سلسلة أحاديث وقواعد منهجية في الدعوة إلى الله والتوجيه متجدد - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 23 من 23
1اعجابات

الموضوع: سلسلة أحاديث وقواعد منهجية في الدعوة إلى الله والتوجيه متجدد

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,624

    افتراضي رد: سلسلة أحاديث وقواعد منهجية في الدعوة إلى الله والتوجيه متجدد

    (الدعوة في السنة النبوية)

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (21)


    القاعدة الثانية : وضوح الرؤية والهدف (6-7)



    ركائز الداعية في تحقيق أهداف الدعوة- المَعلم الثاني:
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،،،
    ففي هذه الحلقة نبين: ركائز الداعية في تحقيق أهداف الدعوة- المعلم الثاني:
    2-المعلم الثاني: العلم والبصيرة:
    إن من أعظم ضروريات الدعوة إلى الله تعالى أن يكون الداعية عالـمًا مدركًا لما يدعوا إليه، فقيها فيه بخاصة.
    قال تعالى: (قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [يوسف: 108].
    والبصيرة أخص من العلم العام، وفيها معنى زائد عليه، فهي تعني: البينة، والإدراك، والوضوح، والفهم، واليقين (1) .
    ومن البصيرة: أن يدرك الداعية عواقب الأمور، وأن لا يغفل عن النتائج في أقواله وتصرفاته.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلابد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده، وإن كان من الثلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال»، وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف ورووه مرفوعًا، ذكره القاضي أبو يعلى في المعتمد: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه»(2) .
    فالفقه قبل الأمر، ليعرف المعروف وينكر المنكر، وهذا شرط من شروط الدعوة إلى الله تعالى، وواجب من واجبات الداعية أن يكون الداعية مدركًا لما يدعوا إليه، متحليًا بالفطنة، متسلحًا باليقين، ثابت الخطوة، واضح الرؤية في دعوته، ومدعويه، وفيمن حوله من أصدقاء وأعداء، وما يقع من أحداث.. فكل هذه المعاني تتضمنها «البصيرة» فهذا الشرط الذي ألزم الله به الدعاة في دعوتهم.
    ولهذا فلا يجوز للمسلم أن يدعوا إلى الله إلا بعد أن يحمل قدرًا من العلم يكفيه في دعوته، وفهمًا ووضوحًا ينير له طريقه.
    فالعلم يسدد له مسيرته، والفهم يوضح له رؤيته، فمن لم يحمل العلم في دعوته انحرف، ومن لم يكن على بصيرة تعثر.
    وفضلًا عن هذا، فإن الداعية بغير بصيرة آثم عند الله لمخالفته أمر الله، ولأن فاقد البصيرة «العلم والفهم» لا يضل نفسه فحسب، بل يضل معها غيرها ممن يدعوهم، قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ) [الحج : 3]، فلربما جعل الأمر نهيًا، والنهي أمرًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة.
    ولربما دعا إلى أمر غير مشروع، باسم الدين، كمن يعلم الناس الضلال والابتداع باسم الدين، كالخوارج والمعتزلة، وغلاة الصوفية والروافض ولهذا حذر الله من أمثال هؤلاء فقال سبحانه: (وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 119].
    وقد عدَّ الله كل قول بغير علم افتراء، فكيف إذا كان في الدين والدعوة إليه، قال تعالى:( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: 36].
    وقال سبحانه بعد أن عدد بعض أقوال الكافرين وأفعالهم الكفرية ( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) [الأنعام: 140].
    ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع مقالته أن يعيها حتى يبلغها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «نضر الله امرءًا سمع منه شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع» (3).
    ولأهمية هذا عقد الإمام البخاري بابًا في صحيحه «باب العلم قبل القول والعمل»، فإن العلم يسدد القول، ويصوب العمل.
    قال ابن حجر: «قال ابن المنير: أراد به: أن العلم شرط في صحة القول والعمل»، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما (4) .
    وقال ابن حيان الأندلسي: «لأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يصلح إلا لمن علم المعروف والمنكر، وكيف يرتب الأمر في إقامته، وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما أمر بمنكر، ونهى عن معروف... وقد يغلظ في مواضع اللين، وبالعكس» (5) .
    وقال الحسن محذرًا من ترك العلم والابتعاد عنه: «العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا» (6) .
    ومن هنا كان القول على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم من أخطر الذنوب والمحرمات لما فيه من الضلال والإضلال.
    قال ابن القيم: «وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات وأعظمها إثما... وهو أصل الشرك وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم... واصل الشرك والكفر هو القول على الله بلا علم...» (7) .
    وعليه فيجب على الدعاة إلى الله تعالى أن يتعرفوا على الحكم الشرعي في المسألة التي يرغبون الدعوة إليها، وأن يتعرفوا على أقوال العلماء حولها إن تعددت أقوالهم واختلفت مذاهبهم فيها، كما أن عليهم أن يعلموا رتبتها من الدين، وأن يتعرفوا على مقاصد الإسلام في تشريعاته وأحكامه.
    والخلاصة: أن يبني هدفه على علم وبصيرة، وفهم وإدراك، ووضوح رؤية، لا أن يستخدم الهوى، والعقل المجرد، والتقليد للآخرين، فمفهوم البصيرة شامل لذلك كله.
    وسنبدأ في الحلقة التالية بإذن الله تعالى ببيان: المَعلم الثالث من ركائز الداعية في تحقيق أهداف الدعوة.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    (1) انظر: لسان العرب: (4/67).
    (2) مجموع الفتاوى: (28/137)، والحديث لا يصح سندًا بهذا اللفظ، وإن كان صحيح المعنى وورد بألفاظ مقاربة، وكلها ضعيفة، فقد ذكره الغزالي في الإحياء: (2/333)، وقال العراقي لم أجده هكذا وللبيهقي في الشعب: (7603) من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: (من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف) وفيه ضعيفان، وضعفه الألباني في الضعيفة: (590).
    (3) أخرجه البخاري: (2/216رقم1741)، كتاب العلم، باب الخطبة أيام منى.
    (4) فتح الباري: (1/160).
    (5) تفسير البحر المحيط: (3/20).
    (6) جامع بيان العلم وفضله: (1/136).
    (7) مدارج السالكين: (1/404،403).



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,624

    افتراضي رد: سلسلة أحاديث وقواعد منهجية في الدعوة إلى الله والتوجيه متجدد

    (الدعوة في السنة النبوية)

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (22)


    القاعدة الثانية : وضوح الرؤية والهدف (7-7)




    ركائز الداعية في تحقيق أهداف الدعوة- المعلم الثالث:
    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،،،

    ففي هذه الحلقة نبين: ركائز الداعية في تحقيق أهداف الدعوة- المعلم الثالث:
    3- المعلم الثالث: الحكمة والموعظة الحسنة:
    وهذا هو المعلم الثالث لركائز الدعوة ولرسم الهدف الصحيح، قال تعالى: ) ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ) [النحل: 125]، وقال جل شأنه: ( وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ) [البقرة : 83].
    وروى الإمام البخاري عن علي بن أبي طالب ط: «حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله»(1)
    إن الحكمة في الدعوة والموعظة الحسنة للمدعوين هما الركيزة الثالثة من ركائز الدعوة.
    والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، والحكمة ضالة المؤمن ينشدها في كل مجال، ويبحث عنها بكل الوسائل، ذلك لأن الحكمة تقتضي أن يكون الداعية مدركًا لما حوله مقدرًا للظروف التي يدعو فيها، مراعيًا لحاجات الناس ومشاعرهم، حتى يتمكن من الوصول إلى قلوبهم، وتلك هي الخطوة الأولى في بلوغ الدعوة أهدافها.
    والحكمة تجعل الداعي إلى الله يقدر الأمور قدرها، فلا يزهد في الدنيا والناس في حاجة إلى النشاط والجد والعمل، ولا يدعوا إلى التبتل والانقطاع والمسلمون في حاجة إلى العلم بالعقيدة والشريعة، والعلم بأحكام البيع والشراء، وكذا والناس في مسيس الحاجة لتعلم الوضوء والصلاة.
    فيعالجها بحسب ما يقتضيه الحال، وبذلك ينفذ إلى قلوب الناس من أوسع الأبواب، وتنشرح له صدورهم، ويرون فيه المنقذ الحريص على سعادتهم وأمنهم واطمئنانهم.
    والموعظة الحسنة هي الكلمة الطيبة تخرج من فم الداعية لتصل إلى عقول الناس فيجدون فيها الخير والسعادة، ويحسون من خلالها صدقه، وحرصه على جلب الخير لهم ودفع الضر عنهم، وقد مثل لها القرآن الكريم بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[إبراهيم : 24 -25].
    الموعظة الحسنة هي التي تحمل للناس البشرى، وتأخذ بأيديهم إلى طريق الحق والصواب، هي مع ذلك لا تسيء إلى أحد أيًا كان، ولا تعنف أحدًا مهما كان، يلقيها الداعية يقصد بها وجه الله فتستل الضغائن من النفوس، وتنزع السخائم من القلوب، فيصفوا الناس بعضهم لبعض، ويلتـئم الشمل، وتأتلف القلوب، ويصبح الجميع أخوة متحابين.
    والموعظة الحسنة هي الكلمة الندية الرقيقة التي تلمس القلوب فترق بها، وتخالط النفوس فتستهل لها وتفرح بها، وهي البلسم الشافي يداوي الجراح، ويخفف الآلام، ويشفي النفوس.
    والقرآن الكريم قد عرض لنا نماذج من الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة في صورة مشرقة رائعة يأخذ منها الدعاة ما يفيدهم، وهي وان اختلفت في البيئات وتباينت العوامل إلا أنها على كل حال تعطي التصور العام الذي ينبغي أن يسلكه الدعاة، ويضعوا على أساسه خططهم ومنهاجهم.
    من هذه النماذج خليل الله إبراهيم عليه السلام لم يعامل الذي حاجّه بالمثل بل حاجه بالحسنى، وجادله بالتي هي أحسن.
    وطلب النمرود من إبراهيم عليه السلام أن يقدم له دليلًا على وجود الله عز وجل فأجابه إبراهيم ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ )فقال النمرود في تجبر وعناد: ( أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ) [البقرة: 258].
    وأدرك إبراهيم عليه السلام أن العناد قد استولى على عقل خصمه، وأن اللجاج قد سيطر على نفسه، فسلم له، وأرخى العنان ليتمكن من إفحامه بما لا يستطيع رده ليبطل بذلك ما أدعاه أولا بعجزه في الثاني، قال إبراهيم عليه السلام: ( فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) وهنا أخرس ذلك الخصم العنيد فلم يحر جوابًا، وسكت وكأنه لا يعرف الكلام: ) فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ )وهنا تلاحظ أن إبراهيم عليه السلام لم يغضب لعناد خصمه المتغطرس، ولم يلجأ إلى كلام فاحش أو لفظ بذيء، أو لم يتناول غير الموضوع الذي يريده، وتلك هي عين الحكمة والموعظة الحسنة.
    إن خليل الله إبراهيم عليه السلام لو لجأ إلى غير ذلك لكان معذورًا فالخصم لدود، وخصومته شرسة، وعناده ولجاجه يستوجب السخرية والتهكم، ولكن إبراهيم عليه السلام ترفع عن ذلك، وعامله بما يجب أن يعامل به الدعاة المدعوين، فترفق به ولان ليستميل قلبه العاتي ويزلل نفسه الشرود.
    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمر بقوله تعالى: ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة ِ) [النحل: 125] يتخذ من الحكمة والموعظة الحسنة أسلوبًا يغزو به القلوب ويلين به النفوس.
    فهذا عتبة بن ربيعة عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء حتى إذا فرغ منها ما ناقشاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جادله فيها، ولكن قال له: (أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم، قال: اسمع مني) فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [فصلت : 1-3] ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها فلما سمع بها عتبة أنصت لها وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدًا عليها ليسمع منه(2) ، حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام عتبة وقد تغيرت معالم وجدانه وتقاسيم وجهه وقال فيه قومه لما رأوه من بعيد: «نحلف بالله، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به».. نعم، لقد جاءهم بوجه رق للإسلام وقال لهم صراحة: «والله لقد سمعت قولًا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، خلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كيفتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به»(3)
    إن الكلمة الطيبة تبقى قاعدة وأسلوبًا في تبليغ الدعوة ترد بنبرتها الهادئة ونسمتها الحانية غاضبًا مفلوت الزمام.. فإن لم ترده هذه الكلمة الطيبة فقد بقي للدعوة أنها كانت ولا تزال تحب له الخير غير أنه هو الذي لا يريد لنفسه ذلك.
    والخلاصة: أن من أهم ركائز الدعوة وصياغة الأهداف أن تبنى على وسائل سليمة قاعدتها: الحكمة بمفهومها الشامل، الذي سبق إيضاحه، والموعظة في أعلا درجاتها وهي: «الحسنة».

    النتائج المترتبة على العمل بهذه القاعدة:
    لاشك أن من أهم عناصر نجاح الدعوة والداعية تحديد الهدف ووضوح الرؤية، ولذلك آثار إيجابية، منها:
    1- تحقق الاقتداء بإمام الدعاة عليه الصلاة والسلام فلم تكن حركته الدعوية عشوائية أو بغير هدف واضح - كما سبق بيانه - فالداعية الذي يصوغ هدفه بوضوح يتحقق له الاقتداء.
    2- معرفة ما يريد الداعية الوصول إليه فيكون ذلك دافعًا قويًا وحافزًا عظيمًا لمواصلة المسير.
    3- يدرك الداعية بهذا الهدف طول الطريق وقصره، وماذا يريد من الوسائل، وما الأساليب التي يريد استخدامها؟
    4- بصياغة الهدف والعمل له يستطيع الداعية القياس لمدى صحة مسيره، والتقويم الصحيح لسلامة خطواته.
    5- عظم الأجر والمثوبة، فالأجر يعظم بعظم العمل، والعمل يعظم بعظم الهدف الذي يريد الداعية تحقيقه.
    إن واحدة من تلك الآثار كافية لئن يسارع الداعية لصياغة هدفه والعمل له، فكيف وهو أساس العمل الدعوي؟
    الآثار السلبية لعدم صياغة الأهداف أو عدم وضوحها كثيرة، منها:
    1- التخبط في الأعمال الدعوية وعدم الثبات على هذه الدعوة فهذا الداعية لا يدرك إلى أين هو ذاهب.
    2- طول الطريق وعدم سلامته.
    3- كثرة العقبات المؤدية إلى التساقط أو ضعف المسير.
    4- الملل والفتور إذ لا يدري هذا الداعية ماذا يريد أن يحقق؟
    5- قد يفسد أكثر مما يصلح كما قال عمر بن عبد العزيز :: «من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»(4)
    ونخلص إلى ما بدأنا به: أن على الداعية أن يحدد هدفه ويجتهد في ذلك ليكون سيره صحيحًا، وعمله سليمًا، وثمرته واضحة.
    وسنبدأ في الحلقة التالية بإذن الله تعالى ببيان: القاعدة الثالثة: الغايات والوسائل.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




    (1) أخرجه البخاري: (1/44رقم...)، كتاب العلم، باب من خص بالعلم دون قوم كراهية أن لا يفهموا.
    (2) السيرة لابن كثير: (1/504).
    (3) السيرة النبوية لابن كثير: (1/505)، والسيرة لابن هشام: (1/294).
    (4) جامع بيان العلم لابن عبد البر: (1/27).




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,624

    افتراضي رد: سلسلة أحاديث وقواعد منهجية في الدعوة إلى الله والتوجيه متجدد

    (الدعوة في السنة النبوية)

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (23)



    القاعدة الثالثة : الغايات والوسائل

    حكم وسائل الدعوة





    حكم وسائل الدعوة:



    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد،،،،،

    ففي هذه الحلقة نبين: حكم وسائل الدعوة:

    بعد أن عرفنا ثبوت مشروعية وسائل الدعوة، يجدر بنا أن نتساءل: هل جميع وسائل الدعوة مشروعة؟ وصالحة لنشر الإسلام؟ وهل كل الوسائل النافعة وغير النافعة يمكن أن يأخذ بها الداعية بحجة إيصال الدعوة للناس؟

    الحقيقة أن تلك التساؤلات هامة وفي مكانها.

    ولإيضاح حكم وسائل الدعوة، فإن العلماء والباحثين ذكروا أن تصنيف الوسائل والأساليب لا يخرج عن ثلاث حالات(1)

    الحالة الأولى:

    النص على مشروعية الوسيلة والأسلوب في الكتاب والسنة، وحكم الوسيلة والأسلوب فيها توقيفي، ورد فيها الأمر الذي يدل على الوجوب أو الندب، أو الجواز، ومثاله قوله تعالى ) ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين َ ) [النحل: 125]، وقوله سبحانه: ) وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) [البقرة : 83].

    الحالة الثانية:

    النص على منع الوسيلة والأسلوب في الكتاب والسنة، فالحكم فيها توقيفي بمنع استخدامها، ولا يجوز لأحد مخالفة ذلك، وبناء على ذلك فلا يجوز للداعية استخدام هذا النوع من الوسائل والأساليب الممنوعة شرعًا كالكذب والزور ودق الناقوس للصلاة والمال المحرم، وما فيه خدعة، والغيبة والنميمة، وآلات اللهو والطرب المحرمة وغير ذلك.

    الحالة الثالثة:

    عدم النص على الوسيلة والأسلوب بمشروعية أو منع في الكتاب والسنة، فالحكم فيها الاجتهاد بحسب ما تمليه المصالح المرسلة والقياس الصحيح، مع الأخذ بالاعتبار الضوابط الشرعية لذلك، فهذا النوع من الوسائل والأساليب يدخل في دائرة المباح، بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة.

    أقسام وسائل الدعوة:

    لوسائل الدعوة قسمان:

    القسم الأول: وسائل دعوية مباشرة.

    والمقصود بها: مجموع الوسائل الدعوية التي تتجه إلى المدعوين مباشرة دون واسطة، ومثال ذلك: الموعظة والخطابة، والمحاضرة، والدرس، والندوة، وغيرها.

    القسم الثاني : وسائل دعوية غير مباشرة .

    والمقصود بها: مجموع الوسائل الدعوية التي تتجه إلى المدعوين، بصورة غير مباشرة، وذلك عن طريق وسائط تحملها وتوصلها على المدعوين، ومثال ذلك: الوسائل الإعلامية والاتصالية المتعددة كالإذاعة والتلفاز والهاتف والفاكس والإنترنت والشريط والكتابة وغيرها.

    ضوابط وسائل الدعوة:

    هناك عدة ضوابط وشرائط ينبغي توافرها في وسائل الدعوة حتى تصان عن الاضطراب، وتحفظ من الخلل والفساد.

    وهذه الضوابط عديدة ومتنوعة، ويمكن إجمالها مختصرة دون توسع فيما يلي(2)

    1- أن تكون هذه الوسائل شرعية، متفقة مع أحكام الشريعة الإسلامية ومنسجمة معها، منضوية تحت كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أثر عن سلف الأمة الصالح، بمعنى أن يكون لها أصل شرعي تعتمد عليه.

    2- عدم مخالفة هذه الوسائل للشرع، بمعنى أن تكون الوسيلة الدعوية غير محرمة ولا تدخل تحت نهي أو شبهة أو بدعة.

    3- خروج الوسيلة من كونها شعارًا لغير المسلمين، وخاصة ما يتعلق بالشعارات في الأمور الدينية، مثل: الناقوس، والصليب، والبوق، والنار، وما يسمى بنجمة داود، أضف إلى ذلك القداح والأسهم، والزجر بالطير والضرب على الأرض وقراءة الكف، وما إلى ذلك من أمور تخالف العقيدة الإسلامية، وتتعلق بالديانات الأخرى بأي وجه من الأوجه.

    4- أن يكون المقصود من الوسيلة مشروعًا، فإن كان الهدف ممنوعًا شرعًا فلا يتوسل إليه بأي وسيلة، لأن النهي عن المقصد نهي عن جميع وسائله المؤدية إليه، فكل وسيلة تؤدي إلى الحرام فهي محرمة، وكل وسيلة تؤدي إلى المكروه فهي مكروهة.

    يقول ابن القيم :: «فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصود قصد الوسائل، فإذا حرم الرب تعالى شيئًا، وله طرق ووسائل تفضى إليه، فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقًا لتحريمها، وتثبيتًا له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء»(3)

    ويقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي: «والوسائل لها أحكام المقاصد، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وطرق الحرام والمكروهات تابعة لها، ووسيلة المباح مباحة» (4)

    5- أن لا يؤدي استعمال بعض الوسائل الدعوية إلى أحداث مفسدة أكبر من المصلحة المقصودة منها، فإن كانت تؤدي إلى مفسدة أو ضرر أو فتنة بين الناس فلا يشرع التوسل بها، لأن درء المفسدة الراجحة أولى من جلب المصلحة المرجوجة، وهذا ضابط عظيم فقد اضطرب فيه كثير من الدعاة، وسيأتي قاعدة مستقلة إن شاء الله تعالى.

    معالم في استعمال الوسائل:

    وهي عوامل مساعدة للإفادة من الوسائل المتجددة:

    1- ينبغي على الدعاة مراعاة الأولويات في استعمال الوسيلة الدعوية، ومراتب الوسائل تابعة لمراتب مصالحها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد هي أفضل الوسائل، والوسيلة إلى أقل من ذلك فهي أقل درجة.

    2- التدرج في استعمال الوسائل الدعوية، وهو التقدم شيئًا فشيئًا والصعود درجة فدرجة، ومعنى ذلك أن لا يبادر الداعية إلى استعمال كل ما عنده من وسائل دعوية دفعة واحدة لمجتمع معين، بل ينبغي عليه استعمال هذه الوسائل شيئًا فشيئًا والترقي مع حالة المدعو حتى يصل إلى أوفى الوسائل معه.

    3- مناسبة الوسيلة الدعوية لحال المدعو أو لحال المجتمع، وقدرته على فهمها والإفادة منها، ومعرفة ما يريد الداعية إيصاله للمدعو عن طريقها.

    4- مقدرة الداعية على استعمال هذه الوسائل الدعوية، والإلمام بفوائدها، وطرق نفعها للناس، مع حسن التعامل مع هذه الوسائل وتسخيرها لخير المدعوين ونفعهم، والتزام الصدق والحق في التعامل مع هذه الوسائل الدعوية.

    وسنبدأ في الحلقة التالية بإذن الله تعالى ببيان: الدعاة وتطور الوسائل.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.






    (1) انظر: وسائل الدعوة إلى الله تعالى بين التوقيف والاجتهاد: ص: (31)، قواعد الوسائل ص:(328)، مناهج الدعوة إلى الله تعالى: ص: (66)، المدخل إلى علوم الدعوة: ص: (286).

    (2) ينظر: وسائل الدعوة للدكتور عبد الرحيم المغذوي: ص: (20)، وسائل الدعوة إلى الله تعالى وأساليبها للدكتور حسين عبد المطلب: ص: (61)، قواعد الوسائل للدكتور مصطفى مخدوم ص:(347)، الأسس العلمية لمنهج الدعوة الإسلامية للدكتور عبد الرحيم المغذوي ص:(676،674).

    (3) إعلام الموقعين: (3/175).

    (4) القواعد والأصول الجامعة: ص: (10).

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •