ابن حبيب وتأسيس المدرسة المالكية في الغرب الإسلامي

. د. نورالدين بوكرديد

مقدمة
لقد بلغ ابن حبيب مرتبة الاجتهاد المذهبي وسادت آراؤه الفقهية الأندلس والمشرق، ولقي تراثه الفقهي إقبالاً وتقديراً عند عامة الناس، وترك أثراً واضحاً في حركة الفقه المالكي وتطويره عبر العصور.. فمن هو العلامة ابن حبيب؟ وما التأثير الذي تركه بآرائه ومؤلفاته في رواد الفقه المالكي؟ وما أثر مؤلفاته على حركة الفقه المالكي وتطويره؟
المبحث الأول: التعريف بابن حبيب
المطلب الأول: الحياة الشخصية
الفرع الأول: مولده ونسبه ونشأته
هو الإمام أبو مروان عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون بن جاهمة بن عباس بن مرداس، السلمي، القرطبي، المالكي، الأندلسي.. لُقِّب بالفقيه الكبير وعالم الأندلس وعالم الدنيا.. ولد سنة 170هـ، وقيل 174هـ.. نشأ في القرية التي ولد فيها، وهي البيرة، وكان أبوه يعصر الأدهان ويستخرجها ويقوت عياله منها، ولم يلتفت في حياته إلى ملذات الدنيا وشهواتها[1].
الفرع الثاني: وفاته
توفي رحمه الله تعالى سنة 238هـ، وقيل سنة 239هـ، وقيل 237هـ، وقد صلى عليه ابنه يحيى، وقيل ابنه محمد، وقيل صلى عليه القاضي أحمد بن زياد، ودُفن في قرطبة بمقبرة أم سلمة في قبلة مسجد الضيافة ورثاه عدد كبير من الشعراء[2].
المطلب الثاني: الحياة العلمية
الفرع الأول: شيوخه وتلامذته
أولاً: شيوخه
أخذ ابن حبيب العلم عن أكابر أصحاب مالك، وقيل إنه لقي مالكاً - رحمه الله تعالى - في آخر عمره، ومن أهم شيوخه:
1- مالك بن أنس: هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الأنصاري، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وهو أشهر من أن نترجم له.
2- ابن الماجشون: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التيمي، فارسي الأصل، والماجشون لقب جده أبي سلمة، كان فقيهاً مالكياً فصيحاً، دارت عليه الفتيا في أيامه بالمدينة، توفي سنة 212هـ[3].
3- ابن عبد الحكم: هو عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث، فقيه مصري من أجلِّ أصحاب مالك، وكان صديقاً للشافعي.. من مصنفاته: المختصر الكبير، وسيرة ابن عبد العزيز، والمناسك، توفي سنة 214هـ[4].
4- أصبغ: هو أصبغ بن الفرج بن سعد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان، من أهل الفسطاط، فقيه من كبار المالكية بمصر، من تصانيفه: الأصول، وتفسير غريب الموطأ، توفي سنة 225هـ[5].
ثانياً: تلامذته
لابن حبيب - رحمه الله تعالى - من التلاميذ جمع كبير، منهم:
1- محمد فطيس: هو أبو عبد الله محمد بن فطيس بن واصل الغامقي البيري المتوفى سنة 319هـ[6].
2- مطرف بن عبد الرحمن بن إبراهيم القرطبي يكنى أبا سعيد المتوفى سنة 282هـ[7].
الفرع الثاني: أهم آثاره ومناقبه
أولاً: أهم آثاره
من أهم مؤلفاته في ميدان الفقه الإسلامي ما يلي[8]: الواضحة: سيأتي الكلام عنه لاحقاً، الفرائض، كراهية الغناء، الجامع من مناسك النبي #، كتاب الربا، الرُّهون، والحدثان.
ثانياً: مناقبه
قال عنه ابن عبد البر: كان جماعاً للعلم، كثير الكتب، طويل اللسان، فقيه البدن، نحوياً عروضياً شاعراً، نسابة إخبارياً، وقال نحوه ابن غلبون[9].
المبحث الثاني: تأثير ابن حبيب في رواد الفقه المالكي
يمكن عزو تأثير ابن حبيب على الحركة الفقهية المالكية إلى عاملين أساسين[10]:
العامل الأول: إن جميع فقهاء المذهب المالكي الذين جاؤوا بعد ابن حبيب اعتمدوا أقواله واجتهاداته الفقهية وضمَّنوها مؤلفاتهم، واستشهدوا بها، ما يدل على المكانة الفقهية التي حظي بها في تاريخ الفقه المالكي.
العامل الثاني: نظراً للمكانة التي حظي بها فقد جعله علماء المذهب محل ثقة فيما نقله بإخلاص وأمانة من أقوال الإمام مالك، كما كانت مؤلفاته التي تداولها العلماء جيلاً بعد جيل شاهداً على الثقة.
إن تأثير ابن حبيب في تلامذته ومعاصريه كان سبباً في أن يلقّب بألقاب مختلفة كلها تشهد بقيمته ومزاياه، ومن هذه الألقاب: (فقيه الأندلس)، (عالم الدنيا)، وهي ألقاب حميدة لا يتصف بها إلا من حباه الله بالعلم. والسبب في ذلك تنوع اختصاصات ابن حبيب ومشاركته في جميع العلوم التي جعلت منه رجلاً ذا تأثير قوي وكبير في تلاميذه ومعاصريه، فقد راحوا ينشرون علمه ومؤلفاته في مصر والعراق والحجاز، وانتشرت الواضحة شرقاً وغرباً وتداولها الناس بعده بالدرس والاختصار والرواية عبر قرون عديدة، وذلك لاحتوائها على علم غزير[11].
كما كان له تأثير كبير في رواد الحركة الفقهية المالكية، حيث نجد معظم الذين جاؤوا بعده ينقلون عنه، ويستدلون باختياراته واجتهاداته في الفقه، وهنا سأذكر بعض فقهاء المذهب الذين لهم وزنهم وتأثروا به في اجتهاداتهم ومؤلفاتهم، بداية من القرن الرابع الهجري إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري:
1- الخشني (ت 361هـ): هو أبو عبد الله محمد بن حارث بن أسد الخشني، من أهم مؤلفاته الفقهية التي ضمَّنها آراء ابن حبيب وفتاويه، كتاب أصول الفتيا في الفقه على مذهب الإمام مالك[12].
2- ابن أبي زيد القيرواني (ت 368هـ): هو أبو محمد عبد الله ابن أبي زيد القيرواني، كان إمام المالكية في وقته، وكان يلقب بمالك الصغير، من مؤلفاته: النوادر والزيادات، وكذلك كتابه الجامع، حيث اعتمد كثيراً في كتابيه على آراء ابن حبيب من خلال الواضحة[13].
3- ابن أبي زمنين (ت 399هـ): هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي زمنين القرطبي، من مؤلفاته: تفسير القرآن العظيم، أخذ عن ابن حبيب كثيراً من أقواله[14].
4- ابن يونس (ت 451هـ): هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي، الحافظ النظار، من مؤلفاته كتابه الجامع الذي ضمَّنه أقوال وآراء ابن حبيب في الفقه[15].
5- ابن عبد البر (ت 463هـ): هو أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عاصم النمري حافظ المغرب محمد بن عبد البر، انتقد ابن حبيب، ولكنه نقل عنه وعن كتابه الواضحة كثيراً[16].
6- أبو الوليد الباجي (ت 474هـ): هو سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث بن الوليد الباجي الأندلسي القرطبي، من مؤلفاته المنتقى الذي حوى مجموعة من اختيارات واجتهادات ابن حبيب في الفقه[17].
7- القاضي المالقي (ت 497هـ): هو أبو المطرف عبد الرحمن بن قاسم الشعبي المالقي، نسبة إلى مالقة جزيرة بالأندلس، من مؤلفاته كتاب الأحكام الذي اعتمد فيه آراء ابن حبيب وأقواله[18].
8- ابن رشد (ت 520هـ): هو القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي صاحب البيان والتحصيل والمقدمات الممهدات، واعتمد في هذين الكتابين خصوصاً على آراء ابن حبيب في الاستدلال[19].
9- ابن العربي (ت 543هـ): هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد المعافري المالكي الأندلسي، أخذ كثيراً عن ابن حبيب في مؤلفاته[20].
10- القاضي عياض (ت 544هـ): هو عياض بن موسى اليحصبي السبتي، تأثر في منهجه الفقهي بابن حبيب وأورد آراءه في كتبه الفقهية[21].
11- القاضي المتيطي (ت 570هـ): هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ومتيطة قرية من قرى الأندلس، من مؤلفاته: (النهاية والتمام في معرفة الوثائق والأحكام)، أخذ كثيراً في هذا الكتاب من آراء ابن حبيب[22].
12- ابن شاس (ت 610هـ): هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن شاس، من مؤلفاته: الجواهر الثمينة في مذهب عالم أهل المدينة، أخذ في كتابه هذا عن ابن حبيب كثيراً[23].
13- ابن جزي (ت 741هـ): هو أبو القاسم محمد بن أحمد بن جزي الغرناطي الكلبي، له مؤلفات كثيرة، منها: القوانين الفقهية، عزا فيها كثيراً من المسائل الفقهية إلى اختيارات ابن حبيب[24].
14- خليل بن إسحاق (776هـ): هو خليل بن إسحاق بن موسى بن شعيب المعروف بالجندي ضياء الدين أبو المودة، حامل لواء المذهب المالكي في زمانه بمصر، ألف مختصراً في الفقه، المعروف بمختصر خليل، استفاد كثيراً من ابن حبيب[25].
15- ابن فرحون (ت 799هـ): هو برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن الشيخ أبي الحسن علي بن فرحون المدني، قاضي المدينة المنورة، من مؤلفاته التي أخذ فيها من آراء ابن حبيب في الفقه تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام[26].
16- بهرام (ت 805هـ): هو بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوص قاضي القضاة في مصر، له تأليف مفيد على مختصر خليل اعتمد فيه كثيراً على أقوال ابن حبيب[27].
17- العقباني (ت 811هـ): هو أبو عثمان سعيد بن محمد العقباني التلمساني، له تآليف عديدة، منها: تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر، أخذ فيه بأقوال ابن حبيب كثيراً[28].
18- ابن عاصم (ت 829هـ): قاضي الجماعة أبو بكر محمد بن عاصم الغرناطي الفقيه الأصولي، أخذ عن ابن حبيب وتأثر باختياراته الفقهية في كتابه المسمى التحفة، الذي وقع عليه القبول واعتمده العلماء وشرحه جماعة منهم[29].
19- الونشريسي (ت 914هـ): هو أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي التلمساني ثم الفاسي، من مؤلفاته ذات القيمة العالية الفقهية في المذهب المالكي، كتاب المعيار، جمع فيه فتاوى المتقدمين والمتأخرين من فقهاء المذهب المالكي منهم ابن حبيب[30].
20- الحطاب (ت 954هـ): هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المعروف بالحطاب، فقيه مالكي أصله من المغرب، ولد واشتهر بمكة، ومات في ليبيا، من مصنفاته: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، استند في شرحه على كثير من أقوال ابن حبيب[31].
من خلال ما ذكرنا يكفينا دلالة على قوة تأثير ابن حبيب فيمن جاء بعده من العلماء الذين نقلوا من كتبه واستفادوا من آرائه واجتهاداته. وريادته للمدرسة المالكية في الأندلس جعلت منه عالماً وهب حياته خدمة للعلم وأهله، ما جعل تلاميذه ومعاصريه ورواد المدرسة المالكية شرقاً وغرباً تأثروا بمنهجه الفقهي ونقلوا أقواله، فلا تجد كتاباً واحداً من كتب المذهب المالكي لا يستدل بقول لابن حبيب[32].
المبحث الثالث: أثر مؤلفات ابن حبيب في حركة الفقه المالكي وتطويره
المطلب الأول: قيمة مؤلفات ابن حبيب في تاريخ الفقه المالكي
تعدّ مؤلفات ابن حبيب، وعلى رأسها الواضحة، من أهم وأبرز المؤلفات الفقهية التي اعتمدها مالكية القرن الرابع الهجري والذين جاؤوا بعدهم، فلا نكاد نجد فقيهاً من فقهاء المذهب المالكي انطلاقاً من ابن أبي زيد القيرواني إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري؛ لا ينقل عن ابن حبيب ولا يستدل بفقهه، سواء تعلق الأمر بآرائه الفقهية المبثوثة في مظان كتب المذهب، أو تعلق الأمر بالواضحة نفسها، أو بما أثر عنه من أحاديث نبوية وأقوال الصحابة والتابعين[33].
ونظراً لقيمة مؤلفات ابن حبيب في تاريخ الفقه المالكي خاصة وفي تاريخ الغرب الإسلامي عامة، فقد حظيت بعناية واهتمام بالغين من طرف العلماء، حيث قاموا بروايتها واختصارها وشرحها ونشرها في الأقطار الإسلامية، كمصر والعراق وبلاد الحجاز وغيرها.
ومن الذين تأثروا إلى حد كبير بمؤلفات ابن حبيب نجد ابن أبي زيد القيرواني الذي جعل كتاب الواضحة مصدراً من مصادر كتابه النوادر والزيادات.
ولقد أصبحت مؤلفات ابن حبيب منذ بداية القرن الرابع الهجري إلى وقت متأخر، مصدراً ومرجعاً لفقهاء المذهب المالكي اعتمدوها وأخذوا بها في مؤلفاتهم[34].
المطلب الثاني: فقه ابن حبيب من خلال الواضحة
عندما يذكر ابن حبيب تذكر معه (الواضحة)، لا لكونها كتاباً له من جملة مؤلفاته فقط، بل لكونها كتاباً له وزنه وقيمته الفقهية داخل المذهب المالكي، فالواضحة تشكل إطاراً تطبيقياً لفقه ابن حبيب؛ لأنه جمع فيها اجتهاداته وآراءه الفقهية ممنهجة ومنسقة بطريقة علمية هادفة.
الفرع الأول: محتوى الواضحة ومصادرها
أولاً: محتوى الواضحة
يحتوي جزء الواضحة الموجود بخزانة القرويين بفاس على ما يلي[35]:
- رغائب الوضوء.
- سنن الوضوء.
- ما يستحب من القصد من الوضوء وما يكره من الغلو فيه والسرف.
- العمل في النسيان في الوضوء.
- ما يجوز الوضوء به من الماء وما لا يجوز.
- ما يستحب من السواك عند الوضوء.
- وضوء الجنب إذا أراد النوم وما يجوز للجنب فعله قبل الطهر.
- وضوء من مس القرآن.
- ما يُستحب من العمل في التغوط والتبول.
- ما جاء في الاستنجاء بغير الماء.
هذه هي العناوين التي يحتوي عليها جزء الواضحة من مخطوطة القرويين، فكلها عناوين تتعلق بالوضوء، ما يفيد أن الجزء الأكبر الخاص ببقية العبادات والمعاملات قد ضاع ولا وجود له.
وهذا الجزء عبارة عن رواية السماع لأنه لا مقدمة له تعرفنا بمضمونه على عادة الأقدمين الذين كانوا قبل أن يكتبوا لا بد أن يقدموا لذلك بمقدمة.
كما أنه لا خاتمة له، ولقد كتب في آخر المخطوط: كمل الجزء الأول بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد وسلم، يتلوه في الثاني وضوء الذي يستنكحه المذي أو البول إن شاء الله تعالى[36].
ثانياً: مصادر الواضحة
من خلال الاطلاع على مخطوطة القرويين للواضحة، نستشف ضمنياً مصادر الكتاب، فابن حبيب استقى معلوماته من فقهاء المذهب المالكي الكبار، ويظهر ذلك في كثرة استدلاله بآراء هؤلاء الفقهاء، كما لا ننسى التأثير الواضح لهؤلاء على حياة ابن حبيب، ويظهر هذا واضحاً في قطعة الواضحة بخزانة القرويين، فكثيراً ما يورد ابن حبيب في الواضحة: وحدثني ابن عبد الحكم، وحدثني أسد بن موسى...... ثم يورد استدلالاً آخر في صيغة أخرى: وسمعت ابن الماجشون، وسألت صعصعة.
كما يظهر من خلال قطعة الواضحة التأثر الكبير لابن حبيب بمنهجية الإمام مالك في الموطأ، حيث يوازي الواضحة بالموطأ من خلال عمله بالبلاغات، فكثيراً ما يقول: وبلغني عن ابن مسعود، كما أنه كثيراً ما يستدل بأقوال فقهاء المدينة ما يفيد أنه كان متأثراً بعمل أهل المدينة أحد مصادر الفقه المالكي، مثل قوله: حدثني عبد العزيز الأويسي ابن محمد بن الحسن المدنيان[37].
كما يظهر في قطعة الواضحة أن ابن حبيب يبدي آراءه في كثير من القضايا في قوله: والذي يبدو لي، والذي يظهر لي. كما يغلب على قطعة الواضحة استدلال ابن حبيب بالأحاديث النبوية كقوله فيما يستحب من السواك عند الوضوء: إنه حسن مستحب مرغوب فيه كان رسول الله # يستحبه ويرغب فيه ويقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء)[38] حدثني بذلك ابن عبد الحكم عن ابن لهيعة عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله #.
كما يستدل بأقوال مالك كقوله: ولا بأس أن يجلس في المسجد من ليس على وضوء.
كما يستدل بأقوال الصحابة والتابعين، كقوله: «وبلغني عن ابن مسعود...، وبلغني أن مسلم بن يسار الجهني وكان من خيار التابعين كان يقول....».. من خلال ما سبق يمكن القول: إن مصادر الواضحة تتمثل فيما يلي: الكتاب، والسنة، وأقوال مالك، وأقوال الصحابة والتابعين، وأقوال أساتذته.
الفرع الثاني: القيمة الفقهية للواضحة
القيمة الفقهية للواضحة تعدّ كالمدونة بالنسبة للمدرسة الفقهية القيروانية، وكمختصر ابن عبد الحكم بالنسبة للمدرسة الفقهية المصرية، كما كانت المدونة أصل الفقه المالكي في القيروان، فانتفع بها طلاب العلم جيلاً بعد جيل، وانتشرت في الآفاق، وكان لها دور مهم في خدمة فقه المذهب، حيث تكاد تجمع جلّ كتب التراجم والفقه والتاريخ على هذه القيمة، وسنذكر هنا شهادات لبعض العلماء تبين هذه القيمة[39]:
1- قال عنها العتبي: (ومنها الكتب المسماة بالواضحة في السنن والفقه لم ير مثلها).
2- قال عنها المقري: (الواضحة في مذهب مالك كتاب كبير مفيد).
3- قال عنها القاضي عياض: (وألف ابن حبيب كتباً كثيرة حساناً في الفقه والتواريخ والأدب، منها الكتب المسماة بالواضحة في الحديث والمسائل على أبواب الفقه).
إن كتاب الواضحة أكسب ابن حبيب شهرة في الأندلس والمشرق، وكان له فضل كبير في انتشار الحركة العلمية المالكية في الغرب الإسلامي خصوصاً، فتهافت على ابن حبيب تلاميذه بروايتها واختصارها، فعرَّفوا بها وبصاحبها، وشهدوا لها بالفضل، واعتبروها مصدراً من مصادر مؤلفاتهم في المذهب المالكي، ومن هؤلاء: ابن أبي زيد القيرواني، وابن رشد، والباجي، والقرافي، والقاضي عياض[40].
وسنرى فيما يلي أهم الذين اختصروا ورووا الواضحة نظراً لأهميتها في المذهب المالكي[41]:
1- يوسف بن يحيى المغامي (ت 288هـ).
2- عبيد الله ولد ابن حبيب (ت 291هـ).
3- محمد بن سعيد بن حكم (ت 304هـ).
4- ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ).
5- ابن رشد (ت 520هـ).
هؤلاء هم الذين اهتموا بمؤلفات ابن حبيب رواية واختصاراً، وخاصة الواضحة، التي شغلت حيزاً مهماً من مؤلفات ابن حبيب وقلَّ أن نجد فقيهاً من فقهاء المالكية لا يأخذ من الواضحة ولا يشير إليها.
فالواضحة إذن من أمهات الفقه المالكي في الأندلس إلى جانب المدونة والموازية والعتبية والمجموعة، حظيت باهتمام وعناية كبيرة من طرف العلماء، اعتمدوا عليها ونقلوا منها ودرّسوها ونشروها في الأقطار، لكن للأسف الشديد ضاع الجزء الأكبر منها ولم يصلنا منها إلا قطعة صغيرة توجد مخطوطة ومرقونة في خزانة القرويين بفاس في المغرب تحت رقم 809، (خاص بقسم الوضوء). والسبب في اندثارها وضياعها يعود إلى عامل الزمن، وكذا تهافت الصليبيين على الكتب الإسلامية وسرقتها في الأندلس إبان سقوطها، فالواضحة لم تحرق لأنه ثبت أنها كانت تدرَس إلى حدود القرن التاسع الهجري، هذا ما أفاد به محقق مقدمة ابن خلدون الدكتور علي عبد الواحد وافي، وهو أن ابن خلدون درَّس واضحة ابن حبيب، كما أن القرافي جعل الواضحة مصدر كتابه الذخيرة، وهو من علماء المذهب في القرن السابع والثامن والتاسع الهجري.
خاتمــــــة
يعدّ ابن حبيب مؤسس المدرسة المالكية في الأندلس، والمتصفحُ لكتب الفقه المالكي القديمة منها والحديثة يدرك مدى تأثيره في رواد الفقه المالكي المتقدمين منهم والمتأخرين بآرائه واجتهاداته ومؤلفاته، كما أنه يتميز بمنهج فقهي دقيق مع قدرته على مواكبة عصره، فضلاً عن اتساع أفقه العلمي وتنوع ثقافته وقدرته على تفريع الأحكام من أصولها وفق أصول المذهب المالكي، وكتابه الواضحة في السنن والفقه خير شاهد على كثرة التفريعات التي سبق بها غيره من علماء المذهب المتقدمين، حيث اهتم بها من جاء بعده وكان لها تأثير كبير في تأصيل المدرسة الفقهية المالكية في الأندلس خصوصاً، والغرب الإسلامي عموماً، وكان لها أثر طيب ودور كبير في نشر الفقه المالكي في المشرق والمغرب منذ القرن الرابع الهجري إلى يومنا هذا.
ملخص البحث باللغة العربية:
للعلامة ابن حبيب مشاركة كبيرة في تأصيل المدرسة الفقهية المالكية في الغرب الإسلامي، فلقد بلغ مرتبة الاجتهاد في المذهب، وسادت آراؤه الفقهية الأندلس والمشرق، ولقي تراثه الفقهي إقبالاً وتقديراً عند الخاص والعام، وتميز بمنهج فقهي دقيق مع قدرته على مواكبة عصره، وترك أثراً واضحاً في حركة الفقه المالكي وتطويره عبر العصور، كما كان له تأثير كبير تركه بآرائه ومؤلفاته في رواد الفقه المالكي، وتعد الواضحة في الفقه والسنن خير شاهد على ذلك.
:: مجلة البيان العدد 311 رجب 1434هـ، مايو - يونيو 2013م.



[1] تاريخ علماء الأندلس لابن الفارض: 1\212، ترتيب المدارك للقاضي عياض: 2\30، معجم البلدان لياقوت الحموي: 1\ 196، الديباج المذهب لابن فرحون: ص\154، الأعلام للزركلي: 4\ 157.
[2] نفح الطيب للتلمساني: 2\7، تذكرة الحفاظ للذهبي: 2\537، شجرة النور الزكية لابن قاسم مخلوف: 1\112، شذرات الذهب: ابن العماد: 2\90.
[3] الديباج المذهب: ص252، الأعلام: 4\305، شجرة النور الزكية: ص85.
[4] الديباج المذهب: ص217، الأعلام: 7\272، ترتيب المدارك: 2\523.
[5] الديباج المذهب: ص158، الأعلام: 1\336، ترتيب المدارك: 2\562.
[6] تذكرة الحفاظ للذهبي: 3\802، تاريخ علماء الأندلس: 2\40.
[7] بغية الوعاة للسيوطي: ص392، الأعلام: 7\250.
[8] الديباج المذهب: ص255، تاريخ علماء الأندلس: 2\313، الأعلام: 4\157.
[9] ترتيب المدارك: 2\33-34-35.
[10] مواهب الجليل للحطاب: 1\35.
[11] أخبار الفقهاء والمحدثين: ص 248.
[12] المدارك: 7\266، بغية الملتمس: ص 71.
[13] المدارك: 7\215، شجرة النور الزكية: ص96.
[14] بغية الملتمس: ص77، شجرة النور الزكية: ص 111.
[15] مواهب الجليل: 1\35، شجرة النور الزكية: ص 111.
[16] شجرة النور الزكية: ص 119. 
[17] طبقات الحفاظ: ص 39-40.
[18] الصلة لابن بشكوال: 1\329.
[19] شجرة النور الزكية: ص 129.
[20] شجرة النور الزكية: ص 136.
[21] الديباج المذهب: 2\46.
[22] نيل الابتهاج بتطريز الديباج: أحمد بابا التمبكتي، ص 316.
[23] الجواهر الثمينة في عالم المدينة لابن شاس: 1\34-35-36-37-38. 
[24] شجرة النور الزكية: ص 213.
[25] شجرة النور الزكية: ص 223.
[26] شجرة النور الزكية: ص 222.
[27] نيل الابتهاج: ص 147-149.
[28] نيل الابتهاج: ص 189-190.
[29] شجرة النور الزكية: ص 247.
[30] البهجة للتسولي: 2\114.
[31] توضيح الأحكام للتوزري: 1\20.
[32] الديباج المذهب شجرة النور الزكية: 304.
[33] شجرة النور: 2\365.
[34] الصلة لابن بشكوال: 1\332.
[35] الواضحة: ص 7.
[36] الواضحة: ص 13.
[37] أخرجه مالك في الموطأ عن أبي هريرة: 1\54، والبخاري في كتاب الصوم، باب السواك الرطب واليابس للصائم: 2\595 عن أبي هريرة رضي الله عنه.
[38] ابن أبي زيد حياته وآثاره: ص 341.
[39] المدارك: 4\127.
[40] نفح الطيب: 3\71.
[41] المقدمة: ص450.