حل المشاكل بلا مشاكل


د-ناصر العمر




ضمن مقالات سابقة عن الأساليب العملية في التعامل مع المراهقين، وذكرنا أن الموضوع يندرج تحته محوران اثنان، هما: بناء الصداقة، وحل المشاكل بلا مشاكل، وبعد أن انتهينا من المحور الأول في عدة مقالات، نشرع اليوم في الحديث عن المحور الثاني، والذي يندرج تحته عدة عناصر أيضاً، هي إجمالاً:
أ – طوّل بالك. ب – اقبل ابنك بعيوبه.
جـ - الخطوات الخمس لحل مشكلة ابنك.
د – أسلوب "أنا" لحل مشكلتك. هـ - اعترف برأيه.
و – الحزم اللطيف. ز – دعه يتوهق.

وتفصيلها كالتالي:
العنصر الأول: طوِّل بالك:
تقصيرنا في وقت طفولة المراهق في جانبين مهمين، وهما: تقوية علاقته بالله وتقوية صداقتنا معه يسهم في حدوث بعض المظاهر المزعجة في مرحلة المراهقة، وبدل ما نستمتع مع أبنائنا نتعب ونتعبهم معنا في صدامات ومشاكل، وتمر علاقتنا معهم في أسوأ مراحلها، وتصبح فعلاً بحاجة إلى طول بال، وهذا ما سنتحدث عنه في العنصر الأول من عناصر حل المشاكل بلا مشاكل،وهو: طول بالك .
من العجيب والغريب أن يصبر الزوج على اضطرابات نفسية زوجته في مدة العذر الشهري وفي مدة الحمل وما بعدها يصبر ويتحمل ولا يخطر في باله أن زوجته تمس كبرياءه أو تتحدى سلطته وقوامته في البيت بهذه التغيرات يرحمها ويعطف عليها ولا تستفزه هذه الأمور، في الوقت نفسه ابنه يمر بتغيرات في كل جسمه ونفسيته، وليست أياماً بل سنوات، يكون فيها المراهق في أمَس الحاجة لنفس التفهم ونفس المودة ونفس الرحمة، فإذا بالأب يفسر تصرفات ابنه على أنها تعدٍّ على مكانته وتحدٍّ لسلطته واستفزاز لكرامته، ويبدأ يستنفر قوته حتى يضعها في مواجهة عنيفة مع ابنه المراهق، هذا الناشئ الذي يلملم أطراف شخصيته، تجد نفسه مع مواجهة مع والده يستخدم فيها كل الأسلحة في صدامه يضع قوته كلها على قطعة من قلبه لماذا؟ لماذا يؤذي الأب ابنه ويؤذي نفسه بنفسه ويضرب قلبه بيده؟ هذا بدل أن يراعي تغيرات ابنه كما يراعي تغيرات زوجته، ويصبر على اضطراباته كما يصبر على اضطرابات زوجته ويغمر الاثنين بالحب والرعاية.

كل مراهق ومراهقة بحاجة إلى تفهم والديه ومراعاة هذا الظرف المؤقت الخارج عن إرادته، وأن يقف معه لا ضده، ويراعون هذه الانفعالات التي تتراكم وتتجمع في نفس المراهق كما يتجمع الهواء الحار في القِدْر، الانفعالات متراكمة في قلب صغير يضيق بها، يحتاج يخرج قليلاً من الهواء الحار، وفي لحظة إخراجه لهذا الهواء الحار يحتاج إلى معرفة كيفية إخراج هذه الانفعالات باللباقة والذوق ومراعاة الآخرين؛ لأنه في عالم ثان تشغله انفعالاته الداخلية عن تصرفاته الخارجية، ولا يخطر في بالك أنه يقصد إيذاء أحب الناس عنده، وهم والداه عندما تسمعه مثلاً يعاند أو يرفع صوته أو يصفق الباب بقوة.
والحقيقة أقول للآباء: أسأل الله أن يعينكم ويجزيكم على صبركم وضبطكم لانفعالاتكم تجاه الظواهر المزعجة _والحمد لله_ أنها ظواهر مؤقتة تنتهي بانتهاء المرحلة، لذلك نقول للأب العصبي: ريح نفسك ولا تدقق كثيراً، واسأل نفسك، هل يتعمّد ابنك أو بنتك إغضابك بقصد الإيذاء؟ نسينا ماذا كنا نعمل مع آبائنا لما كنا في عمرهم؟ رغم حبنا الكبير وتقديرنا العميق لآبائنا، إذن لماذا نتشدد كثيراً ونزعل أنفسنا عندما نطالبهم بالذي نحن لم نكن نعمله، ثم نوهم أنفسنا أن عيالنا لا يحبوننا كما كانوا أولا أو لا يحترموننا، أُقَدِّر أن تصرفات المراهقين أحياناً تشكل تحدياً كبيراً لقوتنا في ضبط انفعالاتنا، لكن هذا التحدي هو الحد الفاصل بين الأب القوي القادر على ضبط نفسه والتحلي بالرفق والحلم ،وبين الأب الضعيف العاجز عن السيطرة على انفعالاته وأن يملك غضبه فضلاً عن السيطرة على أبنائه وأن يملك قلوبهم، قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه.
أبناؤك أولى من تملك غضبك عندهم وترفق بهم وتعفو عنهم استمع معي لهذا الحديث الوارد في صحيح الجامع الصغير، قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "اعفوا عنهم" يقصد عن الخادم في كل يوم 70 مرة، يا الله! وهذا خادم، عيالك بالرفق أولى وبالعفو أحق وهم لن يعملوا أكثر مما عمل أبناء يعقوب _عليه السلام_ يأتيه أبناؤه وقد نفذوا جريمتهم، واستمع لرده عليهم، وهو يعرف أنهم ارتكبوا جريمة في يوسف _عليه السلام_، "قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً" (يوسف: من الآية18) وارتكبوا جريمتهم مع مَن؟ مع الذي جمع علامات النبوة، وأوتي شطر الجمال، حتى إذا حسن باطنه وحسن ظاهره فجع يعقوب على ابنه، ومن الذي يفجعه؟ أبناؤه، هل هناك أشنع من هذا؟ ورغم هذا ما عاتبهم بكلمة ولا سألهم ولا حقق معهم ولا قاطعهم إنما توجه إلى اللطيف الخبير، وقال: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ" (يوسف: من الآية18) أفلا تصبرون أنتم على أقل من هذا بكثير.

أنا واثق أنكم تستطيعون أن تصبروا على الأخطاء المؤقتة التي تنتهي بانتهاء المراهقة، بل تستطيعون الصبر على أكثر من أخطاء مؤقتة حتى العيوب الدائمة تستطيعون أن تتقبلوا أبناءكم رغم هذه العيوب، وهذا هو العنصر الثاني من عناصر حل المشاكل، وهو: اقبل ابنك بعيوبه.
العنصر الثاني: اقبل ابنك بعيوبه:
يجب أن نكون واقعيين في الإصلاح مع استخدام الحكمة ونترك الأحلام المثالية، ابنك بشر مملوء عيوباً حاله حال غيره، والشاعر يقول:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها
ما معنى أننا غضينا الطرف عن عيوب الأزواج والزوجات والأقارب والأصدقاء، وأشعرنا كل هؤلاء الناس بقبولنا لهم رغم عيوبهم، وأتينا لأولادنا وقعدنا لهم، ربما تقول هؤلاء لا أقدر أن أغير فيهم شيئاً، لكن ولدي وبنتي لي سلطة عليهم ،نقول: طيب دعك من الآخرين انظر إلى عيوبك أنت شخصياً وأنت أمير نفسك، وتستطيع تغييرها، ورغم ذلك فيك عيوب من رأسك إلى أخمص قدميك، وتعرفها جيدا، وقبلت نفسك رغم عيوبك، كما تنظر لنفسك انظر لأولادك، يا أخي ابنك ليس مثالياً وابنتك كذلك، ولن يكونوا أحسن الناس أخرجها من بالك.
ولذلك تأكد فقط أنك وصلت لهم المعنى العظيم، أنا أقبلك يا ولدي رغم عيوبك، أنا أقبلك يا ابنتي رغم عيوبِك.
قبولك لابنك بعيوبه والصبر على أخطاء المراهقة يقوي علاقتك معه بشكل يساعدك على التخفيف التدريجي من هذه العيوب، إضافة إلى أنه سوف يشعر بالأمان أكثر ويصارحنا بهمومه ومشاكله الخاصة، عندها سنساعده أنه يحل مشكلته بنفسه، وهذا هو موضوع العنصر الثالث من عناصر حل المشاكل، وهو: الخطوات الخمس لحل مشكلة ابنك، سنتناولها –إن شاء الله- في مقال قادم.