قصة دولة المماليك
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 16 من 16

الموضوع: قصة دولة المماليك

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي قصة دولة المماليك

    قصة دولة المماليك

    التمهيد لدولة المماليك-(1)


    د. راغب السرجاني










    تعتبر فترة حكم المماليك من الفترات التاريخية المجهولة عند كثير من المسلمين، بل عند كثير من مثقفي المسلمين، وذلك قد يكون راجعًا لعدة عوامل.. ولعل من أهم هذه العوامل أن الأُمَّة الإسلامية في ذلك الوقت كانت قد تفرقت تفرقًا كبيرًا، حتى كثرت جدًّا الإمارات والدويلات، وصغر حجمها إلى الدرجة التي كانت فيها بعض الإمارات لا تتعدى مدينة واحدة فقط! وبالتالي فدراسة هذه الفترة تحتاج إلى مجهود ضخم لمتابعة الأحوال في العديد من الأقطار الإسلامية.
    ومن العوامل التي أدت إلى جهل المسلمين بهذه الفترة أيضًا: كثرة الولاة والسلاطين في دولة المماليك ذاتها، ويكفي أن نشير إلى أن دولة المماليك الأولى - والمعروفة باسم دولة المماليك البحرية (وسنأتي إلى تعريف ذلك الاسم لاحقًا إن شاء الله) - حكمت حوالي 144 سنة، وفي خلال هذه الفترة حكم 29 سلطانًا! وذلك يعني أن متوسط حكم السلطان لم يكن يتعدى خمس سنوات.. وإن كان بعضهم قد حكم فترات طويلة، فإن الكثير منهم قد حكم عامًا أو عامين فقط! أضف إلى ذلك كثرة الانقلابات والاضطرابات العسكرية في فترة حكم المماليك، فقد قتل من السلاطين التسعة والعشرون عشرة، وخُلع اثنا عشر! وهكذا كانت القوَّة والسلاح هي وسيلة التغيير الرئيسية للسلاطين، وسارت البلاد على القاعدة التي وضعها أحد سلاطين الدولة الأيوبية (قبل المماليك) وهو السلطان «العادل الأيوبي[1]»، والتي تقول: «الحكم لمن غلب»!
    ولعل من أهم أسباب عدم معرفة كثيرين بدولة المماليك هو تزوير التاريخ الإسلامي، والذي تولى كبره المستشرقون وأتباعهم من المسلمين المفتونين بهم، والذين شوهوا تاريخ المماليك لإنجازاتهم المشرقة والمهمَّة؛ والتي كان منها: وقوفهم سدًا منيعًا لصد قوتين عاتيتين من قوى الشر التي حاولت هدم صرح الإسلام، وهما التتار والصليبيون، وكان للمماليك جهاد مستمر ضد هاتين القوتين، وعلى مراحل مختلفة، وظلت دولة المماليك تحمل راية الإسلام في الأرض قرابة ثلاثة قرون، إلى أن تسلمت الخلافة العثمانية القوية راية المسلمين.
    وفي هذا المقال سأحاول أن أمر باختصار شديد على الأحداث التي أدت إلى ظهور دولة المماليك.
    الدولة الأيوبية تمهد للمماليك:
    أسَّسَ البطل الإسلامي العظيم صلاح الدين الأيوبي دولة الأيوبيين في سنة 569 هجرية، وظل يحكم هذه الدولة عشرين سنة إلى سنة 589 هجرية، ووحد في هذه الفترة مصر والشام، وتزعم الجهاد ضد الممالك الصليبية باقتدار، وحقق عليهم انتصارات هائلة، والتي من أشهرها موقعة حطين الخالدة في ربيع الآخر سنة 583 هجرية، وفتح بيت المقدس بعد حطين بثلاثة شهور فقط في رجب من السنة نفسها، وترك صلاح الدين الأيوبي دولة قوية عظيمة تبسط سيطرتها على مصر والشام والحجاز واليمن وأعالي العراق وأجزاء من تركيا وأجزاء من ليبيا والنوبة.. وحُصر الصليبيون في ساحل ضيق على البحر الأبيض المتوسط في الشام.








    خريطة الدولة الأيوبية في أقصى اتساع لها







    لكن -سبحان الله!- بوفاة صلاح الدين الأيوبي تقلص دور الجهاد ضد الصليبيين، وفُتن المسلمون بالدولة الكبيرة، وكثرت الأموال، وانفتحت الدنيا، واتسعت البلاد، وكان من جراء هذه العوامل وغيرها أن حدثت انقسامات شديدة في الدولة الأيوبية، وتفككت الدولة الأيوبية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي.
    ولسنا بصدد التفصيل في هذه الخلافات والصراعات والاستقلالات، ولكن نذكر هنا أن الصراع بين أمراء الأيوبيين استمر نحو ستين سنة متصلة منذ موت صلاح الدين الأيوبي في سنة 589 هجرية، وإلى انتهاء الدولة الأيوبية في سنة 648 هجرية، ولم يكن هذا الصراعُ صراعَ كلام وسباب وشقاق فقط.. بل كان يصل إلى حد التقاتل بالسيوف، وإراقة الدماء المسلمة، وأدى ذلك بالطبع إلى الفُرقة الشديدة، والتشرذم المقيت.. بل كان يصل أحيانًا الخلاف وانعدام الرؤية إلى درجة التعاون مع الصليبيين ضد المسلمين! أو التعاون مع التتار ضد المسلمين! وكل هذا من جراء الوقوع تحت فتنة الدنيا الرهيبة التي طالما حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    روى ابن ماجه والطبراني وابن حبان بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ، جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» [2]
    لقد جعل صلاح الدين الأيوبي الجهاد نصب عينيه، وجعل له هدفًا واحدًا هو قتال الصليبيين، وإعلاء كلمة الدين، فجمع الله عليه أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا - فعلاً - وهي راغمة.
    أما معظم السلاطين الذين جاءوا من بعده فقد جعلوا الدنيا أكبر همهم، فتفرق عليهم الأمر تمامًا، فما عادوا يدركون الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، فتارة مع المسلمين، وتارة مع الصليبيين، وتارة مع التتار، فجعل الله عز وجل فقرهم بين أعينهم، فمنهم من مات ذليلًا، ومنهم من مات فقيرًا، ومنهم من مات طريدًا، ومنهم من مات حبيسًا.
    كان هذا هو واقع المسلمين في معظم الفترة التي تلت حكم البطل الكبير صلاح الدين الأيوبي.
    الملك الصالح وفكرة المماليك:
    سأقفز بكم خمسين سنة من الصراع، وأصل بكم إلى السنوات العشر الأخيرة من الدولة الأيوبية، وبالتحديد إلى سنة 637 هجرية، وذلك حين تولى عرش مصر السلطان الأيوبي «الصالح نجم الدين أيوب»[3] أو «الملك الصالح»، والذي يعد من أفضل السلاطين الأيوبيين بعد صلاح الدين، وللأسف فإن كثيرًا من المسلمين لا يعرفون شيئًا عن هذا السلطان العظيم حتى في مصر، والتي كانت مقر حكمه الرئيسي.

    تولى الملك الصالح أيوب حكم مصر سنة 637 هجرية، وكالعادة الجارية في تلك الأيام استعدّ الأمراء الأيوبيون في الشام للتقاتل معه على خلافة مصر[4].. وحدثت بينهم مناوشات وحروب، ووصل الأمر إلى مداه في سنة 641 هجرية عندما توحدت قوى الأيوبيين المتناثرة في الشام[5]، وتحالفت مع الصليبيين لحرب الملك الصالح أيوب! وذلك في مقابل أن يتنازل أمراء الشام الأيوبيون عن بيت المقدس للصليبيين!
    والحق أن المرء لا يستطيع أن يتخيل كيف قبل أولئك الأمراء أن يتنازلوا عن بيت المقدس للنصارى، والمسلم الصادق لا يتخيل التفريط في أي بقعة إسلامية مهما صغرت، فكيف ببيت المقدس خاصة، والذي به -كما يعرف الجميع- المسجد الأقصى، والذي حرَّرَهُ جدهم البطل صلاح الدين من أيدي الصليبيين، وأريقت في سبيل تحريره دماء كثيرة، ومرت على المسلمين فترات عصيبة، وحروب مريرة.. لكن -سبحان الله!- هذا ما حدث بالفعل!
    وتوحدت قوى أمراء الشام الأيوبيين مع الصليبيين في جيش كبير، وبدأ الزحف في اتجاه مصر.. وهنا أعد الملك الصالح جيشه، ووضع على قيادته أكفأ قادته وهو ركن الدين بيبرس، واستعد للمواجهة.. وكان الجيش المصري قليلًا وضعيفًا إذا قورن بالأعداد الكبيرة لجيوش الشام والصليبيين، ولذلك استعان الملك الصالح بالجنود الخُوارِزمية الذين كانوا قد فروا من قبل من منطقة خُوارِزم بعد الاجتياح التتري لها.
    وكان هؤلاء الجنود الخُوارِزمية جنودًا مرتزقة بمعنى الكلمة.. بمعنى أنهم يتعاونون مع من يدفع أكثر، ويعرضون خدماتهم العسكرية في مقابل المال، فاستعان بهم الملك الصالح أيوب بالأجرة، ودارت موقعة كبيرة بين جيش الملك الصالح أيوب وبين قوى التحالف الأيوبية الصليبية، وعرفت هذه الموقعة باسم موقعة غزة، وكانت في سنة 642 هجرية، وكانت هذه الموقعة قد وقعت بالقرب من مدينة غزة الفلسطينية -نسأل الله عز وجل أن يحررها، وأن يحرر كامل فلسطين إن شاء الله- وانتصر فيها الملك الصالح انتصارًا باهرًا، وقُتل من الصليبيين أعداد كبيرة وصلت إلى ثلاثين ألف مقاتل، وأسرت مجموعة كبيرة من أمرائهم وملوكهم، وكذلك أسرت مجموعة من أمراء الأيوبيين، واستغل الصالح أيوب الفرصة واتجه إلى بيت المقدس الذي كان الأيوبيون في الشام قد تنازلوا عنه للصليبيين، فاقتحم حصون الصليبيين، وحرّر المدينة المباركة بجيشه المدعم بالخُوارِزمية في سنة 643 هجرية، وبذلك حُرّر بيت المقدس نهائيًا[6]، ولم يستطع جيش نصراني أن يدخله أبدًا لمدة سبعة قرون كاملة، إلى أن دخلته الجيوش البريطانية في الحرب العالمية الأولى في يوم 16 من نوفمبر سنة 1917 ميلادية، وذلك بالخيانة المعروفة لمصطفي كمال أتاتورك.. نسأل الله أن يعيده من جديد إلى الإسلام والمسلمين.
    ثم إن الملك الصالح أيوب أكمل طريقه في اتجاه الشمال، ودخل دمشق، ووحّد مصر والشام من جديد، بل اتجه إلى تحرير بعض المدن الإسلامية الواقعة تحت السيطرة الصليبية، فحرر بالفعل طبرية وعسقلان وغيرهما.
    غير أنه حدث تطور خطِر جدًّا في جيش الصالح أيوب، حيث انشقت عن جيشه فرقة الخُوارِزمية المأجورة! وذلك بعد أن استمالها أحد الأمراء الأيوبيين بالشام مقابل دفع مال أكثر من المال الذي يدفعه لهم الصالح أيوب، ولم تكتف هذه الفرقة بالخروج، بل حاربت الصالح أيوب نفسه، ولم يثبت معه في هذه الحرب إلا جيشه الأساسي الذي أتى به من مصر، وعلى رأسه قائده المحنك ركن الدين بيبرس[7].
    وخرج الصالح أيوب من هذه الحرب المؤسفة وقد أدرك أنه لا بُدَّ أن يعتمد على الجيش الذي يدين له بالولاء لشخصه لا لماله.. فبدأ في الاعتماد على طائفة جديدة من الجنود بدلًا من الخُوارِزمية...... .. وكانت هذه الطائفة هي: «المماليك».
    والتي سنتابع الحديث عنها في بقية المقالات القادم إن شاء الله.
    [1] الملك العادل (ت615هـ):هو السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب وكان العادل حليمًا صفوحًا صبورًا على الأذى، كثير الجهاد بنفسه ومع أخيه، حضر معه مواقفه كلها أو أكثرها في مقاتلة الفرنج، وكانت له في ذلك اليد البيضاء، وكان ماسك اليد، وقد أنفق في عام الغلاء بمصر أموالاً كثيرة على الفقراء، وتصدق على أهل الحاجة من أبناء الناس وغيرهم شيئًا كثيرًا جدًّا.
    [2] ابن ماجه: كتاب الزهد بالدنيا، باب الهم بالدنيا (4105)، وقال الشيخ الألباني صحيح.
    [3] نجم الدين أيوب (603-647هـ): هو السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، مولده بالقاهرة في سنة ثلاث وستمائة، وبها نشأ، وكان مكثرًا من المماليك، وبنى لهم قلعة الروضة التي بين الجيزة والقاهرة وأسكنهم بها، مرض ثم توفي أثناء محاصر الفرنسيين لدمياط، وأخفت زوجته شجرة الدر ذلك حتى تم النصر.
    [4] ابن كثير: البداية والنهاية 13/180.
    [5] انظر الأحداث عند ابن كثير: البداية والنهاية 13/189.
    [6] ابن كثير: البداية والنهاية 13/192.
    [7] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/322.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي


    قصة دولة المماليك

    نشأة المماليك-(2)


    د. راغب السرجاني







    من هم المماليك؟
    المماليك في اللغة العربية هم العبيد أو الرقيق، وبخاصة هم الذين سُبُوا ولم يُسب آباؤهم ولا أمهاتهم.. ومفرد المماليك مملوك، وهو العبد الذي يباع ويشترى، أما العبد الذي سُبِي أبواه يعرف بالعبد القن وليس المملوك.

    ومع أن لفظ المماليك بهذا التعريف يعتبر عامًا على معظم الرقيق، فإنه اتخذ مدلولًا اصطلاحيًا خاصًا في التاريخ الإسلامي، وذلك منذ أيام الخليفة العباسي المشهور «المأمون»، والذي حكم من سنة 198 هجرية إلى 218 هجرية، وأخيه «المعتصم» الذي حكم من سنة 218 هجرية إلى 227 هجرية.. ففي فترة حكم هذين الخليفتين استجلبا أعدادًا ضخمة من الرقيق عن طريق الشراء من أسواق النخاسة، واستخدموهم كفرق عسكرية بهدف الاعتماد عليهم في تدعيم نفوذهما.
    وبذلك -ومع مرور الوقت- أصبح المماليك هم الأداة العسكرية الرئيسية -وأحيانًا الوحيدة- في كثير من البلاد الإسلامية.. وكان أمراء الدولة الأيوبية بوجه خاص يعتمدون على المماليك الذين يمتلكونهم في تدعيم قوتهم، ويستخدمونهم في حروبهم، لكن كانت أعدادهم محدودة إلى حد ما، إلى أن جاء الملك الصالح أيوب، وحدثت فتنة خروج الخُوارِزمية من جيشه، فاضطر إلى الإكثار من المماليك، حتى يُقوي جيشه ويعتمد عليهم، وبذلك تزايدت أعداد المماليك جدًّا، وخاصة في مصر.

    مصادر المماليك:
    كان المصدر الرئيسي للمماليك إما بالأسر في الحروب، أو الشراء من أسواق النخاسة.. ومن أكثر المناطق التي كان يجلب منها المماليك بلاد ما وراء النهر، (أي: نهر جيحون، الذي يجري شمال تركمنستان وأفغانستان، ويفصل بينهما وبين أوزبكستان وطاجكستان)، وكانت الأعراق التي تعيش خلف هذا النهر أعراق تركية في الأغلب، وكانت هذه المناطق مسرحًا دائمًا للقتال وعدم الاستقرار، ولذلك كثر الأسرى القادمون من هذه المناطق، وكثرت أسواق الرقيق هناك، ومن أشهر مدن الرقيق في ذلك الوقت كانت «سمرقند» و«فَرْغَانَة» و«خُوارِزم» وغيرها.. لذلك كان الأصل التركي هو الغالب على المماليك، وإن كان لا يمنع أن هناك مماليك من أصول أرمينية ومن أصول مغولية، كما كان هناك مماليك من أصول أوروبية، وكان هؤلاء الأوربيون يعرفون بالصقالبة، وكانوا يستقدمون من شرق أوربا بوجه خاص.

    كل هذا كان يحدث على مدار عشرات أو مئات السنين، ولكن الأمر الذي استحدثه الملك الصالح أيوب -وتبعه بعد ذلك سلاطين دولة المماليك- أنه كان لا يأتي إلا بالمماليك الصغار في السن، أي في مرحلة الطفولة المبكرة، وكان غالبهم من بلاد غير مسلمة، وإن كان يحدث أحيانًا أن يؤسر بعض الأطفال المسلمين غير الناطقين بالعربية، فلا يُعرفون، ولا يُعرف أصلهم أو دينهم، فيعاملون معاملة الرقيق.
    تربية المماليك:
    وكان الصالح أيوب -ومن تبعه من الأمراء- لا يتعاملون مع المماليك كرقيق.. بل على العكس من ذلك تمامًا.. فقد كانوا يقربونهم منهم جدًّا لدرجة تكاد تقترب من درجة أبنائهم.. ولم تكن الرابطة التي تربط بين المالك والمملوك هي رابطة السيد والعبد قط، بل رابطة المعلم والتلميذ، أو رابطة الأب والابن، أو رابطة كبير العائلة وأبناء عائلته.. وهذه كلها روابط تعتمد على الحب في الأساس، لا على القهر أو المادة.. حتى إنهم كانوا يطلقون على السيد الذي يشتريهم لقب «الأستاذ» وليس لقب «السيد».

    ويشرح لنا المقريزي: كيف كان يتربى المملوك الصغير الذي يُشترى وهو ما زال في طفولته المبكرة، فيقول:
    «إن أول المراحل في حياة المملوك هي أن يتعلم اللغة العربية قراءة وكتابة، ثم بعد ذلك يُدفع إلي من يعلمه القرآن الكريم، ثم يبدأ في تعلم مبادئ الفقه الإسلامي، وآداب الشريعة الإسلامية.. ويُهتم جدًّا بتدريبه على الصلاة، وكذلك على الأذكار النبوية، ويُراقب المملوك مراقبة شديدة من مؤدبيه ومعلميه، فإذا ارتكب خطأً يمس الآداب الإسلامية نُبه إلى ذلك، ثم عوقب»[1].
    لهذه التربية المتميزة كان أطفال المماليك ينشئون عادة وهم يعظمون أمر الدين الإسلامي جدًّا، وتتكون لديهم خلفية واسعة جدًّا عن الفقه الإسلامي، وتظل مكانة العلم والعلماء عالية جدًّا جدًّا عند المماليك طيلة حياتهم، وهذا ما يفسر النهضة العلمية الراقية التي حدثت في زمان المماليك، وكيف كانوا يقدرون العلماء حتى ولو خالفوهم في الرأي.. ولذلك ظهر في زمان دولة المماليك الكثير من علماء المسلمين الأفذاذ من أمثال العز بن عبد السلام والنووي وابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن حجر العسقلاني وابن كثير والمقريزي وابن جماعة وابن قدامة المقدسي رحمهم الله جميعًا، وظهرت -أيضًا- غيرهم أعداد كثيرة من العلماء يصعب جدًّا حصرهم.
    ثم إذا وصل المملوك بعد ذلك إلى سن البلوغ جاء معلمو الفروسية ومدربو القتال فيعلمونهم فنون الحرب والقتال وركوب الخيل والرمي بالسهام والضرب بالسيوف، حتى يصلوا إلى مستويات عالية جدًّا في المهارة القتالية، والقوَّة البدنية، والقدرة على تحمل المشاق والصعاب[2].
    ثم يتدربون بعد ذلك على أمور القيادة والإدارة ووضع الخطط الحربية، وحل المشكلات العسكرية، والتصرف في الأمور الصعبة، فينشأ المملوك وهو متفوق تمامًا في المجال العسكري والإداري[3]، وذلك بالإضافة إلى حمية دينية كبيرة، وغيرة إسلامية واضحة.. وهذا كله -بلا شكٍّ- كان يثبت أقدام المماليك تمامًا في أرض القتال.
    وكل ما سبق يشير إلى دور من أعظم أدوار المربين والآباء والدعاة، وهو الاهتمام الدقيق بالنشء الصغير، فهو عادة ما يكون سهل التشكيل، ليس في عقله أفكار منحرفة، ولا عقائد فاسدة، كما أنه يتمتع بالحمية والقوَّة والنشاط، وكل ذلك يؤهله لتأدية الواجبات الصعبة والمهام الضخمة على أفضل ما يكون الأداء.
    وفي كل هذه المراحل من التربية كان السيد الذي اشتراهم يتابع كل هذه الخطوات بدقة، بل أحيانًا كان السلطان الصالح أيوب يطمئن بنفسه على طعامهم وشرابهم وراحتهم، وكان كثيرًا ما يجلس للأكل معهم، ويكثر من التبسط إليهم، وكان المماليك يحبونه حبًا كبيرًا حقيقيًا، ويدينون له بالولاء التام[4].
    وهكذا دائمًا.. إذا كان القائد يخالط شعبه، ويشعر بهم، ويفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم، فإنهم -ولاشك- يحبونه ويعظمونه، ولا شك -أيضًا- أنهم يثقون به، وإذا أمرهم بجهاد استجابوا سريعًا، وإذا كلفهم أمرًا تسابقوا لتنفيذه، وبذلوا أرواحهم لتحقيقه.. أما إذا كان القائد في حالة انفصال عن شعبه، وكان يعيش حياته المترفة بعيدًا عن رعيته.. يتمتع بكل ملذات الحياة وهم في كدحهم يعانون ويتألمون، فإنهم لا يشعرون ناحيته بأي انتماء.. بل إنهم قد يفقدون الانتماء إلى أوطانهم نفسها.. ويصبح الإصلاح والبناء في هذه الحالة ضربًا من المستحيل.
    وكان المملوك إذا أظهر نبوغًا عسكريًا ودينيًا فإنه يترقى في المناصب من رتبة إلى رتبة، فيصبح هو قائدًا لغيره من المماليك، ثم إذا نبغ أكثر أُعطي بعض الإقطاعات في الدولة فيمتلكها، فتدر عليه أرباحًا وفيرة، وقد يُعطى إقطاعات كبيرة، بل قد يصل إلى درجة أمير، وهم أمراء الأقاليم المختلفة، وأمراء الفرق في الجيش وهكذا.
    وكان المماليك في الاسم ينتسبون عادة إلى السيد الذي اشتراهم.. فالمماليك الذين اشتراهم الملك الصالح يعرفون بالصالحية، والذين اشتراهم الملك الكامل يعرفون بالكاملية وهكذا.
    وقد زاد عدد المماليك الصالحية، وقوي نفوذهم وشأنهم في عهد الملك الصالح أيوب، حتى بنى لنفسه قصرًا على النيل، وبنى للمماليك قلعة إلى جواره تمامًا.. وكان القصر والقلعة في منطقة الروضة بالقاهرة، وكان النيل يعرف بالبحر، ولذلك اشتهرت تسمية المماليك الصالحية «بالمماليك البحرية» (لأنهم يسكنون بجوار البحر).
    وهكذا وطد الملك الصالح أيوب ملكه بالاستعانة بالمماليك الذين وصلوا إلى أرقى المناصب في جيشه وفي دولته، وتولى قيادة الجيش في عهده أحد المماليك البارزين اسمه «فارس الدين أقطاي»، وكان الذي يليه في الدرجة هو «ركن الدين بيبرس»، فهما بذلك من المماليك البحرية.
    [1] المقريزي: الخطط 3/346.
    [2] إبراهيم علي شعوط: أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ ص 340.
    [3] ابراهيم علي شعوط: مصر في عهد بناة القاهرة ص169.
    [4] سمير فراج دولة المماليك ص32.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    قصة دولة المماليك

    سلطان العلماء يبيع الأمراء-(3)


    د. راغب السرجاني




    الجامع الأموي في دمشق..تعلّم فيه العز بن عبد السلام











    «العزّ بن عبد السلام» من أعظم علماء المسلمين على الإطلاق، من مواليد دمشق سنة 577 هجرية[1]، من العلماء الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وكان كثيرًا ما يواجه السلاطين بأخطائهم، وينصحهم في الله دون خوف ولا وجل، ولذلك لقبه تلميذه الأول وعالم الإسلام المشهور «ابن دقيق العيد» بلقب «سلطان العلماء»[2]، فقد جمع العزّ بن عبد السلام بين العلم والعمل، وبين الاتباع الشديد للسنة والاجتهاد الصحيح عند الحاجة، وبين الفتوى في الأمور العبادية والعقائدية والفتوى في الأمور السياسية والاجتماعية.. فكان بحق سلطانًا للعلماء، وقدوة للدعاة، وأسوة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
    وقد عاش حياته في دمشق إلى أن تولّى «الصالح إسماعيل الأيوبي» أمر دمشق وهو أخو الصالح أيوب الذي كان حاكمًا لمصر، والذي تحدثنا كثيرًا عنه وعن صلاحه وتقواه، لكن الصالح إسماعيل حاكم دمشق كان على شاكلة أخرى، فقد كان خائنًا لدينه وشعبه، فتحالف مع الصليبيين لحرب أخيه نجم الدين أيوب في مصر، وكان من شروط تحالفه مع الصليبيين أن يعطي لهم مدينتي صيدا والشقيف، وأن يسمح لهم بشراء السلاح من دمشق، وأن يخرج معهم في جيش واحد لغزو مصر، وبالطبع ثار العالم الجليل العز بن عبد السلام، ووقف يخطب على المنابر ينكر ذلك بشدة على الصالح إسماعيل، ويعلن في صراحة ووضوح أن الصالح إسماعيل لا يملك المدن الإسلامية ملكًا شخصيًا حتى يتنازل عنها للصليبيين، كما أنه لا يجوز بيع السلاح للصليبيين، وخاصة أن المسلمين على يقين أن الصليبيين لا يشترون السلاح إلا لضرب إخوانهم المسلمين.

    وهكذا قال سلطان العلماء كلمة الحق عند السلطان الجائر الصالح إسماعيل.. فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن عزله عن منصبه في القضاء، ومنعه من الخطابة، ثم أمر باعتقاله وحبسه، وبقي العالم الجليل مدة في السجن، ثم أُخرج من سجنه ولكنه مُنع من الكلام والتدريس والخطابة، فرحل الإمام الجليل من دمشق إلى بيت المقدس ليجد فرصة ليعلم الناس هناك بدلًا من السكوت في دمشق، وأقام بها مدة، ولكنه فوجئ بالصالح إسماعيل يأتي إلى بيت المقدس ومعه ملوك الصليبيين وجيوشهم وهم يقصدون مصر لاحتلالها، وأرسل الصالح إسماعيل أحد أتباعه إلى الشيخ العز بن عبد السلام ، وكان متلطفًا له غاية التلطف، بل ووعده بالعودة إلى كل مناصبه بشرط أن يترضى الصالح إسماعيل، ويعتذر له، بشرط ألا يتكلم في أمور السياسة، وإلا اعتقله.
    وذهب رسول الصالح إسماعيل إلى العز بن عبد السلام وقال له «بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه، وزيادة، أن تنكسر للسلطان، وتُقبل يده لا غير!».
    فرد عليه العز بن عبد السلام في كبرياء وعزة قائلًا:

    «والله يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبل يدي، فضلًا أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به»[3].
    الله أكبر! هؤلاء هم العلماء بحق!

    كان رد الصالح إسماعيل متوقعًا، فقد أمر باعتقال الشيخ الكبير في بيت المقدس، ووضعه في خيمة مجاورة لخيمته، وكان الشيخ عزّ الدين يقرأ القرآن في خيمته، والسلطان الصالح إسماعيل يسمعه، وفي ذات يوم كان الصالح إسماعيل يتحدث مع ملوك الصليبيين في خيمته والشيخ يقرأ القرآن، فقال الصالح إسماعيل لملوك الصليبيين وهو يحاول استرضاءهم «تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا نعم، قال هذا أكبر علماء المسلمين، وقد حبسته لإنكاره عليّ تسليمي حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق، وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم».
    يقول الصالح إسماعيل هذا الكلام ليسترضي ملوك النصارى، فقال له ملوك النصارى وقد سقط تمامًا من أعينهم «لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها!»[4].
    وحُبس الشيخ العز بن عبد السلام في بيت المقدس إلى أن جاء الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلص بيت المقدس من الصليبيين سنة 643 هجرية، وهنا أخرج الشيخ العز بن عبد السلام من السجن وجاء إلى مصر، حيث استُقبل أحسن استقبال، وقرب جدًّا من السلطان الصالح أيوب ، وأعطاه الخطابة في مسجد عمرو بن العاص، وولاه القضاء[5].
    ومن مواقفه الشهيرة التي اصطدم فيها مع الصالح أيوب نفسه، أنه لما عاش في مصر اكتشف أن الولايات العامة والإمارة والمناصب الكبرى كلها للمماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب قبل ذلك، ولذلك فهم في حكم الرقيق والعبيد، ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار، فأصدر مباشرة فتواه بعدم جواز ولايتهم؛ لأنهم من العبيد.
    واشتعلت مصر بغضب الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة، حتى كان نائب السلطان مباشرة من المماليك، وجاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام، وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى، ثم حاولوا تهديده، ولكنه رفض كل هذا مع إنه قد جاء مصر بعد اضطهاد شديد في دمشق، ولكنه لا يجد في حياته بديلًا عن كلمة الحق، فرفع الأمر إلى الصالح أيوب، فاستغرب من كلام الشيخ، ورفضه، وقال إن هذا الأمر ليس من الشئون المسموح بالكلام فيها.
    وهنا وجد الشيخ العز بن عبد السلام أن كلامه لا يسمع، فخلع نفسه من منصبه في القضاء، فهو لا يرضى أن يكون صورة مُفتٍ، وهو يعلم أن الله عز وجل سائله عن سكوته كما سيسأله عن كلامه، ومن هنا قرر العالم الورع أن يعزل نفسه من المنصب الرفيع، ومضحيًا بالوضع الإجتماعي وبالمال وبالأمان بل وبكل الدنيا.
    وركب الشيخ العز بن عبد السلام حماره، وأخذ أهله على حمار آخر، وببساطة قرر الخروج من القاهرة بالكلية، والاتجاه إلى إحدى القرى لينعزل فيها إذا كان لا يُسمع لفتواه، ولكن شعب مصر المقدّر لقيمة العلماء رفض ذلك الأمر، فماذا حدث؟
    لقد خرج خلف الشيخ العالم الآلاف من علماء مصر ومن صالحيها وتجارها ورجالها، بل خرج النساء والصبيان خلف الشيخ تأييدًا له، وإنكارًا على مخالفيه.
    ووصلت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب فأسرع بنفسه خلف الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه، فما قبل إلا أن تنفذ فتواه، وقال له: إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم فلابد أن يباعوا أولًا، ثم يعتقهم الذي يشتريهم، ولما كان ثمن هؤلاء الأمراء قد دفع قبل ذلك من بيت مال المسلمين فلابد أن يرد الثمن إلى بيت مال المسلمين!
    وافق الملك الصالح أيوب، وتولى الشيخ العزّ بن عبد السلام بنفسه عملية بيع الأمراء حتى لا يحدث نوع من التلاعب، وبدأ يعرض الأمراء واحدًا بعد الآخر في مزاد، ويغالي في ثمنهم، ودخل الشعب في المزاد، حتى إذا ارتفع السعر جدًّا، دفعه الملك الصالح نجم الدين أيوب من ماله الخاص واشترى الأمير، ثم يعتقه بعد ذلك، ووضع المال في بيت مال المسلمين، وهكذا بيع كل الأمراء الذين يتولون أمور الوزارة والإمارة والجيش وغيرها، ومن يومها والشيخ العز بن عبد السلام يعرف بـ«بائع الأمراء!»[6].
    يتبدى لنا من هذه القصة، وفي سيرة الشيخ العز بن عبد السلام بصفة عامَّة، قيمة العلم والعلماء في مصر في ذلك الوقت، واحترام الناس لكلمة الشرع، وكل هذا كان له أثر بالغ في تكوين الشعب المصري، وفي استجابته لنصائح العلماء، التي أثرت في حضارة الدولة المملوكية كما سنرى في المقالات القادمة.
    [1] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/209.
    [2] ابن العماد العبكري الحنبلي: شذرات الذهب 5/301.
    [3] محمد الزحيلي: العز بن عبد السلام 54.
    [4] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/244.
    [5] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/243، 244.
    [6] وردت القصة في: حسن المحاضرة للسيوطي 2/162، وفوات الوفيات 1/595.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    قصة دولة المماليك

    سلطان العلماء يبيع الأمراء-(3)


    د. راغب السرجاني




    الجامع الأموي في دمشق..تعلّم فيه العز بن عبد السلام











    «العزّ بن عبد السلام» من أعظم علماء المسلمين على الإطلاق، من مواليد دمشق سنة 577 هجرية[1]، من العلماء الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وكان كثيرًا ما يواجه السلاطين بأخطائهم، وينصحهم في الله دون خوف ولا وجل، ولذلك لقبه تلميذه الأول وعالم الإسلام المشهور «ابن دقيق العيد» بلقب «سلطان العلماء»[2]، فقد جمع العزّ بن عبد السلام بين العلم والعمل، وبين الاتباع الشديد للسنة والاجتهاد الصحيح عند الحاجة، وبين الفتوى في الأمور العبادية والعقائدية والفتوى في الأمور السياسية والاجتماعية.. فكان بحق سلطانًا للعلماء، وقدوة للدعاة، وأسوة للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
    وقد عاش حياته في دمشق إلى أن تولّى «الصالح إسماعيل الأيوبي» أمر دمشق وهو أخو الصالح أيوب الذي كان حاكمًا لمصر، والذي تحدثنا كثيرًا عنه وعن صلاحه وتقواه، لكن الصالح إسماعيل حاكم دمشق كان على شاكلة أخرى، فقد كان خائنًا لدينه وشعبه، فتحالف مع الصليبيين لحرب أخيه نجم الدين أيوب في مصر، وكان من شروط تحالفه مع الصليبيين أن يعطي لهم مدينتي صيدا والشقيف، وأن يسمح لهم بشراء السلاح من دمشق، وأن يخرج معهم في جيش واحد لغزو مصر، وبالطبع ثار العالم الجليل العز بن عبد السلام، ووقف يخطب على المنابر ينكر ذلك بشدة على الصالح إسماعيل، ويعلن في صراحة ووضوح أن الصالح إسماعيل لا يملك المدن الإسلامية ملكًا شخصيًا حتى يتنازل عنها للصليبيين، كما أنه لا يجوز بيع السلاح للصليبيين، وخاصة أن المسلمين على يقين أن الصليبيين لا يشترون السلاح إلا لضرب إخوانهم المسلمين.

    وهكذا قال سلطان العلماء كلمة الحق عند السلطان الجائر الصالح إسماعيل.. فما كان من الصالح إسماعيل إلا أن عزله عن منصبه في القضاء، ومنعه من الخطابة، ثم أمر باعتقاله وحبسه، وبقي العالم الجليل مدة في السجن، ثم أُخرج من سجنه ولكنه مُنع من الكلام والتدريس والخطابة، فرحل الإمام الجليل من دمشق إلى بيت المقدس ليجد فرصة ليعلم الناس هناك بدلًا من السكوت في دمشق، وأقام بها مدة، ولكنه فوجئ بالصالح إسماعيل يأتي إلى بيت المقدس ومعه ملوك الصليبيين وجيوشهم وهم يقصدون مصر لاحتلالها، وأرسل الصالح إسماعيل أحد أتباعه إلى الشيخ العز بن عبد السلام ، وكان متلطفًا له غاية التلطف، بل ووعده بالعودة إلى كل مناصبه بشرط أن يترضى الصالح إسماعيل، ويعتذر له، بشرط ألا يتكلم في أمور السياسة، وإلا اعتقله.
    وذهب رسول الصالح إسماعيل إلى العز بن عبد السلام وقال له «بينك وبين أن تعود إلى مناصبك وما كنت عليه، وزيادة، أن تنكسر للسلطان، وتُقبل يده لا غير!».
    فرد عليه العز بن عبد السلام في كبرياء وعزة قائلًا:

    «والله يا مسكين، ما أرضاه أن يُقبل يدي، فضلًا أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد، وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به»[3].
    الله أكبر! هؤلاء هم العلماء بحق!

    كان رد الصالح إسماعيل متوقعًا، فقد أمر باعتقال الشيخ الكبير في بيت المقدس، ووضعه في خيمة مجاورة لخيمته، وكان الشيخ عزّ الدين يقرأ القرآن في خيمته، والسلطان الصالح إسماعيل يسمعه، وفي ذات يوم كان الصالح إسماعيل يتحدث مع ملوك الصليبيين في خيمته والشيخ يقرأ القرآن، فقال الصالح إسماعيل لملوك الصليبيين وهو يحاول استرضاءهم «تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا نعم، قال هذا أكبر علماء المسلمين، وقد حبسته لإنكاره عليّ تسليمي حصون المسلمين، وعزلته عن الخطابة بدمشق، وعن مناصبه، ثم أخرجته فجاء إلى القدس، وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم».
    يقول الصالح إسماعيل هذا الكلام ليسترضي ملوك النصارى، فقال له ملوك النصارى وقد سقط تمامًا من أعينهم «لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه، وشربنا مرقتها!»[4].
    وحُبس الشيخ العز بن عبد السلام في بيت المقدس إلى أن جاء الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخلص بيت المقدس من الصليبيين سنة 643 هجرية، وهنا أخرج الشيخ العز بن عبد السلام من السجن وجاء إلى مصر، حيث استُقبل أحسن استقبال، وقرب جدًّا من السلطان الصالح أيوب ، وأعطاه الخطابة في مسجد عمرو بن العاص، وولاه القضاء[5].
    ومن مواقفه الشهيرة التي اصطدم فيها مع الصالح أيوب نفسه، أنه لما عاش في مصر اكتشف أن الولايات العامة والإمارة والمناصب الكبرى كلها للمماليك الذين اشتراهم نجم الدين أيوب قبل ذلك، ولذلك فهم في حكم الرقيق والعبيد، ولا يجوز لهم الولاية على الأحرار، فأصدر مباشرة فتواه بعدم جواز ولايتهم؛ لأنهم من العبيد.
    واشتعلت مصر بغضب الأمراء الذين يتحكمون في كل المناصب الرفيعة، حتى كان نائب السلطان مباشرة من المماليك، وجاءوا إلى الشيخ العز بن عبد السلام، وحاولوا إقناعه بالتخلي عن هذه الفتوى، ثم حاولوا تهديده، ولكنه رفض كل هذا مع إنه قد جاء مصر بعد اضطهاد شديد في دمشق، ولكنه لا يجد في حياته بديلًا عن كلمة الحق، فرفع الأمر إلى الصالح أيوب، فاستغرب من كلام الشيخ، ورفضه، وقال إن هذا الأمر ليس من الشئون المسموح بالكلام فيها.
    وهنا وجد الشيخ العز بن عبد السلام أن كلامه لا يسمع، فخلع نفسه من منصبه في القضاء، فهو لا يرضى أن يكون صورة مُفتٍ، وهو يعلم أن الله عز وجل سائله عن سكوته كما سيسأله عن كلامه، ومن هنا قرر العالم الورع أن يعزل نفسه من المنصب الرفيع، ومضحيًا بالوضع الإجتماعي وبالمال وبالأمان بل وبكل الدنيا.
    وركب الشيخ العز بن عبد السلام حماره، وأخذ أهله على حمار آخر، وببساطة قرر الخروج من القاهرة بالكلية، والاتجاه إلى إحدى القرى لينعزل فيها إذا كان لا يُسمع لفتواه، ولكن شعب مصر المقدّر لقيمة العلماء رفض ذلك الأمر، فماذا حدث؟
    لقد خرج خلف الشيخ العالم الآلاف من علماء مصر ومن صالحيها وتجارها ورجالها، بل خرج النساء والصبيان خلف الشيخ تأييدًا له، وإنكارًا على مخالفيه.
    ووصلت الأخبار إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب فأسرع بنفسه خلف الشيخ العز بن عبد السلام واسترضاه، فما قبل إلا أن تنفذ فتواه، وقال له: إن أردت أن يتولى هؤلاء الأمراء مناصبهم فلابد أن يباعوا أولًا، ثم يعتقهم الذي يشتريهم، ولما كان ثمن هؤلاء الأمراء قد دفع قبل ذلك من بيت مال المسلمين فلابد أن يرد الثمن إلى بيت مال المسلمين!
    وافق الملك الصالح أيوب، وتولى الشيخ العزّ بن عبد السلام بنفسه عملية بيع الأمراء حتى لا يحدث نوع من التلاعب، وبدأ يعرض الأمراء واحدًا بعد الآخر في مزاد، ويغالي في ثمنهم، ودخل الشعب في المزاد، حتى إذا ارتفع السعر جدًّا، دفعه الملك الصالح نجم الدين أيوب من ماله الخاص واشترى الأمير، ثم يعتقه بعد ذلك، ووضع المال في بيت مال المسلمين، وهكذا بيع كل الأمراء الذين يتولون أمور الوزارة والإمارة والجيش وغيرها، ومن يومها والشيخ العز بن عبد السلام يعرف بـ«بائع الأمراء!»[6].
    يتبدى لنا من هذه القصة، وفي سيرة الشيخ العز بن عبد السلام بصفة عامَّة، قيمة العلم والعلماء في مصر في ذلك الوقت، واحترام الناس لكلمة الشرع، وكل هذا كان له أثر بالغ في تكوين الشعب المصري، وفي استجابته لنصائح العلماء، التي أثرت في حضارة الدولة المملوكية كما سنرى في المقالات القادمة.
    [1] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/209.
    [2] ابن العماد العبكري الحنبلي: شذرات الذهب 5/301.
    [3] محمد الزحيلي: العز بن عبد السلام 54.
    [4] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/244.
    [5] السبكي: طبقات الشافعية الكبرى 8/243، 244.
    [6] وردت القصة في: حسن المحاضرة للسيوطي 2/162، وفوات الوفيات 1/595.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    نجم المماليك يسطع في موقعة المنصورة-(4)


    د. راغب السرجاني









    أقفز بكم بعض السنوات لأصل إلى سنة 647 هجرية.. وفي هذه السنة كان الصالح أيوب قد مرض مرضًا شديدًا، وكان مصابًا بمرض السل، بالإضافة إلى كبر سنه فإن هذا جعله طريح الفراش في القاهرة.
    حملة «لويس التاسع» الصليبية:
    وفي هذه الأثناء وقبلها كان ملك فرنسا (لويس التاسع) يريد أن يستغل فرصة الاجتياح التتري لشرق العالم الإسلامي، فيقوم هو باجتياح العالم الإسلامي من ناحية مصر والشام، وقد حاول الاستعانة بخاقان التتار آنذاك وهو كيوك بن أوكيتاي، ولكن فشلت هذه المحاولة.. ومع ذلك فقد أصر لويس على المضي في حملته[1].

    ووقع اختياره على مدينة دمياط المصرية[2] ليبدأ بها حملته لأنها كانت أهم ميناء في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في ذلك الزمن، وبذلك بدأت الحملة التي تعرف في التاريخ بالحملة الصليبية السابعة.






    الحملة الصليبية السابعة على مصر








    لن ندخل في تفصيلات هذه الحملة، وإن كان بها تفصيلات في غاية الأهمية، ومواقع من أهم المواقع في تاريخ المسلمين، ولكن ليس المجال هنا لذكرها.
    نزل الملك لويس التاسع بجيشه إلى دمياط في يوم 20 من صفر سنة 647هجرية، وللأسف الشديد ظنت الحامية المدافعة عن المدينة أن سلطانهم المريض الملك الصالح أيوب قد مات، فانسحبوا انسحابًا غير مبرر، ووقعت دمياط في أيدي الصليبيين بسهولة، وهي المدينة التي دوخت قبل ذلك الحملة الصليبية الخامسة.
    علم بذلك الملك الصالح فاشتد حزنه، وعاقب المسئولين عن جريمة سقوط دمياط، وتوقَّع أن النصارى الصليبيين سيتجهون إلى القاهرة عبر النيل لغزو العاصمة المصرية نفسها، وبذلك يُسقطون الدولة بكاملها.. لذلك فقد قرر بحكمته أن يرتب اللقاء في الطريق بين القاهرة ودمياط.. واختار لذلك مدينة المنصورة لأنها تقع على النيل، وحتمًا سيستغل الصليبيون النيل للإبحار فيه بسفنهم الكثيرة.
    وبالفعل أمر الملك الصالح بأن يحمله الناس إلى مدينة المنصورة الواقعة على فرع النيل الذي يأتي من دمياط[3]، وذلك لانتظار جيش الصليبيين بها، والاستعداد لمعركة فاصلة هناك.. وبالفعل حُمل الملك الصالح -على الرغم من مرضه الشديد- إلى المنصورة، وبدأ فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس يضعان الخطة المناسبة للقاء النصارى في المنصورة.
    وفاة الملك الصالح:
    خرج النصارى من دمياط في 12 من شعبان 647 هجرية متجهين جنوبًا عبر النيل صوب القاهرة، وكان من المؤكد أنهم سيمرون على المنصورة كما توقع الصالح أيوب.. ولكن سبحان الله في ليلة النصف من شعبان سنة 647 هجرية توفي الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهو في المنصورة يعد الخطة مع جيوشه لتحصين المدينة، فنسأل له الله المغفرة والرحمة وأجر الشهداء.. يقول «ابن تغري بردي» صاحب كتاب «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» المتوفى سنة 874 هجرية: «ولو لم يكن من محاسن السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلا تجلده عند مقابلة العدو بالمنصورة، وهو بتلك الأمراض المزمنة، وموته على الجهاد والذبّ عن المسلمين لكفاه ذلك»، ثم يقول: «ما كان أصبره وأغزر مروءته!»[4].

    كانت مصيبة عظيمة جدًّا على المسلمين، لا لفقد الزعيم الصالح فقط، لكن لفقدان البديل والخليفة له، خاصة في ذلك التوقيت، والبلاد في أزمة شديدة، وميناء دمياط محتل، وجنود الصليبيين في الطريق.
    وهنا تصرفت زوجة السلطان نجم الدين أيوب بحكمة بالغة.. وكانت زوجته هي «شجرة الدر»، وشجرة الدرّ كانت فيما سبق جارية من أصل أرمني أو تركي، اشتراها الصالح أيوب ثم أعتقها وتزوجها، ولذلك فهي في الأصل أقرب إلى المماليك.

    ماذا فعلت شجرة الدر بعد وفاة السلطان الصالح أيوب؟!
    لقد كتمت شجرة الدرّ خبر وفاته، وقالت أن الأطباء منعوا زيارته، وأرسلت بسرعة إلى ابن الصالح أيوب، والذي كان يحكم مدينة تعرف «بحصن كيفا» (في تركيا الآن)، وكان اسمه «توران شاه بن نجم الدين أيوب»[5]، وأبلغته بخبر وفاة أبيه، وأن عليه أن يأتي بسرعة لاستلام مقاليد الحكم في مصر والشام، ثم اتفقت مع كبير وزراء الملك الصالح وكان اسمه «فخر الدين يوسف» على إدارة الأمور إلى أن يأتي توران شاه، ثم كلفت فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس بالاستمرار في الإعداد للمعركة الفاصلة في المنصورة، وهكذا سارت الأمور بصورة طيبة بعد وفاة الملك الصالح، ولم يحدث الاضطراب المتوقع نتيجة هذه الوفاة المفاجئة، وفي هذه الظروف الصعبة.

    ومع كل احتياطات شجرة الدرّ فإن خبر وفاة الملك الصالح أيوب تسرب إلى الشعب، بل ووصل إلى الصليبيين، وهذا أدى إلى ارتفاع حماسة الصليبيين، وانخفاض معنويات الجيش المصري، وإن ظل ثابتًا في منطقة المنصورة.
    ووضع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس خطة بارعة لمقابلة الجيش الفرنسي في المنصورة، وعرضاها على شجرة الدر، وكانت شجرة الدرّ تمثل الحاكم الفعلي لحين قدوم توران شاه ابن الصالح أيوب.. وأقرت شجرة الدرّ الخطة، وأخذ الجيش المصري مواقعه، واستعد للقاء.

    موقعة المنصورة:
    وفي اليوم الرابع من ذي القعدة من سنة 647 هجرية دارت موقعة المنصورة العظيمة، وانتصر فيها المسلمون انتصارًا باهرًا، والموقعة فيها تفصيلات رائعة لكن ليس المجال لتفصيلها هنا.

    ثم حدث هجوم آخر على جيش الملك لويس التاسع المُعَسكِر خارج المنصورة، وذلك في اليوم السابع من ذي القعدة سنة 647 هجرية، ولكن الملك لويس التاسع تمكن من صد ذلك الهجوم بعد كفاح مرير.
    وصل توران شاه إلى المنصورة بعد هذا الهجوم الأخير بعشرة أيام في السابع عشر من ذي القعدة سنة 647 هجرية، وتسلم السلطان الشاب مقاليد الحكم، وأُعلن رسميًا وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وولاية توران شاه حكم مصر والشام.. ثم بدأ توران شاه في التخطيط لهجوم جديد على الصليبيين.. وكانت حالة الجيش الصليبي قد ساءت، وبدأ بالانسحاب ناحية دمياط، بينما ارتفعت معنويات الجيش المصري جدًّا للانتصارات السابقة، وخاصة انتصار المنصورة، ولوصول توران شاه في الوقت المناسب.
    استطاع الجيش المصري أن يلتقي مرة أخرى مع الصليبيين، عند مدينة «فارسكور» في أوائل المحرم سنة 648 هجرية، بعد أقل من شهرين من موقعة المنصورة الكبيرة! ودارت هناك معركة هائلة تحطم فيها الجيش الصليبي تمامًا[6]، بل وأسر الملك لويس التاسع نفسه، ووقع جيشه بكامله ما بين قتيل وأسير، وسيق الملك لويس مكبلاً بالأغلال إلى المنصورة، حيث حبس في دار «فخر الدين إبراهيم ابن لقمان»[7].
    وضعت شروط قاسية على الملك لويس التاسع ليفتدي نفسه من الأسر، وكان من ضمنها أن يفتدي نفسه بثمانمائة ألف دينار من الذهب يدفع نصفها حالًا ونصفها مستقبلًا، على أن يحتفظ توران شاه بالأسرى الصليبيين إلى أن يتم دفع بقية الفدية، بالإضافة إلى إطلاق سراح الأسرى المسلمين، وتسليم دمياط للمسلمين، وهدنة بين الفريقين لمدة عشر سنوات[8].
    لقد كان انتصارًا باهرًا بكل المقاييس.
    وتم بالفعل جمع نصف الفدية بصعوبة، وأطلق سراح الملك لويس التاسع إلى عكا، وكانت إمارة صليبية في ذلك الوقت[9].. نسأل الله أن يحررها من دنس اليهود الآن.
    ومع هذا الانتصار المبهر فإن توران شاه لم يكن الرجل الذي يناسب تلك الأحداث الساخنة التي تمر بالأمة.
    لقد كان توران شاه شخصية عابثة! فلقد اتصف هذا السلطان الشاب بسوء الخلق، والجهل بشئون السياسة والحكم، وأعماه الغرور الذي ركبه بعد النصر على لويس التاسع ملك فرنسا عن رؤية أفضال ومزايا من حوله، فقد بدأ من ناحية يتنكر لزوجة أبيه شجرة الدر، واتهمها بإخفاء أموال أبيه، وطالبها بهذا المال، بل وهددها بشدة حتى دخلها منه خوف شديد، ولم يحفظ لها جميل حفظ الملك له بعد موت أبيه، وحفاظها على سير الأمور لحين قدومه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه بدأ يتنكر لكبار أمراء المماليك، وعلى رأسهم فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، ولم يحفظ للمماليك جميل الانتصار الرائع الذي حققوه في موقعة المنصورة، فبدأ يقلل من شأنهم، ويقلص من مسئولياتهم.
    وحتمًا إذا ظهرت مثل هذه السلوكيات فإن الموازين ستختلف، ولنرى ماذا سيحدث في المقالات القادمة.
    [1] بسام العسلي: المظفر قطز ومعركة عين جالوت ص72، 73.
    [2] ابن كثير: البداية والنهاية 13/207.
    [3] الذهبي: تاريخ الإسلام 47/42.
    [4] ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 6/327.
    [5] الذهبي: تاريخ الإسلام 47/44.
    [6] ابن كثير: البداية والنهاية 13/209.
    [7] شهاب الدين النويري: نهاية الأرب في فنون الأدب 29/356.
    [8] محمد سهيل طقوش: تاريخ الأيوبيين في مصر وبلاد الشام ص389.
    [9] محمود سعيد: تاريخ الحروب الصليبية ص315.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    مقتل توران شاه وأزمة الحكم-(5)


    د. راغب السرجاني











    كان توران شاه الأيوبي شخصية عابثة! فلقد اتصف هذا السلطان الشاب بسوء الخلق، والجهل بشئون السياسة والحكم، وأعماه الغرور الذي ركبه بعد النصر على لويس التاسع ملك فرنسا عن رؤية أفضال ومزايا من حوله، فقد بدأ من ناحية يتنكر لزوجة أبيه شجرة الدر، واتهمها بإخفاء أموال أبيه، بل وهددها بشدة حتى دخلها منه خوف شديد، ومن ناحية أخرى لم يحفظ للمماليك جميل الانتصار الرائع الذي حققوه في موقعة المنصورة، فبدأ يقلل من شأنهم، ويقلص من مسئولياتهم، وبدأ على الجانب الآخر يعظم من شأن الرجال الذين جاءوا معه من حصن كيفا، وبدا واضحًا للجميع أنه سيقوم بعمليات تغيير واسعة النطاق في السلطة في مصر.
    كل هذا في غضون الأشهر الثلاثة الأولى في مصر! وبعد موقعة فارسكور مباشرة.
    خافت شجرة الدرّ على نفسها، وأسرت بذلك إلى المماليك البحرية، وخاصةً فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس، وكان المماليك البحرية يكنون لها كل الاحترام والولاء لكونها زوجة أستاذهم الملك الصالح، وكانت علاقة الأستاذية هذه من القوَّة بحيث تبقى آثارها حتى بعد موت الأستاذ.. ثم إن شجرة الدرّ قد وجدت الوساوس نفسها في نفوس المماليك البحرية في ذات الوقت؛ ومن ثَمَّ اجتمع الرأي على سرعة التخلص من «توران شاه» قبل أن يتخلص هو منهم.. فقرروا قتله!
    والحق أن المماليك بصفة عامَّة كان عندهم تساهل كبير في الدماء.. فكانوا يقتلون «بالشك!».. فإذا شكوا في أحد أنه «ينوي» أن يغدر فإن ذلك يعتبر عندهم مسوغًا كافيًا للقتل، ولا أدري كيف كان هذا التساهل عامًا في حياة المماليك، فقد ظل هذا التساهل في الدماء في كل فترات دولة المماليك، وكم من أمرائهم، وكم من خصومهم، بل كم من عظمائهم قُتل بسبب الشك في نياته، وقد يكون هذا راجعًا إلى التربية العسكرية الجافة التي نشأ عليها المماليك، فكانت فيهم قسوة نسبية وشدة، وعدم تمييع للأمور، فهم يحبون حسم كل أمورهم بالسيف الذي يحملونه منذ نعومة أظفارهم.. غير أن الذي لا يُفهم هو أن هؤلاء المماليك كانوا -أيضًا- ينشئون على التربية الدينية والفقهية.. ولا أدري أي سند فقهي يعضد قتل رجل ما، حتى ولو غلب على الظن أنه سيقوم بعزلك أو «احتمال» قتلك!
    المهم أنه في هذا الزمن المليء بالمؤامرات والتدبيرات الخفية لم يكن يُستهجن أمر هذا القتل، حتى لتجد أن القاتل قد يفخر أمام الناس بقتله لخصمه، بل قد يصعد وهو مرفوع الرأس إلى كرسي الحكم، ولا يشعر بأي تأنيب للضمير، وكأن الدماء التي تسيل ليس لها وزن عند الله عز وجل، ولا عند الناس.
    هذا ليس دفاعًا عن «توران شاه» أو عن أي قتيل غيره، فقد يكون القتيل شخصية عابثة سيئة كريهة، ولكن العقوبات في الإسلام تأتي بمقاييس معينة وبمقادير خاصة.. وهذه المقاييس لم نحددها نحن، بل حددها رب السموات والأرض.. فالسارق وإن كان مجرمًا سيئًا كريهًا فإنه لا يُقتل لمجرد السرقة بل تقطع يده، والزاني غير المحصن وإن كان قد أتى بفعلة مشينة، وقام بعمل شنيع فإنه يُجلد ولا يُرجم وهكذا.
    ولا أعتقد أن الوساوس التي كانت تدخل نفوس بعض المماليك من غيرهم كانت مسوغًا شرعيًا كافيًا للقتل.. نعم قد تكون مسوغًا شرعيًا للعزل أو الاعتراض أو الحبس.. لكن الوصول إلى حد القتل أمر كبير جدًّا.
    لقد رفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتل عبدًا مجوسيًا غير مسلم مع عظم شكه في أن العبد سيقتله، فقد كان العبد المجوسي «أبو لؤلؤة» يعيش في المدينة، ويكره «عمر بن الخطاب» كراهية شديدة، وعمر رضي الله عنه هو «أمير المؤمنين» آنذاك، وكان عمر يعلم منه هذه الكراهية، لكنه لم يفكر في قتله أو حبسه أو ظلمه بأي صورة من صور الظلم، لأن الأمر مجرد شك لم يرتكز على يقين.
    بل روى «ابن سعد» في (الطبقات الكبرى) بسند صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لهذا المجوسي ذات يوم: ألم أحدث أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بِالرِّيحِ (وكان المجوسي صانعًا ماهرًا(، فالتفت إليه المجوسي عابسًا، وقال: «لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها»، وقد قال هذه الكلمات بلهجة جعلت عمر يُقبل على من معه، ويقول: توعدني العبد[1]!
    فعمر رضي الله عنه شك شكًا كبيرًا أن هذا العبد يتوعده بالقتل، و«عمر» رضي الله عنه ليس ككل المسلمين.. إن شكه يقترب من يقين الآخرين، فهو الملهم الذي كان القرآن ينزل موافقًا لرأيه في كثير من المسائل.
    ومع ذلك فعمر رضي الله عنه لم يعتمد شكه قط في قتل -أو حتى حبس- «العبد المجوسي»، الذي ليس من المسلمين أصلًا، لكن تحريم الظلم، وإرساء العدل أصل من الأصول لا فرق فيه بين المسلم وغير المسلم.
    {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}[المائدة: 5].
    وسبحان الله! صدق ظن عمر رضي الله عنه، ومرت الأيام، وقَتل العبد المجوسي «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه، ولكن ذلك لم يغيّر من القاعدة الإسلامية شيئًا.. فلا يقتل أو يحبس، أو تقام عقوبة ما، ولو صغرت على رجل أو امرأة، أو حر أو عبد، أو غني أو فقير، إلا بدليل.. ودليل قوي ظاهر متفق على وضوحه.
    {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا}[يونس: 36].
    بل حدث مع «علي بن أبي طالب» رضي الله عنه ما هو أعجب من موقف «عمر بن الخطاب» رضي الله عنه، فعمر كان يشك في أبي لؤلؤة المجوسي، وكان هذا قبل أي محاولة للقتل.. أما «علي بن أبي طالب» رضي الله عنه فلم يأمر بقتل الذي طعنه فعلاً - وهو «عبد الرحمن بن ملجم» - إلا حينما يتيقن المسلمون أن عليًا رضي الله عنه قد مات، وهنا يقتل القاتل بسبب قتله لعلي رضي الله عنه، أما إذا لم يمت علي رضي الله عنه فلا يقتل!
    قال علي بعد أن طعنه «عبد الرحمن بن ملجم»: «النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي».

    ثم أوصى أولاده، وأقاربه قبل أن يموت، فقال: «يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين، تقولون: «قُتل أمير المؤمنين، قُتل أمير المؤمنين، ألا لا يُقتلن إلا قاتلي، انظر يا «حسن» إن أنا مت فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثل بالرجل، فإني سمعت رسول الله ï·؛ يقول: «إياكم والمثلة، ولو أنها بالكلب العقور»[2].
    هذا هو الإسلام، ومع كون بعض البشر تقبل نفوسهم أن يعذبوا غيرهم من الناس بجريمة أو دون جريمة.. فإن الإسلام يحرم المثلة بالكلب العقور!
    مقتل «توران شاه»:
    اتفقت شجرة الدرّ مع فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس وغيرهما من المماليك الصالحية البحرية على قتل «توران شاه»، وبالفعل تمت الجريمة في يوم 27 من المحرم سنة 648 هجرية، أي بعد سبعين يومًا فقط من قدومه من حصن كيفا واعتلائه عرش مصر! وكأنه لم يقطع كل هذه المسافات لكي «يحكم» بل لكي «يُدفن»[3]!

    وهكذا بمقتل «توران شاه» انتهى حكم الأيوبيين تمامًا في مصر.. وبذلك أغلقت صفحة مهمة من صفحات التاريخ الإسلامي.
    المماليك يفكرون في الحُكم:
    حدث فراغ سياسي كبير جدًّا بقتل توران شاه، فليس هناك أيوبي في مصر مؤهل لقيادة الدولة، ومن ناحية أخرى فإن الأيوبيين في الشام ما زالوا يطمعون في مصر، وحتمًا سيجهزون أنفسهم للقدوم إليها لضمها إلى الشام، ولا شك أنه قد داخل الأيوبيين في الشام حنق كبير على المماليك لأنهم تجرءوا وقتلوا أيوبيًا.. ولا شك -أيضًا- أن المماليك كانوا يدركون أن الأيوبيين سيحرصون على الثأر منهم، كما أنهم كانوا يدركون أن قيمتهم في الجيش المصري كبيرة جدًّا، وأن القوَّة الفعلية في مصر ليست لأيوبي أو غيره إنما هي لهم، وأنهم قد ظُلموا بعد موقعة المنصورة وفارسكور؛ لأنهم كانوا السبب في الانتصار ومع ذلك هُمّش دورهم.

    كل هذا الخلفيات جعلت المماليك -لأول مرة في تاريخ مصر- يفكرون في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور مباشرة! وما دام «الحكم لمن غلب»، وهم القادرون على أن يغلبوا، فلماذا لا يكون الحكم لهم؟!
    لقد استُخدم المماليك في مصر من أيام الطولونيين، والذين حكموا من سنة 254 هجرية إلى سنة 292 هجرية، يعني قبل هذه الأحداث بحوالي أربعة قرون كاملة، وكذلك استُخدموا في أيام الدولة الأخشيدية من سنة 323 هجرية إلى سنة 358 هجرية، واستُخدموا -أيضًا- في أيام الفاطميين الشيعة الذين حكموا من سنة 358 هجرية إلى زمان صلاح الدين الأيوبي، حيث انتهت خلافتهم في سنة 567 هجرية (ما يزيد على قرنين كاملين).. واستُخدِموا -أيضًا- وبكثرة في عهد الأيوبيين كما رأينا.
    وفي كل هذه الفترات كان الجيش يعتمد تقريبًا على المماليك، ومع ذلك لم يفكروا مطلقًا في حكم ولا سيادة، بل كانوا دائمًا أعوان الملوك، وما كانت تخطر على أذهانهم فكرة الملك قط لكونهم من المماليك الذين يباعون ويشترون، ولم تكن لهم عائلات معروفة ينتمون إليها، ولا شك أن هذا كان يشعرهم بالغربة في البلاد الجديدة التي يعيشون فيها، كما أن الخطر لم يكن يمسهم شخصيًا؛ فهم تبع للسلطة الجديدة، ولا يُستهدفون لذواتهم، أما الآن فالمؤمرات تدبر لهم، والدائرة ستدور عليهم، والملوك ضعفاء، والقوَّة كلها بأيدي المماليك.. فلماذا لا يجربون حظهم في الحكم؟!
    لكن صعود المماليك مباشرة إلى الحكم سيكون مستهجنًا جدًّا في مصر، فالناس لا تنسى أن المماليك -في الأساس- عبيد، يباعون ويشترون، وشرط الحرية من الشروط الأساسية للحاكم المسلم.. وحتى لو أُعتقوا فإن تقبُّل الناس لهم (كحُكَّام) سيكون صعبًا.. وحتى لو كثرت في أيديهم الأموال، وتعددت الكفاءات، وحكموا الأقاليم والإقطاعات، فهم في النهاية مماليك.. وصعودهم إلى الحكم يحتاج إلى حجة مقنعة للشعب الذي لم يألفهم في كراسي السلاطين.
    فماذا يصنع المماليك لمواجهة كل هذه الأمور؟
    هذا ما نتعرف عليه في المقال القادم بإذن الله.
    [1] ابن سعد: الطبقات الكبرى 3/345
    [2] ابن الأثير: الكامل في التاريخ 3/256، 257.
    [3] ابن كثير: البداية والنهاية 13/208.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    شجرة الدر سلطانة المماليك-(6)


    د. راغب السرجاني



    شجرة الدر سلطانة مصر










    فكر المماليك في أن يمسكوا هم بمقاليد الأمور بعد الفراغ سياسي الذي حدث بقتل توران شاه، فالغلبة لهم الآن، و«الحكم لمن غلب»! لكن عواقب هذا الأمر دفعت المماليك البحرية الصالحية إلى أن يرغبوا في «فترة انتقالية» تمهد الطريق لحكم المماليك الأقوياء، وفي ذات الوقت لا تقلب عليهم الدنيا في مصر أو في العالم الإسلامي.

    كانت هذه هي حسابات المماليك الصالحية البحرية.
    فماذا كانت حسابات شجرة الدر؟!
    شجرة الدرّ امرأة ذات طابع خاص جدًّا.. لا تتكرر كثيرًا في التاريخ.. فهي امرأة قوية جدًّا.. شجاعة.. جريئة.. لها عقل مدبر، وتتمتع بحكمة شديدة.. كما أن لها القدرة على القيادة والإدارة.. وكانت شجرة الدرّ ترى في نفسها كل هذه القدرات.. وكانت شديدة الإعجاب بإمكانيتها وبنفسها (وكان هذا من أكبر مشاكلها).. مما دفعها إلى تفكير جديد تمامًا على الفكر الإسلامي، وخاصة في هذه الفترة من تاريخ الأمة.

    فكرت شجرة الدر في الصعود إلى كرسي الحكم في مصر! وهذا أمر هائل فعلًا، وهذه سباحة عنيفة جدًّا ضد التيار.. لكنها وجدت في نفسها الملكات التي تسمح بتطبيق هذه الفكرة الجريئة! فقالت لنفسها: لقد حكمت البلاد سرًا أيام معركة المنصورة، فلماذا لا أحكمها جهرًا الآن؟
    في ذات الوقت وجد المماليك البحرية في شجرة الدرّ الفترة الانتقالية التي يريدون.. إنها زوجة «الأستاذ».. زوجة الملك الصالح أيوب الذي يكنّون له (ويكنُّ له الشعب كله) كامل الوفاء والاحترام والحب، وهي في الوقت نفسه تعتبر من المماليك لأن أصلها جارية وأعتقت، كما أنها في النهاية امرأة، ويستطيع المماليك من خلالها أن يحكموا مصر، وأن يوفروا الأمان لأرواحهم.

    إعلان شجرة الدر ملكة:
    وبذلك توافقت رغبات المماليك مع رغبة شجرة الدر.. وقرروا جميعًا إعلان شجرة الدرّ حاكمة لمصر بعد مقتل توران شاه بأيام، وذلك في أوائل صفر سنة 648 هجرية[1]!

    وقامت الدنيا ولم تقعد!
    تفجرت ثورات الغضب في كل مكان.. وعمّ الرفض لهذه الفكرة في أطراف العالم الإسلامي.. وحاولت شجرة الدرّ أن تُجمل الصورة قدر استطاعتها، فنسبت نفسها إلى زوجها المحبوب عند الشعب الملك الصالح نجم الدين أيوب، فقالت عن نفسها إنها ملكة المسلمين الصالحية.. ثم وجدت أن ذلك غير كافٍ فنسبت نفسها إلى ابنها الصغير ابن الصالح أيوب، والمعروف باسم «الخليل»، فلقبت نفسها «ملكة المسلمين الصالحية والدة السلطان خليل أمير المؤمنين»، ثم وجدت ذلك -أيضًا- غير كاف فأضافت نفسها إلى الخليفة العباسي الذي كان يحكم بغداد في ذلك الوقت وهو «المستعصم بالله»، والذي سقطت في عهده بغداد في يد التتار، فقالت شجرة الدرّ عن نفسها: «ملكة المسلمين المستعصمية (نسبة إلى المستعصم) الصالحية (نسبة إلى الصالح أيوب) والدة السلطان خليل أمير المؤمنين»[2]!
    مع كل هذه المحاولات للتزلف إلى العامة وإلى العلماء ليقبلوا الفكرة فإن الغضب لم يتوقف، وظهر على كافة المستويات.. خاصةً أن البلاد في أزمة خطِرة، والوضع حرج للغاية؛ فالحملات الصليبية الشرسة لا تتوقف، والإمارات الصليبية منتشرة في فلسطين، وهي قريبة جدًّا من مصر، وأمراء الشام الأيوبيون يطمعون في مصر، والصراع كان محتدمًا بينهم وبين السلطان الراحل نجم الدين أيوب، كما أن التتار يجتاحون الأُمَّة الإسلامية من شرقها إلى غربها، وأنهار دماء المسلمين لا تتوقف، والتتار الآن يطرقون باب الخلافة العباسية بعنف.. ومصر في هذا الوقت الحرج على فوهة بركان خطير.. ولا يدري أحد متى ينفجر البركان!
    وقامت المظاهرات العارمة على المستوى الشعبي في القاهرة في كل أنحائها، وشرع المتظاهرون في الخروج بمظاهراتهم إلى خارج حدود المدينة، مما اضطر السلطات الحكومية إلى غلق أبواب القاهرة لمنع انتشار المظاهرات إلى المناطق الريفية.
    وقام العلماء والخطباء ينددون بذلك على منابرهم، وفي دروسهم، وفي المحافل العامة والخاصة، وكان من أشد العلماء غضبًا وإنكارًا الشيخ الجليل «العز بن عبد السلام» : أبرز العلماء في ذلك الوقت.
    كما أظهر الأمراء الأيوبيون في الشام حنقهم الشديد، واعتراضهم المغلظ على صعود النساء إلى كرسي الحكم في مصر.
    وجاء رد الخليفة العباسي «المستعصم بالله» قاسيًا جدًّا، وشديدًا جدًّا، بل وساخرًا جدًّا من الشعب المصري كله، فقد قال في رسالته: «إن كانت الرجال قد عدمت عندكم أعلمونا، حتى نسير إليكم رجلًا!»[3].
    وهكذا لم تتوقف الاعتراضات على الملكة الجديدة.. ولم تنعم بيوم واحد فيه راحة، وخافت الملكة الطموحة على نفسها، خاصة في هذه الأيام التي يكون فيها التغيير عادة بالسيف والذبح لا بالخلع والإبعاد.. ومن هنا قررت الملكة شجرة الدرّ بسرعة أن تتنازل عن الحكم.... لرجل! أي رجل!
    لكن لمن تتنازل؟!
    إنها مازالت ترغب في الحكم، وتتشوق إليه، وما زالت تعتقد في إمكانياتها العقلية والإدارية والقيادية.. وهي إمكانيات هائلة فعلًا.. فماذا تفعل؟!
    لقد قررت الملكة شجرة الدرّ أن تمسك العصا -كما يقولون- من منتصفها، فتحكم باطنًا وتتنحى ظاهرًا، ففكرت في لعبة سياسية خطِرة، وهي أن تتزوج من أحد الرجال.. ثم تتنازل له عن الحكم ليكون هو في الصورة.. ثم تحكم هي البلاد بعد ذلك من خلاله.. أو من «خلف الستار» كما يحدث كثيرًا في أوساط السياسة، فكم من الحكام ليس لهم من الحكم إلا الاسم، وكم من السلاطين ليس لهم من السلطة نصيب، وما أكثر الرجال الذين سيقبلون بهذا الوضع في نظير أن يبقى أطول فترة ممكنة في الكرسي الوثير: كرسي الحكم!

    وشجرة الدرّ لا تبغي الزواج لذاته، ولاتريد رجلًا حقيقةً، إنما تريد فقط «صورة رجل».. لأن هذا الرجل لو كان قويًا لحكم هو، ولأمسك بمقاليد الأمور في البلاد وحده.. ولذلك -أيضًا- يجب أن لا يكون هذا الرجل من عائلة قوية أصيلة؛ حتى لا تؤثر عليه عائلته، فيخرج الحكم من يد الملكة شجرة الدر.. وحبذا لو كان هذا المختار سعيد الحظ من المماليك، وذلك حتى تضمن ولاء المماليك، وهذا أمر في غاية الأهمية، فلو كان هذا الرجل هو السند الشرعي للحكم، فالمماليك هم السند الفعلي والعسكري والواقعي للحكم.
    فمن تختار إذن؟! هذا ما نتعرف عليه في المقال القادم بإذن الله.

    [1] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص401.
    [2] ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 6/374
    [3] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/464

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    عز الدين أيبك.. الملك المعز-(7)


    د. راغب السرجاني









    دبرت شجرة الدرّ أمرها للزواج من أجل التنازل عن الحكم ظاهريًا وفي الباطن تكون هي الحاكم الفعلي للبلاد، وحتى تضمن ولاء المماليك، قررت أن تختار رجلًا منهم، فلو كان هذا الرجل هو السند الشرعي للحكم، فالمماليك هم السند الفعلي والعسكري والواقعي للحكم.
    ومن ثَمَّ اختارت رجلًا من المماليك اشتهر بينهم بالعزوف عن الصراع، والبعد عن الخلافات، والهدوء النسبي، وكلها صفات حميدة في نظر شجرة الدر، فوجدت في هذا الرجل ضالتها.. وكان هذا الرجل هو «عزّ الدين أيبك التركماني الصالحي».. وهو من المماليك الصالحية البحرية.. أي من مماليك زوجها الراحل الملك الصالح نجم الدين أيوب.. ولم تختر شجرة الدرّ رجلًا من المماليك الأقوياء أمثال فارس الدين أقطاي أو ركن الدين بيبرس؛ وذلك لتتمكن من الحكم بلا منازع.
    وبالفعل تزوجت شجرة الدرّ من عز الدين أيبك، ثم تنازلت له عن الحكم كما رسمت، وذلك بعد أن حكمت البلاد ثمانين يومًا فقط، وتم هذا التنازل في أواخر جمادى الآخرة من السنة نفسها.. سنة 648 هجرية[1].. وهكذا في غضون سنة واحدة فقط جلس على كرسي الحكم في مصر أربعة ملوك.. وهم الملك الصالح أيوب ثم مات، فتولى توران شاه ابنه ثم قتل، فتولت شجرة الدرّ ثم تنازلت، فتولى عزّ الدين أيبك التركماني الصالحي!
    وتلقب عزّ الدين أيبك «بالملك المعز»، وأُخذت له البيعة في مصر[2].
    وكأن الله سبحانه -بهذه الأحداث- أراد أن يمهّد عقول المصريين لقبول فكرة صعود المماليك إلى كرسي الحكم.
    وقبل الشعب في مصر بالوضع الجديد.. فهو وإن لم يكن مثاليًا في رأيهم فإنه أفضل حالًا من تولي امرأة، كما أن البديل من الأيوبيين في مصر غير موجود، والبديل من الأيوبيين في الشام غير موجود أيضًا؛ فأمراء الأيوبيين في الشام كانوا في غاية الضعف والسوء والخيانة والعمالة مع التتار والصليبيين.
    استقر الوضع نسبيًا في مصر بزعامة عزّ الدين أيبك، والذي يعتبر أول حاكم مملوكي في مصر، وإن كان بعض المؤرخين يعتبر أن شجرة الدرّ هي أُولى المماليك في حكم مصر؛ لأنها أصلًا مملوكة أو جارية.
    وبدأت شجرة الدرّ تحكم من وراء الستار -كما أرادت-، وهي مؤيدة بالمماليك القوية، وخاصة -كما ذكرنا- فارس الدين أقطاي وركن الدين بيبرس.
    لكن يبدو أن ذكاء شجرة الدرّ قد خانها عند اختيار ذلك الرجل؛ فالملك المعز عزّ الدين أيبك لم يكن بالضعف الذي تخيلته شجرة الدرّ ولا المماليك البحرية، فقد أدرك الملك الجديد من أول لحظة مرامي الملكة المتنازلة عن العرش[3]، وعرف خطورة إخوانه من المماليك البحرية في مصر وقوتهم، فبدأ يرتب أوراقه من جديد، ولكن في حذر شديد.
    كان الملك المعز عزّ الدين أيبك من الذكاء بحيث إنه لم يصطدم بشجرة الدرّ ولا بزعماء المماليك البحرية في أول أمره.. بل بدأ يقوي من شأنه، ويعد عدته تدريجيًا، فبدأ يشتري المماليك الخاصة به، ويعد قوَّة مملوكية عسكرية تدين له هو شخصيًا بالولاء، وانتقى من مماليك مصر من يصلح لهذه المهمة، وكوّن ما يعرف في التاريخ «بالمماليك المعزية»[4] نسبة إليه (المعز عز الدين أيبك)، ووضع على رأس هذه المجموعة أبرز رجاله، وأقوى فرسانه، وأعظم أمرائه مطلقًا وهو «سيف الدين قطز»[5].
    وكان هذا هو أول ظهور تاريخي للبطل الإسلامي الشهير: سيف الدين قطز، فكان يشغل مركز قائد مجموعة المماليك الخاصة بالملك المعز عز الدين أيبك.. وسيأتي إن شاء الله حديث قريب عن قطز وعن أصله.
    ومع أن الملك المعز عزّ الدين أيبك نفسه من المماليك البحرية فإنه بدأ يحدث بينه وبينهم نفور شديد.. أما هو فيعلم مدى قوتهم وارتباطهم بكلمة زوجته شجرة الدرّ التي لا تريد أن تعامله كملك بل «كصورة ملك».. وأما هم فلا شك أن عوامل شتى من الغيرة والحسد كانت تغلي في قلوبهم على هذا المملوك صاحب الكفاءات المحدودة في نظرهم الذي يجلس الآن على عرش مصر، ويُلقب بالملك.. أما هم فيلقبون بالمماليك.. وشتان!
    لكن الملك الذكي عزّ الدين أيبك لم يُستفز مبكرًا.. بل ظل هادئًا يعد عدته في رزانة، ويكثر من مماليكه في صمت.
    ومرت الأيام، وحدث أن تجمعت قوى الأمراء الأيوبيين الشاميين لغزو مصر، وذلك لاسترداد حكم الأيوبيين بها.. وكانت الشام قد خرجت من حكم ملك مصر بعد وفاة توران شاه مباشرة.. والتقى معهم الملك المعز عزّ الدين أيبك بنفسه في موقعة فاصلة عند منطقة تسمى «العباسية» وهي تقع على بعد حوالي عشرين كيلومترًا شرقي الزقازيق الآن، وذلك في العاشر من ذي القعدة سنة 648 هجرية، أي بعد أربعة أشهر فقط من حكمه، وانتصر الملك المعز عزّ الدين أيبك على خصومه انتصارًا كبيرًا، ولا شك أن هذا الانتصار رفع أسهمه عند الشعب المصري، وثبت من أقدامه على العرش[6].
    وفي سنة 651 هجرية (بعد 3 سنوات من حكم أيبك) حدث خلاف جديد بين أمراء الشام والملك المعز عز الدين أيبك، ولكن قبل أن تحدث الحرب تدخل الخليفة العباسي المستعصم بالله -وهذه نقطة تحسب له- للإصلاح بين الطرفين، وكان من جراء هذا الصلح أن دخلت فلسطين بكاملها حتى الجليل شمالًا تحت حكم مصر، فكانت هذه إضافة لقوة الملك المعز عز الدين أيبك، ثم حدث تطور خَطِر لصالحه وهو اعتراف الخليفة العباسي بزعامة الملك المعز عزّ الدين أيبك على مصر[7]، والخليفة العباسي وإن كان ضعيفًا، وليست له سلطة فعلية فإن اعترافه يعطي للملك المعز صبغة شرعية مهمَّة.
    بين «أيبك» و«أقطاي»:
    كل هذه الأحداث مكنت الملك المعز عزّ الدين أيبك من التحكم في مقاليد الأمور في مصر؛ ومن ثَمَّ زاد نفور زعماء المماليك البحرية منه، وبخاصةٍ فارس الدين أقطاي الذي كان يبادله كراهية معلنة، لا يخفيها بل يتعمد إبرازها.. فقد «بالغ فارس الدين أقطاي في احتقار أيبك والاستهانة به، بحيث كان يناديه باسمه مجردًا من أي ألقاب»، وهذا يعكس اعتقاد فارس الدين أقطاي أن هذا الملك صورة لا قيمة لها، وتخيل قائد الجيش ينادي الملك هكذا: يا أيبك.. ولا يناديه هكذا صداقة بل احتقارًا[8].

    هذه المعاملة من أقطاي، وإحساس أيبك من داخله أن المماليك البحرية -وقد يكون الشعب- ينظرون إليه على أنه مجرد «زوج» للملكة المتحكمة في الدولة.. هذا جعله يفكر جديًا في التخلص من أقطاي ليضمن الأمان لنفسه، وليثبت قوته للجميع.. وهكذا لا يحب الملوك عادة أن يبرز إلى جوارهم زعيم يعتقد الشعب في قوته أو حكمته.
    انتظر أيبك الفرصة المناسبة، إلى أن علم أن أقطاي يتجهز للزواج من إحدى الأميرات الأيوبيات، فأدرك أن أقطاي يحاول أن يضفي على نفسه صورة جميلة أمام الشعب، وأن يجعل له انتماءً واضحًا للأسرة الأيوبية التي حكمت مصر قرابة ثمانين سنة، وإذا كانت شجرة الدرّ حكمت مصر لكونها زوجة الصالح أيوب، فلماذا لا يحكم أقطاي مصر لكونه زوجًا لأميرة أيوبية، فضلًا عن قوته وبأسه وتاريخه وقيادته للجيش في موقعة المنصورة الفاصلة؟!
    هنا شعر الملك المعز عزّ الدين أيبك بالخطر الشديد، وأن هذه بوادر انقلاب عليه، والانقلاب عادة يكون بالسيف، فاعتبر أن ما فعله أقطاي سابقًا من إهانة واحتقار، وما يفعله الآن من زواج بالأميرة الأيوبية ما هو إلا مؤامرة لتنحية أيبك عن الحكم؛ ومن ثَمَّ أصدر أيبك أوامره «بقتل» زعيم المماليك البحرية فارس الدين أقطاي.. لأنه «ينوي» الانقلاب!
    وبالفعل تم قتل فارس الدين أقطاي بأوامر الملك المعز، وبتنفيذ المماليك المعزية، وتم ذلك في 3 من شعبان سنة 652 هجرية[9].
    وبقتل فارس الدين أقطاي خلت الساحة لعز الدين أيبك، وبدأ يظهر قوته، ويبرز كلمته، وبدأ دور الزوجة شجرة الدرّ يقل ويضمحل؛ فقد اكتسب الملك المعز الخبرة اللازمة، وزادت قوَّة مماليكه المعزية، واستقرت الأوضاع في بلده، فرضي عنه شعبه، واعترف له الخليفة العباسي بالسيادة، ورضي منه أمراء الشام الأيوبيون بالصلح.
    لكن هل ستبقى له الأيام هكذا؟ فلنتابع ماذا حدث في المقال القادم بإذن الله.

    [1] ابن كثير: البداية والنهاية 13/212.
    [2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ص328.
    [3] العبادي: قيام دولة المماليك الأولى ص124.
    [4] محمد سهيل طقوش: تاريخ المماليك في مصر والشام ص48.
    [5] سيف الدين قطز (ت658 هـ): هو سيف الدين قطز بن عبد الله التركي، أخص مماليك الملك المعزّ أيبك التركماني، أحد مماليك السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، بيع مملوكًا في سوق الرقيق، ثم انتقل إلى الشام ومنها إلى مصر، واسمه الحقيقى محمود بن مودود ابن أخت جلال الدين خوارزم شاه السلجوقي، بطل معركة عين جالوت 658هـ وكاسر التتار، قال الملك المؤيَّد: وكان مدة سلطنته أحد عشر شهرًا وثلاثة عشر يومًا.
    [6] بدر الدين العيني: عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان 1/40، 41.
    [7] ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 7/12.
    [8] قاسم عبده قاسم: السلطان المظفر قطز 74.
    [9] أبو دقماق صارم الدين: نزهة الأنام في تاريخ الإسلام ص412.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي

    من أيبك إلى قطز.. حزم بعد نزاع-(8)







    د. راغب السرجاني







    بقتل فارس الدين أقطاي انقسم المماليك إلى حزبين كبيرين متنافرين: المماليك البحرية الذين يدينون بالولاء لشجرة الدر، والمماليك المعزية الذين يدينون بالولاء للملك المعز عزّ الدين أيبك.

    هروب المماليك البحرية:
    حيث إن فارس الدين أقطاي نفسه -وهو أكبر المماليك البحرية قدرًا، وأعظمهم هيبة- قد قُتل، فاحتمال قتل بقية زعماء المماليك البحرية أصبح قريبًا.. وبات المماليك البحرية في توجس وريبة.. وما استطاعت زعيمتهم شجرة الدرّ أن تفعل لهم شيئًا، وهنا قرر زعماء المماليك البحرية الهروب إلى الشام، خوفًا من الملك المعز عز الدين أيبك، وكان على رأس الهاربين ركن الدين بيبرس، الذي ذهب إلى الناصر يوسف، هذا الخائن الذي كان يحكم حلب ثم دمشق أيام التتار، ودخل ركن الدين بيبرس في طاعته[1].



    وهكذا صفا الجو في مصر تمامًا للملك المعز عز الدين أيبك، وإن كان العداء بينه وبين المماليك البحرية قد خرج من مرحلة الشكوك والتوقعات وأصبح معلنًا وصريحًا، ومن جديد توسط الخليفة العباسي المستعصم بالله ليضمن استقرار الأوضاع في مصر والشام؛ لأن انضمام المماليك البحرية إلى الأمراء الأيوبيين بالشام قد يشعل نار الفتنة من جديد بين مصر والشام، ونجحت وساطة الخليفة العباسي، واتفقوا على أن يعيش المماليك البحرية في فلسطين التي كانت تابعة للملك المعز، ويبقى الملك المعز في مصر[2]، إلا أن ركن الدين بيبرس - زعيم المماليك البحرية الآن بعد قتل فارس الدين أقطاي - آثر أن يبقى في دمشق عند الناصر يوسف الأيوبي.

    «شجرة الدر» تحترق!:
    مرت السنوات، والملك المعز عزّ الدين أيبك مستقر في عرشه، وقد أصبح قائده سيف الدين قطز قائدًا بارزًا معروفًا عند الخاصة والعامة، واختفي تقريبًا دور الزوجة الملكة القديمة شجرة الدر، وهذا كله ولاشك جعل الحقد يغلي في قلب شجرة الدر، ولا شك أن عزّ الدين أيبك كان يبادلها الشعور بالكراهية، فهو يعلم أنها ما تزوجته إلا لتحكم مصر من خلاله، ولكن أحيانًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!

    وجاءت سنة 655 هجرية وقد مرت 7 سنوات كاملة على حكم الملك المعز عز الدين أيبك، وأراد الملك المعز أن يثبت أقدامه على العرش بصورة أكبر، بل وتزايدت أطماعه جدًّا في المناطق المجاورة له في فلسطين والشام، ولم تكن له طاقة على تنفيذ أحلامه بمفرده، فأراد أن يقيم حلفًا مع أحد الأمراء الكبار في المنطقة ليساعده على ذلك، ولما كانت الخيانة في العهود أمرًا طبيعيًا في تلك الآونة، فإنه أراد أن يوثق الحلف برباط غليظ وهو...... الزواج!

    اختار الملك المعز عزّ الدين أيبك بنت حاكم الموصل الأمير الخائن «بدر الدين لؤلؤ»[3]، الذي كان له تعاونًا مقززًا مع التتار وكان سببًا في سقوط بغداد.

    وعلمت شجرة الدرّ بهذا الأمر فاشتعلت الغيرة في قلبها.. وركبها الهم والغم، وعلمت أنه لو تم هذا الزواج الجديد فستطوى صفحتها تمامًا من التاريخ، وأعْمَتها الكراهية عن حسن تقدير الأمور، وهي التي اشتهرت بالحكمة، فلم تقدّر أن زعماء المماليك البحرية قد اختفوا، وأن القوَّة الحقيقية الآن في أيدي المماليك المعزّية الذين يدينون بالولاء والطاعة للملك المعز عز الدين أيبك.. لم تقدّر كل ذلك، وقررت بعاطفة المرأة أن تقدم على خطوة غير مدروسة، ولكنها مألوفة لديها، فقد فعلتها قبل ذلك مع توران شاه ابن زوجها السابق، وهي ستفعلها الآن مع زوجها الحالي.. وهذه الخطوة هي: قتل الزوج الملك المعز: عزّ الدين أيبك.. فليُقتل وليكن ما يكون! هكذا فكرت شجرة الدر!

    بالفعل دبرت مؤامرة لئيمة لقتل زوجها الملك، وتم تنفيذ المؤامرة فعلًا في قصرها في شهر ربيع الأول سنة655 هجرية، لينتهي بذلك حكم المعز عزّ الدين أيبك بعد سبع سنوات من الجلوس على عرش مصر، وهكذا تكون شجرة الدرّ قد قتلت اثنين من سلاطين مصر: توران شاه ثم عز الدين أيبك[4].

    علم الجميع بجريمة القتل، وأسرع سيف الدين قطز قائد الجيش والذراع اليمنى للمعز عز الدين أيبك، ومعه ابن عزّ الدين أيبك من زوجته الأولى وكان اسمه نور الدين علي.. أسرعا ومعهما فرقة من المماليك المعزية، وألقيا القبض على شجرة الدرّ[5].

    وطلبت أمّ نور الدين علي (زوجة المعز عزّ الدين أيبك الأولى) أن يترك لها الأمر في التصرف مع ضرتها شجرة الدرّ، وكانت النهاية المأساوية المشهورة، أن أمرت أمّ نور الدين جواريها أن تُقتل الملكة السابقة «ضربًا بالقباقيب»![6]

    ولعل هذا هو حادث القتل الوحيد في القصة الذي له خلفية شرعية مقبولة، فقد قتلت شجرة الدرّ عزّ الدين أيبك دون مسوغ معقول.. فليس الزواج من امرأة أخرى جريمة، وليس الانفراد بالحكم دون الانصياع لحكم الزوجة جريمة، ولذلك فليس لديها مسوغ شرعي للقتل فكان لا بُدَّ أن تُقتل.. لكن المؤكد أن الطريقة التي قتلت بها لم تكن طريقة شرعية.. بل كانت طريقة نسائية بحتة.. لم يقصد منها القتل فقط، بل قصد منها الإهانة والتحقير والذل، على نحو ما فُعل بالخليفة المستعصم بعد ذلك عند سقوط بغداد عندما قتل رفسًا بالأقدام!

    وهذه نهايات خاصة جدًّا يكتبها الله عز وجل لبعض الملوك ممن لم يرع حق الله وحق الشعوب في الدنيا!

    وبعد مقتل الملك المعز عزّ الدين أيبك ثم مقتل شجرة الدرّ بويع لابن عزّ الدين أيبك وهو نور الدين علي، والذي لم يكن قد بلغ بعد الخامسة عشر من عمره، وهذه مخالفة كبيرة جدًّا ولا شك، ولكن لعله قد وُضع في هذا التوقيت لكي يوقف النزاع المتوقع بين زعماء المماليك على الحكم.. وتلقب السلطان الصغير بلقب «المنصور»، وتولى الوصاية الكاملة عليه أقوى الرجال في مصر في ذلك الوقت وهو سيف الدين قطز قائد الجيش، وزعيم المماليك المعزّية، وأكثر الناس ولاءً للملك السابق المعزّ عزّ الدين أيبك.. وكانت هذه البيعة لهذا السلطان الطفل في ربيع الأول من سنة 655 هجرية[7].

    وأصبح الحاكم الفعلي لمصر هو.... سيف الدين قطز.

    من هو سيف الدين قطز؟:
    سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي «محمود بن ممدود»، وهو من بيت مسلم ملكي أصيل.. وسبحان الله! كم هي صغيرة تلك الدنيا! فقطز هو ابن أخت جلال الدين الخُوارِزمي[8]! وجلال الدين هو ملك الخُوارِزميين المشهور، والذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم، ثم هُزم منهم، وفرّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا معظمهم، واسترقوا بعضهم، وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقهم التتار، وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًا هو «قطز»، وهي كلمة تعني «الكلب الشرس»، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوَّة والبأس، ثم باعه التتار بعد ذلك في أسواق الرقيق في دمشق، واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره، حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عزّ الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا.

    اضطراب جديد:
    كما أحدث صعود شجرة الدرّ إلى كرسي الحكم قبل ذلك اضطرابات كثيرة في مصر والعالم الإسلامي، فكذلك أحدث صعود الطفل نور الدين إلى كرسي الحكم الاضطرابات نفسها، وكانت أكثر الاضطرابات تأتي من قبل بعض المماليك البحرية الذين مكثوا في مصر، ولم يهربوا إلى الشام مع من هرب منها أيام الملك المعز عز الدين أيبك، وتزعم أحد هؤلاء المماليك البحرية -واسمه «سنجر الحلبي»- الثورة، وكان يرغب في الحكم لنفسه بعد مقتل عز الدين أيبك، فاضطر قطز إلى القبض عليه وحبسه.. كذلك قبض قطز على بعض رءوس الثورات المختلفة، فأسرع بقية المماليك البحرية إلى الهرب إلى الشام، وذلك ليلحقوا بزعمائهم الذين فروا قبل ذلك إلى هناك أيام الملك المعزّ، ولما وصل المماليك البحرية إلى الشام شجعوا الأمراء الأيوبيين على غزو مصر، واستجاب لهم بالفعل بعض هؤلاء الأمراء، ومنهم «مغيث الدين عمر» أمير الكرك (بالأردن حاليًّا) الذي تقدم بجيشه لغزو مصر[9]! وكان أميرًا ضعيفًا جدًّا، ومع ذلك كان صاحب أطماع أكبر كثيرًا من حجمه!



    وصل مغيث الدين بالفعل بجيشه إلى مصر، وخرج له قطز فصدّه عن دخول مصر، وذلك في ذي القعدة من سنة 655 هجرية، ثم عاد مغيث الدين تراوده الأحلام لغزو مصر من جديد، ولكن صدّه قطز مرة أخرى في ربيع الآخر سنة 656 هجرية.

    ومن الجدير بالذكر أن هذه المرة الأخيرة التي حاول فيها المغيث عمر الأيوبي أن يغزو مصر كانت -كما أشرت- في شهر ربيع الآخر سنة 656 هجرية، أي بعد سقوط «بغداد» عاصمة الخلافة الإسلامية بأقلّ من شهرين فقط! فبدلًا من توجيه كل الطاقة إلى قضية التتار إذا به يتوجه لحرب المسلمين! إنه مرض الحَوَل السياسي الذي كان منتشرًا في تلك الأيام وفي أي زمان يبتعد المسلمون فيه عن ربهم!

    سقطت بغداد في صفر سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في الإعداد لغزو الشام، وحاصر ابنه أشموط ميافارقين بداية من رجب سنة 656 هجرية، وبدأ هولاكو في التحرك من فارس إلى الشام مرورًا بشمال العراق في سنة 657 هجرية، واحتل نصيبين والرها والبيرة، واقترب من حلب.. وأصبح واضحًا أن هولاكو لن يهدأ حتى يسقط الشام بكامله، وبعد الشام لا بُدَّ أن تكون الخطوة التالية هي مصر.

    وإن كان يدير الأمور فعليًا في مصر هو قطز، لكن الذي يجلس على الكرسي سلطان طفل، ولا شك أن هذا كان يضعف من هيبة الحكم في مصر، ويزعزع من ثقة الناس بملكهم، ويقوي من عزيمة الأعداء إذ يرون الحاكم طفلًا.

    وفي ضوء الخطر التتري الرهيب، والمشاكل الداخلية الطاحنة، واضطرابات وثورات المماليك البحرية، وأطماع الأمراء الأيوبيين الشاميين.. في ضوء كل ذلك لم يجد قطز أي معنى لأن يبقى السلطان الطفل «نور الدين علي» على كرسي أهم دولة في المنطقة، وهي مصر، والتي لم يعد هناك أمل في صد التتار إلا فيها.

    هنا اتخذ قطز القرار الجريء، وهو عزل السلطان الطفل نور الدين علي، واعتلاء قطز بنفسه عرش مصر[10]، ولم يكن القرار غريبًا؛ فقطز هو الحاكم الفعلي للبلاد، والجميع -بمن فيهم السلطان الطفل نفسه- يدركون ذلك تمام الإدراك، ولكن هناك صورة هزلية مضحكة يتحرك قطز من خلفها، وهي صورة السلطان الطفل، فما كان من قطز إلا أن رفع هذه الصورة الهزلية ليظهر من ورائها الأسد الهصور الذي على يديه ستتغير معالم الأرض، وتتغير جغرافية العالم، وتتغير كثيرٌ من صفحات التاريخ.

    وكان هذا في الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 657 هجرية، أي قبل وصول هولاكو إلى حلب بأيام.. ومنذ أن صعد قطز إلى كرسي الحكم وهو يعدّ العدّة للقاء التتار.

    فرحمه الله رحمة واسعة.



    [1] أبو الفداء الملك المؤيد: المختصر في أخبار البشر 3/190.
    [2] ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 7/12.
    [3] محمود شاكر: التاريخ الإسلامي 7/27.
    [4] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/403.
    [5] العبادي: قيام دولة المماليك الأولى ص140.
    [6] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/494.
    [7] ابن كثير: البداية والنهاية 13/249.
    [8] انظر سيرته عند الذهبي: العبر في خبر من غبر 3/291، وابن تغري بردي: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة 7/85.
    [9] محمود شاكر: التاريخ الإسلامي 7/27.
    [10] المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك 1/508.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك

    حياة سيف الدين قطز



    د. راغب السرجاني


    (9)

    قصة دولة المماليك




    ملخص المقال

    سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، فمن هو؟ وما هي شخصيته وأخلاقه؟ وكيف وصل للحكم؟ ودوره في معركة عين جالوت



    من هو قطز؟

    سيف الدين قطز هو واحد من أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين.. اسمه الأصلي محمود بن ممدود وهو من بيت مسلم ملكي.. وهو ابن أخت جلال الدين الخوارزمي.. ملك الخوارزميين المشهور، والذي قاوم التتار فترة وانتصر عليهم ثم هُزِمَ منهم، وفرَّ إلى الهند، وعند فراره إلى الهند أمسك التتار بأسرته فقتلوا بعضهم واسترَقّوا بعضهم.
    وكان محمود بن ممدود أحد أولئك الذين استرقَّهم التتار، وأطلقوا عليه اسمًا مغوليًّا هو قطز، وهي كلمة تعني الكلب الشرس، ويبدو أنه كانت تبدو عليه من صغره علامات القوة والبأس، ثم باعه التتار في أسواق الرقيق في دمشق واشتراه أحد الأيوبيين، وجاء به إلى مصر، ثم انتقل من سيد إلى غيره حتى وصل في النهاية إلى الملك المعز عز الدين أيبك ليصبح أكبر قواده كما رأينا.
    نشأة قطز
    وقطز رحمه الله كبقية المماليك نشأ على التربية الدينية، والحمية الإسلامية، وتدرب منذ صغره على فنون الفروسية وأساليب القتال، وأنواع الإدارة، وطرق القيادة.. فنشأ شابًّا فتيًّا أبيًّا محبًّا للدين معظمًا له قويًا جلدًا صبورًا.. فإذا أضفت إلى ذلك كونه ولد في بيت ملكي، وكانت طفولته طفولة الأمراء وهذا أعطاه ثقة كبيرة بنفسه، فإذا أضفت إلى ذلك أن أسرته هلكت تحت أقدام التتار وهذا -بلا شك- جعله يفقه جيدًا مأساة التتار.
    وليس من رأى كمن سمع.. كل هذه العوامل صنعت رجلاً ذا طراز خاص جدًا، يستهين بالشدائد، ولا يرهب أعداءه مهما كثرت أعدادهم أو تفوقت قوتهم.
    التربية الإسلامية العسكرية، والتربية على الثقة بالله، والثقة بالدين، والثقة بالنفس كانت لها أثر كبير في حياة قطز رحمه الله.

    قطز في الحكم

    وجد قطز أن السلطان الطفل مشغول باللهو عن أمور الحكم، وأن بعض أمراء المماليك يستغلون ذلك في التدخل في أمور الحكم، وجاء ذلك مع قدوم رسل التتار يهددون مصر بالاجتياح؛ فقام بعزله بعد موافقة العلماء، وأعلن نفسه سلطانًا على مصر.
    بدأ قطز حكمه بمواجهة معضلة خطيرة، وهي صد التتار المتوحشين القادمين لغزو مصر بعدما أسقطوا الخلافة الإسلامية، ودمَّروا بغداد، واجتاحوا الشام.
    لم يكن قطز يستطيع صدَّ التتار بجيشٍ متشعب الولاءات بين الأمراء الذين يبحثون عن مصالحهم، ولا بشعب لاهٍ عن الجهاد وتبعاته؛ لذا بدأ بتنفيذ خطة محكمة سدَّد الله فيها خطاه؛ إذ بدأ بحشد جهود العلماء المخلصين من أجل بث روح الجهاد في نفوس الشعب، واضطلع سلطان العلماء العز بن عبد السلام بعِظم هذه المهمة، ومعه عدد من العلماء الأجِلاّء الذين تحفظ لهم الأمة مكانتهم.
    ولم يكن للشعب أن يتبع خطوات العلماء ما لم يكن الحاكم نفسه يفعل ذلك، وقد كان قطز نِعْم الحاكم الذي يوقر العلماء، ويطيعهم؛ لذا لمّا أراد فرض ضريبة على الشعب لتجهيز الجيش، وأفتى العز بن عبد السلام بعدم الجواز إلا بعد أن يُخرِج الأمراء ما عندهم من أموالهم وأموال نسائهم وجواريهم؛ كان قطز أول مَن نفَّذ تلك الفتوى على نفسه، ثم طبقها على بقية الأمراء بالقوة.
    ولكن.. لا بد للجيش من أمراء أكْفاء يقودون الجنود وهم مقتنعون بالهدف والغاية؛ لذا عمل قطز على تجميع الصفوف وتوحيدها، كما أخذ يُحمِّس الأمراء للجهاد في سبيل الله.
    قطز والثأر من التتار


    تراصَّ الجميع خلف قطز: شعبًا وأمراءً وعلماءً؛ فبدأ التجهيز العسكري للمعركة، وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة 658هـ، وبشروق الشمس أضاءت الدنيا على فجرٍ جديد انبثق من سهل عين جالوت؛ إذ التقى الجيشان: المسلم والتتري، وقاتل قطز رحمه الله قتالاً عجيبًا.
    وبعد توكلٍ على الله u، وخطة ذكية من قطز أثبت بها تفوقه على خصمه كتبغا قائد جيش التتار ونائب هولاكو كتب الله u النصر للمسلمين، وبدأت الكفة -بفضل الله- تميل من جديد لصالح المسلمين، وارتد الضغط على جيش التتار، وأطبق المسلمون الدائرة تدريجيًّا على التتار، وكان يومًا على الكافرين عسيرًا.. وقُتِل كتبغا بيدي أحد قادة المسلمين.
    ووصل التتار الفارُّون إلى بيسان (حوالي عشرين كيلو مترًا إلى الشمال الشرقي من عين جالوت)، ووجد التتار أن المسلمين جادّون في طلبهم، فلم يجدوا إلا أن يصطفوا من جديد، لتدور موقعة أخرى عند بيسان أجمع المؤرخون على أنها أصعب من الأولى، وقاتل التتار قتالاً رهيبًا، ودافعوا عن حياتهم بكل قوة، وبدءوا يضغطون على المسلمين، وكادوا أن يقلبوا الأمور لمصلحتهم، وابتلي المؤمنون، وزُلزلوا زلزالًا شديدًا، وكانت هذه اللحظات من أحرج اللحظات في حياة القوات الإسلامية، ورأى قطز -رحمه الله- كل ذلك.. فانطلق يحفز الناس، ويدعوهم للثبات، ثم أطلق صيحته الخالدة: واإسلاماه، واإسلاماه، واإسلاماه.
    قالها ثلاث مرات، ثم قال في تضرع: "يا الله!! انصر عبدك قطز على التتار..!!".
    ما إن انتهى من دعائه وطلبه -رحمه الله- إلا وخارت قوى التتار تمامًا..
    وقضى المسلمون تمامًا على أسطورة الجيش الذي لا يقهر..
    وأُبِيدَ جيش التتار بكامله، وانتصر الجيش الإسلامي العظيم[1]، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [آل عمران: 126].

    [1] د. راغب السرجاني: قصة التتار ص320-331، بتصرف.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك

    عصرا الدولة المملوكية وحكم الظاهر بيبرس

    د. راغب السرجاني

    (10)

    قصة دولة المماليك


    ملخص المقال

    الظاهر بيبرس، من هو الظاهر ركن الدين بيبرس؟ وما هي شخصيته وأخلاقه وصفاته؟ وكيف وصل للحكم وكيف كان حكمه؟ وما أهم أعماله وجهاده ضد الصليبيين؟

    عصرا الدولة المملوكية

    العصر الأول: المماليك البحرية (648- 792هـ).

    العصر الثاني: المماليك الجراكسة أو البرجية (792- 923هـ).
    عصر المماليك البحرية (648- 792هـ):
    المماليك البحرية: هم مماليك السلطان الصالح نجم الدين أيوب الذين كثر عددهم، وزادت تعدياتهم فضج منهم السكان فبنى لهم قلعة في جزيرة الروضة عام 638هـ، فعُرِفُوا بالمماليك البحرية.

    حكم هؤلاء المماليك البحرية مصر مدة أربع وأربعين ومائة سنة (648- 792هـ)، بدأت بحكم عز الدين أيبك. وقد تمثل هذا الحكم في أسرتين فقط، وهما أسرة الظاهر بيبرس البندقداري، وقد دام حكمها مدة عشرين سنة (658- 678هـ).

    أمّا الأسرة الثانية فهي أسرة المنصور قلاوون، وقد استمر أمرها أربع عشرة ومائة سنة (678 - 792هـ) وحكم هو وأولاده وأحفاده، لم يتخللها سوى خمس سنوات خرج أمر مصر من أيديهم، إذ تسلم العادل كتبغا والمنصور لاجين والمظفر بيبرس الجاشنكير وقد قُتِلَ ثلاثتهم، حكم الأوليان منهم مدة أربع سنوات (694 - 698هـ) وحكم الثالث ما يقرب من سنة (708- 709هـ)[1].
    عصر المماليك الجراكسة أو البرجية (792- 923هـ):

    موطن الجراكسة هو الأرض المشرفة على البحر الأسود من جهة الشمال الشرقي، وتشكل أرضهم الجزء الشمالي الغربي من بلاد القفقاس الممتدة بين بحري الأسود والخزر، والتي كانت تعرف يومذاك باسم بلاد القفجاق، وغدت تلك الجهات آنذاك مسرحًا للصراع بين مغول فارس أو الدولة الإيلخانية، ومغول القفجاق أو الأسرة الذهبية، وهذا الصراع جعل أعدادًا من أبناء الجراكسة تدخل سوق النخاسة، وتنتقل إلى مصر فاشترى السلطان المنصور قلاوون أعدادًا منهم ليتخلص من صراع المماليك البحرية، وليضمن الحفاظ على السلطنة له ولأبنائه من بعده، وقد أطلق على هؤلاء المماليك الجدد المماليك الجراكسة نسبة إلى أصولهم التي ينتمون إليها، كما أطلق عليهم اسم المماليك البرجية نسبة إلى القلعة التي وضعوا فيها[2].
    لقد حكم المماليك الجراكسة مصر والشام والحجاز مدة تزيد على إحدى وثلاثين ومائة سنة (792- 923هـ) وتعاقب في هذه المدة أكثر من سبعة وعشرين سلطانًا، لم تزد مدة الحكم على خمسة عشر عامًا، إلا لأربعة منهم وهم: الأشرف قايتباي، وقد حكم 29 سنة (872- 901هـ)، والأشرف قانصوه الغوري وقد حكم 17 سنة (906- 922هـ)، والأشرف برسباي وحكم 16 سنة (825- 841هـ)، والظاهر جقمق وحكم 15 سنة (842- 857هـ).
    وهناك ست سلاطين حكموا عدة سنوات أو أكثر من سنة وهم: الظاهر برقوق وحكم تسع سنوات (792- 801هـ) وهي المرة الثانية بعد خلع المنصور حاجي، وابنه الناصر فرج وقد حكم مرتين في كل مرة سبع سنوات (801- 808هـ) (808 - 815هـ)، والمؤيد وحكم تسع سنوات (815- 824هـ)، والأشرف إينال وحكم سبع سنوات (857- 865هـ)، والظاهر خشقدم وحكم سبع سنوات أيضًا (865- 872هـ).
    أما السلاطين الخمسة عشرة الباقون فكانت مدة حكم الواحد أقل من سنة بل إن بعضهم لم تزد مدة حكمه على الليلة الواحدة إذ أن خير بك قد تسلم السلطنة مساءً وخُلِعَ صباحًا وذلك عام 872هـ[3].
    وقد برز في العصر المملوكي كثير من سلاطين المماليك كان لهم دور كبير في تغيير كثير من صفحات التاريخ، كما تركوا بصمات واضحة في التاريخ الإسلامي نذكر منهم:
    الظاهر بيبرس

    اتصف بيبرس بالحزم ، والبأس الشديد، وعلو الهمة، وبعد النظر، وحسن التدبير، واجتمعت فيه صفات العدل والفروسية والإقدام، فلم يكد يستقر في الحكم حتى اتخذ عدة إجراءات تهدف إلى تثبيت أقدامه في الحكم منها: التقرب من الخاصة والعامة؛ بتخفيف الضرائب عن السكان، كما عفا عن السجناء السياسيين، وأفرج عنهم، كما عمل على الانفتاح على العالم الإسلامي لكسب ود زعمائه[4].
    وقام كذلك بالقضاء على الحركات المناهضة لحكمه، وأعاد الأمن والسكينة إلى البلاد[5]. وإضافةً إلى ذلك، أعاد إحياء الخلافة العباسية.
    وعندما توطدت دعائم سلطة المماليك، وقويت شوكتهم، نتيجة الإجراءات التي اتخذها "بيبرس"، رأى هذا السلطان ضرورة متابعة سياسة صلاح الدين الأيوبي وخلفائه في طرد الصليبيين، وإجلائهم عن البلاد الإسلامية، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، فقد كان لزامًا عليه أن يجابه ما تبقى من الإمارات الصليبية وهي أنطاكية، وطرابلس، والجزء الباقي من مملكة بيت المقدس، وحتى يحقق هدفه اتبع إستراتيجية عسكرية قائمة على ضرب هذه الإمارات الواحدة تلو الأخرى، ولم تنقضِ سنة من السنوات العشر الواقعة بين عامي ( 659- 669هـ/ 1261- 1271م) دون أن يوجه إليهم حملة صغيرة أو كبيرة، وكان ينتصر عليهم في كل مرة[6].
    تُتَّهم الدولة المملوكية كثيرًا بالضعف الحضاري، والهزال العلمي الفكري، ولكن التاريخ الصحيح يُكذِّب ذلك؛ فقد كان لفنون الحضارة مكان عزيز عند المماليك؛ فمن ذلك جهودهم التي قاموا بها في المجالات التالية:
    تطوير الجهاز الإداري

    حرص سلاطين المماليك على تطوير الجهازين الإداري والعسكري، فاستحدث الظاهر بيبرس بعض الوظائف الإدارية لأن الوظائف التي عرفها المماليك وأخذوها عن الأيوبيين أصبحت لا تفي بحاجة الدولة الآخذة في التطور والتوسع فأنشأ وظائف جديدة لم تكن معروفة في مصر من قبل يشغلها أمراء يعينهم السلطان من بين الأشخاص الذين يثق بهم.

    تعديل نظام القضاء

    كان يتولى منصب القضاء في عهد الأيوبيين في القاهرة وسائر أعمال الديار المصرية، قاض واحد على المذهب الشافعي وله حق تعيين نواب عنه في الأقاليم، وأحيانًا كان يعين قاض للقاهرة والوجه البحري. وظل الوضع على ذلك حتى عام(660هـ/ 1262م). وما زال السلطان يطور النظام القضائي حتى ثبته وجعله مبدأ رسميًّا في (شهر ذي الحجة عام 663هـ/ شهر تشرين الأول عام 1265م)، فعين أربعة قضاة يمثلون المذاهب الأربعة وسمح لهم أن يعينوا نوابًا عنهم في الديار المصرية. فكان القاضي ابن بنت الأعز يمثل المذهب الشافعي، والقاضي صدر الدين سليمان يمثل المذهب الحنفي، والقاضي شرف الدين عمر السبكي يمثل المذهب المالكي، والقاضي شمس الدين القدسي يمثل قضاء الحنابلة، وفعل مثل ذلك في دمشق.

    وسن بيبرس عدة تشريعات لتهذيب أخلاق المصريين لعل أهمها الأمر الذي أصدره في عام (664هـ/ 1266م) ومنع بموجبه بيع الخمور، وأقفل الحانات في مصر وبلاد الشام، ونفى كثيرًا من المفسدين[7].
    المنشآت العمرانية

    من أهم منشآته العمرانية:
    - جدد بناء الحرم النبوي.
    - جدد بناء قبة الصخرة في القدس، بعد أن تداعت أركانها.
    - أعاد الضياع الخاصة بوقف الخليل في فلسطين، بعد أن دخلت في الإقطاع، ووقف عليه قرية اسمها بإذنا.
    - بنى المدرسة الظاهرية بين القصرين، وعين فيها كبار الأساتذة كان من بينهم مدرس الحنفية الصاحب مجد الدين بن العديم، ومدرس الشافعية الشيخ تقي الدين بن رزين، وولى الحافظ شرف الدين عبد المؤمن الدمياطي مشيخة الحديث، والشيخ كمال الدين الحلبي مشيخة القرَّاء.
    - بنى مسجده المعروف باسمه في ميدان الأزهر في القاهرة.
    - بنى مشهد النصر في عين جالوت تخليدًا لذكرى الانتصار على المغول.
    - جدد أسوار الإسكندرية
    - أعاد بناء القلاع التي هدمها المغول في بلاد الشام مثل قلعة دمشق، قلعة الصلت، قلعة عجلون وغيرها[8].

    [1] محمود شاكر: موسوعة التاريخ الإسلامي، العهد المملوكي 7/ 36، 37.
    [2] المصدر السابق 7/70.
    [3] السابق نفسه 7/71.
    [4] د. طقوش: تاريخ المماليك ص88-90.
    [5] المرجع السابق ص90-92.
    [6] السابق نفسه ص119.
    [7] السابق ص152، 153.
    [8] السابق ص153، 154.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك

    ركن الدين بيبرس وجهاده الصليبيين





    شفيق جاسر

    (11)



    ملخص المقال

    ركن الدين بيبرس وجهاده الصليبيين، فلم ينس بيبرس لحظة عداوة الصليبيين وخطرهم على الشام ومصر، ففتح أنطاكية وحاصر عكا وقبرص وأدب الحشاشين


    تولي السلطان الظاهر بيبرس السلطنة
    بمقتل السلطان قطز

    ، خرج أمراء المماليك الذين تآمروا عليه إلى الدهليز السلطاني بالصالحية وسلطنوا عليهم بيبرس سنة 658 هـ / 1260م؛ لأنه هو الذي قتله
    وأجلسوه مكانه على مرتبة السلطان، وبعد أن حلف له القادة بمن فيهم فارس الدين أقطاي، والجند يومين الولاء، دخل القاهرة ظافرًا.
    ويعتبر بيبرس من أعظم سلاطين المماليك
    لما قام به من أعمال شملت تنظيمات وعمران وغير ذلك، وكان من أهم أعمال بيبرس إحياؤه الخلافة العباسية

    في القاهرة سنة 659هـ / 1260م، بعد أن قضي عليهاالتتار فى بغداد
    . مما أكسبه سلطة شرعية مدعومة بموافقة الخليفة العباسي، كما استن نظام ولاية العهد في أسرته، بتعيين ابنيه السعيد بركه خان والعادل بدر الدين سلامش، وحفر الترع، وأصلح الحصون، وأسسِ المعاهد، وبنى المساجد، كما قوى الجيش واستحضر أعدادًا كبيرة من المماليك، وكرس همته في محاربة الصليبيين
    . ولذلك يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة المملوكية في مصر، وتوفي في السابع والعشرين من محرم عام 676 هـ / 1277م في دمشق
    وهو عائد من وقعة قيسارية [1].

    دور بيبرس في التصدي للصليبيين
    لم ينس بيبرس لحظة عداوة الصليبيين وخطرهم على الشام ومصر، وهو الذي شارك في صدهم عن المنصورة ودمياط، ورأى محاولات لويس التاسع في تأجيج الصراع بين دولة المماليك الحديثة النشأة والملك الناصر ملك الشام

    ، ثم تعاونهم مع الخطر الجديد القادم من الشرق، حيث رأوا فيه حليفا طبيعيا ساقه الله لنصرتهم، ألا وهو خطر المغول، فاتصلوا بهم، وعملوا أدلاء لجيوشهم وجواسيس يطلعونهم على عورات المسلمين، بل سمح بعضهم لبعض الحاميات المغولية بالنزول في حصونهم، فوقعوا هم أنفسهم تحت سيطرة ورحمة تلك الجماعات [1]، وكذلك تآمر الصليبيين الدائم مع الحشاشين
    الذي كانوا خطرا دائما يهدد كل مجاهد مسلم من زعماء المسلمين.
    لهذا قرر بيبرس كما قلده في ذلك خلفاؤه أمثال
    قلاوون والأشرف خليل
    ، اجتثاث الخطر الصليبي نهائيا من بلاد الشام [2].وكتمهيد لتحقيق هذا الهدف تحالف بيبرس
    مع الإمبراطور البيزنطي باليولوجس عدو الصليبين، حيث عقد معه معاهدة دفاعية عام (660 هـ / 1262م) كما حالف مغول
    القفجاق المسلمين (القبيلة الذهبية) وهادن أعداء المسلمين مغول فارس الوثنيين [3].بعد كل هذه الترتيبات توجه بيبرس
    نحو الشام عام (663 هـ / 1265م) قاصدا إعداد قواته وإعادة توزيعها، تمهيدا لتنفيذ غرضه، وعند ذلك أحس الصليبيون بالخطر الكائن في استعدادات بيبرس ونيته نحوهم، فأرسلوا إليه وفودهم تعرض عليه المسالمة، وتعبر عن حسن نيتها نحوه، ولكنه كان يردها قائلا: "ردوا ما أخذتموه من البلاد، وفكوا أسرى المسلمين جميعهم، فإني لا أقبل غير ذلك"، ثم يطردهم من حضرته [4].وكان من حماس بيبرس في جهاد الصليبين، أنه لم يخل عام من الأعوام العشرة ما بين (659-669هـ / 1261- 1271م) إلا وكان يشن فيه حربًا، ويسترد أرضا من أرض إحدى الإمارات الباقية بأيديهم، وهي: أنطاكية
    ، وطرابلس، وبعض مملكة القدس

    .فبادر عام (661 هـ / 1263م) بمهاجمة مدينة الناصرة، ثم هاجم بنفسه مدينة عكا
    الحصينة، ولكنه لم يتمكن أن فتحها بسبب ما أقامه فيها لويس التاسع من تحصينات [5].وفي عام (663 هـ / 1265م) حاصر مدينة قيسارية وفتحها رغم حصانتها، ثم غادرها جنوبا إلى قلعة أرسوف البحرية التي كَانت تحت سيطرة شرسان الاسبتارية المشهورين ببسالتهم، فقاموا بالدفاع المستميت عنها، ولم يمكنوا بيبرس من فتحها فلجأ إلى الحيلة، بأن اتفق معهم على أن يستسلموا مقابل تأملات حياتهم، ولكنه قام بنقلهم إلى القاهرة بعد أن أمرهم بهدم قلعتهم [6].وبعد ذلك قام بفتح يافا وعتليت، ثم استولى في العام التالي على صفد وهونين وتبنبن والرملة، مما جعل الإمارات الصليبية في حالة احتضار يائسة دفعتها إلى معاودة استعطاف السلطان بيبرس طالبة مصالحته، أو على الأقل عقد هدنة معه، وفي هذه المرة رأى أنه من المناسب إجابة طلبهم، فصالحهم عَلى أساس المناصفة أو المشاركة، وذلك بأن تصبح له حصة في غلاتهم ومنتجاتهم [7].ومن أطرف هذه الاتفاقيات بين بيبرس والإمارات الصليبية تلك الاتفاقية التي عقدتها معه ازابيلا، ملكة بيروت عام (667 هـ / 1268م) ومدتها عشر سنوات، فقد ذكر القلقشندي أن هذه الملكة قد وثقت ببيبرس إلى درجة أنها كانت عندما ترغب حب السفر إلى جهة ما، تذهب بنفسها إلى بيبرس وتستودعه بلادها [8]، وعندما خطفها الملك هيو الثالث ملك جزيرة قبرص قام بيبرس بتخليصها عن طريق توجيه تهديدات لهيو. لهذا اتخذت لنفسها حرسا من المماليك حتى ماتت عام 672هـ / 1274م، وقلدتها في هذه السياسة أختها وخليفتها حتى استولى المسلمون على بيروت [9].أما عن موقف السلطان الظاهر بيبرس تجاه العدو الآخر والحليف الدائم لكل من الصليبين والمغول، وأعني به مملكة أرمينيا الصغرى (جنوب الأناضول) فقد وجه إليها في عام (665 هـ / 1266م) القائد قلاوون؛ بقصد تأديب ملكها على تحالفه مع التتار زمن هولاكو وأبقاخان، وتشجيعه لهما على مهاجمة الشام ومصر، والمساهمة في دعمهما بفرض حصار اقتصادي على دولة المماليك، حيث منع عنها مادتي الخشب والحديد [10].وقامت قوات قلاوون بهزيمة الأرمن قرب دراساك، ودمرت مدن سيس وأضنه وطرسوس والمصيصة، وألحقت بها دمارا هائلا في هجومها الذي استغرق عشرون يوما فقط، وقتل قلاوون أحد أبناء ملك أرمينيا وأسر الابن الثاني، في حين كان الملك نفسه هيثوم الأول في زيارة للمغول في بلاد فارس. ولم يوافق بيبرس على إطلاق أسيره إلا مقابل تنازل والده عن عدة مواقع استراتيجية ودفع جزية سنوية [11].ومنذ ذلك الحين أصبحت أرمينية الصغرى ضعيفة لم تسبب للمسلمين أي مشكلة، إلا مرة واحدة في عهد السلطان محمد قلاوون حيث أخضعها نهائيًا. وفي عام 666 هـ قام بأخذ يافا عنوة وأجلي أهلها إلى عكا، ثم استولى على حصن الشقيف وأجلي أهله إلى صور، ثم هاجم صور فنهب وأرعب، ثم هاجم حصن الأكراد ثم سار عنوة إلى حمص ومنها إلى حماه ثم إلى فامية [12].

    سقوط أنطاكية بيد السلطان بيبرس
    وجه بيبرس همه إلى أنطاكية

    أقوى الإمارات الصليبية المتبقية والمتحالفة مع التتار، فبدأ بمهاجمة البلاد المحيطة بها، حيث استولى على عدة قلاع تقع إلى الشمال منها، ثم وجه همه نحوها بجيشه المؤلف من ثلاث فرق، استولت الفرقة الأولى منها على ميناء السويدية، لتقطع اتصال انطاكيا بالبحر، ورابطت الفرقة الثانية في ممرات قيليقيه لتمنع وصول الإمدادات من أرمينية الصغرى، ثم هاجم المدينة بالفرقة الثالثة، واستمرت الهجمات، ودام الحصار.
    ثم جرت مفاوضات لتسليمها صلحا، ولكنه رفض، واستطاع أن يفتحها عنوة، في رمضان عام 666 هـ (1268م) فأحرقها، وقتل من أهلها خلقا كثيرا (قيل أنه قتل من أهلها مائة ألف، ومن جنود قلعتها ثمانية آلاف)، وأسر أعدادا هائلة منهم، وغنم مالا يحصى من الأموال بلغ من كثرتها (أن قسمت الأموال بالطاسات)، وبلغ الأسرى من الكثرة حتى أنه لم يبق غلام إلا وله غلام، وبيع الصغير باثني عشر درهماً).فكان سقوطها معلما خطيرا على طريق نهاية الصليبين بالشام، لأنها كانت بحكم موقعها الجغرافي سندا لهم منذ بداية الحروب الصليبية، وسبب سقوطها ذعرا شديدا في صفوف الصليبين، حتى أرسل ملك أرمينية الصغرى يعرض على بيبرس أن يسلمه بلاده مقابل الاستمرار في مهادنته [13].
    بيبرس ومحاولة فتح قبرص
    ولم يكتف بيبرس بهذا النصر العظيم، فوجه همه نحو جزيرة قبرص ليؤدب ملكها هيو الثالث، الذي كان دائم التهديد للسفن الإسلاَمية في البحر الأبيض المتوسط، ودائم المساعدة للصليبين، فوجه نحوه حملة بحرية عام 668 هـ (1270م)، ولكنها فشلت بسبب العواصف التي حطمت معظم سفنها، فنجي بذلك ملكها من عقاب بيبرس [14].

    لم يثن هذا الفشل في فتح قبرص، بيبرس عن مواصلة الجهاد ضد الصليبيين، فاستولى في عام (669هـ / 1270م) على صافيتا وحصن الأكراد، وحصن عكار، والقرين، ثم واصل مهاجمة إمارة طرابلس، فاستولى على ما حولها من حصون وممرات وكاد أن يفتحها، ولكنه عندما علم بخروج الحملة الصليبية الثامنة من فرنسا خشي أن تكون جهتها مصر، فسارع إليها للاستعداد لمواجهة هذا الخطر [15].وعندما تيقن من توجه تلك الحملة إلى تونس عاد عام (670 هـ /1271م) لمواصلة هجومه على طرابلس فطلب أميرها بوهيمند السادس الصلح، ووصلت الأخبار بوصول الأمير إدوارد الأول إلى عكا، فظن أنها مقدمة لحملة صليبية كبرى، فاستجاب بيبرس لطلب بوهيمند وعقد معه صلحا مدته عشر سنوات [16]، وتبعتها مملكة بيت المقدس فعقدت صلحا مماثلا، مما مكن بيبرس من التفرغ لقتال المغول والإسماعيلية.فوجه بيبرس همه نحو الإسماعيلية الحشاشين الذين كانوا يعادون المسلمين ويتآمرون مع الصليبين ضدهم، ويغتالون كبار المجاهدين من قادتهم كما تعاونوا مع المغول، ودفعوا لهم الأتاوات، فعزل مقدمهم نجم الدين الشعراني، وهدم حصونهم وقضي عليهم، بعد أن سلموها له وأشهرها الكهف والقدموس والمنطقة، وعوضهم عنها بإقطاعات [17].

    [1] المقريزي: السلوك، 1/ 436.
    ابن إياس: بدائع الزهور، 1/ 97- 98.
    - ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة، 7/ 84، 267.
    [2] أحمد العباد، قيام دولة المماليك الأولى في مصر والشام، دار النهضة العربية، بيروت، 1969م، ص222.
    [3] مفصل بن أبي الفضائل، النهج السديد، ص: 192. المقريزي، السلوك: 1/584_ 600.
    - بيبرس الدوادار، زبدة الفكر: 9/262/9.
    - المقريزي، السلوك: 1/ 465.
    [4] المقريزي: السلوك: 1/485_ 486.
    [5] ابن كثير: 13/244.
    [6] المفريزي: السلوك: 1/529 " ولا يعتبر هذا غدرا منه لأن هؤلاء الفرسان جبلوا على الخيانة والغدر، وطالما غدروا بالمسلمين". ابن كثير: البداية: 13/244.
    [7] ابن كثير: البداية: 13/249.
    - القلقشندي: صبح الأعشى: 4/44- 51. أبو المحاسن: النجوم: 7/150.
    [8] القلقشندي: نفسه: 4/39.
    - تاريخ ابن الفرات: 7/35.
    [9] يذكر رنسيمان runciman, a history of the crusades. (Cambridge1957) p. 342_ 343 أن بيروت سقطت بيد الأشرف خليل عام 1291م (690هـ) ، بينما يذكر المقريزي أنها سقطت بيد الناصر قلاوون سنة 688هـ (1289م) (المقريزي: السلوك: 1/646_ 647).
    [10] سعيد عاشور: قبرص والحروب الصليبية، القاهرة، مكتبة النهضة، 1957م، 2/1147.
    [11] أبو المحاسن: النجوم: 7/14. المقريزي: السلوك: 1/552.
    [12] المقريزي: السلوك: 3/552. ابن كثير 13/251.
    [13] المقريزي: السلوك: 1/544_ 547. ابن كثير: البداية والنهاية 13/251. المقريزي: السلوك: 1/568.
    Runciman, op. cit. p. 324_ 325.
    [14] العيني: عقد الجمان، حوادث سنة 669هـ. - ابن كثير 13/ 259.
    - سعيد عاشور: قبرص والحروب الصليبية، ص47- 48.
    [15] السيد عبد العزيز سالم: طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، ص: 269.
    [16] أثناء المفاوضات اندس بيبرس بين أعضاء وفده إلى بوهيميند كخادم ليتمكن من الاطلاع على حصون طرابلس. (المقريزي: السلوك: 1/ 594) .
    [17] ابن كثير البداية والنهاية 13/ 264.
    - السيد عبد العزيز سالم: طرابلس الشام في التاريخ الإسلامي، ص: 269.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك

    جهاد السلطان الناصر قلاوون ضد الصليبيين

    شفيق جاسر

    (12)

    ملخص المقال

    جهاد السلطان الناصر قلاوون ضد الصليبيين مقال للكاتب شفيق جاسر أحمد محمود عن دور السلطان الناصر قلاوون ويوضح جهاده ضد الصليبيين




    لم يكد السلطان قلاوون يعتلي عرش مصر، حتى تمرد عليه نائب الشام، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فأعلن نفسه ملكا باسم الملك الكامل، واستولى على عدة حصون من حصون الشام، منها قلعة صهيون، ثم اتصل بأعداء المسلمين من مغول وصليبيين محاولا الاستعانة بهم ضد قلاوون، مما جعل أهل الشام ينفرون منه، وينفضون من حوله، ويتخلون عن نصرته، واستغل المغول هذه الفرصة، فاحتلوا بعض حصون الشام 769 هـ (1280م) ، واستولوا بقيادة أبغا على مدينة حلب، التي أحرقوا مساجدها ومدارسها وقتلوا معظم أهلها7، ولم يُضع الصليبيون هذه الفرصة، فقاموا بمحاولة لاسترداد حصن الأكراد، ولكنهم فشلوا8. وعندما علم قلاوون بهذا التحالف وهذه الجرائم خرج من مصر متوجها إلى الشام للقضاء على هذا الخطر، ولكنه لم يكد يغادر أرض مصر، حتى تعرض لمؤامرة داخلية جاءت من قبل بعض المماليك الذين يدعون بالمماليك الظاهرية. حيث تآمروا عليه بالاتفاق سرا مع الصليبيين. فواجه الموقف بسرعة وقبض عليهم فأعدم بعضهم وسجن البعض الآخر وأعاد النظام إلى صفوف جيشه.

    فر المغول عندما علموا بوصول جيش الناصر قلاوون إلى غزة في طريقه لمحاربتهم، فأخلوا مدينة حلب والحصون التي كانوا قد احتلوها وأسرعوا عائدين نحو العراق ولم يصمد الأمير سنقر بدوره أمام جيش قلاوون وفر هاربا إِلى المغول محاولا مرة أخرى حضهم على غزو مصر.

    عندئذ رأى السلطان قلاوون أن أخطر هؤلاء الأطراف الثلاثة المتآمرين هم المغول، عقد صلحا مع الصليبيين من داوية واسبتاريه ومع بوهيمنند السابع أمير طرابلس، مدته عشر سنوات، وذلك عام 680 هـ (1281م) . وعفا عن الأمير سنقر الأشقر وعينه حاكما على أقليم أنطاكية، واتفق مع الصليبيين في عكا بأن يكونوا على الحياد. وبهذا تفرغ لمقارعة المغول الذين عادوا التوجه نحو الشام بقيادة أبغا، يؤازرهم حليفهم ليو الثالث ملك أرمينيا الصغرى، فالتقى بهم قلاوون عام 680 هـ (1281م) في حمص وهزمهم بعد أن (هلك منهم خلق كثير).

    وهنا قرر الناصر أن ينتقم من الصليبين مستغلا، نصره على المغول وغير عابئ بصلحه معهم عام 680 هـ الذي كانت مدته عشر سنوات ولما يمض عليه سوى أربع سنوات فهاجم عام 684 هـ (1285م) حصن المرقب، ففتح ذلك الحصن الهام الذي كان فتحه خسارة كبرى للصليبيين لأنه أن أهم حصونهم ثم أتبع ذلك بالاستيلاء على اللاذقية عام 686 هـ (1287م) التي كانت آخر أملاك إمارة أنطاكية المتبقية بين الصليبين. بعد ذلك جاء دور طرابلس، وكانت حصينة، وقد مات أميرها بوهيمند السابع دون وريث، فدب النزاع بث الطامعين في إمارتها، حتى استعان بعضهم بالسلطان قلاوون، فاستغل هذه الفرصة وهاجمها في جيش لجب يضم أربعين ألفا من الفرسان وأكثر من مائة ألف من الرجال، وفتحها سنة 686 هـ (1289م). ثم استولى على بيروت وجبله وبهذا لم يبق بيد الصليبيين سوَى صور وصيدا وعتليت وعكا التي كانت مركز مملكة بيت المقدس بعد سقوط القدس.

    ورأى قلاوون أن يؤجل إلى حين الاستيلاء على بقية البلاد من أيدي الصليبيين، فوافق على تجديد الهدنة معهم لمدة عشر سنوات وتوجه إلى دمشق ولكن جموعا صليبية متحمسة وصلت من إيطاليا 689 هـ (1290م) ونزلت في عكا، وأخذت في الاعتداء على المسلمين المتواجدين خارجها، مما أغضب السلطان قلاوون ودفعه لأن يقسم على الانتقام منهم، وأخذ في الاستعداد لهذا الغرض، ولكنه توفي فجأة وهو في الطريق لتحقيقه عام 689 هـ (1290م) .

    وقد وصف ابن العمري قلاوون رحمه الله بقوله: "كان رجلا مهيبا شجاعا، فتح الفتوحات الجليلة، مثل المرقب وطرابلس، التي لم يجسر أحد من الملوك مثل صلاح الدين وغيره على التعرض لها لحصانتها، وكسر جيش التتار في حمص، وكانوا في ثمانين ألفا".

    وقد خلف الأشرف خليل بن قلاوون أباه في السلطنة، لأن أخاه الملك الصالح على بن قلاوون الذي أقامه أبوه ملحَا في حياته قد مات في سنة 687 هـ (1288م) بعد أن بقي ثماني سنوات سلطانا في حياة أبيه.ولم يكن الأشرف خليل محبوبا من الأمراء: لأنه كان قاسيا وغير متمسك بحسن الخلق، حتى اتهم بدس السم لأخيه علي، وقد استلم الحكم فور وفاة أبيه، وقضى على الأمير حسام الدين طرنطاي نائب السلطنة الذي تآمر عليه، ثم استعد للخروج إلى الشام، ورغم محاولة الصليبيين ثنيه عن ذلك بأن أرسلوا إليه (يسألونه العفو) فإنه (لم يقبل منهم ما اعتذروا به).

    توجه نحو عكا ، واجتمعت إليه جيوش مصر والشام سنة 690 هـ (1291م) فقام بمحاصرتها مدة أربعة وأربعين يوما، ورماها بالمنجنيق، حتى فتحها في جمادى الأول من عام 690 هـ (1291م) ، رغم المقاومة العنيدة التي أبدتها حاميتها، وإمدادات قبرص لها - حيت أن الصليبين كانوا يعلمون أنها آخر أمل لهم في البقاء في الشام- وقد فر بعض سكانها إلى عرض البحر المتوسط وتكدسوا في السفن التي غرق بعضها لكثرة من كانوا على ظهرها.

    وبعد ذلك قام الأشرف خليل بالاستيلاء بسهولة على بقية ما تبقى بأيدي الصليبين مثل صور وحيفا اللتين قاومتا مقاومة كبيرة، ثم اضطرتا للتسليم فنجتا بذلك من التخريب4، ثم استولى الأشرف خليل على عتليت وصيدا وانطرسوس5، وبهذا تم القضاء نهائيا على الوجود الصليبي في الشام، وإن كان الصليبيون في جزيرة إرواد6 المقابلة للساحل الشرقي قد ظلوا يغيرون على السواحل بين الفينة والأخرى ويقطعون الطرق، مما أزعج نائب السلطنة المملوكية على الشام، وجعله يطلب معونة السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فجهز أسطولا ووجهه نحو هذه الجزيرة بعد أن ضم إليه جيش طرابلس ففتحها وملكها وقتل من أهلها خمسمائة7 وذلك عام 702 هـ (1302م) .

    وهكذا بالقضاء على الصليبين في عام 690 هـ (1291م) وبزوال الخطر المغولي عن الشام ومصر، أصبح لدولة المماليك شأن عظيم في السياسة الدولية خصوصاً في عهد سلطانها الناصر محمد ابن قلاوون في سلطنته الثالثة.

    أدرك الصليبيون في أوربا فشل محاولاتهم المتلاحقة للعدوان على بلاد الإسلام في الشام ومصر، ورأوا زوال آخر إماراتهم بعد قرنين من تأسيسها، رغم ما بذل في سبيل إقامتها من جهود مادية ومعنوية، ومن سفك في سبيلها من دماء، كما لمسوا فتور الحماس الصليبي، بعد فشل حملتي لويس التاسع السابعة والثامنة على مصر وتونس، لذلك اضطروا إلى تقبيل اليد التي حاولوا قطعها فلجأوا إلى الدبلوماسية والمراسلات والسفراء والهدايا، علهم يحققون عن طريقها ما فشلوا في تحقيقه بالتعصب والسيف.

    انهال سفراء الدول الأوربية على بلاط الملك الناصر محمد بن قلاوون في القاهرة، محملين بالهدايا والرسائل التي تلح في طلب الصداقة والموادعة، وتوثيق عرى الصداقة، في حين كان غرضها الأساسي هو استدرار عطف الناصر على النصارى في دولته، سواء من كان منهم من الأقباط في مصر أو من أهل الشام، فأرسل البابا يوحنا الثاني والعشرين في عام 727 هـ (1326م) رسالة إلى الناصر طالبا منه أن يعامل نصارى الشرق معاملة عادلة، مقابل معاملة مماثلة للمسلمين، فرد عليه الناصر مجيبا طلبه.

    وفي نفس السنة أرسل شارل الرابع ملك فرنسا رسالة مماثلة لنفس الغرض فرد عليه الناصر أيضا مجيبا طلبه، كما أرسل إليه إمبراطور بيزنطة سفراء محملين بالهدايا راجيا إياه معاملة النصارى الملكانيين لديه بالرعاية والعدل، فقبل الناصر طلبه، وعقد معه حلفا لصد الأتراك العثمانيين.

    وبلغت العلاقات بين الناصر ويعقوب ملك ارغونة شأوا كبيرا بسبب المراسلات بينهما ما بين سنتي 03 7- 728هـ (1303_1327م) ، التي كان هدفها إيجاد علاقة صداقة بينهما، والحصول على ميزات تجارية لأرغونة في مصر، وتسهيل الحج للأراضي المقدسة، وإطلاق سراح النصارى المسجونين في مصر، وضمان حسن معاملة الأقباط والنصارى عامة في الشرق.

    وقد رأى الناصر محمد- الذي كان ملكا مستنيرا محنكا، يميل إلى المسالمة- رأى ذلك فرصة لتوثيق العلاقات بين دولته والآخرين في الشرق والغرب، يحقق بها مصالح مشتركة وخاصة حماية المسلمين في أسبانيا التي كانت خاضعة لحاكم أرغونة، بالإضافة إلى المصالح التجارية والعسكرية في الوقوف أمام الخطر التركي العثماني.

    ولا أدل عام أهمية دولة المماليك الإسلامية في هذا العصر من أن يصبح سلاطينها محط أنظار السفراء والرسل من مغول ويمنيين وأرمن ونوبيين، حتى وصفهم المقريزي بقوله: "وفيه (25 محرم 5 72 هـ) اجتمع بمصر من رسل الملوك ما لم يجتمع منهم في الدولة التركية، وهم رسل اليمن ورسل صاحب اسطنبول! ورسل الأشكري ورسل متملك سيس، ورسل أبي سعيد (ملك التتار) ، ورسل ماردين ورسا ابن قرمان ورسل متملك النوبة وكلهم يبذلون الطاعة".

    إلا أن هذه المكانة قد ضعفت بموت السلطان الناصر محمد فسبحان مغير الأحوال.





    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك

    القضاء على الوجود الصليبي في الشام



    د. راغب السرجاني

    (13)



    ملخص المقال

    الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون وتصفية الوجود الصليبي في بلاد الشام ، فكيف تم ذلك؟ وما هي تفاصيل الحملة على مدينة صور بقيادة الأمير سنجر؟





    المنصور قلاوون اعتلى السلطان المنصور قلاوون عرش السلطنة في مصر سنة 678هـ/ 1279م، وبعد أن وطَّد دعائم حكمه بدأ في مواصلة جهاد الظاهر بيبرس ضد الصليبيين. وكانت بقايا الوجود الصليبي تتمثل في إمارة طرابلس، وبقايا مملكة بيت المقدس اللاتينية التي اتخذت من عكا عاصمة لها، كما كان حصن المرقب بأيدي الفرسان الإسبتارية، وطرطوس بأيدي فرسان الداوية.

    وفي سنة 684هـ/ 1285م شنَّ الجيش المصري هجومًا ناجحًا على حصن المرقب، وانتزعه من فرسان الإسبتارية. وكانت كل الشواهد تدل على أن نهاية الوجود الصليبي في المنطقة العربية قد اقتربت. وفي سنة 686هـ/ 1287م أرسل السلطان المنصور قلاوون جيشًا استولى على اللاذقية، آخر ما تبقى من إمارة أنطاكية الصليبية التي حررها بيبرس.وبعد ذلك بسنتين خرج السلطان بنفسه على رأس جيش ضخم فرض حصارًا على طرابلس لمدة شهرين واستولى عليها في إبريل سنة 1289م، ثم تلتها بيروت وجبلة، وانحصر الصليبيون في عكا وصيدا وعثليت


    [1]

    .

    تصفية الصليبيين

    كان لا بد من تصفية الوجود الصليبي في المشرق الإسلامي بعد أن استمرَّ ما يقرب من مائتي عامٍ، وبعد أن وهنت قوته بفعل المقاومة الإسلامية، وجهود الحكام المسلمين المجاهدين، وبالفعل تم تصفية الوجود الصليبي في بلاد الشام في عهد الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون (689- 693هـ/ 1290- 1293م)؛ حيث كانت بعض أملاك للصليبيين في الشام لا تزال قائمةً، منها على سبيل المثال: (عكا) التي اتجه إليها المنصور بن قلاوون وضرب عليها الحصار، واستطاع فتحها في السابع عشر من جُمادَى الأولى عام 690هـ/ شهر أيار عام 1291م، وكان هذا بمنزلة الضربة القاضية التي نزلت بالصليبيين في بلاد الشام، إذ لم تقم لهم بعد ذلك قائمة.

    الحملة علي صور

    أرسل السلطان جيشًا إلى (صُور) بقيادة الأمير سنجر، الذي استطاع أن يدخلها في شهر رجب من سنة دخول (عكا)، ثم ظهر جيش مملوكي بقيادة الأمير الشجاعي أمام (صيدا) الذي استطاع أن يدخلها في 15من رجب، ثم بعد ذلك فتح (بيروت)، وما لبث السلطان أن فتح (حيفا)، ولم يبقَ إلا موضعان: أنطروس وعثليث، ولكن حامية كلٍّ منهما لم تكن قادرة على الصمود، فجاءت حامية أنطروس في (5 من شعبان - 3 آب)، ومن عثليث في (16 من شعبان- 14 من آب)، ولم يعد بحوزة الداوية سوى الحصن الواقع في جزيرة أرواد، فظلُّوا محافظين على موقعهم هذا طيلة اثني عشر عامًا، ولم يغادروا الجزيرة إلا في عام (703هـ/ 1303م).

    وظلَّت الجيوش المملوكية بعد طرد الصليبيين، تجوب الساحل من أقصاه إلى أقصاه بضعة أشهر في خطوة وقائية، تدمر فيها كلَّ ما تعتبره صالحًا لنزول الصليبيين إلى البر مرة أخرى والتحصن فيه من جديد

    [2]

    .


    [1]
    قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص131-133.


    [2]

    محمد سهيل طقوش: تاريخ المماليك في مصر وبلاد الشام ص204-208.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك


    قصة دولة المماليك

    المماليك الثانية المعروفة بالبرجية

    (14)


    (784 – 923 هـ/ 1382 – 1517م)

    د. محمد عبدالحميد الرفاعي




    ظهور المماليك الجراكسة:

    ينتمي المماليكُ البرجية إلى العنصرِ الجركسي الذي يعيشُ في بلادِ الكُرْج - (بضمِّ أوله وسكون ثانيه كما ذكره ياقوت) - وهي المنطقةُ الواقعة شمال أرمينية، بين البحرِ الأسود وبحر الخزر، وتُعرفُ اليومَ بجمهوريةِ جورجيا في منطقةِ القوقاز.
    وكان الرَّقيقُ الجراكسة كثيرين في الأسواقِ في ذلك الحين (النِّصف الثاني من القرنِ السَّابع الهجري)؛ بسببِ كثرةِ السَّبي منهم؛ لتعرضِهم لهجماتِ مغول فارس والقبجاق، مِمَّا أدَّى إلى انخفاضِ أسعارِهم، إلى جانبِ ما يتَّصفون به من جمالِ الشَّكلِ والقوة والشجاعة، ولذلك اتَّجه السُّلطانُ المنصور سيف الدين قلاوون (678 - 689هـ/ 1279 - 1293م) إلى الاستكثارِ منهم، والاعتمادِ عليهم، وأسكنَهم في أبراجِ القلعة، ولذا عُرِفوا بالبرجية تمييزًا لهم عن المماليكِ الأتراك الذين أُسكِنوا في قلعةِ الروضة وعرفوا بالبحرية.
    وقد تحدَّث العيني في "عقد الجمان"، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" عن تربيةِ هؤلاءِ المماليك وإعدادِهم وعَلاقتِهم بالسُّلطان قلاوون، فقال العيني: إنَّه ربَّاهم كما يربَّى أولادُهم، وكانوا عنده كبنيه أو أعز من البنين، وإنَّه جلبَهم للجهادِ والغزو، وكان يحسنُ معاملتَهم ويشفق عليهم ويفخر بهم ويقول: إنَّه لم يهتم بالإعمار والأموال قدرَ اهتمامِه بهؤلاءِ المماليك ليكونوا حصونًا منيعةً له ولأولاده وللمسلمين، وكانت قوةُ السُّلطانِ أو الأميرِ في تلك الفترة تُقاس بكثرةِ مماليكه وإخلاصهم له، وكان يعتمدُ عليهم في تحقيقِ أهدافه وتوسيع نفوذِه ومنافسةِ غيره من أمراء المماليك.
    ويقول ابن تغري بردي: إنَّ عدتهم وصلت اثني عشر ألفًا، وإنهم تولَّوا مناصبَ الأمراءِ ونواب السلطنة، ومنهم من تَسَلْطن بعد ذلك.
    وسار الأشرفُ خليل بن قلاوون (689 - 693هـ) على نهجِ أبيه في الاستكثارِ من الجراكسة، وألزَمَهم بالنِّظامِ والطَّاعة، فكان يسمحُ لهم بالنزولِ من القلعةِ نهارًا فقط، ويلزمهم أن يبيتوا فيها.
    وكان هؤلاءِ البرجية من عواملِ استمرارِ الحكم في أسرة قلاوون فترةً طويلة، وقد أدوا دورًا في الانتقامِ من قتلةِ الأشرف خليل، وتولية أخيه النَّاصرِ محمَّد برغم أنَّه كان صبيًّا في الثانيةِ عشرة.
    ونتيجةً لضعفِ بيت قلاوون وتزايدِ نفوذ الجراكسة، أخذ هؤلاء الجراكسة يعملون لحسابِ أنفسِهم، فسيطروا على النَّاصرِ محمَّد وضيَّقوا عليه، حتَّى اضطروه إلى التنازلِ عن السَّلطنةِ سنة (708 هـ / 1308م)، واعتلى كبيرُهم بيبرس الجناشنكير مقعدَ السلطنة، بعد سنةٍ واحدة، فنكل بالجراكسة، وقلَّل من شرائِهم، فتضاءل نفوذهم وضعفت قوتهم.
    أُتيحت الفرصةُ للجراكسةِ ليستعيدوا نفوذَهم عقبَ وفاةِ النَّاصرِ محمَّدٍ سنة (741 هـ / 1340م) ،وتولي عددٍ من أبنائه وأحفادِه الصِّغار، ولكنَّهم وجدوا منافسةً قوية من المماليك الأتراك، وتأرجحتِ السُّلطةُ بين الفريقين، ترجح كفة كلٍّ منهما حينًا، حتَّى ظهرَ فيهم الأميرُ برقوق الذي نجحَ في الاستئثارِ بالحكم، وأسَّس دولةَ المماليك البرجية.
    تأسيس دولة المماليك الجراكسة (البرجية):

    كان مؤسِّسُ هذه الدولةِ الأمير الجركسي برقوق بن أنص (أو أنس) العثماني، نسبةً إلى تاجرِ الرَّقيقِ الذي باعه "عثمان"، وقيل: سُمِّي برقوقًا لجحوظِ عينيه، صار من جملة مماليكِ الأمير التركي يلبغا، فلمَّا قُتِل يلبغا على يدِ السُّلطانِ الأشرف شعبان سنة (769هـ/ 1367م) شارك برقوق مع المماليكِ اليلبغاوية في الثَّورةِ على هذا السُّلطان، وتمكَّنوا من قتلِه سنة (778هـ/ 1376م)، ومهَّد ذلك لارتفاعِ شأن برقوق ورفاقِه الجراكسة.
    وكان برقوق ذكيًّا ماكرًا؛ فلم يُظهرْ أطماعَه في السُّلطة، فالتحقَ بخدمة الأمير أينبك البدري وهو من المماليكِ اليلبغادية، وزيَّن له الإنفرادَ بالسلطةِ ومحاربة غيرِه من المماليك الموجودين بالشَّام، وكان هدفُه أن يُضعفَ الفريقين ويتخلَّص من أينبك، وفي الطَّريقِ إلى الشَّام أوعز برقوق لبعضِ أمراء الجند أن يتخلَّصوا من أينبك، فأحسَّ أينبك بمؤامرتِهم وفرَّ إلى الشَّام، وأصبح برقوق أحدَ الزُّعماء منذ ذلك الحين، وترقَّى في المناصبِ بسرعةٍ حتى أصبحَ كبيرَ الأمراء، وساعدتْه الظُّروفُ والأقدار في الوصولِ إلى مآربه، وكان لا يتورَّعُ عن الاستعانةِ بالأمراء، ثُمَّ يتخلَّصُ منهم خوفًا من منافستِهم.
    وتعرَّض برقوق لمحاولةِ اغتيالٍ من المماليك الأتراك، لكنَّه كان حذرًا يستخدمُ العيونَ والجواسيس، فكُشِف أمرُ المتآمرين وتخلَّص منهم بالنَّفي، وعرض عليه أتباعُه أن يتولَّى السُّلطةَ فتظاهرَ بالتمنع والزُّهدِ فيها عدَّةَ مراتٍ، ثم قبلها في النِّهايةِ سنة (784هـ/ 1382م) وتلقَّب بالظَّاهر سيف الدِّين، ووضع بذلك نهايةً لحكمِ أسرة قلاوون، ودولةِ المماليك البحرية.
    وقد بدأ منذ ذلك الحينِ حكمُ طائفةِ المماليك الجراكسة التي امتدَّتْ أربعًا وثلاثين ومائة سنة، وتقلَّد السَّلطنةَ منهم خمسةٌ وعشرون سلطانًا، عدا اثنين من أصلٍ رومي؛ هما: خشقدم وتمريغا.
    وقد اتَّسم عهدُ الجراكسة بكثرةِ الدَّسائسِ والمؤامرات والصِّراعات المستمرة، ولكنَّه من ناحيةٍ أخرى شهد جانبًا إيجابيًّا بتشجيعِ سلاطينهم للعلمِ والأدب وبناءِ المساجد والمدارس والمؤسَّساتِ الخيرية، وكان لهم دورٌ كبير في حمايةِ بلاد الشَّام من أطماعِ الملك التتري تيمور لنك، وألحقوا به ضربةً موجعة، كما وجَّهوا ضرباتٍ أخرى للقوى الصَّليبيةِ المجاورة لهم في جزر البحر المتوسط.
    سلاطين الجراكسة وأهم أعمالهم:

    بدأ الظَّاهرُ برقوق عهدَه باسترضاء المماليكِ الأتراك، حتَّى استتبَّ له الحكمُ، ثم بدأ في تقديمِ الجراكسة عليهم وإيثارِهم بالمناصب والإقطاعات دونهم، وكان من نتيجةِ هذه السِّياسة أنْ تآمر عليه الأتراكُ مع الخليفةِ العباسي في مصر المتوكل على الله، ثُمَّ خروج مدنِ الشَّام وأمرائها عن طاعتِه، وانضمَّ إليهم بعضُ المماليك الموجودين بالقاهرة، وتمكَّنوا من تنصيبِ أمير حاجي بن الأشرف شعبان سلطانًا، ونفي برقوق إلى حصنِ الكرك سنة (791هـ) بعد ستِّ سنواتٍ من حكمِه.
    وسيطر على الأمورِ بعضُ أمراءِ التُّرك، وعلى رأسِهم يلبغا النَّاصري ومنطاش، وما لبث الصِّراعُ أن دبَّ بينهما مما هيأ الفرصةَ لبرقوق ليجمعَ أنصارَه ويستولي على حكم الشَّام ثم مصر، وفرح به عامَّةُ أهلِها وخاصتهم، وخرجوا لاستقبالِه وفرشوا له الحريرَ في الطُّرقِ، وجدَّدوا له البيعةَ في القلعةِ سنة (792هـ/ 1389م) بعد أقل من سنةٍ من عزلِه، وتمكَّن من التخلُّصِ من معظمِ أعدائه ومناوئيه، وقضى على ثورةِ العربان في مصر والشَّام.
    ونجحَ برقوق قُبَيْل وفاتِه سنة (801هـ/ 1399م) في أخذِ البيعة لابنِه فرج، وكان في العاشرةِ من عمره، وشكَّل له مجلسَ وصايةٍ من قادة المماليك، وكثرت الفتنُ في عهدِ السُّلطان فرج، وخرج عليه الأمراءُ في مصر وفي الشَّام، وحاول التَّصدي لها لكنَّه هُزِمَ قرب دمشق وقُتِل سنة (815هـ/ 1412م).
    وبعد شهورٍ تقلَّد السلطنةَ المؤيدُ شيخ بن عبد الله المحمودي، نسبةً إلى محمود شاه الأزدي الذي باعه للسُّلطان برقوق، فأعتقَه واستخدمه، واستمرَّ سلطانًا ثماني سنوات وخمسة أشهر (815 - 824هـ/ 1412 - 1421م)، وكان بصيرًا بالحروبِ سفَّاكًا للدِّماء، وكان محبًّا للشِّعرِ والموسيقى، يقرضُ الشعرَ، ويضعُ الألحان، وقُبيل وفاتِه أوصى لابنِه أحمد، وكان رضيعًا دون السنتين، ولكنَّ المماليكَ لم يؤمنوا بمبدأ الوراثة، بل كان الحكمُ عندهم للأقوى، فتنافسوا على السُّلطةِ إلى أنْ آلتْ في النِّهاية إلى الأشرفِ برسباي الذي قضى فيها ستةَ عشر عامًا (825هـ - 841هـ/ 1422م - 1437م) حقَّق فيها الاستقرارَ والقوة لدولتِه، وقام بغزواتٍ إلى جزيرة قبرص كما سيأتي ذكرُه، ولكنَّه في سبيلِ ذلك ضاعفَ الضَّرائبَ والمكوس على الأهلين، مِمَّا أثار سخط الرَّعيةِ والمؤرخين عليه، برغم ما قام به من إصلاحٍ وجهاد وعمران، وقال عنه المقريزي: "وله في الشُّحِ والبخل والطَّمع أخبارٌ لم نسمعْ بمثلها، وشمل البلادَ الخرابُ وقلَّتِ الأموالُ وافتقر النَّاس"، وقال عنه ابن إياس في "بدائع الزهور": "كان ملكًا منقادًا للشَّريعة، يحبُّ أهلَ العلم، مهيبًا مع لينِ جانب، كفؤًا للملك، إلا أنَّه كان عنده طمعٌ زائد في تحصيلِ الأموال".
    ولم يفلحْ برسباي في جعلِ المُلك وراثيًّا وحفظه في ابنه بعد وفاته، فعزله الوصي جقمق، وتولَّى السَّلطنةَ (842 - 857هـ/ 1438 - 1435م)، وكانت له محاسنُ ومساوئ، لكنَّ محاسنَه كانت أكثر من مساوئه - كما ذكر ابنُ إياس - وكان فصيحًا بالعربية مفقهًا، ولكن كانت فيه حدَّة فآذى بعضَ العلماء، واهتمَّ بالجهادِ في البحر وغزو جزيرة رودس كما سنذكر.
    وعندما اشتدَّ المرضُ بالسُّلطانِ جقمق تنازلَ باختيارِه عن الحكمِ، ولم يقبلْ مراجعة في ذلك، وجمع أولي الأمر: الخليفة العباسي والقضاةَ، وقال لهم: الأمرُ لكم، فانظروا فيمن تسلطنونه، فبايعوا ابنَه المنصورَ عثمان، ثُمَّ عزلوه بعد شهرٍ ونصف.
    وتولَّى بعده الأشرفُ إينال (857 - 865هـ/ 1453 - 1460م)، وفي عهدِه بدأتْ بوادرُ الضَّعفِ تظهرُ في دولة المماليك، وكان أهمها قلة الأموالِ الواردة وكثرةِ الاضطرابات الدَّاخلية، وتمرَّدَ المماليكُ الجلبان، وهم الذين كان السُّلطانُ يجلبهم كبارًا، ويجعلهم في خدمتِه، خلافًا للقاعدة التي سار عليها المماليكُ في صدرِهم الأول بشراءِ المماليك الصِّغار دون البلوغ، والقيام على تربيتِهم وتنشئتِهم فيغرسوا فيهم حبَّ أستاذِهم والالتزام بطاعتِه والإخلاص له حتَّى بعد وفاتِه، أمَّا الأجلاب فكان من السَّهلِ عليهم أن يعزلوا سيدَهم أو يتمرَّدوا على أبنائِه، وقد ثار هؤلاء الجلبان على السُّلطانِ إينال سبعَ مراتٍ خلال فترة حكمِه التي امتدَّتْ حوالي ثماني سنوات.
    وقد تمرَّد المماليكُ على السُّلطانِ أحمد بن إينال برغم كفاءتِه وحسنِ سيرته، فخلعوه بعد أربعةِ أشهر، وكثُرتِ الاضطراباتُ والصِّراعاتُ، حتَّى تولى السُّلطانُ الأشرف قايتباي (872 - 901هـ/ 1468 - 1496م)، وكان يلقَّبُ بالمحمودي نسبة إلى التَّاجرِ الذي باعه للسُّلطانِ الأشرف برسباي، ثم اشتراه الظَّاهرُ جقمق وأعتقَه، وعلا شأنُه حتَّى صار أتابكًا؛ أي: قائد الجيشِ في عهد تمربغا.
    وكان الأشرفُ قايتباي من أعظمِ سلاطين الجراكسة وأطولِهم عهدًا، فقد حكم تسعةً وعشرين عامًا، ظهرتْ خلالَها كفاءتُه السياسية والعسكرية، وفي عهدِه بدأ خطرُ العثمانيين الذين أسماهم المؤرِّخون "أصحاب القسطنطينية"، فأنفق كثيرًا من الأموالِ على الجيوشِ لردِّهم عن حلب وما حولها.
    وشغله ذلك عن نصرةِ صاحب الأندلس، التي كانت تلفظُ أنفاسَها في غرناطة؛ عندما طلب منه الغوث لردِّ الفرنج، واكتفى بإرسالِ رسائلِ التَّهديدِ إلى ملوكِ الفرنجة عن طريق الحجَّاجِ المسيحيين والقساوسة الذين كانوا يَفِدون إلى بيت المقدس، ولم يتمكَّنْ من نجدةِ غرناطة، فسقطتْ في أيدي الأسبان، وأصبحتِ الأندلسُ مجردَ ذكرى في خواطرِ المسلمين وكتبِ التاريخ.
    وقد أصاب البلادَ في عهده وباءٌ خطيرٌ سنة (897هـ/ 1492م) حصد عشراتِ الآلاف من أهلِ مصر، وهلك فيه حوالي ثلث المماليكِ، ومنهم زوجةُ السُّلطان وابنته.
    وتعاقبَ على السَّلطنةِ بعد وفاة قايتباي سنة (901هـ/ 1496م) خمسةُ سلاطين، حكموا فتراتٍ قصيرة تتراوح بين ثلاثةِ أيامٍ وأقل من عامين، وكثر الشَّغبُ وقتل السَّلاطين، حتَّى تردَّد بعضُهم في قبولِ منصب السَّلطنة، وعندما اجتمع الأمراءُ على مبايعةِ قنصوه الغوري تمنَّع وبكى حتى أجلسوه على العرش كرهًا فقال لهم: "أقبل ذلك بشرطِ ألا تقتلوني، بل إذا أردتم خلعي وافقتكم".
    وكان الأشرف قانصوه الغوري (906 - 922هـ/ 1501 - 1516م) قد تجاوز السِّتين عندما تولَّى الحكمَ فأثبت كفاءةً ومقدرة، واستطاع أن يعيدَ الأمنَ والنِّظامَ إلى البلاد، لكنَّه لجأ إلى القسوةِ في معالجةِ الأزمة المالية، فجمع الضَّرائبَ من النَّاسِ مقدَّمًا، وفرض ضرائبَ جديدة لم تكن موجودةً على الطَّواحين والمراكبِ والسُّفن والدَّواب والخدم، والأوقاف الخيرية، وضاعتِ الرُّسومُ الجمركية، ولجأ إلى غشِّ العُملةِ بخلطِها بمعادنَ أخرى أو إنقاصِ وزنِها، وصادر عددًا من أعيانِ البلاد والتُّجار، ولم يتورعْ عن مصادرةِ الخليفة العباسي المستمسك بالله!
    واستخدم الغوري هذه الأموالَ في إرضاءِ الجند والاستكثار من المماليك والعمران، فأنشأ الحيَّ المعروف باسمِه "الغورية" وبنى فيه مدرسةً ومسجدًا، وعمَّر طريقَ الحجِّ وزوَّده بالاستراحات، وشقَّ عددًا من الترع، وجدَّد القلعةَ ومدينتي الإسكندرية ورشيد، كما اهتمَّ بمظاهرِ السَّلطنةِ فأفضى الفخامة على قصرِه ومطبخه ومماليكه وموكبه، ولذا اختلف المؤرِّخون في تقويم أعمالِه والحكم على تصرفاتِه، فاتَّهمه البعضُ بالسَّرفِ وزخرفة الجدارانِ والحوائط، والاهتمامِ بالمظاهر التي لا تعودُ بالنَّفعِ على المسلمين، ورأى البعضُ أنَّه اتجه إلى العمرانِ والإصلاح والنفع العام.
    وفي عهدِه بدأ خطرُ الاستعمارِ البرتغالي، وخطرُ العثمانيين يتهدَّدُ الدولةَ اقتصاديًّا وعسكريًّا وسياسيًّا مِمَّا أدَّى إلى سقوطِها في النهاية كما سنذكر.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,170

    افتراضي رد: قصة دولة المماليك


    قصة دولة المماليك

    المماليك البرجية – صراع مع القوى الخارجية


    د: محمد عبد الحميد الرفاعي


    (15)



    أولاً: مواجهة التتار:
    كان تيمور لنك ملكُ التتار قد اتخذَ من مسقطِ رأسه سمرقند عاصمةً له، واتجه إلى التوسُّعِ شرقًا وغربًا يحمل معه الدَّمار والقتل والدِّماء، فاستولى على بلادِ ما وراء النَّهر وخراسان وطبرستان، وخرَّبَ مدينةَ الرها في سنة (789هـ/ 1387م)، واستولى على بغداد سنة (795هـ/ 1393م) فأكثرَ فيها القتلَ والتَّدميرَ.

    ولم يجد حكَّامُ هذه المناطقِ مَنْ يلوذون به سوى المماليك، فلجأ إليهم أحمدُ بن أويس سلطانُ بغدادَ فأحسنَ إليه السُّلطان برقوق وأكرمَه، وكان أحمدُ بن أويس من أصلٍ مغولي ثم استعرب أجدادُه، وآل إليهم حكمُ العراق، ثُمَّ فرَّ أمام جيوش تيمور لنك.

    ووصل تيمور إلى مشارفِ الشَّام، وطمع في الاستيلاء عليها، وأرسل كتابًا شديدَ اللهجةِ يحملُ كثيرًا من التهديد إلى السُّلطان برقوق، فقتل السُّلطانُ رسلَه واستعدَّ لحربِه، ولكن تيمور لنك شغل عنه بحروبِه في الجبهاتِ الأخرى وبخاصةٍ الهند.

    وأمدَّ السُّلطانُ برقوق بنَ أويس بالجند والعتاد حتَّى مكَّنه من استردادِ ملكه بعد عامين سنة (797هـ)، وجعله نائبًا عنه، وبذلك أصبحتْ بغدادُ من الناحية السياسية تابعةً لمصر وخاضعة لسلطة المماليك.

    أزعجت هذه الأنباءُ تيمور لنك فأسرعَ بالعودةِ من الهند، وفي هذه الأثناءِ تُوفي السُّلطانُ برقوق وتولَّى ابنُه فرج، وأرسل تيمور إنذارًا للمماليك بتسليمِ حلب، فقاوموه ولكنَّه هزمهم سنة (802هـ/ 1400م)، واقتحم حلبَ فخرَّبَها، وفزعت لذلك دمشقُ والقاهرة، وفرَّ كثيرٌ من النَّاس منهما خوفًا وهلعًا، ثم ازدادتْ الأمورُ سوءًا بدخول تيمور لنك دمشقَ ونهب أموالها ونقل عمَّالها وصنَّاعها المهرة إلى بلادِه سمرقند.

    وأمام هذه الهزائمِ اضطرَّ السُّلطانُ الصغير فرج بن برقوق إلى قبولِ الصُّلح، ثم ما لبث تيمور أنْ تُوفي سنة (807هـ/ 1405م)، وتنازع أبناؤُه وكفى اللهُ المؤمنين قتالَهم.

    ثانيًا: فتح جزيرة قبرص:
    كانت قبرص بحكمِ موقعها القريب من بلاد الشَّام إحدى قواعدِ الصليبيين ومراكزِ إمدادهم الهامَّة، فلمَّا تمكَّن المسلمون من تطهيرِ بلاد الشَّام من الصليبيين أصبحت قبرصُ منطلقًا لعملياتِ القرصنةِ والتخريب ضدَّ بلاد المسلمين هي وجزيرة رودس مركز طائفة الإسبتارية، وأصبحتْ تجارةُ المسلمين مهددةً، ومعنى هذا انهيار اقتصادِ المسلمين وافتقارهم وضعفهم، مما يسمحُ للصليبيين بالتفوقِ عليهم ومعاودة غزو أراضيهم.

    ولذلك عزم السُّلطانُ الأشرف برسباي (825 – 841هـ) على غزوِ هذه الجزيرة، ووجَّه إليها ثلاثَ حملاتٍ بحرية قوية في سنوات (827هـ، 828هـ، 829)، وكانت أُولاها غارات استطلاعية استكشافية، نجحتْ في إلحاقِ الهزيمة بالقبارصة، وأحرقتْ ما في سواحلِهم من سفنِ القراصنة، وعادتْ بالنَّصرِ والغنائم، وكانت الحملةُ الثانية أكثرَ قوة، فقد توغَّلتْ داخلَ قبرص، واستولتْ على بعضِ قِلاعها وأسرت كثيرًا من جنودِها، وكانت الثالثةُ أقوى الحملاتِ وأعظمها فقد استولى المسلمون على ميناءِ ليماسول، وهزموا جموعَ القبارصة وأسروا ملكَهم "جانوس" وفتحوا عاصمتَها نيقوسيا.

    وعاد جندُ الله بالأسرى والملك الذَّليل، وعمتِ الأفراحُ والزينات أنحاءَ القاهرة، وأصبحتْ قبرص ولايةً مملوكية، وقَبِلَ السُّلطان برسباي الإفراجَ عن جانوس وإعادته إلى مملكتِه بشرطِ أن يكونَ تابعًا له ويحكم باسمه، وأن يلتزمَ بدفعِ الجزية، وتحقَّقَ بذلك الأمنُ والهدوء للسَّواحلِ الشَّامية والمصرية، ولتجارةِ المسلمين في البحر المتوسط إلى حدٍّ كبير.

    ثالثًا: غزو ردوس:
    وبقيت رودسُ شوكةً في جنب المسلمين تؤدِّي دورَها العدواني ضدَّ الموانئ والسُّفنِ الإسلامية، حتَّى تولَّى السُّلطان جقمق (842 – 857هـ)، فاحتذى ما فعلَه برسباي في قبرص، فأرسلَ ثلاثَ حملاتٍ إلى رودس في سنوات (844هـ، 847هـ، 848هـ).

    وكانتُ الحملةُ الأولى استكشافية محدودة القوة؛ خرجت من ميناء دمياط دون أنْ تحقِّقَ عنصرَ المفاجأة فاستعدَّ لها فرسانُ رودس الإسبتارية بأساطيلِهم، ووقع قتالٌ شديد على سواحلِ ردوس أبلى فيه المماليكُ بلاءً حسنًا، وقتلوا وغنموا وسبوا وقُتِل منهم اثنا عشر رجلاً وعادوا إلى دمياط.

    وكانت الحملةُ الثانية بقيادةِ الأمير إينال العلائي أكثر نجاحًا، فتمكَّنتْ من تدميرِ بعض القِلاع والحصون، واضطرت إلى العودةِ قبل أن تدهمَها عواصفُ الشِّتاء، وقال المشاركون فيها: لو كنَّا جمعًا لأخذنا رودس.

    كان هذا القولُ حافزًا للسلطان جقمق، فاستكثرَ من السُّفنِ والجند، وأعدَّ كثيرًا من المراكب في دار الصناعة في بولاق، وخرج الجيشُ المملوكي ومعه كثيرٌ من المتطوِّعةِ وحاصروا جزيرةَ رودس، ولكنَّها صمدتْ بقوةٍ بفضل استعدادِ أهلِها وما تلقَّوْه من مساعداتٍ وإمدادات من الدول الصليبية، وعلم المماليكُ أنَّ رودس غير قبرص، فاكتفوا بفرضِ الصُّلح عليهم وتعهَّد الإسبتارية بعدمِ الاعتداء على السُّفن والتجارات الإسلامية.

    رابعًا: الكشوف الجغرافية والصراع مع البرتغاليين:
    اتخذت الحروبُ الصليبية بعد فشلِها في المشرق ونجاحِها في طرد المسلمين من الأندلس شكلاً جديدًا؛ هو حركة الكشوفِ الجغرافية التي كان روَّادُها البرتغاليين ثم الإسبان، ولم يكن هدفُها علميًّا أو اقتصاديًّا بقدر ما كانت تهدِفُ إلى ضرب المسلمين في مقتل، وذلك بتدميرِ قوتِهم الاقتصادية، واكتشاف طرقٍ جديدة لتحويلِ التجارة عن بلاد المسلمين.

    وقد اتخذت هذه الفتوحاتُ شكلاً عدوانيًّا، واتَّسمتْ بالقرصنةِ والاعتداء على السفن التجارية وأهالي البلاد السَّاحلية الآمنين، وكان بابا الفاتيكان يدعو إلى هذا الاتجاه ويباركُه ويشجِّعُ أصحابَه، ويصدر قراراتِ الحرمان ضدَّ كلِّ مَن يتعاونُ مع المسلمين تجاريًّا واقتصاديًّا، ونسيت أوربا أنَّ ما وصلت إليه من يقظةٍ علمية وحضارية كان بسبب المسلمين في المشرقِ وجزر البحر المتوسط والأندلس وجنوبي إيطاليا وصقلية، ورأت أن تردَّ لهم الجميلَ عدوانًا وبغيًا!

    وقام البرتغاليون بجهودٍ كبيرة في مجال هذه الكشوف، حتَّى نجح بحَّارُهم الشهير فاسكو دي جاما في اكتشافِ الطَّريقِ الجديدة التي تمرُّ حولَ إفريقيا، مرورًا برأس الرَّجاءِ الصَّالح (كيب تاون أي مدينة الرأس) حتَّى تصل إلى بلاد الهند وجنوب شرقي آسيا، دون أن تمرَّ ببلادِ المسلمين، وذلك في سنة (903هـ/ 1497م).

    ويقولُ الأستاذ محمود شاكر موضِّحًا هدفَ تلك الكشوف: "تدَّعِي أوربا أنَّ الحافز لها في هذه الاكتشافاتِ هو تجارةُ التوابل والحصول على المال، لكنَّ هذا الادعاء لا يستندُ إلى حقيقةٍ علمية، ولا يقبلُه تحليلٌ صحيح، إنَّ حقيقةَ الدوافع التي تكمنُ وراء ذلك إنَّما كانت هي الحروب الصليبية التي كانت ولا تزالُ يحملُ التاريخُ صورًا منها".

    وكان البرتغاليون يسعون إلى تطويقِ المسلمين منذ عهدِ ملكِهم "حنا" الأول الذي احتلَّ "سبته" على السَّاحلِ المغربي، ووصلَ رجالُه إلى سواحلِ إفريقية الغربية وبلغ أحدُهم وهو "بارثلمي دياز" الطرفَ الجنوبي من القارة، وأسماه: رأس العواصف، ولكن ملكَ البرتغال أسماه رأسَ الرَّجاءِ الصَّالح تعبيرًا عن أملِه في تطويقِ المسلمين.

    وصبغ البرتغاليون كشوفَهم بالصبغةِ الاستعمارية الصليبية، فوضعوا نُصبَ أعينِهم السيطرةَ على كلِّ المواني والبلاد التي يتاجرُ معها المسلمون، والعمل على نشرِ المسيحية بين سكَّانِها، والإفادة من كلِّ خلافٍ يقع بين القوى الإسلامية.

    ودسَّ البرتغاليون أعدادًا من اليهودِ فتظاهروا بالإسلام وأتقنوا اللغةَ العربية، واندسُّوا بين المسلمين وسرقوا أسرارَهم وعلومَهم، وأمدُّوا بها البرتغاليين، ومنها خرائط البحارِ والطُّرقِ التجارية، وعرفوا أسرارَ "منطقة السكون الاستوائيَّة"، وهي سكون الرِّياح تمامًا عند خطِّ الاستواءِ وتوقف السُّفنِ الشراعية عن الحركة، وعلموا من المسلمينَ أنَّه لا يمكنُ التحركُ شمالاً إلا في الربيعِ وجنوبًا إلا في الخريفِ، وكانت هذه المعلوماتُ النادرة معروفةً لدى دولة المماليك في مصر.

    وأرسل ملكُ البرتغال حملتَه البحرية المكوَّنة من ثلاثِ سفنٍ بقيادة فاسكو دي جاما فاستكملتِ اكتشافَ هذا الطريق، ووصل إلى الهندِ فلم يرحب به أميرُ كلكتا، فأعدَّ حملةً جديدة وعاد ليضربَ مدينتَه بالقنابل، وفي طريقِ عودتِه صادفَ سفينةً للحجَّاجِ متجهةً من الهندِ إلى مكَّةَ المكرمة، فأغرقَها في خليج عمان وقبض على ركَّابِها، وكانوا حوالي مائة فعذَّبَهم ثم أعدمهم جميعًا، ودمَّرَ ثلاثةَ مساجد وجدها في مدينة كلو في شرقي إفريقيا، وأعلنَ البرتغاليون أنَّهم سيدمِّرون الأماكنَ المقدَّسةَ في مكةَ والمدينة، ويزيلون معالِمَ الإسلام! وكان هذا أحد الدَّوافعِ التي جعلتِ العثمانيين يتجهون إلى الشَّرقِ الإسلامي لحمايةِ هذه المقدسات.

    وعقد البرتغاليون محالفاتٍ مع ملكةِ الحبشة النصرانية "إليني" التي كتبتْ إلى ملكِ البرتغال "عمانويل" تقول: "السلام على نويل سيدِ البحر وقاهرِ المسلمين القساة الكفرة، لقد بلغ مسامعَنا أنَّ سلطان مصر - يقصدُ السُّلطانَ الغوري - جهَّزَ جيشًا ضخمًا ليثأرَ من الهزائمِ التي ألحقها به قوادُكم في الهند، ونحن على استعدادٍ لمواجهةِ هجماتِ الكفرة...".

    واحتلَّ البرتغاليون كلكتا سنة (906هـ/ 1500م) بعد استكمالِ اكتشافهم لطريقِ رأس الرَّجاءِ بثلاث سنوات، ثم احتلُّوا بعضَ الموانئ العربيةِ؛ مثل عدن وجزيرة هرمز، كما احتلوا ميناءَ مصرع على المدخلِ الإفريقي للبحر الأحمر، وبذلك تحكَّموا في مضيقي هرمز وباب المندب، ومنعوا سفنَ المسلمين وتجارتِهم من المرور.

    وتكدَّستِ السِّلعُ والحاصلات في موانئ مصر كالإسكندرية ودمياط، لا تجدُ أحدًا من التجارِ الغربيين لينقلَها إلى أوروبا أو يشتريها منهم، واستنجدَ التجارُ المسلمون وأمراءُ المسلمين في الهندِ وسواحل بلادِ الغرب بالسُّلطان المملوكي قانصوة الغوري (906 – 922هـ/ 1500 – 1516م) لينقذَهم من هذا البلاءِ، وأرسلَ الغوري تحذيرًا إلى البابا في روما موجهًا عن طريقه إلى جميع القوى الأوروبية ليمنعوا ملاَّحيهم وقراصنتِهم من التعرُّضِ للمسلمين وتجارتهم، ولكنَّ تحذيرَه لم يلقَ استجابةً لديهم، فاتخذ عدةَ خطواتٍ عملية منها: تقوية أسطولِه في البحرِ الأحمر، ومكاتبة ملوك الهند ليتحالفوا معه ضدَّ هذا الخطر.

    واستعدَّ الغوري لجولةٍ حاسمة، فأعدَّ عدتَه لمعركةٍ بحرية ضدَّ البرتغاليين، وجهَّز لذلك خمسين غرابًا؛ أي: سفينة، وولَّى عليها أميرَ البحرِ حسين الكردي، ووجَّهه إلى الهند، فالتحمَ مع سفنِ البرتغاليين غربي الهند سنة (914هـ/ 1508م) فهزمهم، لكنَّهم ما لبثوا أنْ حشدوا له قواهم وأساطيلَهم، وخاضوا ضدَّه جولةً أخرى فانتصروا عليه وحطَّموا الأسطولَ المصري في موقعة "ديو" البحرية قرب جزيرةٍ صغيرة في مياه الهندِ، تحمل هذا الاسمَ وتقعُ شمالي بومباي.

    وكانت هذه الموقعةُ فصلَ الخطابِ في الصِّراع المملوكي البرتغالي، ونتج عنها ضياعُ مركزِ مصر التجاري، وتحقيقُ المآربِ الصليبية في إضعافِ دولة المماليك الإسلامية من النَّاحية الاقتصادية تمهيدًا للقضاءِ عليها، وازدادتْ بعدَها جرأةُ القراصنةِ الفرنج، وتعدَّدتْ غاراتُهم على الموانئ المصرية، والسُّفنِ المملوكية عند دمياط والطينة (بين الفرماوتنيس) وغيرهما، ولم يكن في مقدورِ الغوري أن يردَّ عليهم، فلجأ إلى تهديدِ الرُّهبانِ والقساوسة الموجودين في القدسِ إذا لم يتوقفْ الفرنجُ عند اعتداءاتِهم.

    وتفاقم خطرُ البرتغاليين في البحارِ الإسلامية، حتَّى قيَّضَ اللهُ لهم القوةَ الإسلامية الفتية؛ الممثَّلة في العثمانيين لتردَّهم على أعقابِهم وتحمي ديارَ الإسلام من كيدِهم.

    خامسًا: المماليك والعثمانيون:
    وفي الوقتِ الذي آذنتْ فيه شمسُ المماليك بالغروب، وترنَّحتْ دولتُهم نحو السُّقوط، ارتفع نجمٌ آخرُ في سماء المنطقة، وظهرتْ دولةٌ إسلامية فتية هي دولةُ الأتراك العثمانيين، واستطاعت أن تثبِّتَ أقدامَها في آسيا الصغرى، وتتجاوزَ البسفور فتُسقِط عاصمةَ الرُّومِ المنيعة المتأبية على الفاتحين المسلمين عبر القرونِ الماضية، وتفرض سلطانَها على كثيرٍ من بلاد أوروبا الشَّرقية، وامتدَّتْ جيوشُها حتَّى حاصرتْ أسوارَ فيينا عاصمة النِّمسا، وكانت هذه الفتوحاتُ تضفي على الدولةِ العثمانية طابعَ الجهاد، وتتعاطفُ معها قلوبُ المسلمين باعتبارِها حاملة لواءِ الجهادِ ضدَّ الغربِ الصَّليبي.

    وفجأة غيَّرَ السُّلطانُ سليم العثماني وجهةَ فتوحاته من الغربِ إلى الشَّرق، واختار السيطرةَ على بلادِ المسلمين، ولعلَّ سر هذا التحولِ يكمنُ في الصِّراعِ المذهبي بين هذه الدولة السنية، وبين الدولة الصفوية الشيعية الاثني عشرية التي كانت تحكمُ إيرانَ والعراق في ذلك الوقت، فقد تحوَّلَ هذا الصِّراعُ المذهبي إلى صراعٍ عسكري، حقَّقَ فيه السُّلطانُ سليم العثماني انتصارًا كبيرًا على الشاه إسماعيل الصفوى في موقعة جالديران سنة (920هـ/ 1514م).

    ونتج عن هذه الموقعةِ استيلاءُ العثمانيين على الجزيرةِ الفراتية والموصلِ وديار بكر، فأصبحوا وجهًا لوجهٍ أمام دولة المماليك، وقد استاء المماليكُ لذلك لشعورِهم بأنَّ هناك قوةً جديدة تنافسُهم في منطقةِ الشَّرقِ الإسلامي، وتحاولُ أن تقدم عليهم بعد أن كانت محصورة في الأناضول.

    وكان من مصلحةِ المماليك حفظُ التوازن بين الصفويين والعثمانيين؛ حتَّى يتخوفَ كلٌّ منهما من الآخر، وينشغلَ بأمره فلا يفكرُ في غزوِ ديارِهم، وقد ذكر ابنُ إياس أنَّ السُّلطان الغوري عندما علمَ بالصِّراعِ بين العثمانيين والصفويين خرج إلى حلب ليطلعَ على جليةِ الأمر وقال: "حتَّى نرى ما يكون من أمرِ الصفوي وابن عثمان، فإنَّ من ينتصرُ منهما على غريمِه لا بدَّ أن يزحفَ على بلادِنا".

    واستاء المماليكُ أكثر عندما قضى السُّلطانُ سليم العثماني سنة (921هـ/ 1515م) على إمارةِ الدلغادر التركمانية الحليفةِ لهم على أطرافِ آسيا الصغرى، واتجه السُّلطانُ الغوري إلى تقويةِ عَلاقاتِه بالصفويين، وعقد حلفًا مع الشاه إسماعيل الصفوي، وآوى إليه الأمير قاسم بن أحمد العثماني بعد أن قُتِلَ أبوه على يدِ عمِّه السُّلطان سليم.

    وتزايد خطرُ العثمانيين نتيجة الحشود الضخمةِ التي عبَّأها السُّلطان سليم على حدودِ دولة المماليك، زاعمًا أنه يستعدُّ لقتالِ الصفويين، ولم يكن المماليكُ على مستوى الحدثِ الجلل، فقد كثر الصِّراعُ بينهم، وثارَ المماليكُ الجلبان ضدَّ السُّلطانِ الغوري لتأخر نفقاتِهم، مما آثار حنقَ السُّلطان، وجعله يهدِّدُ المماليكَ باعتزالِ السلطنة، وأخيرًا التفتت كلمتهم على الاجتماع لمواجهةِ العدوِّ المشترك.

    وكان أميرُ حلب خاير بك متصلاً سرًّا بالعثمانيين ومتواطئًا معهم، فأرسلَ يثبِّطُ من عزيمةِ السُّلطانِ الغوري، ويقول له أنَّه تأكَّدَ أنَّ حشودَ العثمانيين موجهةٌ إلى الصفويين، وعليه ألا يخشى جانبَهم، وكانت الأحوالُ الاقتصادية ببلاد الشَّامِ سيئةً، ولا تحتملُ المزيدَ إذا قَدِمَ السُّلطان الغوري بجيشِه الجرَّار ليرابطَ فيها، وأعقب ذلك رسالةٌ ودِّية من السُّلطانِ سليم العثماني يقولُ فيها للسلطانِ الغوري: أنت والدي وأسالك الدُّعاء، وكلُّ ما يريدُه السُّلطانُ أو يراه فعلناه!

    ولم تنطلِ هذه الحيلُ على السُّلطان الغوري المحنَّكِ، فواصل استعداداتِه حتى تصله باقي الإمدادات، وكتب إلى السُّلطانِ الغوري كلامًا معسولاً، وطلب منه يمده بالسُّكَّرِ والحلوى ففعل.

    وبمجردِ أن وصلتْ باقي القواتِ العثمانية بقيادةِ سنان باشا كشفَ سليم القناعَ عن وجهِه وقال لرسولِ الغوري: "قل لأستاذِك يلاقينا على مرجِ دابق"، وسبقتْ تحركاتُه كلماتِه، فتقدَّم جنودُه فاستولوا على حصونِ الشَّامِ ومدنِه الحدودية؛ مثل ملطية وكركر.

    وقد أخطأ السُّلطانُ الغوري لأنَّه لم يستطع أن يفرِّقَ بين أصدقائه وأعدائه، وبين المخلصين من رجالِه والخونة، فوضع ثقتَه في خاير بك وجان بردي الغزالي، وصمَّ أذنيه عن نصائحِ سيباي نائبِ الشَّام ووالي دمشق، ووضعَهُ موضعَ الاتهام والشَّكِّ، وتوهَّمَ أنَّه طامعٌ في منصب السلطنة، وعندما أمسك سيباي بتلابيبِ خاير بك وقال للغوري: "يامولاي السُّلطان إذا أردتَ أن ينصرَك اللهُ على عدوِّك فاقتلْ هذا الخائن" لم يعير قولَه اهتمامًا، وانصرف عنه.

    وكان اللقاءُ الحاسم عند "دابق" وهي قريةٌ قرب حلب، تبعدُ عنها بأربعةِ فراسخ، وعندها مرج معشوشب نزه كان ينزله غزاة الصائفة منذ العصر الأموي، وأحسنَ المماليكُ البلاءَ، وأظهروا ما عُرِفوا به من شجاعةٍ ومهارة حربية، وقتلوا كثيرًا من العثمانيين واستولوا على أعلامِهم وعتادِهم، وكاد السُّلطانُ سليم أن يفرَّ من أرضِ المعركة، وعندئذٍ لعبت الخيانةُ دورَها، ومشي خاير بك بين الصفوفِ يرجفُ بالأراجيف، وينشرُ الشائعاتِ بين المقاتلين زاعمًا أنَّ السُّلطان يقدم بعضَهم للقتالِ ليتخلَّصَ منهم، ويؤخر خاصتَه وجلبانه ليحتفظَ بهم معافين، ثم أشاع في النهايةِ أنَّ السُّلطانَ وقع صريعًا.

    وتراجع خاير بك وجان بردي الغزالي ومن معهما من الخونةِ بجنودِهم متقهقرين هاربين، فاختلَّتِ الصفوفُ، وضاعتْ صيحاتُ السُّلطانِ عبثًا وهو يقول: "يا أغوات اصبروا ساعة"، وتقدَّم العثمانيون فلم يحتملِ السُّلطانُ الهزيمةَ وسقط عن جوادِه تحت أرجلِ الخيل، وذلك في رجب سنة (922هـ/ أغسطس 1516م).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •