: (أسند إلى الرسول)، ولم يقل (قال الرسول)، ثم إنه أساء شرحه ثانيا، لأن مراد الرسول ليس دعوة المسلمين إلى التمسك بسنن أسلافهم الجاهليين، ولكنها دعوة إلى التمسك بسنة الرسول، وآثار الصحابة الكرام، وعدم الاختلاف والتفرقة مستقبلا، وعدم الخروج على الجماعة، وتفادي الفتنة بقدر الإمكان، وقد أخبر النبي عن هذه الأمور جميعا في أحاديث أخرى(1)، ودعا المسلمين إلى التمسك بالسنة الصحيحة والدخول في رأي الجماعة، وتجنب الفرقة والخلاف مهما كان الأمر، وإطاعة ولي الأمر حتى لا يتفرق رأي الجماعة، وتذهب قوة المسلمين أشتاتا.
    وكان تأكيده ذلك إخباراً منه لما سيحدث في أمته من تفرق واختلاف، وحثهم على تجنبها، كما يفهم من هذا الحديث أيضا دعوة المسلمين إلى التمسك بسنة النبي، وسنة أصحابه، حتى لا يتشبهوا باليهود، والنصارى، والروم، والفرس، وغيرهم من الأقوام، ومن هنا كان فساد استدلال (جولد تسيهر) بهذا الحديث في هذا السياق(2).







    (1) منها ما أخرجه أبو داود في سننه (4597): (ألا إن من كان قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة).
    (2) نقد الخطاب الاستشراقي (1/412-413).


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 21 )




    دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (3-3)






    الوجه الثالث:

    زعم (جولد تسيهر) أن اتباع المسلمين للسنة كاتباع الجاهليين لسنن أسلافهم هو تخريج مبتسر؛ لأنه أراد التشديد على أن الطبيعة العربية في اتباع سنن الأسلاف وطرقهم وعاداتهم لم تتغير في العصر الإسلامي الأول، ولكنه نوع من طبائع النفوس العربية جبلت عليها على مدى الدهر، وموصومة بالتعصب، ولا يجيزون الخروج عليها مهما كانت طبيعتها.



    وهذا الكلام لا أساس له من الناحية الواقعية؛ لأن المسلمين عندما أطاعوا السنة النبوية فلأنهم مأمورون بذلك، باعتبارها وحيًا معبرًا عنه بألفاظ الرسول، وباعتبارها تسن القوانين والقواعد الشرعية الواجب عليهم اتباعها، وباعتبارها مؤكدة، ومفسرة، وشارحة للقرآن الكريم(1).

    قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) [ النساء /59 ].

    والرد إلى الله هو الرد إلى الكتاب الكريم، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته وإلى سنته بعد موته(2).

    وقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [ النساء /80 ].

    وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [ الحشر /7 ].

    فطاعة الرسول الكريم هي اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وطاعة الرسول من طاعة الله، فهو الذي اصطفاه واختاره مبلغا عنه.

    إذاً – وكما يقول الشيخ أحمد شاكر -: " فلم يكن اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند المسلمين عن عادة اتباع الآباء، وقد نعاها الله على الكفار نعيا شديدا، وتوعد عليها وعيدا كثيرا، وأمر الناس باتباع الحق حيثما كان، واستعمال عقولهم في التدبر في الكون وآثاره، ونقد الصحيح من الزيف من الأدلة، وإنما كان حرص المسلمين على سنة رسول الله اتباعا لأمر الله في القرآن: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [ سورة الأحزاب / 21 ]، (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [ سورة النور / 63 ].

    (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [ النحل / 44 ].

    إلى غير ذلك من أوامر الله في كتابه، مما لا يجهله مسلم، واتباعا لأمر رسول الله نفسه، في الأحاديث الصحيحة المتكاثرة، وفيما ثبت عمليا بالتواتر...

    وهذا الموضوع أطال البحث فيه العلماء السابقون وأبدعوا، حتى لم يدعوا قولا لقائل - أو كادوا- وكتب السنة وكتب الأصول وغيرها مستفيضة في ذلك، والباحث المنصف يستطيع أن يتبين وجه الحق، ويكفي أن نشير إلى كتابين فيهما مقنع لمن أراد: كتاب " الرسالة " للإمام الشافعي، وكتاب " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم" للعلامة محمد بن إبراهيم الوزير اليمني. فإني رأيت كاتب المقال لم يشر فيه من أوله إلى آخره إلى مصدر عربي أو إسلامي رجع إليه في بحثه، وهذا عجيب !(3).













    (1)
    انظر: المصدر السابق ( 1/407).


    (2) الموافقات: ( 4/14 ).

    (3) دائرة المعارف الإسلامية ( 13/101- 402 ) بتصرف.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 22 )




    دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (4-4)



    الوجه الرابع:

    استنتاج (مارغليوث) بأنه كان معنى السنة في صدر الإسلام "ما كان عرفا مألوفا": هو استنتاج تابع للهوى مع مخالفته كافة النصوص التي أوردها ليبرهن على ما يراه من استنتاج.


    وقد أورد الدكتور/ الأعظمي نصوصه التي استشهد بها وتعليقه عليها قائلا: (نرى كلمة (سنة النبي) – صلى الله عليه وسلم – أكثر وروداً في النصوص السابقة من أي تعبير آخر، وقد استعمل هذا التعبير في النصوص التي تتصل بالخليفة الثالث عثمان، وربما كان لسلوكه الخطير الذي يختلف فيه عن أسلافه أثر في ذلك. ولو أن الاتهامات الموجهة إليه دومًا مبهمة، ويبدو واضحًا أن المصدر الثاني للتشريع الإسلامي إلى ذلك الوقت لم يكن شيئا محدداً، بل هو ما كان عرفا مألوفا، وقد أيدته السلطة حتى صار عنصرا مندمجا في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم -".
    وتعقبه الدكتور/ الأعظمي فقال: " ومع أن النصوص السابقة منصبة كلها أو جلها على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسنة نبيه، وكتاب الله وسنة نبيه، وعملا بالكتاب والسنة، نرى (مارغليوث) يحاول جاهدا أن يخفي الحقيقة ويصرفها إلى ما يملي عليه هواه، فيدعي أن المصدر الثاني للتشريع إلى ذلك الوقت لم يكن محددا، وأن مفهوم السنة هو ما كان عرفا معمولا به في البيئة، مع أنه ليس هناك ما يمكن أن يؤيد استنتاجه بشكل من الأشكال.
    والذي يبحث عن الحقيقة ويدعي المنهج العلمي في بحثه لابد وأن يستعين بالنصوص مجموعة في سبيل تفسير بعضها ببعض، حتى لا يقع في مثل هذا الخلط والتناقض.
    ولو سلمنا جدلاً أن كلمة السنة كانت تطلق في بداية الأمر على ما كان معروفًا ومألوفًا في المجتمع الإسلامي، وهذا لا يمكن إلا في حالات نادرة جدًا حيث تذكر الكلمة مضافة إلى المسلمين، أو ما شاكل ذلك، فهذا لا يعني أن هذه الأشياء نسبت فيما بعد ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أو سميت فيما بعد ذلك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    ثم هذا البحث كله يدور حول لفظ كلمة السنة، لا حول فكرة الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فطاعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والاقتداء بهديه مفروض على المسلمين بالنص القرآني – كما رأينا من قبل – وهذه الطاعة هي الأصل ولا يؤثر في ذلك إذا كانت كلمة (السنة) كانت تطلق على هذا أم لا، لأن ما يهمنا هنا هو فرض طاعته - صلى الله عليه وسلم - بأي اسم كان.
    ولذا فلا يمكن أن تقبل تلك الادعاءات ما لم تستند إلى حجج معقولة، سواء في ذلك ما ادعاه جولد تسيهر في تفسير (السنة) بأنها (مصطلح وثني) استعملها الإسلام، أو ما ذهب إليه مارغليوث من أن معناها في العهد الأول ما كان (عرفيا) أو ما توصل إليه شاخت في دراسته من أن معناها (تقاليد المجتمع)، أو (الأعراف السائدة)؛ لأن تلك الادعاءات تخالف مخالفة جذرية ما دلت عليه النصوص القطعية، والتي تفسر بعضها بعضا.
    وقد روى أحمد بسند صحيح عن سالم قال: كان عبد الله بن عمر يفتي بالذي أنزل الله - عز وجل - من الرخصة بالتمتع، وسن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه، فيقول ناس لابن عمر: كيف تخالف أباك وقد نهى عن ذلك ؟ !.
    فيقول لهم عبد الله: ويلكم ! ألا تتقون الله ؟ ! إن كان عمر قد نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير يلتمس به تمام العمرة، فلم تحرمون ذلك، وقد أحله الله، وعمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر ؟!.
    إن عمر لم يقل لكم إن العمرة في أشهر الحج حرام، ولكنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها في أشهر الحج(1).
    وهذا القول من عبد الله بن عمر: "أفرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن تتبعوا سنته أم سنة عمر ؟! فصل في هذه القضية، حيث مايز بين قضيتين مختلفتين تماما، أثبت للأولى حق الاتباع، ونفاه عن الأخرى في حالة التعارض، ليبين بذلك أن السنة التي تتبع في هذه الحالة هي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
    ولو كان العرف الشائع أو تقاليد المجتمع هما السنة، فكيف نفسر قول ابن عمر هذا ؟ (1)







    (1) مسند أحمد، بتحقيق أحمد شاكر (8/ 61 رقم 5700).
    (2) دراسات في الحديث النبوي (1/9-11).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)


    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 23 )




    دحض الافتراء الذي قرره جولد تسيهر ومن تبعه (5-5)



    الوجه الخامس:

    الزعم بأن كلمة السنة لم تتخصص بأنها طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجال الأمور الشرعية إلا في نهاية القرن الثاني الهجري زعم باطل؛ لأن تخصصيها بذلك قد سبق واستقر في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وعهد الصحابة والتابعين من بعد – وقد أوردنا ذلك سلفا وتوسعنا في إيراد الأمثلة له – والذي استجد على كلمة السنة في نهاية القرن الثاني أن علماء الإسلام وضعوا لكلمة السنة مفاهيم تتفق مع نوع البحث العلمي الذي يريدونه في دراستهم حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تخرج تلك المفاهيم عن كونها مصطلحات علمية استعان بها أهل كل علم على توضيح غرضهم المنشود من دراسة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

    فالفقهاء مثلاً لما كان غرضهم من دراسة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معرفة أدلة الأحكام الشرعية ، ولما كانوا قد قسموا الأحكام الشرعية المتعلقة بأفعال المكلفين إلى: واجب، ومحرم، ومندوب، ومكروه، ومباح ، عرفوا كلمة السنة بما يتفق مع غرضهم فقالوا: (السنة ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير افتراض ولا وجوب).
    ولما كان غرض علماء أصول الفقه من دراسة حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معرفة القواعد الشرعية التي يعتمد المجتهدون عليها في استنباط الأحكام الشرعية عرفوا كلمة السنة: (بأنها ما أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير).
    أما علماء الحديث فغرضهم من الدراسة والبحث في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - مطلق التأسي والاقتداء به، حتى في حركاته وسكناته ، ومن ثم اعتنوا بجمع كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - واستيعابه، وكل ما اتصل بحياته ، وعرفوا كلمة السنة في ضوء ذلك الغرض العام بأنها (ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقيه أو خلقية، قبل البعثة – كالتحنث في غار حراء – أو بعدها).
    ومن ثم يتضح أن المستشرقين وتلامذتهم أهملوا هذه الحقيقة وتجاهلوها وادعوا مغالطة أن كلمة السنة لم تتخصص بأنها طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في نهاية القرن الثاني الهجري.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 24 )

    المعاني اللغوية التي يركز عليها أعداء الإسلام( 1 – 2 )
    ثانيا: ومن المعاني اللغوية التي يركز عليها أعداء الإسلام في تعريفهم بالسنة معناها الوارد بمعنى الطريقة، ثم يعرفون السنة النبوية؛ بأنها الطريقة العملية أو السنة العملية، أما أقواله، وتقريراته، وصفاته - صلى الله عليه وسلم - فليست من السنة، وإطلاق لفظ حديث أو سنة على ذلك إنما هو في نظرهم اصطلاح مستحدث من المحدثين، ولا تعرفه اللغة، ولا يستعمل في أدبها، هكذا زعم محمود أبوريه(1) في كتابه (أضواء على السنة المحمدية)(2) تبعاً للدكتور/ توفيق صدقي(3).
    وفي ذلك أيضا ًيقول الدكتور المهندس/ محمد شحرور(4) في كتابه (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة): (إن ما اصطلح على تسميته بالسنة النبوية إنما هو حياة النبي - صلى الله عليه وسلم – كنبي وكائن إنساني عاش حياته في الواقع، بل في الصميم منه، وليس في عالم الوهم).
    وفي موضع آخر يقول: (من هنا يأتي التعريف الخاطئ برأينا للسنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو أمر، أو نهي، أو إقرار. علماً بأن هذا التعريف للسنة ليس تعريف النبي - صلى الله عليه وسلم- نفسه، وبالتالي فهو قابل للنقاش والأخذ والرد، وهذا التعريف كان سبباً في تحنيط الإسلام، علماً بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته لم يعرفوا السنة بهذا الشكل، وتصرفات عمر بن الخطاب تؤكد ذلك)(5).
    ويقول نيازي عز الدين(6): (رجال الدين في القرن الثالث الهجري عرفوا السنة، وأضافوا إليها أموراً هي من اجتهادهم، فقد قالوا في تعريفها: "هي كل ما أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة، سواء كان ذلك قبل البعثة -كتحنثه في غار حراء - أم بعدها ". وهذا التعريف الموسع الذي أتى في عصر متأخر عن عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحابته قد جر البلاء على الإسلام، وفي موضع آخر يقول: (وإن أغلب الذين أدخلوا أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم – وأفعاله، وتصرفاته الخاصة في الدين فعلوها وهم يعلمون أنهم يفعلون الممنوع، ويقعون في المعصية، لكن الهوى والشيطان كانا أقوى من الإيمان في تلك الفترة، ففعل الشيطان ما يريد)(7).



    (1) محمود أبو ريه: كاتب مصري كان منتسباً إلى الأزهر في صدر شبابه، فلما انتقل إلى مرحلة الثانوية الأزهرية أعياه أن ينجح أكثر من مرة، فعمل مصححاً للأخطاء المطبعية بجريدة في بلده، ثم موظفاً في دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد، من مصنفاته التي طعن فيها في السنة والصحابة، أضواء على السنة، وقصة الحديث المحمدي، شيخ المضيرة (أبو هريرة) انظر: السنة ومكانتها في التشريع للدكتور السباعي ص 466.
    (2) أضواء على السنة ص 39.
    (3) الدكتور/ توفيق صدقي: هو الدكتور/ محمد توفيق صدقي طبيب بمصلحة السجون بالقاهرة، كتب مقالات في مجلة المنار بعنوان " الإسلام هو القرآن وحده " مات سنة 1920م، ترجم له الشيخ محمد رشيد رضا في مجلة المنار المجلد 483/21 وما بعدها، وانظر: مجلة المنار المجلد 11/774.
    (4) محمد شحرور: كاتب سوري معاصر، حاصل على الدكتوراه في الهندسة من الجامعة القومية الإيرلندية في دبلن. من مؤلفاته: الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، والإسلام والإيمان منظومة القيم، والدولة والمجتمع.
    (5) الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ص 546-548.
    (6) نيازي عز الدين: كاتب سوري معاصر، هاجر إلى أمريكا، من مؤلفاته: إنذار من السماء، ودين السلطان، الذي زعم فيه أن السنة المطهرة وضعها أئمة المسلمين من الفقهاء والمحدثين لتثبيت ملك السلطان ومعاوية - رضي الله عنه - وصار على دربه علماء المسلمين إلى يومنا هذا.
    (7) إنذار من السماء ص 40، 111.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 25 )



    المعاني اللغوية التي يركز عليها أعداء الإسلام( 2 – 2 )


    ثالثا: ومن المعاني اللغوية التي يركزون عليها في تشكيكهم في السنة المطهرة معناها الوارد في القرآن الكريم بمعنى أمر الله -عزَّ وجلَّ- ونهيه، وسائر أحكامه، وطريقته، ويقولون: لا سنة سوى سنة الله - عزَّ وجلَّ - الواردة في كتابه العزيز، وأنه مستحيل أن يكون لرسول الله سنة، ويكون لله -عز وجل- سنة فيشرك الرسول نفسه مع الله - عزَّ وجلَّ -.
    وفي ذلك يقول محمد نجيب(1) في كتابه (الصلاة): القرآن وما فيه من آيات هو سنة الله التي سنها وفرضها نظاماً للوجود، واتبعها الله نفسه؛ فهي سنة الله...
    وليس من المعقول أن يكون للرسول سنة ويكون لله سنة، فيشرك الرسول نفسه مع الله، ويكون لكلاهما سنة خاصة، وهو أمر مستحيل أن يحصل من مؤمن، ومن رسول على الأخص، فما كان لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يترك حكم الله وسنته، ويطلب من الناس أن تتبع ما يسنه هو من أحكام، وليس ذلك إن حصل إلا استكباراً في الأرض، وتعالٍ على الله. يقول الله تعالى: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادًا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون)(آل عمران /79)، (فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا. استكبارًا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً) (فاطر / 42، 43). وهذا يؤكد وجوب الرجوع لكتاب الله وحده جماع سنة الله(2).
    وفي ذلك أيضاً يقول أحمد صبحي منصور(3) في كتابه (حد الردة) معرفاً بالسنة الحقيقية قائلاً: " سنة الله تعالى هي سنة رسوله -عليه السلام-...، الله تعالى ينزل الشرع وحياً، والرسول يبلغه وينفذه، ويكون النبي أول الناس طاعة واتباعًا لأوامر الله تعالى. والله تعالى أمر النبي بأن يقول (إن اتبع إلا ما يوحى إلي)(الأحقاف /9). والإيمان بالرسول معناه الإيمان بكل ما نزل عليه من القرآن، والإيمان بأنه اتبع ذلك الوحي وطبقه، وكان أول الناس إيماناً به وتنفيذا له " (4).
    ويقول قاسم أحمد(5)في كتابه (إعادة تقييم الحديث): " إنه بالنظر إلى استخدام كلمتي السنة والحديث في القرآن، والذي يعطينا معلومات شيقة، نجد أن كلمة " سنة " تشير في القرآن إلى النظام أو الناموس الإلهي، وإلى مثال الأمم السابقة التي لقيت مصيرها، فلم يشر القرآن إلى أن السنة هي سلوك النبي، وهذان الاستخدامان تشير إليهما الآيتان التاليتان:
    (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا)(الفتح /23).
    (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين)(الأنفال /38).
    وكلمة " حديث " استخدمت في القرآن بمعنى "الأخبار"و "القصص" و "الرسالة" و"الشيء" وقد ذكرت ستاً وثلاثين مرة في مواضع لغوية مختلفة، ولا يشير أي منها إلى ما يعرف بالحديث النبوي. فعلى العكس وردت في عشرة مواضع من الآيات البينات تشير إلى القرآن وتستبعد بشدة أي حديث إلى جانب القرآن منها هذه الآيات (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) (الزمر / 23) (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا أولئك لهم عذاب مهين) (لقمان /6)(6).
    - والجواب عن ذلك من وجوه:
    الأول: زعم أعداء السنة في تعريفهم بالسنة النبوية من أنها الطريقة العملية، أو السنة العملية، أو هي سنة الله -عزَّ وجلَّ-، وأن تعريف السنة النبوية بأنها كل ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة.... اصطلاح مستحدث من المحدثين، ولم يعرفه النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابه - رضي الله عنهم-، بل كان هذا التعريف سببًا في تحنيط الإسلام.
    هذا الزعم الكاذب إنما يدل على ما سبق وأن ذكرته من أن هؤلاء الأعداء يخلطون بين المعاني في اللغة وبينهما في الاصطلاح، ولا يهتمون بمعرفتها، ولا ببيانها، إما عن جهل، وإما عن علم، بقصد خداع القارئ وتضليله، وتشكيكه في حجية السنة وفي علمائها.






    (1)
    محمد نجيب كاتب معاصر. من مؤلفاته (الصلاة) أنكر فيه السنة المطهرة، وزعم أن تفاصيل الصلاة واردة في القرآن الكريم، والكتاب صادر عن ندوة أنصار القرآن، نشر دائرة المعارف العلمية الإسلامية.
    (2) الصلاة ص 276، 277.
    (3) أحمد صبحي منصور تخرج في الأزهر وحصل على العالمية في التاريخ من الجامعة، وتبرأ من السنة فتبرأت منه الجامعة، سافر إلى أمريكا، وعمل مع المتنبئ رشاد خليفة، يحاضر بالجامعة الأمريكية بمصر، ومدير رواق بن خلدون بالمقطم. من مصنفاته: الأنبياء في القرآن، والمسلم العاصي، وعذاب القبر والثعبان الأقرع، ولماذا القرآن، باسم مستعار وهو عبد الله الخليفة. انظر قصته هو ورشاد خليفة في كتابي مسيلمة في مسجد توسان، والدفاع عن السنة الجزء الأول من سلسلة " الإسلام واستمرار المؤامرة كلاهما لفضيلة الأستاذ الدكتور/ طه حبيشي.
    (4) حد الردة ص 40.
    (5) قاسم أحمد كاتب ماليزي معاصر، ورئيس الحزب الاشتراكي الماليزي – سابقا – من مؤلفاته: إعادة تقييم الحديث، أنكر فيه حجية السنة المطهرة.
    (6) انظر: إعادة تقييم الحديث ص 77، 78، واستشهاده بهذه الآية على أن لفظ الحديث هو القرآن استشهاد باطل فـ (لهو الحديث) هنا الأقاصيص والأساطير، انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 441.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 26 )


    الجواب عن تعريفات أعداء الإسلام (للسنة)




    الثاني: أن كلمة السنة قد تخصصت في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- بأنها الطريقة – طريقته - صلى الله عليه وسلم- في تبليغ ما أوحي إليه من بيان القرآن بلفظه وأسلوبه (حديثًا) أو بفعله (عملاً) أو بتقريره (إجازةً) وهما في دلالتهما كاللفظ – التي يجب على المسلمين اتباعها، فإن عليهم أن يطيعوه ويستجيبوا له في كل ما يأمرهم به، وينهاهم عنه، ويندبهم إليه، كما قال عز وجل (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [ الحشر /7]، وكما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [ النساء /59 ].

    وآيات القرآن كثيرة في وجوب اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم- فيما أمر به ونهى عنه، والشواهد كثيرة على أن كلمة السنة قد أضيفت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وتخصصت بأنها طريقته، ومن تلك الشواهد قوله في حديث الرهط الثلاثة: (... تلك سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني)(1)، وقوله: (عليكم بسنتي)(2).

    وإذا جاوزنا عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى عهد الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان وجدنا الأمر قد استقر عندهم على أن كلمة السنة تعني طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم- دون سواه، وعلى أنها إذا ذكرت معرفة (بأل) ولم تقيد بشأن فلا تنصرف إلا إلى طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم-.

    ومن الشواهد التي دلت على ذلك:

    ما رواه ابن شهاب الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- في قصته مع الحجاج الثقفي بشأن وقت صلاة الجمعة، يقول عبد الله للحجاج: " إن كنت تريد السنة فهجر بالصلاة " أي أَدِّ الصلاة في وقت الهجير الذي يكون عند منتصف النهار"، قال ابن شهاب: " قلت لسالم هل فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، قال سالم: وهل كانوا يعنون بذلك إلا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- "(3).

    فنقل سالم وهو تابعي جليل ثقة وأحد فقهاء المدينة عن الصحابة أنهم إذا استعملوا كلمة السنة مطلقة لا يريدون بها إلا طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- دون سواه، وبهذه الشهادة الصحيحة الواضحة تندفع دعوى هؤلاء الأعداء القائلة بأن كلمة السنة لم تتخصص إلا في نهاية القرن الثالث الهجري.

    الثالث: أن القول بأن السنة هي السنة العملية المتواترة فقط، قول لا صحة له، بل هو اصطلاح حادث لا يخفى بطلانه(4)، لأنا بينا سابقا أن السنة تشمل أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتقريراته، وهذا الذي عليه أهل العلم قديمًا وحديثًا (5).

    ولو قصرت السنة على السنة المتواترة العملية لفرط في كثير من الأحاديث القولية التي نقلت عنه - صلى الله عليه وسلم- في جميع جوانب الدين، في الأحكام، والأخلاق، والمواعظ.(6)

    بل وفرط في السنن العملية التي لم يداوم على فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم-، أو لم يثبت استمراره عليها، كصوم يوم عاشوراء(7)، وصلاة القيام التي صلاها بالناس ثلاث ليال من رمضان فقط(8)، وكالصيغ المختلفة لدعاء الاستفتاح(9).

    وإطلاق السنة على الأحاديث القولية ليس اصطلاحا حادثا كما يزعمون، وإنما هو أمر معهود في الصدر الأول(10).

    الرابع: أن كلمة السنة كانت في جميع الاستعمالات – كما هو واضح من الأمثلة التي أوردناها – تتخصص بمن تضاف إليه أو بما توصف به، أو بالسياق الذي ترد فيه، فينبغي ملاحظة ذلك في كافة استعمالاتها، سواء في اللغة، أو في القرآن الكريم، أو في الأحاديث والآثار، وإهمال ذلك يؤدي – كما رأينا – إلى خلط كبير.

    الخامس: أن مصطلح السنة ومصطلح الحديث كانا مترادفين زمن النبوة المباركة، وزمن الصحابة -رضي الله عنهم- وزمن التابعين وتابعيهم -رضي الله عن الجميع-، وعلى ذلك علماء الشرع الحنيف – وقد سبق بيان ذلك – خلافًا لأعداء الإسلام الزاعمين: أن مصطلح السنة غير مصطلح الحديث، وأنهما يجب أن يكونا متميزين عن بعضهما.




    (1)
    سبق تخريجه.
    (2) سبق تخريجه.
    (3) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب الجمع بين الصلاتين، رقم (1662).
    (4) انظر: الأنوار الكاشفة ص 57.
    (5) انظر: موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي ص 68-70 فقد نقل فيه مؤلفه سبعة عشر قولاً من أقوال أهل العلم مما يدل على إطلاق السنة على أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.
    (6) انظر: دفاع عن السنة ص 291.
    (7) الحديث أخرجه أحمد في مسنده (1/241) بلفظ: (صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود..)
    (8) انظر الحديث في صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل، رقم (1129).
    (9) انظر: موقف الجماعة الإسلامية من الحديث النبوي ص 57.
    (10) انظر: دفاع عن السنة ص 291.






    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 27 )


    السنة اصطلاحًا( 1- 2 )




    يختلف تعريف السنة في الاصطلاح تبعاً لاختلاف أغراض العلماء من بحوثهم حسب تخصصاتهم المختلفة، وفيما يلي تعريفها

    عند المحدثين، والأصوليين، والفقهاء.

    السنة في اصطلاح المحدثين:

    للمحدثين تعريفات متعددة للسنة، من هذه التعريفات:

    1- هي أقواله - صلى الله عليه وسلم- وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلْقِيَّةِ، والخُلُقِيَّةِ، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها.

    هذا هو المشهور عند جمهور المحدثين، وكأن السنة عندهم خاصة بالحديث المرفوع فقط، أما الموقوف والمقطوع فلا.

    ولعل سند هؤلاء فيما ذهبوا إليه هو: تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم- لكل ما جاء به في مقابلة القرآن بالسنة، مثل قوله في خطبته في حجة الوداع: (يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً: كتاب الله وسنتي)(1).

    وعلى هذا القول يحمل تسمية كثير من المحدثين لكتبهم في الحديث باسم السنن مثل:سنن أبي عيسى الترمذي المتوفي سنة 279هـ، وسنن الإمام أبي داود السجستاني المتوفي سنة 275هـ، وسنن النسائي المتوفي سنة 303هـ، وسنن ابن ماجه القزويني المتوفي سنة 373هـ، أو سنة 275هـ.

    2-وقيل: هي – أي السنة – أقواله - صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخَلقية والخُلقية، وسائر أخباره سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها،وكذلك أقوال الصحابة وأفعالهم.

    وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت -رضي الله عنه- المتوفي سنة 150هـ، فقد ورد عنه أنه قال:" ما جاءنا عن الصحابة اتبعناهم، وما جاءنا عن التابعين زاحمناهم ".

    وقال: " إذا لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسوله أخذت بقول أصحابه من شئت، وأدع قول من شئت، ثم لا أخرج عن قولهم إلى قول غيرهم "(1).

    وكأن السنة عند أبي حنيفة مخصوصة بالمرفوع والموقوف فقط، أما ما عداهما من المقطوع فلا، ولعل سنده فيما ذهب إليه قول - صلى الله عليه وسلم-: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ)(1).


    3- وقيل: هي – أي السنة – أقواله - صلى الله عليه وسلم-، وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخلقية، والخلقية، وسائر أخباره، سواء كان ذلك قبل البعثة أم بعدها، وكذلك أقوال الصحابة والتابعين، وأفعالهم.

    وممن ذهب إلى هذا القول الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين المعروف البيهقي المتوفى سنة 458هـ، حيث أسمى كتابه – الذي جمع فيه ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وفتاوى الصحابة والتابعين وأفعالهم –بالسنن الكبرى، وكأن السنة عنده تشمل: المرفوع، والموقوف، والمقطوع.

    ولعله استند فيما ذهب إليه إلى: أن الصحابة خالطوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وشاهدوا الوحي والتنـزيل، وكذلك خالط التابعون الصحابة وجالسوهم، وسمعوا منهم، فكان قولهم وفعلهم أولى بالقبول من غيرهم، وأصبح داخلاً في مفهوم السنة.






    (1)
    الحديث أخرجه مالك في الموطأ بلاغاً، كتاب القدر، ص: 561، ط: الشعب، قال الزرقاني في شرحه للموطأ ( 4/246): "إن بلاغة صحيح كما قال ابن عيينة "، وقد أسنده ابن عبد البر في التمهيد من حديث أبي هريرة، وحديث عمرو بن عوف،وقال: " هذا حديث مشهور عن النبي - صلى الله عليه وسلم-عند أهل العلم، شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد "، ينظر: ( فتح المالك بترتيب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك (9/282-283 )، وأخرجه الحاكم في المستدرك ( رقم 931 ) وصححه، ووافقه الذهبي ".
    (2) أصول السرخسي ( 1/313).
    (3) الحديث أخرجه الترمذي في السنن،كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع رقم (2676)، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود في السنن، كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم ( 4607 )، وابن ماجه في السنن، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين رقم ( 42، 43 )، والإمام أحمد في المسند ( 4/126، 127) كلهم من حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه-.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 28 )


    السنة اصطلاحًا( 2- 2 )



    الراجح:


    الراجح من هذه التعريفات هو التعريف الثاني، والذي يدرج أقوال الصحابة وأفعالهم في السنة، لكن مع الأخذ في الاعتبار أن السنة إذا أطلقت وعُرّفت تنصرف إلى سنته - صلى الله عليه وسلم-، أما إطلاقها على ما جاء عن الصحابة فإنما يأتي مقيدًا، فيقال: (سنة الخلفاء الراشدين)، أو (السنة الراشدة)، وسبب هذا الترجيح ما يأتي:

    1- أن الله - عزَّ وجلَّ- زكى الصحابة والتابعين في كتابة الكريم، فقال تعالى: (وَالسَّابِقُون
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    4,771

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    جزاكم الله خيرا
    واصل وصلك الله بفضله

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 29 )



    الهجوم على السنة نشأته وتطوره( 1-3)



    لقد كان العرب قبل مجيء الإسلام ونبيه الكريم قبائل متنازعين، وأعداء متقاتلين ، لا تجمعهم غاية ، ولا يوحدهم هدف ، فامتن الله عليهم بهذا الدين ، فألف به بين القلوب ، ووحد به بين الصفوف ، وجعلهم به إخوانا متحابين ، متعاونين متناصرين ، إن غاب أحدهم تفقدوه ، وإن افتقر واسوه ، وإن احتاج أعانوه ، وإن مرض عادوه ، وإن مات شيعوه ، دينهم النصيحة ، وخلقهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول الله تعالى ممتنًا ومذكرًا بهذا الواقع وتلك الحقيقة : ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون )(1)، ويقول تعالى ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون )(2)

    قال ابن كثير : ( ينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم ، وإحسانه إليهم ، حيث كانوا قليلين فكثرهم ، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم ، وفقـــراء عالة فرزقهم من الطيبات ، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم .....

    قال قتادة : كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلاً ، وأشقاه عيشا ، وأجوعه بطونا ، وأعراه جلودًا ، وأبينه ضلالا ، من عاش منهم عاش شقيا ، ومن مات منهم ردي في النار ، يؤكلون ولا يأكلون ، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلا منهم ، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد ، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكا على رقاب الناس ، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم ، فاشكروا الله على نعمه ، فإن ربكم منعم يحب الشكر ، وأهل الشكر في مزيد من الله )(3)



    ولم يقبض الله تعالى نبيه إليه إلا بعد أن أكمل الله له ولأمته هذا الدين، فأنزل عليه قبل وفاته بأشهر فـي حجة الوداع: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا )(4)

    فكان كمال الدين من نعم الله العظيمة على هذه الأمة، ولذا كانت اليهود تغبط المسلمين على هذه الآية

    روى الشيخان عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، قال : أي آية ؟ قال : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ).(5)

    قال ابن عباس - رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآية: ( أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا )(6).

    وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه ترك هذه الأمة على طريقة واضحة، لا ينحرف عنها إلا هالك.

    فعن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (........ وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء )(7)، وفي حديث العرباض ( ... لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك )(8).

    كما قرر لهم - صلى الله عليه وسلم- أنه قد بلغهم رسالة ربه كاملة ، وما من خير إلا وقد دلهم عليه، وما من شر إلا وقد حذرهم منه ، ففي حديث عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ....)(9).

    وكان رأس الخير الذي دل الأمة عليه ووصى به الاعتصام بالكتاب والسنة ففيهما الهداية والنجاة، قال - صلى الله عليه وسلم-: ( إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- )(10).

    وقد استجاب الصحابة الكرام لهذه الوصية ، فكانوا أعظـم الناس تمسكًا بالشرع، والوقوف عند النصوص ، لأنهم أدركوا هذه المعاني ، فعرفوا أن الدين قد كمل فلا يحتاج إلى زيادة ، وأن الشريعة استبانت ووضحت فلا تحتاج إلى بيان، وإنما الأمر في التسليم والانقياد، فكانوا كما وصفهم ابن مسعود - رضي الله عنه-: (خيـر هذه الأمة : أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا ) (11) .

    وما زال الناس على هذا الأمر حتى عصفت بهم الأهواء، وتلاعبت بهم الآراء، وانحرفت بهم السبل، وكان الشر الذي حذر الله منه، قال تعالى: ( إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء )(12)

    قال ابن كثير : ( والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ( وكانوا شيعا ) أي: فرقًا، كأهل الملل والنحل - وهي الأهواء والضلالات - فالله قد برأ رسوله مما هم فيه ، وهذه الآية كقوله تعالى : ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) الآية ....

    فهذا هو الصراط المستقيم ، وهو ما جاءت به الرسل: من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات، وآراء وأهواء ، والرسل برآء منها )(13).








    (1) سورة آل عمران / 103.

    (2) سورة الأنفال / 26.

    (3) عمد التفسير ( 2 / 115 ، 116 ) .

    (4) سورة المائدة / 3.

    (5) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه ( 45 ) وصحيح مسلم، كتاب التفسير ( 3017 ).

    (6) تفسير ابن كثير ( 2 / 12 ) .

    (7) أخرجه ابن ماجه ، المقدمة ، باب اتباع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ( 5 ) .

    (8) أخرجه أحمد ( 4 / 126 ) وصححه الألباني هو وسابقه بمجموع طرقه في ظلال الجنة . انظر : ظلال الجنة مع كتاب السنة لابن أبي عاصم ص26 ( 47 ، 48 ، 49 ) .

    (9) أخرجه مسلم ، كتاب الإمارة ، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول ( 1844 ) .

    (10) أخرجه الحاكم ، كتاب العلم ، باب خطبته - صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع ( 318 )، وقال : في إسناده عكرمة واحتج به البخاري ، وابن أبي أويس واحتج به مسلم ، وسائر رواته متفق عليهم ، ثم قال : وله شاهد من حديث أبي هريرة، وأخرجه في الموضع السابق ، ووافقه الذهبي وقال وله أصل في الصحيح .

    (11) جزء من أثر رواه البغوي عن ابن مسعود في شرح السنة ( 1 / 214 ) .

    (12) سورة الأنعام / 159.
    (13) عمدة التفسير ( 1 / 845 ).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)


    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 30 )



    الهجوم على السنة نشأته وتطوره( 2-3)





    وفي حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة : ( يا عائشة، إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء ، هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ، ليس لهم توبة ، أنا منهم برئ ، وهم مني براء )(1)


    وكان الابتداع ، واتباع الأهواء ، وعدم التسليم والانقياد لحكم الله ورسوله هو الشر الذي عكر صفاء هذه الأمة، وأحدث بين أبنائها الفرقة، وكانت البداية بدعة الخوارج ، وأول من بدأها في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- : أعرابي جاهل مغرور وقف بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- معترضا على حكمه في قسمة مال جاء من اليمن، وقد وصف لنا الصحابة ذلك الرجل فقالوا :(رجل غائر العينين ،مشرف الوجنتين ، وناشز الجبهة ، كث اللحية ، محلوق الرأس ، مشمر الإزار ) ، وقد قال للرسول - صلى الله عليه وسلم- بلهجة الآمر المتعالم بعد قسم الرسول - صلى الله عليه وسلم- للمال : ( اتق الله ) ، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم- : (ويلك أو لست أحق أهل الأرض أن يتق الله ؟ ) .

    وعندما ولى نظر إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم- وقال : ( إنه يخرج من ضئضئي هذا قوم يتلون كتاب الله رطباً ، لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .. )(2)

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنن والآثار بدعة الحرورية المارقة(3) ، فإن أولهم قال للنبي - صلى الله عليه وسلم- في وجهه : اعدل يا محمد ، فإنك لم تعدل ، وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم- بقتلهم وقتالهم ، وقاتلهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه- ). (4)

    لكن بدعة الخوارج هذه ما لبثت أن خمدت، وعاش الناس طيلة حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وطيلة خلافة الشيخين ( أبي بكر وعمر ) متبعين كتاب ربهم ،ومقتفين سنة نبيهم - صلى الله عليه وسلم- ، لا تعرف البدع إليهم طريقا ، ولا التكلف والتعمق إلي نفوسهم سبيلا إلا ما كان من حالات فردية يقضي عليها في مهدها ، حتي كان آخر عصر عثمان - رضي الله عنه- ، عندما عم الفتح الإسلامي كثيرا من الأقطار ، فدخل في الإسلام بعض من لم يتمكن الإسلام من نفوسهم ، لقرب عهدهم به وقلة فقههم فيه ، كما اندس بين هؤلاء من لم يرد الإسلام أصلا؛ وإنما أسلم نفاقا؛ وكيدا للإسلام وأهله . فكان نتيجة ذلك خروج ثورة مسلحة ضد عثمان - رضي الله عنه- على يد شرذمة من غوغاء الناس وسفهائهم ، يقودها يهودي ماكر خبيث هو عبد الله بن سبأ الحميري ، انتهت بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه- مظلوما علي يد هؤلاء ، فكان هذا أول الوهن .

    ثم جاء عهد علي - رضي الله عنه- فكان أن تمخضت فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وما تلاها من حروب عن بدعتين متقابلتين : بدعة الخوارج المكفرين لعلي - رضي الله عنه- وبعض الصحابة - رضي الله عنهم- ، وبدعة الرافضة المدعين لإمامته وعصمته، أو نبوته، أو إلاهيته ، ثم تتابع خروج الفرق بعد ذلك :

    ففي آخر عصر الصحابة -رضي الله عنهم - في خلافة عبد الملك بن مروان - حدثت بدعة المرجئة والقدرية .

    وفي أول عصر التابعين - في أواخر الخلافة الأموية - حدثت بدعة الجهمية والمشبهة الممثلة(5)

    قال ابن كثير : ( إن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج ، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي - صلى الله عليه وسلم- غنائم حنين ، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة ! ففاجؤوه بهذه المقولة ، فقال قائلهم - وهو ذو الخويصرة بقر الله خاصرته - : اعدل فإنك لم تعدل ! فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ، أيأمنني علي أهل الأرض ولا تأمنوني ؟! ) فلما قفل الرجل استأذن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- - وفي رواية : خالد بن الوليد - في قتله ، فقال - صلى الله عليه وسلم-: ( دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، وقراءته مع قراءتهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم )(6) . ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه-، وقتلهم بالنهروان ، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة ، ثم انبعثت القدرية ، ثم المعتزلة ، ثم الجهمية ، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- في قوله: ( وستفترق هذه الأمة علي ثلاث وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة ) قالوا : من هم يا رسول الله ؟ قال : ( من كان علي ما أنا عليه وأصحابي )(7)












    (1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( 5 / 449 ، 450 ) وأبو نعيم في الحلية ( 4 / 138 ) والطبراني في الصغير ( 1 / 303 ) من حديث أبي هريرة ، وقال الهيثمي في المجمع ( 7 / 22 ، 23 ) إسناد الطبراني في الصغير جيد

    (2) أخرجه مسلم، كتاب الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ( 2452 ) .

    (3) الحرورية : هم الخوارج ، سموا بذلك لانحيازهم إلي مكان يعرف باسم : حروراء .

    (4) مجموع الفتاوي ( 19 / 72 ) .

    (5) انظر:ك منهاج السنة ( 6 / 230 ـــ 233 ) والصواعق المرسلة ( 1 / 147 ــ 151 ) .


    (6) انظر: أحاديث الخوارج وصفاتهم في صحيح مسلم ، كتاب الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ( 2449 ــ 2456 ) والمسند ( 616 ) وابن حبان ( 24 ) .
    (7) عمدة التفسير ( 1 / 353 ) والحديث أخرجه الترمذي ، كتاب الإيمان ، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ( 2641 ) وقال : هذا حديث حسن غريب مفسر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,579

    افتراضي رد: الدفاع عن السنة المطهرة ضد المنكرين لحجيتها (متجدد)

    الدفاع عن السنة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة ( 31 )



    الهجوم على السنة نشأته وتطوره( 3-3)


    وخطورة فرقة الخوارج -أول الفـــرق ظهورًا في الإسلام - أنها ترد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم- بقحة وجرأة ، وتخالف ما جاء به ، وهذا يتناقض مع ما يزعمونه من أنهم يؤمنون به رسولاً لرب العالمين ، فالإيمان به رسولا يلزم طاعته ، ولهذا لما قال أولهم للرسول - صلي الله عليه وسلم- : ( اعدل ، فإنك لم تعدل )، كان قوله هذا تجويزًا منه أن يخون ويظلم، فبما ائتمنه الله عليه من الأموال! فكيف يستقيم هذا مع ادعاء هذا القائل أنه يؤمن به رسولا لرب العالمين !! ولذلك قال الرسول - صلي الله عليه وسلم- لأمثال هذا الرجل : ( أيأمنني من في السماء ولا تأمنوني ) . وقد كذب هؤلاء بالسنن الثابتة المتواترة، زاعمين أنها تخالف القرآن، فمن ذلك تكذيبهم بحكم الرجم، وتكذيبهم بالنصاب الذي يقطع فيه السارق، فيزعمون أن الزاني المحصن يجلد ولا يرجم، وأن السارق تقطع يده في القليل والكثير. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ( فهم لا يرون اتباع السنة التي يظنون أنها تخالف القرآن ، كالرجم ، ونصاب السرقة ، وغير ذلك فضلوا )(1)، وهذا الرد للسنة ليس بسبب تكذيبهم بصحة النقل عن الرسول - صلي الله عليه وسلم- ، ولكنه رد لقول الرسول - صلي الله عليه وسلم- . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك : ( والخوارج جوزوا على الرسول نفسه أن يجور ويضل في سنته ، ولم يوجبوا طاعته ومتابعته ، وإنما صدقوه فيما بلغه من القرآن دون ما شرعه من السنة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن )(2). وقد كان من أتي بعدهم من نفاة السنة أشد دهاء منهم ، فلم يصرحوا كما صرح هؤلاء برد السنة ، ولكنهم أخذوا يحتالون لذلك بشتى الحيل . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( وغالب أهل البدع غير الخوارج يتابعونهم على هذا ، فإنهم يرون : أن الرسول - صلي الله عليه وسلم- لو قال بخلاف مقالتهم لما اتبعوه ، كما يحكي عمرو بن عبيد في حديث الصادق المصدوق ، وإنما يدفعون عن أنفسهم التهمة غما : برد النقل ، وإما : بتأويل المنقول ، فيطعنون تارة في الإسناد ، وتارة في المتن ، وإلا فهم ليسوا متبعين ، ولا مؤتمين بحقيقة السنة التي جاء بها الرسول - صلي الله عليه وسلم-، بل ولا بحقيقة القرآن )(3). وقد ضل هؤلاء برفضهم السنة ، ووقعوا في أخطاء جسيمة ، ومن ذلك : أنهم كفروا المسلمين بالذنوب والسيئات ، واستحلوا دماءهم وأموالهم ، وجعلوا دار المسلمين دار حرب ، ودارهم دار الإيمان ، والسبب في ذلك كمــــا يقول شيخ الإسلام هو: ( خروجهم عن السنة ، وجعلهم ما ليس بسيئة سيئة ، وما ليس بحسنة حسنة ،.... وهذا تشترك فيه البدع المخالفة للسنة ، فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة ، وينفي ما أثبتته السنة ، ويحسن ما قبحته ، أو يحسن ما قبحت ، وهذا القدر قد يقع من بعض أهل العلم خطأ في بعض المسائل ، لكن أهل البدع يخالفون السنة الظاهرة المروية )(4) وقد واجه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان هذه الفرقة وأمثالها من أهل البدع، فأنكروا عليهم بدعهم ، وحذروا الناس منهم . فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قال : ( أصحاب الرأي أعداء السنن ، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها ، وتفلتت منهم أن يعوها ، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا : لا نعلم ، فعارضوا السنن برأيهم ، فإياكم وإياهم )(5) . وعن أبي قلابة قال : ( لا تجالسوا أهل الأهواء ، ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة ، أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لبس عليهم )(6) . وعن الحسن البصري أنه قال: ( لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم )(7). ثم قيض الله -عز وجل- في كل عصر من العصور من يقف لهذه الفرق الضالة وأقوالها بالمرصاد ، ويواجه ظلماتها بنور الحق ، وهؤلاء هم حملة السنة ، وقد وعوا عن الله وعن رسوله ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ، واستناروا بمنهج رسول الله - صلي الله عليه وسلم-في كشفهم للضلال والشبهات ، وكلما زاد أهل الضلال في عنادهم وتعسفوا في رد الحق ، كلما توسع أهل الحق في الرد عليهم وبيان باطلهم . يقول ابن المديني - رحمه الله - في حديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين علي الحق .... ) هم أهل الحديث ، والذين يتعاهدون مذهب رسول الله - صلي الله عليه وسلم-، ويذودون عن العلم ، لولاهم لأهلك الناس المعتزلة والرافضة والجهمية ، وأهل الإرجاء والرأي )(8) .
    مناظرة الإمام الشافعي ( 204 هـ ) للرافضين للسنة .
    أول من عرف عنه أنه ناظر الرافضين للسنة ، وأطال في حجاجهم والرد عليهم ، هو الإمام الشافعي - رحمه الله - فقد ذكر في كتابه الأم في ( كتاب جماع العلم ، باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها )، وقد ذكر الشافعي هناك محاورة ، جرت بينه وبين واحد من هذه الفرقة ( ينسب إلي العلم بمذهب أصحابه ). وملخص حجة من يرد الأخبار كلها كما حكاه الشافعي عنهم : أن القرآن جاء تبيانا لكل شيء ، فإن جاءت الأحاديث بأحكام جديدة لم تكن في القرآن كان ذلك معارضة من ظني الثبوت : وهي الأحاديث ، لقطعي الثبوت : وهو القرآن ، والظني لا يقوي علي معارضة القطعي ، والسنة إن جاءت مؤكدة لحكم القرآن ، كان الاتباع للقرآن لا للسنة ، وإن جاءت لبيان ما أجمله القرآن ، كان ذلك تبيانا للقطعي الذي يكفر من أنكر حرفًا واحدًا منه بالظني الذي يكفر من أنكر ثبوته ، ويلزم علي هذا أن يقبلوا الأحاديث إذا كانت متواترة ، لأنها تفيد القطع بثبوتها ، إلا أنهم لا يسلمون بذلك ، بل هي عندهم أيضا ظنية الثبوت ، لأنها جاءت من طرق آحادية ظنية ، فاحتمال الكذب في روايته قائما ، ولو كانوا جمعا عظيما )(9). ويتلخص جواب الإمام الشافعي - رحمه الله - عن شبه هؤلاء بما يلي : 1 - أن الله أوجب علينا اتباع رسوله ، وهذا عام بمن كان في زمنه ، وكل ما يأتي بعده، ولا سبيل إلي ذلك لمن لم يشاهد الرسول - صلي الله عليه وسلم- إلا عن طريق الأحاديث ، فيكون الله قد أمرنا باتباعها وقبولها ، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. 2 - أنه لابد من قبول الأحاديث لمعرفة أحكام القرآن نفسه، فإن الناسخ فيه والمنسوخ لا يعرفان إلا بالرجوع إلى السنة. 3 - أن هناك أحكاما متفقًا عليها بين جميع أهل العلم وطوائف المسلمين قاطبة ، حتى الذين ينكرون حجية السنة ، وذلك كعدد الصلوات المفروضة ، وعدد ركعاتها ، ونصاب الزكاة وغيرها ، ولم يكن من سبيل لمعرفتها وثبوتها إلا بالسنة . 4 - أن الشرع قد جاء بتخصيص القطعي بظني، كما في الشهادة علي القتل والمال، فإن حرمة النفس والمال مقطوع بهما، وقد قبلت فيهما شهادة الاثنين، وهي ظنية بلا جدال. 5 - أن الأخبار وإن كانت تحتمل الخطأ والوهم والكذب ، ولكن الاحتمال بعد التثبت، والتأكد من عدالة الراوي، ومقابلة الروايات بروايات أقرانه من المحدثين أصبح أقل من الاحتمال الوارد في الشهادات، خصوصًا إذا عضد الرواية نص من كتاب أو سنة ، فإن الاحتمال يكون معدوما . 6 - ولم يذكر الشافعي - رحمه الله تعالي - في هذا الموضع جواب قولهم : إن الله أنزل الكتاب تبيانا لكل شئ ، وذكره في مواضع كثيرة من كتابه الرسالة ، وجوابه : أن الله لم ينص في الكتاب علي كل جزئية من جزئيات الشريعة ، وإنما بين أصول الشريعة ومصادرها وقواعدها ومبادئها العامة ، ومن الأصول التي بينها : وجوب العمل بسنة الرسول - صلي الله عليه وسلم-، كما في قوله تعالي : (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(10) . ومن طالع كتاب ( الرسالة ) للإمام الشافعي، فإنه يجده قد رد ردودا مطولة علي من رفض الاحتجاج بالسنة، أو الاحتجاج بشيء منها، كالذين رفضوا الاحتجاج بخبر الآحاد.(11)

    (1) - مجموع الفتاوى ( 13 / 208 ). (2) - مجموع الفتاوى ( 19 / 73 ). (3) - مجموع الفتاوى ( 19 / 73 ). (4) - مجموع الفتاوى ( 19 / 72 ). (5) - أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم( 2001 )، والخطيب في الفقيه والمتفقه ( 479 ). (6) - أخرجه الدرامي ( 1 / 120 ) والآجري في الشريعة ص 56 . (7) - أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة ( 1 / 133 ) . (8) - مفتاح الجنة ص 48 . (9) - راحع كتاب الأم ( 7 / 250 ) وانظر : دفاع عن الحديث النبوي ص 101 ، والأضواء السنية علي مذاهب رافضي الاحتجاج بالسنة النبوية ص 24 ، 25 وما بعدهما . (10) - سورة الحشر / 7. (11) - انظر: الأضواء السنية ص 27.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •