أحاديث فى العقيدة - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 30 من 30

الموضوع: أحاديث فى العقيدة

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي

    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (21)



    أخطاء في التوحيد – أسبابها، وعلاجها-






    الحمد لله الذي يبدئ ويعيد، أحصى على الخلق أعمالهم، فهو بكل شيء محيط، وعلى كل شيء شهيد، أحمده سبحانه، وأشكره، وأساله من فضله المزيد، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الذي دعا إلى الله تعالى حتى أقام الملة، ورفع راية التوحيد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الهجرة، والنصرة، والتأييد، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم يبعث الناس من جديد، أما بعد:

    فقد عرفنا فيما سبق أن العبد يجب أن يؤمن بالله - جل وعلا-، هذا الإيمان الذي يشتمل توحيد الله - جل وعلا- في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه، وصفاته، وعرفنا فضل هذا التوحيد، وأنه النعمة الكبرى، وأي نعمة في مقابلته لا تساوي شيئا، فمن فقدها خسر الدنيا والآخرة.

    ومن فضلة أنه جعل لهذا التوحيد ثمرات عظيمة، استعرضنا بعضها، والوسائل التي تعين على إحياء التوحيد في القلوب، وظهور أثره على الجوارح، وتثبيته وتمكينه.

    *مظاهر ضعف التوحيد:

    في تعامل الناس مع أوجب الواجبات، وأهم المهمات، يرى الناظر مظاهر ضعف تجاهه، وأخطاء يقترفها بعضهم تخدش في أصل التوحيد، وتخرج صاحبها من الملة، وتخلده في النار والعياذ بالله، وأخطاء استسهلها كثير من الناس، فأصبحت أمرًا عادياً، وكأن شيئا لم يكن.

    ورأس هذه الأخطاء:

    1/عدم معرفة الله تعالى حق معرفته، وعدم استشعار تلك المعرفة، ومن وقع في هذا الأمر هان عليه كل أمر، فلا رادع يردعه عن المعصية، ولو كانت شركا أكبر، فضلا عن المعاصي والشرك الأصغر، فمثل هذا فتح المجال لهواه، وشيطانه، ونفسه، فقادوه إلى المهالك، وأوقعوه في أردأ الموارد فتراه متنقلا بين معصية وأخرى، ينام على فراشه، خاتما يومه بذنب اقترفه، مستيقظا على آخر، غافلا عن أوامر ربه، ناسيا - أو متناسيا- تعاليم مولاه، يتقلب في بحار الشهوات البهمية، وقلبه ملئ بالشكوك الشيطانية، لا يقر له قرار في عبادة، متشاغلا بأمور دنياه عن دينه، نسي أن الله تعالى أخبر عن نفسه سبحانه:()، وكما أخبر عن نفسه سبحانه:()، فحري بك أيها المسلم وأنت تنتمي إلى هذا التوحيد أن تستشعر عظمة خالقك، وأن تعظم أوامره، وتقف عند حدوده، وتنتهي عما نهاك عنه.

    2/ومن مظاهر ضعف التوحيد الظاهرة، وأخطاء بعض الناس فيه: الوقوع في المعاصي، واستسهالها، واستمرائها، والإصرار عليها، وعدم القلق حال ارتكابها، أو الخوف منها، وأعظم من ذلك المجاهرة بها،والتحدث عنها، وكأنها من النعم المسداة إليه، وجاء في الحديث الصحيح(كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل عملا بالليل وقد ستره الله فيقول يافلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه).

    3/ومن مظاهر ضعف التوحيد: التكاسل عن أداء العبادات، والتثاقل في فعل الطاعات، وإن أداها فحركات جوفاء، يؤديها بجسده وقلبه يتقلب في أحوال الدنيا، وأمثال هؤلاء يصدق عليهم قول الله تعالى في المنافقين:()

    4/ومن مظاهر ضعف التوحيد في النفوس، بل أعظمها وأشدها خطرا: التعلق بغير الله - سبحانه وتعالى- والركون للمخلوقين أحياء وأمواتا، والتشفع بهم فيما لا يقدر عليه إلا الله - سبحانه وتعالى- وطلب الحاجات والمدد منهم، ودعاؤهم، والاستغاثة بهم، والطواف حول قبورهم وأضرحتهم، وطلب شفاء أمراضهم منهم، ومثله التعلق بالسحرة والمشعوذين، وتصديق الدجاجلة والكذابين، والركون إلى الكهنة والمنجمين، وبذل الأموال الطائلة لهم، وتلبية أوامرهم، ولو كانت كفرا بواحا، كالذبح للشياطين، وتمزيق كتاب الله في الحمامات، والبول عليها، ونحو ذلك، وطلب أحوال المستقبل، وتصديقهم فيها، وبناء حيلتهم عليها، ومثله تعلق القلب حال الإصابة بمصائب وأمراض بهم أو بالطبيب من دون الله تعالى، واعتقاد أن الشفاء بأيديهم، والنفع والضر بتقديرهم، فهذه كلها وأمثالها من أعظم المنكرات، وأفدح الأخطاء القادحة في التوحيد، إذ هي شرك أكبر، مخرج عن الملة، فهل يتنبه من وقع فيها، وفي أمثالها فيصحح وضعه، ويقوم نفسه، وينقي توحيده، ويعود إلى ربه.

    5/ومن مظاهر ضعف التوحيد: الخوف من المستقبل، من حيث رزقه، ورزق أولاده، وهلع نفسه تجاهه، والقلق الشديد في ذلك، فلم يستشعر ما عند الله – سبحانه- وتقديره للمقادير كلها، وأن الغناء، والفقر، والرخاء، والشدة، كلها بيد الله وحده، فمن فعل ذلك فقد أخطاء على نفسه، وجنى عليها، ولم يتوكل على الله حق توكله، ومثل هؤلاء لم يؤمنوا بقوله سبحانه:()

    6/ ومن مظاهر ضعف التوحيد: التعلق بالدنيا، وملذاتها، وشهواتها، والنظر بعين الغيرة والحسد إلى من أوتي حظا كبيرا منها، واعتبار السعادة، وبلوغ الأماني في الحصول عليه، وينبني على ذلك البعد عن الآخرة، وضعف العمل لها، فتجد مثل هذا ممسكا ماله، حريصا عليه، فلا ينفق في معروف، ولا يعطف على مسكين، ولا يرحم يتيما، ولا يحسن إلى فقير؛ يخشى الفقر، ويأمل الغنى، مسرفا في شهواته، ولو كان في الحرام.

    والمسلم الموحد هو الذي يعرف قيمة الدنيا، وأنها معبر سريع إلى الآخرة، ومحطة يتزود فيها إلى مقره، وميدان تنافس لعمل الصالحات.

    *وقفه مع أسباب ضعف التوحيد:

    من الخير للمسلم - وقد أمده الله بعمر ووقت- أن يتحسس نفسه، ومواضع نقص التوحيد عنده، ونقاط الضعف فيه، فيحاسبها، ويجدد العهد مع ربه لتلافيها، وأن يعالج الأسباب المؤدية إلى الوقوع في هذه المظاهر، ومن أهمها:

    -الجهل بالله وعدم العلم بشريعته، وضعف الاهتمام بها وبتطبيقها.

    -عدم تعظيم شعائر الله في النفوس.

    -أكل الحرام، والتعامل به، وجلب الأموال بالطريقة الخبيثة، وصرفها في المصارف المحرمة.

    فتحسس يا رعاك الله، من نفسك، ما يخدش توحيدك، وعالجه بتعاليم ربك، قبل أن تحين ساعة فراقك من الدنيا، فتندم، ولات ساعة مندم، وتتمنى، ولا ينفع التمني.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي


    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (22)


    الإيمان بالملائكة



    تعرضنا في الحلقات السابقة كلها عن الركن الأول من أركان الإيمان، وما يحتويه من أنواع التوحيد، وأثر ذلك على الفرد، والأمة، وما ينبغي أن يقوم به العباد تجاه ربهم، والوسائل المعينة على تحقيق هذا الإيمان.
    والآن نكمل الحديث عن الركن الثاني من أركان الإيمان، وهو: الإيمان بالملائكة، فكيف يكون الإيمان بالملائكة، وما تأثير ذلك على الإنسان في هذه الحياة؟ وكيف يحقق ذلك عملياً؟
    الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان المرء إلا به، قال تعالى: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون*كلٌ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله..)، وجاء في حديث جبريل - عليه السلام- أنه سأل الرسول - صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان، فقال - صلى الله عليه وسلم-: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
    والإيمان بالملائكة يعني:التصديق بوجوده والتصديق بأعمالهم التي كلفهم الله تعالى بها، وأن يقوموا بها في هذا الكون، فهم خلق من خلق الله، خلقهم الله لينفذوا أوامره، ويعبدوه حق عبادته، والملائكة من عالم الغيب، لا يراه البشر، ولا يعرفون عددهم، ولا كيفيتهم وخلقتهم، ولكن يجب أن يؤمنوا بوجودهم إيماناً جازماً، كما أخبر الله عنهم في كتابه الكريم، وكما أخبرنا عنهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وهم مخلوقون من نور، كما جاء في ذلك الحديث، ومن صفاتهم التي أخبر الله عنها، أنهم من أعظم جنود الله، قال تعالى: (ولله جنود السماوات والأرض)، وبين سبحانه شيئاً من مهماته، وهو ياتهم فقال سبحانه: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع)، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، أو أربعة، أو أكثر، وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- جبريل وله ستمائة جناح.
    وأعطاهم الله – سبحانه- قوة عظيمة، ومن ذلك أنه لو صاح المكلف فيهم في الخلق لأهلكهم، كما حدث مع قوم ثمود، قال تعالى: (إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتضر) وذلك عندما صاح بهم جبريل - عليه السلام-، فقطعت هذه الصيحة قلوبهم في أجوافهم، ومثله عندما رفع جبريل بجناحه قوم لوط، وهم في سبع قرى، حتى سمع الملائكة بنباح كلابهم، وصياح ديوكهم، ثم قلبها عليهم، ومثله نفخ إسرافيل - عليه السلام- في الصور، قال تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله).
    وأعمال الملائكة مختلفة، فمنهم من هو موكل بحمل العرش، وعددهم أربعة، ويزيدون يوم القيامة فيصيرون ثمانية، ومنهم من يقوم على جهنم، وهم خزنة جهنم، أي الموكلون بالنار، وبتعذيب أهلها، ومنهم من هو موكل بالوحي، وبالأجنة في بطون الأمهات، وبالقطر من السماء، وبقبض الأرواح، وبحفظ أعمال بني آدم، وكل إنسان معه ملكان موكلان به، وبأعمال لا يعلمها إلا الله، وهكذا، ومنهم من سمي لنا كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك خازن النار، ومنهم من لم يسم لنا، والمؤمن يؤمن بمن سمّي، ومن لم يسم وتؤمن بأعمالهم.
    وهو يسبحون بحمد ربهم، ويؤمنون به، ويستغفروا للذين آمنوا.
    والمؤمن وهو يؤمن بما ذكر، مما فصل، وما لم يفصل’، إذا عرف هذه الأمور، وآمن بها، فإن ذلك يؤثر على حياته، بما يقربه إلى ربه، فإذا علم بأن عليه ملائكة يحصون أعماله؛ فيتحفظ من أعمال الشر، ويحرص على أعمال الخير، ولا يظن أنه في معزل، لا يراه البشر، الذين تحصن عليهم، قال تعالى: (وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون)، وكما يرون الأعمال فيسمعون الأقوال، ويكتبونها على الإنسان، فإذا علم ذلك، وتيقن، حاسب في كلماته، وألفاظه.

    ومن أثر الإيمان بالملائكة، ومحبتهم، فهم عباد الله الطائعين، الذين يحبهم الله تعالى، فنحبهم، ومن عاداهم فقد عادى الله: (من كان عدواً لله وملائكته وكتبه ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين)، هكذا يجب أن يكون المؤمن،ولا يكن غافلاً عن هذا الأمر العظيم، والركن القويم.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي

    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (23)




    الإيمان بالكتب

    نواصل الحديث عن أركان الإيمان، الركن الثالث الذي يجب به، فهو الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله تعالى على رسله - عليهم الصلاة والسلام-, رحمة للخلق وهداية لهم.

    والإيمان بالكتب يعني الإيمان بأنها أنزلت من عند الله حقاً، لا مرية فيه، فيؤمن العبد بذلك إجمالاً, ويؤمن بما سمي منها تفصيلاً، كالتوراة التي أنزلت على موسى - عليه السلام-, والإنجيل الذي أنزل على عيسى - عليه السلام-، والزبور الذي أوتيه داود - عليه السلام-, وآخرها القرآن الكريم الذي أنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم-, ويلزم من ذلك التصديق بما أخبرت به، مما لم يحرف منها, والعمل بما نسخها كلها، وهو القرآن الكريم: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) أي: حاكماً.
    وهذا الإيمان ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان العبد إلا به, ومن يخالفه يكفر, قال سبحانه: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً).
    والكتب السماوية تتفق بأنها من عند الله تعالى, وأنزلت لهداية البشر: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت), وقررت قواعد مشتركة، منها: مسائل الإيمان بالله, والدعوة للعقيدة الصافية, ومكارم الأخلاق و الحكم، والعدل بين الناس, ومحاربة الشر، والفساد ، والانحراف, وجاءت بكثير من العبادات كالحج، والصوم, وتختلف بكثير من الشرائع التفصيلية ،هذا مما يجيب الإيمان به في الكتب, وليعلم أن آخر هذه الكتب المنزلة هو القرآن الكريم، فهو خاتمها، وأشملها، وأطولها, والحاكم عليها, فهو رسالة الله الخاتمة لجميع الخلق, ولذا تكفل الله بحفظه، ولا يقبل من أحد سواه, وبناءً على هذا فيجب أن يؤمن بأنه كلام الله المنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، المتعبد بتلاوته, المأمور بالعمل بأوامره, قال عنه السيوطي - رحمه الله-: (كلام الله الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسنة, ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق من كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه).
    والإيمان بالكتب إجمالاً، وبالقرآن الكريم تفصيلاً يعني:
    قراءته, وترديده, وترتيله, وتأمله, وحفظه, أو حفظ شيء منه, وتصديق أخباره، والإيمان بحكمه, والوقوف عند متشابهه, والعمل بأوامره, والانتهاء عن زواجره, وعبادة الله تعالى وفق ما فيه, هذا هو الإيمان بالقرآن, وإذا كان كذلك ظهر أثره على الفرد، والمجتمع، والأمة في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يقوى إيمان العبد, ويقرب من ربه, ويسير على صراط مستقيم لا اضطراب ولا اعوجاج وكان ممن أدّى شكر نعمة الله عليه, وسلم من الزيغ والانحراف, والتخبط الفكري والعملي, وينشرح صدره, ويطمئن قلبه, ويفرح بنعمة الله عليه ومنته, مهتدياً بهدي الله تعالى, ويظهر أثره في الآخرة في النجاة يوم القيامة ودخول الجنة, والسلامة من النار, ورفعة الدرجات, وتكفير السيئات, والأمن يوم الخوف, وفوق ذلك كله رضا الله - سبحانه وتعالى-.
    إن في تعامل كثير من الناس اليوم مع هذا الركن العظيم أخطاء قد توردهم مهالك, فالذين لا يؤمنون بهذه الكتب، أو يفضلونها على القرآن الكريم، أو لا يصدقون بهذا الكتاب العظيم, أو يتهمون جبريل - عليه السلام-، أو محمداً - صلى الله عليه وسلم- في نقصه، أو عدم بيانه, أو يرون أن تعاليمه تعاليم بائدة أو وقتية, أو هو تراث خالد لا يعمل به، أو أن تعاليم البشر أفضل منه، ونحو ذلك فقد ضلوا ضلالاً بعيدا، وكفروا كفراً بواحاً.

    أما أولئك الذين لا يقرأونه ولا يتلونه, أو لا يحفظون شيئاً منه, أو يتساهلون في تطبيق بعض تعاليمه، فهؤلاء على خطر عظيم، فلينتبه هؤلاء وأولئك، وليستغلوا هذا الشهر المبارك بالمراجعة، والمحاسبة قبل فوات الأوان, وقبل أن يقول القائل ليت ليت، ولا تنفع شيئاً ليت, أسأل الله أن يحيينا على الإيمان، وأن يميتنا عليه، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، وغمومنا، وقائدنا إلى جنات النعيم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة


    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (24)


    الإيمان باليوم الآخر

    وركن آخر من أركان الإيمان, ركن عظيم, جاءت الشرائع كلها بتقريره, والتأكيد عليه, وما فيه من أحوال وأهوال, وكتاب الله تعالى مليء بالآيات القرآنية الدالة عليه, والمرشدة إليه, والمقررة له, والموضحة لما سيجري فيه. ذلكم هو اليوم الآخر, ابتداء بمقدماته من وداع الإنسان في هذه الدنيا بالموت وإلى أن يستقر بالجنة أو النار.

    واليوم الآخر هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للجزاء والحساب, وله تسميات عدة جاءت في القرآن الكريم منها يوم القيامة ويوم التغابن.
    والإيمان بهذا اليوم يشمل أموراً عدة منها:
    1- الإيمان بالبعث, وهو إحياء الموتى وبعثهم من قبورهم, عندما يقوم الناس لرب العالمين عراة غير مستترين غير مختتنين, حفاة غير منتعلين كما خلقهم الله تعالى من بطون أمهاتهم والآيات في تقرير هذا المبدأ أكثر من أن تحضر, قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).
    2- وما يشمله الإيمان بهذا اليوم الإيمان بالجزاء والحساب فيحاسب الناس فيه على أعمالهم وأقوالهم وتصرفاتهم التي عملوها في هذه الحياة ويجاز عليها بالعدل والقسط قال الله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين).
    3- ومما يشمله الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار, وأنها المستقر الأبدي للخلق, فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين الذين صدقوا برسله وعملوا بما جاءوا به من عند ربهم, وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, والنار دار العذاب التي أعدها الله تعالى للمكذبين برسله قال تعالى: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا لا يجدون ولياً ولا نصيراً * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا).
    ومما يشمله الإيمان باليوم الآخر, كل ما يحصل بعد الموت من فتنة القبر وسؤال الميت عن ربه ونبيه ودينه, وكذا نعيم القبر وعذابه فالمؤمن يبشر بما أعده الله له في هذا القبر الذي يفسح له في مد البصر ويأمن فيه من الخوف والحزن, قال تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون), وقال عن الكفار: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ).
    وفي أحوال هذا اليوم تكون أهوال عظيمة, وأحداث جسيمة صور ذلك ربنا سبحانه وتعالى بقوله: (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد), ولكن المؤمنين يأمنون من هذا الهول العظيم, ويظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
    إن المؤمن يجب أن يؤمن بهذا اليوم ليقوده إيمانه هذا إلى الإكثار من فعل الطاعات, والبعد عن المعاصي والسيئات والرهبة منها, وحتى يحصل له السلوى مما يفقده من ملاذ هذه الحياة بما أعده الله لعباده التوفيق فيها.
    إن تصور هذا اليوم يجعل المسلم ينطلق في هذه الحياة ليؤدي أعماله فيها على نهج قويم وطريق مستقيم, يرجوا نعيم ذلك اليوم, ويخشى عقابه.
    إن المنكر لهذا اليوم, وما فيه من أحداث وأحوال, قد اقتدى بالمشركين الذين قالوا: أئذا متنا و كنا ترابا ذلك رجع بعيد, وحينئذ يصير منهم وهؤلاء وأولئك نسوا أن الذي خلقهم من العدم أقدر على عودهم بعد موتهم: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم),
    وإن المتساهلين في النظر إلى ذلك اليوم وما أعده الله فيه, بأقوالهم وأعمالهم, فتراهم يتخلفون عن أوامر الله دون خوف أو وجل, ويقترفون معاصي الله بلا مبالاة أو اهتمام بل ويجاهرون بذلك, أو لم يبالوا بحلال أو حرام فهؤلاء وأمثالهم عرضوا أنفسهم لخطر عظيم وعاقبة وخيمة, فلنلجأ إلى الله تعالى ونؤوب إليه, ونستغفره إنه كان غفارا, أسأل الله أن يصلح نياتنا وأقوالنا وأعمالنا إنه سميع مجيب.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة

    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (25)




    الإيمان بالقدر خيره وشره




    يقول عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام: " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره ".

    نقف في هذه الحلقة مع الركن السادس من أركان الإيمان الذي أمرنا بالإيمان به, وهو ركن عظيم أمن به أقوام فسلمت حياتهم, وأمنت قلوبهم, وارتاحت ضمائرهم, وتعلقوا بربهم, وعلت همم فنالوا حسنة الدنيا والآخرة, وضل فيه فئام أخرى فتخبطوا في ظلمات التيه والضلال, واستولت عليهم الحيرة, وعلت عقولهم الشكوك والأوهام, وقعوا في اضطراب وعد استقرار, وتقع الحوادث فلا يجدون لها تفسيراً, ويسأموا من هذه الدنيا, ولا يدرون إلى أين هم صائرون, ولم يسعدهم المال, ولا الشرف, ولا الجاه, ويحزنهم المرض, وتقلقهم المصائب و قلة ذات اليد.

    هذا الركن هو الإيمان بالقضاء والقدر, والقدر هو تقدير الله سبحانه للكائنات كلها حسب ما سبق به علمه, واقتضت حكمته.

    سئل الإمام أحمد رحمه الله عن القدر فقال: القدر قدّره الله, والمسلم يجب أن يؤمن بالقدر خيره وشره وحلوه ومره, ويعني هذا الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلاً, سواء كان ذلك يتعلق بأفعاله أو أفعال العباد, وكذا الإيمان بأن الله كتب المقادير كلها في اللوح المحفوظ, قال تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم مافي السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير), وكذا الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى, قال تعالى: (ويفعل الله ما يشاء), وقال: (ولو شآء اللّه مافعلوه فذرهم وما يفترون), و الإيمان كذلك بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى, قال تعالى: (وخلق كل شيء فقدره تقديرا).

    هذا ما يتضمنه الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره, وعليه فكل ما يحصل في هذا الكون, مما ظاهره خيراً أو شر, وما يحصل لهذا الإنسان كل ذلك بقضاء الله وقدره, هكذا يجب أن يؤمن المؤمن, قال تعالى: (ما أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ), هذا الإيمان بقضاء الله وقدره يعني عدة أمور:

    1- إن الإيمان بقضاء الله وقدره لا ينافي أن يكون للعبد مشيئته في أفعاله وقدرته عليها, فالله سبحانه قد جعل له مشيئة, ولكنها نحت مشيئة الله, ولذا فلم يكلفه بما لا يستطيع في هذه الحياة, والله يحاسبه إلا على ما كان داخلاً تحت قدرته, قال تعالى: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها), وهذا ما يحسه كل إنسان بنفسه أنه يشاء ويختار.

    2- والثاني أن الإيمان بقضاء الله وقدره لا يعني اتخاذه حجة بترك الأعمال الصالحة أو فعل المعاصي والسيئات, وهذا الاحتجاج غاية في البطلان والفساد ذلك أن الله سبحانه بيّن الطريق المستقيم, وحثّ عليه, وأمر به, وأرسل الرسل للدلالة عليه, وحذر من المعاصي وارتكابها, وقد يقول القائل أنا ارتكبها بقدر الله تعالى, ويقول: لا أصلي بقدر الله؟ وهكذا من الدعاوى الباطلة, فيقال لم لا ترمي نفسك بالنار؟ ولم تشرب الدواء حال مرضك؟ ولِم تأكل الطعام وتشرب الشراب حال جوعك وعطشك؟ لم لا نقول إن ذلك بقدر الله, فحرصك على أمور دنياك ليست بأقل أهمية من حرصك على أمور دنياك فلا تحتج على أمور دينك بالقدر وتترك أمور دنياك, روى الشيخان عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة, فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: كل ميسر لما خلق له, ثم قرأ: (من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى)), فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالعمل ونهى عن القعود والاتكال.

    3- والإيمان بالقضاء والقدر لا يعني ترك فعل الأسباب, والقعود, وإن كان هذا الأمر جزءاً مما سبق ولكن يفرد لأهميته وحاجته للبيان, فمن المعلوم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر المقادير كلها, وتتم وفق تقديره سبحانه ولكنه من حكمته سبحانه أن جعل لكل نتيجة وثمرة سبباً فمن أراد النسل الصالح فلابد أن يتخذ لذلك سبباً, ومن أراد الرزق فعليه بالعمل والجد وهكذا, ومباشرة الأسباب وفعلها عزم وجد, وتركها قعود وتخاذل, قال شارح العقيدة الطحاوية: (وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب وهذا فاسد فإن الاكتساب منه فرض ومنه مستحب ومنه مكروه ومنه محرم, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أفضل المتوكلين, يلبس لامة الحربة ويمشي في الأسواق للاكتساب, ومن هذا يجب أن نعلم أنه يجب على العبد المؤمن أن يؤمن بقضاء الله تعالى وقدره, ومع هذا يعمل ويجد فيما يرى أنه تودي إلى ثمرة ونتيجة طيبة في أمور دينه ودنياه, ويسأل الله تعالى التوفيق والتسديد ولا يتعلق بهذه الأسباب ويترك التعلق بالله سبحانه وتعالى فإنه إذا جاء عن هذا الطريق فقد أخطأ السبيل, وضل واحتار.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة

    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (26)



    قيام التوحيد على الإخلاص

    في هذه الحلقة نتحدث عما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قال الله تعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) .

    نقف مع هذا الحديث الوقفات الآتية :
    الوقفة الأولى: يدل الحديث على أهمية إخلاص التوحيد لله – عزوجل – فما حقيقة هذا الإخلاص الذي يوجب قبول العمل أو رده ؟
    حقيقته : ان يفرد العبد بالقصد والنية حال قيامه بطاعته وأن يصفي أعماله كلها من كل شائبة كملاحظة المخلوقين .
    وهو أمر دقيق ، تجب ملاحظته ، ومعاهدته ، حتى يحافظ الإنسان على أعماله وتكون مقبولة عند الله تعالى ، فلا يؤجر الإنسان على عمله إلا بتجريد هذا الإخلاص ، روى البخاري رحمه الله عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ... ) الحديث .
    فمهما كان العمل صالحاً ، إذا لم يكن القصد منها وجه الله سبحانه وتعالى ، لا يريد به غرضاً من أغراض الدنيا ، رياءً أو سمعة ، أو جاهاً ، أو منصباً أو مالاً ، أو نحو ذلك فمهما كان كذلك فلا يقبل . يستوي الاثنان في صلاتهما وعبادتهما وصيامهما وأعمالهما الصالحة ، لكن الأول أخلص هذه العبادة ، وقصد بها وجه الله تعالى ، ونوى بها تلبية نداء الله تعالى فهذا مأجور على فعله ، مثاب عليه ، آمن من عقاب الله تعالى، مطمئن في دنياه وآخرته ، والآخر أراد غرضاً من أغراض الدنيا كالرياء ، والمال ، والجاه بهذه الطاعة فهذا غير مأجور ، بل مأزور ، معاقب ، والعياذ بالله .
    قد يبني الإنسان بيتاً عظيماً ، ويزخرفه زخرفةً جميلة ، ويجتهد في منظره ، ويبذل فيه أموالاً طائلة ، وقد يغرس غرساً جميلاً ، وفيه من أنواع الثمار والزروع ، والخضرة والجمال ولكن أسس هذا وذاك غير سليمة فلا تثمر هذه المزرعة ، ولا يعمر ذلك البيت.

    الوقفة الثانية : بالنية الصالحة تنقلب العادات المباحة التي يعملها الإنسان في يومه وليلته كالمآكل والمشارب ، والنوم ، والسياحة ، والمسامرة لأهله وأصحابه ، غيرها ،
    تنقلب هذه الأعمال إلى عبادات يؤجر عليها إذا قصد بها المقاصد الحسنة ، اثنان يرقدان على فرشهما الأول توضأ قبل نومه ، وذكر الله تعالى الأذكار المشروعة ، واستغر لربه ، ونقى قلبه من كل شائبة ووضع يده اليمنى تحت خده ، ونوى بهذا النوم الراحة والتقوي على طاعة الله تعالى ، ووضع المنبه لايقاظه لصلاة الفجر أو قبله للتهجد ، وعزم على ذلك فهذا يثاب على نومه ويؤجر عليه ، والآخر رقد على فراشه دون وضوء أو ذكر لله تعالى أو محاسبة لنفسه ولم يحدد ساعة استيقاظه بصلاة الفجر فهذا يأثم على فعله ويحتسب عليه نومه ، أرأيتم كيف يعمل الإخلاص؟ يجعل حياة الإنسان كلها أجراً وثواباً وتوفيقاً.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة

    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (27)



    التوكل ( 1-2 )

    روى البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا : {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}آل عمران173.

    نقف مع هذا الحديث الوقفات الآتية :
    الوقفة الأولى: يدل الحديث على أمر جلل ومسألة عظيمة ، تساهل فيها أقوام فضلوا واستسلموا للشياطين ، وصاروا نهباً للحيرة والضلالات ، وحادوا عن الطريق المستقيم ، وتمسك به عباد الله الموفقين فأيدهم ونصرهم ورزقهم وآواهم وحفظهم وأنزل عليهم السكينة والطمأنينة والراحة النفسية ، هذه القضية المهمة التي نتذكرها في كل ركعة من ركعات صلاتنا هي الاستعانة بالله والتوكل عليه : {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} والتي لا يجوز صرفها ولا صرف شيء منها لغير الله تعالى .
    التوكل على الله : هو الاعتماد على الله تعالى وقوة الثقة به ، وأنه حسب العبد وكافيه ، موقناً أن الأمور كلها بيد الله تعالى فلا معين إلا هو ، ولا مغيث إلا هو ، ولا مصرف للكون إلا هو ، خالق الخلق ومدبر شؤونهم ، والعالم بأحوالهم .
    فالمتوكل على الله هو الذي يعتمد عليه ويثق به ويلجأ إليه ويطمأن بموعوده .
    ولعظم هذه المسألة في عقيدة المسلم أمر أن يتذكرها ، وأن يستصحبها في جميع أحواله وشؤونه ، فجاءت توجيهات الإسلام العامة ، والخاصة بأشياء معنية بهذا الأمر الجلل ، يقول الله تعالى : {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}المائدة23، وقال تعالى عن موسى عليه السلام: {وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ }يونس84.
    وقال تعالى عن نوح عليه السلام : {يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ }يونس71، وقال عن هود عليه السلام : {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}هود56، وقال عن شعيب : {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}هود88، وقال لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ}النمل79 وقال له : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}الأنفال64، وقال عن عباده المؤمنين : {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ}آل عمران173 .
    فالتوكل على الله عبادة جليلة ، يجب إخلاصها لله سبحانه ، بل من أعظم العبادات القلبية التي يجب التنبه لها ومعاهدتها .

    الوقفة الثانية: من رام المعالي هانت عليه السبل فهذه العبادة الجليلة لها أثار محمودة عظيمة فمن يريد تحصيلها فليخلص قلبه في طلب هذا التوكل .
    فالتوكل على الله تعالى يورث صاحبه قوة وشجاعة ، وثباتاً واطمأناناً . تهون أمامه كل قوة ، فهذا خليل الله إبراهيم عليه السلام عندما ألقي في النار لم يزد على أن قال : (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) فقال الله تعالى للنار : {كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}الأنبياء69 .
    والتوكل على الله ينتج الرزق الواسع ، والخير العميم ، والفضل الكبير ، قال تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ) ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) ، فيبشر المتوكلون برزق الله تعالى وفضله وإحسانه ، والتوكل على الله سبيل لقطع الوساوس الشيطانية ، والهواجس المخيفة ، والارجاف في طلب المعاش خشية الفقر ، والتعلق بالأوهام والخزعبلات ، حال المصائب والأمراض ، والشيطان يحرص أن يدخل على الناس من هذه المداخل لكي يزعزع إيمانهم ، ويضعف يقينهم ، ويخلخل عقيدتهم . فالذي يعتمد على الله تعالى ويتوكل عليه يرى حقارة هذه الوساوس والخزعبلات .
    والتوكل على الله تعالى سبيل السعادة والراحة النفسية ، فأسعد الناس في هذه الحياة المتوكلون على الله تعالى حق توكله ، إذ إنهم يعلمون أن الحياة السعيدة ليست بكثرة المال والعرض ، أو الجاه أو النصب أو غيرها ما لم يعمر هذه الأشياء إيمان عميق ، قال الله تعالى : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً ) .



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة


    أحاديث فى العقيدة

    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (28)



    التوكل ( 2 - 2 )


    تحدثنا في الحلقة السابقة عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفي هذه الحلقة نكمل بقية الكلام عليه:
    الوقفة الثالثة : إن من تمام عقيد المسلم تجاه التوكل أن يعلم أن التوكل لا يعني ترك الأسباب المشروعة ، المأمور بها ، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل إلى المسجد ليصلي ، فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أعقل دابتي أو أتوكل على الله ؟ فأجابه عليه الصلاة والسلام : ( اعقلها وتوكل ) ، وكما جاء في فتح المجيد قوله : قال العارفون : التوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض وإن كان مشوباً بنوع من التوكل ، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً ، ولا عجزه توكلاً ، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها كما ذكر ذلك ابن القيم وغيره .
    وهذا معروف في الحياة فلا نسل بدون زواج ، ولا ثمرة بدون زرع ، ولا رزق بدون عمل ، فالمسلم مطالب بأن يحقق التوكل على الله ويبذل الأسباب ولكن لا يتكل عليها . فالنتائج بيد الله سبحانه.
    * * *
    الوقفة الرابعة : في الحياة تقلبات ، أحوال وأحداث ، وأفراح وأتراح ، وشدة وضيق ، ولذا تحصل هفوات في تعامل المسلمين مع توكلهم على الله : فتجد بعضاً من المسلمين يجري على ألسنتهم الخوف من المستقبل ، والتشاؤم فيه ، وكأن الأمور بيد البشر ، وكذا تعلق بعض المسلمين بالسحرة والكهان والمشعوذين ، وطلب شفاء أمراضهم منهم ، وتصديق أخبارهم وإرجافاتهم وخزعبلاتهم ، وكذا الشعور الدائم بالقلق من أمور الدنيا وعدم الثقة بالله وبموعوده ، وكذا الطمع والجشع المؤديان إلى الشح والبخل والخوف على الرزق وعدم صرفه بمصارفه الشرعية ، والتعلق بالطبيب المعالج واعتقاد أن الشفاء عنده أو بأدويته ، أو التداوي بالأدوية المحرمة ، أو الخوف على رزق الأولاد ومستقبلهم ، أو النفاق والمجاملة المذمومة مع الآخرين لطلب ما عندهم دون الله سبحانه ، فضلاً عن طلب شفاعتهم فيما لا يقدر عليه إلا الله ، وكذا طلب الرزق من الطرق غير المشروعة ، والتفكير السلبي المتشائم من المستقبل ، وكذا الاستجابة لوساوس وأوهام الشياطين؛ كل هذه المظاهر وغيرها مردها ضعف التوكل على الله ، وقلة اليقين بالله سبحانه ، وعدم إحسان الظن به .




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة

    أحاديث فى العقيدة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (29)



    الخوف من الله (1- 2)



    نقف سويًا في هذه الحلقة مع مقتضى آخر مما يجب أن يعتقده المسلم وهو أن يعيش في هذه الحياة بين أمرين عظيمين هما: خوفه من الله، ورجاؤه لرحمته، فهما للمؤمن كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى جناحا قلب العبد المؤمن يطير بهما إلى الله تعالى، ومتى افتقد الطائر جناحيه أو أحدهما فهو عرضة لكل صائد وكاسر.

    وأحد هذين الأمرين هو الخوف الذي دلَّ عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".رواه الترمذي (2450) وحسنه ابن باز (مجموع فتاوى ابن باز2/279)


    والمقصود بهذا الخوف من الله سبحانه وتعالى، وخشيته، وهذا الخوف الذي يستلزم معرفة العبد لربه عبادته وحده دون سواه، وطاعته، ومحبته، ونقف معه الوقفات الآتية:

    الوقفة الأولى: فالخوف من الله تعالى صفة من صفات المتقين، وهو دليل على اليقين بالله تعالى وموعوده، وقد وصف الله به ملائكته المقربين بقوله: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }(النحل،50)

    وكلما زاد العبد معرفة بربه، وبنفسه كان لخالقه أخشى وأخوف، وكما جاء في الحديث الصحيح: "أنا أعرفكم بالله وأشدكم خشية له" أصل الحديث متفق عليه رواه البخاري (5063)ومسلم (1401)

    وهذا الخوف من الله تعالى وخشيته يورث للعبد الكف عن المعاصي، والحذر من الوقوع في محارم الله، والتزام طاعته، والإقبال عليه، وقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وذكر منهم: "رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله" فحال خوفه ربه بينه وبين إغراء هذه الفتن وإغراء الشيطان. قال بعض العارفين: من خاف أدلج، وقال آخر: ليس الخائف من بكى، إنما الخائف من ترك ما يقدر عليه من أثر الخوف.

    متفق عليه رواه البخاري (6806)ومسلم (1031)



    الوقفة الثانية: الخوف من الله يحدث على وجوه:

    أحدها: ما يحدث من معرفة العبد بذل نفسه وهوانها وقصورها وعجزها عن الامتناع عن الله تعالى إن أراده بسوء قال تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراًوَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً }(نوح،14 )

    والثاني: ما يحدث من المحبة وهو أن يكون العبد في عامة الأوقات وجلاً من أن يكله إلى نفسه، ويمنعه مواد التوفيق، ويقطع دونه الأسباب، فلا يزال مشفقًا من حرمان محبته، خائفًا من السقوط عنده.

    والثالث: ما يحدث من الوعيد، قال تعالى: { وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ }(البقرة،41) وقال:

    { وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ }(البقرة40) وقال ( ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ }(إبراهيم،14). فخوف المسلم من ربه نابع من خشيته لربه وتعظيمه وإجلاله له، ومن خوف سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، فالخوف المحمود المطلوب هو الذي يعلق صاحبه بالله عزَّ وجلَّ، ويقوده إلى فعل الطاعات، وطلب الرحمة والمغفرة، مقترنًا بحسن الظن بالله سبحانه.
    وليس الخوف المقصود ذلك الخوف الذي يقعد صاحبه عن العمل، أو يدعوه إلى ما حرم الله تعالى، أو اقتراف المنكرات، أو خوف الصوفية الجهلة ممن يعبد الله تعالى بجهل وهوى وخزعبلات وخرافات، أو ذلك الخوف الجبلي من الأوهام ونحوها، أو ذلك الخوف على رزقه ورزق أولاده، ويحدث عند صاحبه قلقًا واضطرابًا دون تعلق بالله سبحانه أو اتكال عليه كل هذا الخوف وأمثاله خوف مذموم، حري بالمسلم أن يتجنبه.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,239

    افتراضي رد: أحاديث فى العقيدة

    أحاديث فى العقيدة
    أ. د. فالح بن محمد بن فالح الصغيِّر

    الحلقة (30)



    الخوف من الله (2- 2)




    الوقفة الثالثة:
    إن الخوف من الله سبحانه والخشية من عقابه القائمة على الشعور بقدرة الله تعالى ومهيمنته، وما توعد به الكفرة والمجرمين من عقاب أليم لا ينبغي أن يفضى إلى اليأس من رحمة الله تعالى، والاستبعاد لمغفرته، وتجاوزه ،لأن هذا شأن مسيء الظن بالله من الكافرين كما قال تعالى: ( وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } (يوسف،87.)
    أخي القارئ لا شك أن من خشي الله تعالى وخافه على نحو ما ذكر، فقد عبدالله حق عبادته، وأمن يوم الفزع الأكبر، وارتاح يوم يقلق الناس، فمن خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.
    وإن الخوف من الله تعالى من سمات المتقين، وصفات المؤمنين، بل من شروط الإيمان، ومكملات العقيدة، قال تعالى: { فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } (آل عمران،175) وقال عن العلماء العاملين الربانيين( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } (فاطر،28) ولذا من كان بالله أعرف كان منه أخوف.
    وهكذا كان حال الصحابة رضي الله عنهم وسلف الأمة الصالح، جاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يومًا فقال: "والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات يجأرون إلى الله تعالى" رواه البخاري (4621)ومسلم (2359) قال الراوي: فغطى الصحابة رضي الله عنهم رؤوسهم ولهم خنين، لقد أثرت فيهم موعظة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فأجهشوا بالبكاء خوفًا من مستقبل لا يدرون كيف يكون. ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا سلك فجًا سلك الشيطان فجًّا آخر، استمعوا إلى قوله رضي الله عنه: (يا ليتني كنت كبش أهلي سمنوني ما بدالهم حتى إذا كنت كأسمن ما يكون زارهم بعض من يحبون فذبحوني لهم، فجعلوا بعضي شواءً وبعضي قديدًا ثم أكلوني، ولم أكن بشرًا).
    وهذا أحد الصحابة رضي الله عنه قد انهارت قواه وخرَّ مغشيًا عليه، لما سمع الآية المنذرة في سورة الطور: {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ }(الطور،7) والآخر يغمى عليه عندما سمع قول الله تعالى : {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } (الجاثية،29) فيقسم هذا الصحابي عند ما أفاق ويقول: وعزتك لا عصيتك جهدي أبدًا فأعني بتوفيقك على طاعتك لقد تضاءلت هذه الصور في واقع كثير من المسلمين فضعف الخوف من الله، وقلّ الإشفاق من المصير، وهول المطلع، وهان على كثير منهم تسرب النفاق إلى القلوب، وأمنوا من مكر الله، فالذين تراهم يتقلبون بنعم الله تعالى ولا يشكرونها، أو لا يقرأون بقراءة كتاب الله تعالى واستماعه فضلًا عن التأثر به، أو يتثاقلون في فعل الطاعات، ولا يبالون في اقتراف المنكرات، كل هذا وذاك من ضعف الخوف من الله تعالى وما ضعف هذا الخوف إلا وينتج نتائج وخيمة وعواقب غير حميدة.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •