شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 1 من 7 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 133
4اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - المقدمة
    - ترجمة الإمام النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    (1)

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، اللهم! صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.أما بعد:فنبدأ مستعينين بالله عز وجل، متوكلين عليه، سائلين منه العون والتوفيق والتسديد، بشرح (الأربعين النووية) لـأبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى.وهذه الأحاديث الأربعون أحاديث عظيمة، وهي من جوامع كلم الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وقد أُعطي النبي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، حيث يأتي بالكلام القليل في المبنى ولكنه يكون واسع المعنى، فالكلمات قليلة، ولكن المعاني واسعة، فهي قواعد كلية، وقواعد عامة اشتملت عليها الأحاديث التي اختارها الإمام النووي رحمه الله تعالى. ولم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم شيء في حفظ أربعين حديثاً، وما جاء في ذلك فهو حديث ضعيف، وقد ذكر الإمام النووي نفسه في مقدمته للأربعين أنه لم يثبت الحديث في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه قال إن حديث: (نضر الله امراءً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها)، وكذلك أيضاً: (ليبلغ الشاهد الغائب) يدعوان لذلك. وإن جمع شيء من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والاشتغال به، ولفت الأنظار إليه فيه قيام بحفظ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس الاعتماد في ذلك على الحديث الضعيف المروي في ذلك.
    نبذة مختصرة عن حياة الإمام النسائي

    الكلام عن الكتب الستة

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخليله وخيرته من خلقه، أرسله الله تعالى بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فدل أمته على كل خير، وحذرها من كل شر.اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيله واهتدى بهديه إلى يوم الدين.
    أما بعد: فنحمد الله عز وجل الذي وفقنا في الأعوام الماضية لدراسة كتابين عظيمين, هما: كتاب الإمام البخاري، وكتاب الإمام مسلم، وهما أصح كتب الحديث وأفضلها والمقدم فيها. وبعد ذلك نبدأ -بحمد الله- متوكلين على الله، وسائلين منه العون والتوفيق، ونسأله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحصيل العلم النافع والعمل به.
    نبدأ بعد ذلك بكتاب عظيم من كتب السنة؛ من كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كتاب الإمام النسائي ؛ السنن الصغرى, الذي يقال له: المجتبى، أو المجتنى.
    وقبل أن نبدأ بدراسة الكتاب نتكلم ببعض الكلام عن المؤلف الإمام النسائي، وعن كتابه السنن، الذي هو أحد الكتب الستة المشهورة المعروفة, التي هي من كتب الأصول.ومن المعلوم أن العلماء ذكروا أن الكتب الأصول التي هي مقدمة على غيرها، والتي هي مشتملة على أكثر الأحكام، ومستوعبة لكثير من الأحاديث، هي الكتب الستة : الصحيحين, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وجامع الترمذي, وسنن ابن ماجه، فهذه ستة كتب يقال لها: الكتب الأصول ، والسادس منها وهو: ابن ماجه مختلف في عده؛ لأن للعلماء في السادس منها ثلاثة أقوال:أحد هذه الأقوال : أن السادس هو سنن ابن ماجه.والثاني: أن السادس هو الموطأ.والثالث: أن السادس هو سنن الدارمي.لكن الذي اشتهر عند كثير من العلماء, والذي عول عليه كثير منهم أن السادس هو: ابن ماجه؛ لكثرة الأحاديث الزائدة فيه على الكتب الخمسة، وقد أفردها البوصيري في كتاب سماه: (مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه)، جمع الأحاديث الزائدة في هذا الكتاب على الكتب الخمسة وتكلم عليها، وهو كتاب مشهور معروف, والبوصيري هو في زمن الإمام الحافظ ابن حجر في القرن التاسع الهجري.
    الإمام النسائي اسمه ونسبته
    نتكلم هنا على بعض الأمور المتعلقة بالإمام النسائي
    رحمة الله عليه.
    فالإمام النسائي كنيته: أبو عبد الرحمن، واسمه: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار الخراساني. النسائي نسبة إلى وطن، ولكن الأولى: نسبة عامة, والثانية: نسبة خاصة، فخراسان إقليم واسع، وينسب إليها: خراساني؛ نسبة إلى ذلك الإقليم الواسع، والنسائي نسبة إلى بلدة من ذلك الإقليم يقال لها: نساء، فهو ينسب نسبة عامة, ونسبة خاصة، نسبة إلى الإقليم ونسبة إلى البلدة التي هي من ذلك الإقليم، ولكن الذي اشتهر هو نسبته إلى بلدته؛ وهي: نساء، بل إن شهرته صارت بالإضافة إليها؛ لأن أصحاب الكتب الستة منهم من اشتهر باسمه كالإمام مسلم، ومنهم من اشتهر بنسبته إلى بلده كـالبخاري، والنسائي، والترمذي، ومنهم من اشتهر بكنيته كـأبي داود، ومنهم من اشتهر بنسبه أو بنسبته وهو ابن ماجه.و النسائي -كما ذكرت- نسبته إلى بلدته التي هي قرية أو بلدة من بلاد خراسان.ومن المعلوم أن العلماء عندما يترجمون للشخص يذكرون النسبة العامة والنسبة الخاصة أحياناً، كما ذكروا بالنسبة للنسائي، حيث قالوا: الخراساني النسائي، وأحياناً إذا انتقل الإنسان من بلد إلى بلد, وكان ينسب إلى بلد ثم تحول منها إلى بلد آخر, فإنه ينسب إلى الاثنتين، ولكن بـ (ثم) فيقال: فلان كذا ثم كذا، البصري ثم المدني، أو الكوفي ثم الدمشقي، أو البغدادي ثم الواسطي، يذكرون البلدين الأول والأخير, ويأتون بـ(ثم) لتبين المتقدم من المتأخر، ولتبين النسبة المتقدمة على المتأخرة.
    أما إذا كانت النسبة إلى عام وإلى خاص فإنهم لا يأتون بـ(ثم)، وإنما يكتفون بأن يقولوا: الخراساني النسائي، نسبة إلى الأعم ثم نسبة إلى الأخص؛ لأنه ليست هناك مهلة ولا تفاوت، بخلاف الانتقال من بلد إلى بلد؛ فإن البلد الأول ينسب إليه على أنه المنسوب إليه أولاً، والبلد الثاني ينسب إليه آخراً، فيؤتى بـ(ثُم) التي تبين البلد المتقدم أو النسبة إلى البلد المتقدم عن البلد المتأخر.
    حال الإمام النسائي في طلب الحديث
    الإمام النسائي رحمة الله عليه نشأ في بلده, وأخذ الحديث عن أهل بلده، ثم رحل إلى البلاد المختلفة، وهذه طريقة المحدثين، وطريقة العلماء السابقين, أنهم يعنون بحديث أهل بلدهم ويتلقون عن الشيوخ في بلدهم الذي هم فيه، ثم ينتقلون إلى البلاد الأخرى ليأخذوا عن الشيوخ الآخرين، وفيهم من يروي الحديث بإسناد نازل؛ لأنه لم يتمكن من الرحلة، فيروي عن شيوخ من أهل بلده -الذين رحلوا وأخذوا- ما أخذوه عن غيرهم، فإذا رحل هو فإنه يحصل الإسناد العالي, ويحصل منه أحياناً التحديث بالإسناد العالي، وغالباً ما يحدث بالإسناد النازل في أول الأمر؛ حيث لم يرحل ولم يلتق بالشيوخ الذين هم أعلى من الشيوخ الذين لقيهم في بلده، فإذا رحل إلى بلدان أخرى والتقى بشيوخ أخذ عنهم شيوخه، فإنه في هذه الحالة يأتي بالإسناد العالي, ويحرص عليه.ومن المعلوم: أن الإسناد العالي أفضل من الإسناد النازل إذا كان الرجال ثقات وحفاظاً، أما إذا كان الإسناد العالي في رجاله شيء من الضعف, والإسناد النازل رجاله أقوى ورجاله مقدمون في الحفظ والإتقان والثقة والعدالة؛ فإن الإسناد النازل يكون عند ذلك أفضل من الإسناد العالي, كما ذكر ذلك العلماء.
    فالإمام النسائي رحمة الله عليه أخذ عن مشايخ بلده في خراسان, ثم انتقل بعد ذلك إلى العراق, وإلى الشام, وإلى الحجاز, وإلى مصر, وجلس في آخر حياته في مصر وعاش فيها مدة طويلة، وأخذ عنه العلماء والمحدثون فيها، وكان ينتقل في البلد, وأخذ الحديث عن عدد كبير من الشيوخ في بلده وغير بلده.
    ومن المعلوم: أن الرحلة عند أهل الحديث لها أهمية كبرى, ولها شأن عظيم، ويرون أن الإنسان الذي لم يرحل عن بلده, ولم يحصل إلا حديث بلده, أنه لم يحصل شيئاً يذكر، والذي يحصل إنما يكون بالتعب والنصب والكد, وقطع المسافات, وإنهاك النفس وإتعابها في سبيل الوصول إلى الحديث، وكما قال بعض العلماء وهو يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم.فكانوا يتحملون المشاق, ويتجشمون الصعوبات, ويلقون المتاعب في سبيل الحصول على الأحاديث, والرحلة إلى الشيوخ للتلقي عنهم، ومنهم من يرحل من أجل حديث واحد, يذكر له أنه عند شيخ في بلد ناءٍ, فيسافر إلى ذلك البلد النائي؛ من أجل أن يظفر به، ومن أجل أن يحصل عليه، هذا كان شأنهم، وهذا كان ديدنهم رحمة الله تعالى عليهم.
    مولد النسائي ووفاته ومشاركته أصحاب الكتب الخمسة من مشايخهم
    الإمام النسائي رحمه الله عاش في القرن الثالث الهجري، وكل حياته في القرن الثالث الهجري، وعُمِّر طويلاً حيث بلغ عمره ثمانية وثمانين سنة، أي: أنه قارب التسعين، وكانت ولادته -على ما ذكر عنه على سبيل التقريب- في سنة مائتين وخمس عشرة، ووفاته سنة ثلاث بعد الثلاثمائة، أي: في أول القرن الرابع بعد مضي ثلاث سنوات منه، فهو معمر, وقد عاش هذه المدة الطويلة, ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عن المشايخ الذين أخذ عنهم أصحاب الكتب الخمسة الآخرون, وإن كانوا أقدم منه إلا أنه كما ذكرت عمر؛ لأنه ولد في أوائل القرن الثالث, وتوفي في أول القرن الرابع الهجري.وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة؛ فأولهم البخاري ؛ لأنه توفي سن مائتين وستة وخمسين، وبعده الإمام مسلم حيث توفي سنة مائتين وإحدى وستين، يعني: بعد البخاري بخمس سنوات، ثم بعده ابن ماجه حيث توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين، ثم أبو داود حيث توفي سنة خمس وسبعين ومائتين، ثم الترمذي حيث توفي سنة تسع وسبعين ومائتين، ثم النسائي وهو آخرهم حيث توفي سنة ثلاث بعد الثلاثمائة.
    فإذاً: هو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، وهو أيضاً متقدم؛ لأنه ليس بينه وبين مسلم في الولادة إلا عشر سنوات أو إحدى عشرة سنة؛ لأن مسلماً ولد سنة مائتين وست, والنسائي ولد سنة مائتين وخمسة عشر، فهو مقارب له بالولادة, ولكنه عاش بعده اثنتين وأربعين سنة، فلهذا صار إسناده عالياً، ولقي الشيوخ الكبار، وأخذ عنه الشيوخ، مثل الطبراني الذي عمره مائة سنة, وقد توفي سنة ثلاثمائة وستين، أي: بعد وفاة النسائي بسبع وخمسين سنة، فهذا معمر, وهذا معمر، وهكذا يكون العلو؛ حيث يلتقي الشخص بالشخص ثم يعمر بعده، ويكون شيخه لقي المشايخ في سن مبكر، وبين ولادة هذا ووفاة هذا مدة طويلة.فإذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في القرن الثالث الهجري، وهو أزهى عصور السنة من حيث التأليف؛ لأنه ألفت فيه الكتب الستة، وألف فيه غيرها من الكتب الكثيرة من المسانيد وغيرها، ومسند الإمام أحمد يعتبر أوسع كتاب، حيث تبلغ أحاديثه أربعين ألفاً كما ذكر ذلك بعض العلماء، وهو في القرن الثالث؛ لأن وفاته سنة إحدى وأربعين ومائتين.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه عاش في هذا القرن، وهو آخر أصحاب الكتب الستة وفاة، فقد عُمِّر حتى بلغ ثمانية وثمانين سنة تقريباً، وقد أخذ عن بعض شيوخ الإمام البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب وشاركهم, مثل: شيخه قتيبة بن سعيد الذي أكثر عنه، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الآخرين، فهو شيخ للبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وأخذ أيضاً عن: محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار فإن هؤلاء من صغار شيوخ البخاري، ومسلم ، والذين كانت وفاتهم قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وأخذ عنهم النسائي كما أخذ عنهم أصحاب الكتب الأخرى، فهو شارك أصحاب الكتب الأخرى الخمسة في مشايخهم, وذلك -كما ذكرت- أنه وإن تأخرت وفاته فإن ولادته متقدمة؛ لأنه كان في أوائل القرن الثالث الهجري, ووفاته في أول القرن الرابع الهجري.

    يتبع
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة وطني الجميل
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي



    شرح سنن النسائي
    - المقدمة
    - ترجمة الإمام النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    (2)

    أشهر تلامذة النسائي الذين تلقوا عنه
    النسائي أخذ عنه التلاميذ الذين كانوا في زمنه وتلقوا عنه في بلده وغير بلده، وممن اشتهر بالأخذ عنه: ابن السني ، وكذلك أبو جعفر العقيلي, وأبو جعفر الطحاوي, وغيرهم كثير، والطبراني أخذ عنه وهو من أصحاب الإسناد العالي؛ لأنه ولد سنة مائتين وستين, وتوفي سنة ثلاثمائة وستين, وعاش مائة سنة، وأدرك من حياة النسائي ثلاثاً وأربعين سنة، وعاش بعده سبعاً وخمسين سنة، فأخذ عنه وعُمِّر بعده، فصار الإسناد من طريقه من الأسانيد العالية، ولهذا يقال عن الطبراني : إنه عالي الإسناد بالإطلاق؛ لأنه عُمِّر وأخذ عن المعمرين كـالنسائي وغيره.
    مكانة النسائي ومنزلته عند العلماء
    يعتبر النسائي رحمة الله عليه من الحفاظ، ومن أئمة المسلمين، والذي وصفه بعض العلماء بالإمامة، وأنه من أئمة المسلمين، ووصفوه بأنه أحد الحفاظ، وأنه أحد الأعلام، وأنه إمام في الجرح والتعديل، وأنه ممن يقبل قوله في الجرح والتعديل، وأثنى عليه العلماء ثناءً عظيماً، بل إن من العلماء من قال: إن شرطه أقوى من شرط مسلم وشرط البخاري ؛ من حيث إنه تجنب الرواية عن أشخاص, أو لين أشخاصاً روى عنهم البخاري، ومسلم ، لكن كما هو معلوم أن البخاري، ومسلم التزما الصحة وهو لم يلتزم الصحة، لكن هذا يدل على إتقانه، وعلى تحريه، وعلى أنه متمكن في علم الحديث، وعلى أنه ينتقي، فهو يدل على علو منزلته، وعلى فضله، وعلى نبله، وإن كان ما في البخاري ومسلم مقدم على ما عنده كما معروف عند العلماء، لكن مثل هذه العبارة التي جاءت عن بعض العلماء: أن له شرطاً أشد من شرط البخاري، ومسلم تدل على قيمته وعلى علو منزلته, وإن كان هذا لا يسلم به مطلقاً، وإنما قد يسلم به في الجملة، وذلك من جهة أن بعض الأشخاص الذين لينهم النسائي ولم يرو عنهم روى عنهم البخاري، ومسلم ، إلا أن هذا لا يقدح في البخاري ومسلم، أو في رجال البخاري ومسلم ، لكن يدل على قيمة منزلة النسائي وقيمة كتابه وقيمة سننه، وأنه كتاب عظيم، وأنه له شأناً كبيراً.
    تأليف النسائي كتاب الخصائص في فضائل علي بن أبي طالب
    الإمام النسائي رحمة الله عليه -كما قلت- عاش في مصر, وفي آخر الأمر ارتحل منها إلى الشام وجاء إلى دمشق، وحصل له فيها محنة كما ذكر ذلك بعض العلماء، وألف فيها كتاب (الخصائص), أي: خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجاء عنه أن سبب تأليفه إياه: أنه وجد أن أهل الشام عندهم حب شديد لبني أمية، ولم يجد عندهم ذكراً كبيراً لـعلي رضي الله عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب ليبين لهم فضل ذلك الإمام، وليبين الأحاديث التي وردت في فضله رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فأراد بذلك الخير، وأراد بذلك بيان فضل أهل الفضل, وميزة أهل التقدم؛ وهو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فألف ذلك الكتاب.ثم ألف كتاب (فضائل الصحابة)، وبدأ بفضائل أبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله تعالى عن الجميع، ولكنه ألف كتاب (الخصائص) في دمشق ليبين فضل ذلك الإمام العظيم الذي شُغل كثير من الناس في تلك البلاد بغيره؛ وهم بنو أمية، وفي مقدمتهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فألف هذا الكتاب يريد الخير.
    موقف النسائي من معاوية رضي الله عنه
    سئل النسائي عن معاوية رضي الله عنه وأرضاه، فجاء عنه ما يدل على الثناء عليه, وما يدل على فضله، وجاء عنه عبارة فيها شيء من الحط من شأنه، وأوذي بسببها إن صح ذلك النقل، وأنه أوذي بسبب ما أجاب به لما سئل عن معاوية، وأنه طلب منه أن يؤلف في فضائل معاوية فقال: وأي فضائل له؟ أي: ما هي الفضائل التي لـمعاوية فيؤلف فيها؟ وذكر حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث في صحيح مسلم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وإن صحت عنه هذه الرواية فقد جاءت عنه أيضاً رواية أخرى تدل على فضل معاوية ، وتدل على أنه واحد من الصحابة، وأن القدح في الصحابة قدح في الدين.بل إن هذا الحديث -أي: حديث: (لا أشبع الله بطنه)- يدل على فضل معاوية كما ذكر ذلك بعض العلماء.والإمام مسلم رحمه الله لما أورد هذا الحديث أورده بعدما أورد الأحاديث التي فيها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم ما دعوت على إنسان, ولم يكن أهلاً لتلك الدعوة, أن يجعلها الله تعالى له طهراً وزكاءً وفضلاً).
    فلما أورد الإمام مسلم رحمه الله تلك الأحاديث, عقبها بهذا الحديث ليبين أن معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا تضيره هذه الدعوة، وإنما هي تنقلب دعاءً له, وتنقلب ثناءً عليه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنني اشترطت على ربي أنني ما دعوت على إنسان ليس بأهل لتلك الدعوة أن يجعل الله تعالى له ذلك طهراً ونقاءً).
    والحديث الذي قبل هذا الحديث هو في قصة أم سليم مع اليتيمة التي كانت عندها، وأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرف البنت أنها صغيرة, ثم أتت إليه وقال لها: (من أنتِ) وأخبرته: بأنها يتيمة أم سليم ، فقال: (كبرت لا كبرت سنك) فلما أورد مسلم هذا الحديث, أورد بعده حديث: (لا أشبع الله بطنه) وهو حديث ابن عباس في قصة معاوية .ثم إن معاوية رضي الله عنه كان من كتبة الوحي، وهذا من فضائله، وهو مؤتمن ائتمنه الرسول صلى الله عليه وسلم على كتابة وحي رب العالمين، فهذا من فضائله وهذا من نبله رضي الله عنه وأرضاه.إذاً: هذه الكلمة لا تضر معاوية رضي الله عنه وإنما تنقلب مدحاً عليه، وما جاء عن النسائي جاء عنه ما يقابل تلك الكلمة، ولعله قالها ليلفت الأنظار إلى عدم الغلو في الأشخاص، وأن أهل الشام لما صار له منزلة عندهم؛ ولأنهم نشأوا لا يعرفون إلا هو, وقد مكث أربعين سنة في دمشق. عشرين سنة أميراً، وعشرين سنة خليفة، فنشأوا وعاشوا لا يعرفون إلا معاوية بن أبي سفيان؛ فأراد أن يأتي بهذه الكلمة حتى يقلل من الإطراء, أو من التجاوز الذي حصل من بعضهم.ثم أيضاً ذلك الحديث الذي ذكره عن معاوية هو في الحقيقة ثناء عليه، ولا يعتبر قدحاً فيه؛ لأن مسلماً رحمه الله لم يورده إلا في موطن, وأورده لبيان أن هذا مما ينفع معاوية ولا يضره، ومن قبيل ما هو منقبة لـمعاوية وليس مثلبة له رضي الله تعالى عنه وأرضاه.ومن المعلوم أن الصحابة جميعاً يجب أن تمتلئ القلوب من محبتهم، وأن تنطق الألسنة بذكرهم والثناء عليهم، وألا يذكروا إلا بالجميل.
    مدى صحة نسبة الإمام النسائي للتشيع وأنها سبب وفاته
    وقد نسب النسائي إلى التشيع، وقيل عنه: إن عنده تشيعاً، ولعل هذا بسبب هذه الكلمة التي سمعت منه في حق معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ثم إن التشيع في بعض سلف هذه الأمة لا يؤثِّر؛ لأنه أحياناً يكون من قبيل تقديم شخص على شخص في الفضل على حسب ما يراه، كما يجري عند تفضيل عثمان وعلي رضي الله عنهما ، فإن المشهور عن العلماء تقديم عثمان على علي في الفضل، وبعض العلماء يقدم علياً على عثمان في الفضل، أما التقديم عليه في الخلافة فلا يقدم عليه, ولا يقدمه سلف هذه الأمة عليه، وقد قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. وتقديمه عليه بالخلافة هو اعتراض على ما أجمع عليه سلف هذه الأمة، وأما التقديم بالفضل فهذا هو الذي لا يبدع من قال به، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر العقيدة الواسطية، فإنه قال: تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع قائله، وإنما الذي يبدع تقديمه عليه بالخلافة، هذا هو الذي يبدع من قال به، أي: من قال: إن علياً أولى من عثمان بالخلافة فهو مبتدع؛ لأنه قال قولاً يخالف ما أجمع عليه الصحابة وما اتفق عليه سلف الأمة.وأما من ناحية الفضل فإن هذا لا يؤثِّر؛ لأنه قد يقدم المفضول مع وجود الفاضل في الولاية، أي: أن الولاية قد يقدم فيها المفضول مع وجود الأفضل، وهذا لا يؤثر ولا يقدح في الفاضل كون غيره يقدم عليه. وبعض العلماء نسب إلى التشيع بسبب تقديمه علياً على عثمان، ومن هؤلاء الذين وصفوا بهذا: ابن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل، وكذلك الأعمش، وابن جرير، وعبد الرزاق ، وجماعة جاء عنهم تقديم علي على عثمان في الفضل، وهذا لا يقدح، والتشيع الذي سببه هذا لا يؤثر.وبعض ما ينسب إلى بعض الأئمة الفضلاء والعلماء المحدثين الثقات المتقنين من التشيع هذا من أسبابه، أي: تقديم علي على عثمان في الفضل، رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا لا يؤثر، ولا يعتبر صاحبه مغموزاً ولا مقدوحاً به؛ لأن جماعة من العلماء على هذا المنوال، ولا يؤثر هذا على فضلهم وعلى نبلهم، وهذه مسألة خلافية، وإن كان المعروف والمشهور عن العلماء هو تقديم عثمان على علي في الفضل، كما أنه مقدم في الخلافة، والذين قالوا بخلاف ذلك قلة، لكن قولهم لا يقدح فيهم ولا يحط من شأنهم، ولا يؤثر على نبلهم وعلى فضلهم، فهم جهابذة وحفاظ ومتقنون وعُمَد في الجرح والتعديل, ومع ذلك جاء عنهم هذا القول فنسبوا إلى التشيع بسببه، وذلك لا يقدح فيهم ولا يؤثر. والذي جاء عن النسائي من كونه تكلم بهذه الكلمة في معاوية ، فقد بين فضله في موضع آخر، وكونه ألف خصائص علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا يؤثر فيه ولا أن ننسبه إلى التشيع؛ لأن هذا لا يدل على قدح فيه، ولا يدل على غمز فيه، وإنما هذا شأنه شأن غيره ممن نسبوا إلى التشيع, ونسبتهم إلى التشيع لا تؤثر فيهم.وقيل: إن وفاته كانت بسبب إيذائه الذي حصل له في دمشق، وأنه لما قال ما قال في حق معاوية ضرب, وأنه أوذي, وأنه مرض على إثر ذلك, وأنه انتقل بعد ذلك إلى الرملة، وقيل: إلى مكة ومات بها, وأنه توفي بسبب ذلك.
    وقيل: إنه توفي بسبب الإيذاء الذي حصل له من بعض الناس الذين آلمهم ولم يعجبهم ما قاله في معاوية، إن صح هذا الكلام عن الإمام النسائي رحمة الله عليه. وكانت وفاته في أوائل سنة ثلاث بعد الثلاثمائة ؛ أي: في أول القرن الرابع الهجري.
    تأليف الإمام النسائي للسنن الصغرى ومنهجه فيه
    النسائي له كتابان في السنن: أحدهما موسع, ويقال له: السنن الكبرى، والثاني مختصر ويقال له: السنن الصغرى، ويقال له: المجتبى، ويقال له: المجتنى.والكتاب الذي عول عليه العلماء واعتبروه أحد الكتب الستة هو: المجتبى الذي هو السنن الصغرى، والتي انتقاها واختارها من كتابه السنن الكبرى.وهذا الكتاب لقي - كما لقي غيره من الكتب المعتمدة الأصول- عناية فائقة من العلماء.وهذا الكتاب أي: (السنن الصغرى) -الذي هو المجتبى- أو المجتنى اختلف من الذي اجتباه أو اختصره أو انتخبه من السنن الكبرى, هل هو النسائي نفسه, أو أنه أبو بكر بن السني تلميذه وأحد رواة الكتاب عنه؟ على قولين للعلماء: القول الأول وهو المشهور:أن الذي انتخبه والذي اختاره واجتباه هو نفس المؤلف.
    القول الثاني: من العلماء من قال: بأن الذي اختاره أو انتخبه واستخرجه من السنن الكبرى هو تلميذه ابن السني. ولكن المشهور هو الأول.
    وقد جاء أنه لما ألف كتاب السنن الكبرى أهدى منه نسخة إلى ملك الرملة أو أمير الرملة فقال له: أكل ما فيه صحيح؟ فقال: لا، فاختار له منه السنن الصغرى الذي هو المجتبى. ويمكن أن يكون القول الثاني له حظ من النظر لا على سبيل الاستقلال، بل يحتمل أن يكون قام ابن السني بتوجيه من النسائي بأن يستخرج منه أحاديث عينها، فيكون ذلك الذي أضيف إلى ابن السني له وجه، لا على سبيل الاستقلال بل على سبيل التوجيه من الإمام النسائي.
    لكن المشهور -كما عرفنا- هو أن النسائي نفسه هو الذي اختاره، وإذا كان اختاره وانتقاه بنفسه واستخرجه بنفسه, أو علم على بعض الأحاديث وأرشد بعض تلاميذه إلى استخراجها منه فيمكن أن يكون منسوباً إلى المستخرج الذي حصل بالتوجيه، ويمكن أن يكون حصل منه بنفسه، ولكن المشهور أن الذي انتخبه والذي اختاره هو الإمام النسائي نفسه.وقد جاء مكتوباً على بعض النسخ أنه من عمل النسائي، وأنه اختصار النسائي أو انتخاب النسائي نفسه. ومهما يكن من شيء فإن الكتاب اشتهر، وسواءً قام به النسائي نفسه، أو قام به تلميذه بتوجيه منه، أو بغير توجيه منه، فهو منتخب من كتاب سنن النسائي الكبرى، لكن هناك أحاديث موجودة في الصغرى وليست في الكبرى، وهذا يؤيد أن الذي قام بوضعه النسائي نفسه؛ لأن فيه أحاديث هي للنسائي يقول فيها: أخبرنا فلان عن فلان إلى آخره، وهي ليست موجودة في سنن النسائي الكبرى؛ وهذا يؤيد ويوضح أن النسائي نفسه هو الذي وضع هذا الكتاب، وهو الذي ألف هذا الكتاب؛ لأنه لو كان مجرد اختصار وانتخاب من كتاب معين ما كان يحصل فيه الزيادة -أي: في المختصر أو المنتخب- على ما كان في الأصل؛ لأن الذي يأتي إلى كتاب مؤلف وينتخب منه لا يتعدى الكتاب الذي انتخب منه ما دام أنه مجتبى منه ومجتنى منه ومنتخب منه، فهذا يؤيد أنه عمل النسائي نفسه.وقد ذكر هذا الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب (تحفة الأشراف)، وذكر بعض الأبواب الموجودة في نفس الكتاب الذي هو السنن الصغرى: باب كذا وكذا مما لم يكن في الكبرى، وأنه في الصغرى دون الكبرى.وأما كون الكبرى يكون فيها أشياء ليست في الصغرى فهذا ليس بغريب؛ لأنه هو الأصل المنتخب منه، لكن الذي يحتاج إلى أن يعرف ويحتاج إلى التنصيص عليه هو كون الصغرى فيها أشياء لا توجد في الكبرى، وهذا ما هو موجود في نفس السنن في بعض الأبواب، أنه في الصغرى وليس في الكبرى، وقد نص عليه الشيخ عبد الصمد شرف الدين في مقدمته لكتاب المزي (تحفة الأشراف) الذي قام بتحقيقه وبإخراجه ونشره.
    الفرق بين حدثنا وأخبرنا عند النسائي
    الإمام النسائي رحمة الله عليه في كتابه (السنن الصغرى) يستعمل عبارة (أخبرنا)، وهي التي يستعملها في هذا الكتاب، فتعبيره (بأخبرنا) يعني: لا يأتي بحدثنا وإنما يأتي بأخبرنا، و(أخبرنا) و(حدثنا) بعض العلماء يسوي بينهما ولا يفرق بينهما.
    ومن العلماء من يفرق بينهما؛ فيجعل (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ، فإذا كان الشيخ يقرأ والتلاميذ يسمعون, فيعبر التلاميذ (بحدثنا)، أما إذا كان الشيخ لا يقرأ ولكنه يقرأ عليه أحد الطلاب وهو يسمع، والباقون يسمعون وهم يقرءون عليه ليأخذوا عنه؛ فإنهم يعبرون (بأخبرنا)، وهذا يسمى عرض: وهي القراءة على الشيخ، يعني: يعبرون بما قرئ على الشيخ بـ(أخبرنا)، وبما سمع من لفظ الشيخ بـ(حدثنا).
    وبعض العلماء لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا)، فيستعمل (حدثنا) و(أخبرنا) فيما سمع من لفظ الشيخ وفيما قرئ على الشيخ وهو يسمع، فلا يفرقون بين هذا وهذا.ومن المعلوم أن النسائي لم يكن دوماً على هذه الطريقة، أي: أنه لم يحصل منه أنه قرأ على الشيخ وهو يسمع، وأن هؤلاء الذين يروي عنهم قد قرئ عليهم وهو يسمع، ليس كذلك، بل بنى على القاعدة أو على الطريقة التي هي عدم التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وأن (أخبرنا) تستعمل فيما تستعمل فيه (حدثنا)، وأنها ليست مقصورة على ما قرئ على الشيخ وهو يسمع وهذا ما يسمى عرضاً: وهو القراءة على الشيخ. فصنيع النسائي هو ليس على طريقة التفريق بين (حدثنا، وأخبرنا)، وإنما هو على طريقة التسوية بين (حدثنا، وأخبرنا). وممن اشتهر عنه التعبير بأخبرنا: إسحاق بن راهويه الإمام المشهور المعروف، فإنه عرف عنه أنه غالباً وكثيراً ما يستعمل أخبرنا فيما يرويه عن شيوخه، ولا يستعمل حدثنا إلا قليلاً، وهذا هو المشهور عنه، ولهذا الحافظ ابن حجر في شرحه لصحيح البخاري عندما يأتي ذكر إسحاق في شيوخ البخاري غير منسوب، ثم يلتبس ويحتمل هل هو إسحاق بن راهويه أو إسحاق بن منصور, أو غيرهم ممن يسمى إسحاق؟ يستشهد أو يستأنس بتعبيره -أي: إسحاق - بأخبرنا، إذا جاء غير منسوب وفيه: (أخبرنا) فإنه يعتبرها قرينة تدل على أنه إسحاق بن راهويه؛ لأنه عرف من عادته أنه يأتي بأخبرنا، وإن أتى بحدثنا فهو قليل ونادر بالنسبة لتعبيره بأخبرنا.إذاً: الإمام النسائي رحمة الله عليه يستعمل لفظ (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه في هذا الكتاب -الذي هو السنن الصغرى- والذي يقال له: المجبتى, ويقال له: المجتنى.
    كيفية رواية النسائي عمن روى عنه ولم يقصده بالرواية
    ومن مشايخه الذين روى عنهم ولكنه ما قصده في الرواية: الحارث بن مسكين ، كان بينه وبينه وحشة، وكان لا يأذن له أن يأتي لأخذ الحديث عنه، فكان يأتي ويجلس من وراء ستار ويسمع الحارث بن مسكين وهو يحدث تلاميذه، فكان النسائي يسمع منه ويحدث عنه, ولكن لا يقول: أخبرنا، ولا يقول: حدثنا؛ لأنه ما قصده بالتحديث، ولكنه سمع منه، فيأتي فيقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا، وأحياناً يقول: أخبرنا، فيحتمل أن يكون هذا الذي عبر عنه في بعض المواضع بأخبرنا أنه حصل ذلك قبل أن يمنعه من الأخذ عنه، أو أن يكون أذن له فيما بعد، فيكون هذا التنويع الذي عند النسائي في كونه أحياناً يقول: أخبرنا الحارث بن مسكين ، وأحياناً ابن مسكين قال: أخبرنا، فلا يأتي بصيغة عنه؛ لا أخبرنا ولا حدثنا؛ فيحتمل أن يكون سماعه منه على حالين: حال فيها إذن، وحال فيها عدم إذن، فالذي فيها إذن هو الذي فيه التعبير بأخبرنا، والذي فيها عدم إذن وعدم سماح له بالأخذ عنه هو الذي يكون غفلاً من الصيغة التي هي: أخبرنا أو حدثنا، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، ويسوق الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من دقة النسائي ومن تحريه ومن تورعه؛ لأنه في الحال التي منعه من الرواية لم يكن يمتنع، بل يأخذ الحديث، ولكنه لا يعبر بحدثنا ولا أخبرنا، إلا ما جاء عنه في بعض المواضع ويحمل على ما ذكرت: من أنه قد يكون ذلك قبل المنع، ويمكن أن يكون في بعض الأحوال أذن له، وأنه روى على الحالين: مرة غفلاً لا يأتي بكلمة حدثنا، ولا يأتي بأخبرنا، وفي بعض الأحيان القليلة يأتي بأخبرنا، لكن هذا -كما ذكرت- يدل على ورعه وعلى دقته، وأنه في هذه الأحوال التي منع فيها من الرواية لم يمتنع من أخذ الحديث.والعلماء قد ذكروا من جملة مسائل المصطلح: من خص قوماً بالحديث فإن لغيرهم ممن لم يخص أن يروي إذا سمع, فإذا حصل منه السماع, فإنه يروي وإن لم يقصد؛ لأن الرواية مبنية على السماع وعلى تحقق الرواية سواءٌ حصل الإذن أو لم يحصل الإذن، ما دام الإذن قد حصل في الجملة لغيره من الطلاب بأن يأخذوا عنه, فإن لغيرهم أن يأخذ وإن منعه هو من الأخذ؛ لأن التحديث قد وجد، لكن العبارة التي يعبر بها هي التي يكون فيها التحرز، ويكون فيها الدقة، ويكون فيها التورع من الإتيان بلفظ يوهم خلاف الواقع. ثم إن النسائي رحمة الله عليه يأتي أحياناً بتعليقات بعد ذكر الحديث إما لبيان اسم، أو لبيان حال رجل، أو ما إلى غير ذلك، مما سيمر بنا إن شاء الله في هذا الكتاب، فهذا من عمله الذي يقوم به في كتابه زائداً على ما يورده من الأحاديث.
    إيراد كلمة: (قال) قبل (حدثنا) أثناء الإسناد في سنن النسائي
    أيضاً الموجود في كتاب النسائي غالباً التعبير بـ(قال) قبل (حدثنا) و(أخبرنا) في أثناء الإسناد، وهذه لا ندري هل هي من الأصل -من كتابة النسائي- أو أنها من بعض النساخ؟ لأن المعروف عند المحدثين أن كلمة (قال) تحذف قبل الصيغة في أثناء الإسناد, تحذف كتابة وينطق بها عند القراءة، كأن يقول: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان قال: حدثنا فلان، وإن لم يكن فيه قال في أثناء الإسناد، لكن كتاب النسائي فيه ذكر كلمة قال قبل الصيغة، فيحتمل أن تكون هذه من النسائي ، ويحتمل أن تكون هذه من النساخ فيأتون بكلمة (قال) ويثبتونها، والتي اشتهر عند العلماء أنها تحذف خطاً للاختصار والتخفيف من الكتابة، وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة؛ لأن هذا مما شاع في الاصطلاح عند العلماء، بحيث تحذف كلمة (قال) قبل الصيغة خطاً وينطق بها عند القراءة وإن لم تكن موجودة.

    يتبع



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - المقدمة
    - ترجمة الإمام النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    (3)

    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي سنداً ومتناً
    إن كتاب النسائي رحمة الله عليه لم يلق عناية خاصة به، لا من حيث الرجال ولا من حيث المتون، فإنه لم يحصل له كما حصل للصحيحين، ولسنن أبي داود، ولجامع الترمذي من العناية الخاصة، ولم يحصل له عناية خاصة من حيث الشرح والاعتناء ببيان المتون وشرحها وتوضيحها، ولا كذلك فيما يتعلق بالرجال، فلم يحصل ذلك على سبيل الاستقلال، ولكنه حصل على سبيل الاشتراك مع غيره، فمن حيث المتون ومن حيث الأسانيد لقي مع غيره -لا على سبيل الاستقلال- عناية فائقة وعناية تامة.أما كونه يعتنى به بحيث يؤلف فيه مؤلفات شارحة له, أو معتنية برجاله على سبيل الاستقلال, فهذا لم يظهر شيء ولم يشتهر شيء من هذا القبيل.والسيوطي وقد كانت وفاته سنة تسعمائة وإحدى عشرة، أي: بينه وبين النسائي ما يزيد على ستمائة سنة، يقول في مقدمة كتابه (زهر الربى في شرح المجتبى): إن هذا الكتاب على عظم شأنه ما اشتهر له وما ظهر له شرح، وقد مضى على تأليفه ستمائة سنة، ويقول: إنه ما علم أنه حصل له عناية، وأنه لم يحصل له شرح يليق بهذا الكتاب -الذي هو كتاب النسائي - ومع ذلك فـالسيوطي شرحه في شرح مختصر، أيضاً لم تكن فيه العناية التامة.إذاً: فلم يحصل له من العناية ما حصل لغيره من الكتب الأخرى، اللهم إلا ابن ماجه فإنه مثله لم يحصل له عناية من حيث الشرح مثل ما حصل للكتب الأربعة الأخرى التي هي: البخاري، و مسلم، و الترمذي، و أبو داود .
    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث الإسناد
    أما من حيث الرجال فقد اعتني به مع غيره من الكتب، وألف مؤلفات برجال الكتب الأربعة التي هي: السنن, ومؤلفات لرجال الكتب الستة، وأما كونه يعتنى بمؤلف برجاله, فهذا لا نعلم شيئاً ظهر فيه لا مخطوطاً ولا مطبوعاً، بل وحتى الذكر، اللهم إلا نادراً في ذكر الشيوخ أو في ذكر شيوخه، أما بالنسبة لرجاله فلا نعلم فيه شيئاً، ولكنه ألف فيه مع غيره.مما ألف فيه -وهو مطبوع ومشهور, وبعضها لم يطبع- وهو أصلها كتاب: ( الكمال في أسماء الرجال)، للحافظ عبد الغني المقدسي المتوفى على رأس سنة ستمائة من الهجرة، ألف كتابه (الكمال في أسماء الرجال)، وهو خاص برجال الكتب الستة التي هي: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وهذا الكتاب لم يطبع، ولم يوجد كاملاً، وإنما يوجد منه قطع، ولكن جاء بعده أبو الحجاج المزي ، وهو شيخ ابن كثير وصهره، أي: والد زوجته، فابن كثير زوج بنت أبي الحجاج المزي المتوفى سنة سبعمائة واثنين وأربعين، ألف كتاباً سماه: (تهذيب الكمال)، اعتنى فيه عناية فائقة برجال الكتب الستة، ورجال أصحابها في الكتب الأخرى، بمعنى: أنه لا يقتصر على الكتب الستة، وإنما على رجال أصحابها.إذاً: فرجال الكتب الستة موجودون في هذا الكتاب، وهذا الكتاب موجود مخطوط, وهو مصور على النسخ الخطية، وبدئ بطباعته من مدة، وظهر منه عدة مجلدات، وهو كتاب نفيس جامع مفيد.ومن أعجب ما فيه أن مؤلفه رحمة الله عليه مع صبره وتحمله وعدم تعبه ونصبه، فإنه عندما يأتي للراوي الذي يترجم له يذكر تلاميذه وشيوخه، ويرتب التلاميذ ويرتب الشيوخ في كل ترجمة، بحيث أن الإنسان إذا أراد أن يبحث عن رجل فلا يحتاج إلى أنه يقرأ الأسماء كلها في ترجمة الرجل: شيوخه وتلاميذه، بل ينظر أول اسمه فيبحث عنه، فإذا كان سليمان مثلاً في وسط الأسماء، وإذا كان محمد في آخر الأسماء، وإذا كان إبراهيم في أول الأسماء؛ لأنه عند كل ترجمة من التراجم هذه الألوف يرتب الشيوخ في كل ترجمة على الحروف، ويرتب التلاميذ في كل ترجمة على الحروف، بحيث لا يتعب الإنسان في الأسماء الغير المرتبة، فإذا أراد أن يبحث عن رجل مباشرة يذهب إلى مكان أول اسمه فيبحث عنه، إن وجده وإلا ترك الكتاب وبحث عنه في مصدر آخر.وهذا من شدة العناية وشدة الحرص على الدقة وعلى تذليل الصعوبات أمام المشتغلين بالعلم والمنتسبين إليه، إذ يجدون الجهود التي بذلت قد حصل فيها ذلك الترتيب, وحصل فيها تلك الدقة وتلك العناية التامة.إذاً: هو كتاب عظيم، وهو أوسع من الكمال، وإن كان يسمى (تهذيب الكمال) إلا أنه أوسع منه، وليس كما يظن البعض أنه أقل منه مثل ما في تهذيب التهذيب فهو أقل من تهذيب الكمال، بل التهذيب أوسع من الكمال، ولكنه بناه على ذلك؛ لأن ذاك خدمه من حيث الترتيب ومن حيث الجمع ومن حيث الكلام، ولكن هذا من حيث التراجم والتوسع فيها وحصر الأقوال واستيعابها أوسع وأعظم من أصله الكمال.فتهذيب الكمال للمزي في أسماء الرجال مشتمل على رجال النسائي, كما اشتمل على رجال الخمسة الآخرين وهم: البخاري,و مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .وكتاب تهذيب الكمال جاء بعده الحافظ ابن حجر فهذبه في كتاب سماه (تهذيب تهذيب الكمال)، لكنه اختصاراً يقال: (تهذيب التهذيب)، و(أل) في التهذيب عوض عن المضاف إليه؛ لأنها للعهد الذهني, يعني: التهذيب الذي هو تهذيب الكمال، وهذا كثيراً ما يستعمل على سبيل الاختصار، مثل ما يقال: الفتح، مثلاً: قال الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ، فبدل أن يقول: بلوغ المرام, أو يقول: فتح الباري؛ يحذف المضاف إليه ويأتي بـ(أل) عوضاً عن المضاف إليه من الأول، وهذا يذكرونه اختصاراً، ويأتي في كثير من أسماء الكتب المكونة من مضاف ومضاف إليه, فيحذفون المضاف إليه ويأتون بأل في الأول: قال الحافظ في الفتح، ذكره الحافظ في الفتح، قال الحافظ في البلوغ.. وهكذا، قال عبد الغني في العمدة, يعني: عمدة الأحكام وهكذا، فيحذفون المضاف إليه ويأتون (بأل) في أول المضاف بعد حذف المضاف إليه اختصاراً فتكون للعهد الذهني، يعني: المعهود بالأذهان فالعمدة: هي المعهودة بالأذهان, أو البلوغ: هو المعهود بالأذهان، أو الفتح: هو المعهود بالأذهان الذي هو فتح الباري, وبلوغ المرام, وعمدة الأحكام.فسماه تهذيب التهذيب، حيث يأتي ببعض كلام المزي ويختصره, ويأتي ببعض ما فيه ولكن له زيادات، فعندما ينقل من كلام المزي ما يريد أن ينقل من الترجمة، يأتي بعد ذلك في آخرها فيقول: قلت، ثم يأتي بكلام لا يوجد في تهذيب الكمال.فإذاً: الزيادات التي عند الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب وليست عند المزي هي ما بعد: (قلت)، أما ما قبلها فهو من كلام المزي, لكنه مختصر وليس كل كلامه، بل بعض كلام المزي ، وما بعد (قلت) هو كلام الحافظ ابن حجر الذي أتى به من كلام العلماء المتأخرين ومن استدراكاته هو واطلاعه هو، رحمة الله عليه.ثم قام وأتى بكتاب بعد هذا مختصر جداً وهو (تقريب التهذيب)، وتقريب التهذيب هذا على اختصاره يعطي القارئ رأي الحافظ ابن حجر في الشخص؛ لأنه في تهذيب التهذيب لا يستطيع أن يخرج بنتيجة من كلام الحافظ ابن حجر بأن يقول: هذا رأيه؛ لأنه يأتي بكلام المزي ثم بعد ذلك يأتي بكلام لغيره، يعني: ينقله بعد قلت، لكن عندما يقرأ الإنسان كتاب تهذيب التهذيب يطرح سؤالاً ويقول: ما هي النتيجة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر؟ وما هي الخلاصة التي توصل إليها الحافظ ابن حجر في حال الرجل من الجرح والتعديل؟ هل هو ثقة, أو غير ثقة، أو أنه ضعيف، أو أي حالة من الأحوال التي يوصف بها الرجل جرحاً وتعديلاً؟ الجواب على هذا السؤال يوجد في تقريب التهذيب، أي: أن رأي الحافظ ابن حجر لا يوجد في تهذيب التهذيب, ولكن يوجد في تقريب التهذيب، فهو كتاب مختصر يأتي بالترجمة بسطر أو سطرين أو ثلاثة, وقد تصل إلى أربعة, بلفظ موجز مفيد يتبين منه رأي الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في الرجل الذي ترجم له في تهذيب التهذيب.وكتاب تهذيب الكمال أيضاً اعتنى به الذهبي في كتابين؛ أحدهما: تذهيب التهذيب، لأن تلخيص ابن حجر له اسمه: (تهذيب التهذيب).وأما الذهبي فـ(تذهيب التهذيب).وله كتاب آخر خاص برجال الكتب الستة، ولا يذكر رجال الكتب الأخرى, مثل: (عمل اليوم والليلة) للنسائي, والقراءة خلف الإمام للبخاري, والأدب المفرد للبخاري ، فلا يذكر إلا رجال الكتب الستة الذين في صحيح البخاري، وصحيح مسلم, وسنن أبي داود, وسنن النسائي, وسنن ابن ماجه, وسنن الترمذي، ورجال هذه الكتب الستة فقط، وهذا سماه: (الكاشف في رجال الكتب الستة)، فهو خاص، بخلاف التذهيب فإنه في رجال أصحاب الكتب الستة.وكتاب الذهبي (التذهيب) قام الخزرجي -وهو من علماء القرن العاشر- بتلخيصه واختصاره في كتاب سماه: خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، فهو في درجة كتاب التقريب لـابن حجر؛ لأن (التذهيب) في درجة (تهذيب التهذيب)، و(الخلاصة) في درجة (تقريب التهذيب)، الخلاصة للخزرجي ، إلا أن الخزرجي ليس مثل الحافظ ابن حجر لا يأتي برأي منه, أو بكلام منه وإنما ينقل كلام العلماء، يذكر اثنين من الشيوخ واثنين من التلاميذ ويذكر قال فيه فلان كذا، وقال فيه فلان كذا، أي: أنه ينقل بعض ما قيل فيه وبعض شيوخه وتلاميذه.هذه طريقة صاحب الخلاصة الخزرجي في كتابه: خلاصة تذهيب الكمال.فهذه الكتب اعتنت برجال الكتب الستة, ومنها سنن النسائي.إذاً: فكتاب تهذيب الكمال للمزي هو كتاب عظيم ولا يستغني عنه طالب علم، وهو موسوعة في أسماء الرجال الذين هم رجال أصحاب الكتب الستة.وينبغي أن يعلم أن سادس الكتب الستة في هذه الكتب التي قامت بخدمة هذه الكتب هو: ابن ماجه وليس الموطأ، أي: أن السادس هو ابن ماجه، فالرجال في هذه الكتب هم رجال ابن ماجه ؛ لأن سادس الكتب في هذه المؤلفات هو ابن ماجه وليس الموطأ ولا الدارمي؛ لأن صاحب الكمال لما ألف كتابه ألفه في رجال الكتب الستة على أن الكتب الستة سادسها سنن ابن ماجه وقد مشى على هذا الأساس, وجمع هذه التراجم لأصحاب هذه الكتب، وجاء بعده العلماء وبنوا على كتابه تلك الكتب المطولة والمختصرة.ومما ينبغي أن يعلم أن هذا الكتاب الذي ذكرت -وهو كتاب تهذيب الكمال- يعتبر موسوعة من الموسوعات في أسماء الرجال، فإذا ضم الإنسان إليه كتاب لسان الميزان لـابن حجر جاءه مجموعة من الرجال غير ما اشتملت عليه تلك الكتب؛ لأن من شرط الحافظ ابن حجر في الميزان: ألا يأتي فيه برجل ترجم له في التهذيب، إذاً: فمعناه رجال يضمون إلى الرجال وهم رجال غير الرجال، يعني: معناه أن هذا العدد الذي في اللسان يضاف إضافة جديدة ولا تكرار فيه بين اثنين، فإذا كان الإنسان عنده تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب المبني عليه, ولسان الميزان فإنه يكون عنده عدد هائل وعدد كبير من الرجال؛ لأن تهذيب التهذيب في اثني عشر مجلداً، ولسان الميزان في ثمانية مجلدات، فيكون عشرين مجلداً فيها أسماء رجال ولا تكرار في تلك الرجال.
    الكتب التي اعتنت بسنن النسائي من حيث المتن
    أما فيما يتعلق بالمتون والعناية بالمتون فأيضاً قرن النسائي مع غيره، وممن اعتنى بالمتون: رزين العبدري في كتابه: التجريد، فإنه جمع متون تلك الكتب واستوعبها، ولكن سادس الكتب عنده: الموطأ، فجاء بعده ابن الأثير أبو السعادات ، فبنى عليه كتاب: جامع الأصول، بناه على كتاب رزين التجريد، ورتبه ونظمه وأتى بكتب، والكتب رتبها على الحروف، وكما قلت: هو مبني على ذلك الكتاب فالسادس هو الموطأ، وهو لا يذكر الأسانيد وإنما يذكر المتون، يقول: عن فلان, ثم يرمز للذين رووا هذا الحديث مثلاً: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي والموطأ، لا يذكر ابن ماجه ؛ لأن ابن ماجه السادس بدله الموطأ.وابن الأثير هذا هو صاحب (النهاية في غريب الحديث)، والمشهور في ابن الأثير أنه فيه ثلاثة إخوة كلهم اشتهروا بابن الأثير، وكلهم يختلف عن غيره في التخصص؛ فأحدهم محدث, وهو صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وأحدهم مؤرخ، والثالث أديب وهو صاحب كتاب (المثل السائر)، فهم ثلاثة إخوة اشتغلوا في العلم، واحد منهم برز في الحديث وعنايته في الحديث، والثاني في التاريخ، والثالث في الأدب، والمشهور عندما يأتي في النقل من كتب اللغة أو في كتب الحديث عندما يقال: قال أبو السعادات, أو يقال: قال ابن الأثير، المقصود به المحدث صاحب النهاية وصاحب جامع الأصول، وهذا الكتاب -الذي هو جامع الأصول- كتاب واسع، جمع هذه الكتب وسادسها كما ذكرت الموطأ وليس سنن ابن ماجه.ومن الذين اعتنوا بأطراف هذه الكتب وكتابه مطبوع هو كتاب: تحفة الأشراف للمزي الذي طبع في الدار القيمة في الهند، وقام بطبعه وتحقيقه: عبد الصمد شرف الدين الذي أشرت إليه، وذكر في المقدمة أن في الصغرى ما ليس في الكبرى، أي: في السنن الصغرى ما ليس في الكبرى، وهذا الكتاب -الذي هو تحفة الأشراف- يذكر فيه طرف الحديث، أي: أوله، ولكنه يذكر الإسناد، فكتاب تحفة الأشراف في معرفة الأطراف مثل سنن النسائي، وفيه أيضاً -كما يشير إليه عبد الصمد شرف الدين- أشياء من السنن الكبرى؛ لأنه يجعله بين قوسين ويقول: في الكبرى، وليس في الصغرى.هذه من الكتب التي اعتنت بهذا الكتاب مع غيره، لكنه لم يحصل له عناية خاصة تليق به من حيث العناية بشرحه والتوسع فيه كما توسع في غيره من الكتب الأخرى كالصحيحين وسنن أبي داود وجامع الترمذي.
    يتبع
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي

    - كتاب الطهارة

    - تأويل قوله عز وجل:
    (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )

    (4)


    وأول حديث بدأ به من الأحاديث الأربعين حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فقال:[ عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري ، و أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة ].هكذا كما أورده النووي رحمه الله، وقد كان من عادته في كتابه هذا وفي كتابه (رياض الصالحين) أنه عندما يذكر الصحابي يذكره بكنيته، وكذلك يذكر وصفه، كما قال هنا: (عن أمير المؤمنين أبي حفص ).
    تأويل قوله عز وجل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الطهارة.تأويل قوله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)].هذا هو أول كتاب النسائي أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمة الله عليه؛ كتاب الطهارة، وفي بعض النسخ ليس فيه ذكر كتاب الطهارة، وإنما البدء بالترجمة وهي: تأويل قول الله عز وجل: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة:6] الآية.وعلى ذكر الكتاب فهذه تعتبر ترجمة عامة في أول الكتاب, والمقصود منها: أنه عند الوضوء لا يغمس الإنسان يده في الماء مباشرة، وإنما يغسلها خارج الإناء، ثم بعد ذلك يدخل يده في الإناء.وعلى أن كتاب الترجمة غير موجود فذكر هذه الترجمة العامة التي هي بمثابة كتاب الطهارة، وأورد تحتها حديثاً واحداً يتعلق بما يستحب أن يكون بين يدي الوضوء، إما استحباباً مطلقاً، كما إذا توضأ الإنسان ولم يقم من نوم، أو أنه واجب أو مستحب إذا كان قائماً من النوم, كما جاء في هذا الحديث هنا، فالحديث مقيد بالقيام من النوم، فتكون هذه الترجمة ترجمة عامة بمثابة قولنا: باب الوضوء، أو كتاب الوضوء، أو كتاب الطهارة، وأورد تحت الترجمة حديثاً واحداً يتعلق بما يكون قبل البداية بالوضوء، وهو غسل اليدين خارج الإناء قبل أن يغمس يده في الإناء الذي فيه ماء الوضوء.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...)
    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة بن سعيد هذا هو أحد شيوخه الذين أكثر عنهم، وهو أيضاً شيخ لأصحاب الكتب الخمسة الآخرين، فقد رووا عنه جميعاً، وكانت وفاته سنة مائتين وأربعين، قبل وفاة الإمام أحمد بسنة واحدة؛ لأن الإمام أحمد وفاته سنة مائتين وواحد وأربعين، وهو سنة مائتين وأربعين، وهو من الشيوخ الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة، فهو شيخ للبخاري, ومسلم, وأبي داود, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه.ومن المعلوم أنه يعتبر من كبار شيوخ النسائي؛ لأن النسائي ولد سنة مائتين وخمس عشرة، وشيخه هذا توفي سنة مائتين وأربعين، وعاش بعده النسائي ثلاثاً وستين سنة؛ لأنه توفي سنة ثلاثمائة وثلاث، ومن هذا يكون العلو في الأسانيد؛ يعني: كون الشخص يطول عمره, ويروي في أول حياته عن شخص أدركه في آخر حياته, وعمر بعده طويلاً فمن هنا يأتي العلو في الأسانيد، من ناحية أن التلميذ يروي عن الشيخ في آخر حياته، ويعمر ويطول عمر ذلك التلميذ فيعيش كثيراً، كالذي حصل للنسائي, فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة بعد وفاة شيخه قتيبة بن سعيد .وقتيبة هذا قيل: إنه لقب، وأن اسمه غير ذلك، قيل: اسمه يحيى, وقيل: غير ذلك، ولكنه مشهور بهذا اللقب, أو بهذا الاسم على القول بأنه اسم، وهو من الأسماء الأفراد؛ لأنه لم يسم بهذا الاسم أناس غيره هو الوحيد الذي يسمى بهذا الاسم في رجال أصحاب الكتب الستة، فهو من الأسماء القليلة في الرجال.وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي البغلاني، فاسمه واسم أبيه واسم جده على صيغة واحدة، فكلها على وزن فعيل، والبغلاني نسبة إلى قرية بغلان؛ لأنها من قرى بلخ من بلاد خراسان.وهو من الثقات الأثبات، ولهذا قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة, ثبت، وقد أكثر عنه النسائي ، وروى عنه غيره من أصحاب الكتب الستة كما ذكرت ذلك.
    ترجمة سفيان بن عيينة
    قوله: [حدثنا سفيان].كان سفيان بن عيينة أولاً كوفياً ثم صار مكياً، ولهذا يقال في نسبته: الكوفي, ثم المكي، يعني: أن أول أمره كان بالكوفة, ثم تحول منها إلى مكة، وكلمة (ثم) يؤتى بها بين البلدان عند النسبة إذا كان في أول الأمر في بلد ثم تحول إلى بلد آخر، فيؤتى بالنسبتين مفصولاً بينهما بـ (ثم)، ومنه يعرف النسبة المتقدمة والمتأخرة؛ لأن كلمة (ثم) تفيد الترتيب مع التراخي؛ لأن معناها أن الثاني عقب الأول، وأما الواو فلا تقتضي الترتيب؛ لأنه قد يذكر المتقدم قبل المتأخر، أو المتأخر قبل المتقدم، لكن إذا جاءت (ثم) فمعناها أن الذي بعد (ثم) متأخر عن الذي قبلها، فإذا قيل: الكوفي ثم المكي, فمعناه أنه كان أولاً من أهل الكوفة, ثم كان بعد ذلك من أهل مكة، ونسبته الأخيرة إلى مكة، ولهذا الإمام البخاري رحمة الله عليه لما روى في صحيحه, كان أول حديث فيه عن عبد الله بن الزبير الحميدي المكي عن سفيان بن عيينة المكي ، فأول الرجال الذين روى عنهم في كتابه من أهل مكة، فـسفيان بن عيينة هذا في آخر أمره كان من أهل مكة.والطريقة التي كانوا يعولون عليها في النسبة إذا تحول الإنسان من بلد إلى بلد, كما قال النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات: إن الإنسان إذا مكث في بلد أربع سنوات صح أن ينسب إليها، وأن هذا مما يعتبرونه عند ملاحظة النسبة إذا كانت أربع سنوات فأكثر. وسفيان بن عيينة من الحفاظ، وصفه الحافظ ابن حجر في كتاب التقريب فقال: ثقة, حافظ, إمام, حجة، وفي وصف آخر: ثقة، حافظ، فقيه، إمام، حجة، خمس صفات.وهو هنا جاء غير منسوب، قال: حدثنا سفيان ولكن هو يروي عن الزهري، وهو معروف بالرواية عن الزهري، ولهذا إذا أطلق غير منسوب فإنه يراد به سفيان بن عيينة؛ لكثرة روايته عنه، وسفيان الثوري روى عن الزهري وهو أقدم منه؛ لأنه مات قبله بفترة، ولكن الذي عرف بالرواية عنه وأكثر من الرواية عنه هو سفيان بن عيينة، ولهذا من الطرق عند المحدثين: أنه إذا ذكر الشخص غير منسوب وكان محتملاً لعدة أشخاص فإنه يعرف ويعين بشيخه إذا كان مكثراً عنه، ويحمل على من كان مكثراً عن الشيخ، فمثلاً: سفيان جاء هنا غير منسوب، فلم ينسب إلى ابن عيينة, ولا إلى الثوري ، وكل منهما من تلاميذ الزهري، لكن أيهما يعرف بأنه هو الذي في الإسناد؟ الجواب: يعرف بمعرفة من كان أكثر رواية وأكثر ملازمة، ولما كان سفيان بن عيينة أكثر ملازمة للزهري وأكثر رواية عنه فإنه يحمل على أنه ابن عيينة وليس الثوري، وإن كان الثوري من تلاميذ الزهري ، لكن كما هو معلوم إذا كان الشخص المهمل يدور بين شخصين وكل منهما ثقة، حتى ولو لم يعرف أيهما, فإنه لا إشكال؛ لأنه كيفما دار دار على ثقة، وإنما المحذور لو كان أحدهما ثقة والآخر ضعيفاً وكان الأمر ملتبساً؛ عند ذلك قد يكون هو الضعيف فلا يعول عليه.ثم إن أسانيد سفيان بن عيينة عن الزهري عالية جداً؛ لأن الزهري توفي سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وسفيان بن عيينة أكثر من الرواية عن الزهري, وعاش بعده مدة طويلة حيث كانت وفاته سنة مائة وثمان وتسعين، فمن هنا يحصل العلو في الأسانيد. والزهري يعتبر من صغار التابعين من طبقة الأعمش, وطبقة يحيى بن سعيد الأنصاري، فهؤلاء يعتبرون من صغار التابعين، ومع ذلك فهذا الذي توفي سنة مائة وثمان وتسعين أكثر من الرواية عن هذا الذي توفي في سنة مائة وخمس وعشرين.وابن عيينة موصوف بالتدليس قليلاً، ولهذا قال الحافظ: ربما دلس، لكن المعروف من طريقته أنه لا يدلس إلا عن ثقة.
    ترجمة الزهري
    قوله: [عن الزهري] هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، يلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده كلاب؛ لأن الرسول نسبه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.وهو زهري ينسب إلى جده زهرة الذي هو ابن كلاب، والذي هو أخو قصي، فهو مشهور بهذه النسبة الذي يقال له: الزهري .كما أنه اشتهر بنسبته إلى أحد أجداده وهو شهاب، فيقال: ابن شهاب، ويقال: الزهري، هذا هو الذي اشتهر به.والزهري هذا هو الذي قيل: إنه أول من جمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو الذي قال فيه السيوطي في ألفيته:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمروالزهري عاش بعد عمر بن عبد العزيز رحمه الله ثلاثاً وعشرين سنة أو أربعاً وعشرين سنة؛ لأنه توفي -كما ذكرت- سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، وأما الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه فكانت وفاته سنة مائة وواحد من الهجرة. ومن المعلوم أنه أول من بدأها بطريقة رسمية، وبتكليف من ولي الأمر، أما كون الحديث يدون فالصحابة كان منهم من يدون كـعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه, فإنه كان يكتب، وأبو هريرة رضي الله عنه يقول: (ما أعلم أحداً أكثر مني حديثاً إلا ما كان مع عبد الله بن عمرو, فإنه يكتب ولا أكتب) فإنهم كانوا يدونون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الزهري هو أول من قام بجمعها بتكليف من الخليفة والوالي؛ بعدما خيف اندثارها وذهابها بذهاب أهلها وذهاب حملتها ونقلتها، فأمر عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة وتدوينها وكتابتها حتى لا تموت بموت أهلها، وحتى لا تذهب بموت أهلها.و الزهري من الحفاظ, الأثبات, المتقنين، ومن المعروفين بالجد والاجتهاد في تحصيل الحديث، ولهذا ذكروا في ترجمته أنه كان يعكف على كتبه ويشتغل بها كثيراً، وكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر؛ لكثرة انشغاله بها واعتنائه بالحديث, وتدوين الحديث وعكوفه على ذلك, وهو إمام, مشهور, يعتبر من طبقة صغار التابعين.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي

    - كتاب الطهارة

    - تأويل قوله عز وجل:
    (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )

    (4)


    ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن
    قوله: [عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من التابعين، وقيل: إن اسمه كنيته، وقيل: إنه كنية وله اسم آخر غير هذا، لكنه مشهور بهذا, وسواء قيل: إنه اسم, أو قيل: إنه كنية, فهو إنما اشتهر بهذا اللفظ الذي هو أبو سلمة .وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, بأن الفقهاء السبعة الذين كانوا بالمدينة في زمن التابعين، وكلهم في عصر واحد، وانتشر عنهم العلم, واستفاد منهم طلبة العلم، وكانت وفاتهم في حدود المائة, إما قبلها وإما بعيدها، فاشتهر في المدينة سبعة فقهاء محدثون يرجع إليهم في الفقه والحديث، ستة منهم لا خلاف في عدهم من الفقهاء السبعة، وثلاثة اختلف في عدهم.و أبو سلمة هو أحد الفقهاء على أحد الأقوال، فليس متفقاً على عده من الفقهاء السبعة، وإنما الذين اتفق على عدهم من الفقهاء السبعة, هم كما ذكرهم ابن القيم في أول إعلام الموقعين في بيتين من الشعر:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفهم: فـعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير بن العوام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وخارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم، والسابع مختلف فيه، فـابن القيم ذكر أبا بكر سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ وهو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو الذي قال عنه: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةوالقول الثاني: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في الإسناد، فهو أحد الفقهاء السبعة على قول، لكن ليس متفقاً عليه أنه من الفقهاء السبعة.والقول الثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر وابن عوف صحابي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    سبب إكثار أبي هريرة من الرواية عن النبي عليه السلام
    من المعلوم أن أبا هريرة إنما أسلم عام خيبر في السنة السابعة، ولكنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم, وطالت حياته، والتقى بالصحابة، وكان في المدينة مقيماً, والناس يأتون إلى المدينة ويأخذون منها، فكان يأخذ عن الصحابة ويأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لازمه، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابي تحمل على أنه أخذها من الصحابة. والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي البحر, يعني: ابن عباس، ويصح أن يقال: البحر أو الحبر؛ لأنه يقال له: بحر ويقال له: الحبر.وقوله: ... كالخدري هو أبو سعيد الخدري. (وجابر وزوجة النبي) هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله، وحفظ عنهم من الحديث أكثر مما حفظ عن غيرهم من الصحابة رضي الله تعالى عن الجميع. فهؤلاء هم رجال هذا الإسناد: قتيبة بن سعيد ، وسفيان بن عيينة ، والزهري ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه وعن الصحابة أجمعين. وفي أول الإسناد يقول النسائي : (أخبرنا)، وقد عرفنا أن هذه الطريقة هي التي يستعملها أبو عبد الرحمن النسائي في كتابه وهي: (أخبرنا)، وذكرت سابقاً أن العلماء منهم من لا يفرق بين (حدثنا) و(أخبرنا), ويستعمل الصيغتين في السماع وفي العرض الذي هو القراءة على الشيخ، وهذا هو صنيع النسائي ، ومنهم من يفرق بينهما، فيستعمل: (حدثنا) في ما سمع من الشيخ، و(أخبرنا) في ما قرئ على الشيخ والتلميذ يسمع. و النسائي يشبه البخاري في كثرة التراجم, وكثرة إيراد الحديث على تراجم مختلفة متعددة؛ ليستدل به على الترجمة، ففيه شبه من البخاري في كثرة التراجم، ولكن النسائي قليلاً ما يستعمل كلمة: (باب)، وأكثر استعماله ذكر الترجمة بدون: (باب)، فيقول: تأويل قول الله عز وجل، وغير ذلك، بدون كلمة: (باب)، وأحياناً يأتي بكلمة: (باب) ولكن كثرة هذه التراجم, وإيراد الحديث بطرق متعددة ذلك ليستدل به على موضوعات مختلفة, يعبر عنها بتلك التراجم.
    شرح حديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه...)
    والحديث يقول فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) هذا هو الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة، وقد ذكرت في أول الدرس أن سنن النسائي في بعض النسخ ليس فيها ذكر كتاب، وإنما فيه ذكر هذه الترجمة التي هي تشبه الكتاب؛ لأنه قال: تأويل قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6]، فهي ترجمة عامة يدخل تحتها الطهارة، ويدخل تحتها الوضوء وما يتبع الوضوء من سنن، فهي على بعض النسخ التي ليس فيها ذكر: (كتاب) بمثابة الكتاب، والحديث الذي أورد تحتها هو مما يحصل عند الوضوء، وكذلك غير الوضوء؛ لأن المقصود إذا قام الإنسان من نومه فلا يغمس يده في الإناء، فلا إذا كان يريد أن يتوضأ, ولا إذا كان يريد ألا يتوضأ، يعني: لا يغمس يده في الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثاً. قوله عليه السلام: (فلا يغمس يده في وضوئه). وفي بعض الروايات: (في الإناء) يعني: الإناء الذي يتوضأ به، الإناء المشتمل على ماء الوضوء، ومن المعلوم أن الوضوء بفتح الواو لها معنىً غير معنى الوضوء بضم الواو، وهناك صيغ أخرى تشبه هذه الصيغة، فإن ما كان بفتح الواو فهو الماء الذي يراد أن يتوضأ منه، فماء الوضوء يقال له: وَضوء، وفعل الوضوء يقال له: وُضوء، كون الإنسان يأخذ, ويتوضأ, ويغسل؛ فالعملية هذه يقال لها: وُضوء بضم الواو، وأما نفس الماء الذي خصص للوضوء فيقال له: وَضوء، (دعا بوضوء) يعني: دعا بماء يتوضأ به.وفي حديث عثمان قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) المقصود به: العمل والفعل، فإذاً: وَضوء بفتح الواو يراد به الماء الذي يتوضأ به، والوُضوء بالضم يراد به, فعل الوضوء، ولهذا اللفظ أشياء تماثله، مثل: السَّحور والسُّحور، فإن السَّحور اسم للطعام الذي يؤكل في السحر لمن يريد أن يصوم، والسُّحور هو: الأكل، حصول الأكل، وكذلك الطَّهور مثل الوَضوء, فالطَهور والوُضوء بفتح الطاء لما يتطهر به، وبضمها فعل التطهر، كما في الحديث: (الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، وكذلك أيضاً الصَّعوط والصُّعوط لما يستصعط في الأنف، الذي هو الفعل يقال له: فعول، وكذلك الوَجور والوُجور، الوَجور وهو الذي يوضع في الفم يقال له: وَجور، والفعل يقال له: وُجور، فهذه كلمات متشابهة متماثلة، تأتي على صيغتين بالفتح وبالضم، فما كان منها بالفتح فهو اسم للشيء الذي يستعمل، وما كان بالضم فهو اسم للاستعمال.قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً) يعني: أنه يغسلها خارج الإناء، فيفرغ من الإناء على يديه فيغسلهما ثلاثاً، ثم بعد ذلك يغمس يده في الإناء ويأخذ لغسل وجهه, وغسل يديه, وغسل رجليه, ومسح رأسه؛ لأن المطلوب أن يفعل ذلك قبل أن يبدأ، وقد علل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) وهذا تعليل, يعني: احتمال أن يكون حصل لها نجاسة، والنجاسة غير متحققة، لكن هذا من الاحتياط، ولهذا اختلف العلماء في هذا الحكم, هل هو للوجوب أو للاستحباب، يعني: كونها تغسل خارج الإناء وجوباً, أو استحباباً. من العلماء من قال: إنه مستحب، وأن هذا من باب الآداب والاحتياط، ومنهم من قال: إنه واجب، وأن من لم يفعل ذلك يأثم، هذا هو معنى كونه واجباً، وأما إذا كان مستحباً فإنه إذا لم يفعل ذلك فإنه لا يأثم، ولكنه خالف الأولى، ولم يحسن الأدب الذي ينبغي أن يستعمله الإنسان، وهو الذي أرشد إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والأحوط والأظهر: أن الإنسان لا يقدم على غمس يديه في الإناء عندما يقوم من النوم, إلا وقد غسلهما خارج الإناء، وأنه يأثم لو لم يفعل ذلك؛ لأن فيه مخالفة، لكن لا يقال: إن الماء يتنجس؛ لأنه ما تحقق النجاسة في اليد. وقيل في تعليل توجيه هذا: أن أهل الحجاز وبلادهم حارة, فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أن النجاسة قد تتجاوز موضع الخروج وقد لا تتعدى موضع الخروج، فالنجاسة إذا لم تتعد موضع الخروج فيكفي الاستجمار، وأما إن خرج وتجاوزه إلى مكان آخر من الجسد غير موضع الخروج فهذا يحتاج إلى الاستنجاء بالماء، فكانوا يستجمرون بالحجارة، ومن المعلوم أنه قد يتجاوز الخارج موضع العادة، فإذا استجمر الإنسان ونام وأصابه عرق, فإنه قد يلمس الموضع الذي أصابته النجاسة, فتعلق النجاسة بيده بسبب العرق الذي حصل. وقيل: إن هذا هو التوجيه، وأن هذا فيه احتمال النجاسة، يعني: إذا نام، أما إذا كان الإنسان مستيقظاً فإنه يتصرف في يده ويعرف أين تذهب، وإذا كان في يده عرق ولمس مكان الخروج أو الأماكن التي حول الخروج وقد تجاوزتها النجاسة فعلق بها شيء من النجاسة، فالإنسان في حال الاستيقاظ يدري أنه يحتاج إلى أنه يغسل؛ لأنه يعرف بأنه مس الشيء الذي هو مظنة النجاسة، أما إذا كان نائماً فإنه لا يدري، قد تكون يده ذهبت إلى ذلك المكان الذي به النجاسة، أو قد تكون به النجاسة، وقد لا تكون ذهبت، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده). ومن العلماء من يقول: إن الحكم بالوجوب مقيد بنوم الليل، ولهذا جاء التعبير بالبيات: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده).ومنهم من يقول: إنه لا يتقيد بنوم الليل، بل يبقى على إطلاقه، وكلمة (بات) قد تستعمل لغير المبيت بالليل، يقال: بات فلان يعمل كذا وكذا, وقد يستعمل في النهار، يقال: بات، إذا كان مكثراً منه, أو مشتغلاً به. فمنهم من قال: إنه خاص بنوم الليل، ومنهم من يقول: إنه عام في النوم؛ لأن التعليل لا يخص نوم الليل، بل الإنسان إذا نام في الليل والنهار لا يدري أين باتت يده، ولا يدري أين ذهبت يده, فلا يكون ذلك خاصاً بنوم الليل، بل يشمل نوم الليل ونوم النهار.وكما قلت: الإنسان يأثم والطهارة تصح، والماء لا يقال: إنه تنجس؛ لأن النجاسة ما تحققت، ولكن القول الأولى والذي هو الأحوط هو أن الإنسان لا يقدم على غمسها في الإناء إذا استيقظ من النوم, إلا بعد أن يغسلها ثلاثاً كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    الأسئلة

    دفع إشكال أن أبا هريرة أكثر الرواة حديثاً مع كونه أسلم متأخراً
    السؤال: هناك من يتكلم في مرويات أبي هريرة رضي الله عنه بسبب تأخر إسلامه، فما قولكم في هذا؟
    الجواب: ما يتكلم في مرويات أبي هريرة، لكونه تأخر إسلامه إلا أهل البدع أو أهل الهوى، وإلا فإن الصحابة رضي الله عنهم والأمة قد قبلت مروياته، بل أكثر السنة من مروياته، وأكثر الأحاديث من مرويات أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، والمعروف أن الذين يقدحون به هم أهل البدع, مثل: الرافضة الذين يكرهون أبا هريرة ويكرهون غيره من الصحابة، ولهذا يأتون بمثل هذا الكلام السيئ, وهو كون أبي هريرة متأخراً إسلامه وغيره من كبار الصحابة مثل أبي بكر , وعمر , وعثمان , وعلي أقل منه حديثاً مع أنهم من أول من أسلم، ما علموا أو علموا ولكنهم تجاهلوا بقصدهم السوء والإفساد والتشويش.ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه فيه عوامل عديدة جعلت حديثه يكثر، وجعلت الناس يأخذون عنه كثيراً؛ أولاً: من ناحية تحمله، لكونه لازم الرسول صلى الله عليه وسلم.أما من ناحية كثرة الرواية عنه فكونه في المدينة، وكونه عاش مدة طويلة؛ لأنه في حدود الستين كانت وفاته، يعني: عاش بعد الرسول صلى الله عليه وسلم حدود الخمسين سنة، أما أبو بكر, وعمر, وعثمان, وبعض الصحابة الذين هم أقل حديثاً منه فقد كانت وفاتهم متقدمة، ثم فيهم من كان مشغولاً بالولاية، ومشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة رضي الله عنه فما عنده إلا الأخذ والإعطاء، وعنده التحمل والتحميل، ثم كونه عاش بالمدينة، والمدينة الناس يأتون إليها، يردون ويصدرون، وإذا جاءوا يأتون لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وأبو هريرة موجود في المدينة، فهذا من أسباب كثرة الرواية عنه وكثرة حديثه.والذي يتكلم فيه لا يضر أبا هريرة ، وإنما يضر المتكلم، وكما يقولون: كم من كلمة قالت لصاحبها: دعني، فالإنسان يتكلم بكلمة وكان ينبغي له ألا يتكلم بها، وكأن الكلمة تناديه وهي تقول له: دعني قبل أن ينطق بها؛ لأن النطق بها ليس بحسن، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول في الحديث الصحيح: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) .والحافظ ابن حجر رحمه الله لما ذكر كلام بعض الحنفية المتعصبين الذين تكلموا في حديث المصراة من أجل أنه من حديث أبي هريرة ، قال: وقائل هذا الكلام ما ضر إلا نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في رده على أبي زيد الدبوسي فقال: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (6)

    - (باب السواك إذا قام من الليل) إلى (باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟)
    وأما تخريج الحديث فقد خرجه جماعة كثيرون، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة: البخاري و مسلم و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه ، بل إن المعلق على جامع العلوم والحكم -وهو الشيخ شعيب الأرناءوط - ذكر تخريجه عن تسعة عشر إماماً، وفي مقدمتهم أصحاب الكتب الستة، وفي مقدمة الذين خرجوه البخاري و مسلم في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.والإمام النووي رحمه الله لما ذكر الحديث عازياًَ إليهما ذكر ذلك في أول الأمر فقال: (رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي ) ، ونسبته إلى الجعفي نسبة ولاء، ونسبة الولاء تكون أحياناً بالعتق، وتكون -أيضاً- بسبب الإسلام، ونسبة البخاري إلى الجعفيين نسبة ولاء بسبب الإسلام؛ لأن أحد أجداده دخل في الإسلام على يد رجل من الجعفيين، ولهذا يقولون في ترجمته: الجفعي مولاهم. وأما مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري فهو قشيري، وهو منهم نسبة أصل وليست نسبة ولاء، ولهذا يقولون عنه: القشيري من أنفسهم، فإذا كان الشخص ينسب نسبة ولاء قالوا: مولاهم. وإذا كان فيهم أصلاً أتوا بكلمة (من أنفسهم) أي أنه ينتسب إليهم نسبة أصل، وليست نسبة ولاء، فـمسلم بن الحجاج من بني قشير، وأما البخاري فنسبته إلى الجعفيين نسبة ولاء، وليست نسبة أصل. وهذا الحديث من غرائب (صحيح البخاري )، فقد جاء من طريق واحدة، فهو فرد مطلق، فرواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي ، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي ، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري ، ثم كثر الآخذون والراوون له عن يحيى بن سعيد حتى قيل: إن الذين رووه عنه يبلغون السبعين وقيل: إنهم يبلغون المائتين. وقيل: أكثر من ذلك. وهو غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يحيى بن سعيد . ومثله الحديث الذي ختم به البخاري (صحيحه)، وهو حديث أبي هريرة (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فإنه -أيضاً- غريب، فلم يروه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أبو هريرة ، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير ، ولم يروه عن أبي زرعة إلا عمارة بن القعقاع ، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل بن غزوان ، ثم انتشر بعد ذلك وكثر الآخذون والراوون له عن محمد بن فضيل بن غزوان ، ففاتحة صحيح البخاري وخاتمته حديثان من غرائب الصحيح، فلم يأتيا إلا من طريق واحدة، وقد قال الترمذي عندما خرج الحديث الأخير في جامعه -وهو: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن ..)- قال: حديث حسن غريب صحيح. ويعني بقوله: (غريب) أنه جاء من طريق واحدة.وقد افتتح البخاري -رحمه الله- صحيحه بحديث عمر السابق، وكذلك الإمام النووي رحمه الله بدأ به الأربعين إشارة إلى تصحيح النية، وأن الإنسان إذا عمل عملاً فإنه يستحضر الإخلاص، ويستحضر حسن القصد، وأن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله، وابتغاء مرضاته سبحانه.فقد بدأ الأربعين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث عمر في قصة جبريل، فبدأ بأول حديث في البخاري ، وثنى بأول حديث في صحيح مسلم ، فحديث عمر الذي في قصة جبريل هو أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، وأول حديث في صحيح البخاري هو حديث (إنما الأعمال بالنيات). وقد سبق المؤلف إلى هذا الصنيع الإمام البغوي في كتابيه (شرح السنة) و(مصابيح السنة)، فإنه بدأ كلا الكتابين بحديث (إنما الأعمال بالنيات)، وثنى بحديث جبريل في تعليم الدين.وكذلك -أيضاً- بدأ المؤلف كتابه (المجموع شرح المهذب) بهذا الحديث؛ لأنه بعدما انتهى من المقدمة عقد فصلاً في إخلاص النية وحسن القصد، وأن يكون ذلك في الأمور الواضحة والجلية، ثم ذكر ثلاث آيات من كتاب الله، ثم ذكر حديث عمر بن الخطاب (إنما الأعمال بالنيات).وقد فعل ذلك -أيضاً- بعض المؤلفين فبدءوا بما بدأ البخاري به صحيحه، ومنهم: السيوطي ، فقد بدأ كتابه (الجامع الصغير) بهذا الحديث، وكذلك: عبد الغني المقدسي في كتابه (عمدة الأحكام)، فإنه بدأ بهذا الحديث، وكل هذا إشارة منهم إلى هذا الغرض النبيل الذي هو حسن القصد، والبدء بشيء يذكر الإنسان وهو يعمل عملاً ما بضرورة الإخلاص وحسن النية، وأن يريد الإنسان بعمله ذلك وجه الله عز وجل والتقرب إليه سبحانه وتعالى.
    السواك إذا قام من الليل

    شرح حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب السواك إذا قام من الليل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد عن جرير عن منصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) ].هنا أورد النسائي رحمة الله عليه عدة أبواب تتعلق بالسواك، وأولها: باب السواك إذا قام من الليل.أي: أنه يُستحب السواك إذا قام الإنسان من نوم الليل؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ومن المعلوم أن السواك فيه تطهير وفيه تنظيف، ومن المعلوم أن الطهارة منها ما هو مستحب، ومنها ما هو متعين والسواك من الأمور المستحبة للصلاة ولغير الصلاة.وهذه الترجمة تتعلق بما إذا قام من الليل فإنه يستاك؛ وذلك لأن الإنسان إذا نام هذه المدة الطويلة فإنه يمسك فيها عن الحركة وعن الكلام, فيحصل شيء من الروائح التي تتصاعد من الجوف، فإذا أتى بعد النوم بالسواك يكون في ذلك تنظيف وتطهير وحصول رائحة طيبة بدل الرائحة الكريهة التي جاءت بعد طول المكث، فشرع الاستياك عند القيام من النوم؛ لتحقيق هذه المصلحة, وتحصيل هذه الفائدة.وكما جاء في الحديث الذي سيأتي: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) يعني: فيه تطهير للفم وتنظيف له, وإبقاء على الأسنان نظيفة وحصول الرائحة الطيبة بسبب الاستياك، فمشروعية السواك في هذا الوقت تحقق هذه المصلحة, وتحقق هذه الفائدة التي يستفاد حكمها من فعل رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وقوله: (يشوص فاه بالسواك) يعني: يدلك فاه بالسواك؛ ويدلك أسنانه بالسواك؛ حتى تذهب الرائحة الغير الحسنة, ويحل محلها الرائحة الطيبة.وكلمة (كان) تستعمل غالباً لما حصلت المداومة عليه، وكان يفعل كذا؛ معناه: أنه يداوم عليه؛ لكن هذا ليس بمطرد، فقد تأتي (كان) ولا تفيد المداومة، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما حج إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع، فقولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) تعني: مرة واحدة، وليست مرات كثيرة؛ لأن الرسول ما حج حجات كثيرة حتى يقال: إنه في كل حجة من الحجات عندما يريد أن يطوف بالبيت بعدما يتحلل التحلل الأول أنها كانت تطيبه.فهذا يدل على أن (كان) قد تأتي أحياناً ولا يراد بها المداومة، مثل هذا الموضع الذي لا يقبل المداومة، ولا مجال للمداومة فيه؛ لأنه ما حصل إلا مرة واحدة منها.أما بالنسبة للعمرة أو للإحرام فالرسول عليه الصلاة والسلام اعتمر مرات، لكنه ما حج إلا مرة واحدة، فقولها: (كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت) أي: أنها ما طيبته إلا مرة واحدة، لكن الغالب على (كان) هو استعمالها فيما يفيد المداومة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم وقتيبة بن سعيد].وقتيبة بن سعيد هو شيخه في الإسناد الأول، وهنا ذكر الحديث عن شيخين هما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه الإمام المعروف, وقتيبة بن سعيد ، ولا أعرف طريقة النسائي عندما يروي الحديث عن شيخين؟ ولا اللفظ لأيهما؟ أما البخاري فقد عرف أن طريقته إذا أورد الحديث عن شيخين فاللفظ الذي يذكره للثاني منهما وليس للأول، أما النسائي فأورد الحديث عن شيخين, ولكن حتى الآن لا ندري ما هي طريقة النسائي في صاحب المتن من شيوخه الذين يذكرهم ويقرن بينهم؟ ولا ندري لأيهم اللفظ؟ وإسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي , وهو: ابن راهويه ، وهو إمام من الأئمة الحفاظ المتقنين، وله مسند فيه أحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف من طريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري: أنه عندما يأتي إسحاق غير منسوب يحتمل ابن راهويه ويحتمل غيره، فإذا كان الحديث أو الإسناد فيه تعبير بأخبرنا, فإنه غالباً ما يكون ابن راهويه؛ لأنه معروف من عادته أنه يعبر بأخبرنا، وقد يستعمل (حدثنا)، لكن هذا هو الغالب على عادته.[عن جرير].وجرير هنا غير منسوب، وهو جرير بن عبد الحميد وهو من الثقات, الحفاظ.[ عن منصور].هو ابن المعتمر وهو من الثقات, الحفاظ.[عن أبي وائل].هو شقيق، وهو معروف, مشهور بكنيته , ومشهور باسمه، ولهذا أحياناً يأتي ذكره أبو وائل بالكنية، وأحياناً يأتي باسمه فيقال: شقيق، وهو هو، إلا أنه أحياناً يذكر باسمه وأحياناً بكنيته، وهذه من الأمور المهمة كون الإنسان الذي عرف بكنيته يعرف باسمه أو العكس؛ حتى إذا ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته لا يقال: هذا غير هذا، بل يعلم أن هذا هو هذا، ولكنه مرة جاء في الإسناد مذكوراً بالاسم، ومرة جاء في الإسناد مذكوراً بالكنية.[ عن حذيفة ].هو حذيفة بن اليمان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين، وهو الذي كان يقال له: صاحب السر أي: الذي أسر له بالمنافقين، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    كيف يستاك

    شرح حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن، وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ).هنا أورد النسائي رحمة الله عليه: باب كيف يستاك.أورد فيه حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وهو (أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستن, وطرف السواك على لسانه، وهو يقول: عأ عأ) والمقصود بـ(يستن) أي: من الاستنان, وهو افتعال من الأسنان؛ يعني: أنه يحرك أو يدير السواك على أسنانه؛ لتحصل النظافة والنقاء، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنه يخبر بأنه دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعمل هذا العمل, الذي هو الاستياك.قال: (وطرف السواك على لسانه وهو يقول: عأ عأ) ، وفي رواية للبخاري: (أع أع) ، وهناك أيضاً روايات أخرى, وكلها تحكي الصوت الذي يخرج من الفم؛ بسبب دخول السواك فيه.والحديث جاء في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري: (دخلت على رسول الله وهو يستن وطرف السواك على لسانه...)
    قوله: [حدثنا أحمد بن عبدة عن حماد].هو شيخ النسائي، أحد الثقات، وحماد بن زيد شيخ شيخه، وهو أيضاً من الحفاظ، الثقات، المتقنين، وهو أحد الحمادين المشهورين بالحديث، وهما: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة ، وحماد بن زيد هو الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وروى عنه البخاري كثيراً، وأما حماد بن سلمة فقد روى له البخاري في التعاليق، وروى عنه الباقون.وبعض العلماء يفضل حماد بن سلمة على حماد بن زيد؛ وذلك لأن نسب حماد بن زيد بن درهم، وحماد بن سلمة بن دينار؛ أي: أن أحدهما وهو حماد بن سلمة جده دينار ، وحماد بن زيد جده درهم ، فبعض العلماء يقول في ترجيح أو تقديم حماد بن سلمة على حماد بن زيد : الفرق بينهما كالفرق بين الدينار والدرهم، فكلهم من الثقات الأثبات، إلا أن الإمام البخاري لم يرو عن حماد بن سلمة إلا في التعليقات, ولم يرو عنه في الأصول.وأما حماد بن زيد فقد روى عنه الجميع، فقد روى عنه البخاري في الأصول وأكثر عنه، وجاء في صحيح البخاري عنه أحاديث كثيرة.[عن غيلان بن جرير].هو غيلان بن جرير الضبي وهو أيضاً من الثقات.[عن أبي بردة].هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو مشهور بكنيته، ويقال: إن اسمه عامر، وقيل: الحارث، ولكنه مشهور بكنيته وهي: أبو بردة، ولم يشتهر باسمه, ويأتي كثيراً يروي عن أبيه أبي موسى الأشعري.[عن أبي موسى الأشعري].هو أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أحد الصحابة الأجلاء المشهورين رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وقد علم من طريقة المحدثين أنه إذا كان الرجل ممن تشرف بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم, فإنهم لا يضيفون إليه شيئاً أكثر من كونه صحابياً، إلا إذا أرادوا أن يبينوا كونه مكثراً, أو كونه بدرياً، أو كونه من أهل بيعة الرضوان، أو ما إلى ذلك من الصفات، أما من حيث التعديل والتوثيق فلا يحتاجون إلى تعديل أو توثيق؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد عدلهم وأثنى عليهم في كتابه, وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فليسوا بحاجة إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين بعد أن حصل لهم التعديل, وحصل لهم الثناء من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم.ولهذا يكفي عن الصحابي أن يقال: إنه صحابي، وإذا كان مجهولاً ولا يعرف شخصه، ولكن عرف بأنه صحابي، فإن ذلك أيضاً لا يؤثر، بخلاف الجهالة في غير الصحابة فإنها تؤثر، ولا يعول على الإسناد، أما بالنسبة للصحابة فالمجهول فيهم لا تؤثر فيه الجهالة، ويكفي أن يقول التابعي: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وأما الذين يحتاجون إلى معرفة, ويحتاجون إلى تعديل وتوثيق فهم من دون الصحابة، أما الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهم لا يحتاجون إلى هذا، بل يكفي الواحد منهم أن يقال: إنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا عند التراجم يقال عنه: صحابي، ولا يضاف إليه شيء آخر بأن يقال: ثقة, أو أن يقال: متقن, أو أن يقال: حافظ, أو أن يقال: كذا، فهؤلاء أبداً لا يحتاجون إلى شيء منه بعد تعديل الله عز وجل لهم وثنائه سبحانه وتعالى، وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (7)

    - (باب السواك إذا قام من الليل) إلى (باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟)


    هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟

    شرح حديث أبي موسى الأشعري: (أقبلت إلى النبي ومعي رجلان من الأشعريين... ورسول الله يستاك...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى وهو ابن سعيد حدثنا قرة بن خالد حدثنا حميد بن هلال حدثني أبو بردة عن أبي موسى رضي الله عنه أنه قال: (أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل العمل، قلت: والذي بعثك بالحق نبياً ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: إنا لا، أو لن نستعين على العمل من أراده، ولكن اذهب أنت، فبعثه على اليمن، ثم أردفه معاذ بن جبل رضي الله عنهما)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث الذي هو عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، ويرويه عنه ابنه أبو بردة ، ويحكي فيه أبو موسى الأشعري أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو واثنان من الأشعريين من جماعته وبني قومه، جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وأبو موسى يمشي في الوسط بينهما، حتى وصلوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووجدوه يستاك، فلما دخلوا عليه كل واحد من الأشعريين اللذين على يمينه وعلى يساره طلب العمل؛ يعني: طلب منه أن يوليه على عمل من الأعمال.وأبو موسى رضي الله عنه خشي أن يظن أنه جاء قصده قصدهم، وأنهم متفقون، وأن هذين هما اللذان تكلما، فأراد أن يدفع عن نفسه ما قد يظن من أنه جاء للقصد الذي قصداه، وأنه يريد الذي أراداه، فأقسم قائلاً: (والذي بعثك بالحق نبياً ما أطلعاني على ما في أنفسهما) وأنه ما يدري عن هذا القصد الذي أبدياه للرسول صلى الله عليه وسلم، فدافع عن نفسه وأبعد التهمة عن نفسه؛ لأنهم جاءوا سوية وهو وسطهم، وهم من جماعة واحدة، واثنان طلبا العمل، فالثالث إذا سكت فسوف يظن أن الطريق واحدة، وأن المهمة واحدة، وأن القصد متحد، وهم أشعريون، وأبو موسى في الوسط، فأراد أن يبرئ نفسه، وأن يبرئ ساحته من أن يظن به ذلك؛ لوجود هذه القرائن المتعددة.وفيه دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لأن الرسول ما استحلفه، وما طلب منه أن يحلف، ولكنه حلف للتأكيد بدون أن يستحلف، فهو دليل على جواز الحلف من غير استحلاف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، والرسول صلى الله عليه وسلم حلف كثيراً على أمور دون أن يستحلف، والمقصود من ذلك تأكيد الكلام الذي يحلف عليه، وكثيراً ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحلف ويقول: (والذي نفسي بيده)، (والذي نفس محمد بيده)، فهذا من جملة الأدلة الدالة على جواز الحلف من غير استحلاف.وفيه أيضاً دليل على أن الإنسان إذا كان هناك مظنة لأن يتهم في شيء فإنه يبادر إلى نفي التهمة عنه، ونفي ما قد يقع في النفس في حقه؛ لأن أبا موسى رضي الله عنه وأرضاه لما كانت القرائن قائمة على أنه قد يظن به ذلك الشيء الذي حصل من الاثنين بادر في دفع ذلك الذي قد يظن في حقه, وأقسم على ذلك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولما طلبا العمل أبدى ما في نفسه, وأنه ما كان فكر في الذي فكرا فيه، وأنه لا يعلم ما في أنفسهما، وأن هذا شيء ما تواطأ معهما عليه، وأنهما لم يطلعاه على ما في أنفسهما. وقوله: (إنا لا، أو لن نولي هذا العمل أحداً طلبه) فيه دليل على أن من يحرص على العمل لا ينبغي أن يمكن منه، وقد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام النهي عن سؤال الإمارة, وقال: (إنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)؛ لأن الحرص على الشيء قد يكون الدافع له الرغبة في الظهور، والرغبة في الولاية، فيكون في ذلك محذور، وإذا كان الإنسان ما طلب الشيء ثم إنه ابتلي به وكلف به، فإنه حري أن يعان عليه؛ لأنه ما شغل باله, وما أشغل نفسه في البحث عنه وفي تحصيله.فالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين أن من طلب العمل, وأراد العمل لا يولى العمل، وأنه لا يستعان به في العمل، وإنما يستعان بالذي ما طلبه حيث يكون كفؤاً، فهو الأولى به والأحق به، ولهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما ولى الذين طلباه وولى الذي لم يطلبه وهو أبو موسى الأشعري، وقال: (إنا لا نستعين على هذا الأمر بأحد أراده، ولكن اذهب أنت إلى اليمن) فأرسله إلى اليمن، ثم أردفه بـمعاذ بن جبل رضي الله عنه ,كما جاء ذلك مبيناً في الصحيحين وفي غيرهما.والحديث في الصحيحين من طرق، وفي البخاري في مواضع متعددة مطولاً ومختصراً، وفي بعضها: أنه كان جعل اليمن مخلافين؛ يعني: قسمين، قسم ولايته لـأبي موسى , وقسم ولايته لـمـعاذ بن جبل ، فكان أبو موسى أو معاذ ينصب خيمة في طرف المخلاف الذي هو وال عليه, وكان الثاني عندما يأتي يتجول في مكان ولايته ويؤدي عمله يأتي ويزور صاحبه في مكان ولايته.وقوله: (إنا لا أو لن نستعين على هذا العمل بأحد أراده) هذا شك من الراوي (لا أو لن)؛ لأن الرسول قال أحدهما، قال: لن نولي, أو: لا نولي، فهو أتى به هنا على الشك إما (لا أو لن) نولي أو نستعين على هذا العمل بأحد أراده.ففيه دليل على تقديم من لم يحرص على الولاية، وأنه هو الأحق، وأنه هو الأولى، وهو الحري بأن يعان، بخلاف من كان حريصاً وراغباً, فإنه قد يكون له أهداف غير المصالح العامة وإفادة المسلمين.
    حكم الاستياك بحضرة الناس


    والمقصود من إيراد الحديث هنا هو الذي ترجم له النسائي قال: باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ ومحل الشاهد من ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستاك لما جاءه هؤلاء الثلاثة من الأشعريين، وهو مطابق للترجمة من حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإمام استاك بحضرة ثلاثة من رعيته، ففي هذا دليل على جواز مثل ذلك، وأنه لا بأس به، وأنه كونه يحصل الاستياك في الأماكن العامة لا بأس بذلك، لكن ترجمة النسائي بكون الإمام يستاك بحضرة الرعية يستشعر منه أنه ليس على إطلاقه؛ بمعنى: أنه ليس كل واحد يستاك في أي مكان يكون فيه اجتماع؛ لأن قوله: (هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟) يشير إلى أن ذلك سائغ في حق من لا يستقذر ذلك منه، كأن يكون المتبوع وحوله الأتباع، وكون ذلك يحصل منه ليس مثل كونه يحصل من غيره، فتعبير النسائي بقوله: هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ ولم يقل: هل يستاك الإنسان بحضرة الناس؟ حتى يكون عاماً، وإنما أتى به مطابقاً لما حصل, ومطابقاً لما وقع وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الإمام كان يستاك بحضرة بعض الرعية، فمن العلماء من أخذ من ذلك الجواز على سبيل العموم, وأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بحضرة الناس، ومنهم من رأى أنه يقيد في حق من لا يعاب ذلك عليه وهو المتبوع بحضرة الأتباع، والإمام بحضرة الرعية، ولهذا النسائي قال: باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيته؟ومن المعلوم أن التراجم أحياناً يؤتى بها على سبيل العموم حيث يكون الأمر واضحاً، وأن هذا لا يخص من حصل منه، وأنه للجميع، وأحياناً قد يكون الأمر خاصاً لا يتعدى إلى الغير, ولا يقاس الغير عليه، كما فعل البخاري رحمه الله في بعض التراجم التي فيها: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم زار أحد أصحابه, وقد أغمي عليه، فتوضأ ثم أخذ فضل وضوئه ورشه عليه فأفاق)، فترجم له البخاري قال: باب صب فضل وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم على الإنسان، فأتى بالترجمة مضافة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن التبرك إنما هو بالرسول صلى الله عليه وسلم، ليس لأحد من الناس أن يفعل كما فعل الرسول إذا زار مريضاً يتوضأ ثم يرش عليه من فضل وضوئه؛ لأنه لا يتبرك به، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو يتبرك بفضل وضوئه، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يأخذون شعره وفضل وضوئه, وكذلك يحرصون على لمس جسده حتى يصيبهم عرقه صلى الله عليه وسلم يتبركون به، بل كانوا يأخذون نخامه عليه الصلاة والسلام ويدلكون بها جلودهم رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأن التبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم جاءت به أحاديث كثيرة، ولم يأت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم تبركوا بأحد من كبار أصحابه كـأبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وأخذوا فضل وضوئهم، أو أخذوا نخامهم، أو تبركوا بعرقهم، وما حصل منهم هذا، فعلم أن هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذي ترجم له البخاري في كونه صب على المريض من وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم ترجمة مطابقة؛ لأنه لا يلحق به غيره، ولا يتبرك بأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأشياء التي تخرج منه، مثل: البصاق, ومثل: العرق، وكذلك ما يتساقط من جسده من فضل وضوئه عليه الصلاة والسلام من شعره، فهذا لا يقاس عليه غيره، ولا يلحق به غيره عليه الصلاة والسلام، ولهذا أجمع الصحابة على هذا, وتركوا صنع ذلك مع غير الرسول صلى الله عليه وسلم.أما هذه الترجمة فهي محتملة هل هي خاصة بالإمام؟ أو له ولغيره؟ لأن مسألة الاستياك قد تكون كما خصص النسائي الترجمة في الإمام بحضرة الرعية، وقد تكون عامة، وأن الرسول فعل هذا ليقتدى به، لكن إذا كان هناك استقذار من بعض الناس في المجالس العامة, وفي غير الأماكن التي وردت مشروعية السواك فيها, فقد يكون له وجه، وليس الأمر في ذلك بالواضح باختصاص الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك, كما كان الأمر واضحاً بالاختصاص بالتبرك بفضل وضوئه، وبما يسقط من جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث أبي موسى الأشعري: (أقبلت إلى النبي ومعي رجلان من الأشعريين... ورسول الله يستاك...)
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي الفلاس, وهو من رجال الكتب الستة، وهو من الحفاظ النقاد، وهو من المعروفين بالجرح والتعديل. [حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان ، وهو أيضاً من الذين يعول عليهم في الجرح والتعديل، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو من الحفاظ, المتقنين، وهو من رجال الكتب الستة، وهو وعبد الرحمن بن مهدي ممن عرفوا بالتقدم والتعويل عليهم في الجرح والتعديل، ولهذا لما ذكر الذهبي في كتابه (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) ذكر أناساً على مختلف الأزمان، فذكر يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وأثنى عليهما، وقال: إنهما إذا اجتمعا على تعديل شخص فتعديلهم له أهميته ومنزلته، وإذا اجتمعا على جرح شخص قال الذهبي : فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أن كلامهم أصاب المحك، وأصاب الهدف، فأثنى عليهما ثناءً عظيماً.ويحيى بن سعيد القطان هو من شيوخ شيوخ النسائي ، وكذلك أصحاب الكتب الستة هو من شيوخ شيوخهم، وهناك من هو في زمانه ومن طبقته وهو يحيى بن سعيد الأموي وهما في طبقة واحدة، ويحصل اللبس بينهما، ولكن يعرف ذلك بالشيوخ والتلاميذ، ويعرف ذلك أيضاً بكون الأموي يروي عنه ابنه سعيد ، وهو معروف بالرواية عنه، فإذا روى سعيد بن يحيى عن يحيى بن سعيد فهو الأموي ؛ يعني: عن أبيه، فهما اثنان في طبقة واحدة، وهما من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة.وهناك اثنان بهذا الاسم: يحيى بن سعيد، ولكنهما في طبقة صغار التابعين، وهما يحيى بن سعيد التيمي , ويحيى بن سعيد الأنصاري فهؤلاء في طبقة عالية، وهي طبقة صغار التابعين، ولا يلتبس هذان بهذين؛ لأن بينهما تفاوتاً في الطبقات، ولكن الالتباس فيما إذا لم تحصل النسبة بين يحيى بن سعيد الأموي , ويحيى بن سعيد القطان ، وكذلك بين يحيى بن سعيد الأنصاري , ويحيى بن سعيد التيمي، وهما من صغار التابعين، فعندما يأتي ذكر يحيى بن سعيد في طبقة شيوخ شيوخ البخاري , ومسلم , وأبي داود , والترمذي , وابن ماجه لا يفكر بأنه يحيى بن سعيد الأنصاري أو يحيى بن سعيد التيمي ؛ لأن هؤلاء في طبقة عالية، وهذه هي فائدة معرفة الطبقات وهي كون الإنسان يعرف أزمان العلماء وطبقاتهم, وأن هذا في الوقت الفلاني, وهذا في الوقت الفلاني، وهذا متقدم, وهذا متأخر، فهذا هو الذي يجعل الإنسان يعرف من يصلح أن يكون هو فلان ومن لا يصلح؛ لأن الإنسان الذي لا يعرف الطبقات يمكن أن ينقدح في باله عندما يأتي من شيوخ شيوخ البخاري يحيى بن سعيد يمكن يأتي في باله التيمي , أو الأنصاري ، لكن الذي يدري أن الأنصاري أو التيمي من طبقة صغار التابعين, وأنهم في زمن متقدم لا يلتبس عليه الأمر، بل لو حصل انقلاب في الإسناد أو حصل تقديم وتأخير يعرف أن هذا خطأ، أو أن المقصود بهذا فلان أو فلان، لكن الإنسان الذي لا يعرف قد يجعل المتقدم متأخراً والمتأخر متقدماً.[حدثنا قرة بن خالد].وهذا أيضاً من الثقات الأثبات.[حدثنا حميد بن هلال].وهو كذلك أيضاً من الثقات.والطريق إلى معرفة الطبقات هي: كثرة المراس، وكثرة التأمل, ومعرفة الأشخاص, ومعرفة التابعين، وأتباع التابعين, ومن يكون بعدهم, ومن يكون متأخراً, ومن يكون متقدماً، فهذا لا يعرف إلا بكثرة المراس, وملاحظة من يكون متقدماً، ومعرفة الأزمان، ومعرفة تاريخ الوفاة, ومعرفة تاريخ الولادة، ومعرفة أن هذا يروي عن هذا، وهذا لا يروي عن هذا، وهذا متقدم على هذا، ومتأخر عن هذا، وأن هذا يأتي في طبقة التابعين وهذا في طبقة أتباع التابعين، وهذا في طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهذا في طبقة شيوخ شيوخهم، وهكذا يعرف بهذه الطريقة.وقوله: (وهو ابن سعيد) هذه الطريقة وهي: أن الشخص إذا جاء في الإسناد الاسم غير مستوفى فيأتي بما يوضحه، مثاله قال: يحيى وهو ابن سعيد، وكلمة (هو ابن سعيد)، هذه لا يقولها عمرو بن علي؛ لأن عمرو بن علي هو تلميذ يحيى بن سعيد ينسبه كما يريد، تارة يقول: حدثنا يحيى ، وعندما يريد أن يوضح يقول: يحيى بن سعيد؛ لأنه هو الذي يأتي بنسبه كاملاً أو ناقصاً، لكن من تحته ومن وراءه إذا وجد شيخه, أو شيخ شيخه ذكر الاسم على صيغة معينة، ليس له أن يزيد في الإسناد فيقول: يحيى بن سعيد؛ لأنه لو زاد لظن أن تلميذه هو الذي قال هذا الكلام، فيكون قوله ما لم يقل، فعندما يريد من تحت التلميذ أن يأتي بما يلحق فيقول: (هو) أو (يعني)؛ حتى يفهم بأن هذا ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، فهذا لا يكون إلا من النسائي, أو ممن دون النسائي، فكلمة: (هو ابن سعيد), هو الذي يمكن أن يقول هذا الكلام، أما تلميذ يحيى بن سعيد القطان الذي هو عمرو بن علي الفلاس , فلا يقول: (هو)؛ لأنه يمكنه أن يذكر نسبه، لكن من دونه إذا أراد أن يوضح ذلك الرجل بما يعينه ويوضح من هو لا يأتي به دون أن يأتي بما يدل على ذلك بكلمة: (يعني: فلاناً), أو (هو: ابن فلان). نكتفي بهذا القدر، وصل اللهم! على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (8)

    - باب الترغيب في السواك
    - باب الإكثار في السواك


    وقد ذكر بعض أهل العلم أنّ هذا الحديث من الأحاديث التي يدور عليها الدين.فمن العلماء من قال: إن الدين يدور على حديثين: حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). ومنهم من قال: إنه يدور على ثلاثة. وأضاف إلى الأولين حديث النعمان بن بشير (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وقال بعضهم: إنها أربعة. واختلفوا بعد ذلك، فمنهم من جعل الرابع حديث: (الدين النصيحة)، ومنهم من جعله حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة). ومنهم من قال: خمسة. والأحاديث التي وردت في ذلك بعد حديث (إنما الأعمال بالنيات)، وحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) منها الأحاديث التي أشرت إليها سابقاً، ومنها حديث: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، ومنها حديث (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، ومنها حديث (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ومنها حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وكل هذه الأحاديث التي ذكر الحافظ ابن رجب آثاراً عن السلف في أن الدين يدور عليها هي من جملة الأحاديث التي اشتملت عليها (الأربعون النووية)، وهي من جوامع كلمه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    الترغيب في السواك
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الترغيب في السواك.أخبرنا حميد بن مسعدة و محمد بن عبد الأعلى عن يزيد وهو ابن زريع حدثني عبد الرحمن بن أبي عتيق حدثني أبي سمعت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ].
    شرح حديث: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
    أورد النسائي رحمه الله باب: الترغيب في السواك، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب) وهذا فيه ترغيب في السواك؛ لأن كونه يوصف بأنه مطهرة للفم, وأنه مرضاة للرب, معناه أنه مرغب فيه، وهو يفيد الترغيب في الاستياك.ثم أيضاً في هذا الحديث دليل على أن الأحكام الشرعية تجمع في فوائدها بين المصالح الدنيوية والأخروية؛ لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مطهرة للفم, مرضاة للرب) فيه مصلحة عاجلة وآجلة، أي: مصلحة دنيوية, ومصلحة أخروية.فقوله: (مطهرة للفم) فهذه مصلحة دنيوية, وهي مصلحة عاجلة، فيها فائدة صحية, وهي كون الإنسان إذا استاك فإنه يطهر فمه وينظفه, ويحصل في ذلك الطهر والنقاء في فمه، فتكون فيه النظافة وتكون فيه الرائحة الطيبة، فإذاً هذه فائدة عاجلة دنيوية يحصلها الإنسان في الوقت الحاضر الذي يفعل فيه هذه السنة.والمصلحة الأخروية في قوله: (مرضاة للرب) أي: فيه اكتساب رضا الله عز وجل, وتحصيل رضا الله سبحانه وتعالى، وذلك من جهتين:من جهة أن السواك فعله سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعل السنة فيه تحصيل رضا الله عز وجل.ثم من جهة أخرى: أن الإنسان إذا كان في الصلاة, فهو يناجي الله سبحانه وتعالى, فيكون على حالة طيبة وعلى هيئة حسنة. ففيه رضا الرب سبحانه وتعالى من جهة فعل السنن، ومن جهة أن الإنسان عندما يناجيه في الصلاة يكون على حالة طيبة وعلى هيئة حسنة.فهذا الحديث دليل واضح الدلالة على أن أحكام الشريعة فيها الجمع بين تحصيل الفوائد العاجلة والآجلة، الدنيوية والأخروية، وهذا من أوضح ما يدل على ذلك.ويماثل هذا الحديث في الدلالة على هذا المعنى -وهو: الجمع بين المصالح الدنيوية والأخروية- ما جاء عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه لما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي الطعنة التي نال الشهادة بها, وهو يصلي بالناس الصبح, ومات على إثر تلك الطعنة، عاش أياماً، وكان يغمى عليه ويفيق, والناس يزورونه ويثنون عليه، وكان ممن زاره شاب جاء وأثنى عليه وقال: (هنيئاً لك يا أمير المؤمنين، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسنت صحبته، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم وليت فعدلت ثم شهادة، قال: وددت أن يكون ذلك كفافاً لا عليَّ ولا لي)، ثم لما ولى الغلام الذي قال هذا الكلام وإذا ثوبه يمس الأرض، فقال: (ردوا عليَّ الغلام، فلما رجع إليه قال: يا ابن أخي! ارفع ثوبك, فإنه أبقى لثوبك, وأتقى لربك)، فأرشده عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى هاتين الفائدتين: العاجلة والآجلة، الدنيوية والأخروية.فقوله: (فإنه أبقى لثوبك) هذه فائدة دنيوية, وهي: أن الثوب لا يتسخ، لأنه إذا نزل وهو في الأرض تعرض للأوساخ فاتسخ، فقال: إنك إذا رفعته تحصل هذه الفائدة وهي أن ثوبك يبقى نقياً، ولا يكون عرضة للأوساخ، فهذه هي الفائدة العاجلة.وقوله: (أتقى لربك) فهذه فائدة آجلة، وأيضاً تكون عاجلة في نفس الوقت؛ لأن تقوى الله عز وجل فيها الفوائد في الدنيا والآخرة، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، ويقول: إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29] فأرشده أمير المؤمنين رضي الله عنه وأرضاه إلى هاتين الفائدتين، وهو مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب)، فقول عمر رضي الله عنه: (فإنه أبقى لثوبك وأتقى لربك) فيه الجمع بين المصالح الدنيوية والمصالح الأخروية.ثم كون عمر رضي الله عنه وأرضاه قال هذا الكلام لهذا الشاب, وقد أثنى عليه الشاب ذلك الثناء، وهو في حالة شديدة يغمى عليه ويفيق، وكان الصحابة يسقونه الماء فيخرج من جوفه؛ لأن أمعاءه مقطعة، يسقونه اللبن فيخرج من جوفه, ويغمى عليه ويفيق, ومع ذلك لم يشغله ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما جعله يسكت على هذا الأمر من الأمور التي فيها مخالفة السنة، فكون عمر رضي الله عنه ينبه على مثل هذا الأمر, وهو في هذه الحالة, يدلنا على أن أمور الشريعة, وأمور الدين كلها لباب وأنه ليس فيها قشور ولباب كما يظنه بعض من يخطئ في التعبير, ويقول: إن بعض أحكام الشريعة لباب وبعضها قشور، وأن بعض الناس يشتغل بالقشور ويترك اللباب، فكل الشريعة لباب ليس فيها قشور، وعمر رضي الله عنه وأرضاه نبه هذا الشخص إلى أن يرفع ثوبه وهو في حالة شديدة وفي شدة من المرض رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد أثنى عليه ذلك الرجل ثناءً عظيماً, ومع ذلك ما شغله ما هو فيه من الحال عما لا يصلح السكوت عليه، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم وأرضاهم من الحرص على نفع الناس، وعلى توجيه الناس، وعلى إرشاد الناس ودلالتهم إلى الخير، وتحذيرهم من الشر، رضي الله تعالى عن عمر, وعن الصحابة أجمعين.
    تراجم رجال إسناد حديث: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)
    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة ومحمد بن عبد الأعلى].هذان من رجال مسلم.[عن يزيد وهو ابن زريع].وهو من رجال الكتب الستة, وهو من الثقات الأثبات.(وهو: ابن زريع)، يقال فيه: (هو ابن فلان)! على أن هذه التسمية جاءت ممن هو دون محمد بن عبد الأعلى, وحميد بن مسعدة، وليست منهما؛ لأن هذه التسمية جاءت ممن دون التلاميذ، وأما التلاميذ فينسبون شيخهم ويأتون به كما يريدون من تطويل النسب أو اختصار النسب. [حدثني عبد الرحمن بن أبي عتيق].هو عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عن أبي بكر , وعن الصحابة أجمعين, وعبد الرحمن هذا منسوب إلى جده؛ لأن أبا عتيق هي كنية جده محمد بن عبد الرحمن ، فهو: عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عتيق.وعبد الرحمن لم يرو عنه من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، ولم يرو عنه غيره, ولهذا يقال: هو من أفراد النسائي، فليس عند البخاري, ولا عند مسلم, ولا عند أبي داود , ولا عند الترمذي , ولا عند ابن ماجه هذا الحديث، يعني: من هذا الطريق، بل انفرد به النسائي ، وقد جاء هذا الحديث عند الإمام أحمد وعند غيره ولكن من طرق أخرى, وكذلك من هذا الطريق، لكن عبد الرحمن هذا ممن لم يرو عنه من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ، وقد روى عنه البخاري في الأدب المفرد, وروى عنه النسائي ، فهو من أفراد النسائي.وقد ذكر المزي في التهذيب أن له حديثاً في السواك، وهذا يوهم منه أنه ليس له في النسائي إلا حديث واحد، فكونه يقال: له حديث واحد في السواك, معناه: أنه ما روى عنه إلا حديثاً واحداً، وهذا هو الحديث في السواك، وقد قال عنه الحافظ في التقريب: إنه مقبول، والمقبول هو: الذي يقبل حديثه عند المتابعة، أما إذا تفرد فإنه لا يقبل حديثه، ولكنه هنا توبع، وقد جاء الحديث من طريقين عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الذي هو أبو عبد الرحمن، جاء من غير طريق ابنه عبد الرحمن، وهو هنا قد توبع.وجاء الحديث أيضاً من طرق أخرى، وجاء أيضاً عن جماعة من الصحابة، وله شواهد عن غير عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولهذا فالحديث صحيح، وقد ذكر ذلك الشيخ الألباني في إرواء الغليل، وذكر الذين خرجوا الحديث، وأن الحديث لم يرد من هذه الطريق وحدها, وإنما ورد من طرق متعددة, فقد توبع عبد الرحمن ، وأيضاً له شواهد عن جماعة من الصحابة، وقد أخرجه ابن خزيمة, وابن حبان في صحيحيهما، وأخرجه الإمام أحمد في المسند، والحديث صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.أما الذي يروي عنه عبد الرحمن فهو أبوه عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأبوه عبد الله يروي عن عائشة عمة أبيه؛ لأن عائشة هي عمة محمد بن عبد الرحمن, وأخوها هو عبد الرحمن بن أبي بكر ، وابنه محمد .إذاً: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن يروي عن عمة أبيه عائشة ، ولهذا يقول: سمعت عائشة رضي الله عنها.وعبد الله هذا من الثقات، وله رواية في الصحيحين أو في أحدهما، ويقال عنه: إنه صاحب مزاح، وذكر الحافظ في ترجمته في تهذيب التهذيب: أنه دخل على عمته عائشة وهي مريضة في مرض موتها وقال: كيف تجدينك جعلني الله فداك؟ فقالت: أجدني ذاهبة، قال: فلا إذاً. يعني: لا يريد أن يكون فداها ما دام هناك موت، وهذا من مزاحه.وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها هي التي برأها الله عز وجل من فوق سبع سماوات، وأنزل براءتها مما رميت به من الإفك في كتابه العزيز في آيات تتلى من سورة النور، وهي ذات المناقب والفضائل، وهي أكثر نساء هذه الأمة حديثاً رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ومع نبلها وفضلها كانت تتواضع، ولما أنزل الله تعالى في شأنها ما أنزل قالت: (كنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله تعالى بها، وما كنت أظن أنه ينزل في آيات تتلى، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى في آيات تتلى)، فـالصديقة بنت الصديق تبلغ الغاية في الكمال, ولكنها مع ذلك تتواضع لله عز وجل هذا التواضع فرضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي كما مر أحد السبعة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, والذين جمعهم السيوطي في قوله في ألفيته:والمكثرو في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبي وزوجة النبي في هذا البيت يقصد بها عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
    الإكثار في السواك
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإكثار في السواك.أخبرنا حميد بن مسعدة و عمران بن موسى قالا: حدثنا عبد الوارث حدثنا شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد أكثرت عليكم في السواك) ].
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (9)

    - باب الترغيب في السواك
    - باب الإكثار في السواك


    شرح حديث: (قد أكثرت عليكم في السواك)
    يقول الإمام النسائي رحمة الله عليه: باب الإكثار في السواك، يعني: الإكثار في تأكيده, والحث عليه, والترغيب فيه, وذكر هذا الباب بعد الباب الذي قبله -وهو: باب الترغيب في السواك- لأن هذا مما يؤكد ذلك ومما يوضحه، وهذا من الإكثار فيه، يعني: كون الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (السواك مطهرة للفم, مرضاة للرب) هذا فيه ترغيب فيه, وحث عليه، ففيه مناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله مما يحقق المعنى الذي اشتمل عليه هذا الباب وهو: باب الإكثار في السواك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أكثر على أصحابه في السواك وفي تأكيده، وفي كثرة الأخبار والأحاديث التي جاءت عنه عليه الصلاة والسلام في الإرشاد إليه, والترغيب فيه والحث عليه.وقد أورد الإمام النسائي تحته حديثاً واحداً, وهو عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (قد أكثرت عليكم في السواك)، ومعنى هذا: أنه عليه الصلاة والسلام أكثر عليهم في تأكيده, وفي إيراد الأحاديث والأخبار التي ترغب فيه، فهذا هو معنى الإكثار في السواك من رسول الله صلى الله عليه وسلم.والنسائي رحمة الله عليه كما عرفنا من عادته, أو من طريقته: أنه يشبه البخاري في كثرة التراجم والإتيان بأحاديث تأتي من طرق متعددة ليستدل بها على موضوع يترجم له, ويأتي بالحديث ليستدل به على موضوع الترجمة، ومما يوضح هذا: أن الإنسان إذا نظر في التراجم وأرقام الأحاديث, يجد أن أرقام الأحاديث قريبة من أرقام التراجم، ويجد أن أرقام الأحاديث متطابقة مع أرقام التراجم، بمعنى: أن كل باب تحته حديث، وفيما يأتي في الباب الواحد أكثر من حديث، لكن مهما يكن من شيء فإن الإنسان إذا نظر في أرقام الأحاديث وأرقام التراجم, يجد أن أرقام التراجم قريبة من أرقام الأحاديث، وهذا معناه أن الإمام النسائي يورد الأحاديث ليستدل بها على موضوعات، وغالباً ما يكون الموضوع أو الباب يأتي تحته حديث واحد؛ لأن مقصوده من هذا العمل وهذا الأسلوب هو معرفة الفقه وما يستنبط من الأحاديث، وهو بهذا أراد أن يكون كتابه كتاب رواية ودراية, كما كان صحيح البخاري كذلك كتاب فقه كما أنه كتاب حديث، والفقه إنما هو بكثرة التراجم، بل إن بعض التراجم يوردها ويأتي بالحديث ليستدل به عليها, ويكون فهمها دقيقاً كما في الترجمة التي بعد هذه الترجمة، فإن إيراد الترجمة وإيراد الحديث المستدل به عليها يعد من الفهم الدقيق, ومن جودة الفهم، وكونه يستنبط من الأحاديث معاني يستدل بالأحاديث عليها لا تظهر إلا بالتأمل وبإمعان النظر، فهذا دال على فقهه, وعلى دقته, وعلى جودة فهمه رحمة الله عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (قد أكثرت عليكم في السواك)
    قوله: [حدثنا حميد بن مسعدة وعمران بن موسى]. حميد بن مسعدة سبق أن مرت بنا ترجمته في بعض الأحاديث التي مرت، وهو من رجال مسلم, وروى عنه الأربعة.أما عمران بن موسى فهو من رجال النسائي , والترمذي , وابن ماجه، وقد ذكر عنه الحافظ في التقريب أنه صدوق وحميد بن مسعدة الذي قرنه معه هو من رجال الإمام مسلم , والحديث رواه البخاري وقد رواه من هذا الإسناد من طريق عبد الوارث عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك ، ولكنه رواه من طريق شيخ آخر غير هذين؛ لأن هذين الموجودين ليسا من رجال البخاري , لا حميد بن مسعدة -لأنه من رجال مسلم فقط، وليس له رواية في البخاري- ولا عمران بن موسى ، لأنه ليس من رجال الشيخين، وإنما هو من رجال النسائي , والترمذي , وابن ماجه ، ولكن البخاري رواه من طريق أحد مشايخه وهو: أبو معمر.أما عبد الوارث الذي يروي عنه حميد بن مسعدة وعمران بن موسى، فهو: ابن سعيد العنبري التميمي البصري، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، وقد جاء ذكره كثيراً في الكتب الستة، وعبد الوارث جاء هنا ذكره غير منسوب، لكن هو عبد الوارث بن سعيد.والذين روي عنهم في الكتب الستة ممن يسمون عبد الوارث أربعة: فيهم من لم يرو عنه النسائي ، وفيهم من روى عنه النسائي وحده، وفيهم من روى عنه أصحاب الكتب، وفيهم من روى عنه النسائي ولكنه متأخر عن هذه الطبقة, وهي طبقة شيوخ شيوخ النسائي وكذلك غيره من أصحاب الكتب؛ لأنه متقدم الذي هو عبد الوارث بن سعيد.إذا أراد الإنسان أن يعرف هذا الشخص الغير منسوب, فكيف يعرف من هو من هؤلاء الأربعة؟ يمكن للإنسان أن يعرف هؤلاء الأشخاص بمعرفة من خرج عنهم، فيهم واحد خرج عنه أبو داود، إذاً: هذا لا يفكر بأنه هذا الموجود؛ لأنه من رجال أبي داود فقط, والحديث في النسائي، إذاً: ليس للنسائي عنه رواية، فلا يكون هو المقصود، وإنما يبحث عن غيره.وهناك آخر يقال له: عبد الوارث, وهو أول الأشخاص الذين جاء ذكرهم في التقريب, وروى عنه النسائي وحده، لكنه في ترجمته روى له حديثاً واحداً في متعة الحج، إذاً: ليس هو هذا؛ لأنه روى عنه حديثاً واحداً في متعة الحج, وهذا روى عنه في السواك، إذاً: هو غير ذاك؛ لأن ذاك ما أكثر عنه النسائي، بل روى عنه حديثاً واحداً في متعة الحج، والحديث الذي معنا في السواك.بقي اثنان وهما: عبد الوارث بن سعيد العنبري, وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث حفيد عبد الوارث بن سعيد ، ابن ابنه، وهذا الحفيد من طبقة متأخرة، بل هو من طبقة شيوخ النسائي، والذي معنا من طبقة شيوخ شيوخه، إذاً: يستبعد، فلا يقال: إنه هذا؛ لأن النسائي يروي عنه مباشرة, وهذا الذي في الإسناد من طبقة متقدمة، من طبقة شيوخ شيوخه، إذاً: هو عبد الوارث بن سعيد .وإذا نظرنا في ترجمة شعيب بن الحبحاب نجد أنه روى عنه عبد الوارث بن سعيد ، وإذا نظرنا في ترجمة عبد الوارث بن سعيد وجدنا أنه روى عن شعيب بن الحبحاب , وفي الإسناد هنا يروي عن شعيب بن الحبحاب .إذاً: تبين من هذا أن الذي روى له النسائي ، وهذا الذي جاء ذكره غير منسوب هو: عبد الوارث بن سعيد الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وهو المشهور, والثقة الثبت, وهو الذي يأتي ذكره كثيراً في أسانيد الكتب الستة عبد الوارث بن سعيد العنبري التميمي .لكن من ينظر في التقريب يجد إشكالاً في ترجمته، وهو أنه قيل فيه: إنه من الطبقة الثامنة، وقيل: توفي سنة ثمان ومائة، ومن المعلوم أن الطبقة الثامنة لا تكون وفاتهم في سنة مائة وثمان، بل مائة وثمان هي من الطبقة الثالثة, أو الرابعة, أو الخامسة، وأما الثامنة فلا تكون في هذه السنة، فالذي ينظر في هذا الأمر يجد إشكالاً، لكن إذا بحث في الكتب الأخرى مثل التهذيب, وجد أنه توفي سنة ثمانين ومائة، فذاك خطأ، وفي الطبعة المصرية الأولى: توفي سنة ثمان ومائة، وقيل فيه: من الثامنة، ومن الثامنة لا تناسب ثمان ومائة، وإنما يناسبها ثمانين ومائة.[حدثنا شعيب بن الحبحاب].يقولون في ضبطه: إنه بالمهملتين وبالمعجمتين، يعني: الحاء جاءت مرتين، والباء جاءت مرتين، فهو شعيب بن الحبحاب ، وهو من رجال البخاري ، وقد روى الحديث عبد الوارث عن شيخه شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو من الثقات، وكذلك عبد الوارث هو من الثقات، وكل منهما من رجال البخاري.[عن أنس بن مالك].أنس بن مالك رضي الله عنه هو أحد الصحابة المشهورين، ولما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة كان عمره عشر سنوات بعد الهجرة، ثم إنه خدمه عشر سنوات، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة المال والولد، وعاش قريباً من المائة أو زاد على المائة، وكانت وفاته قيل: سنة اثنتين وتسعين, أو ثلاث وتسعين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقيل: إنه قد جاوز المائة تقريباً، ومن المعلوم أنه كان قبل الهجرة عمره عشر سنوات, وتوفي سنة اثنتين وتسعين أو ثلاث وتسعين، يعني: فوق المائة بقليل، وقد كثر ماله وولده بدعوة الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو من المكثرين من الصحابة، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث، والذين ذكرهم السيوطي في الألفية في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبي
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (10)

    - باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم
    - باب السواك في كل حين



    قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) قصر وحصر، و(إنما) تأتي لهذا الغرض، وكذلك كون المبتدأ والخبر يأتيان محليان بالألف واللام، فذلك من هذا القبيل، مثل (الدين النصيحة)، ومثل: (الحج عرفة)، ومثل (الأعمال بالنيات)، وقد جاء في بعض الراويات بدون (إنما)، وذلك بلفظ (الأعمال بالنيات)، وكل منهما يفيد الحصر والقصر.والأعمال هنا مطلقة، فقد حليت بالألف واللام للاستغراق، وقيل: إن المقصود من ذلك الأعمال التي هي قربة؛ فإنها لا تعتبر إلا بنياتها، ولا يعول عليها إلا بنياتها، وكل عمل فيها لا بد فيه من نية، وإذا خلا من النية فإنه لا عبرة به، والنية تأتي لتمييز العبادات بعضها عن بعض، ولتميز العبادات عن العادات، ولتمييز العبادات عن العادات.فمنهم من قال: إن المقصود به العموم، ويدخل في ذلك القُرَب وغير القُرَب، فأما القرب فأمرها معلوم، وأما غير القرب من الأمور التي يفعلها الناس -كالأكل والشرب والنوم والجماع وما إلى ذلك- إذا حسن المرء قصده فيها، ونوى بذلك التقوي على طاعة الله عز وجل فإن الله تعالى يأجره، كما جاء في الحديث: (وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم إذا لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟! قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)، وقد جاء في ذلك حديث [ نية المؤمن خير من عمله ] ولكنه لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.و(النيات) جمع نية، والمراد بها القصد، والألف واللام في (النيات) بدل من الضمير (الهاء)، ومعنى ذلك أن أصل العبارة هكذا (الأعمال بنياتها)، أي: الأعمال معتبرة بنياتها. فحذف المضاف إليه -وهو الهاء- وأتي بـ(أل) مكانه، فصارت العبارة (الأعمال بالنيات).وهذا الاختصار يأتي كثيراً في الاستعمال، ولا سيما في أسماء الكتب، فيقولون -مثلاً-: البلوغ. ويعنون (بلوغ المرام)، ويقولون: النيل. ويعنون (نيل الأوطار)، وهكذا، فيأتون بالمضاف ويحذفون المضاف إليه، ويجعلون (أل) قائمة مقامه، فالألف واللام هنا عوض عن المضاف إليه، فالمراد: الأعمال بنياتها.فالمقدر الذي يتعلق به الجار والمجرور هو (معتبرة)، أي: الأعمال معتبرة بالنيات. فهي بدون نية غير معتبرة، فالإنسان إذا كان عليه غسل جنابة فاغتسل للتبرد أو للجمعة ولم ينو رفع الحدث فإنه باقٍ على حدثه، ولو صلى لم تصح صلاته، وعليه الغسل للجنابة وإعادة الصلاة ولو كان قد تنظف؛ لأن هذه عبادة، ولا بد في العبادة من نية، وليس المقصود مجرد النظافة فقط، بل هي عبادة تفتقر إلى نية.إذاً: فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، والتقدير: (معتبرة)، أو (نافعة)، أو (مقبولة) أو ما إلى ذلك من العبارات المناسبة.
    الرخصة في السواك بالعشي للصائم

    شرح حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في السواك بالعشي للصائم.أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ].أورد النسائي رحمة الله عليه هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في السواك بالعشي للصائم، يعني: آخر النهار، بعد الزوال؛ لأن بعد الزوال اختلف فيه العلماء؛ منهم من قال: بأنه لا يستاك بعد الزوال، ومنهم من قال: بأنه يستاك، والذين قالوا: بأنه لا يستاك, استدلوا بأحاديث ضعيفة، واستدلوا أيضاً بالفهم من حديث صحيح؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) والخلوف هو: الرائحة التي تنبعث من الفم بعد طول المكث بدون أكل, فينبعث من معدته روائح وأبخرة تكون غير حسنة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله) قالوا: وهذا يذهب الخلوف، إذاً: لا يستاك.وبعض العلماء يقول: إنه يستاك، ويستدل على هذا بالحديث الذي معنا, وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).والنسائي رحمه الله عقد هذه الترجمة وليس في الحديث ذكر الصيام, وإنما فيه ذكر الصلاة؛ لكن لما كان السواك مرغباً فيه عند كل صلاة, ومن الصلوات صلاة العصر التي تقع في العشي وبعد الزوال, فهي داخلة تحت هذا الحديث، فبعمومه يدل على أن الصائم يستاك في المساء، وأنه لا بأس به، وأنه لا مانع منه؛ مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).إذاً: هذا يدل على مشروعية الاستياك للصائم في العشي؛ أي: في آخر النهار، وأنه لا مانع منه، والدلالة واضحة.وهذا من الاستدلال والفهم الدقيق؛ لأن الحديث ما جاء فيه ذكر صيام، وإنما فيه الحث على السواك عند كل صلاة، (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ومن بين الصلوات: صلاة العصر، فهي داخلة تحت هذا الحديث، ومن المعلوم أن الإنسان يكون في بعض الأيام صائماً, فهذه الحالة داخلة تحت هذا العموم، فلا بأس ولا مانع من الاستياك للصائم في العشي.وهذه الترجمة هي استنباط من الحديث دقيق، وهو يدل على فقه هذا الرجل, وعلى دقة فهمه, وحسن استنباطه، وقد أشار إلى هذا السندي في حاشيته، وأن هذا فيه دقة فهم, وحسن استنباط.وقوله صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) يدل على قاعدة من قواعد أصول الفقه وهي: الأصل في الأوامر أن تكون للوجوب، ولا تكون لغير الوجوب إلا لقرينة ولصارف يصرفها عن الوجوب؛ فالأمر عند الإطلاق يقتضي الوجوب، ويصار إلى غير الوجوب لقرينة, أو صارف يصرفه عن ذلك، ووجه الاستدلال على هذه القاعدة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وقد أمرهم بالسواك ورغبهم في السواك، إذاً: المقصود من ذلك أمر الإيجاب، وهذا الذي لم يحصل، أما أمر الاستحباب فهو موجود، ولو كان المقصود به الاستحباب ما أنيط الامتناع منه بالمشقة وقد جاء فعله، والمستحب ليس فيه مشقة؛ لأنه جائز الترك، والإنسان إذا تركه فليس عليه شيء؛ لكن الذي فيه مشقة هو الوجوب.والرسول صلى الله عليه وسلم فعله -وهو القدوة والأسوة- وأرشد إليه، بل وقد جاء الحث عليه في قوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وجاء: (قد أكثرت عليكم في السواك)، وجاءت أحاديث كثيرة تدل على الترغيب في السواك.وهذا الحديث يدل على شفقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أمته، وكونه يعز عليه أي شيء فيه عنتها -أي: مشقتها- كما قال الله عز وجل عنه: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِين َ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[التوبة:128] فمن رحمته وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه أنه لم يأمرها بالسواك أمر إيجاب عند كل صلاة خشية المشقة التي تحصل لها بذلك، وهو من أدلة شفقته على أمته، وكونه يشق عليه كل ما فيه عنت لها, ومشقة عليها، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، ومن ذلك: صلاة الليل؛ لما صلى بالناس في رمضان وخرج من حجرته، وصلى الناس بصلاته, وفي الليلة الثانية تتابعوا وزادوا، فلما رآهم كثروا لم يخرج من منزله, فجعلوا ينتظرونه، فأخبرهم بأنه قد علم مكانهم؛ ولكنه خشي أن يفرض عليهم، فلم يفعل ذلك؛ وكل ذلك من حرصه وشفقته على أمته.وكذلك نهيهم عن الوصال، فقالوا: ( إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم ) كل هذا من حرصه على أمته وشفقته عليها، والأحاديث الدالة على هذا الخلق الكريم من النبي الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه كثيرة جداً.قوله: ( لولا أن أشق على أمتي ). الأمة أمتان: أمة إجابة، وأمة دعوة. فأمة الدعوة: كل الثقلين الجن والإنس من حين بعثوا إلى قيام الساعة، فالدعوة موجهة إلى كل إنسي وجني من حيث بعث رسول الله عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، هذه أمة دعوة.أما أمة الإجابة: فهم الذين وفقهم الله تعالى لإجابة هذه الدعوة, والدخول في الدين الحنيف، والدخول في طاعة الله وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.ومن المعلوم أن الذين يقومون بفعل الأوامر وامتثالها إنما هم المسلمون -وهم أمة الإجابة الذين أجابوا الدعوة- لكن لا يعني هذا أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، فهم مخاطبون بالفروع والأصول، وهي مسألة أصولية: هل الكفار مخاطبون بأصول الشريعة فقط, أو أنهم مخاطبون بأصولها وفروعها؟ وأصح الأقوال: أنهم مخاطبون بالأصول والفروع؛ لكن الفروع لا تصح منهم إلا إذا سبقتها الأصول، وهم مؤاخذون على ترك الفروع والأصول، ومعاقبون على ترك الفروع والأصول، ولو أتوا بالفروع دون الأصول لكانت مردودة عليهم، كما قال الله عز وجل: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ))[الفرقان:23].و(عائشة رضي الله عنها وأرضاها لما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان وكان يقري الضيف, ويكثر الإحسان, هل ذلك نافعه؟ قال: لا، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).ومن المعلوم أن الأعمال الحسنة لا تفيد الكافر يوم القيامة؛ لكن يستفيد منها في الدنيا؛ بأن تعجل له طيباته في الحياة الدنيا, وينال نصيبه منها، وإذا انتهى من هذه الحياة فلا يجد إلا النار، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) فالدنيا هي جنة الكافر؛ لأنه لا يعرف اللذة ولا يعرف المتعة إلا في الحياة الدنيا، وإذا مات ليس عنده إلا النار, والعياذ بالله.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (11)

    تراجم رجال إسناد حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)
    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].هو شيخ النسائي، وهو شيخ أصحاب الكتب الستة -كما ذكرت ذلك من قبل- روى عنه الجميع، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي البغلاني ، وهو من الثقات الحفاظ.[عن مالك بن أنس].هو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين، والإسناد الذي يكون من طريقه عن نافع عن ابن عمر يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، فأصح الأسانيد عند البخاري : مالك عن نافع عن ابن عمر ، فهو إمام من أئمة المسلمين، وهو الذي كان في هذه المدينة المباركة، ويكنى بـأبي عبد الله .وبالمناسبة: فإن الأئمة الثلاثة كلهم يقال لهم: أبو عبد الله؛ مالك، والشافعي، وأحمد، كل منهم كنيته أبو عبد الله.[عن أبي الزناد].أبو الزناد هذا قيل: إنه لقب على هيئة الكنية, وعلى صيغة الكنية، واسم صاحب اللقب: عبد الله بن ذكوان, وكنيته أبو عبد الرحمن ، وهو من الثقات.[عن الأعرج]. الأعرج لقب، واسم صاحب اللقب: عبد الرحمن بن هرمز ، وهو أيضاً كذلك من رجال أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو ممن اشتهر بلقبه، ويأتي أحياناً باللقب, وأحياناً بالاسم.ومن المعلوم أن معرفة الألقاب مهمة لطالب العلم، وفائدتها: أنه إذا وجد الحديث من طريقين؛ مرة بلقب الأعرج , ومرة باسم عبد الرحمن بن هرمز لا يظن أن هذا غير هذا، وإنما يعرف أن هذا هو هذا، لكنه مرة يأتي بالاسم ومرة يأتي باللقب. [عن أبي هريرة].هو أحد الصحابة المكثرين، بل هو أكثر الصحابة حديثاً، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وجاء في بعض الروايات: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) أي: عند الدخول فيها، وفائدة الاستياك عند كل صلاة: أن الإنسان يكون طيب الفم طيب الرائحة وهو يناجي الله عز وجل، وقيل: إنه عند كل صلاة سواءً كانت فريضة أو نافلة, فإذا كانت النافلة غير متصلة فإنه يستاك في بدايتها، أما إذا كانت النوافل متصلة فلا يحتاج الأمر إلى تكرار السواك بين كل ركعتين، وإنما يكون عند ابتداء الصلوات سواءً كانت فريضة أو نافلة. قيل: وحكمته أن الإنسان يكون طيب الرائحة وهو يتلو القرآن في صلاته، ويناجي الله عز وجل في صلاته, ويكون على هيئة حسنة, وعلى هيئة طيبة.وكما هو معلوم فالسواك جاء في مواضع كثيرة، بل الترجمة التي بعد هذا أنه في كل حين، وليس له وقت معين، وإنما الإنسان يتسوك متى شاء، وليس مقيداً بوقت معلوم؛ لكن ما جاء في تحديده في مواضع فإنه يتأكد في المواضع التي حدد فيها.
    السواك في كل حين

    شرح حديث عائشة في ابتداء النبي بالسواك إذا دخل البيت
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [السواك في كل حين.أخبرنا علي بن خشرم حدثنا عيسى وهو ابن يونس عن مسعر عن المقدام وهو ابن شريح عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (قلت لـعائشة رضي الله عنها: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: بالسواك) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب السواك في كل حين، يعني: أنه ليس له وقت محدد، أو أنه يمنع في بعض الأوقات، وإنما السواك في كل حين إلا في المواضع التي يؤمر الإنسان فيها بالإمساك، كالصلاة وكحال الخطبة، فهذه لا يستاك الإنسان فيها، وإنما يهدأ ويسكن، أما في غير ذلك فالأمر واسع. وكذلك في الأماكن القذرة والأشياء التي ما يتأتى السواك فيها، وإنما يستاك في غالب الأحوال ولا يمتنع منه إلا في بعض الأحوال، وهنا قال: باب السواك في كل حين، يعني: أنه لا يتقيد بوقت معين، أو أنه خاص بوقت معين، ولما ذكر الترجمة التي قبلها وهي: السواك بالعشي للصائم, وأنها تكون عند كل صلاة, وفيه التقييد بالصلوات؛ أتى بترجمة تبين أن الأمر ليس مقصوراً عند كل صلاة؛ بل يمكن أن يكون في غير أوقات الصلوات, وفي الأوقات الأخرى التي لم يأت ذكرها في هذا الحديث.وأورد فيه حديث عائشة أن شريح بن هانئ سألها رضي الله عنها: (بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل منزله؟ قالت: بالسواك) فهذا يدلنا على حرص سلف الأمة على معرفة أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته, وسؤالهم أمهات المؤمنين عن أعماله في بيته، وأنهن المرجع في ذلك.وشريح يسأل هذا السؤال: (بأي شيء كان يبدأ إذا دخل منزله؟ قالت: بالسواك) فهو يدل على أن السواك يكون في كل حين، والرسول صلى الله عليه وسلم يدخل منزله في أوقات مختلفة، فيدل على فعله في أوقات مختلفة، ثم أيضاً يدل على مشروعيته, وعلى استحبابه عند دخول المنزل كما فعل ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا يمكن أن يقال: إنه من السنن المهجورة التي هجرها الناس, والتي غفل عنها الناس، وقد قال بعض العلماء: السواك عند دخول المنزل لا يكاد يذكر في كتب الفقهاء الذين عنوا بجمع المسائل المختلفة.ومطابق الحديث للترجمة من ناحية تكرر حصول دخول المنزل في أوقات مختلفة, وفي أوقات عديدة، في الليل والنهار، فأول عمل يعمله صلى الله عليه وسلم إذا دخل منزله أنه يستاك، وقد قيل في تعليل هذا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يصلي النوافل إلا في البيت، فإذا صلى بالناس خرج وتنفل في بيته، ويدخل منزله آتياً من الصلاة ومن غير الصلاة، وهذا هو الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم, فأول عمل يبدأ به إذا دخل منزله أن يستاك، وقيل: إنه ينزل عليه الوحي, وهو يريد إذا أتاه الملك ليتلو عليه القرآن، ولينزل عليه القرآن، ويقرأ القرآن مع الملك, أن يكون على هذه الهيئة الحسنة، قيل هذا, وقيل غير ذلك, والله تعالى أعلم؛ لكن يدلنا على أن هذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكرر ذلك منه يدل على مشروعيته، وعلى أنه من سنة رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ابتداء النبي بالسواك إذا دخل البيت
    قوله: [أخبرنا علي بن خشرم].هذا من شيوخ الإمام مسلم ، وروى عنه الإمام مسلم .[حدثنا عيسى وهو ابن يونس].كلمة: (وهو ابن يونس) مثل ما تقدم في الأحاديث الماضية: أنه يأتي بها غير التلميذ من أجل أن يوضح؛ لأن تلميذه ذكر اسم شيخه غير منسوب، لكن من جاء بعده أراد أن يوضح هذا الشخص, فأتى بكلمة: (هو) حتى يتبين أن هذه النسبة زيدت ممن دون التلميذ لتوضيح هذا الشخص المهمل، ولم تضف بدون (هو), أو (يعني)؛ لأنها لو أضيفت لظن أن هذا كلام التلميذ، والتلميذ إنما أتى بالاسم دون النسب، فعندما يأتي من دون التلميذ بكلمة: (هو) يتبين أنه زادها من دون التلميذ للإيضاح والبيان, وذهاب الالتباس والاحتمال, وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، هو من الثقات الأثبات. [عن مسعر].هو: ابن كدام ، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وقد أطلق هذا الوصف على جماعة منهم: الثوري ، ومنهم: مسعر بن كدام البصري .[عن المقدام وهو ابن شريح].هو: المقدام بن شريح بن هانئ وهو أيضاً من الثقات، روى عنه الإمام مسلم ، وهو يروي عن أبيه شريح بن هانئ ، وكذلك أيضاً روى عنه الإمام مسلم والأربعة، والبخاري في الأدب المفرد, وأيضاً عن أبيه مثله, وهو من المخضرمين؛ والمخضرمون هم: الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما حصل لهم الشرف في لقيه وصحبته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فيقال له: مخضرم؛ لأنه أدرك الزمنين: زمن الجاهلية وزمن الإسلام, ولم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، مثل: الصنابحي الذي كان وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم, ولما بلغ الجحفة وهو في الطريق إلى النبي صلى الله عليه وسلم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وما بينه وبينه إلا شيء يسير؛ فقالوا في ترجمته: كاد أن يكون صحابياً، فهو من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وسلم.[قلت عائشة].هي أم المؤمنين، وهي -كما عرفنا- الصحابية التي أكثرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي هي أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (12)


    - (باب الإبعاد عند إرادة الحاجة) إلى (باب القول عند دخول الخلاء)
    قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يعني أن الإنسان يحصل من الثواب والأجر على نيته؛ فإن العمل لا بد فيه من نية، والإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب ما نواه.ثم إن هاتين الجملتين (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) قاعدتان عامتان، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعدهما مثالاً يوضح المقصود، وأن الأمر يتبع النية، وأنه متعلق ومرتبط بها، وذلك المثال هو الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله). أي: إذا كان قصده حسناً -وهو الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام من أجل أن يأتي بشعائر دينه، ومن أجل أن يحافظ على دينه، ومن أجل أن يتعلم الدين وأن يتفقه فيه- فهجرته إلى الله ورسوله.فإن قيل: الأصل في الشرط والجزاء أنهما يكونان متغايرين، فيقال: (من جد وجد، ومن زرع حصد)، فالجزاء غير الشرط، وهنا اتحد الجزاء مع الشرط، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)! فالجواب أنّ الجزاء وإن كان هنا نفس الشرط إلّا أن الحكم يختلف باختلاف المتعلق، فقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله) أي: نية وقصداً، (فهجرته إلى الله ورسوله) أي: ثواباً وأجراً. فبهذا يختلف الشرط والجزاء، فالأول يتعلق بالنية والقصد، والثاني يتعلق بالثواب والأجر.فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صدر هذا التمثيل الشيء الذي فيه أجر وثواب، وهو كون الإنسان يريد بعمله وجه الله عز وجل والدار الآخرة.وأما إذا كانت الهجرة من أجل غرض دنيوي من تجارة أو زواج فقد قال فيها عليه الصلاة والسلام: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فلم يقل: فهجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها وإنما جاء بلفظ عام ليبين أن من هاجر لشيء فإن هجرته إلى ما هاجر إليه، فإذا كان من أمور الدنيا لتحصيل المال، أو تحصيل الزواج أو غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه، فأتى بالجواب بلفظ عام؛ لأن أغراض الناس ومقاصدهم في أعمالهم المتعلقة بالدنيا لا تنحصر، فجاء بالجواب بلفظ يشمل كل شيء يقصد به الإنسان شيئاً من الدنيا. وأيضاً ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المثال ليوضح به أن من يكون قصده حسناً فله الثواب والأجر، ومن كان قصده غير ذلك فهجرته إلى ما هاجر إليه.
    الإبعاد عند إرادة الحاجة

    شرح حديث عبد الرحمن بن أبي قراد: (خرجت مع رسول الله... وكان إذا أراد الحاجة أبعد)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الإبعاد عند إرادة الحاجة.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد حدثني الحارث بن فضيل وعمارة بن خزيمة بن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي قراد رضي الله عنه أنه قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد) ].يقول الإمام النسائي رحمة الله عليه: الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، وأورد تحت هذه الترجمة حديثين، أحدهما: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد، والثاني: حديث المغيرة بن شعبة، وهذا أول باب يورد فيه النسائي أكثر من حديث؛ لأن الأبواب الماضية كانت الأحاديث فيها بعدد الأبواب، وفي هذا الباب ستتغير أرقام الأحاديث مع أرقام الأبواب بزيادة حديث في هذا الباب، وسبق أن أوضحت أن طريقة الإمام النسائي تشبه طريقة البخاري من حيث كثرة الأبواب, وإيراد الموضوعات والاستدلال بالأحاديث عليها، ولهذا كثرت عنده الأبواب؛ لأن كتابه يشبه كتاب البخاري من حيث إنه يجمع بين الرواية والدراية؛ الرواية في إيراد الأحاديث بأسانيدها ومتونها، والدراية بإيراد التراجم التي تورد تحتها الأحاديث, وهي مستنبطة من الأحاديث، والكتابان كل منهما كتاب رواية ودراية.والحديث الأول من الحديثين في هذا الباب: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد قال: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء، وكان إذا أراد الحاجة أبعد).(وكان إذا أراد الحاجة) يعني: أراد أن يقضي حاجته (أبعد)، يعني: ذهب بعيداً عن أعين الناس حتى لا يراه الناس، قيل: إن المفعول: نفسه، يعني: أبعد نفسه عن الناس، أو أبعد ما يخرج منه عن الناس، فيكون المفعول محذوفاً.وعبد الرحمن بن أبي قراد يقول: (خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء) يعني: إلى مكان قضاء الحاجة، ثم وصف عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه إذا أراد الحاجة أبعد، يعني: هذا شأنه وهذا هديه عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا خرج لقضاء حاجته يذهب بعيداً عن أعين الناس حتى لا يراه الناس وهو يقضي حاجته، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والخلاء يعبر به عن قضاء الحاجة، وعن موضع قضاء الحاجة، فيقال له: الخلاء؛ لأنه غالباً ما يذهب الناس إلى الخلاء، أي: الأماكن الخالية، فيعبر عن قضاء الحاجة بالخلاء؛ لأنه غالباً تقضى الحاجة في الخلاء في ذلك الزمان.وعبد الرحمن بن أبي قراد هذا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه مقل من الحديث، يقال: إنه ليس له عند أصحاب الكتب إلا هذا الحديث، رواه النسائي, ورواه ابن ماجه ، فهم الذين رووا عنه من أصحاب الكتب الستة، وقد رووا عنه هذا الحديث الواحد، فهو مقل من الحديث.أما حديث المغيرة بن شعبة الذي سيأتي فهو عند جماعة من أصحاب الكتب الستة، وليس كهذا، وصاحبه المغيرة بن شعبة روى أحاديث كثيرة ، أما عبد الرحمن بن أبي قراد فلم يرو عنه إلا النسائي, وابن ماجه , وليس له عندهم إلا هذا الحديث الواحد.
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن أبي قراد: (خرجت مع رسول الله... وكان إذا أراد الحاجة أبعد)
    قوله: [حدثنا عمرو بن علي].هو: الفلاس الذي سبق أن مر ذكره، وهو من النقاد المعروفين بنقد الحديث، وهو من رجال الكتب الستة.[عن يحيى بن سعيد].وهو: يحيى بن سعيد القطان ، وهذا أيضاً من الثقات الأثبات، ومن رجال الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو الذي سبق أن ذكرت أن الذهبي في كتابه: (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل) ذكر اثنين وهما: عبد الرحمن بن مهدي , ويحيى بن سعيد القطان, فقال: هذان إذا جرحا شخصاً فهو لا يكاد يندمل جرحه، معناه: أن جرحهم مصيب، وأنهما أصابا الهدف فيما قالاه عن الرجل.فـيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إمامان من أئمة الجرح والتعديل، وهما من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهما من أئمة الجرح والتعديل.وعندنا عمرو بن علي الفلاس، ويحيى بن سعيد القطان وهما من أئمة الجرح والتعديل، وكل منهما روى عنه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو جعفر الخطمي عمير بن يزيد].الخطمي نسبة إلى بطن من الأنصار، ولهذا يقال له: الخطمي الأنصاري، فهو أنصاري خطمي، فالخطمي نسبة خاصة, والأنصاري نسبة عامة.قال عنه الحافظ : إنه صدوق، وروى عنه أصحاب السنن الأربعة: أبو داود , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وليس له رواية في الصحيحين. [حدثني الحارث بن فضيل وعمارة بن خزيمة]. الحارث بن فضيل هذا ثقة, روى عنه الإمام مسلم ، وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه .وعمارة بن خزيمة بن ثابت روى عنه أصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة، قال عنه الحافظ : إنه ثقة، وأما ذاك فهو مثله من رجال أصحاب السنن الأربعة، ولكن وصفه بأنه صدوق، يعني: أنه دون عمارة بن خزيمة بن ثابت.والحارث من رجال مسلم ، والثاني من رجال أصحاب السنن الأربعة، مثل الأول الذي هو أبو جعفر الخطمي .فالأول الذي هو: أبو جعفر الخطمي هو من رجال أصحاب السنن الأربعة، إلا أن هذا صدوق وذاك ثقة، وأبو جعفر الخطمي وصف بأنه صدوق وهو دون الثقة، وأما عمارة بن خزيمة بن ثابت فهذا وصف بأنه ثقة، وكل من الاثنين من رجال السنن الأربعة.
    شرح حديث: (إن النبي كان إذا ذهب المذهب أبعد ...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا علي بن حجر أخبرنا إسماعيل عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد، قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره، فقال: ائتني بوضوء فأتيته بوضوء، فتوضأ ومسح على الخفين).إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ ].أورد النسائي حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، وفيه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)، يعني: إذا ذهب لقضاء حاجته، وقيل: إن المذهب يراد به: الخلاء، ونحوها من الألفاظ التي يراد بها مكان قضاء الحاجة، فإذا ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة أبعد، يعني: ذهب بعيداً عن أعين الناس.ثم إن المغيرة بن شعبة قال: (إنه ذهب لحاجته وقال: ائتني بوضوء، فلما قضى حاجته توضأ ومسح على خفيه عليه الصلاة والسلام)، ثم ذكر النسائي تعليقاً بعد ذكر الحديث بين فيه نسبة رجل في الإسناد ما جاء منسوباً، وهو: إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ ، فهذا لم ينسبه شيخه، وهو ما ذكر نسبه في الإسناد فقال: هو ابن فلان، وإنما لما فرغ من إيراد الحديث قال: هو فلان بن فلان، وهذه الكلمة يمكن أن تكون في الغالب من أحد تلاميذه؛ لأنه ذكر أنه فلان بن فلان، وهم ذكروا الذي قال هذا، وأحياناً يقولون: قال أبو عبد الرحمن ، فيحتمل أن تكون منه، ويحتمل أن تكون من بعض تلاميذه، وهذا أول موضع يعلق فيه النسائي عقب الفراغ من الحديث، وهو أحياناً يعلق ويعقب بتعليقات خفيفة قصيرة كهذا. وهو أول حديث يأتي مكرراً في باب من أبواب النسائي، أو في ترجمة من تراجم النسائي .وإسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ هو من رجال الكتب الستة، ومن الثقات.وحديث المغيرة بن شعبة هو مثل الحديث الأول، إلا أنه هنا قال: (كان إذا ذهب المذهب أبعد)، ثم أتى بعد ذلك بهذه القصة التي حصلت له مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أمر بأن يأتيه بوضوء، يعني: الماء الذي يتوضأ به.وسبق أن ذكرت: أن الوضوء من الألفاظ التي تأتي مفتوحة الأول ومضمومة الأول، ولكل منهما معنى، فهي في حال الفتح اسم للماء الذي يتوضأ به، وفي الضم اسم للفعل الذي هو الوضوء، وهو أخذ الإنسان الماء ليغسل وجهه, ويغسل يديه، فهذا الفعل يقال له: وضوء -بالضم- وأما الماء الذي يعد للتوضؤ منه, يقال له: وضوء - بالفتح- وهذا له أمثلة تماثله، مثل: الطَّهور والطُّهور، والسَّحور والسُّحور، واللَّدود واللُّدود، والوَجور والوُجور، وألفاظ على هذا المنوال، فما كان بالفتح فهو اسم للشيء المستعمل، وما كان بالضم فهو اسم لطريقة الاستعمال، أو للفعل الذي هو الاستعمال.وهذا الحديث رواه غير النسائي، فقد رواه أبو داود وهو أول حديث في سننه، لكنه عنده مختصر، وليس مطولاً في ذكر قصة الخفين وكونه معه، وإنما بين أنه كان يبعد ويذهب بعيداً إذا أراد قضاء الحاجة، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.فحديث المغيرة هو أول حديث في سنن أبي داود, والترمذي , والنسائي , وابن ماجه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي كان إذا ذهب المذهب أبعد ...)
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: السعدي ، وهو الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من شيوخ الإمام مسلم ، ويروي عنه مسلم كثيراً، والبخاري , والنسائي , والترمذي .[عن محمد بن عمرو].هو: ابن حلحلة ، ويروي عنه إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير .[عن أبي سلمة].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو الذي سبق أن مر بنا في أول حديث، وقلنا: إن بعض العلماء قال: إنه سابع الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو من رجال الجماعة.[عن المغيرة بن شعبة].المغيرة بن شعبة هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أميراً على البصرة وعلى الكوفة، وكان كذلك من الصحابة المشهورين، وكذلك أيضاً من الشجعان، وفيه صفات حميدة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    الرخصة في ترك الإبعاد عند إرادة الحاجة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في ترك ذلك.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأعمش عن شقيق عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى سباطة قوم، فبال قائماً، فتنحيت عنه، فدعاني، وكنت عند عقبيه حتى فرغ، ثم توضأ ومسح على خفيه) ]. ‏
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (13)


    شرح حديث حذيفة: (كنت أمشي مع رسول الله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً...)
    ذكر النسائي رحمه الله: الرخصة في ترك ذلك.الضمير أو الإشارة ترجع إلى الترجمة السابقة، يعني: ترك الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، كان هديه صلى الله عليه وسلم أنه يبعد ويذهب في مكان بعيد عند قضاء الحاجة، ولكنه جاء عنه ما يدل على ترك ذلك في بعض الأحيان، ولهذا ذكر الترجمة الأولى: الإبعاد عند إرادة قضاء الحاجة، وهنا قال: (الرخصة في ترك ذلك)، يعني: ترك الإبعاد، وكونه لا يذهب إلى مكان بعيد في بعض الأحيان.ثم أورد تحته حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً، فأراد حذيفة أن يذهب، فدعاه فجاء إليه, وجعله يقف وراء عقبيه)، يعني: وراءه؛ ليستره.قوله: (ثم توضأ ومسح على خفيه)، فالحديث مطابق لما ترجم له من حيث إنه ما ذهب إلى مكان بعيد كما كان هذا شأنه، وعادته عليه الصلاة والسلام، ولعله ألجأته الحاجة إلى هذا العمل الذي عمله، وهو كونه يبول في هذا المكان، وأيضاً كونه بال قائماً، وهذا ليس من عادته عليه الصلاة والسلام، وإنما فعله أو جاء عنه في هذه المرة.واختلف العلماء في حكم البول قائماً، فمن العلماء من قال: إنه لا يبول إلا في حال الجلوس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فعل ذلك في هذه المرة إلا لأمر اقتضى ذلك، قيل: إنه لألم في صلبه، وقيل غير ذلك، ومنهم من قال: إنه فعله مرة على خلاف عادته لبيان الجواز، وهذا هو الذي ذكره النووي ورجحه الحافظ ابن حجر أن الرسول فعله لبيان الجواز، ولعل الحاجة ألجأته إلى أن يفعل ذلك في هذا المكان، وأن يفعل ذلك قائماً؛ لأن المكان قد لا يكون مناسباً لأن يجلس فيه، لكن مهما يكن من شيء فإن ما قاله النووي وما قاله الحافظ ابن حجر من أن هذا يدل على الجواز عند الحاجة لا بأس به، وقد جاء في بعض الأحاديث عن عائشة أنها تنكر أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً، ومن المعلوم أن هذا هو المعروف من هديه الذي تعرفه أمهات المؤمنين، وأما هذه فهي حالة خاصة عرفها حذيفة رضي الله عنه وشاهدها ورواها، وفعله صلى الله عليه وسلم هذا دال على الجواز عند الحاجة، وأن هذا خلاف الأصل، والأصل هو أن يكون البول عن جلوس، وإذا دعت الحاجة إلى أن يحصل البول عن قيام، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.و (سباطة القوم)، قيل: هي المكان الذي ترمى فيه الكناسة والأشياء التي تخرج من البيوت، فتجعل في مكان ويرمى بعضها فوق بعض، فيقال لها: سباطة، فالرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً في هذا المكان، وحذيفة رضي الله عنه أراد أن يذهب، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعاه، ولعله يكون دعاه بالإشارة أو دعاه بالكلام، وإذا كان دعاه بالكلام فيدل على جواز الكلام عند قضاء الحاجة إذا اقتضى الأمر ذلك.
    تراجم رجال إسناد حديث حذيفة: (كنت أمشي مع رسول الله فانتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً...)


    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم بن راهويه بسكون الياء أو فتحها، والمعروف عند أهل اللغة أنهم يقولون: راهويه - بالسكون-، والمحدثون يقولون: راهويه - بالفتح-، وكل من اللفظين يصلح، وفي بيت من أبيات ألفية ابن مالك:ذا إن بغير ويه تم أعرباويه, يعني: نفطويه، راهويه، عمرويه، ألفاظ كثيرة تأتي على هذا.وإسحاق بن إبراهيم هذا إمام من أئمة الحديث، وله كتاب مسند، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وكلهم رووا عنه، فهو شيخ لهم جميعاً، شيخ للبخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي, وأبي داود ، وأما ابن ماجه فإنه لم يرو عنه. وهو إمام، جليل، فقيه, محدث، ومن طريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في الرواية عن شيوخه، وفي طريقة النسائي أنه يعبر بـ(أخبرنا)، أيضاً.وذكرت أن الحافظ ابن حجر في فتح الباري عندما يذكر البخاري إسحاق غير منسوب، وهو يحتمل غيره, يستأنس إذا كان يعبر بـ(أخبرنا) أن يجعلها قرينة تدل على أنه ابن راهويه ؛ لأن هذه عادته أنه لا يستعمل إلا (أخبرنا) ولكن وجد عنه في بعض الكتب وفي بعض الروايات: حدثنا، ولكن هذا غالب على طريقته، والبخاري له عدة شيوخ يقال لهم: إسحاق منهم: إسحاق بن منصور، وإسحاق بن راهويه، فكلهم يقال لهم: إسحاق، فأحياناً يقول: حدثنا إسحاق ويسكت، فلا يدرى من هو، فهو إذا كان إسحاق هذا قال: أخبرنا - فيجعلها ابن حجر قرينة على أنه ابن راهويه. [أخبرنا عيسى بن يونس].وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ، وسبق أن مر بنا، وهو أخو إسرائيل بن أبي إسحاق، وهو من رجال الجماعة.[حدثنا الأعمش].هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه: الأعمش ، وأحياناً يأتي ذكره باسمه: سليمان ، وقد يكون في الحديث الواحد يأتي من عدة طرق في بعضها يقال: سليمان ، وفي بعضها يقال: الأعمش ، ولكنه مشهور كثيراً بلقبه، وهو أيضاً معروف ومشهور بالتدليس، وهو الذي مثل به العراقي للمدلسين في الصحيح، قال: وفي الصحيح عدة كالأعمش وكهشيم بعده وفتشيعني: فـالأعمش من المعروفين بالتدليس، والأعمش هذا لقبه، وذكرت فيما مضى: أن فائدة معرفة ألقاب المحدثين: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فالذي ما يعرف يظن أن هذا غير هذا، والذي يعرف إذا وجد سليمان في بعض الروايات، أو وجد الأعمش في بعض الروايات يقول: هذا هو هذا. ولكن الذي لا يدري ولا يعرف يظن أن الأعمش شخص، وأن سليمان شخص آخر، لكن من يعرف لا يلتبس عليه الأمر، وإنما يعرف بأن هذا لقب، وهذا اسم. قوله: [عن شقيق].هو: ابن سلمة أبو وائل ، وهو كثيراً ما يأتي بكنيته، وأحياناً يأتي باسمه، وهنا جاء باسمه، وسبق أن مر بنا في بعض الأحاديث أبو وائل ، فهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه.ومعرفة الكنى أيضاً لها فائدة عظيمة وهي: أن الذي -أيضاً- لا يعرف يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر مرة بكنيته ومرة باسمه.وهو من المخضرمين؛ من الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من المعمرين؛ لأنه عاش مائة سنة، وكانت وفاته في خلافة عمر بن عبد العزيز ، على رأس المائة، وعمره مائة سنة، ومعناه أنه أدرك عشر سنوات من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعمر حتى كانت وفاته سنة مائة وواحد، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات الذين أكثر عنهم البخاري ، وأكثر عنهم أصحاب الكتب.[عن حذيفة]. حذيفة بن اليمان سبق أن مر، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب السر، وهو الذي كان عنده علم عن المنافقين.وهذا الحديث لو لم يوجد إلا عند النسائي ، ولم يوجد عند غيره مصرحاً بالتحديث، فإنه يكون من الأحاديث المتوقف فيها، التي إذا وجد شيء يعضدها ارتقت إلى الحسن لغيره؛ لأن حديث المدلس متوقف فيه، لكن الحديث موجود في الصحيحين.
    القول عند دخول الخلاء


    قال المصنف رحمه الله تعالى: [القول عند دخول الخلاء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)].
    شرح حديث أنس في القول عند دخول الخلاء


    أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: القول عند دخول الخلاء، يعني: ما الذي يشرع أن يقوله؟ وما الذي يستحب أن يقوله من أراد أن يدخل الخلاء لقضاء حاجته؟ وما هو الدعاء المأثور الذي يدعو به ويقوله عند إرادته الدخول؟ وهو ما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا دخل الخلاء: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا دعاء كان يدعو به النبي الكريم عليه الصلاة والسلام عند إرادة دخول الخلاء، فيستحب قوله، ويستحب الدعاء به اقتداءً بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام.وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، الخبث: جمع خبيث، وهو بضم الباء، والخبائث: جمع خبيثة، فعلى هذا يكون المراد بالخبث والخبائث: شياطين الجن ذكورهم وإناثهم، فالخبث للذكور والخبائث للإناث، فيكون الإنسان تعوذ من الخبث الذين هم الذكور، والخبائث اللاتي هن الإناث، وشرع هذا عند دخول الخلاء؛ لأن الشياطين غالباً يكونون في الأماكن القذرة، وفي الأماكن الكريهة، فهي أماكنهم التي تناسبهم، ولهذا شرع عند دخول الخلاء هذا الدعاء الذي به الاستعاذة منهم.وفي بعض الروايات: الخبُث، والمراد بالخبُث: الشر، وعلى هذا فيكون التعوذ من الشر وأهله، ويمكن أيضاً أن تكون الخبُث يراد بها الخبْث؛ لأنه يأتي ما كان بهذه الصيغة -مضموم العين- أيضاً يأتي ساكنها، والمراد به الجمع، يعني: يؤتى به مضموماً، ويؤتى به مسكناً للتخفيف؛ فعلى هذا يكون المراد به: الخبث، على أنه جمع، على لغة التخفيف في الخبث، وعلى هذا يمكن أن يراد بها: الشر، ويمكن أن يراد بها: أنها مخبثة من الخبث، وهو جمع خبيث.الحاصل: أن رواية خبث -بالضم- هي واضحة في الجمع، ولا معنى لها غير الجمع، وأما الخبث -بالسكون- فهي تصلح لأن تكون جمعاً مخففاً من الخبث، وأن تكون اسماً بمعنى الشر وليست جمعاً.
    تراجم رجال إسناد حديث أنس في القول عند دخول الخلاء
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل عن عبد العزيز بن صهيب].إسحاق بن إبراهيم هو المتقدم في الإسناد الذي قبله وهو ابن راهويه .وإسماعيل الذي يروي عنه إسحاق هو: إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، وهو من الثقات الأثبات، وهو مشهور بالنسبة إلى أمه فيقال: ابن علية ، وهناك عدد ينسبون إلى أمهاتهم وهم مشهورون بهذا، وهم: ابن علية , وابن بحينة وابن أبي ابن سلول ، فـسلول أمه، وكان إسماعيل بن علية يكره أن يقال له: ابن علية ، ولهذا بعض المحدثين - وأظنه الشافعي - كان يقول: حدثني إسماعيل الذي يقال له: ابن علية ، فهو مشتهر بهذه النسبة.والطريقة عند ذكر مثل هذه النسبة: أنه عندما ينسب إلى أبيه، ثم ينسب إلى أمه، فكلمة (ابن) لا تعرب كإعراب (ابن) التي قبلها، مثلاً: قال إسحاق بن إبراهيم ، لا يؤتى بألف مع ابن، لكن لو جاء عن ابن عباس ، وما جاء اسم قبله، فلا تأت ابن بدون ألف، بل لا بد أن تأتي الألف، لكن إذا قلت: عبد الله بن عباس فلا تأت بالألف التي هي همزة الوصل؛ لأن كلمة (ابن) إذا كانت بين علمين الأول منسوب للثاني فإنك تحذف الألف، فلو أتيت بـ(ابن) في أول الكلام أو في أول السطر فإنك تأتي بها بالألف، فعندما تقول: قال إسماعيل بن إبراهيم ابن علية ، فلا تأت بالألف, لأن (ابن) هذه ترجع إلى إسماعيل، ولا ترجع لـإبراهيم ، ولهذا ترفع، يقال: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية؛ لأن مقسم ليس ابن علية، وإنما إبراهيم هو ابن علية، ولهذا تأتي الألف.ثم أيضاً من حيث الإعراب ما تعرب إعراب الاسم الذي قبلها، وإنما تعرب إعراب الاسم الأول الذي نسب إلى علية، فالذي نسب إلى علية هو إسماعيل، وليس إبراهيم ولا مقسم ؛ لأن علية اسم أم إسماعيل، فإذا قلت: قال إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم ابن علية ؛ فابن ترجع لـإسماعيل الأول، ولا ترجع لـمقسم ؛ لأن علية ليست أم مقسم حتى يكون مجروراً، وإنما ترجع إلى إسماعيل الذي هو الأول.

    إذاً: هنا شيئان يلاحظان في مثل هذا، وهما: الإعراب، فإنه يعرب إعراب الاسم الأول، وأيضاً الألف تثبت.وإسماعيل بن علية من رجال الجماعة، وإسحاق بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وأما الباقون الذي هم ابن علية , وعبد العزيز بن صهيب, وأنس ، فهؤلاء روايتهم عند أصحاب الكتب كلها.وهذا الحديث من الأحاديث العالية عند النسائي ، فهو رباعي، وهذا أعلى ما يكون عند النسائي ، والنسائي ما عنده ثلاثيات، فبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص: إسحاق بن إبراهيم, وإسماعيل بن علية, وعبد العزيز بن صهيب, وأنس بن مالك رضي الله عنه.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (14)


    - باب النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة

    الهجرة لغة:

    الترك. وتكون الهجرة من بلد الخوف إلى بلد الأمن، مثل الهجرة من مكة إلى الحبشة، فإنها هجرة من بلد خوف إلى بلد أمن، وتكون من بلد شرك إلى بلد إسلام، كالهجرة من مكة -قبل الفتح- إلى المدينة، فإن المهاجرين تركوا بلادهم، وتركوا أموالهم، وتركوا دورهم، ومتاعهم من أجل نصرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا جمع الله للمهاجرين بين الهجرة والنصرة في قوله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، وبهذا كانوا أفضل من الأنصار؛ لأنهم عندهم النصرة التي عند الأنصار، وزادوا بالهجرة التي ليست عند الأنصار، فالمهاجرون أنصار، وزيادة على ذلك هم مهاجرون، والأنصار أنصار فقط، والذين جمعوا بين الهجرة والنصرة أفضل من الذين حصلوا النصرة فقط.والهجرة من مكة انتهت بفتح مكة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)، وأما الهجرة من بلد الشرك إلى بلد الإسلام فهي باقية ومستمرة إلى قيام الساعة.
    فوائد في معرفة رجال الإسناد عند النسائي

    أذكر هنا شيئين يتعلقان بمعرفة رجال الإسناد عند النسائي: أحدهما: أنه مر ذكر محمد بن منصور في أحد الأسانيد الماضية، وما ذكرت من المراد، أو من هو محمد بن منصور .والنسائي له شيخان كل منهما اسمه محمد بن منصور، أحدهما: محمد بن منصور بن ثابت الخزاعي, الملقب الجواز ، وهو ثقة، وقد روى له النسائي وحده، والثاني: محمد بن منصور بن داود الطوسي, نزيل بغداد، وقد روى له النسائي و أبو داود ، وكل من هذين الاثنين يروي عن سفيان بن عيينة ، فاتفق أن النسائي روى عنهما، وأنهما رويا عن ابن عيينة ، وكل منهما ثقة، إلا أن الثاني - الذي هو الطوسي, نزيل بغداد، وصف مع كونه ثقة بأنه عابد، والأمر محتمل لأن يكون هذا أو هذا، لكن جرت العادة عند المحدثين أنهم يستأنسون بقرائن، ومن هذه القرائن: أن يكون الشخص معروفاً بالإكثار عن الشيخ الذي روى عنه فيحمل عليه، أو يكون له به علاقة غير ذلك كأن يكون من أهل بلده، ومن المعلوم أن المكي هو وابن عيينة من بلد واحد؛ لأن ابن عيينة مكي, ومحمد بن منصور الخزاعي الجواز المكي هو أيضاً مكي مثل سفيان بن عيينة ، فإذاً: كونه من أهل بلده يقوي جانب أن يكون هو المكي الجواز، ومهما يكن من شيء سواءً كان هذا أو هذا لا يؤثر؛ لأن كلاً منهما ثقة، والإشكال لو كان أحدهما ضعيفاً، عند ذلك يأتي الإشكال، أما ما دام أن كلاً منهما ثقة، فسواءً كان هذا أو هذا فالنتيجة واحدة من حيث الثبوت، فـالطوسي ثقة, والمكي ثقة، لكن من حيث الاحتمال الأقرب وكون أحدهما عنده جانب مرجح، والمكي عنده جانب مرجح وهو كونه من أهل بلد شيخهما سفيان بن عيينة؛ لأنه مكي، هذا الأمر الأول.الأمر الثاني: هو أنه في بعض الأسانيد التي مضت وردت رواية النسائي عن شيخين هما: محمد بن سلمة و الحارث بن مسكين يرويان عن ابن وهب ، وذكرت فيما مضى أن طريقة البخاري عندما يروي عن شيخين فإن اللفظ يكون للأخير منهما، هذا هو الذي عرف بالاستقراء من صنيع الإمام البخاري ، وقد ذكر هذا ابن حجر في فتح الباري عند حديث جابر بن عبد الله : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر.. ) الحديث، فقال عند شرح هذا الحديث: وقد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري أنه إذا روى الحديث عن شيخين فإن اللفظ يكون للثاني، قال: والدليل على هذا أنه وجد في صحيح البخاري حصول الإسناد عن شيخه الأول فقط بلفظ مغاير للذي أورده عنهما. أما النسائي فقد قلت: إننا لا نعلم اصطلاحه، وقد مَرَّت بعض الأحاديث التي يروي فيها عن شيخين, ولكن لا نعلم أيهما له اللفظ، لكنه في هذا الموضع قال: واللفظ له، يعني: الحارث بن مسكين ، فعين من له اللفظ، وهذه طريقة الإمام مسلم ؛ أنه عندما يذكر الشيوخ المتعددين يقول: حدثنا فلان وفلان وفلان، ويذكر عدداً من مشايخه ثم يقول: واللفظ لفلان، فعرف من له اللفظ بالتنصيص عليه، والنسائي هنا عرف من له اللفظ بالتنصيص عليه، حيث قال: واللفظ له، والضمير يرجع لـلحارث بن مسكين الذي هو شيخه الثاني. إذاً: وجد عند النسائي في بعض الأسانيد ما يعين من له اللفظ، وهو التنصيص عليه بقوله: واللفظ له، أي: للثاني، وهذا لا إشكال فيه، فإذا وجد التنصيص فلا يحتاج إلى معرفة اصطلاح. ويمكن أن يتبين في الأحاديث التي سبق أن مرت ولم ينص على من له اللفظ أن يأتي الحديث في موضع آخر عن شيخ واحد -الأول أو الثاني- ثم يقارن بين اللفظ الذي هناك واللفظ الذي مضى، وعند حصول المقارنة يعرف من له اللفظ، فيمكن أن يعرف اصطلاح النسائي، وحتى الآن لا نعرف للنسائي اصطلاحاً يحدد من له اللفظ إلا إذا وجد التنصيص عليه كما ذكر هنا. ‏
    النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة

    شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: النهي عن مس الذكر باليمين عند الحاجة.أخبرنا يحيى بن درست أخبرنا أبو إسماعيل وهو القناد حدثني يحيى بن أبي كثير أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه عن أبيه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه) ].يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه) ، فـالنسائي قيد الترجمة بقوله: النهي عن مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة، وتقييده يفيد بأن الأمر يتعلق بقضاء الحاجة كما هو نص الحديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه) ، فقوله: (بال أحدكم) معناه: أن النسائي اعتبرها قيداً له مفهوم؛ لأن النهي جاء عند قضاء الحاجة، وهو ترجم للنهي عند قضاء الحاجة، ما قال: النهي عن مس الذكر باليمين وسكت، وإنما قال: عند قضاء الحاجة.و السندي في تعليقه على الحديث قال: ولا مفهوم لهذا القيد بقوله: (إذا بال أحدكم) ، فيجوز أن يمسك الذكر باليمين في غير حال قضاء الحاجة، قال: لأنه إذا كان النهي عن مسه باليمين عند قضاء الحاجة فعند غيرها من باب أولى، وهذا ليس بواضح كونه أولى؛ لأنه كما هو معلوم أن اليد اليسرى جاءت السنة بأنها تستعمل في الأشياء غير الطيبة وغير الحسنة، مثل: المخاط، ومثل: مسك الذكر عند قضاء الحاجة؛ لأنه عند قضاء الحاجة تكون عرضة للنجاسة، فالنهي عن مس الذكر باليمين جاء حتى لا تتعرض للنجاسة، ومن المعلوم أن الامتخاط باليد اليسرى شيء مستقذر, فلا تستعمل له اليمين، لكن لو أن إنساناً لمس أنفه بيمينه عند غير الامتخاط فلا مانع منه، وهذا يمكن أن يكون مثله، وأنه إذا كان لغير قضاء حاجة وغير عرضة للنجاسة فالأمر يختلف ويكون له مفهوم؛ لأن النص إنما جاء بذكر هذا القيد: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)، فقول السندي: بأنه عند غير قضاء الحاجة من باب أولى غير واضح وغير مسلم، بل عند قضاء الحاجة فيه شيء مستقذر وهو حصول النجاسة، واليمين تنزه عن مثل هذا؛ لأنها تستعمل في أمور طيبة، وتلك تستعمل في ضدها.
    يتبع
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (15)

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره بيمينه)

    قوله: [أخبرنا يحيى بن درست ].يحيى بن درست من شيوخ النسائي , قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، وأخرج له الترمذي والنسائي وابن ماجه .[أخبرنا أبو إسماعيل]. وهو: القناد ، وهذه تماثل ما سبق أن نبهت عليه مما يأتي ذكره في الأسانيد (هو: فلان), أو (يعني فلاناً)؛ لأن اللفظ الذي قاله يحيى بن درست: حدثنا أبو إسماعيل ، هذه عبارته، ولم يقل: القناد ، وإنما قال: أبو إسماعيل ، فالذي دون تلميذه عندما يريد أن يوضح هذا اللفظ الذي ليس فيه إلا الكنية لا يقول: أبو إسماعيل القناد ويسكت؛ لأنه لو قالها لظن أن يحيى بن درست هو الذي قالها؛ لأنه ليس هناك ما يبين أنه هو أو غيره، لكن يقول: هو: ابن فلان، أو يقول: يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، أو يعني: فلان الفلاني، هذا هو المقصود من قوله: هو، فلا يقال: لم جاءت هو؟ ولماذا ما قيل: أبو إسماعيل القناد بدون هو؟ قلنا: حتى يبين أن هذا التوضيح ليس من التلميذ؛ لأن التلميذ ما يحتاج أن يوضح بـ (هو)، فالتلميذ يمكن ينسب شيخه إلى الجد العاشر إذا أراد، فيقول: حدثنا فلان بن فلان بن فلان، لكن غيره ممن هو دونه إذا ساق اللفظ وأراد أن يوضح يأتي بـ (هو فلان)، أو إذا فرغ من آخر الحديث يقول: قال فلان: هو كذا وكذا, مثلما حصل من النسائي في إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير القارئ ؛ فشيخه قال: حدثنا إسماعيل ، فلما فرغ من سياق حديث المغيرة بن شعبة الذي مر قريباً: (كان إذا ذهب المذهب أبعد) قال النسائي: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ.وأبو إسماعيل اسمه إبراهيم بن عبد الملك القناد ، وهو صدوق، وروى له النسائي والترمذي ، يعني: الذين رووا عن الشيخ الأول رووا بنفس ابن ماجه ، لأن هنا رواه عنه اثنين من الثلاثة الذين رووا عن تلميذه، يعني: ثلاثة من الأئمة خرجوا للتلميذ, واثنين من الثلاثة خرجوا للشيخ، الثالث الذي هو الترمذي خرج لـيحيى بن درست ولم يخرج لشيخه أبي إسماعيل القناد . [ حدثني يحيى بن أبي كثير ].يحيى بن أبي كثير اليمامي نسبة لليمامة، وكلمة (اليمامي) تتحرف وتتصحف مع اليماني، ومثلما قلت فيما مضى: البصري والمصري يصير بينهما شيء من التصحيف لقربهما، فهنا اليماني واليمامي يحصل بينهما شيء من التصحيف، فهو اليمامي نسبة لليمامة، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو الذي خرج عنه الإمام مسلم الكلمة المشهورة في الصبر على طلب العلم، وعلى أنه لا يحصل العلم إلا من يتعب، فلما أورد الإمام مسلم من طرق عديدة حديث عبد الله بن عمرو في بيان أوقات الصلاة أتى بعده بإسناده إلى يحيى بن أبي كثير قال: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قال النووي : إنه لما ذكر هذه الطرق الكثيرة التي ما يحصلها إلا من يتعب، وما يجمعها إلا من يتعب، نبه إلى أن العلم لا يحصل إلا بالتعب، يقولون: ملء الراحة لا يدرس بالراحة، ملء الراحة شيء قليل لا يدرس بالراحة كون الإنسان ما يتعب، وإنما من يتعب هو الذي يحصل، فمن جد وجد.فمن أراد أن يحصل فليتعب، أما من يريد أن يحصل بلا تعب فهذا لا يحصل شيئاً؛ لأنه بلا شيء لا يحصل شيئاً، بل يحصل الشيء بالتعب ويحصل بالنصب، كما قال الشاعر:لولا المشقة ساد الناس كلهمأي: لولا المشقة لصار كل الناس سادة، فلا يتميز السادة عن غيرهم من أهل السؤدد وأهل النبل وأهل الشرف إلا بالصبر على التعب، فليس كل أحد يحصل السؤدد، وإنما يحصله من يصبر على التعب، كما قال الشاعر:وإذا كانت النفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام[ أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه ].عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري هو من رجال الجماعة, وهو ثقة. [عن أبيه ].وهو أبو قتادة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الفرسان الشجعان رضي الله تعالى عنه، وذكر الخزرجي في الخلاصة - وهو كتاب من ميزته أنه إذا ترجم للصحابي يذكر عدد ما له من الأحاديث في الكتب الستة، وعدد الذي اتفق البخاري ومسلم عليه منها، وما انفرد به البخاري, وما انفرد به مسلم - قال: له في الكتب مائة وسبعون حديثاً، اتفقا على أحد عشر، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بثمانية، وهذه الفوائد المشابهة لهذه الفائدة يمكن للإنسان أن يحصلها من خلاصة تذهيب الكمال للخزرجي.
    حديث: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن هشام عن يحيى -هو ابن أبي كثير- عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ]. هنا أورد النسائي حديث أبي قتادة رضي الله عنه من طريق أخرى ، عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه) ، وهو مثل الذي قبله لم يختلف عنه في اللفظ، هناك يقول: (إذا بال أحدكم) وهنا يقول: (إذا دخل أحدكم الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه).قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].هناد بن السري هو من شيوخ الإمام مسلم ، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، وقد خرج له الإمام مسلم وأصحاب السنن الأربعة والبخاري في خلق أفعال العباد، والرمز لهذا التخريج هو: ع خ، فهذه هي طريقة الحافظ في التقريب وتهذيب التهذيب، لكن الرموز هذه أحياناً يحصل بها خطأ، فـالسيوطي في كتابه الجامع الصغير يرمز للصحيح والضعيف برموز، وأحياناً تنعكس الرموز فيصير الضعيف صحيحاً والصحيح ضعيفاً بسبب الرمز، ولو جاءت الكلمة كاملة زال الإشكال، لكن الرمز يؤدي أحياناً إلى الخطأ، لكن الإنسان إذا رجع إلى تهذيب الكمال للمزي الذي هو الأصل يجد أن الأسماء ينص عليها دون رموز، يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان، فعندما يكون هناك لبس أو تضارب فيمكن للإنسان أن يرجع إلى الأصل الذي هو تهذيب الكمال للمزي ؛ لأنه لا يستعمل الرموز لمن خرج له أصحاب الكتب، وإن كان يرمز لهم عند الشيوخ والتلاميذ، فهو في الترجمة أحياناً يرمز عند شيوخ التلميذ فوق الاسم، لكن في الآخر يقول: أخرج له فلان, وفلان, وفلان.[ عن وكيع ].وهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي ، وهو إمام, ثقة، ثبت، وهو من رجال الجماعة.] عن هشام [.وهو: هشام الدستوائي، أو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة ومن رجال الجماعة.] عن يحيى بن أبي كثير [.وهذا ملتقى الإسناد مع الإسناد الذي قبل هذا، يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه أبي قتادة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (16)

    - باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً
    - باب البول في البيت جالساً

    من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبول جالساً في الأغلب من أحواله كما جاء ذلك في حديث عائشة، ولكنه كان ربما بال قائماً كما روى ذلك حذيفة رضي الله عنه وأرضاه.
    الرخصة في البول في الصحراء قائماً

    شرح حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في البول في الصحراء قائماً.أخبرنا مؤمل بن هشام حدثنا إسماعيل حدثنا شعبة عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) ]. قال النسائي : الرخصة في البول في الصحراء قائماً، وسبق أن مر أنه قال: ترك ذلك في البيوت، يعني: ترك البول قائماً، ولعل هذه الترجمة وهي قوله: (الرخصة في البول في الصحراء قائماً) يعني: أن هذا يكون في الصحراء، ويكون في غير البيوت، وأما البيوت فإن الإنسان يجلس فيها؛ لأن البيوت غالباً ما تكون الأماكن المعدة فيها صلبة، فقد يتطاير البول على الإنسان، وأما في الصحراء وفي الأماكن الخالية فالأرض تكون رخوة، والبول إذا وقع على الأرض الرخوة يكون آمناً مما إذا وقع على شيء صلب من حيث التناثر والتطاير؛ لكن إذا احتيج إلى ذلك في البيوت لا سيما في وجود المغسلات ووجود الأشياء التي يدخل الإنسان فيها, أو يأمن من أن يذهب شيء من بوله على ثيابه، فإنه لا بأس به. وحديث حذيفة : (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) يعني: أنه في غير البيوت، وطبعاً هو ليس في الصحراء، ولكنه خارج البيوت؛ يعني: وافق الصحراء بأنه خارج البيوت سواء كان قريباً أو بعيداً، ومعلوم أن سباطة القوم تكون قريبة من فناء القوم ومن دار القوم، والسباطة هي: محل الكناسة, أو هي: نفس الكناسة التي يخرجها أهل البيت ويضعونها في فناء دارهم، فأضيفت إليهم لإخراجهم إياها من بيوتهم، ولكونهم مختصين بها أضيفت إليهم إضافة اختصاص.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً)
    قوله: [ أخبرنا مؤمل بن هشام ].قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، وخرج له البخاري, وأبو داود, والنسائي . [ حدثنا إسماعيل ].هو: ابن علية؛ لأنه يروي عن شعبة ، فـإسماعيل هو: ابن علية ، وابن علية سبق أن عرفناه وأنه ثقة، وهو: إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهو من الثقات, الأثبات، وهو من رجال الجماعة، ولا يلتبس بابنه إبراهيم ؛ لأن ابنه إبراهيم من المبتدعة, وهذا من أهل السنة، وكل منهما يقال له: ابن علية، فإذا جاء ذكر ابن علية في أمور مبتدعة، أو في ذكر أهل البدع، أو في ذكر الأمور الشاذة في المسائل الخلافية فالمراد به: الابن إبراهيم ، أما إذا ذكر في أمور محمودة، وذكر في الحديث، وفي رجال الحديث وكذلك ذكر في أهل السنة فالمراد به: الأب الذي هو إسماعيل بن إبراهيم ابن علية .و إبراهيم بن إسماعيل ترجم له الذهبي في الميزان, وقال: جهمي هالك، وفي مسائل الفروع يأتي ذكر ابن علية أيضاً، ففي مسألة حكم الإجارة ابن رشد في بداية المجتهد قال: وخالف فيها ابن علية, والأصم، فخالف فيها ابن علية وقال: الإجارة لا تجوز، وهذا شذوذ، والذي قال هذه المقالة هو هذا الابن الجهمي الهالك، المشهور بـابن علية. والأصم هو: أبو بكر الأصم ، وهو أيضاً من أهل البدع, وعندما يأتي ذكر الأصم فالمراد به: أبو بكر .وهناك شخص مشهور بالاسم وهو أبو العباس من شيوخ الحاكم وهو من الثقات، فإذا جاء في شيوخ الحاكم الأصم فالمراد به: أبو العباس ، وإذا جاء في المبتدعة وفي أهل البدع من يقال له: الأصم، أو في المسائل الشاذة في مسائل الفقه، فالمراد به: أبو بكر ، وهو الذي أنكر الإجارة, وأنكر الشفعة أيضاً، وقال: الشفعة لا تجوز، حتى قال عنه بعض العلماء -ولا أدري من هو-: وأنكرها الأصم؛ لأنه عن فهمها أصم. حدثنا [ شعبة ].شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وصفه الثوري بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والثوري أيضاً من أمراء المؤمنين في الحديث، وهذه الصفة من أعلى صفات التعديل؛ لأن من أعلى صفات التعديل هذا الوصف: أمير المؤمنين في الحديث، أو إليه المنتهى في التثبت، أو غير ذلك من العبارات، ولـمحمد الحبيب الشنقيطي منظومة في أمراء المؤمنين في الحديث، نظمهم في منظومة قصيرة مطبوعة، ومنهم: شعبة , وسفيان الثوري ، وهو ثقة, ثبت, حافظ, حجة، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[ عن سليمان ].سليمان هو: سليمان بن مهران الأعمش ، يأتي ذكره باسمه كما هنا، ويأتي ذكره بلقبه كما مر بنا فيما مضى، فأحياناً يقال: سليمان ، وأحياناً يقال: الأعمش .[ عن أبي وائل ].أبو وائل هو: شقيق بن سلمة ، وشعبة من رجال الجماعة ، والأعمش من رجال الجماعة ، وأبو وائل من رجال الجماعة، وهو مخضرم كما سبق أن عرفنا ذلك، وأنه أدرك عشر سنوات من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومات في خلافة عمر بن عبد العزيز وعمره مائة سنة؛ لأنه ولد في أول الهجرة ومات عند نهاية القرن الأول، فالقرن الأول هو مدة حياته، وهو مخضرم؛ أي: أدرك الجاهلية والإسلام ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم.[ عن حذيفة ].وحذيفة مر ذكره، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب السر رضي الله تعالى عنه.

    حديث: (إن رسول الله أتى سباطة قوم فبال قائماً) من طريق ثانية وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور سمعت أبا وائل يقول: إن حذيفة رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) ].هنا أتى النسائي بحديث حذيفة من طريق ثان، وهذا من الأبواب التي كرر فيها الحديث، وأتى فيها بأكثر من طريق، وكما قلت: الأكثر عنده أنه يأتي في الترجمة بحديث واحد، ولكنه في بعض المواضع يأتي بأكثر من حديث كما هنا، وكما سبق أن مر في الإبعاد عند قضاء الحاجة حيث ذكر حديثين: حديث عبد الرحمن بن أبي قراد ، وحديث المغيرة بن شعبة ، وهنا ذكر حديث حذيفة: ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً ).قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].محمد بن بشار لقبه بندار ، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة، وروى عنه النسائي أيضاً بواسطة كما سبق أن ذكرت ذلك عند ذكر ترجمة يعقوب بن إبراهيم الدورقي أنه شيخ لأصحاب الكتب الستة, ومات سنة مائتين واثنين وخمسين، ويماثله في الوفاة في هذه السنة وفي كونهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة: محمد بن بشار الملقب بندار، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، فكل من الثلاثة شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنتين وخمسين.[ حدثنا محمد ].المقصود به محمد بن جعفر الذي هو: غندر ، ومحمد بن بشار يروي عنه كثيراً، ومحمد بن جعفر أيضاً يروي عن شعبة كثيراً، وهو شيخه هنا، وكل من الاثنين: محمد بن بشار وشيخه محمد بن جعفر من رجال أصحاب الكتب الستة، وهما أيضاً من الثقات.وبمناسبة ذكر محمد بن بشار البخاري لم يرو في صحيحه بلفظ المكاتبة عن شيخ من شيوخه إلا عن محمد بن بشار في موضع واحد، قال: كتب إلي محمد بن بشار. و محمد بن جعفر الملقب غندر ، مر بنا ذكره بلقب غندر ، وهنا جاء ذكره باسمه غير منسوب ولكنه واضح؛ لأن تلميذه محمد بن بشار وشيخه شعبة ، وهذا مكثر في الرواية عنه، وهذا أيضاً مكثر في الرواية عن شعبة .[ حدثنا شعبة ].أمير المؤمنين في الحديث، وهو من رجال الكتب الستة، فـمحمد بن بشار من رجال الكتب الستة، ومحمد بن جعفر من رجال الكتب الستة، وشعبة من رجال الكتب الستة.[ عن منصور ].هو: منصور بن المعتمر ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة، وهو قرين لـسليمان ، ولهذا في الحديث الذي سيأتي جاء ذكر الاثنين: منصور , وسليمان ، منصور الذي هو ابن المعتمر ، وسليمان الذي هو الأعمش ، بينما في الإسناد الأول ذكر سليمان ، وهذا الإسناد ذكر منصور ، وفي الإسناد الثالث ذكر الاثنين: سليمان بن مهران الأعمش ومنصور بن المعتمر وهما قرينان في طبقة واحدة.[ سمعت أبا وائل ].أبو وائل الذي عرفناه في الإسناد الأول.
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (17)

    - باب الرخصة في البول في الصحراء قائماً
    - باب البول في البيت جالساً


    حديث: (إن النبي مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً) من طريق ثالثة وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله حدثنا بهز حدثنا شعبة عن سليمان ومنصور عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً). قال سليمان في حديثه: ومسح على خفيه، ولم يذكر منصور المسح ].هنا ذكر النسائي الحديث من طريق ثالثة، رواها شعبة عن منصور بن المعتمر وسليمان بن مهران الأعمش ، فهنا قرنهما، ثم ذكر ما اتفقا عليه وهو: ( أن الرسول مشى إلى سباطة قوم فبال قائماً )، ثم ذكر أن سليمان الذي هو الأعمش عنده زيادة وهي: ( أنه توضأ ومسح على خفيه ), ولم يذكر منصور المسح، والإسناد كما عرفنا يلتقي بـشعبة ، وقبل شعبة سليمان بن عبيد الله .قوله: [ أخبرنا سليمان بن عبيد الله ].هو: سليمان بن عبيد الله بن عمرو الغيلاني، صدوق، روى له مسلم , والنسائي .[ حدثنا بهز ].هو: بهز بن أسد العمي، وهو من الثقات الأثبات، بل قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت، وهذه من أقوى صيغ التعديل، وتعتبر في الطبقة الأولى من صيغ التعديل؛ لأنه يدل على المبالغة في الوصف، لم يقل: ثبت فقط, أو: ثقة ثبت، بل قال: إليه المنتهى في التثبت؛ يعني: أنه في القمة، لا يسأل عنه؛ لأنه وصل القمة في التثبت، وهو من رجال الجماعة.
    البول في البيت جالساً

    شرح حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في البيت جالساً.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا شريك عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً ) ].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: باب البول في البيت جالساً، وكأن هذه الترجمة تقابل الترجمة السابقة: الرخصة في البول في الصحراء قائماً. وأورد حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من حدثكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالساً)، وقيد الترجمة في البيت أو في البيوت؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها إنما بينت ما كان معروفاً من عادته، وهي تعلم عادته في البيت؛ لكن غيرها علم ما لم تعلم، وهو حذيفة، حيث كان يمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم ( فأتى إلى سباطة قوم فبال قائماً ) فـعائشة نفت على حسب علمها، وكذلك أيضاً كلامها يفيد الملازمة والمداومة.ومن المعلوم أن المعروف من عادة الرسول صلى الله عليه وسلم، والغالب على فعله هو الجلوس عند قضاء الحاجة، لا في الصحراء ولا في البيوت؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى الصحراء ويبول جالساً، وكان يذهب إلى الخلاء، وأصحابه يذهبون معه, ويجلس ويقضي حاجته، ثم يأتي إليهم, ويتوضأ عليه الصلاة والسلام، وحذيفة رضي الله عنه وأرضاه رأى وشاهد هذه الحالة، فكلام عائشة محمول على ما تعلم، وعلى ما كان الغالب على عادته، ولهذا عبرت بـ (كان): (ما كان يبول إلا جالساً)، وما رواه حذيفة حالة نادرة, وحالة خاصة، وقد علم وشاهد ما شاهد، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحمل ما جاء عن عائشة على أنه مبني على المعروف من عادته، وعلى ما يكون في البيوت، وأما بالنسبة للبول قائماً، فعلى ما كان نادراً من فعله وفي خارج البيت، ولهذا بوب في البول في الصحراء قائماً: الرخصة في البول في الصحراء قائماً، وهنا قال: البول في البيت, أو في البيوت جالساً.
    تراجم رجال إسناد حديث: (من حدثكم أن رسول الله بال قائماً فلا تصدقوه...)
    قوله: [ أخبرنا علي بن حجر ].هو: السعدي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ مسلم الذين أكثر من الرواية عنهم.وبالمناسبة: معرفة الرجال تثبت في الأذهان، عندما يتكرر ذكرهم, ويعرف حالهم, وما قيل فيهم، ويتكرر أن هذا في طبقة شيوخ النسائي, وشيوخ مسلم، وهذا في زمن متقدم، وهذا في طبقة التابعين، فعندما تتكرر الأسماء على الإنسان تثبت في ذهنه, وتعلق في ذهنه، ويعرف أن هذا متقدم, وهذا متأخر، وعلي بن حجر جاء ذكره كثيراً عند النسائي، وأكثر عنه مسلم في الرواية.[ أخبرنا شريك ].هو: شريك بن عبد الله القاضي النخعي، وهو صدوق، تكلم في حفظه لما ولي القضاء، وساء حفظه.[ عن المقدام بن شريح ].و المقدام روى له البخاري تعليقاً، ومسلم والأربعة؛ لكن مسلم روى له متابعة.والحديث ليس ضعيفاً، فالحديث صحيح، وإلى الآن ما أتينا إلى أول حديث ضعيف عند النسائي، فكل ما مضى صحيح. وبالمناسبة: إذا قيست الأحاديث الضعيفة نجد أنها قليلة، وفي هذا المجلد الذي معنا ألف ومائة وسبعة وسبعون حديثاً، وإذا رجعت إلى كتاب الألباني صحيح سنن النسائي في هذا المقدار تجد الضعيف خمسين حديثاً في المجلد بأكمله. إذاً: فالأحاديث الضعيفة قليلة.والمقدام بن شريح بن هانئ سبق أن مر بنا هو وأبوه، وكل منهما يروي عن عائشة، فالحديث الذي مر بنا عن عائشة من طريق المقدام عن أبيه شريح، وشريح يروي عن عائشة، يقول: (سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل عند دخوله البيت؟ قالت: كان يبدأ بالسواك)، فالذي سألها شريح بن هانئ، وكل من الاثنين روى له مسلم , والبخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين، وقد عرفنا فيما مضى أنها أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    يتبع


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (18)

    باب البول إلى سترة يستتر بها - باب التنزه عن البول


    من آداب قضاء الحاجة ألا يبول الإنسان إلا إلى سترة، ويجب عليه أن يتنزه من البول لئلا يصيبه منه شيء، فعامة عذاب القبر بسببه.
    البول إلى سترة يستتر بها

    شرح حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة

    قال المصنف رحمه الله: [ باب البول إلى سترة يستتر بها.أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه أنه قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كهيئة الدرقة، فوضعها ثم جلس فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره)].يقول الامام النسائي رحمه الله: باب: البول إلى سترة يستتر بها. هذه التراجم معقودة لبيان أن الإنسان إذا كان في غير البيوت، وفي غير الأماكن المخصصة لقضاء الحاجة، أنه يستتر بشيء، مثل: مكان مرتفع, أو حصاة كبيرة, أو مكان منخفض، إذا نزل فيه استتر عن الناس، أو شجرة من الأشجار الكثيرة التي ليس لها ظل, والتي لا يتأذى الناس بقضاء الحاجة تحتها، أو بشيء يكون معه كما في الحديث الذي أورده المصنف؛ لأنه استتر بشيء معه كهيئة الدرقة، وهي: الترس، وهي تتخذ من الجلود.يقول النسائي رحمه الله: أخبرنا هناد بن السري بإسناده إلى عبد الرحمن بن حسنة قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كهيئة الدرقة، فوضعها أمامه وبال إليها). يعني: جعلها سترة له. وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في باب الاستتار، أنه إذا بال الرجل يتخذ سترة يستتر بها عند البول، وكونه معه مثل هيئة الدرقة، فوضعها وبال إليها، يعني: اتخذها سترة، فهذا يدلنا على أن الإنسان يتخذ سترة تستره عن الناس، حتى لا يراه أحد وهو يقضي حاجته، وقد كشف عورته. وكما قلت: الاستتار يكون إما بشجرة لا يتأذى بقضاء الحاجة في ظلها إذا كان لها ظل، أو تكون شجرة ليست عالية ولا يستظل بها، أو يكون بحصاة كبيرة، أو منخفضاً من الأرض، أو تلاً مرتفعاً، فيكون أمامه حتى إذا مر أحد لا يراه، وهذا هو المقصود من التراجم.والفائد من ذلك كما هو معلوم: عدم تعرض الإنسان لأن يرى عورته ممن مر أو اجتاز أو جاء من أمامه، فيمنعه ذلك الساتر الذي اتخذه, أو يكون معه شيء كما في الحديث الذي معنا، حيث اتخذ النبي عليه الصلاة والسلام سترة كهيئة الدرقة، وهو مصنوع من جلد، ونصبه أمامه واستتر به، صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله في الحديث: (فقال بعض القوم: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟). يعني: ما أصاب صاحب بني إسرائيل من العذاب، أي: ما حصل له، و(صاحب) يجوز فيه الرفع ويجوز النصب، أصاب صاحب -بالنصب- بني إسرائيل، يعني: من العذاب، فيكون الفاعل محذوفاً، وهو العذاب الذي جاء بيانه في آخر الحديث، ثم بين عليه الصلاة والسلام ما حصل لصاحب بني إسرائيل، أنهم كانوا إذا أصابهم شيء من النجاسات قرضوه بمقاريض، وهذا من الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا، فإنهم حصل لهم تكاليف أشد مما حصل لنا، فنهاهم أن يفعلوا هذا الفعل الذي جاء في شرعهم, فعذب في قبره.وقد قيل: إن هذا الرجل الذي قال هذه المقالة منافق، وقيل: إنه ليس بمنافق وإنما هو مؤمن، ولكنه قال ذلك تعجباً من شيء حصل على خلاف ما ألفوه واعتادوه في الجاهلية من كونهم يبولون قائمين، وكونهم لا يعرفون هذه العادة، وهي غريبة عليهم فتعجبوا، وقد جاء في بعض الطرق في سنن أبي داود: فقلنا، بإضافة القول إليهم، وهذا يدل على أنه ليس بمنافق، ولا معترض على شرع الله، ولكنه حصل شيء غير مألوف لهم في الجاهلية أن يروا الرجل يبول جالساً، بل المألوف أن المرأة هي التي تبول وهي جالسة، فقال هذه المقالة، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أو ما علم)، يعني: أن مثل هذا الكلام وإن كان لم يصدر من منافق معترض على شرع الله، وإنما حصل للتعجب من شيء على خلاف ما ألفوه، وعلى خلاف ما اعتادوه؛ ففي ذلك تنبيه على خطورة مثل هذا الكلام، وإن كان صاحبه لا يريد الاعتراض على شرع الله عز وجل، وإن كان قد قاله لكونه على خلاف العادة، فإن العادات وما ألفه الناس يطرح عندما تأتي السنة، وعندما تأتي الشريعة؛ لأن الشريعة كما هو معلوم قد جاءت ناقلة عن أشياء كانوا عليها في الجاهلية، وجاءت مقررة لأشياء كانوا عليها في الجاهلية، ولا يعترض على الشرع.وفي الحديث ما حصل لهذه الأمة من التخفيف عليها، وقد جاء في القرآن في آخر سورة البقرة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286]، وفي كل منها يقول الله: (قد أجبت)، يعني: أنه قد غفر وأنه قد أجاب هذه الدعوة، ولن تحصل هذه الأشياء التي كانت على من قبلنا،حيث كانوا يقرضون النجاسة بالمقاريض، ولا يغسلونها! أما نحن فبحمد الله يسر الله لنا، فيكفي أن نغسل النجاسات بالماء.
    إثبات عذاب القبر

    ثم أيضاً يدل على إثبات عذاب القبر ما جاء به القرآن، وجاءت به السنة في أحاديث كثيرة، منها: هذا الحديث، ومنها: الحديث الذي بعد هذا، وهو حديث صاحبي القبرين اللذين قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما: (إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول).وفي السنة أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، وكذلك جاء في الحديث: أن الإنسان في قبره عندما يعذب، يصرخ وتخرج منه صيحة يفزع لها كل من كان على وجه الأرض، حتى الحيوانات نفسها تسمع ما يجري في القبور، فالله تعالى أطلعها على ذلك؛ لأنها غير مكلفة، أما الجن والإنس فهم مكلفون، فحجب الله ذلك عنهم حتى يبقى من علوم الغيب, يتميز به من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن، من يصدق ومن لا يصدق؛ لأنه لو انكشف الغيب لما حصل المراد من بيان من يكون من أولياء الله، ومن يكون من أعداء الله، فمن الناس من لا يؤمن إلا بشيء يشاهده ويعاينه، ومن الناس بمجرد ما يسمع الخبر عن الله وعن رسوله يقول: آمنا وصدقنا، ومن المعلوم أن من معنى شهادة أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم هو تصديقه فيما أخبر، فكل ما جاء عنه من خبر فالواجب التصديق، ولا تقاس أمور البرزخ وأمور القيامة على أمور الدنيا، فكل ما جاء في الكتاب وصح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب التصديق به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فكل هذه نصوص دالة على عذاب القبر.وجاء في القرآن إثبات عذاب القبر في قصة آل فرعون، كما قال الله عز وجل: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا [غافر:46]، معناه: قبل قيام الساعة، وقبل البعث، فإذا قامت الساعة وحصل البعث فإنهم ينتقلون من عذاب شديد إلى عذاب أشد، وفي هذا إثبات لعذاب القبر، وأن الكفار يعذبون في قبورهم. قوله عليه الصلاة والسلام: ( أو ما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض، فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره ).المقصود من التمثيل: أن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن الأمر بالمعروف في شريعتهم، وهو كونهم يقرضون ذلك بالمقاريض، فعذب في قبره؛ لأنه حصل منه النهي عن فعل ما أُمروا به والذي في الحديث وإن كان لم يعترض على شرع الله، وإنما حصل ذلك له لكونه على خلاف شيء معتاد, فقال ما قال، لكن الواجب هو الحذر من مثل ذلك، وإذا وجد شيء في الشرع مخالف لما عليه العادة، فلا يكون هناك ما يستغرب؛ لأن الشريعة ناقلة للناس عما كانوا عليه، ومقرة لبعض ما كانوا عليه. أما ناقلة لبعض ما كانوا عليه، فمثل: ما حرمت من أشياء كثيرة كانت موجودة في الجاهلية، وأمّا ما أقرت فمثل: بيع المضاربة, فقد كان موجوداً في الجاهلية، فأقره الإسلام, وأجمع المسلمون عليه، ومثل: وجود الولي في الزواج، وأن الزوج يأتي إلى الولي ويخطب البنت منه، فهذه من الأشياء التي كانت في الجاهلية فأقرها الإسلام.فإذا كان الأمر على خلاف العادة، فإنه لا ينبغي إظهار مثل هذا الشيء الذي قد حصل؛ لأنه قد يؤول الأمر بالإنسان إلى محذور، فيحصل له مثل ما حصل لصاحب بني إسرائيل, الذي أشار إليه النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.
    تراجم رجال إسناد حديث عبد الرحمن بن حسنة في بول النبي إلى سترة

    قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].سبق أن مر بنا، وهو كوفي ثقة، روى له مسلم , والأربعة , والبخاري في خلق أفعال العباد كما ذكرنا ذلك فيما مضى. وهناد بن السري كنيته أبو السري، فكنيته توافق اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، يعني: اسم أبيه متفق مع الكنية، والفائدة من هذا النوع هي حتى لا يظن التصحيف، فإنه إذا كان معروفاً بالنسبة فتركت النسبة وجيء بالكنية؛ فالذي لا يعرفه يظن أن هذا تصحيف، ويظن أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فلو جاء في بعض الأسانيد: حدثنا هناد أبو السري، فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري، ويعرف أن اسمه هناد بن السري فسيقول: أن (أبو) مصحفة عن (ابن)، فتكون خطأ, فتحذف ويجعل مكانها: (ابن) ، لكن الذي يعلم أن هذا الراوي قد وافقت كنيته اسم أبيه لا يلتبس عليه هذا، فإن جاء هناد بن السري فهو صواب، وإن جاء هناد أبو السري فهو صواب أيضاً؛ لأنه ابن السري وأبو السري، فهذا النوع من أنواع علوم الحديث ينصون عليه، وأنواع علوم الحديث كثيرة، وابن الصلاح في المقدمة جمع منها شيئاً كثيراً، والذين جاءوا بعده أضافوا إضافات ما ذكرها ابن الصلاح، وكلها من أنواع علوم الحديث.[ عن أبي معاوية].هو: محمد بن خازم الضرير الكوفي ، محمد بن خازم بالخاء والزاي، وهو كوفي, ومن رجال الجماعة، وهو ثقة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث الأعمش، وهو مشهور بكنيته ومشهور باسمه، وهنا الكنية فقط، أبو معاوية، ويأتي في بعض الأسانيد: حدثنا محمد بن خازم، ومعرفة الكنى هي من أنواع علوم الحديث، وفائدتها كما ذكرنا سابقاً: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا جاء مرة بالاسم ومرة بالكنية فيقال: هذا غير هذا، فالذي يعرف أن هذا كنيته كذا، يعلم أنه جاء مرة بالكنية ومرة بالاسم، ولا يلتبس عليه، فهو شخص واحد، مرة جاء باسمه ومرة جاء بكنيته، وأبو معاوية كوفي، كما أن تلميذه هناد بن السري كوفي أيضاً.[ عن الأعمش ].الأعمش كما مر بنا في مواضع هو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو كوفي أيضاً، فكل الثلاثة من الكوفة، والأعمش مشهور باسمه ومشهور بلقبه، يأتي في بعض المواضع: سليمان, كما مر بنا، ويأتي في بعض المواضع: الأعمش، ومعرفة الألقاب للمحدثين فائدتها: حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا جاء مرة الأعمش، ومرة سليمان بن مهران, فالذي لا يعرف أن سليمان بن مهران لقبه الأعمش فإنه يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران.[ عن زيد بن وهب ].زيد بن وهب هذا تابعي, مخضرم، وهو ثقة جليل, كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وهو من رجال الجماعة، ومعنى هذا أن عندنا في الإسناد بعد هناد : أبو معاوية ثم الأعمش ثم زيد بن وهب، فهؤلاء من رجال الجماعة، أما الأول فمن رجال الجماعة إلا البخاري؛ فإنه لم يرو له في الصحيح، وإنما خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.أما عبد الرحمن بن حسنة الصحابي، فهو لم يخرج له أصحاب الكتب الستة إلا هذا الحديث, خرجه النسائي , وأبو داود ، وابن ماجه . ومثله عبد الرحمن بن أبي قراد الذي مر بنا قريباً، والذي يروي عنه شريح بن هانئ، الذي روى عن عائشة أنه سألها: (بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل المنزل؟ قالت: بالسواك)، ليس له إلا ذلك الحديث الواحد، فهو مقل.
    التنزه عن البول
    يتبع

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (18)

    - باب البول في الإناء - باب البول في الطست

    ينبغي للإنسان أن يتحرز من البول قدر استطاعته، فإذا كان يشق عليه أن يذهب لقضاء حاجته في مكان مناسب فإنه بإمكانه أن يبول في طست ونحوه، فهو أدعى للمحافظة على الطهارة والنظافة.
    البول في الإناء

    شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب البول في الإناء.أخبرنا أيوب بن محمد الوزان حدثنا حجاج قال ابن جريج: أخبرتني حكيمة بنت أميمة عن أمها أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله: باب البول في الإناء، أي: عند الحاجة إلى ذلك، وقد أورد في هذه الترجمة حديث أميمة بنت رقيقة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير)، وجاء في سنن أبي داود: ( أن ذلك كان بالليل ).وفي الحديث: جواز مثل ذلك عند الحاجة، وفيه اتخاذ السرير؛ لأنه هنا قال: (يضعه تحت السرير)، ففيه اتخاذ الأسرة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ السرير، وجاء ذلك في أحاديث غير هذا الحديث.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان يبول فيه...)

    قوله: [أخبرنا أيوب بن محمد الوزان].هذا أحد الثقات، خرج له أبو داود, والنسائي, وابن ماجه , وأيوب بن محمد الوزان يروي عن شيخه أزهر.قوله: [حدثنا حجاج].حجاج جاء ذكره هنا غير منسوب، وفي المصطلح إذا جاء الرجل غير منسوب, يسمى هذا النوع من أنواع علوم الحديث: المهمل؛ يعني: مهمل من النسبة، وهو غير المبهم؛ لأن المبهم مثل إذا قيل: رجل, أو: عن رجل، هذا يقال له: مبهم، وأما إذا سمي ولم ينسب, فهذا يقال له: مهمل، والمهمل يحتاج إلى معرفته لا سيما إذا كان هناك من يماثله، ومن يسمى بهذا الاسم حجاج. وعند النسائي وعند غيره عدد يقال لهم: حجاج، وهم في طبقات مختلفة، وفيهم من هو في هذه الطبقة، لكن الطريق إلى معرفة الرجل المهمل، ومعرفة نسبته وتمييزه عن غيره ممن يشاركونه في الاسم بمعرفة الشيوخ والتلاميذ، معرفة كونه روى عنه فلان الفلاني، وروى هو عن فلان، وفي ترجمة تلميذه الذي روى عنه, وهو أيوب بن محمد الوزان، ذكر أنه روى عن حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد تعين هذا المهمل، وكذلك في ترجمة ابن جريج ذكروا في ترجمته أنه روى عنه حجاج بن محمد المصيصي، وما ذكروا في ترجمته من اسمه حجاج ممن روى عنه إلا حجاج بن محمد المصيصي، وعلى هذا فقد عرف هذا المهمل واتضح بمعرفة الشيوخ والتلاميذ.و حجاج بن محمد المصيصي من رجال الجماعة، وهو من الثقات الأثبات.وبالمنا بة: سبق أن مر في الحديث السابع عشر؛ وهو حديث المغيرة بن شعبة (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد)، والذي قال فيه هناك: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، ويروي عن محمد بن عمرو، ومحمد بن عمرو يوجد في طبقة واحدة اثنان: محمد بن عمرو بن حلحلة, ومحمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وسبق أن قلت لكم: إنه ابن حلحلة ؛ لأنه في ترجمة إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير، قيل: إنه يروي عن محمد بن عمرو بن حلحلة، وعن محمد بن عمرو بن علقمة، ولكن في ترجمة أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنه روى عنه محمد بن عمرو بن علقمة، وما ذكر في تلاميذه محمد بن عمرو بن حلحلة، فإذاً: يكون محمد بن عمرو بن علقمة وليس محمد بن عمرو بن حلحلة؛ لأنه ما ذكر في تهذيب الكمال من تلاميذ أبي سلمة بن عبد الرحمن: محمد بن عمرو بن حلحلة، وإنما ذكر محمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن عمرو بن حلحلة كما عرفنا سابقاً هو ثقة، وأما محمد بن عمرو بن علقمة فهذا قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق له أوهام، وقد خرج أحاديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. قلت هذا بمناسبة الكلام على حجاج بن محمد المصيصي.[ قال ابن جريج ].هو عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة.[ أخبرتني حكيمة بنت أميمة ].هي حكيمة بنت أميمة، تروي عن أمها أميمة بنت رقيقة، وهذه الأسماء الثلاثة كلها مصغرة، كلها على صيغة فعيلة: حكيمة , وأميمة , ورقيقة، كلها على صيغة واحدة, وعلى صيغة فعيلة.أما حكيمة بنت أميمة التي يروي عنها ابن جريج، فقد روى لها أبو داود , والنسائي. والحافظ في التقريب في ترجمتها قال: لا تعرف، وفي تهذيب التهذيب ذكر أن ابن حبان أوردها في كتابه الثقات، وجاء أيضاً أن ابن حبان خرج حديثها في صحيحه، لكن ابن حبان كما هو معلوم من طريقته في الثقات أنه قد يذكر في الثقات من يذكره في الضعفاء، ولهذا فإن توثيقه وحده فيه نظر عند بعض العلماء، وإن كان بعضهم يعتبره.أما أمها أميمة فهي صحابية، والصحابة كما هو معلوم لا يسأل عنهم، ولا يحتاج إلى معرفتهم، بل الرجل المبهم, أو المرأة المبهمة إذا ذكر أنه من الصحابة فذلك كاف في قبول حديثه؛ لأن الصحابة لا يسأل عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأن الله تعالى عدلهم، وعدلهم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون إلى تعديل المعدلين بعد ثناء الله عز وجل وثناء رسوله عليهم، وغيرهم هم الذين يحتاجون إلى التوثيق والتعديل والتجريح، وأما الصحابي فيكفيه نبلاً وشرفاً وفضلاً أن يوصف بأنه صحابي.والحديث صححه الألباني في صحيح أبي داود, وفي صحيح النسائي، وقال عنه: حسن صحيح ، ولا أدري وجه حكمه عليه بالصحة، هل هو لكونه له طرق وشواهد أخرى لا ندري عنها أو أنه اعتبر توثيق ابن حبان؟!وهذه أول شخص يمر بنا في سنن النسائي, يقال: إنه لا يعرف، ويقال فيه: إنه مجهول.
    البول في الطست

    شرح حديث عائشة في البول في الطست

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ البول في الطست.أخبرنا عمرو بن علي أخبرنا أزهر أخبرنا ابن عون عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى إلى علي، لقد دعا بالطست ليبول فيها, فانخنثت نفسه وما أشعر، فإلى من أوصى؟).أزهر هو: ابن سعد السمان ].هنا أورد النسائي هذا الباب، وهو: باب البول في الطست، والطست: إناء، وجاء حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرض الذي توفي النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، وأنها انخنثت نفسه؛ بمعنى: أنه ارتخى وحصل الموت وما تشعر بأنه مات؛ يعني: رأت حصول الارتخاء في جسده، وخرجت نفسه عليه الصلاة والسلام وهو على صدرها، ومقصودها من هذا: أنها كانت على علم بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه، وأنها لا يخفى عليها شيء من أحواله في مرضه، وقد قالت هذا الكلام بمناسبة أنها سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لـعلي، وذلك بعدما وجد الشيعة والمتشيعون، ووجد منهم الكلام، ومن المعلوم أن هذا حصل في زمن علي، ومعلوم أن عائشة رضي الله عنها عاشت بعد علي مدة طويلة، وعلي توفي سنة أربعين، وهي عاشت بعده ما يقرب من ثمانية عشرة سنة، فمعنى ذلك: أنه وجد في ذلك الزمان الشيعة، فهي لما سمعت أنه أوصى لـعلي، ولعل ذلك كان في مرض موته؛ بينت الحالة التي كان عليها في مرض موته، وأنها كانت على علم به، وأنها كانت ملازمة له، وأنه في الوقت الذي خرجت روحه كان على صدرها، وأنه دعا بالطست ليبول فيه، فانخنثت نفسه؛ أي: ارتخت أعضاؤه بسبب الموت, وما تشعر أنه مات، كما جاء في بعض الروايات: ( وما أشعر أنه مات )، قالت: فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! تنكر على هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة. ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أوصى لا لـأبي بكر ولا لـعلي ولا لغيرهما، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا، مثل ما جاء في حديث عمر في قصة وفاته لما قيل له: استخلف، قال: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني؛ يعني: أبا بكر، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير؛ يعني: رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالرسول لم يستخلف؛ يعني: ما عين أحداً بالاسم، ولم يقل: فلان الخليفة بعدي، ولكنه جاء عنه ألفاظ، وأمور مشعرة وموضحة بأن الأحق بالأمر من بعده أبو بكر، بل قد جاء في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لـعائشة: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب له كتاباً فإني أخشى أن يقول قائل أو يتمنى متمن، ثم قال: ويأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر )؛ يعني: ما أنا بحاجة إلى الكتاب، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم، ولا يحتاج الأمر إلى كتاب.فهذه إشارة واضحة جلية بأن الله تعالى قدر بأنهم سيجتمعون على هذا الرجل، وأنه يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر، ولم يقل: الخليفة بعدي أبو بكر، ولكنه جاء عنه شيء يدل على أنه الأولى، وأن هذا الأمر سيتم برضا من المسلمين، وباتجاه من المسلمين، وباجتماع من المسلمين عليه دون أن يكون هناك نص؛ لأنه لو كان هناك نص فليس هناك مجال للرأي ولا للاختيار، لكن لما لم يكن هناك نص، فالمسلمون سيجتمعون على خيرهم؛ فمعنى هذا: أنه برضا وباتجاه منهم، وبرغبة منهم.وكذلك في مرض موته عليه الصلاة والسلام أمر أبا بكر بأن يصلي بالناس، ولما راجعت حفصة, وعائشة الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولهذا اعتبروا هذا دليلاً وإشارة قوية إلى أنه الأحق من بعده بالأمر، ولهذا قال له عمر: (رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ديننا، أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟!).وكذلك أيضاً ما جاء عنه في مرض موته، وقبل أن يموت بخمس، كما جاء في حديث جندب بن عبد الله البجلي في صحيح مسلم قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس -خمس ليال فقط- يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ثم قال: ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك).فكونه صلى الله عليه وسلم قال هذه المقالة في حق أبي بكر قبل أن يموت بخمس، هذا فيه إشارة إلى أنه الأولى من بعده بالأمر.وكذلك الحديث الذي فيه: ( أنها جاءته امرأة وواعدها أن تأتيه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئتك فلم أجدك؟ تريد: الموت. فقال: ائتي أبا بكر ).والحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر )، كل هذه أدلة، لكن ليس هناك نص يقول: الخليفة بعدي فلان بن فلان، ولما وجد من يقول هذه المقالة من الشيعة في زمن الصحابة، وأن هذا حصل في مرض الموت، قالت: كيف هذا والرسول صلى الله عليه وسلم دعا بالطست ليبول فيه في مرضه، فانخنثت نفسه فما أشعر؛ يعني: ما أشعر أنه مات، وقد مات بهذا الانخناث، وهو ارتخاء الأعضاء، فمات عليه الصلاة والسلام فمتى أوصى؟! وكيف أوصى؟! ومعناه أنه لم يحصل شيء من ذلك.ثم أيضاً من ما يدل دلالة واضحة: أن علياً رضي الله عنه وأرضاه ما قال: إنني صاحب الأمر، وأن الرسول أوصى إلي، وما أظهر هذا للناس، وما قال هذا للناس، ولما تولى الخلافة ما قال: إنني أنا كنت وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حصل لي ما أستحق إلا الآن، وقبل ذلك أخذ مني، ولم تنفذ وصية رسول الله.ثم أيضاً الرافضة الذين قالوا هذا الكلام في حق علي, هم ذموه من حيث أرادوا أن يثنوا عليه؛ لأنهم وصفوه بأنه غير شجاع، مع أنه معروف بالشجاعة والقوة، ووجه ذلك: أنه سكت وما تكلم، وما طالب بحقه، وما أظهر وصيته، وما قال: إنني أنا الوصي، فكيف تولون غيري؟ فهل الرجل الشجاع المعروف بشجاعته وقوته، وأنه لا تأخذه في الحق لومة لائم يسكت عن شيء أعطاه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! هذا فيه ذم لـعلي رضي الله عنه من الرافضة؛ لأنه لو كان هناك شيء من ذلك لطالب به ولم يسكت.وفي وقت اجتماع السقيفة لما ذهبوا يتفاوضون -الأنصار والمهاجرون- ما قال أحد منهم: ليس هناك حاجة للكلام، الرسول وصى لـعلي.فكل هذه أدلة تدل على بطلان هذا الكلام الذي يقوله الرافضة في حق علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.المقصود من الحديث: ذكر الطست، وأنه كان يريد أن يبول فيه لمرضه، وهذا هو المقصود من إيراد النسائي الحديث في: باب البول في الطست.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في البول في الطست

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن علي ]. هو: الفلاس, الذي مر ذكره في مرات عديدة، ومعرفة الرجال بالمناسبة تحصل بالتكرر، كونه يتكرر الإنسان مثل: عمرو بن علي الفلاس مر بنا كثيراً؛ يعني: ما أخذنا إلا تقريباً ثلاثين حديث ومع ذلك جاء ذكره في عدة مواضع، وكلها يقول فيها النسائي: حدثنا عمرو بن علي؛ يعني معناه: أنه من طبقة النسائي، وكذلك هو من شيوخ البخاري، وهو من رجال الجماعة، وهو من الأئمة النقاد، وهو من أئمة الجرح والتعديل.[ أخبرنا أزهر ].أزهر هاهنا غير منسوب، لكن نسبه النسائي في آخر الحديث قال: قال الشيخ، وهذه العبارة في الغالب أنها من تلاميذ النسائي.قال الشيخ: أزهر هو: ابن سعد السمان؛ لأن أزهر مهمل غير منسوب، فـالنسائي في آخر الحديث نسبه مثلما فعل في حديث السابع عشر -الذي أشرت إليه قبل قليل- حيث قال: إسماعيل هو: ابن جعفر بن أبي كثير القارئ، فرجل مهمل نسبه، فهذه إحدى الطرق التي يوضح بها الشخص: إما يذكر في آخر الحديث، أو في أوله، لكن يقول: هو ابن فلان، إذا أتى به في الإسناد فيحتاج إلى أن يقول من دون التلميذ: هو ابن فلان، لا يصلح أن يقول: فلان بن فلان، والتلميذ ما قال هذا الكلام.فهنا طريقتان: إحداهما: أن يؤتى بالتوضيح في السند، لكنه يؤتى به (هو) أو بكلمة: هو ابن فلان, أو فلان بن فلان. الطريقة الثانية: بعدما ينتهي الحديث يقول فيه مثلاً المصنف: فلان هو ابن فلان، كما فعل النسائي هنا.وأزهر بن سعد السمان هذا من الثقات، وهو بصري، وخرج له أصحاب الكتب الستة ما عدا ابن ماجه .[ أخبرنا ابن عون ].هو: عبد الله بن عون البصري أبو عون، كنيته أبو عون، وهذه مثل ما سبق أن ذكرت في هناد بن السري أن كنيته أبو السري، فهو نوع من أنواع علوم الحديث التي ذكرها ابن الصلاح، وهي أن منها: معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذكرتُ أن فائدة معرفة ذلك: حتى لا يظن التصحيف. فمثلاً: هناد بن السري لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري فالذي لا يدري أن كنيته أبو السري يقول: (ابن) صحفت إلى (أبو) لكن الذي يعرف أن كنيته أبو السري، وأبوه اسمه السري إن جاء ابن السري صواب، وإن جاء أبو السري صواب، والذي لا يعرف هذا يظن أن الموضع الآخر تصحيف، فالذي لا يعرف أن كنيته أبو السري، لو جاء في بعض المواضع: حدثنا هناد أبو السري، قال: (أبو) هذه غلط مصحفة عن (ابن). فمثله ابن عون، هو أبو عون، وافقت كنيته اسم أبيه، وهذه فائدة هذا النوع من أنواع علوم الحديث.وعبد الله بن عون بصري، وهو من الثقات الأثبات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    ترجمة إبراهيم والأسود النخعيان

    قوله: [ عن إبراهيم ].إبراهيم هذا يروي عن الأسود، وإبراهيم هو: ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الفقيه, المشهور, الثقة, الحافظ، مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث، ولم ينسب، وإن وجد من يوافقه؛ لأنه معروف بالرواية عن الأسود، وهو ابن أخته؛ لأن الأسود الذي هو شيخه خاله، فـإبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي يروي عن خاله الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وإبراهيم من الثقات, ومن الفقهاء المعروفين بالفقه.
    أول من أتى باصطلاح: (ما لا نفس له سائلة)

    ذكر ابن القيم في (زاد المعاد) فائدة تتعلق بـإبراهيم النخعي وفقهه؛ فمن المعلوم أن الفقهاء عندما يأتي ذكر الحيوانات التي ليس فيها دم يعبرون عنها: بما لا نفس له سائلة؛ يعني: ليس فيه دم، مثل الذباب والجراد وغيرها من الأشياء التي ليس فيها دم، فيعبرون عنها: ما لا نفس له سائلة، لا ينجس الماء إذا مات فيه، ويأتون بذلك عند حديث غمس الذباب الذي قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء).واستنبطوا من هذا: أن الذباب قد يكون الماء حاراً، وإذا غمس يموت الذباب، والذباب لا دم له، فإذاً: لا ينجس الماء؛ لأن الرسول أرشد إلى استعماله، وأنه لا يراق ويشرب؛ يعني: أنه يغمس, والمقصود من الغمس: الإصلاح، حتى ما إن يضع الداء يأتي الدواء حتى يقضي على الداء؛ (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء)، فيذكرون عند هذا هذه الفائدة.ابن القيم قال عن إبراهيم النخعي، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء؛ يعني: هذا التعبير عن الجراد والذباب وغيرها مما لا دم فيه بأنه يقال فيه: ما لا نفس له سائلة، أول من عبر هذا التعبير: إبراهيم النخعي.وبعض الناس يقول: إن هذا حديث -أي: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه- بل ابن القيم نفسه وقع فيه في كتاب (الروح)؛ لأنه لما جاء عند ذكر الروح والنفس والفرق بينهما، وهل الروح هي النفس، والنفس هي الروح؟ قال: إن الروح تطلق على النفس، وتطلق إطلاقات أخرى.والمقصود بالروح والنفس هي: هذا الجسم الذي يكون في الإنسان فتكون به الحياة، وإذا قبض مات، يقال له: روح إذا له نفس، قال: خرجت روحه وخرجت نفسه، لكن كلمة النفس تأتي لمعاني أخرى لا تأتي لها الروح، ومن ذلك: الدم؛ لأنه يقال للدم: نفس ولا يقال له: روح.والروح تأتي لمعاني أخرى مثل: الوحي ومثل كذا، وهي لا تطلق عليها النفس، فلما ذكر النفس قال: وفي الحديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إن مات فيه. هذا في كتاب الروح، فالوصف الذي قاله في كتاب (زاد المعاد): أول من حفظ عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: ما لا نفس له سائلة: إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، وهذا يستدل به على أن تأليفه لكتاب الروح متقدم، وقبل أن يكون عنده التمكن من التحقيق الذي هو معروف عنه؛ لأن كتاب (الروح) فيه أشياء غريبة على ابن القيم، والكلام موجود في كتاب الروح، فكونه يذكر في كتاب الروح أن هذا حديث، وفي كتاب زاد المعاد يقول: إنه من أوليات إبراهيم النخعي، وأنه أول من عبر بهذه العبارة، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، هذا يدل على أن كتاب (الروح) متقدم، وأنه فيه أشياء تدل على كونه في بداية التأليف، وبداية الاشتغال بالتأليف، فتكون الكتب الأخرى التي فيها التحقيق مثل: كتاب (زاد المعاد) وغيره تختلف؛ لأن ذاك لا شك أنها خطأ، لأنه لا يوجد حديث: ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات.. لا وجود لهذا الحديث أصلاً، وهو نفسه قال: إن هذا من أوليات إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي مات بعد التسعين بقليل.الحاصل أن إبراهيم النخعي هذا فقيه, وهو كوفي، كما أن خاله الأسود كوفي، وهو من رجال الجماعة، وهو محدث فقيه، ثقة حافظ.[ عن الأسود ].هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي, وهو خال إبراهيم كما ذكرت، وهو من المخضرمين، ومن كبار التابعين، ومعلوم أن المخضرمين هم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومنهم: قيس بن أبي حازم الذي يقال: إنه اتفق له أن يروي عن العشرة المبشرين بالجنة، فـالأسود بن يزيد هذا من المخضرمين، وهو ثقة فقيه, من رجال الجماعة.قوله: [ عن عائشة ].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة ويليه ابن عمروأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,107

    افتراضي


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (19)

    - (باب كراهية البول في الجحر) إلى (باب السلام على من يبول)

    من آداب قضاء الحاجة ألا يقضي الإنسان حاجته في جحر أو في ماء راكد، أو مستحم، ولا يسلم على غيره، ولا يرد السلام.

    كراهية البول في الجحر

    شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كراهية البول في الجحر.أخبرنا عبيد الله بن سعيد حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قالوا لـقتادة: وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهة- قال: يقال: إنها مساكن الجن) ].يقول الإمام النسائي رحمه الله تعالى: كراهية البول في الجحر، وأورد فيه حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الجحر. قيل لقتادة -وهو راوي الحديث عن عبد الله بن سرجس - : وما يكره من البول في الجحر؟ -يعني: ما سبب الكراهية؟- قال: يقال: إنها مساكن الجن).هذا الحديث أورده النسائي تحت هذه الترجمة, وهي قوله: كراهية البول في الجحر، ومن المعروف أن التراجم التي مضت يصرح فيها النسائي بلفظ النهي: النهي عن كذا، وهنا في هذه الترجمة قال: كراهية البول في الجحر، فلعل ذلك إما لكون الحديث لا يخلو من مقال، أو لكون المقصود من ذلك: أن هذا من الآداب التي ينبغي التأدب بها، ولا يكون المقصود منه التحريم، أو أنه جرى على طريقة المتقدمين الذين يطلقون المكروه على كل ما كان ممنوعاً ولو كان محرماً، كما جاء في القرآن بعد ما ذكر الله عز وجل في سورة الإسراء أموراً من الكبائر، وفي آخرها قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً [الإسراء:38]، والحديث يدل على النهي، أو على كراهية البول في الجحر، وما ذكره قتادة أنه يقال: إنها مساكن الجن، فهذا تعليل.وهناك تعليل آخر: أن الجحر إذا بال فيه الإنسان قد يحصل فيه إيذاء لبعض الهوام والحيوانات التي فيه؛ فيكون قد آذاها، وأيضاً عرَّض نفسه للضرر؛ بأن يخرج عليه ما كان في ذلك الجحر بسبب بوله فيه، وقد يكون حية وقد يكون غير ذلك، فيفزعه ذلك فيقوم ويصيب البول ثيابه وجسده بسبب فزعه, فيتأذى بذلك هو، ويؤذي تلك الدواب بفعله ذلك.والحديث فيه كلام من حيث إن قتادة اختلف في سماعه من عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، وأيضاً مع كونه مختلفاً في سماعه منه هو أيضاً مدلس، وقد عنعن في روايته عن عبد الله بن سرجس ، لكن وإن كان الحديث فيه مقال إلا أنه لا ينبغي أن يبول الإنسان في الجحر؛ لما يترتب على ذلك من الضرر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ضرر ولا ضرار)، فالإنسان لا يعرض نفسه للضرر، ولا يجلب الضرر لغيره، ومن المعلوم أن الإنسان إذا بال في جحر فإنه يؤذي تلك الدواب التي فيه، وأيضاً هو يتسبب في جلب الضرر لنفسه، فالكراهية -وإن كان في الحديث مقال- هي من حيث ما يترتب على ذلك من المضرة له ولغيره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الجحر...)

    قوله: [ حدثنا عبيد الله بن سعيد ].هو شيخ النسائي، وهو ثقة مأمون كما قال الحافظ ابن حجر ، وقد خرج له البخاري, ومسلم, والنسائي ، ولم يخرج له الباقون من أصحاب السنن.[حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي].الدستوائي ، سبق أن مرَّ بنا قريباً، وأبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وأما هذا فهو ابنه معاذ بن هشام ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق كما قال ذلك الحافظ ابن حجر ، وربما وهم, أو له أوهام، يروي عن أبيه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ، وهو ثقة ثبت, من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب كما سبق أن مرَّ بنا ذكره فيما مضى.[عن قتادة].هو: ابن دعامة السدوسي ، وهو ثقة حافظ، وهو يدلس، وهو من رجال الجماعة، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن عبد الله بن سرجس ، والمقال الذي في الإسناد من حيث روايته عن عبد الله بن سرجس ؛ لأن سماعه منه مختلف فيه، ومع ذلك أيضاً هو مدلس، وقد عنعن، فالحديث فيه مقال من أجل هذا.[عن عبد الله بن سرجس].أما عبد الله بن سرجس فهو صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يروي عنه هذا الحديث، وحديثه عند مسلم والأربعة، وله سبعة عشر حديثاً في الكتب، انفرد مسلم بحديث منها، وليس له في البخاري شيء.
    النهي عن البول في الماء الراكد

    شرح حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ النهي عن البول في الماء الراكد.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن البول في الماء الراكد)].أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: النهي عن البول في الماء الراكد، وأورد فيه حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد)، والحديث رواه مسلم في صحيحه. والنسائي عبر بالنهي بخلاف الترجمة السابقة، ولعل الفرق في ذلك هو ما ذكرته من قبل: أن الحديث هناك فيه مقال، أما الحديث هنا فهو صحيح وثابت، وقد رواه مسلم في صحيحه، فهناك عبر بالكراهية، وهنا عبر بالنهي.والحديث يدل على تحريم البول في الماء الراكد؛ ذلك لأنه يفسده، أو يجعله قذراً في حق من يعلم أنه بيل فيه، ثم أيضاً إلف البول في الماء الراكد واعتياد ذلك إلف لما هو أمر سيء, ولو كان الماء كثيراً؛ لأن من اعتاد أن يبول في الماء الكثير الذي لا تضره النجاسة فقد يبول في الماء القليل الذي تضره النجاسة، وكون الماء الراكد مستقراً فإنه يتأثر بما يقع فيه، بخلاف الماء الجاري، كمياه الأنهار التي تجري فإن الماء يذهب، لكن لا ينبغي للإنسان أن يبول فيه إلا إذا اضطر إلى ذلك، أما أن يكون في سعة وعنده اليابسة, ثم يذهب ويبول في الماء، ولو كان جارياً فلا ينبغي للإنسان أن يفعله، أما إذا اضطر إلى ذلك فلا مانع، والماء الجاري ليس كالماء الراكد، فلا يتأثر بالبول فيه كما يتأثر به الماء الراكد إلا إذا كان الماء قليلاً؛ فإن النجاسة تؤثر في الماء القليل والماء الكثير، في الراكد والجاري إذا كان قليلاً جداً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله نهى عن البول في الماء الراكد)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة بن سعيد ].وهو الذي مر ذكره مراراً وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة ثبت، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني .[ حدثنا الليث ].والليث يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الليث بن سعد الفهمي المصري ، وهو ثقة ثبت, فقيه، إمام مشهور معروف بالفقه, ومعروف بالحديث، وهو من رجال الكتب الستة، خرج له الجماعة، وقد أفرد الحافظ ابن حجر له ترجمة في رسالة خاصة موجودة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية , ويأتي ذكره كثيراً في كتب الحديث وكتب الفقه؛ لأنه محدث فقيه، رحمة الله عليه.[ عن أبي الزبير ].أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي ، وهو من رجال الجماعة، وهو صدوق يدلس.[ عن جابر ].هو جابر بن عبد الله الأنصاري ، وهو أحد الصحابة المكثرين من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة الذين يأتي ذكرهم مراراً في الكتب، وقد ذكر صاحب الخلاصة: أن له ألفاً وخمسمائة وأربعين حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، وانفرد مسلم بمائة وستة وعشرين، فهو مكثر .
    كراهية البول في المستحم

    شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كراهية البول في المستحم. أخبرنا علي بن حجر أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الأشعث بن عبد الملك عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)].ذكر النسائي رحمه الله: كراهية البول في المستحم، وأورد فيه حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه؛ فإن عامة الوسواس منه)، عبَّر النسائي هنا بالكراهية، ولعل ذلك أيضاً مثل ما ذكرت من قبل؛ لأن إسناد الحديث فيه كلام من جهة أن الحسن مدلس، ومعروف بالتدليس والإرسال، وقد روى عن عبد الله بن مغفل بالعنعنة، فقال: عن عبد الله بن مغفل، فالإسناد فيه مقال، لكن عند أبي داود حديث آخر, عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول أحد في مستحمه)، ولهذا الشيخ ناصر الألباني رحمه الله في صحيح سنن النسائي صحح الجملة الأولى, وهي: (لا يبولن أحد في المستحم)، دون قوله: (فإن عامة الوسواس منه)؛ لأن الجملة الأولى جاءت في حديث في سنن أبي داود ، ولم تأت الجملة الثانية التي هي التعليل: (فإن عامة الوسواس منه) فرواية الحسن هنا جاء ما يؤيدها، وما يدل على ثبوتها وصحتها من طريق أخرى غير طريق الحسن ، لكنها ليست بطول رواية الحسن ، وإنما هي في جزئه الأول دون الجزء الثاني.والنهي عن البول في المستحم, قال بعض العلماء: إن المقصود من ذلك: ما إذا كان المستحم يستقر فيه البول لكون المكان صلباً، أو فيه شيء لا يذهب معه البول، أو يكون رخواً بأن يكون تراباً يشرب البول، ولا يبقى للبول أثر إلا رطوبة ذلك التراب، أو ليس فيه منفذ يجري فيه البول، فإذا كان المكان رخواً وشرب البول, وذهب البول ولم يبق له وجود، أو كان هناك منفذ كالبالوعة يذهب فيه البول ولا يستقر، فإن هذا لا مانع منه، قالوا: لأن المحذور من ذلك أنه إذا كان البول موجوداً ثم استحم؛ فإن هذا البول المجتمع يتطاير ويحصل منه الرشاش إلى جسده؛ فيؤدي ذلك إلى الوسواس، هل وقع عليه بول أم لا؟! ففسروا الحديث بما كان من هذا القبيل، أما إذا ذهب البول ولم يبق له وجود؛ فإن هذا لا يؤثر؛ لأن المحذور هو انتقال البول، والبول لا ينتقل إلا إذا كان موجوداً، أما إذا ذهب مع المنفذ أو الأرض الترابية وذهب البول فيها, ولم يبق للبول وجود؛ فإن هذا المحذور قد زال.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ...)

    قوله: [ حدثنا علي بن حجر ].وهو: السعدي، وقد سبق ذكر علي بن حجر مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وفي نسخة التقريب المصرية بدل الترمذي أبو داود ، وهذا ليس موجوداً في الخلاصة, ولا تهذيب التهذيب، بل لم ينص عليه في تهذيب الكمال؛ لأن في تهذيب الكمال ذكر الذين رووا عنه وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي، ولم يذكر أبا داود ، فما في ذلك من الرمز لـأبي داود في نسخة التقريب المصرية خطأ، والصواب: الترمذي . وعلي بن حجر ثقة, حافظ. [ أنبأنا ابن المبارك ].وابن المبارك يأتي لأول مرة، وهو: عبد الله بن المبارك المروزي ، وهو إمام، جليل, ثقة، قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت, إمام, جواد, مجاهد, جمعت فيه خصال الخير، وهو من رجال الجماعة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[ عن معمر ].وهو: ابن راشد الأزدي البصري نزيل اليمن، وهو شيخ عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة.[ عن الأشعث بن عبد الملك ].قال هنا: ابن عبد الملك ، وفي رجال النسائي أشعث بن عبد الملك , وأشعث بن عبد الله ، وفي بعض نسخ النسائي في هذا الإسناد: أشعث بن عبد الله ، وفي نسخ الآخرين الذين هم أصحاب السنن الباقون: الترمذي, وأبو داود , وابن ماجه قالوا في الإسناد: أشعث بن عبد الله، وفي إحدى نسخ النسائي : أشعث بن عبد الله ، وفي تهذيب الكمال لما ترجم لـمعمر بن راشد ذكر: أنه روى عن أشعث بن عبد الله ، ولم يذكر: أشعث بن عبد الملك ، وكل هذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، أولاً: كون إحدى النسخ فيها أشعث بن عبد الله ، وكون الكتب الأخرى التي فيها هذا الحديث نفسه, ومن هذا الطريق, كلهم ينصُّون على أنه أشعث بن عبد الله ، وفي ترجمة معمر بن راشد في تهذيب الكمال ذكر: أن من شيوخه أشعث بن عبد الله ؛ فهذا يدل على أنه أشعث بن عبد الله وليس أشعث بن عبد الملك ، فمعنى ذلك أن الذي في النسخة الموجودة معنا ليس صواباً، وإنما الصواب كما في النسخة الثانية من جهتين: من جهة أن معمر بن راشد ما ذكر المزي في شيوخه أشعث بن عبد الملك ، وثانياً: أن الذين رووا الحديث مع النسائي, وهم أصحاب السنن الباقون كلهم نصوا في الإسناد على أنه ابن عبد الله ، والحديث مخرجه واحد، فإذاً: هو ابن عبد الله . وابن عبد الله هذا ذكر الحافظ ابن حجر: أنه من رجال الأربعة، ومن رجال البخاري تعليقاً.فالصحيح: أنه ابن عبد الله وليس ابن عبد الملك ، وهو صدوق.[ عن الحسن ].وهو ابن أبي الحسن ، وأبوه اسمه يسار ، ولكنه مشهور بكنيته، ولهذا يقال له: الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو إمام مشهور, ثقة حافظ، وكان يدلس ويرسل، معروف بالتدليس والإرسال، وهنا الحديث عنعنه عن عبد الله بن مغفل ، فهو محتمل الضعف، بل لا يعتبر ثابتاً لمجرد هذا، ولكن كما ذكرت: أن في سنن أبي داود حديثاً آخر صحيحاً؛ فيعتبر المقدار الذي يوافقه من حديث الحسن ثابتاً، أما ما جاء في آخره فهذا مما لم يأت إلا في هذا الحديث، ولهذا كما قلت: اعتبر الألباني الجملة الأولى صحيحة من أجل الحديث الثاني، والجملة الثانية ضعيفة؛ لأنها ما جاءت في الحديث الآخر.[ عن عبد الله بن مغفل ].أما عبد الله بن مغفل المزني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج له أصحاب الكتب الستة، وفي الخلاصة ذكره على طريقته، وذكر عدد ما له, وما اتفق عليه من أحاديثه, وما انفرد البخاري به, وما انفرد به مسلم.
    السلام على من يبول

    شرح حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ السلام على من يبول.أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة قالا: أخبرنا سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه، فلم يرد عليه السلام)]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: السلام على من يبول، يعني: ما ورد في السلام على من يبول، وذكر الأمر مطلقاً، ما ذكر نهياً ولا كراهية ولا أمراً، وإنما قال: السلام على من يبول، مقصوده من ذلك: ما ورد فيه، وبيان حكمه، وقد أورد فيه حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام مر عليه رجل وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام). وقيل: إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عليه ليبين له أن السلام على من يبول لا ينبغي، فتركه الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي أن يسلم على من يبول؛ لأن من يبول ليس له أن يذكر الله عز وجل، ومن المعلوم أن السلام فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، وهو من الذكر والدعاء، والإنسان الذي يبول يسكت ولا يتكلم، إلا إذا كان هناك ضرورة تلجئه إلى أن يتكلم من أجل حاجة اقتضت ذلك، أما أن يدعو وأن يذكر الله عز وجل -ومن ذلك السلام ورد السلام- فإنه لا يفعله، قالوا: وعدم إجابته له إنما هي تأديب له, وتنبيه له على ألا يعود.والحديث رواه مسلم وبعض الأئمة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام)

    قوله: [ أخبرنا محمود بن غيلان ].محمود هذا يأتي ذكره لأول مرة في شيوخ النسائي ، وهو من شيوخه, وشيوخ أصحاب الكتب إلا أبا داود ، فإنه لم يخرج له, ولم يرو عنه شيئاً، فهو شيخ لأصحاب الكتب الخمسة، وهم: البخاري , ومسلم , والترمذي , والنسائي , وابن ماجه ، وأما الإمام أبو داود فلم يخرج له شيئاً، ولم يرو عنه في كتبه، وهو ثقة. [ حدثنا زيد بن الحباب وقبيصة ].زيد بن الحباب هو صدوق يخطئ في حديثه عن سفيان الثوري ، وشيخه الذي يروي عنه في هذا الإسناد هو سفيان الثوري ، وقد قالوا: إنه يخطئ في حديثه عن الثوري ، وهذا منه، لكنه مقرون بـقبيصة ، وقبيصة صدوق ربما خالف، لكن اجتماعه مع زيد بن الحباب الذي في حديثه شيء عن سفيان يجعل الشيء الذي في حديثه عنه لا يؤثر؛ لأنه لم ينفرد بالرواية عنه، وإنما شاركه غيره فيها وهو قبيصة . وقبيصة هنا مهمل لم ينسب، وقبيصة يطلق على جماعة، ومن المعلوم أن الطريقة التي يعلم بها تعيين المهمل وتمييزه: أن ينظر في الشيوخ والتلاميذ، ومن خرجوا له، وإذا رجعنا إلى ترجمة محمود بن غيلان في تهذيب التهذيب فنجد أنه روى عن قبيصة بن عقبة ، وما ذكر أنه روى عن شخص آخر يقال له: قبيصة، إذاً: فقد عرف المهمل، وذلك بالرجوع إلى الشيوخ والتلاميذ، لكن يبقى لو أنه روى عن قبيصة وهما اثنان مثلاً، فأيهما هو هذا أو هذا؟ هذا يحتاج إلى تمييز، يمكن أيضاً أن ينظر فيمن هو أكثر ملازمة، ومن هو أكثر أخذاً، وهذه الطريقة التي يميز بها أحد الاثنين المشتبهين اللذين لا يدرى أيهما هو أهذا أم هذا؟ لكن هنا ليس هناك تعدد فيمن روى عنه محمود بن غيلان ممن يقال له: قبيصة، لا يوجد إلا واحد، وهو قبيصة بن عقبة.وقبيصة بن عقبة من رجال الجماعة، وربما وهم.أما زيد بن الحباب فهو من رجال مسلم والأربعة.[ أخبرنا سفيان ].سفيان غير منسوب، ما قيل: سفيان الثوري ولا سفيان بن عيينة ، لكن زيد بن الحباب ذكروا بأنه يروي عن سفيان الثوري ، وفي حديثه عنه شيء، إذاً: عرف هذا المهمل الذي هو سفيان, وأن المقصود به الثوري ، وليس المقصود به ابن عيينة ؛ لأن زيد بن الحباب إنما روى عن سفيان الثوري . والثوري هو سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي ، وهو ثقة كما ذكرت سابقاً عند ذكر سفيان بن عيينة: أن ابن حجر لما ذكر كلاً منهما ذكر فيه عدة صفات، فقال: ثقة, حافظ, فقيه, إمام, حجة، فذكر خمس صفات، وزاد في الثوري أنه قال: عابد، وسفيان الثوري إمام في الحديث والفقه، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث، وشعبة وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وبعض العلماء جعل سفيان أعظم وأقوى وأمكن من شعبة ؛ وذلك بسبب أنهم عدوا ما أخطأ به هذا وما أخطأ به هذا؛ فكان ما أخطأ به سفيان أقل مما أخطأ به شعبة ، فصار سفيان أرجح من شعبة وإن كان كل منهما في القمة، لكن يميزون الشخص على الشخص بقلة خطئه في حديثه، ويقارنون بين الخطأ عند هذا وهذا، فإذا رأوا واحداً منهما أقل اعتبروه أمكن، وإذا كان أكثر من الثاني وإن كان قليلاً اعتبروه دونه.وحديث الثوري هو عند الجماعة, وحديثه عندهم كثير.[ عن الضحاك بن عثمان ].وهو: الضحاك بن عثمان أبو عثمان ، وهو من رجال مسلم والأربعة , كـزيد بن الحباب، وهو صدوق ربما يهم. [ عن نافع ].ونافع هو: مولى ابن عمر ، وهو الإمام المشهور الذي مر ذكره، وهو من الثقات, الحفاظ, المتقنين، بل هو أحد رجال السلسلة الذهبية عند البخاري حيث يقول: أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـنافع هو أحد السلسلة التي يقول عنها البخاري : إنها أصح الأسانيد ، فهو في القمة، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[ عن ابن عمر ].هو عبد الله بن عمر بن الخطاب المعروف بكثرة الحديث، وهو أحد السبعة المكثرين من الصحابة الذين تجاوز حديثهم الألف، والذين يعتبرون أكثر من غيرهم حديثاً في الكتب، وقد قال في الخلاصة: إن له ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً في الكتب الستة، اتفق البخاري ومسلم على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بواحد وثمانين ، وانفرد مسلم بواحد وثلاثين حديثاً، فهو مكثر، وهو من صغار الصحابة، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني) يعني: أذن له بأن يكون في جملة المقاتلين، وهذا يدلنا على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من حب الخير، والحرص على الجهاد، وأن الواحد الصغير يأتي ويرجو أن يؤذن له، فيعرض في المرة الأولى ويقال له: صغير, فيرجع، وفي المرة الثانية يكون قد بلغ فيؤذن له، وكانوا يحرصون على الجهاد في سبيل الله، وكانوا يقدمون أنفسهم وهم لم يصلوا إلى أن يكونوا ممن يؤذن لهم، فابن عمر لم يؤذن له؛ لأنه لم يبلغ الخامسة عشرة، وفي الخندق بلغ الخامسة عشرة فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم.وهو من صغار الصحابة، فإذا كان عمره يوم الخندق خمس عشرة سنة، والرسول عاش بعدها خمس سنين فمعناه: أنه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره عشرون سنة رضي الله عنه، وهو من المكثرين، وأحد العبادلة الأربعة في الصحابة، وإذا قيل العبادلة الأربعة فالمراد بهم صغار الصحابة: ابن عمر , وابن عمرو , وابن الزبير , وابن عباس ، هؤلاء هم العبادلة وليس فيهم ابن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي قبلهم بمدة طويلة؛ لأنه توفي سنة اثنتين وثلاثين، وأما هم فتأخرت وفاتهم، فمنهم من توفي في حدود الستين، ومنهم من توفي بعد ذلك فوق السبعين.قد يقال: من المعلوم أن رد السلام واجب من الواجبات وهنا ما رد عليه.فالجواب أشرت إليه، وهو: أنه أراد التنبيه إلى أنه لا يسلم على من يبول، ولو سلم عليه لا يرد؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، ورد السلام من ذكر الله؛ والسلام من أسماء الله عز وجل، وهو دعاء للمسلم، وهو لا يدعو لنفسه ولا لغيره وإنما يسكت، ولا يذكر الله وهو يقضي حاجته.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 1 من 7 1234567 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •