أسرار {ظالمي أنفسهم} في آية سورة فاطر

أبو عبد الله عبد الفتاح آدم المقدشي

الظلم وضع الشيء في عير موضعه في اللغة كما أطلق الله ذلك في كتابه العزيز كوضع العبادة في غير الخالق. وقد جاء مثل هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم كما قال تعالى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}.
قال تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } [فاطر: 32-35] .

قال أبو جعفر الطبري: وأصل"الظلم" في كلام العرب، وضعُ الشيء في غير موضعه، ومنه قول نابغة بني ذبيان:


إِلا أُوَارِيَّ لأيًا مَا أُبَيِّنُهَا... وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَة ِ الْجَلَدِ


فجعل الأرض مظلومة، لأن الذي حفر فيها النؤى حَفر في غير موضع الحفر، فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها في غير موضعها انتهى.

قلت: - المؤلف- والظلم وضع الشيء في عير موضعه في اللغة كما أطلق الله ذلك في كتابه العزيز كوضع العبادة في غير الخالق. وقد جاء مثل هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم كما قال تعالى {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51 ].

ويقال: ظلمته إذا نقصت حقه قال تعالى {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا} [الكهف: 33] أي ولم تنقص منه شيئا.

وما أحسن تفسير الطبري في قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57 ].


فقال: " ويعني بقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا}، وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها. حدثنا عن المنجاب قال، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس:{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} قال: يضرون.

حتى قال رحمه الله: "وكذلك ربنا جل ذكره، لا تضره معصية عاص، ولا يتحيَّف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم، وحظها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل." ا.هـ.

وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ} حط الله بها عنكم ذنبكم وخطيئاتكم، قال: فاستهزءوا به - يعني بموسى - وقالوا: ما يشاء موسى أن يلعب بنا إلا لعب بنا، حطة حطة!! أي شيء حطة؟ وقال بعضهم لبعض: حنطة. وحدثنا القاسم بن الحسن قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج، وقال ابن عباس: لما دخلوا قالوا: حبة في شعيرة.

حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي سعد بن محمد بن الحسن قال، أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما دخلوا الباب قالوا: حبة في شعيرة،"فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم

ووجه الاستدلال أنهم وضوا الكلمة التي قيل لهم غير موضها فبدَّوا قولا غير الذي قيل لهم فختم الله الآية {فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} في الآية الأخرى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنْ السَّمَاء بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ}.

ولذلك أهل العناد بالنصوص في بني إسرائيل زادوا حرفا في كلمة حطة فحطهم الله، كما أن أهل العناد بالنصوص في أمة محمد زادوا حرفا في كلمة استوى فقالوا هي استولى فاستولى بلادهم أعداء الله، فقد بدَّلوا قولاً غير الذي قيل لهم وظلموا أنفسهم، وحرفوا كلمات ربنا بهذا التأويل الباطل، والله المستعان.

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة الأنعام: 82]

هذه نكرة في سياق النفي تفيد العموم ولذلك فهمها الصحابة أنها تشمل كل الظلم فقالوا: أينا لم يظلم لكن هنا تقع على الشرك الأكبر كما بيَّن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم تسمعوا قول العبد الصالح {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} والحديث في صحيح البخاري. وهو استثناء من القاعدة الأصولية المشهورة جاء في هذا الموضع.

ومن اطلاق الظلم على الكفر جاء أيضا في قوله تعالى { والكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254]

أما اطلاق الظلم الذي جاء في آية فاطر فإما أن يكون المفصود منه أولئك الذين وقعت منهم كبائر الذنوب فماتوا بغير توبة فعفا الله عنهم بمشيئته لقوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 4]

وإما هم الذين تابو إلى الله توبة نصوحاً فيتوب الله على من تاب ولو من الكفر أو الشرك.

ولكن اعلم أن الوعد هنا في آية فاطر وعد جازم كما سأبينه إن شاء الله بتفصيلٍ أكثر قريباً.

وإنما المقصود الذي أثار النقاش هنا في آية النساء هو أناس ماتوا ولم يتوبوا أولم يشإ الله قبول توبتهم لكونهم تابوا ولكن لم تكن توبتهم توبة نصوح أو لم يُقم عليهم حد يكفِّر الله به عن ذنوبهم أو لم يوجد لهم حسنات ماحية أو مصائب مكفِّرة أو لم تصبهم شفاعة شافع أو لم يكن لهم على الناس حقوق ليأخذوا حسناتهم أو ليُأخذ من ذنوبهم ليوضع على من ظلموهم لينجوا بذلك إلى غير ذلك مما يمحى به الذنوب.

إذاً مثل هؤلاء لا يدخلون من ضمن ظالمي أنفسهم الدخلين في الجنة في آية فاطر

لذلك جاء في حديث عبادة بن صامت في بيعة العقبة «فمن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» (رواه البخاري رحمه الله).

وإلا على أقل التقدير أقول: لو كانت توبتهم التوبة النصوح فسيكون حالهم فيمن قال الله من شأنهم {وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة التوبة:102 ] والله أعلم. فعسى عند الله التحقيق.

وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله في القاعدة المراكيشية : " مِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَنْهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ}. فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ أَنَّ " الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ " هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ أَوْ فِعْلِ مَحْظُورٍ وَ " الْمُقْتَصِدُ ": الْقَائِمُ بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَ " السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ ": بِمَنْزِلَةِ الْمُقَرَّبِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ حَتَّى يُحِبَّهُ الْحَقُّ. ثُمَّ إنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ نَوْعًا مِنْ هَذَا. فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: " الظَّالِمُ " الْمُؤَخِّرُ لِلصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا وَ " الْمُقْتَصِدُ " الْمُصَلِّي لَهَا فِي وَقْتِهَا وَ " السَّابِقُ " الْمُصَلِّي لَهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا حَيْثُ يَكُونُ التَّقْدِيمُ أَفْضَلَ. وَقَالَ آخَرُ: " الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ " هُوَ الْبَخِيلُ الَّذِي لَا يَصِلُ رَحِمَهُ وَلَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ وَ " الْمُقْتَصِدُ " الْقَائِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَقِرَى الضَّيْفِ وَالْإِعْطَاءِ فِي النَّائِبَةِ وَ " السَّابِقُ " الْفَاعِلُ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ الْوَاجِبِ كَمَا فَعَلَ (الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ حِينَ جَاءَ بِمَالِهِ كُلِّهِ؛ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَذَا يَأْخُذُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا. وَقَالَ آخَرُ: " الظَّالِمُ لِنَفَسِهِ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ لَا عَنْ الْآثَامِ وَ " الْمُقْتَصِدُ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ الطَّعَامِ وَالْآثَامِ وَ " السَّابِقُ " الَّذِي يَصُومُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى - وَأَمْثَالُ ذَلِكَ - لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَنَافِيَةً بَلْ كُلٌّ ذَكَرَ نَوْعًا مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ. ا.ه

قلت: وهذه أمثلة جميلة وتفصيل حسن وهو بالنسبة لأعمالهم في الدنيا، ولكن لابد أن يكون ذلك مقرونا بالتوبة من ترك الواجبات الكبيرة كالزكاة مثلا التي أشار إليها في الأمثلة للحديث الوارد فيه أن تاركها يعذب في القبر

و كذلك لابد من التوبة من كل فعل المحرمات الكبيرة كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [سورة النجم: 37].

وقد فٌسِّر كبائر الإثم ترك الواجبات الكبيرة وترك الفواحش أن يترك المحرمات الكبيرة، إذ قد يكون صاحب الذنب الصغير يكبر ذنبه بإصراره وقد يكبر باستخفافه واستهتاره، وقد يكون صاحب الذنب الكبير لا يزال خائفاً وجلاً من ذنبه حتى يرحمه الله ويغفر له لكن مع التوبة بالطبع كما قال تعالى {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 25].

بمعنى هذا أن حسابهم عند الله الذي هو أعلم بما نفوسهم ويعلم السر والأخفى، والله أَعلم.

ومن ضمن أسباب دخول ظالمي أنفسهم في هذ الوعد هو أفضلية أُمَّة خير خلق الله على سائر الأمم ولكونهم أُمَّة مرحومة بحمد الله، ولكونهم أكثر الأمم دخولاً الجنة، ولكونهم يشهدون على سائر الأمم، ولكونهم جاهدوا في دين الله حق جهادهم وصبروا على المحن المتتالية إلى يوم القيامة حق الصبر، ولكونهم فازوا ونجحوا على أشدِّ ابتلاءات الدُّنيا من الخوف والطمع أو من الرغبة والرهبة حتى صمدوا على وجوه كل من حاول الصَّد عن دينها أو فتنتها حتى رسخوا – بحمد الله ومنته - كرسوخ الجبال الشامخات.

ومن المعلوم أن أُمَّة بني إسرائيل ما كان لهم أُمَّة سابقة وإنما كان لهم أُمَّة مقتصدة، بل وصفهم الله بأن كثيرا منهم كانوا فاسقين. والدليل على ذلك قوله تعالى {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [ المائدة: 66].

وقد ذكر الله سبحانه ذلك في سبيل الامتنان كما ترى، ثم صرَّح الله سبحانه بأن كثيراً منهم فاسقون مما يدل على أنهم أقل شرفاً من أُمَّة خير خلق الله.

أما أُمَّة محمد لما أراد الله سبحانه أن يذكر فضيلتهم في سبيل الامتنان لهم فقد بدأ بذكر فضيلتهم بظالمي أنفسهم ثم المقتصدين ثم السابقين وأنهم كلهم يدخلون الجنة بوعد من الله حتى قيل الواو الذي جمعهم الله في قوله تعالى {يَدْخُلُونَهَا} لو كُتِبت بماء العيون ما كان كثيراً كما أفاده الإمام الشنقيطي- رحمه الله.

أما السر في بدأ الله تعالى بظالمي أنفسهم فمن العلماء من يقول لكي لا يقنط الظالمون من رحمة الله وقال آخرون: لكي لا يعجب السابقون بأعمالهم، أفاده الإمام الشنقيطي- رحمه الله.

وأقول: قد يكون السبب لدلالة كرامة ظالمي أنفسهم التائبين إلى الله عند الله، ولكي لا يقنط أحدٌ من رحمة الله الواسعة.

وقد أكرم الله المذنبين ترحيباً لهم للتوبة عند مناداتهم بقوله يا عبادي فكيف ظنك بمجازاتهم كما قال تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:5]

وأيضاً قد يكون السبب للدلالة على أن رحمة الله قريب من المحسنين وأن ظالمي أنفسهم التائبين إلى الله من المحسنين

وأيضاً قد يكون السبب لكي لا يحقر الظالمي أنفسهم التائبين إلى الله أن يكونوا مع المقتصدين والسابقين في صفٍ واحدٍ وأنهم مصطفين ومجتبين عندالله كالمقتصدين والسابقين،. والله أعلم بأسرار كتابه.

ولكن قد وجدت الإمام ابن تيمية – رحمه الله - أشار في كتابه الإيمان الأوسط أنهم قد يدخلون الجنة بعد الخروج من النار وهو خلاف ظاهر الآية – كما ترى - لكونهم قُرِنوا بالسَّابقين والمقتصدين، بل بُدِأ بهم لئلا يتطرق في ذلك أي اشكال.

أما اشكاله - رحمه الله- هو: إن كانوا تائبين لكانوا من المقتصدين أو السَّابقين.

والجواب من ذلك هو: إنما المقصود من ذلك أنهم لو ماتوا عند توبتهم ولم يصلوا إلى درجة المقتصدين أو السابقين، إذ قد يصل المقتصد إلى درجة السَّابقين مع مرور الزمان لكن إنما المقصود لو مات على هذه الحالة وهو تائب وهكذا الظلمي أنفسهم إنما المقصود إنهم لو ماتوا على هذه الدرجة ولم يصلوا بعد إلى درجة المقتصدين، والله أعلم،

أما إذا قال قائل مثلاً: إن تابوا زال عنهم وصف ظالمي أنفسهم أصلاً قلت: لكنهم لم يصلوا بعد إلى درجة المقتصدين لكونهم ماتوا وهم موصوفون من قبل بهذا الوصف ولكنهم تابوا إلى الله التوبة النصوح فقبل منهم، فهم إذا يعتبرون ويُسمُّون ويُوصفون على ما كانوا قبل أن يتوفاهم الله من الوصف،والله أعلم.

إذن الأمر المهم هنا هو أن هؤلاء الظالمي أنفسهم تابوا إلى الله توبة نصوحاً وأنابوا إلى الله إنابة ً عظيمةً، وإلا لو لم يكونوا تائبين توبة نصوحاً لدخلوا تحت المشيئة في آية النساء، ولكان المجتنبين عن الكبائر والصغائر في آية النساء سواء في وعد الجنة لهم ولا قائل به.

وهكذا أرى والله أعلم أن الأمة المقتصدة من أمة محمد تشبة كسابقي أمة بني إسرائيل كما ليس لهم ظالمي أنفسهم ممدوحون وهو واضح والله أعلم. بل صرَّح الله بأن كثيراً منهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله.

وقد رسبت أمة بني إسرائيل في كثير من الابتلاءات التي امتحن الله بكلتا الأمتين أعني أُمَّة بني إسرائيل وأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

كما ابتلاهم مثلاً بالصَّيد فاصطادت أمة بني إسرائيل ولم تصبر من الصَّيد بل احتالت له حتى أكلته، وصبرت أمة محمد من الصَّيد المحرَّم في البلد الحرام.

وابتلى الله بني إسرائيل كذلك بقتال العمالقة في بيت المقدس فجبُنت وقالوا لنبيهم {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [سورة المائدة:24] وابتلى الله سبحانه أمة محمد بفتال قريش وهم أكثر عددا وعدة في غزوة بدر حيث كانوا أكثر من ضعفيهم فقالوا: إذهب أنت وربك فقاتلا وإنا معكما مقاتلون. فقاتلوهم وانتصروا عليهم في معركة بدر المشهورة وأفرحوا نبيهم بشجاعتهم المنقطعة النظير وببسالتهم الناذرة وبطاعتهم الكاملة واستسلامهم لأمر ربهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم.

وهكذا أرى - والله أعلم - أن ظالمي أنفسهم من أُمَّتنا المذكورين في آية فاطر أنهم أصحاب النفوس اللوَّامة الأوَّابين إلى ربِّهم وأن المقتصدين والسَّابقين هم أصحاب النفوس المطمئنَّة وأن أصحاب النفوس الأمارة بالسوء محلهم النار إلا من رحمهم الله الداخلين تحت صنف النفوس اللوامة. وأرى أن هذا هو التحقيق لتتوافق أدلة الكتاب.

ومما يؤكد الدليل على ذلك لمَّا قال الله {إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ستثنى الله عن ذلك إلا ما رحم والمرحومون هم أصحاب النفوس المطمئنة واللوامة الأوابين اللتان من فضيلتهما أن ذكر الله في شأن أصحاب النفوس المطمئنة في آخر سورة الفجر وما لها من فضل كما قسم الله بأصحاب النفوس اللوامة في سورة القيامة.

وهكذا لمَّا قال الله {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء 31 ]: وقال تعالى {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53 ].

عُلم من ذلك أن آية النساء لا تعارض آية الزمر فكما أن المجتبين من الكبائر وعد الله لهم الجنة في آية النساء فإن آية الزمر كذلك وعد الله للمرتكبين على الكبائر التائبين منها الجنة.

واعلم أن كلاً من هذين الصنفين من ضمن الموعودين للجنة في آية فاطر خصوصاً أولئك الذين تابوا التوبة النصوح كما تدل الأدلة على ذلك بل لو تابوا التوبة النصوح ليبدَّلنَّ الله سيئاتهم حسنات كما قال تعالى {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} [سورة الفرقان:68 - 71 ].

ومن تاب تاب الله عليه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له كما قال تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورة:25]

ثم اعلم أن آية النساء وهي قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] ذكرت أصحاب كبائر دخلوا تحت المشيئة ولكن أي أصحاب كبائر تعني آية النساء؟

إنها تعني أصحاب كبائر أتبعوا نفوسهم أهواءهم واتبعوا شهواتهم وقلَّ خوفهم من الله وتركوا التوبة والأوبة إلى الله وإن كان يجوز أن يكون لهم أدنى إيمان أو عمل صالح آخر قد يكرمهم الله به.

وإذا تأمَّلت قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.

مع قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف:56] علمت أن هذه الرحمة القريبة من المحسنين ستشمل كل من له أدنى إيمان في قلبه وإن قل لقوله تعالى، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة:120] والعلم عند الله.

إذاً هؤلاء الذين وصفت لك حالهم أنهم تركوا التوبة والأوبة إلى الله داخلون تحت مشيئة الرحمن لكن ليسوا داخلين في هذا الوعد الذي جاء في آية سورة فاطر. إن لم تصبه رحمة من الله أو شفاعة أو كفارات ماحية أو غير ذلك مما أشرت إلىه سابقاً في المقال.

ويؤيد هذا الذي قلته لك آنفا أن الله سبحانه أثنى ظالمي أنفسهم الذين نحن بصدد توضيح حالهم وشرحهم أيضا ما جاء في سورة غافر من توبة المذنبين كما قال تعالى {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِ مْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [غافر: 7-9 ]

ومن هم هؤلاء يا ترى الذين وعد الله لهم جنات عدن في هذه الآيات؟ إنهم الموصوفون أولاً بالإيمان، ولو لم يكونوا من المؤمنين لم يدخلوا الجنة أصلا كما تعلم.

ثم وصفهم الله ثانياً بصفتين عظيمتين وهما التوبة واتباع سبيل الله فمن كان كذلك حاله فاعلم أنه هو التائب التوبة النصوح ومن ليس كذلك فليس من الظالمي أنفسهم الموعودين لهم بالجنة في آية فاطر - كما قررت - وذلك لتتفق نصوص الكتاب والسنة بذلك التقرير والتحقيق والحمد لله.

لأن الله سبحانه قال: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء:31]

وهذ افيه دليل على أن الموعودين للجنة هم المجتنبين عن الكبائر أو التائبين عنها بالتوبة النصوح – كما أسلفنا-..

إذ المقصود هنا في آية النساء أي قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} الآية هم أصحاب الكبائر غير التائبين، أوغير التائبين التوبة النصوح، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، أو يمكن أن خُتم لهم بهذه الكبائر قبل أن يتوبوا وقد وقعت منهم ذنوب عظام التي دون الشرك، والله أعلم. والعياذ بالله.

فهذا الدعاء من الملائكة للتائبين التوبة النصوح تضمنت كما ترى ثلاثة أمور التي من اكتملت لديه فقد اكتمل له الإيمان والهداية كالتالي:-

وهي أولا: التوبة مع شروطها المعروفة بالطبع

والثاني: إتباع السبيل التي معناها الإيمان والعمل الصالح

والثالث: أن يتقوا السيئات ليظفروا الهداية الكاملة والرحمة المهداه من الله وقد بيَّن الله هذه المعاني في آية موجزة في سورة طه كما قال تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82]. والله أعلم.
ثم لابد أن نعلم أن الله سبحانه ذكر في كتابه العزيز مراتباً لأهل الإيمان كأصحاب اليمين والسابقين السابقين.
ومن ضمن أصحاب اليمين ظالمي أنفسهم كما تعلم وإلا لم يدخلوا الجنة أصلا ولكانوا من أصحاب االشمال.
وما أدراك ما أصحاب الشمال إنهم بين كفار وفساق عظمت غفلتهم واتباعهم للشهوات وبعدهم عن الله والعياذ بالله حتى وصفهم الله في سورة البلد أن أصحاب الشمال هم كافرون وقد يكون السبب في ذلك لغلبتهم في أهل النار، والله أعلم.
وقال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ * بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [سورة الانشقاق: 10- 15 ]
قد سمَّى الله في سورة الانشقاق الكافر والفاسق الناسي لربه بالإنسان إذ يشملهما لفظ الإنسان، حيث أنهما كانا في أهلما مسرورين لغفلتهما العظيمة ونسيانهما الله سبحانه الذي خلقهما ولذلك قال تعالى {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُور} ولذلك الكافر والفاسق الناسيين لربِّهما فرحا بملإ فيهما كأن لا حساب بعدهما ولا عقاب هناك في يوم القيامة.

بينما وصف الله المؤمنين بقوله سبحانه {قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ} [ والطور: 26] وقال تعالى {الَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [ المعارج: 27-28] وهذا من ضمن الآيات التي تثير القلق مادام عذاب ربنا غير مأمون وما دام توعَّد الله المرور على الصراط فوق النار ولم يجد أحد وعد من الله بالدخول إلى الجنان إلا ما جاء في عهد الصحابة.

وهكذا قال الله تعالى في ضمن الآيات التي أتت بعد آية فاطر التي نحن في صدد شرحها {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر:35 ]

فما معنى هذا الحزن يا ترى الذي أذهب الله عنهم بعد دخولهم الجنة؟

والجواب: أنه حزن الخوف من النار والإشفاق لأنفسهم من اللهيب العظيم فيها حيث شررها كالقصر فكيف نارها وحرها والعياذ بالله؟!

إذا فهل تظن أيها الفطن ويا صاحب الحصافة – أن مثل هذا الخوف من العبد الذي سمًّاه الله سبحانه أنه من الظالمي أنفسهم يُهدره الله ولا يكون له قيمة، وقد كان حزنه وخشيته من الله العظيم بهذه المنزلة العظيمة ثم يكون من الظالمين الممقوتين عند الله لا وألف كلا بل لابد إنه كان من الأوَّابين الأوَّاهين المخبتين لربهم فرحمه الله بهذه الصفات العظيمة، والتائب من الذنب كمن لا ذب له.والله أعلم.

حتى إن بعض الناس إن وقعت منهم ذنوب كطبيعية البشر ولو كانت من الكبائر فسرعان ما يتوبون إلى ربهم بالتوبة النصوح مع الخوف الشديد والحزن العظيم والبكاء المر مع اعترافهم بذنوبهم التي خلطوا فيها عملا صالحا وآخر سيئا والله سبحانه كريم سيقبل منهم توبتهم وإنابتهم إلى الله وهو سبحانه أرحم لعباده من أم لولدها والله أعلم.

وقد وصف الله بعض أصحاب الشمال وهم الكفار في سورة الواقعة بالترف أولا قبل وصف كفرهم كما قال سبحانه {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ} [ الوقعة: 41-46 ]

إذ الترف مصيبة عظيمة تُشقي المرء قبل إيمانه وبعد إيمانه، بل هي قتنة لا تترك عالماً ولا متعلماً ولا عامياً إلا تسحقهم تحت أقدامها أذلاء والعياذ بالله.

وما كانت أتباع الرسل إلا مساكين وما كان أعداءهم إلا مترفين كما قال تعالى {كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23 ].

إذ الترف قرين الكبر والفخر والافتتان بالدنيا والغفلة والتشاغل عن العبادة والحرص على الدنيا إذا لا يجتمع حرصان في آن واحد إلا لقليل من الصديقين

ثم اعلم أن العبد المترف هو في الغالب قليل الحركة إلى العبادة لترفه وقليل التذكرة ليوم الآخرة لغفلته وقليل العلم والفهم لقلة بصيرته إلا لدنياه والعياذ بالله كما أنه قليل الهم للمسلمين لتشاغله بنفسه وهواه ولليونته وعدم إكتراثه أن يشمر عن ساعد الجد للأعمال الواجبة العامة والضرورية للمسلمين فضلا عن الأعمال التطوعية.

وهذا -بالطبع - ما لا يليق بأُمَّة المسلمين الذين شرَّفهم الله بأن يكونوا أفضل الأمم على الاطلاق ومن أتباع أشرف الرسل- بأبي هو وأمي - وعليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات وعلى جميع الرسل أجمعين،

وقلت:

دار حُلوها مرٌ وسُرورها غمٌ ** نكدٌ كلها فأين لها من نعيمٍ

متى ما أحببتها أنستك نعيم ** الآخرة كم كارهاً لها لجهنم

فيا غافلُ المشتغل من الأهمِّ ** اتستبدل الخسيس بالأعظم

ويا ناصحُ لنفسه خُذِ العلم ** واعمل به وقم بالدِّين للأنام

واعبد ربك لا تفتننَّك فكم ** من نادمٍ فرَّط لا ينفعه الندم


والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.