شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 4
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 4 من 7 الأولىالأولى 1234567 الأخيرةالأخيرة
النتائج 61 إلى 80 من 133
4اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #61
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (59)

    - باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة - باب ترك الوضوء من القبلة

    من الأمور التي لا تنقض الوضوء مس الرجل زوجته من غير شهوة، أو تقبيلها بشهوة ما لم يمذ، وقد ثبت مثل هذا من فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه.
    ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة

    شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وأني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة.ومقصود النسائي رحمه الله بهذه الترجمة: هو أن الرجل إذا مس امرأته بغير شهوة، فإن ذلك المس لا ينقض الوضوء، وهذه الترجمة التي عقدها، وأورد أحاديث تدل على مقتضاها؛ لأن الذي أورده تحتها هو حصول لمس في الصلاة، ومن المعلوم أن اللمس في الصلاة بعيد عن أن يكون بشهوة أو بقصد شهوة.إذاً: فهو غير ناقض للوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فبذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن ليس معنى هذه الترجمة أن المس إذا حصل بشهوة أنه ينقض الوضوء، فالمسألة خلافية؛ من العلماء من قال: مس الرجل المرأة مطلقاً ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أو بغير شهوة، ومنهم من يقول: إنه ينقض إذا كان بشهوة، وإذا كان بغير شهوة فإنه لا يكون ناقضاً للوضوء، والترجمة التي ذكرها المصنف أتى بها على هذا الموضع من أجل أن ما جاء في الأحاديث مطابق لها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام مس أم المؤمنين وهو في الصلاة، ومن المعلوم أن المس في الصلاة بعيد عن أن يكون فيه شهوة أو إرادة شهوة، لكن هذا لا يدل على أن المس بشهوة يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن الأصل هو عدم النقض حتى يأتي ما يدل على النقض إذا كان بشهوة، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل قد جاء ما يدل عليه كما في التقبيل كما سيأتي؛ لأن التقبيل مظنة الشهوة، ومع ذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن إذا خرج مذي بسبب هذا اللمس بشهوة، فإن النقض ليس من أجل المس بشهوة، وإنما من أجل المذي الذي خرج من السبيل الذي هو ناقض للوضوء.وقد عرفنا -فيما مضى- في باب: الوضوء من المذي، والحديث الذي جاء عن علي رضي الله عنه من طرق متعددة أن المذي فيه الوضوء، وأن الإنسان يستنجي، ويغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة، فإذا حصل المس بشهوة، ووجد المذي بسبب ذلك، فإنه يكون ناقضاً للوضوء مطلقاً، سواء كان بمس بشهوة أو بتفكير.إذاً: فالمس بشهوة ليس هناك ما يدل على النقض به، وهو غير ناقض إلا إذا حصل بسبب اللمس خروج مذي، فإن النقض يكون بسبب المذي الذي خرج، أما مجرد اللمس بشهوة فإنه لا يكون ناقضاً؛ لأنه لم يرد دليلٌ يدل على حصول النقض به.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديثين عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أحدهما: يتعلق بكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمزها وهو في الصلاة برجله إذا جاء في آخر صلاته؛ يوقظها لتقوم فتصلي وتوتر. وكذلك ما جاء في الحديث الآخر الذي جاء من طريقين أنها تكون معترضة، والمكان ضيق، وهي في قبلته، وهو يصلي، وإذا أراد أن يسجد غمزها، فتكف رجليها عن مكان سجوده، ثم إذا سجد وفرغ من السجود، وصار إلى القيام، ترجع رجليها إلى مكانها في قبلته عليه الصلاة والسلام، ويغمزها الرسول صلى الله عليه وسلم غمزات متعددة في الصلاة، فكلما نزل من القيام إلى السجود غمزها بيده أو غمزها برجله فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها، فدل هذا على أن المس لا ينقض الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو في صلاته، ولم يكن ذلك ناقضاً للوضوء. وقوله: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضةٌ بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله).والحديث يدل على أن عائشة رضي الله عنها كانت معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي؛ وذلك لضيق المكان، فكان إذا أراد أن توتر غمزها برجله، حتى تقوم وتتهيأ لصلاة الليل، أو للوتر الذي تختم به صلاة الليل.وفي هذا بيان ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من دعوة أهله إلى الصلاة، وتنبيههم إلى ذلك، وهو يدل على أن الزوجين يعين أحدهما صاحبه على فعل الخير، وينبهه على ما يحتاج إليه من الأمور التي ينبه عليها في التقرب إلى الله عز وجل. وفيه دليل على أن الجنازة عندما يصلى عليها تعرض أمام الذي يصلي عليها؛ أي: أنها تعرض وتكون معترضة، وقد جاءت السنة بأن المصلى عليه إذا كان رجلاً فإن الإمام يقوم عند رأسه، وإذا كانت امرأة فإنه يقوم عند وسطها، وهذه من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء؛ لأنه يوقف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، فالحكم في الجنازة عندما يصلى عليها أنها تعرض؛ ولهذا قالت عائشة: (معترضةٌ اعتراض الجنازة)، ومعناه: أنها في قبلته كالجنازة التي يصلى عليها حيث تكون في القبلة.وفيه أيضاً: دليل على أن الإنسان إذا صلى وأمامه شخصٌ نائم فإنه لا يؤثر ذلك على صلاته؛ لأن عائشة كانت نائمة، وكانت ممتدة بين يديه عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن كون الإنسان يصلي، وأمامه شخصٌ نائم قريبٌ منه، فإن ذلك لا يؤثر عليه.وفيه أيضاً: دليل على أن الاعتراض غير المرور، فالمرور يمنع منه، فالمرأة إذا مرت أمام المصلي جاء ما يدل على أنها تقطع الصلاة. ومثل ذلك الكلب، والحمار، فقد جاء في ذلك حديث صحيح. وإن كان قد اختلف في معنى القطع، إلا أنه يختلف عن الاعتراض؛ لأن الاعتراض والامتداد أمام المصلي وإن كان في مكان سجوده لا يؤثر في ذلك، وهو يختلف عن المرور، فالمرور يمنع منه، وكون الرجل أو الأرجل تكون ممتدة، أو النائم يكون ممتداً أمام المصلي ولو كان امرأة، أن ذلك لا يؤثر على صلاته، ففيه فرقٌ بين المرور وبين الاعتراض، وسبب وجود فرق بين المرور بين يدي المصلي؛ لأن المصلي يمنع منه، والمار يجب عليه أن يمتنع من ذلك، وأما الاعتراض فإنه يختلف عنه؛ لأن عائشة رضي الله عنها تكون معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام فتكف رجليها، لكن الحديث الذي هنا فيه أنه كان يغمزها وهو في الصلاة برجله؛ لتقوم للوتر، وهو دال على ما ترجم له المصنف من أن لمس الرجل للمرأة وهو في الصلاة لا يؤثر.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم]. هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، وهو من شيوخ النسائي وحده.[عن شعيب، عن الليث]. هو ابن الليث بن سعد، وهو ثقة، وخرج حديثه الإمام مسلم، وأبو داود، والنسائي.فهو يروي عن أبيه الليث بن سعد، والليث بن سعد هو المصري، المعروف، المشهور، فقيه مصر ومحدثها، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا ابن الهاد].هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويقال له: ابن الهاد؛ لأن جده كان يوقد النيران في الطريق للدلالة على الطريق، ولإرشاد الناس، فكان يوقد النار ليهدي الناس إلى الطريق.[عن عبد الرحمن بن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه ابن عيينة: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن أبيه القاسم.[عن القاسم ].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وأن المدينة فيها في عصر التابعين سبعة معروفين بالفقه والحديث، وأحد السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وقد ذكرتهم مراراً، وذكرت أن ابن القيم ذكرهم في أول كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، بدأه ببيان الفقهاء في الأمصار في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولما جاء إلى ذكر المدينة، وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة، ثم الفقهاء في زمن التابعين، ذكر أن من الفقهاء في زمن التابعين الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، الذين صار هذا علماً عليهم، عندما تأتي مسالة اتفق عليها الفقهاء السبعة يقولون: وقال بها الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، أو بالأخص البيت الثاني يشملهم والأول تمهيد، يقول فيه ابن القيم ولا أدري الشعر هل هو له أو لغيره: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوقاسم هذا الذي معنا هو أحد هؤلاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. يعني: يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأنه القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهي عمته وهو يروي عنها، وهو كثير الرواية عنها، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ليس في الصحابيات من هي مثلها، وهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فضممتها إليّ ثم يسجد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة وهو غير الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول يتعلق بغمزها لتقوم للوتر، وهنا يغمزها لتكف رجليها المعترضة في مكان سجوده؛ ليسجد مكان رجليها، والمقصود منه: أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فلو كان ذلك ينقض الوضوء ما فعله رسول الله، فدل فعله للغمز وأنه مستمر في الصلاة أن اللمس غير ناقض للوضوء، وعائشة تقول: إنها كانت معترضة في مكان سجوده، فإذا سجد غمزها، فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها.وفيه ما في الذي قبله من جهة أن الإنسان كونه يصلي وأمامه شخص نائم أنه لا بأس به، وأيضاً يدل على أن العمل في الصلاة إذا كان يحتاج إليه ولو كان متكرراً فإنه لا يؤثر؛ لأنه كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من السجود غمزها، وإذا قام مدت رجليها، فيتكرر ذلك منه، فإذا كان هناك ما يدعو إليه فإنه لا يؤثر على الصلاة شيئاً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغمزها إذا أراد أن يسجد، وهي إذا قامت مدت رجليها، وإذا غمزها كفت رجليها، وهكذا.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ البخاري، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن هناك ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة 252، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي هذا، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وهم من صغار شيوخ البخاري؛ معناه: أن وفاتهم كانت قريبة من وفاته، وسنهم كان قريباً من سنه، إلا أنهم أقدم منه، أما شيوخ البخاري الكبار فهم الذين أدركهم في أول بدئه للطلب، وماتوا في حال صغره، هؤلاء يقال لهم: شيوخ البخاري الكبار، أما الشيوخ الذين هم يقاربون له في السن والوفاة، فهؤلاء يقال لهم: شيوخه الصغار، ويعقوب بن إبراهيم هو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور الذي مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وهو أحد الشخصين اللذين قال الذهبي عنهما: إنهما إذا جرحا شخصاً لا يكاد يندمل جرحه، هو وعبد الرحمن بن مهدي، فهذان الشخصان إذا جرحا شخصاً يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فكلامهما معتبر، وكلامهما معول عليه، فـيحيى بن سعيد القطان هذا هو أحد العلماء الأثبات المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي يقال له: عبيد الله المصغر؛ تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر، والمصغر ثقة، ثبت، والمكبر ضعيف، فيقال: عبيد الله المصغر، وعبد الله المكبر، وهما أخوان.وهذا الرجل الذي معنا أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.[سمعت القاسم بن محمد].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو يروي عن عائشة أم المؤمنين.

    شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلاي، فإذا قام بسطهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)].هنا أورد النسائي حديث عائشة المتعلق بمتدادها في قبلته وهو يصلي، وهو أنه إذا أراد أن يسجد غمزها، وأنها تكف رجليها، أورده من طريق أخرى، تقول: إنه كان يصلي وهي معترضة في قبلته فإذا سجد غمزها؛ يعني: إذا أراد أن يسجد غمزها؛ لأنه يغمزها قبل السجود ليسجد، وليس بعد السجود؛ لأنه يسجد في مكانها، فإنه يغمزها فتكف رجليها، فإذا قام بسطتهما؛ مدتهما وأعادتهما إلى مكانهما، وهو دال على ما دل الذي قبله.وفيه: زيادة اعتذار من عائشة لكونه يغمزها ويكرر غمزها بأن البيوت يومئذ ليس لها مصابيح، فهي ظلام؛ يعني: ما كانت هناك إضاءة بحيث أنها تنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسجد، وبسبب الظلام وكونه ليس هناك مصابيح فيحتاج إلى أن يكرر غمزها كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من قيام فيريد السجود فيغمزها، فهي تعتذر لكونه يتكرر ذلك منه في كل ركعة؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح، وقولها: (يومئذ)، يعني: يشعر بأن الأمر تغير، وأنه كان هناك مصابيح فيما بعد؛ لأن قولها: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)، يشعر بأنه قد حصل بعد ذلك وجود المصابيح، ووجود ما يحصل الاستضاءة به.وفي هذا دليل على إبطال ما يذكره بعض الذين يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقولون: إنه لا ظل له، وأنه إذا ظهر في الشمس فلا يطلع له ظل؛ لأنه نور يعكس من الشمس، فإن هذا من الغلو ومن الإفراط، ومن الكلام بغير علم، فـعائشة كانت لا تراه إذا أراد أن يسجد، فلو كان له إضاءة أشد من إضاءة الشمس -كما يقولون- لما احتاجت عائشة إلى أن تقول هذا الكلام: (والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح)، وتعتذر بذلك، بل ستكون هناك إضاءة شديدة، ولا يحتاج الأمر إلى مصابيح.ومما يدل عليه أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر كان هناك امرأة أو رجل كان فقده، فقالوا: إنه مات، وأنهم دفنوه في الليل، ولامهم على ما حصل منهم، فقالوا: كانت ليلة مظلمة فكرهنا أن نشق عليك؛ يعني: في ظلام، وما أرادوا أن يشقوا على الرسول عليه الصلاة والسلام بكونه يذهب معهم للمقبرة في ليلة مظلمة، فلو كان الأمر كما يقوله هؤلاء المفرطون الغالون الواصفون للرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف -وهو من الغلو والإفراط- ما كان هناك حاجة إلى أن يقولوا: الليلة مظلمة؛ لأنه إذا مشى معهم ستكون الأرض كلها ضياء أشد من نور الشمس، فهذا من الإفراط، ومن الكلام بغير علم، ويعتبر هذا من المجاوزة في الحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأوصاف التي ما جاءت عنه، ولم يأت ما يدل عليها، وإنما هي إفراط وغلو فيه عليه الصلاة والسلام، فما خصه الله تعالى به من الخصائص، وما أكرمه الله تعالى به من الكرامات ففيه الكفاية، وفيه الغنية عن كذب الكذابين، ووضع الوضاعين، واختلاق المختلقين، وإفك الأفاكين، ليس بحاجة إلى أن يختلق له، وأن يتقول عنه أقوال ما هناك ما يدل عليها، ويكون فيها غلو وإفراط، وهو عليه الصلاة والسلام قد حذر من الغلو فيه والإفراط، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).والله تعالى على كل شيء قدير، والرسول أهلٌ لكل إكرام، ولكل خير، لكن هذا ما ثبت، ولو ثبت أنه لا ظل له، وأنه يعكس الشمس لوجب القول به، ولوجب اعتقاده، لكن ما دام ليس هناك ما يدل عليه، فإن هذا من القول بغير علم، وهو من الرجم بالغيب.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف المشهور، الذي هو معروف بالفقه، ومعروف بالحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي النضر].أبو النضر، هذه كنية لـسالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ لأن الفقهاء السبعة ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع: اختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو سالم بن عبد الله بن عمر، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم السابع، أما الستة الباقون فهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة.إذاً: فـأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي صاحبة الأحاديث الماضية، ومر ذكرها كثيراً.

    شرح حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج واللفظ له قالا: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)].هنا أورد النسائي حديثاً آخر لـعائشة، وفيه أن اللمس حصل للرسول صلى الله عليه وسلم منها وهو في الصلاة، واستمر في صلاته، وقد لمسته ولمست رجليه وهما منصوبتان، وهو ساجد لله عز وجل في الليل، وهو دال على ما ترجم له النسائي من جهة أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، والأحاديث التي مضت المس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهذا فيه المس من عائشة له وهو في الصلاة، واستمر في صلاته وقد لمسته، فسواء كان اللمس من الرجل للمرأة، أو من المرأة للرجل في الصلاة فذلك لا ينقض الوضوء، ولا يؤثر على الصلاة شيئاً، سواء كان ذلك بشهوة أو بغير شهوة، أما بالنسبة بغير شهوة فإن هذه الأحاديث دالة عليه، وأما بشهوة فإن الأصل عدم النقض، ولم يأت ما يدل على النقض، إلا إذا خرج بسبب الشهوة مذي، فإن النقض يكون للمذي كما ذكرت ذلك من قبل.وعائشة رضي الله عنها وأرضاه، قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني: قامت واستيقظت من الليل، فلم تجده في فراشه، فصارت تبحث عنه، (فوقعت يدها عليه وهو يصلي)، وطبعاً كان هناك ظلام -وهو يصلي- ولعل ذلك كان في المسجد؛ لأن المسجد متصل بالبيت، ولا يفصل بينهما إلا الباب، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خرج من الحجرة، وجعل يصلي في المسجد قريباً من الباب، وهي لما لم تجده صارت تبحث وتتلمس في الظلام (حتى وقعت يدها على رجلي النبي صلى الله عليه وسلم وهما منصوبتان وهو ساجد)؛ يعني: يصلي من الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على أن المصلي ينصب رجليه في حالة السجود، ولا يجعلهما معترضتين، بل جاء ما يدل على أنه يجعل بطون أصابعهما إلى القبلة، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.إذاً: فالسجود يكون على الأعضاء السبعة، ومنها: القدمان، ولا بد من تمكينهما، والسنة أن تكونا منصوبتين، وأن تكون بطون أصابعهما إلى القبلة.وفيه أيضاً: مشروعية هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سجوده، والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في هذا الحديث، ومن المعلوم أن السجود هو أحد المواطن التي يكثر فيها الدعاء؛ لأنه قد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وإذا حرص الإنسان على أن يدعو بأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام التي ثبتت عنه في سجوده -كما في هذا الحديث- فإن هذا من أفضل ما يدعى به؛ لأن هذا دعاء دعا به الرسول عليه الصلاة والسلام في سجوده، وهو الذي ينبغي أن يختار وأن يحرص عليه.ثم هذا الحديث فيه استعاذة؛ فيه مستعاذ به ومستعاذ منه، وفيه التعوذ بصفة من صفة، وبفعل من فعل، وبالله من الله، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، استعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، واستعاذ بفعل العفو من فعل العقوبة، واستعاذ بالله من الله؛ لأن كل شيء هو من الله عز وجل، لا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهو بقضاء الله وقدره، وبخلق الله وإيجاده، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما يكون من مخلوق؛ حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر إلا وهو بخلق الله وبإرادته وبمشيئته؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح؛ حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالكل من الله، والكل بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن قضاء الله شيء، ولا يخرج عن خلق الله شيء، ولا يوجد في ملك الله عز وجل إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث وهذه الاستعاذة هي من جنس: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ولا مفر منك إلا إليك)، فالفرار إلى الله منه، ويلجأ إليه منه؛ لأن كل شيء فهو بقضائه وقدره، وبخلقه وإيجاده، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بتقديره وبخلقه وإيجاده سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.ومن المعلوم أن الكلام في هذا الحديث وجد بعض الناس يزل فيه، ويغلط فيه، ويتكلف في تفسيره، وقد جاء في الحواشي الموجودة في شرح هذا الحديث كلام لا يليق ولا ينبغي أن يذكر، ولا أن تسود به الأوراق؛ مثل ما نقله السيوطي أو السندي -لعله السيوطي- قال عن كتاب في أخبار العارفين الذي يقول: إن طلب الاستغاثة من الله نقص في التوكل، هذا كلام ساقط لا قيمة له، فإن الاستغاثة بالله، والاستعانة بالله هذه عبادة وتوحيد وصرف العبادة لمن يستحقها، فكيف يقال: إن طلب الاستغاثة من الله أنه نقص في التوكل؟! هذا كلام باطل، وكلام لا ينبغي أن يقال.ومن أحسن من شرح هذا الحديث شرحاً حسناً سليماً واضحاً جلياً ابن القيم في كتابه شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهذا كتاب نفيس من أحسن الكتب التي ألفت في القضاء والقدر، وقد عقد فيه ثلاثين باباً، مسائل القضاء والقدر أحد هذه الأبواب الثلاثين، وهو الباب السادس والثلاثون شرحٌ لهذا الحديث الذي معنا، وبيان لفقهه، وحكمه وأسراره، ودلالته على القضاء والقدر، وأن كل شيء من الله، وكل شيء بقضاء الله، وأن الله عز وجل هو الذي يفر منه إليه، وأنه لا يحصل إلا ما قدره وقضاه، ولا يوجد في ملك الله إلا شاءه الله.وفيه: أنه يستعاذ بصفات الله كما يستعاذ بالله عز وجل، فمنها ما يستعاذ به، ومنها ما يستعاذ منه؛ لأن صفة الرضا يستعاذ بها، وصفة الغضب يستعاذ منها؛ يعني: يستعيذ الإنسان برضا الله من غضب الله، ومن عفو الله من عقوبة الله، وبالله من الله؛ لأن كل شيء هو بخلقه وإيجاده، فلا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا بقضاء الله، والسحر الذي هو من أعظم الأشياء ضرراً قال الله فيه: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]؛ يعني: السحرة ما يحصل منهم الضرر إلا إذا شاء الله، فإذا شاء الله عز وجل يوجد السبب ولا يوجد المسبب، مثل: إيراد المريض على الصحيح، فإيراد المريض على الصحيح سبب للعدوى، لكن قد يوجد السبب وقد لا يوجد المسبب، فإذا شاء الله أنه لا ينزل فلا ينزل، فقد يكون أمراض مع أصحاء ثم لا يحصل للأصحاء شيء؛ لأنه لا يحصل الضرر إلا بإذن الله، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك في قوله: (من أعدى الأول؟) فلو كان القضية كلها عدوى، وأن المريض يعدي الصحيح، فالمريض الذي أصابه المرض لأول مرة من الذي أعداه؟! فليس هناك مريض يعديه الذي قبله، وإنما الله تعالى هو الذي أوجد هذا المرض، وهو الذي خلق فيه المرض.فإذاً: هذا حديث عظيم، ودعاء عظيم، ومن أحسن ما يرجع إلى فقهه، وفهم معناه كلام ابن القيم في شفاء العليل.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج].محمد بن عبد الله بن المبارك هذا ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.ونصير بن الفرج هو أيضاً ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا أبو أسامة].هو حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وأبو أسامة، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عمر].هو المصغر الذي مر ذكره قريباً، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن يحيى بن حبان].هو محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره بلقبه وباسمه، وهنا جاء ذكره باللقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.[عن عائشة].هي أم المؤمنين، وهي أكثر الصحابيات حديثاً، وإذاً: فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، والصحابيان اللذان في الحديث الرجل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والمرأة هي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق.
    ترك الوضوء من القبلة

    شرح حديث: (إن النبي كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من القبلة.أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان أخبرني أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)، قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قال: قال يحيى القطان: حديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء من القبلة.لما ذكر النسائي في الترجمة السابقة، وهي ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة، وأن المس إذا حصل في الصلاة أنه لا ينقض الوضوء، وكذلك إذا حصل في غير الصلاة، لكن الأحاديث التي أوردها النسائي كلها مس في الصلاة، وهو بعيد عن أن يكون بشهوة، ولهذا قال: بغير شهوة، لكن -كما عرفنا- ليس التقييد بقوله: (بغير شهوة) بمعنى أنه إذا كان بشهوة أنه ينقض الوضوء؛ لأنه ما جاء دليل يدل على نقض الوضوء بالمس بشهوة، اللهم إلا إذا حصل مذيٌ بسبب المس بشهوة، فإن النقض يكون بسبب خروج المذي، وليس بسبب المس بشهوة.ولما ذكر النسائي في الترجمة السابقة وذكر الأحاديث التي تحتها، وكل الأحاديث التي أوردها دالة على عدم النقض، وكله لم تكن في الصلاة، والأصل هو عدم النقض إلا إذا جاء دليل يدل على النقض، ولم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب هذا بترجمة هي: ترك الوضوء من القبلة، ومن المعلوم بأن تقبيل المرأة إنما يكون غالباً مع الشهوة، فهذه الترجمة وهي: ترك الوضوء من القبلة هي مماثلة للترجمة السابقة؛ لأن الكل فيه ترك، فمس المرأة بشهوة ومس المرأة بغير شهوة كل هذا لا ينقض الوضوء، لكن إذا حصل التقبيل بشهوة ووجد مذي، فإنه يحصل النقض بسبب المذي، لا بسبب التقبيل ولا بسبب اللمس بشهوة.وهنا أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مسنداً، وحديثاً أشار إليه دون أن يذكره مسنداً، ودون أن يذكر لفظه، فهو أورد الإسناد أولاً عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ).وهو واضح مطابق لما ترجم له؛ من حيث حصول التقبيل وعدم النقض، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ولم يتوضأ، فدل على أن التقبيل غير ناقض للوضوء.ثم أشار إلى حديث من طريق أخرى؛ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، لكن النسائي لما ذكر حديث عائشة الذي ساق إسناده عن طريق إبراهيم التيمي قال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب وإن كان مرسلاً، ومن المعلوم أن المرسل ليس حجة عند المحدثين؛ لأن فيه انقطاع، والمراد بالإرسال الذي أشار إليه هو كون إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فحديثه عنها مرسل، ولكن ذكر المرسل هنا ليس على اصطلاح المعروف عند المحدثين، وإنما هو جار على استعمالهم، لكن المعروف والمشهور بالمرسل عندهم ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فلا يذكر الصحابي، أي: ما كان السقوط فيه من أعلاه -من فوق- وذلك بأن يسقط الصحابي، وقد يسقط معه غيره، لكن ليست العلة في سقوط الصحابي؛ لأنه لو لم يسقط إلا الصحابي فليس فيه إشكال، فالصحابة علموا أو جهلوا فما يحتاجون إلى أن يتعرف عليهم، ولا إلى أن يبحث فيهم؛ لأنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن احتمال أن يكون الساقط تابعياً أيضاً، واحتمال أن يكون التابعي أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، والتابعي هذا يحتمل أن يكون ثقة وأن يكون ضعيفاً، من أجل هذا صار المرسل عندهم من قبيل المردود، وليس من قبيل ما يحتج به، لكن هناك اصطلاح آخر عند الأصوليين؛ وهو أن المرسل ما حصل فيه سقوط؛ يعني: كون الإنسان يروي عمن لم يسمع منه، أو يروي عمن لم يلقه، أو لم يدركه فهذا هو المرسل، والمرسل الذي أشار إليه النسائي هنا في الإسناد هو من هذا القبيل؛ لأن إبراهيم التيمي أرسل عن عائشة؛ يعني: لم يرو عنها، فروايته عنها مرسلة، والمحدثون يستعملون كلمة أرسل، وفلان يرسل، فالمشهور عندهم أنه ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.وإذا كان السقوط في أثناء الإسناد -سواء كان واحداً أو اثنين- فكل هذا منقطع، وإذا كان السقوط اثنين متواليين فيقال له: معضل، سواء في أعلى السند أو وسطه، وإذا كان في أسفله يقال له: معلق، فكل هذا يسمى مرسلاً عند الأصوليين.فقول النسائي: هذا أحسن شيء ورد في الباب وإن كان مرسلاً، ثم أشار إلى حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، ولكنه أشار إلى علته، وهو أن يحيى بن سعيد القطان قال عن هذا الحديث وحديث آخر بهذا الإسناد، قال: لا شيء؛ يعني: هذان الحديثان أو هذان الإسنادان لا شيء.وفي بعض الألفاظ عند الترمذي وعند أبي داود: (شبه لا شيء)، بدل (لا شيء)، فهنا قال: (لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهذين الحديثين، وعند الترمذي وأبي داود: (شبه لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهما، لكن حديث ترك الوضوء من القبلة ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ليس من هذه الطريقة المرسلة فقط، والطريقة المرسلة لو لم تكن إلا هي لما ثبت به الحديث لوجود الانقطاع، لكن جاء في الطريق الأخرى التي أشار إليها النسائي وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة التصريح بأن عروة هو ابن الزبير، فهو حديث متصل، فيكون ثابتاً؛ لأن الذين ضعفوا الحديث قالوا: إن عروة هذا لم ينسب، والمراد به عروة المزني، لكن جاء في بعض الطرق تسميته، وأنه عروة بن الزبير، وعلى هذا يكون الإسناد صحيحاً، ويكون الإسناد ثابتاً، ويكون مقوياً لهذا المرسل الذي أسنده النسائي، والذي قال: إنه أحسن شيء في الباب.إذاً: فالحديث ثابت، وقد صححه الشيخ الألباني، وكذلك صححه أحمد شاكر، وبين الشيخ أحمد شاكر أن المراد بـعروة هو ابن الزبير، كما جاء في بعض الطرق، فعلم أنه ليس عروة المزني، وإنما هو عروة بن الزبير، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً، ثم إن الأصل هو عدم النقض، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد الأصل، وهو عدم النقض، ولو لم يأت الحديث لكان الأصل هو عدم النقض؛ لأنه لا يثبت النقض إلا بدليل، والآن جاء الدليل مطابق للأصل الذي هو عدم النقض، فصارت القبلة أو مس المرأة بشهوة غير ناقض للوضوء، اللهم إلا أن يحصل بسبب اللمس، أو التقبيل مذيٌ، فيصير النقض بسبب المذي، كالذي مرت أحاديثه سابقاً عن علي رضي الله عنه: (أنه كان رجلاً مذاء فطلب من المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استحيا من أن يسأله لمكانة ابنته فاطمة منه، فقال عليه الصلاة والسلام: يغسل ذكره ويتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، فدل هذا على أن المذي إذا حصل بسبب المداعبة، أو اللمس، أو التقبيل، وكذلك أيضاً التفكير فإنه يكون ناقضاً للوضوء.إذاً: فالصحيح هو القول بعدم النقض، والأصل هو عدم النقض، لو لم يأت بذلك حديث، وقد جاء الحديث بذلك وهو ثابت، فيكون مؤيداً للأصل، ومطابقاً للأصل الذي هو البراءة من التكليف بالوضوء، فصار ما جاء في الحديث مؤيداً له ومطابقاً له، ولا يقال بالنقض إلا بدليل ولا دليل، بل قد جاء الدليل بعدم النقض، وهو حديث عائشة الذي أشار إليه النسائي، ولكنه أشار إلى تضعيفه في كلام يحيى بن سعيد القطان، لكن الحديث ثابت، وعروة الذي فيه هو ابن الزبير، فلا إشكال فيه حينئذ.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #62
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (60)

    - باب الوضوء مما غيرت النار

    أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرت النار أو مسته، ثم نسخ هذا الحكم تخفيفاً على العباد.
    الوضوء مما غيرت النار

    شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مما غيرت النارأخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا إسماعيل وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر عن الزهري عن عمر بن عبد العزيز عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله ترجمة وهي باب: الوضوء مما غيرت النار يعني: مما طبخ في النار من الأكل ففيه الوضوء، هذا هو المقصود بالترجمة، وقد أورد النسائي فيها أحاديث عديدة، لكن الأحاديث التي وردت فيه صحيحة، ولكن الحكم نسخ بترك الوضوء مما مست النار، كما جاء عن جابر أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: هذا ناسخ، وهذا منسوخ، فالأحاديث التي في هذا الباب الذي معنا، والتي تدل على الوضوء مما مست النار هي منسوخة.وناسخها ما جاء من الأحاديث في ترك الوضوء مما مست النار، وكون الصحابي نفسه أشار إلى الأول والآخر، وإلى المتقدم وإلى المتأخر، فقال: (كان آخر الأمرين من رسول الله عليه الصلاة والسلام ترك الوضوء مما مست النار).إذاً: فما مسته النار وما طبخ وأكل فهو غير ناقض للوضوء إلا فيما يتعلق في لحم الإبل، فقد جاء حديث صحيح في صحيح مسلم وغيره يدل على الوضوء من لحم الإبل، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، ولما سئل عن الوضوء من لحم الإبل، قال: (نعم)، أي: توضؤوا من لحوم الإبل، فدل على أن لحم الإبل ناقض للوضوء، وأن من أكله فعليه أن يتوضأ، وهذا الحديث وهو حديث الوضوء من لحم الإبل هو من الأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وقد قال بعض أتباعه: وقد صح الحديث وهو مذهب الشافعي؛ لأنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فهذا الحديث هو مذهب الشافعي، وإن لم يقل الشافعي: إن الحديث صح عنده، لكنه علق القول به على صحته.إذاً: فالوضوء مما مست النار نسخ إلا فيما يتعلق بالوضوء من لحم الإبل فإنه قد جاء ما يخصه، وما يجعل حكمه خاصاً؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام (سئل عن الوضوء من لحم الغنم، فقال: إن شئتم)، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل، فقال: (نعم)، فدل على أنه يتوضأ من لحم الإبل، وأن لحم الإبل ناقض للوضوء إذا أكل، وأما اللحوم الأخرى والمطبوخات الأخرى إذا مستها النار فإن الحكم فيها منسوخ كما سيأتي.قوله: [عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)].فأورد النسائي حديث أبي هريرة يقول فيه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، فهو أمر من رسول الله عليه الصلاة والسلام بالوضوء مما مسته النار؛ أي: مما طبخ بالنار فإنه ينتقض به الوضوء، إلا أن هذا -كما أشرت- حكم منسوخ ليس باقياً، بل قد نسخ كما سيأتي الناسخ بعد هذا؛ لأنه سيأتي بباب: ترك الوضوء مما مست النار، وهو الناسخ، والوضوء هو المنسوخ.وطريقة الإمام مسلم رحمه الله لما أورد الأحاديث في الوضوء مما مست النار، رتبها كترتيب النسائي الموجود هنا، أتى أولاً بالأحاديث المتعلقة بالوضوء مما مسته النار، ثم أتى بالأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مسته النار، قال النووي في شرحه في صنيعه: هو تقديم المنسوخ وتأخير الناسخ، أورد الأحاديث المنسوخة، ثم أورد الأحاديث الناسخة، فكان طريقته أنه قدم المنسوخ وأخر الناسخ، وهذه الطريقة أيضاً هي طريقة النسائي هنا، وقد مر بنا في الدرس السابق في الوضوء من مس الذكر، أورد الأحاديث التي فيها حديث بسرة في الوضوء من مس الذكر، ثم أورد حديث طلق بن علي في ترك الوضوء من مس الذكر، وقال السندي في تعليقه عليه: إن صنيع المؤلف يشعر بأنه يرجح عدم النقض؛ لأنه أخر الحديث المتعلق بعدم النقض، فيكون لمعنى أخره، وقلت لكم إن هذه الطريقة لا ندري هل هي طريقة النسائي، لكن هذا الحديث الذي معنا في هذا الباب والذي يتعلق بالوضوء مما مست النار، وكونه قدم الأحاديث المنسوخة؛ ثم أخر الأحاديث الناسخة، يعني: هذا يشعر بأنه قد يكون يرى أن المعول عليه، وأن العمل عنده على ما جاء في حديث طلق من أنه إذا مسه الإنسان لا يتوضأ، وقد ذكرت لكم فيما مضى أن القول الراجح هو القول بالنقض، وهو الأحوط في الدين، ومر الكلام على ذلك، لكن أشرت إليه هنا من أجل حصول الترتيب الذي حصل عند النسائي هنا، وأن العمل هو على المتأخر الذي فيه ترك الوضوء مما مست النار.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هذا هو: ابن راهويه الحنظلي، الإمام، المحدث، الفقيه، وهو ثقة ثبت، حجة من رجال الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا إسماعيل].إسماعيل هو: ابن علية، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور بـابن علية، وهي أمه، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[وعبد الرزاق].وهو ابن همام الصنعاني، الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً، وهو راوي صحيفة همام بن منبه؛ لأن صحيفة همام تشتمل على 140 حديثاً كلها من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وهي كلها صحيحة، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره أيضاً مراراً وتكراراً.[حدثنا معمر].وهو معمر بن راشد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].وهو الإمام، المشهور محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد مر ذكره مراراً، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمر بن عبد العزيز].وهو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، الخليفة الذي تولى الخلافة على رأس المائة الأولى، تولاها بعد سليمان بن عبد الملك؛ لأن الذين تولوا الخلافة من بني أمية، من أولاد عبد الملك أربعة. وأما عمر بن عبد العزيز فقد توسط بينهم؛ لأن فيه الوليد، ثم سليمان، ثم جاء بعده عمر، ثم بعد عمر: يزيد، وهشام، والجميع أولاد عبد الملك، وتوسط بينهم عمر بن عبد العزيز.وعمر بن عبد العزيز هو ابن مروان بن الحكم الخليفة أمير المؤمنين، وقد وصف بأنه أحد الخلفاء الراشدين، وقد اشتهر عدله، واشتهر علمه، واشتهر ورعه فصار الكلام فيه حسناً، وسيرته حسنة ومحمودة، بل من العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن التعبير بكونه خامس الخلفاء الراشدين؛ يعني: مع أن معاوية بن أبي سفيان قبله، وهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومعلوم ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام في حق أصحابه: (وإن الواحد لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقد قال بعض العلماء، وقد أحسن فيما قال: ومعاوية أول ملوك المسلمين وهو خير ملوك المسلمين؛ لأن الملك بعد الخلفاء الراشدين صار ملكاً، لكن هو خير ملوك المسلمين؛ لأنه صحابي، والصحابة أفضل ممن جاء بعدهم، فالقول بأنه خامس الخلفاء الراشدين، وعدم ذكر معاوية، أو كونه يأتي بعد الخلفاء الراشدين، مع أن معاوية أفضل منه، وخير منه؛ لصحبته رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو كاتب الوحي لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وما حصل له من شرف الصحبة يفوق ما حصل لـعمر من الفضل، ومن المعلوم أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فالعمل القليل من معاوية يفوق العمل الكثير من غيره ممن جاء بعد الصحابة رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.وعمر بن عبد العزيز لا شك أنه خليفة راشد، وأنه من خيار ملوك المسلمين وخلفاء المسلمين، وهو بعد معاوية، لا شك أنه أولى من غيره، وأفضل من غيره، والثناء عليه كثير، وسيرته مشهورة رحمة الله عليه، وهو محدث، فقيه من حملة الفقه، ومن حملة حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورحم الله تعالى عمر بن عبد العزيز، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهو الذي أمر الزهري بأن يجمع حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي قال فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرفهو الذي أمر بتدوين السنة، وكلف الزهري بأن يقوم بهذه المهمة.[عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ].إبراهيم بن عبد الله بن قارظ صدوق، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي شيئاً.وأحياناً يقال فيه: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ، يقول الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، ووهم من قال: إنهما اثنان؛ يعني: أحياناً يقلب اسمه واسم أبيه، فيقال: هو إبراهيم بن عبد الله، ويقال: هو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ؛ يعني: إذا جاء عبد الله بن إبراهيم بن قارظ.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، هو الصحابي الجليل الذي مر ذكره مراراً وتكراراً.

    شرح حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد يعني: ابن حرب حدثني الزبيدي عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز أخبره أن عبد الله بن قارظ أخبره أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].وهذا طريق آخر عن أبي هريرة، وهو بلفظ الحديث السابق: (توضئوا مما مست النار). وإسناد الحديث بعضه مطابق للإسناد الذي قبله من الزهري ومن فوقه، هؤلاء مروا في الإسناد الأول.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق ثانية

    قوله: [حدثنا هشام بن عبد الملك].المعروف عن النسائي أنه يقول: أخبرنا، وما دام أن بعض النسخ فيها: أخبرنا، فهي الموافقة للجادة والطريقة الكثيرة الاستعمال، وهشام بن عبد الملك صدوق ربما وهم، وحديثه عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه ؛ يعني: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الترمذي شيئاً، وكذلك لم يخرج له الشيخان شيئاً.[حدثنا محمد؛ يعني: ابن حرب].هو محمد بن حرب الخولاني الحمصي الأبرش، وهو ثقة، أخرج له الجماعة.[حدثني الزبيدي].وهو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي، وهذا من أثبت أصحاب الزهري.

    شرح حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم عن عمر بن عبد العزيز عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ أنه قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].فالترجمة كما سبق في الدرس الفائت: الوضوء مما غيرت النار، وذكرت أن النسائي رحمه الله أورد هذه الترجمة في الوضوء مما مست النار، والترجمة التي بعدها، وهي ترك الوضوء مما مست النار، وأن أحاديث ترك الوضوء مما مست النار ناسخة لأحاديث الوضوء مما مست النار، وقد جاء في حديث جابر، وغيره ما يدل على ذلك، ولفظ حديث جابر كما سيأتي (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، أي: إن الترك للوضوء ناسخ للأمر بالوضوء.وذكرت في الدرس الفائت أن هذا النسخ للوضوء مما غيرت النار، أو مما مست النار، أن ذلك في غير لحوم الإبل، فلحوم الإبل جاء ما يدل على أن أكلها ناقض، حيث (سئل رسول الله عليه الصلاة والسلام، عن الوضوء من لحم الغنم؟ فقال: إن شئتم، وعن الوضوء من لحم الإبل؟ فقال: نعم، توضؤوا من لحوم الإبل)، فدل على أن مما مسته النار سواء كان لحماً أو غير لحم، فإن آكله لا ينتقض وضوءه، بل وضوءه باق على ما هو عليه، اللهم إلا إذا كان المأكول لحم إبل فإنه ينتقض الوضوء بذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، لما سئل أرشد إلى الوضوء من أكل لحوم الإبل.ثم ذكر التغيير أو المس بالنسبة للنار يشمل ما إذا كان مطبوخاً، أو مشوياً؛ لأنه كله يقال له: مسته النار، وكله غيرته النار، فالحكم للمطبوخ أو للمشوي فيه واحد، ولكن الأمر كما قلت: هو منسوخ إلا فيما كان من لحم الإبل، فإن الحكم باقٍ، وهو أن من أكل لحم إبل سواء كان مطبوخاً، أو مشوياً فإنه يلزمه الوضوء؛ لأنه قد ورد الحديث في ذلك في صحيح مسلم، وهو ما أشرت إليه.

    بيان معنى قول الشافعي: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، وتعظيم الأئمة الأربعة للدليل

    وقد ذكرت في الدرس الفائت أن الإمام الشافعي رحمة الله عليه علق القول به على صحته، وقال: إن صح الحديث قلت به؛ لأنه ما بلغه من طريق صحيح، وقد قال بعض أصحاب الإمام الشافعي: إن الحديث قد صح، فهو مذهب الشافعي؛ لأنه علق القول به على صحته، والإمام الشافعي رحمة الله عليه قال في مسائل عديدة: إن صح الحديث في هذه المسألة قلت به، وهذا يدل على أن مذهب وطريقة الإمام الشافعي وغيره من الأئمة هو التعويل على السنة، والتعويل على ما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه إذا صح الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس لأحد كلامُ مع كلام رسول الله، والإمام الشافعي نفسه هو الذي جاءت عنه المقولة المشهورة التي يقول فيها: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد كائن من كان، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في شرح حديث الاشتراط في الحج، حديث ضباعة بنت الزبير التي قالت: (إني أريد الحج وأنا شاكية، قال: اشترطي)؛ أي: قولي: إن حبسني حابس، فمحلي حيث حبستني، فإن الإمام الشافعي قال: إن صح الحديث قلت به، وقد قال بعض أصحابه: إنه قد صح، والحديث في الصحيحين، ثبت في صحيح البخاري، وقال الحافظ ابن حجر عند شرح هذا الحديث: وقد جمعت المسائل التي قال فيها الشافعي: إن صح الحديث قلت به، وذكرت ما ورد فيها من الأحاديث، ودرجة تلك الأحاديث. أشار الحافظ إلى هذا المصنف الخاص بالأحاديث التي علق الشافعي القول بها على صحة الحديث، وذكر أنه قد بين درجة تلك الأحاديث التي وردت في تلك المسائل، التي قال عنها الإمام الشافعي: إن صح الحديث قلت به، ولا أعلم وجوداً لهذا الكتاب الذي ألفه الحافظ ابن حجر في المسائل التي قال عنها الإمام الشافعي رحمة الله عليه: إن صح الحديث قلت به.وهذا الكلام الذي قاله الإمام الشافعي في أن التعويل على الحديث، هو المأثور عن الأئمة جميعاً، عن الإمام أبي حنيفة، وعن الإمام مالك، وعن الإمام أحمد، كلهم جاء عنهم أن التعويل هو على سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه إذا صح الحديث تترك أقوالهم، ويؤخذ بما ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا من نصحهم وإنصافهم وإحسانهم إلى الناس، إذ أرشدوهم إلى مسلكهم، ونبهوهم إلى أن يسلكوا مسالكهم، بأن يكون المعول عليه سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يصار إلى قول أحد إذا كان قوله مخالفاً لسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في آخر كتاب الروح: أن هذه الطريقة التي سلكها الأئمة هي من إخلاصهم، وإحسانهم، ونصحهم، وإرشادهم إلى عدم الأخذ بأقوالهم إذا وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفها، فالمعول عليه هو حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أخذ بالسنة إذا وجد عنهم أقوال جاءت في السنة، أو جاءت الأحاديث بخلافها، فإنه آخذ بتوجيهاتهم، وآخذ بنصائحهم، وآخذ بإرشادهم، فهو الممتثل حقاً لما أرادوه ولما أحبوه، وهو اتباع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وترك أقوالهم، وقد قال الإمام ابن القيم رحمة الله عليه: إن الطريقة المثلى هي أن يستفاد من علم الأئمة، وألا يهضم حقهم، وألا يتكلم فيهم بما لا ينبغي، بل يتكلم فيهم بما يليق، فيستفاد منهم، ويستفاد من علمهم، لكن إذا تبين أن الحق وأن الدليل مع غير ذلك الإمام الذي يستفيد الإنسان من علمه، والذي يحرص الإنسان على معرفة كلامه، فإنه لا يجوز له أن يأخذ بقوله الذي وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه، بل الواجب هو اتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهذا فيه تحقيق لرغبتهم التي أرشدوا إليها، والتي رغبوا فيها وحثوا عليها، وهي أن تترك أقوالهم، وتتبع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    بيان الفرق بين احترام الأئمة والتعصب لهم وذكر كلام ابن القيم وغيره في ذلك

    إذاً: فهناك فرق بين من يتعصب للأئمة، وبين من يحترم الأئمة، ويعتبر أن أقوالهم دائرة بين الأجر والأجرين، وأنهم مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، وخطؤهم مغفور، ولكنهم ليسوا بمعصومين، وهذا لم يحصل لأحد ممن قبلهم، وهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا يقال في حق أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام في أي واحد منهم أن الحق معه لا يتعداه، بل إن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم عندما تأتي المسائل والنوازل، فإنهم يسألون أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام هل عندهم سنة فيها؟ فها هو أبو بكر رضي الله عنه، تأتي جدة تريد أن تبحث عن ميراث، وتريد ميراثاً، فقال: لا أعلم لك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، لكن أسأل الناس، فذهب يبحث ويسأل الناس حتى جاءه بعض الصحابة، فقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، فأعطاها السدس، فهذا خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأفضل الصحابة، وأبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لم يكن يعلم بهذا الحكم؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كما هو معلوم يلتقي به الناس في مناسبات مختلفة، ويحدث بالأحاديث بمناسبات مختلفة، ويحضر هذا ويغيب هذا، وقد عرفنا فيما مضى أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يتناوب مع صاحبه في النزول للرسول عليه السلام، والبقاء في العمل في زرعه وفي فلاحته، فيوم ينزل أحدهما وصاحبه يبقى في عمله، وإذا جاء الذي نزل للرسول صلى الله عليه وسلم أخبر الذي جلس بما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا جاء الغد فالذي لم ينزل بالأمس فإنه ينزل اليوم، ثم يخبر الذي لم ينزل بما سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام.فهذه السنن يأتي بيانها في مناسبات، ولهذا لا يقال عن شخص من الناس: أنه يحيط بها علماً، وأنه لا يخفى عليه شيء من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل عند هذا ما ليس عند هذا، وهذا يحضر ما يغيب عنه هذا، وإذا كان هذا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف في حق الأئمة الأربعة وغيرهم؟!فالواجب هو احترام الجميع وتوقيرهم ومحبتهم ومولاتهم، واعتقاد أنهم مجتهدون، وأن المصيب منهم له أجران: أجرٌ على إصابته، وأجر على اجتهاده، والمخطئ له أجر واحد من أجل اجتهاده، وخطؤه مغفور، ومن عرف قدرهم، وأنزلهم منازلهم، وأخذ بتوصياتهم التي أوصوا بها، فهذا هو الذي أصاب الحق، وهو الذي حقق رغباتهم.أما من يتعصب لهم، بحيث لو ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه قد صح، وأن الحديث رواه فلان وفلان، وأنه موجود في الصحيحين أو في غيرهما، ثم لا يقبله هذا المتعصب الذي يلازم مذهب إمام معين، ولا يتعداه ولا يحيد عنه، ويقول: لو كان ثابتاً لعلمه الإمام، ولم يخف عليه، فهذا من الظلم ومن الجور ومن الشطط، بل العدل والإنصاف هو أن يعتقد أن أي واحد من الناس لا يقال فيه: إنه أحاط بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، بحيث لا يترك شاردة ولا واردة إلا وقد أحاط بها، فأصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدين لا يدعى في حق واحد منهم ذلك، بل كل واحد منهم تحصل له قضية فيسأل عنها أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام الذين عندهم علم فيها، وقد يحضر المفضول مناسبة، فيتحمل فيها علماً لم يعلم به ذلك الفاضل، وقد يكون في مجلس من المجالس، فمجالس الرسول صلى الله عليه وسلم قد يحضر فيه شخص من آحاد الناس ومن أفراد الصحابة، ويغيب عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فتكون تلك السنة التي حضرها ذلك الرجل علمها، ولم تبلغ هؤلاء الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم، بل عندما تأتي حادثة أو نازلة يسألون من عنده علم عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيرجعون إلى قوله.إذاً: فالعدل والإنصاف هو محبة العلماء، ومولاتهم، وتوقيرهم، واحترامهم، وحسن الأدب معهم، وأن الإنسان لا يتعصب لهم، ولا يجفوا في حقهم، لا يكون لا غالياً ولا جافياً، لا يكون غالياً فيقول: والله إن الحق مع فلان وفلان؛ يعني: عنده العلم يحيط بالسنة، فتابعه يتابع ولا يحاد عنه، ولا يكون جافياً ويقول: والله ما لنا حاجة لأن نقرأ كلامهم، ولا أن نطلع على كتبهم، وإنما نحن ننظر في الأحاديث فنعرض عن كلام العلماء، بل العدل، والإنصاف، والإحسان هو الاطلاع على الأحاديث والبحث فيها، والبحث في كلام العلماء، والاستفادة من علمهم. وقد قال ابن القيم رحمة الله عليه في كتابه الروح: إن العلماء يستفاد منهم، وأنهم مثل النجوم التي يستدل بها إلى القبلة؛ لأن الإنسان عندما يبحث عن القبلة يستدل عليها بالنجوم؛ أي: مطالعها ومخارجها، وأن النجم الفلاني في الجهة الفلانية، فيستدل بها على جهة القبلة، فيقول إن العلماء يستفاد منهم في الوصول إلى معرفة الحق، لكن إذا وقف الإنسان على الحق وظهر له الدليل فإنه لا يحتاج إلى دليل يدله عليه، قال: وهم مثل النجوم يستدل بها إلى القبلة، لكن الإنسان إذا كان عند الكعبة ووصل إليها، فما يحتاج ليبحث عن شيء يدله على القبلة، فإذا وصل للمدلول عليه وانتهى إليه، فليس فيه حاجة إلى دليل، ما دام الإنسان ما اهتدى إلى القبلة، ولا يمكن أن يستدل عليها بالأدلة، لكن إذا وصل إلى القبلة وانتهى إلى الكعبة، وصارت الكعبة أمامه، أيحتاج إلى أحد يدله إلى الكعبة؟ لا يحتاج؛ لأن الكعبة قدامه.إذاً: فهذا هو العدل والإنصاف، وهذا هو الإحسان، ولهذا يقول الطحاوي رحمة الله عليه في عقيدة أهل السنة والجماعة: وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من اللاحقين أهل الخبر والأثر، وأهل الفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل، ومن المعلوم أن ذكرهم بالغلو سوء، وهم لا يرضون هذا الغلو، وكذلك الجفاء أيضاً هو تفريط وجفاء، ولا يليق بهم، بل الواجب العدل والإنصاف والاعتدال والتوسط في الأمور، وعدم الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء.إذاً: بعد هذا الاستطراد أرجع إلى المسألة التي نحن فيها وهي أن الوضوء مما مسته النار جاء فيها أحاديث صحيحة، وهي منسوخة بالأحاديث الدالة على ترك الوضوء مما مست النار؛ لأن الحديث الذي جاء في ذلك فيه الناسخ والمنسوخ؛ لأن جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء، يعني: الوضوء وعدم الوضوء، آخره كان الترك، ترك الوضوء مما مسته النار فيكون ناسخاً، ويستثنى من ذلك -كما قلت- الوضوء من لحم الإبل، فإنه باق والحديث فيه خاص، والرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا وهذا، وكلها مما تمسه النار، فأرشد إلى الوضوء من لحوم الإبل، وقال في حق من أكل لحم غنم أنه رد ذلك إلى مشيئته فقال: (إن شئتم).والنسائي رحمه الله أورد عدة أحاديث، وقد مر في الدرس الفائت حديثان، وهذا حديث لـأبي هريرة رضي الله عنه، وعبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، (أنه رآه يتوضأ على ظهر المسجد، وقال: إني أكلت أثوار أقط، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)، يعني: أنه أكل أقط، والأقط كما هو معلوم مطبوخ، فهو لبن طبخ على النار حتى تجمد وتكاثف، والتحم بعضه ببعض، فجمع بعضه إلى بعض، فيبس وصار كالحجارة في شدته، يقول: أنه كان يأكل أثوار أقط؛ أي: قطع من الأقط، إذاً: الأصل أنه مطبوخ على النار؛ لأن الأقط لا يكون إلا بعد الطبخ، وقد توضأ رضي الله عنه، لكن هذا كما عرفنا جاء ما يدل على نسخه، وأن الوضوء مما مست النار منسوخ إلا في ما يتعلق بالنسبة للحوم الإبل فإن الحكم باق.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ قال: (رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يتوضأ على ظهر المسجد، فقال: أكلت أثوار أقط فتوضأت منها، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالوضوء مما مست النار)].وأبو هريرة رضي الله عنه كان قد أكل أثوار أقط، وهي قطع من الأقط، وبين أن وضوءه كان بسبب هذا الأكل، وقال: (إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بالوضوء مما مست النار)، فهو يتوضأ.وفيه بيان ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الاتباع والملازمة لما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.قوله: (يتوضأ على ظهر المسجد)، في هذا دليل على أن الوضوء في المسجد جائز؛ لأن وضوء أبي هريرة رضي الله عنه كان على ظهر المسجد، وظهر المسجد هو من المسجد، فيدل على جواز مثل ذلك، لكن هذا كما هو معلوم يكون في الوضوء الذي لا استنجاء معه؛ لأن الاستنجاء فيه إزالة نجاسة، ولا يجوز أن يفعل ذلك في المسجد، وأما الوضوء الذي هو غسل الوجه واليدين والرجلين وما تساقط منه من الماء، فهذا لا بأس به، وهو جائز؛ لأنه طاهر وليس بنجس، لكن هذا مشروط بألا يحصل فيه تلويث، وألا يحصل به مضرة، ولا يحصل فيه امتهان للمسجد، لكنه إذا احتيج إلى ذلك في بعض الأحيان وفعل فإن العمل صحيح، وفعل أبي هريرة رضي الله عنه هذا يدل عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (إني سمعت رسول الله يأمر بالوضوء مما مست النار) من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان].هو: الربيع بن سليمان بن داود، وهو الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي. وللنسائي شيخ آخر من طبقة الربيع بن سليمان هذا، وهو أيضاً مصري، وهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي المشهور، فهو غير هذا، وأما الربيع بن سليمان بن داود، فقد جاءت تسميته في آخر الأحاديث التي جاءت في هذا الباب، وقد ذكر هذا الإسناد مرة أخرى في آخر حديث، أو قريباً من آخر حديث في هذا الباب، فقال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: الربيع بن سليمان بن داود فسماه في طريق أخرى، فإذاً: يكون هو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، وليس الربيع بن سليمان بن عبد الجبار صاحب الشافعي، وكلٌ منهما روى عنه النسائي، وهما في طبقة واحدة، في الطبقة الحادية عشرة، وهم من شيوخ النسائي، لكن هذا الذي معنا هو ابن داود الذي سماه النسائي في إسناد آخر في نفس الباب، وهو الربيع بن سليمان بن داود، وهو مصري ثقة، وحديثه عند أبي داود، والنسائي.[حدثنا إسحاق بن بكر وهو ابن مضر].كلمة (هو ابن مضر) هذه يقولها من كان دون التلميذ الذي روى عن الشيخ؛ أعني: أن إسحاق بن بكر بن مضر تلميذه هو الربيع بن سليمان، فـالربيع بن سليمان لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما ينسب شيخه كما يريد؛ لأن الكلام كلامه، لكن التلميذ إذا ذكر شيخه بصورة معينة، ثم جاء من بعده وأراد أن يوضح هذا الشخص الذي ذكره التلميذ بصيغة محددة، أو بصيغة مختصرة، فعندما يضيف شيئاً يأتي بكلمة (هو)، أو يأتي بكلمة (يعني: فلان)، أو (يعني: ابن فلان)، هذا هو المقصود منها، وقد جاء هذا مراراً، ونبهت عليه مراراً، وهذا من حسن العمل؛ لأنهم لو أضافوا إلى اسمه وذكر الإسناد، فقال: إسحاق بن بكر بن مضر لكان التلميذ كأنه قال: إسحاق بن بكر بن مضر، وهو ما قال: ابن مضر في هذا الموضع، وإنما قال: إسحاق بن بكر فقط، وهو معلوم، لكن من جاء بعده وأراد أن يوضح، أو يأتي بما يوضح ذلك فيقول: هو ابن مضر كما جاء في الإسناد هنا، فنفهم من كلمة (هو ابن مضر)، أن هذا الاسم ليس من كلام التلميذ، بل هو من كلام النسائي، أو من دون النسائي، أو من بعد النسائي، فهو أراد أن يوضح هذا الشخص بزيادة في نسبه توضحه وتبينه.وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة مسلم.قوله: [حدثني أبي].وهو: بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن جعفر بن ربيعة].وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].وهو بكر بن سوادة بن ثمامة، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم].وهو الزهري، ومجيء الزهري باسمه واسم أبيه، هذا قليل جداً، بل هو نادر، ولعله أول موضع يأتي فيه ذكر محمد بن مسلم؛ يعني باسمه، واسم أبيه؛ لأن الغالب أن يقال: الزهري، أو يقال: ابن شهاب، أما أن يؤتى باسمه واسم أبيه كما هو هنا فهذا قليل جداً.وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، ينسب إلى جده زهرة بن كلاب، وكلاب هو الذي يلتقي نسبه مع نسب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلى جده شهاب وهو جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، وهو جد الجد، فهو يُنسب إلى جد من أجداده، وليس جداً قريباً، لكنه اشتهر بالنسبة إليه، والإمام الزهري رحمة الله عليه مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات الأثبات، ومن أوعية العلم، ومحدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، وهو الذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمر

    ترجمة عمر بن عبد العزيز وبيان فضل الصحابة على من عداهم

    [عن عمر].هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، وهو الخليفة أمير المؤمنين، وهو خليفة راشد، وقد ذكرت بالأمس أنه معروف ومشهور بالصلاح، والزهد، والعبادة، والعلم، والفقه، ومن العلماء من قال: إنه خامس الخلفاء الراشدين، لكن قلت: إن هذا التعبير ليس بدقيق؛ لأن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه صحابي، وقد تولى الخلافة، فكونه يقال: الخامس، فمعناها أن فيه تجاوزاً لـمعاوية، ومعاوية خير من عمر بن عبد العزيز، وخير من كل تابعي، ومن جاء بعد التابعين؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ممن سواهم، ومن المعلوم أن التفضيل للصحابة إنما هو تفضيل للفرد على الأفراد، فكل فرد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من أي فرد من أفراد من جاء بعدهم، هذا هو التفضيل المشهور عند العلماء، إلا أنه جاء عن ابن عبد البر رحمة الله عليه أن التفضيل إنما هو في الجملة، وأنه قد يكون في من بعد الصحابة من يكون أفضل من بعضهم، لكن المعروف عن العلماء والمشهور عنهم أن التفضيل لكل فرد من أفراد الصحابة، يعني: أنه أفضل من كل فرد من أفراد من بعده، والتفضيل للأفراد لا يعني في الجملة، وأن التفضيل إنما هو لبعضهم، وأنه قد يكون فيمن بعدهم من يكون أفضل من بعضهم، بل كل واحد من الصحابة أفضل من كل من جاء بعد الصحابة؛ لأنهم حصلوا شرفاً، وحصلوا فضلاً، وحصلوا ميزة ما حصلها أحد من هذه الأمة، ولا حصلها أحد من البشر؛ لأن الله تعالى اختار هذا الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، واختار له أصحاباً جعلهم في زمانه، فالله تعالى أوجد هؤلاء الأصحاب في زمانه، وأكرمهم بذلك فصاروا أصحابه، وصاروا حملة سنته، وأوعية علمه، وكانوا الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عرف حق ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، وما عرف الكتاب والسنة إلا عن طريق الصحابة، ولم يستفد الناس فائدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن طريق الصحابة، ولهذا كان لهم من الفضل ما ليس لغيرهم، وقال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، فهذا الجبل الضخم الذي هو قريب منا لو كان مثل هذا الجبل ذهباً وتصدق به واحد من الناس، وتصدق واحد من الصحابة بمد الذي هو ثلث الصاع لكان هذا الجبل لا يعادل هذا المد، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [المائدة:54].إذاً: ما جاء عن بعض العلماء في أن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين غير صواب، يعني: لو قيل: أنه خليفة راشد، أو أنه من الخلفاء الراشدين، فكلامٌ جيد، لكن كلمة خامس معناه يجيء بعد الخلفاء الراشدين، وقبله معاوية، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خير ممن جاء بعد الصحابة، وقد قال شارح الطحاوية - أو صاحب لمعة الاعتقاد: عندي شك في الذي قال- هذا المعنى، لكن نقول: إن معاوية هو أول ملوك المسلمين، وهو خير ملوك المسلمين؛ لأنه تولى الملك وهو صحابي، والباقون تولوا بعد معاوية وليسوا بصحابة، لكن معاوية رضي الله عنه لكونه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام فهو أفضل.ولهذا جاء عن بعض السلف آثار فيها العتب على من يفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية، وقد جاء عن بعض السلف أنه قال: لتراب في منخر معاوية مع رسول الله خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز؛ لأن الذي حصل من الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا يماثله شيء، ولا يدانيه أي عمل من الأعمال التي يعملها من جاء بعدهم، ولا يساوي ما حصل لأصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً.قوله: [عن عبد الله بن إبراهيم بن قارظ].وعبد الله بن إبراهيم بن قارظ يأتي أحياناً باسم إبراهيم بن عبد الله، وأحياناً عبد الله بن إبراهيم، وقد قال الحافظ ابن حجر: إنهما شخص واحد، وقد وهم من ظن أنهما شخصان، فيعني: يحصل تقديم وتأخير، والشخص واحد، يقال: عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، وإبراهيم بن عبد الله بن قارظ.وعمر بن عبد العزيز حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم، وأبي داود، وابن ماجه ، والنسائي، ولم يخرج له الترمذي.وقوله: [رأيت أبا هريرة ... ].وأبو هريرة رضي الله عنه قد مر ذكره.وهذا الإسناد الذي مر معنا هو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأنه تساعي، فهو إسناد تساعي مكون من تسعة أشخاص، وبين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة، أولهم: الربيع بن سليمان بن داود المصري الجيزي، ثم بعد ذلك إسحاق بن بكر بن مضر، ثم أبوه بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابن قارظ، ثم أبو هريرة، فهؤلاء تسعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها؛ لأن هناك ما هو أطول منه، ويوجد هناك عشاريات عند النسائي، ولم يمر بنا حتى الآن.وقد ذكرت فيما مضى أن أعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، والنسائي توفي سنة 303؛ يعني: بين وفاته ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من 290 سنة، وأعلى ما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا هو أعلى أسانيده، وليس عنده ثلاثيات، كل ما عنده هو رباعيات، بخلاف البخاري، فإن عنده ثلاثيات كثيرة تزيد عن العشرين، ومسلم لا يوجد عنده ثلاثيات، وإنما عنده رباعيات، وأبو داود كذلك عنده رباعيات، ولا يوجد عنده ثلاثيات، والترمذي عنده ثلاثيٌ واحد، وابن ماجه عنده خمسة ثلاثيات، وأما مسلم، والنسائي، وأبو داود فهؤلاء أعلى ما عندهم الرباعيات، وعند مسلم، والنسائي أسانيد نازلة، وأسانيد طويلة، منها هذا الإسناد الذي معنا، وهو تسعة أشخاص، وعنده ما هو أطول من ذلك، ولكن لم يمر بنا شيء من هذا حتى الآن.

    شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا أبي عن حسين المعلم حدثني يحيى بن أبي كثير عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب يقول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: أتوضأ من طعام أجده في كتاب الله حلالاً؛ لأن النار مسته؟ فجمع أبو هريرة حصاً فقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وفيه قول أبي هريرة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهنا أكد هذا بقوله عندما عقد مجموعة من الحصى ورمى بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، وهذا يدل على ضبطه، وإتقانه؛ لأن مثل هذا الكلام الذي يقوله الراوي: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كذا، فهذا يدل على الضبط والإتقان لما رواه الراوي، وهذا من الأشياء التي يقولون أنها تدل على ضبط الراوي وإتقانه، وقد مر قريباً شيء من هذا، مثل: عمرو بن عبسة عندما يؤكد على سماعه للحديث يقول: (فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وقد كبر سني، وضعف بدني...). وهذا فيه تأكيد وضبط وإتقان، ومثله أبو شريح الخزاعي قال مثل هذه المقالة كما هي في الصحيحين، لما كان عمرو بن سعيد الأشدق يجهز الجيوش لغزو ابن الزبير، وكان قد جاءه أبو شريح الخزاعي صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح؛ يعني: ذكر أولاً كلام تأدب، وقوله: قام به الغد من يوم الفتح؛ يعني: من بكرة فتح مكة، أي من اليوم الثاني، ثم قال: هذا الكلام سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، وهو يتكلم به؛ يعني: كلام مضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، محقق لا شك فيه ولا ريب أنه قال: (إن الله تعالى حرم مكة ولم يحرمها الناس، وإن الله تعالى أحلها لي ساعة من النهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وإنها حرام، لا يقتل صيدها، ولا يقطع شجرها ولا ... إلى آخره)؛ يعني: فينبهه على خطورة هذا الأمر الذي هو مقدم عليه، وهو أن يجهز الجيوش لقتال ابن الزبير في مكة، وقوله: (سمعته أذناي، ووعاه قلبي) أيضاً هذه من الألفاظ التي تدل على ضبط الراوي وإتقانه.فهنا يقول: أشهد عدد هذا الحصى، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، إذاً: فالحديث يدل على ما دلت عليه الأحاديث السابقة، وكذلك اللاحقة بعده من الوضوء مما مست النار، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، لكن هذا الحكم نسخ، وجاء ما يدل على نسخه، وهي الأحاديث التي ستأتي بعد هذا الباب.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (توضئوا مما مست النار) من طريق رابعة

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب].هو الجوزجاني السعدي، وهو ثقة، وهو صدوق، ولكنه في شعبة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبي].هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، وقد سبق أن مر، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن حسين المعلم].هو حسين بن ذكوان الملقب بالمعلم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثني يحيى بن أبي كثير].هو اليمامي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أيضاً ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي].هو أبو عمرو، وقد مر ذكره فيما مضى، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو أبو عمرو، وأبوه اسمه عمرو، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وهو فقيه أهل الشام ومحدثها، وهو معروف بالفقه والحديث، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أنه سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب ...].هو المطلب بن عبد الله بن المطلب بن حنطب، وهذا سبق أن مر، وهو صدوق، وربما وهم، وحديثه عند البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وعند أصحاب السنن الأربعة.[قال ابن عباس].وقد مر ذكره.قال ابن عباس: أتوضأ إذا أكلت لحماً حلالاً؛ لأن النار مسته؟ وكان هذا الكلام بحضور أبي هريرة رضي الله عنه؛ يعني: كأنه يتوقف، أو يعترض على الوضوء مما مسته النار، فبيّن أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال هذا، فأخذ أبو هريرة حصى، ورما بها، وقال: أشهد عدد هذا الحصى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار). فإذاً إما أن يكون ابن عباس رضي الله عنه ما بلغه الحديث في هذا، أو أنه بلغه ولكن بلغه الناسخ، وهو أنه لا يتوضأ منه، وقد نسخ، فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه أبدى ما عنده من العلم، وما بلغه من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: أشهد عدد هذا الحصى أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضؤوا مما مست النار)، وعلى هذا فقد يكون المطلب بن حنطب لم يرو عن ابن عباس، وأنه قد حضر القصة، وسمع أبا هريرة، فيكون بهذا يروي عن أبي هريرة، لكن ذكر السبب الذي قيل فيه ذلك الكلام، لأن الكلام حصل فيه مناسبة، وهي كلام جرى من ابن عباس بحضور أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا فتكون الرواية عن المطلب عن أبي هريرة، ويحتمل أن يكون أيضاً قد بلغه عن ابن عباس، وأن ابن عباس أخبره بأنه حصل كذا وكذا، وأن أبا هريرة قال كذا وكذا.

    شرح حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله تحت باب: الوضوء مما غيرت النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من الأحاديث في هذا الباب، وكلها في الوضوء مما مست النار، وذكرت فيما مضى أن الوضوء مما مست النار كان أول الأمر، ولكنه قد جاء نسخه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصار ما اشتملت عليه هذه الأحاديث منسوخاً؛ أي: أن أكل شيء غيرته النار، أو مسته النار لا يوجب الوضوء، ولا يترتب عليه نقض الوضوء، فيلزم الوضوء من ذلك، وإنما ذلك الحكم منسوخ بالأحاديث التي أوردها النسائي في الباب الذي بعد هذا الباب، وذكرت فيما مضى أنه استثنى من ذلك الوضوء من أكل لحم الإبل، فإنه يتوضأ منه كما جاءت في ذلك السنة من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذا الحديث الذي معنا حديث أبي هريرة من جملة أحاديث أبي هريرة المتعددة التي جاءت عنه بالوضوء مما مست النار، وقد مر في الدرس الفائت والذي قبله جملة من ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في الوضوء مما مست النار، ويقول: إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (توضئوا مما مست النار)؛ يعني: سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، ولكن الحكم -كما عرفنا- قد نسخ إلا فيما يتعلق بأكل لحم بالإبل، فإنه يتعين الوضوء، ويجب الوضوء للحديث الذي ورد في ذلك عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو في صحيح مسلم وغيره.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة (توضئوا مما مست النار) من طريق خامسة

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو بندار الذي يأتي ذكره كثيراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كل أصحاب الكتب الستة رووا عنه، فهو شيخ لهم، يروون عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري، وقد توفي في سنة 252، وتوفي معه في تلك السنة اثنان من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم: رفيقه محمد بن المثنى، الملقب الزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد توفوا جميعاً في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وهو ثقة ثبت، الذي هو محمد بن بشار، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا، وأنه بل هو من شيوخهم، بل هو شيخ لهم جميعاً، الذين هم: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا ابن أبي عدي].هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].هو ابن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، كما وصفه بذلك بعض العلماء، وهو من العلماء العارفين بالجرح والتعديل، له كلام كثير في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرو بن دينار].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن جعدة].وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، وابن ماجه ؛ أي: خرج له أصحاب السنن الأربعة في سننهم إلا الترمذي فإنه لم يخرج له في سننه، وإنما خرج له في كتاب الشمائل المحمدية.[عن عبد الله بن عمرو].هو عبد الله بن عمرو بن عبد القاري بتشديد الياء، والقاريِّ نسبة إلى القارة، وهم بطن من بطون مضر، وأما القارئ فهي نسبة إلى من يقرأ القرآن ويعتني بالقرآن، أو صاحب حسن الصوت بالقرآن، فيقال له: القاريِّ، ويقال له: القارئ، بالهمزة، وقد تحذف الهمزة تخفيفاً، وعبد الله بن عمرو بن عبد القاري، جده عبد، وقد ينسب إلى جده فيقال: عبد الله بن عبد.قال عنه الحافظ: إنه مقبول، وذكر أن حديثه عند مسلم، وأبي داود، وهو أيضاً عند النسائي كما في هذه الأحاديث التي معنا؛ لأنها ثلاثة أسانيد متوالية فيها ذكره، ففي الإسناد الأول: عبد الله بن عمرو، وفي السند الذي بعده: عبد الله بن عمرو روى ذلك النسائي عن شيخين، وأحد شيوخه أضاف القاري.وأما الإسناد الثالث فيقول: عبد الله بن عمرو القاري.وهو مقبول، حديثه عند مسلم، وأبي داود، وكذلك هو عند النسائي.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والسبعة المكثرون من رواية الحديث من الصحابة هو أكثرهم، وقد مر ذكرهم مراراً وتكراراً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #63
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (61)
    - تابع باب الوضوء مما غيرت النار

    أمر الشارع بالوضوء مما مست النار، ومما غيرت النار، وذلك في بداية الأمر، ثم نسخ هذا وبقي الأمر بالوضوء من لحم الإبل لورود ما يخصه.
    تابع الوضوء مما غيرت النار

    حديث أبي أيوب: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: أنبأنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو قال محمد : القاري عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضؤوا مما غيرت النار)]. ‏ هنا أورد النسائي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤوا مما غيرت النار). وهو بمعنى الأحاديث المتقدمة، وكما عرفنا أن هذا الحكم هو منسوخ.قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار].عمرو بن علي هو الفلاس، الإمام، الناقد، الكثير كلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن بشار هو الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـبندار.[أنبأنا ابن أبي عدي].ابن أبي عدي، وهو في الإسناد الذي قبله.[عن شعبة].وشعبة في الإسناد الذي قبله.[عن عمرو بن دينار].وعمرو بن دينار كذلك هو في الإسناد الذي قبله.[عن يحيى بن جعدة].ويحيى بن جعدة أيضاً في الإسناد الذي قبله.[عن عبد الله بن عمرو].ثم قال: قال محمد : القاري. وعمرو بن علي الفلاس عندما ساق الإسناد قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وما قال: القاري؛ أما محمد بن بشار، فإن في إسناده أضاف إلى ما ذكره عمرو بن علي كلمة: القاري، التي هي نسبته، فقوله: قال: محمد؛ يعني: شيخه في الإسناد، أو أحد الشيخين في الإسناد، اللذين روى عنهما النسائي فإنه ساق الإسناد مساقاً واحداً، ولكنه ذكر أن أحد الشيخين أضاف في التعريف بـعبد الله بن عمرو هذا, بأن قال: القاريِّ؛ يعني: أن هذا الإسناد رواية عمرو بن علي الفلاس مثل الإسناد الذي قبله، وليس فيه القاريِّ.وأما محمد بن بشار فهنا قال: القاريِّ، مع أن محمد بن بشار في الإسناد الأول؛ أي: ليس فيها ذكر: القاري، والرواية هنا اشترك فيها مع عمرو بن علي، والتي جمع بينهم النسائي قال: إن محمداً قال: القاري؛ يعني: أضاف كلمة: القاريِّ، فقوله: قال محمد، فهذه كلمة من النسائي، قالها مشيراً إلى شيخه محمد بن بشار, زاد في التعريف بـعمرو بن علي أن قال: القاريِّ.قوله: [عن أبي أيوب].هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي نزل النبي عليه الصلاة والسلام في داره لما قدم مهاجراً إلى المدينة، وقد جاء الحديث في صحيح مسلم: (أنه لما نزل في داره، وكانت مكونة من دورين، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في الدور الأسفل, وأبو أيوب صار في الدور العلوي، ثم جاء وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول إلى الدور العلوي، وأن يكون هو في الدور الأسفل، وقال: إنه لا يحب أن يكون فوق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا)، والحديث في صحيح مسلم.وأبو أيوب الأنصاري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    حديث أبي طلحة: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حرمي وهو ابن عمارة بن أبي حفصة حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث عن عبد الله بن عمرو القاري عن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما غيرت النار)]. ثم أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا مما غيرت النار)، وهو مثل الذي قبله، مثل حديث أبي أيوب المتقدم، وبلفظه: [(توضئوا مما غيرت النار)]، فهي كلها أحاديث في موضوع واحد، وهو الوضوء مما مست النار، والحكم -كما عرفنا- منسوخ.قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري، وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ثقة, مأمون, سني، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب: إنه أظهر السنة في سرخس بلده، فهو سرخسي، فلهذا يقال له: سني؛ لأن كلمة سني تستعمل في من كان يتبع السنة، أو أظهر السنة، أو يحارب البدع، فيقولون عنه: سني، فلكونه أظهر السنة في بلده سرخس، قيل له: سني، ويقال له: صاحب سنة؛ يعني: اتباع السنة، وابتعاد عن البدع.[وهارون بن عبد الله].هو أبو موسى الحمال، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حرمي].هو ابن عمارة بن أبي حفصة.حرمي هو اسم على صيغة النسب، مثل مكي، وقوله: (هو: ابن عمارة بن أبي حفصة)، هذا هو زيادة تعريف، لكنه ليس من تلاميذه في الإسناد؛ لأن الذين رووا عنه في الإسناد هم: عبيد الله بن سعيد اليشكري، وهارون بن عبد الله، هؤلاء هم الذين رووا عنه، لكن ذكروه بكلمة: حرمي، وما أضافوا إليها شيئاً آخر، والنسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بكلمة ابن عمارة بن أبي حفصة، لكن أتوا بكلمة: (هو) حتى يتبين بأنها زيدت ممن دون التلاميذ؛ لأنها لو لم تزد هذه لفهم أن التلاميذ هم الذين قالوا هذا الكلام، لكن لما كانت الزيادة ممن دون التلاميذ أتي بكلمة: (هو) حتى يعرف أنها زيدت في الإسناد ممن دون التلاميذ، إما من النسائي، أو ممن دون النسائي من أجل التعريف بهذا الشخص، وهو حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي البصري.وأبو حفصة الذي هو جده؛ لأنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، اسمه: نابت، بالنون، ذكر هذا في التقريب، وقال: بالنون، وبالتاء المثناة، ثم قال: وقيل كالجادة، والمراد بقوله: الجادة في اللغة هي: الطريق المسلوك، الذي من كثرة المشي عليه وكثرة السير عليه صار أثراً في الأرض، فهذا يقال له: الجادة، فهنا قال: وقيل: كالجادة، يعني: ثابت؛ لأن ثابتاً لفظ مشهور، ويسمى فيه كثير، وهو لما قال: نابت بالنون وبالتاء؛ لأن هذا اسم غريب, واسم نادر، ثم قال: وقيل: كالجادة، يعني: وقيل: اسم أبيه ثابت، فهو بدلاً من أن يقول: ثابت، قيل كالجادة؛ لأن ثابتاً اسم مشهور، يطلق عليه, أو على مثل هذا يقال له: الجادة.ولهذا فإن الإنسان إذا قرأ مثلاً في كتاب: تبصير المنتبه لـابن حجر أو غيره من الكتب التي تعنى بالمؤتلف والمختلف، والألفاظ التي تتفق في الرسم، عندما يأتي اسم يقول وهو كثير، أو يقول: وهو الجادة كذا، ثم يأتي بالألفاظ التي هي قليلة في الاستعمال، وهي على ذلك قريبة من ذلك الوزن؛ لأن الوزن في نابت، وثابت هو واحد، يعني: الرسم, إلا أن الفرق النقط، هذا فيه ثلاث نقط على الثاء، وهذا نون بدل الثاء، فثابت هذا مشهور الاسم، وهذا هو معنى الجادة، وهذا هو الذي يراد بالجادة، معناه: الكثير في الاستعمال المشهور، ونابت اسم قليل في الاستعمال، ونادر أن يسمى أحد (نابت) فيؤتى بعبارة الجادة.وحرمي بن عمارة هذا هو صدوق يهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا عند الترمذي، أي: خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي.[حدثنا شعبة عن عمرو قال: سمعت يحيى بن جعدة , عن عبد الله بن عمرو القاري].وشعبة هو ابن الحجاج، وهنا اتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.وهذان الشيخان وهما: هارون بن عبد الله، وعبيد الله بن سعيد في روايتهما نسبة عبد الله بن عمرو وأنه القاري؛ يعني: في إسنادهما جميعاً ذكر النسبة، وهي نسبة عبد الله بن عمرو حيث قالوا: القاري بالتشديد نسبة إلى القارة.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، وفي بعض الكتب كثيراً ما يأتي الخطأ، بدل النجاري يقال: البخاري؛ لأن رسم النجاري والبخاري واحد، فيحصل التحريف، والتصحيف, فيقال بدل النجاري: البخاري، وهذا كل ما جاء كلمة الأنصاري، وبعدها النجاري، فيقال: البخاري فهو خطأ؛ لأن الأنصاري لقب عام، والنجاري اسم يطلق على جماعة من الأنصار، فهنا: أبو طلحة الأنصاري النجاري، في نسخة التقريب المصرية: الأنصاري البخاري؛ يعني: تصحيف عن النجاري، وهو من بني النجار، وهو صحابي مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله اثنان وتسعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديث؛ أي: الأحاديث التي له في الصحيحين أربعة.

    حديث أبي طلحة: (توضئوا مما أنضجت النار) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن شهاب عن ابن أبي طلحة عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما أنضجت النار)].أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى، ويقول فيه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(توضئوا مما أنضجت النار)]، وهو كالذي قبله.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هارون بن عبد الله هو أحد شيخي النسائي في الإسناد المتقدم.[حدثنا حرمي بن عمارة].وحرمي بن عمارة هو في الإسناد المتقدم.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً متقدم.[عن أبي بكر بن حفص].هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات الأثبات، والأئمة الأجلة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله على الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي ذكروا في ترجمته رحمة الله عليه: أنه كان إذا دخل منزله عكف على كتبه، وعلى ما عنده من الحديث، فكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر، معناه: أنه ينشغل بها كثيراً، وأنها أشد عليها من أن يكون له أربع زوجات هي إحداهن؛ لكثرة انشغاله بكتبه وبعلمه رحمة الله عليه.[عن ابن أبي طلحة].هو عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وهو الذي لما ولد أخذه أنس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحنكه ودعا له، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم, والنسائي.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد حدثنا الزبيدي أخبرني الزهري أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي تحت باب: الوضوء مما غيرت النار. وهي أحاديث عديدة مر جملة منها في الدروس الثلاثة الماضية، وكلها تدل على الوضوء مما مست النار، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وقد ذكرت -فيما مضى-: أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الأحاديث التي في الباب الذي بعده ناسخة له، وأن العمل على تلك الأحاديث المتأخرة، والتي فيها ما يدل على النسخ، ومنها حديث جابر رضي الله عنه: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)؛ يعني: فيكون ترك الوضوء ناسخاً للوضوء.وقد ذكرت أنه يستثنى من ذلك لحم الإبل، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: نعم توضئوا من لحوم الإبل)، فدل على أن الوضوء من لحم الإبل حكم باق، ولهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أورد الأحاديث المنسوخة التي فيها الوضوء مما مست النار، ثم الأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مست النار، ثم أورد الحديث المتعلق بالوضوء من لحم الإبل.والحديث الذي معنا حديث: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا مما مست النار)، وهو كغيره من الأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة، وعن أبي أيوب، وعن أبي طلحة، وعن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو الوضوء مما مست النار.

    تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)

    قوله: [أخبرنا هشام بن عبد الملك].هو ابن عمران الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، أي: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي , وقد تقدم في أول هذا الباب ذكر هذا الرجل، وأنه جاء في إسناد حديث، وكذلك شيخه، وشيخ شيخه، فكلهم جاءوا في إسناد متقدم يروي بعضهم عن بعض.[حدثنا محمد].محمد هنا غير منسوب، وقد مر في الإسناد المتقدم وهو ذو الرقم (172)، قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، فهناك جاء بيان هذا المهمل، وهنا بقي على الإهمال؛ لأنه قد بين هذا المهمل قريباً في إسناد متقدم، وفي الإسناد الذي بعده قال: حدثنا ابن حرب؛ يعني: ذكر نسبته، ولم يذكر اسمه، وهو: محمد بن حرب، وفي الإسناد المتقدم قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، هو مثل هذا, إلا أن فيه إضافة توضيح ممن دون تلميذه الذي هو: هشام بن عبد الملك شيخ النسائي وتلميذ هذا الشخص.إذاً: فذكر ابن فلان من النسائي ومن دونه، فهو أحياناً يأتي محمد, وأحياناً يأتي ابن حرب، وهو حمصي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الزبيدي].هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.وقد مر ذكره في الإسناد المتقدم الذي هو برقم: (172)، فالثلاثة الذين ورد ذكرهم هنا قد مر ذكرهم في ذلك الإسناد وهم: هشام بن عبد الملك، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الزبيدي. والزبيدي هو من أثبت أصحاب الزهري.[أخبرني الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده الزهري، فينسب إلى جده شهاب, فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب, فيقال: الزهري، وزهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، فهو زهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، وهو من الأئمة الأجلة والحفاظ من أهل الحديث والفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، والذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: عمر بن عبد العزيز الخليفة.[أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره].هو عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبوه أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك هذا ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن خارجة بن زيد أخبره].هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وهو أحد الفقهاء المشهورين في المدينة الذين أطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وقد جُمعوا في بيتين ذكرهما ابن القيم، ولا أدري هل البيتان لـابن القيم أم لغيره، وهو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـخارجة هذا الأخير هو الذي معنا في الإسناد، وهو خارجة بن زيد بن ثابت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[زيد بن ثابت].هو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي أسند إليه أبو بكر جمع القرآن، وله اثنان وتسعون حديثاً اتفق البخاري, ومسلم على أربعة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث واحد، وأحاديثه اثنان وتسعون حديثاً.

    شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا ابن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته، فسقته سويقاً، ثم قالت له: توضأ يا بن أختي! فإن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث بعد حديث زيد بن ثابت، وهو: عن أم حبيبة أم المؤمنين ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، دخل عليها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس، فسقته سويقاً، وقالت له: توضأ يا ابن أختي! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، فأرشدته إلى الحكم، وهو: أن يتوضأ، وذكرت الدليل على ذلك، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار).فإذاً: فهذا الحديث كغيره من الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء مما مست النار، وهو حكم منسوخ كما ذكرت ذلك مراراً.

    تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)

    أما إسناد الحديث فأربعة منهم رجال الإسناد الذي قبله، هشام بن عبد الملك الحمصي، وشيخه محمد بن حرب الحمصي، وكذلك شيخ شيخه محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، ثم الزهري.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم أو عد كل واحد منهم السابع من الفقهاء السبعة، لأن الستة متفق على عدهم، والسابع مختلف فيه، هل هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ؟ وهو ثقة، وحديثه وعند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أخبره].هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن أخنس، قال عنه في التقريب: مقبول، ورمز لكونه من رجال أبي داود , والنسائي، يعني: ما خرج له الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه ، وإنما خرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي.[أنه دخل على أم حبيبة].يروي عن خالته وهي أم حبيبة، أم المؤمنين، ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت له وشرب سويقاً: (يا ابن أختي! توضأ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي حديث أم حبيبة من طريق أخرى، والإسناد الذي أورده يتفق مع الذي قبله في آخره، أما أوله فهو يختلف، وأكثر هذا الإسناد من أوله جاء في (173) في أول الباب الذي معنا، والحديث متنه هو متن الحديث الذي قبله، أم حبيبة قالت لابن أختها -أبي سفيان بن سعيد- وقد شرب سويقاً: (توضأ يا ابن أختي! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)، فهو نفس الذي قبله.

    تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود].الربيع بن سليمان، وهنا قال: ابن داود، وفي ذلك الحديث قال: الربيع بن سليمان فقط، فهنا جاء ذكر ابن داود، وابن داود قلنا -فيما مضى- أنه الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وذكرت -فيما مضى- أن النسائي له شيخان كل منهما يقال له: الربيع بن سليمان، أحدهما هذا، وهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، والثاني: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري صاحب الشافعي، فهو هنا الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري.[حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر].وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، وحديثه عند مسلم، والنسائي. [حدثني بكر بن مضر].هو بكر بن مضر، وهو ثقة، وأخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه.[عن جعفر بن ربيعة].هو ابن شرحبيل بن حسنة الكندي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].هو بكر بن سوادة بن ثمامة، وقد مر ذكره، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم بن شهاب].وفي الإسناد المتقدم قال: محمد بن مسلم فقط، وهنا قال: محمد بن مسلم بن شهاب، وهو الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً، وأكثر ما يأتي ذكره بلفظين: ابن شهاب، أو الزهري، أما كونه يأتي باسمه محمد بن مسلم فهذا قليل، وهنا جاء ذكر اسمه، واسم أبيه، وجده ابن شهاب، وليس هو جده القريب, وإنما هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب جد عبيد الله، وعبيد الله هو جد محمد بن مسلم الأول، فهو جد جده، وقد نسب إلى جد من أجداده، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس].وأبو سفيان بن سعيد هو الذي مر ذكره في الإسناد المتقدم.وأبو سلمة وأبو سفيان مر ذكرهما في الإسناد المتقدم، وهذا الذي هو أبو سفيان مقبول، وحديثه عند أبي داود, والنسائي.[أن أم حبيبة].وهي خالته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضها.وهذا الإسناد رجاله أولاً: الربيع بن سليمان بن داود، ثم إسحاق بن بكر بن مضر، ثم بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم أبو سلمة، ثم أبو سفيان، ثم أم حبيبة، تسعة أشخاص، فهو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها، لأن النسائي عنده أسانيد عشارية؛ يعني: عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يمر بنا حتى الآن شيء يزيد على التساعيات التي منها هذا الحديث الذي معنا, والحديث الذي برقم: (173) الذي سبق أن مر ذكره قريباً، وهو الذي أكثر رجاله هم رجال هذا الإسناد، فذاك الإسناد وهذا الإسناد تساعيات، وهي متفقة في أول السند لكنها في أعلى السند تختلف.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #64
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (62)

    - باب ترك الوضوء مما غيرت النار

    أمر الشارع في بداية الأمر بالوضوء مما غيرته النار، ثم نسخ هذا الحكم، وكان آخر الأمرين ترك الوضوء منه.
    ترك الوضوء مما غيرت النار

    شرح حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء مما غيرت النار.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتفاً، فجاءه بلال فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)].يقول النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.لما أورد الترجمة السابقة لهذه الترجمة وهو قوله: باب: الوضوء مما غيرت النار، وأورد فيه جملة من الأحاديث عن عدد من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها الأمر بالوضوء مما مست النار، وعرفنا أن تلك الأحاديث كانت في أول الأمر، وأن هذا الحكم نسخ إلى الترك وعدم الوضوء مما مست النار؛ لأنه جاء حديث جابر بن عبد الله الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة وهو قوله: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)، وهو دال على النسخ، وقد أورد النسائي في هذه الترجمة أحاديث، لكن أصرحها وأوضحها في النسخ هو أن ترك الوضوء هو الحكم الناسخ بحديث جابر الأخير الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة.وقد أورد النسائي أحاديث ليست واضحة في النسخ، ولكنها واضحة فيما ترجم له، وذكرت الوضوء مما مست النار، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحماً، ولم يتوضأ، وأكل طعاماً، ولم يتوضأ، فكانت تلك الأحاديث دالة على ترك الوضوء مما مست النار، وأول هذه الأحاديث حديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها: (أن النبي عليه الصلاة والسلام أكل كتفاً -كتف شاه- ثم جاءه بلال فآذنه بالصلاة، فخرج وصلى، ولم يتوضأ) يعني: لم يتوضأ بعد هذا الأكل، فهو كان متوضئاً، ثم أكل ذلك اللحم من كتف الشاة، ثم خرج إلى المسجد بعد أن جاءه بلال، وآذنه وأعلمه بحضور وقت الصلاة، فخرج، ولم يتوضأ، فدل هذا الحديث: على ترك الوضوء مما مست النار، لكن هذا لا يدل على النسخ؛ لأن هذا الحديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث أخرى دلت على فعل الوضوء، لكن الدال على النسخ هو حديث جابر الأخير: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) يعني: أن الوضوء كان أولاً، وترك الوضوء كان آخراً، وكانوا يأخذون أي: الصحابة بالأحدث فالأحدث من فعله عليه الصلاة والسلام، فيكون ترك الوضوء هو الحكم الناسخ، والوضوء هو الحكم المنسوخ.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أكل كتفاً... فخرج إلى الصلاة ولم يمس ماء)

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو محمد بن المثنى العنزي الملقب الزمن، وكنيته أبو موسى، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم روى عنهم مباشرة، وهو قرين محمد بن بشار بندار الذي اتفق معه في سنة الولادة، وسنة الوفاة، واتفق معه في الشيوخ والتلاميذ، وفي البلد وفي أمور متعددة، حتى قال الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان، يريد محمد بن بشار ومحمد بن المثنى الزمن؛ يعني: لا واحد يسبق الثاني.[حدثنا يحيى].وهو ابن سعيد القطان الإمام، الحجة، الثبت، المشهور، الذي هو من أئمة الجرح والتعديل، وأحاديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن جعفر بن محمد].وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي وهو الذي يلقب بـالصادق، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو من الأئمة الإثني عشرية الإمامية الذين يجعلون الولاية والإمامة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثني عشر إماماً، ويدعون لهم العصمة، بل ويصفونهم بأوصاف تفوق أوصاف الأنبياء، وهذا من الخذلان. وأوضح دليل على وصفهم إياهم أنهم يفضلونهم على الأنبياء والملائكة، والذي قال هذا ليس شخصاً مغموراً، أو يقال أنه شخص جاهل عند الرافضة، بل هو إمام، وزعيم كبير، هلك قبل ثلاث سنوات، ويعتبرونه آيتهم العظمى، ومرجعهم الأعلى، حيث يقول الخميني: وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل. فهذا الكلام هو مكتوب ومدون ومطبوع، وموجود في كتابه الحكومة الإسلامية في (ص:52)، فهذا الكلام الساقط الباطل هو من أبطل الباطل، فيغلون في الأئمة الاثني عشر.والصادق رحمة الله عليه من الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، يعرفون له فضله وقدره، ولكنهم لا يرفعونه فوق منزلته كما لا يرفعون غيره من الأئمة، وإنما طريقهم في هذا هو الاعتدال بين الإفراط والتفريط، لا غلو ولا جفاء، بل يعرفون لهم فضلهم.ومن كان من أهل البيت وهو من أولياء الله المتقين فقد جمع بين شرف الإيمان وشرف النسب، وإذا كان من أهل العلم والفضل فجمع شرف العلم، ولكن الأساس هو التقوى، فمن وجدت منه التقوى منهم وكان من أهل البيت فقد جمع بين الفضلين وبين الشرفين، ومن كان بخلاف ذلك، ولم يكن من أهل الإيمان والتقوى فالأمر فيه كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، والحديث في صحيح مسلم، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، يقول الشاعر:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسووضع الشرك النسب أبا لهبفالإسلام رفع شأن سلمان الفارسي وهو ليس من العرب، ولكن رفعه الإسلام والإيمان وصحبة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأما أبو لهب عم الرسول وهو عبد العزى بن عبد المطلب وكنيته أبو لهب، وقد أنزل الله فيه سورة من سور القرآن: تَبَّتْ يَدَا أَبِي [المسد:1] فهذا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخو أبيه عبد الله، فهو عم الرسول صلى الله عليه وسلم لكن الشرك والكفر وضعه، والإسلام هو الذي رفع الله به سلمان وغير سلمان ممن أكرمه الله بالإيمان.فـجعفر الصادق رحمة الله عليه هو من أئمة أهل السنة، يروون أحاديثه، روى حديثه مسلم، والبخاري في الأدب المفرد، وروى له أصحاب السنن الأربعة، وهو فقيه ومحدث صدوق.[عن أبيه محمد].وهو محمد بن علي المعروف بـالباقر، وهو من أئمة أهل السنة الذي يعرف أهل السنة فضله وقدره ومنزلته، وهو إمام من أئمة الرافضة الذين يزعمون إمامتهم، ويصفونهم بصفات لا يصفون بها الأنبياء والمرسلين كما هو واضح من العبارة التي ذكرتها آنفاً.إذاً: فـمحمد بن علي بن الحسين الملقب الباقر هو إمام من أئمة أهل السنة، رووا حديثه، وحديثه في الكتب الستة عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الأثبات، وهو -كما قلت- من أئمة أهل السنة، وممن تزعم الرافضة أنه من أئمتهم الذين يغلون فيهم، ويصفونهم بصفات تجاوزوا فيها الحدود.ومما يتبين به ما عند الرافضة من الغلو أن من أصح كتبهم كتاب الكافي، وهو من أشهرها، وهذا الكتاب مشتمل على أحاديث تنتهي إلى أئمة أهل البيت، وهم براء منها بلا شك، وإنما هي كذب وافتراء عليهم وما قالوها، ولا يقولونها رحمة الله عليهم، ولكن هذا من الافتراء عليهم، وفي ذلك الكتاب أبواب منها قوله: باب أن الأئمة يعلمون ما كان وما سيكون، وأنهم يعلمون متى يموتون، وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم، ومنزلته عندهم كمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة.ومن الأبواب التي فيه: باب أنه ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالحق هو ما خرج من عند الأئمة الاثني عشر، وكل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، فالذي خرج من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة، وعائشة، وأمهات المؤمنين، وبقية الصحابة فهذا باطل، والحق هو ما كذبوه وأضافوا إلى الأئمة الاثني عشر، والأئمة الاثني عشر براء منه.ومما اشتمل عليه هذا الكتاب من الأبواب باب: أن الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها عند الأئمة، وأنهم يعلمون على اختلاف لغاتهم، فكل ما نزل من السماء من كتاب هو موجود عند الأئمة الاثني عشر، وهم يعلمونها على اختلاف لغاتها، وهذا كاف في بيان ما اشتمل عليه كتاب الكافي من الباطل، ومن الكذب والافتراء على أهل البيت، وهم منزهون عن ذلك.ومن ذلك حديث موجود في الكافي ينسبونه إلى الحسين بن علي يقول: الناس ثلاثة أصناف: عالم ومتعلم وغثاء، ونحن العالمون؛ يعني: الأئمة، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء. فهذا حديث من أحاديث الكافي، والإنسان إذا عرف مثل هذه الأحاديث، ومثل هذه الأبواب يستشعر نعمة الله عليه بالهداية، وأن الله تعالى من عليه، ولم يزغ قلبه، ولم يجعله من هؤلاء الضائعين، وهؤلاء الهالكين الذين بعدوا عن الحق والصواب، وقالوا ما قالوا من الكذب، والافتراء، ونسبوه إلى جماعة من أئمة أهل السنة، وهم من يزعمون أن أئمتهم المعصومون الذين لا يحصل الحق إلا عن طريقهم، وكل شيء لم يأت من طريقهم فهو باطل.فـمحمد بن علي هذا هو الباقر، وهو إمام من أئمة أهل السنة رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أبيه].وهو علي بن الحسين زين العابدين، وهو من أئمة أهل السنة، ومن الأئمة الاثني عشر الذين غلا فيهم الرافضة، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن زينب بنت أم سلمة].وعلي بن الحسين يروي عن زينب بنت أم سلمة، وبنت أم سلمة نسبها إلى أمها. وأبوها هو أبو سلمة، وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صحابية تروي عن أمها أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وزينب بنت أم سلمة صحابية، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن أم سلمة].وأمها أم المؤمنين وهي أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أيضاً حديثها عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج عن محمد بن يوسف عن سليمان بن يسار قال: دخلت على أم سلمة رضي الله عنها فحدثتني (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام ثم يصوم)، قال: وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته: (أنها قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)].هنا أورد النسائي حديث أم سلمة من طريق سليمان بن يسار التابعي أنه دخل على أم سلمة، وحدثته بحديث (أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصبح وهو جنباً من غير احتلام، ثم يصوم)، يعني: أنه كان تصيبه الجنابة في الليل، ثم يدركه الفجر وهو لم يغتسل، فيصوم ويغتسل بعد دخول الفجر، أي: بعد دخول وقت الصيام، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أصبح جنباً سواء كان عن طريق جنابة اختيارية، وهي عن طريق جماع الأهل، أو عن طريق جنابة اضطرارية كالذي يحصل في النوم من الاحتلام، ثم يصبح جنباً ففي الحالين الحكم واحد وأن الصيام صحيح.فـأم سلمة تقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام فيصوم)، يعني: لا يمنعه ذلك من الصيام، فدل على أنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر فعل الجماع في وقت الصيام، وأما كون الإنسان يكون عليه جنابة، وجامع في وقت حل الجماع له وهو الليل، ثم يصبح جنباً لم يغتسل، فلا يؤثر ذلك على صيامه، وليس هذا هو المقصود من إيراد الحديث في هذا الباب، وإنما المقصود منه الحديث الثاني الذي بعده، وهو أنه قدم إليه جنب مشوي فأكل منه، وصلى ولم يتوضأ. هذا هو محل الشاهد لإيراد الحديث في هذا الباب الذي هو باب: ترك الوضوء مما غيرت النار.فالحديث الأول لا علاقة له بهذا الباب، ولكنه جاء لأنه حصل التحديث به، وبالحديث المتعلق بهذا الباب.وقوله: (أنه كان يصبح جنباً من غير احتلام).أي: أن الاحتلام إذا كان من الإنسان في المنام وهو من تلاعب الشيطان، فلا يحصل ذلك للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الشيطان لا سبيل له إليه، ولا يحصل ذلك عن طريق تلاعبه به في المنام، وهو بريء من ذلك، وسلمه الله من ذلك، أما إذا كان الاحتلام لا يحصل عن طريق الشياطين، ولكن يحصل عن طريق القوة فيحصل خروج ذلك منه في المنام، فهذا ممكن أن يكون قد يحصل بالنسبة للأنبياء، لكن إذا كان الاحتلام يتم ويحصل عن طريق الشياطين، فالأنبياء منزهون من هذا، ومبرءون من هذا، ولا يحصل للشياطين تسلط عليهم.وقوله هنا: (من غير احتلام) كما قال السندي أن هذا للتنصيص على أن الجنابة الاختيارية لا تفسد الصوم، ولا تؤثر في الصوم شيئاً؛ يعني: إذا كانت الجنابة حصلت أو الجماع حصل في وقته المشروع، وأدركه وقت الصيام وهو جنب، فوجود الجنابة لا تؤثر ولو كانت الجنابة اختيارية، فضلاً عن الاضطرارية، فإن الاضطرارية من باب أولى؛ لأن الإنسان في منامه كما هو معلوم غير مختار ومضطر، فحصول شيء من ذلك لا يؤثر عليه شيئاً لا في صيام ولا في غير صيام، ولو أن الإنسان جامع في الحج يعني: قبل التحلل الأول فإن هذا يفسد حجه وعليه بدنة، ويلزمه أن يحج من قابل، وأمور تترتب على هذا، لكن لو احتلم فليس عليه شيء؛ لأن الاحتلام اضطراري ليس للإنسان فيه دخل.وكما قلت: فإن محل الشاهد من إيراد الحديث هو الحديث الثاني المتعلق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم له جنب مشوي وأكل منه، وصلى ولم يتوضأ، فدل ذلك على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكل مما مست النار، ولم يتوضأ بعد ذلك الأكل، فهو مثل الذي قبله إلا أنه لا يدل على النسخ؛ لأن هذا حديث فيه ترك الوضوء، وأحاديث قبله فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، فليس فيه شيء يدل على النسخ، وهذا يعارض تلك الأحاديث؛ لأن الأحاديث متعارضة، لكن جاء حديث جابر فبين أن ترك الوضوء هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً: فيكون ناسخاً.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (أنها قربت إلى النبي جنباً مشوياً فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].هو ابن الحارث، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا ابن جريج].وهو عبد الملك بن عبد العزيز المكي ابن جريج وهو ثقة، وهو يدلس، ويرسل، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن محمد بن يوسف].وهو الكندي الأعرج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب إلا أبا داود، وابن ماجه .[عن سليمان بن يسار].وسليمان بن يسار هو التابعي المشهور، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، ومن الذين جاء ذكرهم كثيراً في كتاب النسائي، وقد مر ذكر سليمان بن يسار وغيره من الفقهاء السبعة، وهو واحد منهم، وأحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أم سلمة].وهي راوية الحديث الذي قبل هذا، والتي روته عنها ابنتها زينب بنت أبي سلمة.[وحدثنا مع هذا الحديث أنها حدثته].يعني: الذي هو محمد بن يوسف الذي روى عنها، (وحدثنا) يعني: سليمان بن يسار أنها حدثته.

    شرح حديث ابن عباس: (شهدت رسول الله أكل خبزاً ولحماً ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا ابن جريج حدثني محمد بن يوسف عن ابن يسار عن ابن عباس أنه قال: (شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)]. هنا أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أكل خبزاً ولحماً، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ)، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في أنه أكل شيئاً مسته النار، أكله أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتوضأ، لكنه لا يدل على النسخ؛ لأنه مجرد إخبار عن أكل وأنه صلى، ولم يتوضأ، ففيه المطابقة لما ترجم له، وهو ترك الوضوء لما مسته النار، لكن كونه ناسخاً فليس فيه ما يدل على ذلك، وإنما الذي يدل على النسخ هو الحديث الذي بعده، وأما الإسناد فهو نفس الإسناد المتقدم إلا ابن عباس؛ لأن الصحابي هو ابن عباس والذي قبله الصحابية أم سلمة، وابن عباس سبق أن مر ذكره، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث جابر الذي هو واضح في النسخ، والذي يقول فيه جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار). وقوله: (الأمرين) أي: الوضوء، والترك، وقوله: (كان آخر الأمرين) أي: الوضوء مما مست النار، وترك الوضوء مما مست النار، وآخرهما كان الترك، فيكون الترك ناسخاً للوضوء مما مست النار، وهذا هو الدليل الواضح على النسخ، فيكون الوضوء مما مست النار ليس بلازم؛ لأن آخر الأمرين من الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فهو ناسخ لما تقدم من الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء؛ وكما هو واضح ففيه الإشارة إلى الناسخ والمنسوخ، وهو واضح في النسخ، وأن الترك كان متأخراً عن الفعل الذي هو الوضوء.وحديث جابر هذا أخرجه النسائي عن شيخه عمرو بن منصور.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كان آخر الأمرين من رسول الله الوضوء مما مست النار)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن منصور].عمرو بن منصور هو النسائي يعني: من بلد النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده.[حدثنا علي بن عياش].وهو علي بن عياش الحمصي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا شعيب].وهو شعيب بن أبي حمزة، وهو حمصي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن المنكدر].ومحمد بن المنكدر، هو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى. قوله: [عن جابر].وهو: ابن عبد الله بن حرام الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن جابراً واحداً من السبعة، وهم الذين قال فيهم السيوطي:والمكثر ن في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـجابر هو أحد السبعة المكثرين الذين زاد حديثهم على ألف حديث، وهذا هو آخر الأحاديث التي أوردها النسائي في باب ترك الوضوء مما مست النار، وهو الواضح في النسخ، والذي قبله ليس فيه ما يدل على النسخ، وإنما الدال على النسخ هو هذا الحديث الأخير.
    الأسئلة

    منزلة المجدد لسنة الرسول

    السؤال: هل يمكن أن يقال: إن المجددين على رأس كل مائة بمنزلة الأنبياء؟ لأن كل منهم إنما يجدد شريعة من قبله.الجواب: لا يكونون بمنزلة الأنبياء، لكنهم وارثو الأنبياء، ووارثو الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمجددون لسنته هم وراثه، وهم الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) فهم طبعاً ليسوا بمنزلة الأنبياء، لكن منزلتهم تفوق منزلة غيرهم، ولكنهم من أتباع الأنبياء، وعلى منهاجهم، وعلى طريقتهم، وهم وراثهم الذين أكرمهم الله عز وجل بحمل ميراث الرسول عليه الصلاة والسلام.

    حكم حبس العصافير

    السؤال: ما الحكم فيمن يشتري العصافير ويجعلها في قفص أو يستعملها لغير ذلك؟ وهل يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟).الجواب: لا يؤخذ هذا من حديث: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) لأن هذا ما جعله في قفص وحبسه في هذا المكان، وإنما يلعب به مثل الدجاج الذي يكون في البيوت وهو طليق يذهب ويجيء، وأما وضعه في قفص فهذا لا ينبغي أن يفعل؛ لأنه وإن أحسن إليه، وأعطي الطعام والشراب فقد يحصل منه غفلة، أو يحصل منه نسيان، وقد يحصل لهذا الحيوان برد، أو حر، ثم يترتب على ذلك هلاكه بسبب حبسه؛ لأنه لا يستطيع أن يذهب، فالذي ينبغي ألا يفعل هذا وألا يصار إليه، وإنما يترك حبس الطيور، وإذا كانت تتخذ في بيوت وهي تروح وتجيء حرة طليقة فلا بأس في ذلك.

    وجه استنباط أولوية العلم من سورة العصر

    السؤال: من أين استنبط بعض أهل العلم أولوية العلم في سورة العصر؟الجواب: نعم، الإيمان كما هو معلوم هو مبني على علم، وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] فالإيمان الحقيقي هو الذي ينبني على علم؛ يعني: يؤمن على علم، ويعمل بما علم، ويدعو غيره إلى هذا الذي عمل به، ويصبر على ما يناله في هذا السبيل، فهو مأخوذ من الإيمان وأن الإيمان يكون مبنياً على علم.

    السنة بعد الرجوع من سفر وقبل الذهاب إلى البيت

    السؤال: هل من السنة إذا قدم الإنسان من سفر أن يبدأ بالمسجد فيصلي فيه ركعتين؟ وهل هذا يكون في القدوم على بلد الإنسان الأصلي؟ أم يشمل أي قدوم من أي سفر؟الجواب: الإنسان إذا قدم من بلد إلى بلده، فالسنة أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، فهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، أو إذا قدم إلى بلده، وأما إذا وصل لأي بلد فلا أعلم فيه شيئاً يدل عليه، لكن الحديث جاء في أن الإنسان إذا قدم من سفر إلى المدينة، فإنه يبدأ بالمسجد، ويصلي فيه ركعتين، وهذه من السنن المهجورة التي هجرها الناس، وكونه يأتي من سفر ويذهب إلى المسجد على طول فيصلي ركعتين، ثم يذهب إلى بيته فهذا مما هجره الناس.

    مشروعية السفر يوم الخميس

    السؤال: هل السفر يوم الخميس من الأمور المستحبة؟ لأنه ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الخروج يوم الخميس؟الجواب: ينظر إلى اللفظ الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان ورد عنه أنه كان يحب الخروج يوم الخميس، فهذا لا شك الأمر فيه واضح، وأن هذا اللفظ يدل على أوليته، وعلى استحباب الخروج فيه؛ لأن الرسول ما دام يحب هذا الشيء فالناس يحبون ما يحبه الرسول، وهو كونه يسافر يوم الخميس، لكن كونه يستحب أو أنه فيه شيء فما أدري، والله تعالى أعلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #65
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (63)

    - (باب المضمضة من السويق) إلى (باب تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم)

    لا يلزم من أكل سويقاً أو شرب لبناً أن يتوضأ، وإنما يكتفي بالمضمضة، ويجب الاغتسال لمن أسلم عند بعض العلماء، وهو من أوائل ما يفعله الكافر إذا أسلم.
    المضمضة من السويق

    شرح حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من السويق.أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن القاسم حدثني مالك عن يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار مولى بني حارثة أن سويد بن النعمان رضي الله عنه أخبره: (أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بالأزواد فلم يؤت إلا بالسويق، فأمر به فثري، فأكل وأكلنا، ثم قام إلى المغرب، فتمضمض وتمضمضنا، ثم صلى، ولم يتوضأ)].النسائي رحمه الله لما أورد الترجمتين السابقتين وهما: الترجمة الأولى: الوضوء مما مست النار، والترجمة الثانية: ترك الوضوء مما مست النار، أتى بعد ذلك بترجمة وهي: المضمضة من السويق، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أكل سويقاً تمضمض، ولم يتوضأ، وصلى، ولم يتوضأ.والسويق قيل: هو الشعير أو البر، أو الحب، أو الحنطة التي تقلى على النار ثم تتخذ زاداً في السفر أو غيره، فإذا احتيج إليها دقت، ثم صب عليها ماء أو سمن، ثم أكلت، فهي طعام يعتبر جاهزاً؛ بمعنى: أنه لا يحتاج إلى عناء وإلى كلفة؛ لأنه قد هيئ، ولهذا يقال فيه: إنه قوت المسافر، وبلغة المريض، وطعام العجلان، فالذي يريد أن يأكل بسرعة، ولا يحتاج إلى عناء ومشقة في الطبخ؛ كجمع الحطب وما إلى ذلك، فإن هذا لا يحتاج إليه؛ لأنه قد حمس على النار، وقلي، ثم يدق، ويصب عليه الماء أو السمن، ثم يؤكل، فهو لا يحتاج إلى كبير مؤنة.والرسول عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الذي أورده النسائي تحت هذه الترجمة، عن سويد بن النعمان رضي الله عنه، أنه كان مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر، وأنهم لما كانوا بالصهباء، وهو أدنى مكان من خيبر، (دعا بالأزواد)، يعني: طلب من أصحابه الذين كانوا معه أن يحضروا أزوادهم ليشتركوا فيها، وذلك أن المسافرين أو الجيش عندما يكون مع بعضهم طعام، فإنهم يجمعون أزوادهم، فإذا لم يكن هناك زاد مشترك يغذى منه الجميع وكل يحمل زاده، فإنهم يجمعون أزوادهم، ثم يأكلون منها جميعاً؛ فالذي منه الزاد والذي ليس منه يشتركون فيه، ويجتمعون عليه، فالرسول عليه الصلاة والسلام طلب الأزواد، يعني: أمرهم بأن يحضروا ما معهم من الزاد.قال: (فلم يؤت إلا بالسويق) يعني: أنه ما وجد معهم شيئاً إلا هذا الطعام، وإلا فإنهم يأتون به ولا يتأخرون، وهذا فيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم من قلة ذات اليد، وشدة الحاجة، وأنهم وهم في هذا السفر، وهم في هذا الغزو، لما طلب منهم الأزواد، ما وجد معهم إلا السويق.قال (فأمر به فثري)، يعني: بل بالماء ورش بالماء حتى يؤكل بعد ذلك، وهذا هو معني الفري، وكان هذا بعد صلاة العصر، ثم إنه لما جاء وقت صلاة المغرب قام وتمضمض وتمضمضوا معه، وصلى ولم يتوضأ. والسويق كما هو معلوم مسته النار، فهو دال على ما دل عليه أحاديث الباب الذي قبله، وهو ترك الوضوء مما مست النار.وإنما تمضمض رسول الله عليه الصلاة والسلام ليزيل أثر ذلك الطعام من فمه، حتى لا يبقى منه بقية تشغله في صلاته، والأمر لا يحتاج إلى وضوء، وإنما يحتاج إلى التنظيف بالماء مما علقه، ومما بقي فيه من آثار هذا الطعام الذي هو السويق.إذاً: هذا فيه التنبيه والإرشاد إلى أن من حصل منه أكل شيء -وهو لا يحتاج الأمر فيه إلى وضوء- أنه يتمضمض إذا كان سيبقى في فمه أثر؛ حتى لا يشغله آثار ذلك التي بقيت في الفم عن صلاته، فبحصول المضمضة يحصل التخلص من ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث سويد بن النعمان في المضمضة من السويق

    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].محمد بن سلمة هو: المرادي، المصري، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه .أما الحارث بن مسكين، فهو أيضاً ثقة، وهو ممن خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وقد مر ذكر هذين الشخصين.[قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].وهذا كثيراً ما يحصل من النسائي، إذ أنه إذا قرن الحارث بن مسكين مع غيره، أنه يجعل اللفظ المسوق من لفظ شيخه الحارث بن مسكين.[عن ابن القاسم].ابن القاسم هو: عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وراوي الحديث والمسائل، فهو يروي الحديث، ويروي المسائل الفقهية عن الإمام مالك، وهو من أصحابه المشهورين، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأبو داود في كتاب المراسيل، والنسائي.[حدثني مالك].هو الإمام مالك إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، العلم، أحد الفقهاء، والمحدثين، مشهور بالحديث والفقه، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة؛ وهي: مذهب أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد، فهو صاحب مذهب مشهور، حصل له أتباع وأصحاب نشروه وأظهروه، وغير هؤلاء الأربعة لكن ما حصل لهم ما حصل لهؤلاء من وجود أصحاب وأتباع يظهرون فقههم، ويعنون بتدوينه ونشره، منهم مشهورون بالفقه، ومشهورون بالحديث، لكن هذه المذاهب الأربعة انتشرت لوجود أتباع وأصحاب عنوا بها، وقاموا بتدوينها، وجمع مسائلها، ونشرها، والتأليف فيها، فصار لها ذلك الانتشار والظهور.فثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة بعضهم تلميذ لبعض، فـأحمد تلميذ لـلشافعي، والشافعي تلميذ لـمالك، وقد سبق أن ذكرت: أن في مسند الإمام أحمد حديثاً رواه الإمام أحمد عن شيخه الشافعي، والشافعي رواه عن شيخه الإمام مالك، والإمام مالك رواه عمَّن فوقه، ولكن محل الشاهد من ذكره والإشارة إليه: هو أن فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، والحديث هو: (نسمة المؤمن على صورة طير يعلق بالجنة)، والحديث أورده الإمام ابن كثير في تفسيره عند قوله في سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، فأورد هذا الحديث بهذا الإسناد، وقال: إن هذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب المعروفة يروي بعضهم عن بعض، وهؤلاء الثلاثة كل منهم كنيته: أبو عبد الله.وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت مراراً: أن البخاري قال: إن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، كالإمام مالك، هو من أهل المدينة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بشير بن يسار].هوبشير بن يسار، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو بالتصغير بشير، وفي التقريب لما ذكر: بَشير وبُشير، بشير ذكر فيه عشرون شخصاً يقال لهم: بشير، وأما بُشير فلم يذكر إلا شخصان، أحدهما هذا، وذلك أن بشير المسمى به كثير، وأما بشير بالتصغير فهذا قليل، وهذا مثل ما أشرت سابقاً أو قريباً عندما جئنا عند ذكر: حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، فقلنا أن أبا حفصة اسمه: نابت، وقيل: كالجادة؛ يعني: ثابت؛ لأن كلمة نابت قليل التسمية، وكلمة ثابت كثير التسمية، فقيل لثابت: الجادة؛ يعني: أنه الطريق المسلوك، فهذا مثل بشير وبشير، بشير يقال له: الجادة، أو التسمية ببشير أو كذا، يطلق عليه الجادة؛ لأن الذي يسمى به كثير، بخلاف بُشير فإنه قليل التسمية، ولهذا في التقريب: بشير اثنان، وبشير عشرون شخصاً، فهذا يصدق عليه أن يقال فيه: الجادة، وهذا هو الذي كما أشرت يفعله ابن حجر في تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، عندما يأتي بَشير وبُشير، هذا هو المؤتلف والمختلف، يعني: يتفقان في الصيغة لكن يختلفان في النقط والشكل، فهنا يختلفان بالشكل وإلا الصيغة والهيئة واحدة: (ب ش ي ر)، إلا أن هذا بَشير وهذا بُشير، فهذا يسمى في المصطلح: المؤتلف والمختلف، أو المتشابه.وعندما يأتون ويتكلمون على المشتبه، وأن هذا يكون بهذا كذا، يقولون عن الذي تكثر فيه التسمية: الجادة، ثم يذكر الذي على خلاف الجادة الذي هو قليل، ولهذا فبَشير وبُشير يخلص أن يقال فيه ما قيل في هذا الموضوع، بأن بَشير هو الجادة، وأنه كثير التسمية به، وأما بُشير فهو قليل التسمية.[أن سويد بن النعمان].سويد بن النعمان هذا صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، خرج حديثه البخاري، والنسائي، وابن ماجه ، وله سبعة أحاديث، وهو مقل من الحديث، ولم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، وهذا يسمونه الوحدان، يعني: من لم يرو عنه إلا واحد يسمى الوحدان، وهذا سويد بن النعمان لم يرو عنه إلا بشير بن يسار هذا، شخص واحد، ما عرف بالرواية عنه إلا بشير بن يسار.
    المضمضة من اللبن

    شرح حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة من اللبن.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن عقيل عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبناً، ثم دعا بماء فتمضمض، ثم قال: إن له دسماً)].هذه الترجمة وهي: المضمضة من اللبن، أورد النسائي تحتها حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه شرب لبناً، ثم دعا بماء، فتمضمض، وقال: (إنه له دسماً)، يعني: أن هذه المضمضة من أجل الدسومة التي فيه، فهو يريد أن يذهب آثار الدسومة عن فمه، وهذا من النظافة، وعدم وجود أثر الطعام في الفم، الذي قد يشغل الإنسان بطعمه وبوجوده في فمه، أو قد يترتب على ذلك مضرة، حيث يبقى في الفم مثل هذه الآثار، فهو يدل على الإرشاد والتنبيه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي شرب لبناً ثم دعا بماء فتمضمض)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من شيوخ النسائي الذي أكثر من الرواية عنهم، ولهذا يأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي يروي عنه، وهو أول شيخ روى عنه في سننه. [حدثنا الليث].الليث هو: ابن سعد المصري، المحدث، الفقيه، الإمام، المشهور في مصر، محدث مصر وفقيهها، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من الأشخاص المعروفين أنه إذا روى عن مدلسين، فإنه لا يروي عنهم إلا ما ثبت سماعهم له، فهذا هو الليث بن سعد رحمة الله عليه.[عن عقيل].عقيل هو: عقيل بن خالد، أبو خالد الأيلي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فعقيل هو أيضاً من الأسماء القليلة، وعقيل مما يسمى به كثيراً، ولهذا في التقريب ورد أسماء عديدة لعلها ستة أسماء باسم عقيل، وأما عقيل بالتصغير ما فيه إلا شخص واحد، وهو: عقيل بن خالد الأيلي، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه؛ لأن كنيته: أبو خالد، وأبوه: خالد، فهذا مما عدوه من أنواع علوم الحديث؛ لأن معرفة هذا النوع قالوا فيها: إن فيها الأمن من التصحيف، فالإنسان إذا عرف أن كنيته أبو خالد، وأن اسم أبيه خالد، فلو جاء مرة بكنيته ومرة باسمه، يكون كله صواباً، لكن الذي لا يعرف إلا أنه عقيل بن خالد، لو رواه مرة عقيل أبو خالد، ممكن يقول: (أبو) هذه مصحفة عن (ابن)، لكن من عرف أن كنيته أبو خالد، فإنه إذا جاء عقيل أبو خالد فهو صواب، وإن جاء عقيل بن خالد فهو صواب، ولذلك أمثلة عديدة مرت بنا، مثل هناد بن السري وهناد أبو السري، وغيره من الأسماء الكثيرة التي تأتي يتفق اسم أب الراوي مع كنيته.[عن الزهري].الزهري، هو الإمام، المشهور، المحدث، الفقيه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أول من قام بجمع السنة بأمر من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب، وأيضاً مشهور بنسبته إلى جده شهاب، فيقال له: ابن شهاب أحياناً، ويقال له: الزهري أحياناً، وأحياناً قليلة يأتي اسمه: محمد بن مسلم، وهذا قليل جداً، وإنما الكثير ابن شهاب أو الزهري.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، والذين أشرت سابقاً إلى أن ابن القيم جمعهم في بيتين ذكرهما في أول كتابه إعلام الموقعين، ولا أدري هل البيتان له أو لغيره؟ والبيتان هو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجهفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةسبعة في البيت الثاني، هؤلاء الفقهاء يقال لهم: الفقهاء السبعة في المدينة، وهم محدثون وفقهاء، وستة منهم متفق عليهم أنهم من السبعة، والسابع مختلف فيه، فقيل: إنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو الذي ذكره ابن القيم، فهذا هو السابع على أحد الأقوال، وقيل: إنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بدل أبو بكر بن عبد الرحمن، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأما الستة الباقون فهم متفقون على عدهم، وهم الموجودون في هذا البيت: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عروة بن الزبير بن العوام، القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، سعيد بن المسيب، سليمان بن يسار، خارجة بن زيد بن ثابت، هؤلاء ستة متفق عليهم.[عن ابن عباس].هو ابن عباس رضي الله عنه، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من صغار الصحابة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام توفي وعمره خمسة عشر عاماً؛ لأنه في حجة الوداع يقول: كنت ناهزت الاحتلام، وجاء على حمار أتان، وقال: كنت غلاماً، قد ناهزت الاحتلام، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي بعد حجة الوداع بأشهر قليلة؛ ثلاثة شهور، فهو من صغار الصحابة رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العبادلة الأربعة في الصحابة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو. وفي الصحابة كثيرون يقال لهم: عبد الله، لكن اشتهر هؤلاء الأربعة بأنهم العبادلة، وليس فيهم ابن مسعود؛ لأن ابن مسعود متقدم عنهم، وهو أكبر منهم، وكان من كبار الصحابة، وممن تقدمت وفاته؛ لأنه توفي سنة 32 للهجرة، وأما هؤلاء فوفاتهم بعده بمدة طويلة، وهم متقاربون بالسن، ولهذا يقال لهم: العبادلة.وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين يقول فيهم السيوطي في ألفيته: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه - غسل الكافر إذا أسلم

    شرح حديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه - غسل الكافر إذا أسلم. أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان عن الأغر وهو: ابن الصباح عن خليفة بن حصين عن قيس بن عاصم رضي الله عنه: (أنه أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر)].أورد النسائي عنواناً عاماً، وهو: ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، وقد ذكر قبل هذا ترجمة عامة وهي ما ينقض الوضوء وما لا ينقض، ثم أورد عدة من الأبواب بعد هذا العنوان العام، منها ما ينقض ومنها ما لا ينقض، وهنا لما فرغ من ذلك، وعقبه ببعض المسائل المتعلقة بذلك التي ليس فيها وضوء، وليس فيها إيجاب وضوء، وهو مثل أكل السويق والمضمضة، وشرب اللبن، وما إلى ذلك، هذا مما لا يوجب وضوءاً.بعد ذلك قال: ذكر ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، فهذا عنوان عام، يأتي تحته عناوين خاصة، العنوان الأول: غسل الكافر إذا أسلم، أورد تحت هذه الترجمة حديث قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه أنه أسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، وأمره إياه بالاغتسال بعد الإسلام؛ لأن قوله هنا: (أسلم فأمره)، يعني: أنه وجد الإسلام فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل، حتى يذهب عن جسده ما فيه من نجاسة بسبب الشرك والكفر؛ لأن الكفار لا يتنزهون، وقد يكون عليه جنابة، فالاغتسال للكافر فيه تنظيفه وتطهيره من أن يكون في جسده شيء من النجاسات، ولا يلزم أن يكون الاغتسال قبل الإسلام؛ لأن المبادرة إلى الإسلام مطلوبة، وبعد أن يدخل في الإسلام، ويطهر بهذه النعمة التي هي أعظم النعم، يغتسل، وإن اغتسل قبل ذلك لا بأس، مثلما جاء في الحديث الذي بعد هذا؛ حديث ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنه، فإنه اغتسل أولاً، ثم جاء وأسلم.وجمهور العلماء على أن الاغتسال للكافر مستحب، ومن العلماء من أوجبه لحصول الأمر به.قوله: (أن يغتسل بماء وسدر).يعني: هذا من كمال التنظيف، ولا شك أن هذا شيء طيب، يعني: أن هذا فيه كمال التنظيف، أما الصابون فيمكن يؤدي ما يؤديه السدر.

    تراجم رجال إسناد حديث قيس بن عاصم: (أنه أسلم فأمره النبي أن يغتسل بماء وسدر)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].عمرو بن علي هو: الفلاس المحدث، المشهور، النقاد، المعروف بالجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره كثيراً في سنن النسائي، يروي عنه النسائي أحاديث كثيرة، وكثيراً ما يأتي قول النسائي: أخبرنا عمرو بن علي الذي هو: الفلاس.[حدثنا يحيى].يحيى هو ابن سعيد القطان المحدث، المشهور، المعروف بكلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سفيان].هو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، وهو ثقة، ثبت، حجة، إمام، خرج أحاديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأغر].الأغر هو ابن الصباح، وسفيان عبر بـالأغر فقط، ما قال: ابن الصباح، لكن الذين دونه وهم: يحيى بن سعيد القطان، أو عمرو بن علي الفلاس، أو النسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بنسبته وهي قولهم: هو ابن الصباح، ولما أتوا بها، وهي ليست من التلميذ أتوا بكلمة (هو) الدالة على أنها زيدت ممن دون التلميذ؛ لأن التلميذ لا يحتاج أن يقول: هو ابن فلان، وإنما يسميه كما يشاء، ممكن أن يأتي بسطرين يمدحه، ويثني عليه، ويذكر نسبه، وقد يذكر نسبه إلى ذكر عدة أجداد له؛ لأنه لا يحتاج إلى أن يقول: هو، وإنما يقول: حدثنا شيخنا فلان بن فلان بن فلان، الإمام، الثقة.. إلخ، يقول ما يشاء، لكن من دون التلميذ هو الذي يزيد إذا أراد أن يزيد ما يوضح، لكن يأتي بكلمة (هو) أو يأتي بكلمة (يعني)، أو (الفلاني)، أو (هو الفلاني)، أو (يعني الفلاني)، أو (يعني ابن فلان)، فكلمة (هو) تشعر بأن هذه زيادة ممن دون التلميذ، وفائدتها: التنبيه على أن التلميذ ما قالها، ولو قالوا: الأغر بن الصباح لفهم من أول وهلة أن سفيان هو الذي قال: ابن الصباح، لكن لما جاءت كلمة (هو) عرفت أنها ليست من سفيان، وإنما هي ممن دون سفيان، وهذه تأتي كثيراً في الأسانيد (هو) أو (يعني ابن فلان)، وهذا هو معناها.والأغر بن الصباح هذا كوفي، وهو تميمي، منقري بالولاء، يعني: مولى بني تميم، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له الشيخان ولا ابن ماجه .[عن خليفة بن حصين].خليفة بن حصين هذا جده قيس بن عاصم الذي جرى عنه في هذا الإسناد؛ لأنه خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم، فهو يروي عن جده قيس هنا في الإسناد، وخليفة بن حصين هذا ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي فهو مثل تلميذه الأغر بن الصباح، خرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي.[عن قيس بن عاصم].قيس بن عاصم هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر المنقري التميمي؛ يعني: ينسب إلى جده منقر فيقال: منقري، وينسب نسبة عامة فيقال: التميمي، والمنقري نسبة خاصة؛ لأن منقر من تميم، وينسب نسبة عامة، فيقال: المنقري، ويقال: التميمي.وقيس هذا صحابي، مشهور بالحلم، ومشهور بالجود، والكرم، ويقال: إنه قيل: للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ وهو مشهور بالحلم، فقال: من قيس بن عاصم.وقيس بن عاصم هذا الصحابي الجليل خرج حديث أيضاً أبو داود، والترمذي، والنسائي، مثل حفيده والذي روى عن حفيده؛ لأنهم ثلاثة على الولاء كلهم خرج لهم ثلاثة من أصحاب السنن، ما عدا ابن ماجه ، وأيضاً ذكر في تهذيب التهذيب أنه خرج له البخاري في الأدب المفرد، وفي نسخة التقريب المصرية ما فيه إلا البخاري في الأدب المفرد، لكن في تهذيب التهذيب خرج له البخاري في الأدب المفرد، وخرج له أصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه .وقيس بن عاصم هذا لما توفي رثاه عبدة بن الطيب في أبيات يقول فيها:عليك سلام الله قيس بن عاصمورحمته ما شاء أن يترحماثم ذكر بيتاً مشهوراً يعتبر بمثابة المثل الذي يضرب عندما يموت شخص كبير؛ يعني: إنسان يعتبر له منزلة كبيرة، وموته يعتبر فيه نقص كبير على المسلمين، يتذكر هذا البيت، يقول فيه:وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدمايعني: ما موته موت شخص واحد، وإنما هو بنيان قوم تهدما، معناه: أنه قوم عندهم شخص له منزلة عظيمة، وقد حصل بموته هذا الخطب العظيم، والمصيبة الكبيرة.عندما يذهب شخص له منزلة كبيرة، وفائدته عظيمة للمسلمين، ينقدح في ذهن الإنسان هذا البيت؛ لأنه يدل على عظم المصيبة، وعلى كبرها، وعلى عظم حجمها، وأنا تذكرت هذا لما توفي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، في عام 1389هـ، وكان رجلاً عظيماً من نوادر الرجال، ومن الأفذاذ في هذه البلاد الذين لهم منزلة، ولهم هيبة، ولهم مكانة في النفوس، ويعتبر سداً منيعاً، ولما مات حصل بموته مصيبة كبيرة، فأنا تذكرت هذا البيت في ذاك الوقت، وكنت كتبت في وقتها كلمة عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، وأوردت فيها هذا البيت؛ يعني: هذا البيت الذي رثى به عبدة بن الطيب قيس بن عاصم، فذكرته مستشهداً، فقلت: إن هلاكه ليست مصيبة فرد، أو مصيبة عائلة، أو مصيبة جماعة، وإنما هي مصيبة أمة، ومصيبة عامة، وأن هذا البيت ينطبق عليه، ويناسب أن يذكر هذا البيت:وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدماوقيس بن عاصم رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المشهورين بالحلم، وبالكرم، والجود، وكان زعيماً، كبيراً، ومشهوراً في قومه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم

    شرح حديث أبي هريرة في تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم.أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (إن ثمامة بن أثال الحنفي انطلق إلى نجل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمره أن يعتمر)] وفي بعض النسخ مختصر.النسائي يقول: تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم. وأورد فيه قصة إسلام ثمامة بن أثال الحنفي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفيه: أنه ذهب إلى نخل أو نجل؛ يعني: في بعض النسخ نجل، وفي بعضها نخل، ونخل هي الأوضح؛ لأن نخل فيه ماء، وقيل: إن نجل يعني: أن فيه ماء ينبع، لكن الموجود في البخاري وفي غيره أنه نخل، يعني: إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، فاغتساله قبل إسلامه إنما حصل بفعله وليس بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إياه، والحديث الذي قبله فيه: أنه أسلم فأمره أن يغتسل، ومن المعلوم أن المبادرة بالإسلام أولى من تأخير الاغتسال؛ لأن تأخيره قد يصيبه الموت قبل أن يسلم، فكونه يبادر إلى الإسلام ثم يغتسل هذا هو الذي ينبغي، وهذا هو الذي حصل في مثل قيس بن عاصم رضي الله عنه.وأما هذا الذي في الحديث فهو من فعل ثمامة بن أثال، أنه اغتسل ثم جاء وأسلم، وشهد لله عز وجل بالوحدانية، ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة.والحدي أورده هنا مختصراً، وأشار إليه في آخر الحديث، قال: مختصر؛ يعني: أنه ذكر الحديث مختصراً، والحديث مطول ذكره البخاري وغيره، وفيه: (أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل خيلاً قبل نجد، فوجدوا ثمامة بن أثال، فأتوا به، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءه يوم وقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط ما شئت، فتركه، فجاء من الغد وقال له: ما عندك يا ثمامة؟ فقال مثلما قال بالأمس، قال: عندي الذي قلته: إن تنعم تنعم على شاكر، فتركه، فلما جاء من بعد الغد جاء إليه، وقال: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: مثل الذي قال، فقال: أطلقوه، فلما أطلقوه ذهب إلى نخل قريب من المسجد واغتسل، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: يا محمد! إن وجهك كان أبغض الوجوه إلي، وإنه الآن أحب وجه على وجه الأرض إلي، وإن دينك كان أبغض الأديان إلي، وإن دينك الآن أحب الأديان إلي، وإن بلدك كانت أبغض البلاد إلي، وإن بلدك الآن هي أحب البلاد إلي) كل هذا في البخاري وهو الذي أشار إليه هنا بقوله: مختصر.ثم قال: (يا رسول الله! إن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة -يعني: كان ذاهب للعمرة- فأخذته الخيل، وجاءوا به إلى المدينة، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم بما حصل له من الإسلام، وأمره أن يعتمر، فذهب إلى العمرة من المدينة، ولما جاء إلى مكة صار كفار قريش يشيرون إليه ويقولون: هذا صبأ -يعني: أنه دخل في دين غير دينه- فقال: أنا أسلمت مع محمد لله رب العالمين، وهو سيد أهل اليمامة، وكانت الحنطة تأتي إلى مكة من اليمامة، فقال: ووالله لن يأتيكم حبة حنطة من اليمامة إلا إذا أذن لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وحسن إسلامه)، وحصل منه هذا الموقف العظيم.والبخاري ذكره في بعض المواضع مختصراً وفي بعضها مطولاً، وهذا الموضع الذي أشرت إليه هو في المغازي؛ يعني: في الوفود، وقد ذكره مطولاً، وفيه هذه المحاورة والكلام الذي جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ثمامة بن أثال الحنفي اليمامي.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في تقديم غسل الكافر إذا أراد أن يسلم

    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي مر في الإسناد الذي قبله.[حدثنا الليث].هو: الليث بن سعد أيضاً مر في الذي قبله.[عن سعيد بن أبي سعيد].سعيد بن أبي سعيد هو المقبري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله عنه، هو أحد الصحابة المكثرين، بل هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً. ورجال هذا الإسناد الأربعة خرج لهم أصحاب الكتب الستة، وهو من أعلى الأسانيد عند النسائي؛ لأن أعلى الأسانيد عند النسائي الرباعيات، وهذا إسناد رباعي ليس بين النسائي فيه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أربعة أشخاص: قتيبة، والليث بن سعد، وأبو سعيد المقبري، وأبو هريرة؛ ولأنه ليس عنده أسانيد ثلاثية.
    الأسئلة

    توجيه معرفة ثمامة للغسل قبل الإسلام
    السؤال: كيف عرف ثمامة الغسل قبل أن يسلم وقبل أن يدخل في الإسلام؟الجواب: لعله عرف أن هذا هو شأن المسلمين إذا أرادوا أن يسلموا، أو لعله أراد بأن يتنظف وأن يتطهر، فقد يكون علم هذا.

    مفهوم سلس البول

    السؤال: ما مفهوم سلس البول؟ وهل لصاحب سلس البول أن يستنجي قبل دخول الوقت؟الجواب: صاحب سلس البول هو الذي يخرج منه البول دائماً، ويحصل منه قطرات البول، ويتوضأ عند كل صلاة، ويناسب أنه يرش على فرجه شيئاً من الماء؛ حتى لا يحصل تشويش عليه، ولو حصل بعد ذلك منه خروج البول فإن ذلك لا يؤثر؛ لأن هذا هو الذي يستطيعه، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فهو يتوضأ لكل صلاة، ومثله المستحاضة التي جاء في الحديث أنها تتوضأ لكل صلاة، فالذي به سلس البول مثل المستحاضة.لكن هل لصاحب سلس البول أن يستنجي قبل دخول الوقت؟الجواب: لا ما يستنجي، هذا يكون عند دخول الوقت؛ يعني: إذا أراد أن يتوضأ يستنجي؛ لأنه كما هو معلوم الوضوء لابد فيه من الاستنجاء إذا كان هناك نجاسة، أما إذا لم توجد نجاسة فالوضوء كما هو لا يحتاج إلى الاستنجاء، فالاستنجاء عند خروج الخارج. إذاً فلا يستنجي، ولا يتوضأ إلا بعد دخول الوقت، أما إذا أراد أن يتنظف قبل دخول الوقت فله أن يفعل ذلك.

    حكم هدم بعض المساجد المتقاربة

    السؤال: فضيلة الشيخ! عندنا في بلادنا بعض المساجد قريبة جداً من بعضها الآخر، وعدد المصلين في كل مسجد قليل جداً، بحيث أنهم يعدون على الأصابع، فهل يجوز هدم أحد هذه المساجد أو تلك المساجد؟الجواب: إذا كان القرب شديداً فلا ينبغي أن تكون المساجد كذلك، وأما إذا كان بينها شيء من التباعد، والذهاب إلى المكان الآخر فيه مشقة، فتعدد المساجد لا بأس به، ولو أزيل أحد المساجد، واكتفي بمسجد آخر، فإنه لا بأس إذا كان القرب شديداً، وأما إذا كان هناك تباعد فالمساجد تبقى.

    بيتان في عدم الافتخار بالنسب

    السؤال: فضيلة الشيخ! نرجو ذكر البيتين الذين ذكرتهما في عدم الافتخار بالأنساب؟الجواب : يقول:لعمرك ما الإنسان إلا بدينهفلا تترك التقوى اتكالاً على النسبفقد رفع الإسلام سلمان فارسووضع الشرك النسيب أبا لهبوهذان البيتان كما ذكرت سابقاً موافق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)، فهو المبين لهذا المعنى.

    كيفية معرفة أوهام الثقات

    السؤال: كيف يعرف المحدثون أن فلاناً الثقة أقل أوهاماً من فلان الثقة؟الجواب: الثقات يعرفون كون بعض الثقات أقل أوهاماً من بعض؛ وذلك بحصر أغلاطهم، وبحصر أوهامهم، فإذا حصر الأوهام وأرادوا أن يقارنوا بين شخصين، يحصرون أغلاط كل واحد منهم وأوهامه، ثم يقارنون بينها أيها أكثر؟ فمن كان أكثر صار أقل، ومن كان أقل صار أدنى، وهذه هي الطريقة التي بها يميزون بين الأشخاص الذين في القمة، أيهم يقدم؟ وأيهم أوثق؟ وأيهم أعظم حفظاً؟ وأشد حفظاً؟

    أي المذاهب يرى العمل بالمرسل

    السؤال: أي المذاهب الأربعة يرى العمل بالحديث المرسل؟الجواب: لا أدري من يرى العمل بالحديث المرسل من أصحاب المذاهب الأربعة.
    الزمن والوقت المناسب لقيام طالب العلم بواجبه في نشر العلم
    السؤال: متى يبدأ طالب العلم بنشر ما تعلمه ويدرسه؟ هل يكون ذلك بعد مدة الطلب على المشايخ، أم أنه كلما تعلم شيئاً من العلم ينقله ويدرسه، سواء في المسجد أم في البيت؟الجواب: هو كونه يتعلم، وكونه يجتهد في طلب العلم، ويشغل نفسه في طلب العلم، هذا هو الذي ينبغي، ولكنه إذا وجد أناساً مثلاً يعلمهم ما عنده، أو بعض ما عنده، هذا شيء طيب، بعد أن يكون متحققاً وأن يكون عارفاً بذلك الشيء الذي سيدرسه مثلاً: إنسان يدرس الثلاثة الأصول، ويدرس هذه الكتب المفيدة التي فائدتها عظيمة للناس، والتي يحتاج إليها الصغار والكبار، ويحتاج إليها العوام وغير العوام، مثل هذه الأشياء التي الناس بحاجة إليها وإلى معرفتها، إذا علمها غيره فهذا شيء طيب، ولكن كونه يعتني في الطلب، والجد، والاجتهاد، والاشتغال، هذا هو الذي ينبغي، وإذا احتيج إليه، أو علم مثل هذه الأشياء التي الناس بحاجة إليها، والتي هي مختصرة ومفيدة، والتي يحتاج إليها العوام والخواص، والصغار والكبار، هذا شيء طيب.وهو يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية)؛ لأن الإنسان إذا علم شيئاً يعلمه غيره، ويبلغه غيره، لكن إذا كان الإنسان في الطلب يجتهد في الطلب ولا يشغل نفسه في التعليم؛ لأنه لو شغل نفسه في التعليم قد يدفعه ذلك، أو يقلل منه الإقدام على الطلب، والاشتغال في الطلب.
    حكم الوضوء من شحم الإبل
    السؤال: هل شحم الإبل وكبده وبقية أعضائه تأخذ حكم اللحم في نقض الوضوء؟الجواب: كما هو معلوم أن اللحم غير الشحم، لكن الإنسان يتوضأ من الشحم، ومن استعمال الشحم؛ لأن المعنى الموجود في اللحم موجود فيه، فكونه يتوضأ من ذلك لا شك أنه هو الأوضح، وهو الأسلم وهو الأحوط.وإذا شرب مرق الإبل فلا يقال أنه أكل لحماً، وعلى هذا لا يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن المرق لا ينقض الوضوء؛ لأنه ما يقال: أنه أكل لحماً.
    سبب نقض الوضوء من لحم الإبل
    السؤال: اشتهر عند كثير من الناس أن سبب نقض الوضوء من لحم الإبل هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان جالساً مع أصحابه ذات يوم، ووجد من أحدهم ريحاً، وما أراد أن يظهر ذلك الرجل أمام الناس، فقال: (من أكل لحم جزور فليتوضأ).الجواب: لا، هذا غير صحيح، فالذين يذكرون أنها قصة ما أدري عن ثبوتها، ولا أدري أين وجدتها، وأين رأيتها، ولكنها مما يدل على الفراسة، ما أدري هل هي في الطرق القطبية في الفراسة أو في غيرها، أنهم كانوا جالسين، فخرج من أحدهم ريحاً، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يستحي من الحق، ليقم من أحدث، فليتوضأ، وكأنه ما قام أحد، فقال أبو بكر: ألا نقوم كلنا فنتوضأ يا رسول الله! فقاموا وتوضأوا)، وهذا طبعاً من الفراسة؛ لأنهم إذا توضأوا كلهم فالذي حصل منه نقض للوضوء توضأ.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #66
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (64)

    - باب الغسل من مواراة المشرك - باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان

    بين الشارع الأمور التي توجب الاغتسال، ومن ذلك: الاغتسال لمن وارى المشرك، وإذا التقى الختانان؛ ختان الرجل وختان المرأة وإن لم يحصل إنزال.
    الغسل من مواراة المشرك

    شرح حديث علي في الغسل من مواراة المشرك

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الغسل من مواراة المشرك.أخبرنا محمد بن المثنى عن محمد حدثني شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أبا طالب مات، فقال اذهب فواره، قال: إنه مات مشركاً، قال: اذهب فواره، فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: اغتسل)].يقول النسائي رحمه الله: الغسل من مواراة المشرك؛ يعني: ممن يتولى دفنه، فمن يقوم بموارته من المسلمين فإن عليه أن يغتسل، هذا هو المقصود في هذه الترجمة التي أوردها النسائي. وقد أورد فيها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لما توفي أبوه أبو طالب، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فواره، قال: إنه مات مشركاً، قال: اذهب فواره، فلما واريته رجعت إليه، فقال لي: اغتسل)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم له: (اغتسل) لما وارى أباه المشرك، والحديث دال على الاغتسال من مواراة المشرك، كما ترجم له المصنف.وقد اختلف العلماء في حكم ذلك؛ فجمهورهم على أن هذا الاغتسال إنما هو مستحب، ومنهم من قال: بالوجوب، وإنما قيل في حكمة الاغتسال من مواراة المشرك؛ لأن المشركين لا يتنزهون من النجاسات، فمن يلامسهم لا يسلم من أن يناله شيء مما فيهم من النجاسات؛ لأنه يدفن على هيئته دون أن يغسل، فيكون ما فيه من نجاسة قد يعلق, أو قد يصل إلى من واراه ومن لامسه شيء من ذلك.وفي الحديث: أن أبا طالب مات مشركاً، ولم يكن من المسلمين، وقد كان على الكفر إلى نهاية أمره، وهذا الحديث دال على موته على الشرك، ومما يدل على موته على الشرك الحديث الآخر الذي في الصحيحين: (أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه وقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، وكان عنده بعض المشركين، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعاد، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب)، ومات على ذلك، فهذا أيضاً مما يدل على موته على الشرك وعلى الكفر.وحديث علي هذا أيضاً كذلك، وهذا هو الثابت المشهور الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة، والرافضة يقولون: إنه مات مسلماً، وفيهم من ألف مؤلفاً في إسلام أبي طالب، وأنه مسلم، وقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، وقال: إنه لا يثبت من ذلك شيء، بل كل ما فيه لا قيمة له، والذي ثبت وصح هو كونه مات على الشرك.ومن المعلوم أن الرافضة الذين يزعمون أن أبا طالب مات على الإسلام، يقابلون ذلك بأن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، الذين هم طليعة المسلمين، وهم الرعيل الأول، وهم خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين، وهم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أنهم كفار، ولا يستثنون من التكفير إلا العدد القليل، ويقولون: إنهم ارتدوا بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام! وأنهم ظلموا! وأنهم أخذوا الحق الذي لا يستحقونه! وأن الحق كان لعلي رضي الله عنه وأرضاه، ومن المعلوم: أن علياً رضي الله عنه وأرضاه معروف بالشجاعة، ومعروف بالكلام بالحق، ومع ذلك لما حصل ما حصل، ما قال: إنني أنا الوصي، وأنا الخليفة، وأنكم أخذتم حقي، ما قال هذا ولا جاء عنه. فقولهم عنهم: إنه ظلم مع سكوته معناه: أنهم وصفوه بأنه جبان، مع أنه الشجاع رضي الله تعالى عنه وأرضاه.فالحاصل أن أبا طالب -كما جاء في هذا الحديث- مات مشركاً, ولم يكن من المسلمين، وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: إن أعمام النبي صلى الله عليه وسلم الذين أدركهم الإسلام أربعة. وهم: العباس، وحمزة رضي الله عنهما، وأبو لهب، وأبو طالب، فاثنان منهما أكرمهم الله عز وجل بالإسلام، واثنان منهما خذلا, فلم يكونا من المسلمين؛ وأبو لهب أنزل الله تعالى فيه سورة تتلى، وأبو طالب ثبتت الأحاديث بموته على الشرك.ثم قال الحافظ ابن حجر: ومن عجيب الاتفاق أن الذين أسلموا، أسماؤهم تناسب أسماء المسلمين؛ لأن هذا حمزة والعباس، والذين ماتا كفاراً، أسماؤهم ليست أسماء إسلامية، ومما يقره الإسلام؛ لأن أحدهم: عبد العزى، والثاني: عبد مناف، وهما مشهوران بكنيتيهما، فهما معبدان لغير الله، فقال: إن أعمام الرسول صلى الله عليه وسلم الذين أدركهم الإسلام اثنان اللذان أسلما، وأسماؤهم تماثل أسماء المسلمين، وتناسب أسماء المسلمين؛ العباس، وحمزة، وأما الآخران اللذانِ لم يسلما فأحدهما: عبد العزى، والثاني: عبد مناف.

    تراجم رجال إسناد حديث علي في الغسل من مواراة المشرك

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].هو: الملقب بـالزمن، محمد بن المثنى العنزي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة.[عن محمد].هو ابن جعفر الملقب: غندر، وهذا هو محمد الذي لم ينسب هنا؛ لأنه معروف بالرواية عن شعبة، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار مكثران من الرواية عنه , وهو من الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني شعبة].شعبة هو ابن الحجاج , الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهذه من أعلى مراتب التعديل؛ ومن أعلى صيغ التعديل، أن يوصف الشخص بأنه أمير المؤمنين في الحديث، والذين وصفوا بأنهم أمراء المؤمنين في الحديث قلة، وعددهم قليل، جمعهم محمد الحبيب الشنقيطي في منظومة الذين يلقبون بوصف أمير المؤمنين في الحديث، ومنهم: شعبة، ومنهم: سفيان الثوري، ومنهم: معن بن عيسى، ومنهم عدد, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق]. أبو إسحاق هو: السبيعي عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت ناجية بن كعب].وناجية بن كعب ثقة، وحديثه عند أبي داود , والترمذي، والنسائي.[عن علي].علي رضي الله تعالى عنه، هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب أهل الشورى الستة, الذين جعل الأمر إليهم عمر بعد وفاته رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ ليختاروا خليفة منهم، وهو ابن عم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصهره زوج ابنته فاطمة، ومناقبه جمة كثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    وجوب الغسل إذا التقى الختانان

    شرح حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان.أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت الحسن يحدث عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع, ثم اجتهد، فقد وجب الغسل)].هنا أورد النسائي رحمه الله الغسل عند التقاء الختانين؛ ختان الرجل وختان المرأة.وختان الرجل هو: مكان قطع الغلفة التي على رأس الذكر؛ يعني: مكان القطع. وختان المرأة المكان الذي يكون فيه الخفض، وهو قطع شيء منها. فإذا التقى الختانان، ثم جهدها، فقد وجب الغسل.فبمجرد التقاء الختانين، بحيث يلتقي مكان ختانه بمكان ختانها، ثم يجهدها، ويجتهد -وهو كناية عن محاولة الجماع- فإنه يجب الغسل، وإن لم ينزل، فليس بشرط أن ينزل ماءً، وأن يحصل خروج المني، وأن تحصل اللذة، فليس هذا بشرط، بل إذا حصل هذا الأمر الذي أشار إليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإنه يجب الغسل. وقد جاء في بعض الأحاديث: (إنما الماء من الماء)؛ يعني: إن الاغتسال يكون بسبب خروج الماء الذي هو المني، ولكن حديث أبي هريرة رضي الله عنه -الذي معنا- دال على أن الأمر ليس مقيداً بحصول خروج الماء، وإنما يكون بمجرد التقاء الختانين، وإن لم يحصل إنزال وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء. إذاً: إذا التقى الختانان, فإنه يجب الغسل, وإن لم يحصل إنزال، وفي بعض الروايات لهذا الحديث: (وإن لم ينزل)، وهو دال دلالة واضحة على أن الإنزال ليس بشرط، وإنما الأمر الواجب يتحقق بحصول التقاء الختانين، أما إذا حصل الإنزال فإن الغسل واجب، سواء حصل إيلاج، أو حصل التقاء الختانين، أو لم يحصل شيء من هذا، فمتى ما حصل إنزال المني وخروج المني فإن الواجب هو الاغتسال.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل)
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى هو: الصنعاني, وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، وأبو داود في كتاب القدر.[حدثنا خالد].خالد هو ابن الحارث، وكثيراً ما يأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى لا يروي عن خالد بن الحارث، وخالد بن الحارث ثقة, حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].شعبة هو ابن الحجاج الذي مر ذكره في الإسناد السابق.[عن قتادة].قتادة هو ابن دعامة السدوسي، أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت الحسن].الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو من ثقات التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[يحدث عن أبي رافع].أبو رافع هو نفيع الصائغ المدني، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة، هو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، ويأتي ذكره كثيراً في رواة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أبي هريرة وعن الصحابة أجمعين.
    شرح حديث: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل) من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا عيسى بن يونس حدثنا أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قعد بين شعبها الأربع, ثم اجتهد, فقد وجب الغسل).قال أبو عبد الرحمن: هذا خطأ، والصواب: أشعث عن الحسن عن أبي هريرة وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل وغيره كما رواه خالد].هنا أورد النسائي رحمه الله حديث أبي هريرة من طريق أخرى، وهو بمعنى لفظ الحديث المتقدم، وبلفظه متفق معه: (إذا جلس بين شعبها الأربع, ثم جهدها, فقد وجب الغسل). قوله: (إذا جلس بين شعبها) أي: بين شعب المرأة، وشعبها أقرب ما قيل فيها: أنهما يداها ورجلاها؛ بمعنى: أنه علاها وجهدها في الجماع، وإن لم يحصل إنزال, فإنه يجب الغسل بمجرد حصول ذلك؛ لكونه يحصل منهما التقاء الختانين، ويصير محاولة فعل الجماع، فبمجرد حصول ذلك يجب الغسل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قعد بين شعبها الأربع ثم اجتهد فقد وجب الغسل) من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني].هو: إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق الجوزجاني، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي.[حدثني عبد الله بن يوسف].عبد الله بن يوسف هو التنيسي، وهو ثقة, ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا عيسى بن يونس].هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة, مأمون، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أشعث بن عبد الملك].هو: أشعث بن عبد الملك، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.[عن ابن سيرين].هو محمد بن سيرين، أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة هو الصحابي راوي الحديث الذي قبله.ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا خطأ، والصواب: عن أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، يعني: أنها ليست من رواية محمد بن سيرين، وإنما هي من رواية أشعث عن الحسن عن أبي هريرة.لكن يبقى مع هذه الرواية التي صوبها النسائي وقال: إنها الصواب، أن الحسن مختلف في سماعه من أبي هريرة، والمشهور أنه لم يسمع منه، لكن لا يضر ذلك هذا الحديث شيئاً؛ لأن الرواية المتقدمة فيها رواية الحسن من طريق أبي رافع عن أبي هريرة.فإذاً: تكون هذه الرواية التي ذكرها النسائي هنا، وقال: إن الصواب أنه من رواية أشعث عن الحسن عن أبي هريرة، والتي فيها الانقطاع، أو تحتمل الانقطاع تكون متابعة، وليس العمل ولا الاعتماد عليها؛ لأن الحديث ما جاء من هذا الطريق وحده، بل جاء من طريق موصولة، ومن طريق فيها احتمال الانقطاع، فإذاً: هذه تكون من قبيل المتابعات، ومن قبيل ما له أصل ثابت، وهو وجوده عن طريق الاتصال؛ وجوده متصلاً، ولهذا خرجه البخاري، ومسلم؛ يعني: هذا الحديث الذي هو من الطريق الأولى.ثم قال: وقد روى الحديث عن شعبة النضر بن شميل، وغيره, كما رواه خالد؛ يعني: الطريق الأولى التي فيها ذكر: شعبة عن الحسن، عن قتادة، عن أبي رافع عن أبي هريرة، يعني: أن النضر بن شميل، وغيره رووه عن شعبة كما رواه خالد؛ يعني: كالرواية المتقدمة، وعلى هذا تكون الرواية الأولى هي المحفوظة التي فيها وجود أبي رافع بين الحسن وبين أبي هريرة.وأما النضر بن شميل الذي جاءت الإشارة إليه, أو جاء ذكره في كلام النسائي، فهو ثقة، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
    الأسئلة

    الحكم على الحديث أنه على شرط الشيخين

    السؤال: متى يحكم على الحديث أنه على شرط الشيخين؟ نرجو التفصيل في ذلك؟الجواب: كونه على شرط الشيخين يعني: أن رجاله رجال الشيخين، هذا إذا جاء بإسناد يماثل إسناد البخاري , ومسلم، ورجاله هم الرجال، فإنه يحكم له بالصحة؛ يعني: إذا كان على شرطهما؛ أي: رجاله رجالهما، ولهذا في كلام الحاكم في المستدرك على الصحيحين، عندما يقول: على شرط الشيخين، يتعقبه الذهبي، فيقول: إن فلاناً ما روى له البخاري، وفلان ليس من رجال مسلم، يعني: أن كلام صاحب المستدرك ليس بدقيق، مع أنه قال: على شرط الشيخين، وفيه فلان, ولم يخرج له البخاري شيئاً، أو فيه فلان، ولم يخرج له مسلم، فالمقصود بشرط الشيخين: ما كان رجاله رجالهما, ولم يخرجها.ولهذا مراتب الصحيحين بالنسبة للصحيحين وغيرهما سبع مراتب: ما اتفق عليه البخاري، ومسلم، ثم من انفرد به البخاري عن مسلم، ثم من انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، ثم ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه، ثم ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه، ثم ما لم يكن على شرطهما لا اجتماعاً ولا انفراداً، فهذه سبع مراتب للحديث الصحيح بالنسبة لتخريج الشيخين وعدم تخريجهما.

    بيان حال الحسن البصري رحمه الله في التدليس

    السؤال: نرجو بيان حال الحسن البصري في التدليس، وهل سمع من أحد الصحابة؟الجواب: الحسن البصري معروف بالتدليس والإرسال، نعم هو سمع من بعض الصحابة، وهناك عدد من الصحابة اختلف في سماعه منه، فـالحسن سمع من بعض الصحابة، بلا شك، وسمع من بعضهم على اختلاف، وفي بعضه ترجيح السماع، وفي بعضه ترجيح عدم السماع.

    ما يلزم على من يترك سنة المغرب لحضور الدرس

    السؤال: رأيت كثيراً من طلبة هذا الدرس يأخذون أماكنهم بعد الصلاة مباشرة، ولا يصلون السنة الراتبة بعد المغرب، فما رأي فضيلتكم في هذا العمل؟الجواب: سنة المغرب وقتها من المغرب إلى العشاء، والطلاب الذين يجلسون في أخذ أماكنهم لحضور الدرس، ولا يصلون بعد الصلاة مباشرة سنة المغرب، عليهم ألا يتركوها بعد فراغ الدرس، وإذا كان فيه احتمال أنها تنسى أو تترك فإن على الإنسان أن يبادر إليها، وبحمد الله لن يفوت الدرس، ما دام مكبر الصوت موجود، فسواء أدرك المكان القريب أو لم يدركه؛ لأن السماع حاصل بحمد الله.

    الحسن البصري وتدليس التسوية

    السؤال: هل ثبت عن الحسن البصري أنه كان يدلس تدليس التسوية؟الجواب: لا أعرف أن الحسن البصري يدلس تدليس التسوية، بل إن تدليس التسوية يكون لمن يكون أمامه، ثقات وضعاف، فيحذف الضعاف, ويجمع بين الثقات، أما الحسن البصري، فهو من التابعين، والأسانيد أمامه ليس فيها مجال لذكر الأعداد، فأنا لا أعرف شيئاً عنه حول تدليس التسوية.السؤال: لماذا قال: كثير الإرسال؟الجواب: لا أدري.

    حكم القدح في الصحابة فيما كان قبل الإسلام

    السؤال: كما هو معلوم بأن القدح في الصحابة لا يجوز، ولكن هناك أشعار فيه الهجاء للصحابة، قيلت في حقهم قبل إسلامهم، كما في هجاء حسان بن ثابت لـأبي سفيان رضي الله عنهما، فهل يصح ذكر هذه الأشعار الآن؟الجواب: إذا ذكرت هذه الأشعار على اعتبار أن هذا من شعر حسان، وأنه قاله قبل أن يسلم أبو سفيان، وعرف حال أبي سفيان، وترضي عليه، فذكر ذلك لا يؤثر؛ لأن هذا شيء مدون، لكن لا ينقدح في ذهن الإنسان حصول الذنب بعد الإسلام؛ لأن الإسلام يجب ما قبله كما جاء ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، في حديث عمرو بن العاص، لما أراد أن يسلم، فمد يده للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما مد يده للنبي صلى الله عليه وسلم قبضها، فقال: (ما لك يا عمرو، فقال: أردت أن أشترط، قال: وماذا تشترط، قال: قلت: أن يغفر لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله)، يعني: إذا ذكر الشيء على اعتبار أن هذا كان في الجاهلية. ومن المعلوم أن أبا سفيان عنده أمور كانت في الجاهلية تحكى لبيان عظم فضل الله عز وجل على الإنسان، وأنه كان في حال جاهليته على وضع سيئ، ثم تحول إلى وضع حسن.وهذا كما يقال عن عمر بن الخطاب أنه كان في جاهليته شديداً على المسلمين، ثم تحول شدته على الكفار في جانب المسلمين، وهذا بيان حاله، أما إذا ذكرت من أجل الرغبة في هجائه، أو النفس فيها شيء عليه، فهذا لا يجوز؛ لأن الواجب أن تكون القلوب مليئة بحب أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، والألسنة رطبة بذكرهم؛ بالثناء الجميل اللائق بهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    مكان وجود أبيات رثاء قيس بن عاصم رضي الله عنه

    السؤال: ذكرتم بالأمس أنه لما مات قيس بن عاصم رضي الله عنه رثاه عبدة بن الطيب بقصيدة فأين نجد نفس هذه القصيدة؟الجواب: ذكر في تهذيب التهذيب أن عبدة بن الطيب رثاه، وذكر البيت الأول، الذي هو مطلعها، وبعضهم يذكر غيرها، لكن أشهرها البيت الذي ذكرته، والذي يعتبر بمثابة المثل، الذي يتذكر عند المناسبات.وما كان قيس هلكه هلك واحدولكنه بنيان قوم تهدمافيمكن معرفة هذه القصيدة بالرجوع إلى مصادر ترجمة قيس بن عاصم رضي الله عنه، ويمكن الوقوف عليها أو على بعضها.

    حكم جهالة الصحابي

    السؤال: متى تضر جهالة الصحابي؟الجواب: لا تضر جهالة الصحابي، فالمجهول منهم في حكم المعلوم؛ لأنهم كلهم عدول، فهذا السؤال ليس بدقيق، والجواب لا يطابق السؤال؛ لأن السؤال بمتى؛ يعني: أن هناك حالة تكون جهالة الصحابي تضر؛ ولكن جهالة الصحابي لا تضر مطلقاً، بدون تفصيل.

    الفاصل والحاجز بين الرجال والنساء في المساجد

    السؤال: قال بعض أهل العلم: إن الحواجز التي تكون في بعض المساجد؛ لستر النساء على الرجال أنها من البدع، أو إنها من الحدث؛ فما رأيكم؟الجواب: وجود حواجز، ووجود محل يفصل النساء، هذا لا يقال: إنه من البدع، بل هذا من المقاصد الطيبة، ومن الأمور الحسنة التي يكون فيها ابتعاد النساء عن الرجال، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (خير صفوف الرجال أولها, وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها)، فوجود شيء يفصل النساء عن الرجال، ولا سيما بعد ما حصل التهاون من كثير من النساء في تكشفهن, وعدم اكتراثهن بالحجاب، وما يحصل بسبب ذلك من الفتنة، فهذا لا يقال له: إنه من البدع، بل هذا من الأمور الطيبة، ومن الأمور المستحسنة.

    حكم الخطوط التي في الصفوف في الصلاة

    السؤال: بعض الناس يقول: إن الخيوط التي تلصق على بعض فرش المساجد لتسوية الصفوف أيضاً من الحدث يقصد؟الجواب: نعم، كون الناس يعملون خيوطاً يلصقونها على الفراش هذا لا يصلح؛ لأن هذا مثل الذي يعمل خطاً في الأرض, ويطلب من الناس أن يقفوا عليه، وإنما يسوى بين الصفوف؛ يتقدم ويتأخر بدون أن يكون هناك خطوط، لكن مثلاً: هذه الفرش الجديدة التي يكون فيها خطوط من نفس الفراش، وفيه لون يغاير اللون، وبه يعرف أماكن الصفوف، فهذا لا بأس به، لكن كونه يؤتى بتلصيق شيء يكون فيه في الغالب وجود الذي يلصق به فينتزع , ثم يشوش على الناس، بحيث يعلق بأرجلهم فهذا لا يصلح, ولا ينبغي، لكن إذا وجد فرش قد حيكت ونسجت على أساس أنها شكلان؛ شكل على تحت الأرجل، وشكل آخر ما يكفي بينه وبين الصف الذي أمامه، فهذا لا بأس به، ولا مانع منه.

    الطريقة التي يمكن بها معرفة البدعة

    السؤال: ما هي الطريقة التي يمكن بها معرفة البدع في مثل هذه الأشياء؟الجوال: الطريقة التي يعرف بها معرفة البدع: هو وجود أمور محدثة في الدين، مما لم يكن عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما كون الفرش كما ذكرتَ، يكون فيها مثل هذا لا بأس به، ولا مانع منه، لكن الممنوع هو كونه الناسجون يأتون الأرض, يخطون فيها خطوطاً، ويقولون: قف على هذه الخطوط، أو يعملونه في شيء يلصقونها على الفرش، ويترتب على ذلك مضرة.

    وعظ الناس بالموت بطريقة جديدة

    السؤال: رجل يريد أن يعظ الناس ويذكرهم بالموت، ولكنه يريد أن يأتي بطريقة، وبأسلوب جديد، وهو أن يأتي في أثناء هذا المجلس بسرير، وبإنسان يلبسه أقفالاً، ويقوم بعض الأشخاص بعملية تكفين هذا أمام الناس، وهذا الواعظ يعظ الناس بهذا في هذه الأثناء عن الموت، وما يتعلق به من طريقة التكفين, ونحو ذلك، يقول: هل هذا العمل يعتبر من البدع؟الجواب: الحقيقة أن العمل هذا لا حاجة إليه، كونه يؤتى بإنسان ويمد على سرير، ويعمل له لفائف، ويوضع عليها ويلف عليها بثلاث لفائف بيض، ويجمع بعضها على بعض، وتربط بحيث أنه لا يخرج شيء.وهذه الطريقة يمكن أقول أنها من جماعة التمثيليات الذين يعنون بالتمثيل، وأن كل شيء يمشي على طريقة التمثيل، وأن الدعوة تأتي عن طريق التمثيل؛ لأن أعداءنا صاروا يمثلون ونحنا نمثل أيضاً مثلهم. (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، فحتى لو مثلوا فنحنا نمثل.

    حكم تمثيل الموت

    السؤال: هل تمثيل الموت يعني جائز؟الجواب: التمثيل كله من أوله إلى آخره غير جائز.
    ضرورة انقطاع الودي قبل الشروع في الاستنجاء منه
    السؤال: الطهارة بالاستنجاء من الودي، هل يلزم التبول بعده لينقطع الودي، أم نتوضأ بعد الاستنجاء، ونصلي؟الجواب: الأصل ألا يكون الاستنجاء إلا بعد انقطاع الخارج؛ لأن من شرط الاستنجاء انقطاع الخارج، سواء إن كان بولاً أو غير بول، أما كونه يستنجي والخارج لا يزال خارج، فلا ينفع الاستنجاء؛ لأنه يحتاج إلى إعادة الاستنجاء. فمن شرط الاستنجاء انقطاع الموجب؛ يعني: كونه من شرط الوضوء، وكون الإنسان يتوضأ، لابد أن ينقطع الموجب، أما كونه يستنجي، والبول لا يزال يخرج، أو الودي لا يزال يخرج، أو المذي لا يزال يخرج، فإن ذلك لا يعتبر استنجاء؛ لأنه مثل الذي يستنجي في أثناء البول.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #67
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (65)


    - باب الغسل من المني - باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل

    لقد فرق الشرع بين المني والمذي؛ فرتب الغسل على خروج المني بجماع أو احتلام ورتب الوضوء على خروج المذي وغسل أثره من الجسد، وهذه الأحكام يستوي فيها الرجل والمرأة.
    الغسل من المني

    شرح حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الغسل من المني.أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر واللفظ لـقتيبة، قالا: حدثنا عبيدة بن حميد عن الركين بن الربيع عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: كنت رجلاً مذاءً، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك وتوضأ وضوءك للصلاة، وإذا فضخت الماء فاغتسل)].يقول النسائي رحمه الله تعالى: الغسل من المني. أي: من خروج المني، فإن هذا مما يوجب الغسل، وذلك غسل من الجنابة، وقد أورد النسائي رحمه الله تعالى فيه حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام أفتاه بأنه في حال حصول المذي منه أنه يغسل ذكره ويتوضأ، وإذا فضخ الماء، فإنه يغتسل، والمقصود من فضخ الماء هو حصول الدفق، وخروج المني، فإن هذا هو الذي يوجب الغسل، والحديث فيه: بيان حكم المذي، وحكم خروج المني، فالمذي نجس، وهو ناقض للوضوء، وعليه أن يتطهر من الحدث الأصغر بأن يتوضأ، ويستنجي قبل ذلك بأن يغسل ذكره وما أصابه المذي؛ لأنه نجس، وقد تقدم هذا في باب مستقل، وفي هذا الحديث زيادة، وهي الشاهد للترجمة، وهي: الاغتسال عند خروج المذي؛ لأن الخارج مذي ومني، فالمذي ينقض الوضوء، ويلزم منه الوضوء، والمني يحصل به الحدث الأكبر، ويلزم منه الاغتسال. وقد مضى في الأحاديث السابقة أن علياً رضي الله عنه وكل المقداد بن الأسود في السؤال عنه، وذلك لاستحيائه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته منه؛ لكونه صهره؛ زوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وهذا الذي جاء في هذا الحديث مبني على أساس أن المقصود هو: أنه سأله بواسطة، ولم يكن مباشرة؛ لأنه أوصى غيره أن يسأل، وبيّن سبب عدم إقدامه على السؤال.فإذاً: ما جاء في هذا الحديث مبني على ما جاء في تلك الأحاديث، وأن ما أخبر به عن نفسه إنما هو باعتباره فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له؛ لأنه صاحب الحاجة وصاحب المسألة التي احتاج إلى السؤال فيها، ولمكان ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم منه استحيا من أن يواجهه بهذا السؤال، فأناب غيره بالسؤال عنه وأجيب، والغالب أن ذلك كان بحضرته، يعني: بحضرة علي رضي الله عنه، ولهذا فإن أصحاب الكتب عدوا هذا من مسند علي، لأنه على الاعتبار بأنه حضر القصة، وأنه سمع ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يكن هو الذي وجه السؤال، وصدر منه السؤال مباشرةً إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.إذاً: فخروج المني من الإنسان -رجل أو امرأة- يوجب الغسل من الجنابة، وهذا هو معنى قوله: [(إذا فضخت الماء فاغتسل)].

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فاغسل ذكرك ... وإذا فضخت الماء فاغتسل)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد وعلي بن حجر].قتيبة بن سعيد هو الذي تكرر ذكره كثيراً، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وأما علي بن حجر فهو السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[قالا: حدثنا عبيدة بن حميد].عبيدة بن حميد هذا سبق أن مر ذكره، وهو صدوق ربما أخطأ، وخرج حديثه البخاري والأربعة.[عن الركين بن الربيع].الركين بن الربيع هو: أبو الربيع، فكنيته توافق اسم أبيه، وهو ثقة، خرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حصين بن قبيصة].حصين بن قبيصة ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن علي].علي رضي الله تعالى عنه، هو أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد أصحاب الشورى الستة الذين وكل الأمر إليهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، وأبو الحسن والحسين رضي الله تعالى عن الجميع، وقد مر ذكره فيما مضى من الأحاديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد أنبأنا عبد الرحمن عن زائدة ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم واللفظ له حدثنا أبو الوليد حدثنا زائدة عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري عن حصين بن قبيصة عن علي رضي الله عنه أنه قال: ( كنت رجلا مذاءً، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إذا رأيت المذي فتوضأ واغسل ذكرك، وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل )].أورد النسائي حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وهي مثل التي قبلها، ومنها فتوى رسول الله صلى الله عليه وسلم له بأنه إذا أصابه المذي يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة، وإذا فضخ الماء، أي: دفقه وأنزله، فإنه يغتسل من الجنابة.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رأيت المذي فتوضأ ... وإذا رأيت فضخ الماء فاغتسل)
    قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].عبيد الله بن سعيد هذا تقدم ذكره فيما مضى، وهو ثقة، مأمون، سني؛ لأنه أظهر السنة في بلاده سرخس، وأخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.[أنبأنا عبد الرحمن].عبد الرحمن هو ابن مهدي، الإمام المعروف، الحجة، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة].وهو زائدة بن قدامة الثقفي، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ح، وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم].أتى بـ (ح) التحويل وقال: (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، (ح) التحويل المقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، عندما يذكر إسناداً ويقطع فيه مسافة من حيث ذكر بعض الرجال، يعود فيستأنف ويذكر إسناداً آخر، فيبدأ من شيخ من شيوخه، ثم يستمر حتى يتلاقى مع الإسناد الأول، فهنا يؤتى بـ (ح) الدالة على التحويل، وهذا هو معناها، وذكرت فيما مضى: أن النسائي كـالبخاري يستعملانها بقلة؛ فلا يحتاجان إلى استعمالهما بكثرة، بخلاف مسلم الذي يجمع الأحاديث في مكان واحد، فيكثر منه التحويل، وبين البخاري، ومسلم بون شاسع في استعمال التحويل وعدمه، والسبب في ذلك ما ذكرته؛ لأن الحديث الذي يأتي بطرق متعددة يفرقون تلك الطرق على الأبواب، ولكنهما أحياناً يجمعان بعض الطرق، فيحصل بذلك استعمال التحويل كما هنا، وكما سبق أن مر في مواضع عديدة. وإسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت إمام، وهو من المحدثين ومن الفقهاء، معروف بالفقه ومعروف بالحديث، وخرج حديثه أصحاب الكتب إلا ابن ماجه .[حدثنا أبو الوليد].أبو الوليد، هو هشام بن عبد الملك الطيالسي، وهو ثقة ثبت إمام، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا زائدة].وهنا حصل الالتقاء في الأسانيد، يعني: خرج من النسائي إسنادان، إسناد فيه: عبيد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن مهدي، وإسناد آخر فيه: إسحاق بن إبراهيم عن أبي الوليد الطيالسي، ثم التقيا عند زائدة، ثم استمر بعد ذلك إلى نهايته، فهما طريقان استعمل فيهما التحويل، وحصل التقاء الطريقين عند زائدة بن قدامة، وعند ذلك التقى الإسنادان المتقدم والمتأخر عن زائدة عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي. [عن الركين عن حصين بن قبيصة عن علي].الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، وحصين بن قبيصة، وعلي رضي الله تعالى عنه قد مر ذكرهم.
    غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل

    شرح حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( أن أم سليم رضي الله عنها، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ قال: إذا أنزلت الماء فلتغتسل )].أورد النسائي رحمه الله تعالى هذه الترجمة: غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل، يعني: من الاحتلام، وأنه يلزمها الغسل من الجنابة كما يلزم الرجل، وقد أورد فيها النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن أمه أم سليم رضي الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: [(إذا أنزلت الماء فلتغتسل)]، فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاب هذه الصحابية رضي الله عنها وأرضاها، بأن المرأة عليها أن تغتسل، لكن بشرط إنزال الماء، فإذا حصل إنزال ماء؛ وهو المني فعند ذلك يلزمها الاغتسال كما يلزم الرجل. إذاً: فالذي يرى في منامه أنه حصل منه جماع، ولكنه لا يجد ماءً، ولا يجد أثر ذلك على ثوبه وعلى جسده لا يلزمه شيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قيد ذلك بإنزال الماء الذي هو المني، فإذا حصل الإنزال ووجد ذلك على الثياب وعلى الجسد فعند ذلك يلزم الغسل.إذاً: المعتبر في الاغتسال في حال الاحتلام هو خروج الماء؛ لأن الحكم منوط بخروجه. وهذا فيه بيان ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم من الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وأنهم يسألون عن كل ما يحتاجون إليه في أمور دينهم، ولا يمتنعون من ذلك، ولا يستحيون من أن يسألوا عن أمور دينهم، ولو كان ذلك من الأمور التي في النفس منها شيء، فهي سألت مثل هذا السؤال في حضرة الرجال، وهو مما يستحيا منه في حق النساء، ومع ذلك فلم يمنعهن ذلك من التفقه في دين الله عز وجل، ومن الحرص على معرفة الأحكام الشرعية، وهذا فيه الدليل الواضح على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقوا عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم الحق والهدى، وأدوه إلى من بعدهم، وأنهم سمعوا منه وتلقوا منه ورأوا حركاته وسكناته، فنقلوا ذلك، واتبعوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودلوا غيرهم إلى هذا الهدى، وأرشدوهم إلى طريق السلام والنجاة، فالخير كل الخير باتباع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والسير على ما سار عليه سلف هذه الأمة، الذين هم خير هذه الأمة، وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ما كان ولا يكون مثلهم؛ لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الواسطة بيننا وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام، ونحن ما عرفنا القرآن والسنة إلا عن طريق الصحابة، فلهم فضل عظيم علينا، ولا سبيل للمسلمين في الوصول إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ومن لم يأخذ دينه، ويأخذ عقيدته، ويأخذ أحكامه التي يتعبد الله عز وجل بها عن الصحابة الكرام، وعمن سار على منهاجهم فإنه حاد عن الجادة، وضل الضلال المبين، وترك الحق والهدى، وابتعد عنه واتبع غير سبيل المؤمنين؛ لأن الله تعالى اختار لرسوله صلى الله عليه وسلم أصحاباً أوجدهم في زمانه، وخصهم الله تعالى بهذا التكريم، وبهذا التشريف، فهم الذين شرفهم الله بالنظر إلى طلعته في هذه الحياة الدنيا، وسمعوا كلامه منه عليه الصلاة والسلام.إذاً: فهذا السؤال من أم سليم رضي الله تعالى عنها، وهو من الأمور التي يستحيا منها، وتستحي النساء أن تتكلم بها بحضرة الرجال، ومع ذلك لم يمنعهن الحياء من أن يتفقهن في الدين، بل سألن عن أمور دينهن، ولو كان ذلك مما يستحيا منه.ولما كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحته ابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لما كان هذا التقارب في المصاهرة استحيا من أن يواجه الرسول صلى الله عليه وسلم بالسؤال، ولكنه لم يمتنع ولم يترك أن يتعرف على الحكم الشرعي؛ فأناب غيره ليتولى ذلك، وحصل مقصوده، وحصل للأمة معرفة الحكم الشرعي بهذا السؤال الذي استحيا علي رضي الله عنه وأرضاه أن يسأل عنه.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في غسل المرأة إذا أنزلت الماء

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم وهو: الحنظلي، المشهور بـابن راهويه، وكما قلت فيما مضى: المحدثون يقولون: راهويه، وأما أهل اللغة فيقولون: راهويه، فيختمون بويه، وهو إمام، فقيه، محدث، خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[حدثنا عبدة].عبدة، هو ابن سليمان الكلابي، وهو ثقة ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد].سعيد هو ابن أبي عروبة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن قتادة].قتادة هو: ابن دعامة السدوسي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أنس].وهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من صغار الصحابة، خدم رسول الله عليه الصلاة والسلام عشر سنين، ونقل عنه الحديث الكثير، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق سبعة، وأنس واحد منهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته حيث قال: والمكثرون من رواية الأثرأبو هريرة يله ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّفأكثرهم على الإطلاق: أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، ومنهم: أنس بن مالك الذي معنا، والبحر أو الحبر الذي هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، والخدري هو: أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله تعالى براءتها في آيات تتلى في سورة النور، وهي الصحابية الوحيدة التي تعتبر أكثر النساء رواية للحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    شرح حديث أم سليم في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثانية

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا كثير بن عبيد عن محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري عن عروة أن عائشة رضي الله عنها أخبرته: ( أن أم سليم رضي الله عنها كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة جالسة، فقالت له: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، أرأيت المرأة ترى في النوم ما يرى الرجل، أفتغتسل من ذلك؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قالت عائشة: فقلت لها: أف لك! أوترى المرأة ذلك؟! فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تربت يمينك، من أين يكون الشبه؟!)]. ثم أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها كانت عند رسول الله عليه الصلاة والسلام فجاءت أم سليم تسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن المرأة ترى ما يرى الرجل في منامه، هل لها أن تغتسل؟ قال: (نعم)، فعند ذلك قالت عائشة: أف لك! أو ترى المرأة ذلك؟! كأنها تستبعد أن يكون ذلك من النساء، وفيه: إشارة إلى أن ذلك قليل في النساء، أو أنه موجود ولكن لا يحصل ذكره بين النساء؛ لما يحصل من ذلك من الاستحياء بينهن، ولكن الذي ألجأ إلى ذكر هذا هو التفقه في دين الله عز وجل، ولهذا جاءت أم سليم تسأل، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها تتعجب، أو تستبعد أن يكون ذلك؛ لأنها ما عرفت ذلك من نفسها، وما حصل لها شيء من هذا، ولهذا قالت: أو ترى المرأة ذلك؟! فعند ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (تربت يمينك)، وهذه كلمة تقال لا يقصد منها الدعاء على من قيلت له، وإنما فيها زجر، وفيها تنبيه ولفت النظر إلى شيء، وهو: أن هذا لا ينبغي أن يُستغرب منه؛ لأن هناك شيء يدل على حصول ذلك مما أجراه الله عز وجل، وفي خلق الله سبحانه وتعالى.ولهذا قال: (مما يكون الشبه؟)، يعني: أن ماء الرجل وماء المرأة يلتقيان، وإذا غلب أحدهما، فإنه يكون الشبه لأحدهما على الآخر، فقد يشبه المولود أمه وأخواله، وقد يشبه أباه وأعمامه، ولكن قوله: (مما يكون الشبه؟)، يعني: أن هذا ما كان إلا بسبب الماء، وبسبب ما يخرج من المرأة. فإذاً: كون المرأة تحتلم، وكونه ينزل منها ماء، هذا حاصل وواقع، والشبه الذي يكون للغلام بأمه وبأخواله وبأقارب أمه إنما هو من حصول مائها، ولكونها لها ماء، فعند ذلك يكون الشبه، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم بين حصول ذلك ووقوعه.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سليم في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثانية

    قوله: [أخبرنا كثير].وهو كثير بن عبيد، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ولم يخرج له الشيخان ولا الترمذي.[عن محمد بن حرب].هو محمد بن حرب، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الزبيدي].الزبيدي هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة ثبت، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن الزهري].الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات، ومن أوعية العلم، وهو محدث فقيه، وهو الذي قام بجمع السنة، وتدوينها بناءً على تكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة].عروة هو ابن الزبير بن العوام، وهو تابعي جليل من الثقات، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة في عصر التابعين، كان هنالك سبعة فقهاء مشهورون في عصر التابعين، فأهل الفقه وأهل الحديث، كانوا في هذه المدينة المباركة. [أن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي: الصديقة بنت الصديق التي أنزل الله تعالى براءتها مما رميت به في آيات تتلى في سورة النور، وهي من أوعية السنة، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وعن الصحابة أجمعين.
    الأسئلة

    كيفية التمييز بين أهل السنة وأهل البدع والفائدة من ذلك

    السؤال: كيف نرد على من يقول: لماذا هذه التفرقة؛ هذا مبتدع وهذا سني وهذا أشعري وذاك جهمي؟ ويقول: وما أدري أنا، لعل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم سبقانا إلى الجنة. الجواب: نسأل الله العفو والعافية، نقول: هذا سني وهذا مبتدع؛ بناءً على ما قاله الأئمة الثقات الذين يعرفون الرجال، وهم أهل الجرح والتعديل، ومن المعلوم أن هذه هي الطريقة المثلى، والتي لا سبيل سواها ولا طريق سواها في الوصول إلى معرفة الحق، ومعرفة التثبت بالأخبار، وإذا كنا في زماننا هذا عندما نسمع خبراً من الأخبار هل نقبل الخبر من كل من هب ودب ونعتمد عليه، أو أننا نبحث من الذي أتى بهذا الخبر؟ وهل هو ثقة أو غير ثقة؟ هذا الطريق الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء كما شاء، مثل ما قال عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء كما شاء، ومن المعلوم: أن الذي يسبق إلى الجنة هو من يوصف بالالتزام، والسير على منهاج الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ومن سار على منوالهم، هذا هو الذي يسبق إلى الجنة، وهذا هو الذي يكون من أهل الجنة.أما من يحيد عن طريقهم، ويسلك طريقاً غير طريق المؤمنين فإن هذا إن كانت بدعته مكفرة فلا سبيل له إلى الجنة إذا مات على بدعته المكفرة، وإذا كانت بدعته مفسقة، فهذا أمره إلى الله عز وجل إن شاء عفى عنه، وإن شاء عذبه على بدعته التي لم يبلغ بها درجة الكفر.وأما الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم فهما من الجهمية الذين ينفون عن الله عز وجل أسمائه وصفاته، ويصفون الله سبحانه وتعالى بالصفات السلبية التي ينفون عنه كل صفة، والنتيجة أنه لا يبقى وجود لله عز وجل على عقيدتهم. والجهمية عدهم جماعة من أهل العلم أنهم ليسوا من الثلاث والسبعين فرقة الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: ومن هي يا رسول الله! قال: ما كان على ما أنا عليه وأصحابي)، يعني: أن هذه الفرقة ناجية، والفرق الأخرى هم من أمة الإجابة، ولكنهم يستحقون النار، وأمرهم إلى الله عز وجل، ومن كان خارج هذه الفرق الثلاث والسبعين، فهو ليس من المسلمين، فالجمهية عدهم بعض الأئمة خارج الثلاث والسبعين فرقة الذين هم أمة الإجابة.

    عدم غسل الأنثيين عند خروج المذي

    السؤال: إذا خرج المذي، ولم أغسل الأنثيين فهل علي شيء؟الجواب: نعم، إذا خرج المذي، ولم يستنج الإنسان ويغسل ما يمكن أن يكون قد أصابه المذي؛ فإنه لا يكفي، بل لا بد من الغسل، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (يغسل مذاكيره)، يعني: ذكره وما حوله.

    إغلاق مكبرات الصوت الخارجية في المسجد

    السؤال: مضمون سؤاله: أنه يقفل مكبر الصوت عند الدخول في الصلاة.الجواب: إذا كان الصوت قد قصر على ما في داخل المسجد، وكان أسلاك المكبرات تذهب إلى الخارج فقفل مكان الخارج، وكان الصوت من الداخل، أو كان العدد قليلاً وأقفل مكبر الصوت نهائياً، فلا بأس بهذا، لكن إذا لم يكن ما هناك تشويش على مساجد أخرى؛ فإن وجود مكبر الصوت وخروجه شيء طيب؛ لأن فيه فائدة، وهي تنبيه الناس إلى حصول الصلاة، وكونها قائمة، وأن يبادر الإنسان؛ أما إذا كان سيشوش على مساجد قريبة؛ فهذا الأولى أن يقفل حتى لا يحصل التشويش من المصلين بعضهم على بعض؛ لأنها إذا تقاربت قد يقول هنا: الله أكبر، فيكبر الذين وراء هذا الإمام، ويظنون أن هذا التكبير من إمامهم، فيحصل شيء من التشويش.

    المراد بميامن الإمام في صلاة الجماعة

    السؤال: إذا علمنا أن ميامن الصفوف أفضل من الجهة اليسرى، فهل يكون القريب من الإمام بأن يكون خلفه أفضل ممن هو بعيد عن الإمام؟الجواب: على كل، إذا كان خلفه فهو أولى، مادام أنه ورائه، فهو متمكن من الصف، ومعلوم أن بداية الميامن تكون من الإمام ومن على يمنيه، والمياسر تكون ممن على يسار الإمام، ولاشك أن من يكون وراء الإمام هو الأولى، وهو المكان الذي يسبق إليه وينافس عليه، وهو الذي قال فيه الرسول: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

    حكم ثياب من به سلسل المذي

    السؤال: هل يلزم من به سلس مذي أن يغير ملابسه؟الجواب: إذا كان هذا شيء مستمر فهو مثل سلس البول تماماً، يعامل كما يعامل من به سلس البول، ومن المعلوم أن من به سلس البول لا يلزمه أن يغير باستمرار؛ لأنه لو غير ينزل الشيء وهو في طريقه إلى المسجد، أو وهو في الصلاة أيضاً.

    ما يلزم من احتلم ورأى على ثوبه بولاً ولم ير المني

    السؤال: هل من احتلم ثم قام ورأى البول، ولم ير المني يلزمه الاغتسال من الجنابة؟الجواب: لا يلزمه الاغتسال إذا كان الذي رآه بولاً، والاغتسال إنما يكون من الجنابة وليس من البول، ومن المعلوم أن هناك فرقاً بين البول وبين المني، فالمني شيء والبول شيء آخر، فالذي يرى بولاً ولا يرى منياً، وهو من عادته أن يبول في فراشه، فهذا لا يلزمه الاغتسال.
    مدى ثبوت أن كل واحد من السبعين ألفاً معه سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب
    السؤال: هل ثبت أن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب يكون مع كل واحد منهم سبعون ألفاً؟الجواب: الله أعلم، لا أدري.

    ترك الرقى والاكتواء طمعاً في الدخول مع السبعين ألفاً

    السؤال: إذا كان الإنسان ممن يسترقي ويكتوي، وبعد ما علم بهذا الحديث ترك الاسترقاء والاكتواء؛ طمعاً في أن يدخل مع هؤلاء السبعين، فهل يمكنه ذلك؟الجواب: أقول: أمر ذلك إلى الله عز وجل، ومن المعلوم أن الإنسان إذا حصل له دخول الجنة إذا وفقه الله عز وجل لدخول الجنة فذلك مكسب عظيم، ومغنم كبير، سواءً كان مع السبعين ألفاً، أو بعد السبعين، المهم أن يحرص أن يكون من أهل الجنة، وذلك بالأعمال الصالحة، وإذا وفقه الله عز وجل بأن يكون من هؤلاء، بأن حرص على الأعمال التي يتصفون بها فلا شك أن هذا أكمل وأفضل، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، هذه صفاتهم، فكون من فعل ذلك وتنبه بعد هذا وترك، فيرجى أن يكون من هؤلاء؛ لأن قول: (هم الذين لا يسترقون)، يعني: كأنه ليس من عادتهم، وليس من طبيعتهم.

    إلحاق وصف المحادة لله ولرسوله بمرتكب الكبائر والصغائر

    السؤال: من يعمل كبائر الذنوب أو صغائرها، هل يعتبر ممن حاد الله ورسوله؟ أم أن المحادة لله ورسوله لا تكون إلا بالكفر؟الجواب: المحادة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام هي في الغالب إنما تأتي في حق الكفار، لكن كما هو معلوم أن الوقوع في كبائر الذنوب أن فيها عدم التعظيم لله عز وجل، وعدم الاستحياء منه، وكذلك الصغائر إذا أصر عليها، وأما بدون الإصرار عليها، فالأمر يختلف؛ لأنها تكفرها الأعمال الصالحة، كما جاءت بذلك الأحاديث، وكما جاء بذلك القرآن: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، ففعل الحسنات مع اجتناب الكبائر تكفر معه الصغائر، ولكن الصغائر إذا أصر عليها فإنها تلتحق بالكبائر، كما جاء عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار) يعني: أن الكبيرة إذا حصلت من الإنسان، وتاب منها وندم وخجل، وصار يتذكر هذا الذنب الذي حصل منه فيتألم فإن هذه الكبيرة تتضاءل حتى تتلاشى وتضمحل، وعلى العكس من ذلك، لا صغيرة مع الإصرار، والصغيرة مع الإصرار تلتحق بالكبائر؛ لأنه يصحبها ويقترن بها من قلة الحياء من الله عز وجل وقلة المبالاة والمداومة على معصية الله سبحانه وتعالى، فهذا يلحقها بالكبائر، لكن المحادة لله عز وجل جاءت النصوص فيها الغالب في حق الكفار، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة:20-21]. وفي أول السورة إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِين َ عَذَابٌ مُهِينٌ [المجادلة:5]، ولا أدري: هل يأتي في غير هذا المعنى؟ لكن كما هو معلوم أن حصول الكبائر وعدم الحياء منها فيه عدم التعظيم لله والاستهانة بأحكامه الشرعية، وعدم الخوف منه والوقوع في معاصيه.

    بغض ومحبة أهل الكبائر

    السؤال: من يرتكب الكبائر هل يحب أم يبغض؟الجواب: من يرتكب كبيرة أو يصر على صغيرة فإنه يبغض في الله؛ لأن الحب في الله والبغض في الله من أوثق الإيمان، كما جاء في الحديث: (ثلاثة من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار)، هو يحب في الله ويبغض في الله، ويحب أولياء الله؛ لأنهم أطاعوا الله عز وجل ورسوله، ويبغض الذين يعصون الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، الذين هم أهل الكفر وأهل الكبائر وأهل الصغائر التي يصرون عليها، ومن المعلوم أن الإنسان يجتمع فيه حب وبغض، فقد يكون محبوباً مبغوضاً في آن واحد؛ يكون محبوباً على ما عنده من الخير، ومبغوضاً على ما عنده من الشر، ولهذا كان أهل السنة والجماعة في أصحاب الكبائر وفي أحكامهم في الدنيا وسطاً، فهم لا يكفرونهم كما تفعل الخوارج، ولا يجعلونهم كاملي الإيمان كما تفعل المرجئة، وإنما يقولون: مؤمن ناقص الإيمان، مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، يحب على ما عنده من الإيمان، ويبغض على ما عنده من الفسوق والعصيان.

    سجود السهو بالنسبة لمن نسي الفاتحة ثم عاد إليها

    السؤال: رجل كبر تكبيرة الإحرام، وبدل أن يقرأ الفاتحة شرع في السورة التي بعدها فنبهه المصلون، فعاد إلى الفاتحة، فهل عليه سجود السهو؟الجواب: نعم، عليه سجود السهو؛ لأنه حصل منه سهو في صلاته، حيث قرأ سورة قبل الفاتحة، مع أن الأصل أن غير الفاتحة يؤتى بها بعدها، فقد حصل منه سهو في صلاته، فعليه أن يسجد للسهو.

    الفرق بين القرآن والحديث القدسي والحديث النبوي

    السؤال: نرجو من فضيلة الشيخ توضيح الفرق بين القرآن، والحديث القدسي، والحديث النبوي.الجواب: القرآن هو كلام الله عز وجل الذي تكلم به بحروفه ومعانيه وألفاظه، وهو الموجود في المصحف، من الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] إلى مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس:6]، وهو متعبد بتلاوته، ومتعبد بالعمل به.وأما الحديث القدسي: فهو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مع إسناده الحديث إلى ربه سبحانه وتعالى، وذلك بأن يقول: قال الله تعالى كذا، أو يقول الصحابي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال كذا، فيضاف القول فيه إلى الله عز وجل، والضمائر ترجع فيه إلى الله عز وجل، كقول الله عز وجل: (كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)، الضمير في (لي) يرجع إلى الله عز وجل، (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي)، (يا عبادي) هذا نداء من الله عز وجل، وخطاب لعباده، (إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً)، وهو كلام الله عز وجل في الأصل، الذي تكلم به، لكن هل نفس الحديث الذي رواه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه هو نفسه كلام الله، حروفه ومعانيه، أو أنه المعاني فقط؟ المضاف إلى الله المعاني فقط؛ لأنه علمنا بأن كلام الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أضافه إلى الله عز وجل ما دخله رواية بمعنى، وأن هذا هو الكلام الذي سمعه جبريل من الله وسمعه محمد من رسول الله وسمعه الصحابة منه وسمعه من بعدهم كذلك، لكان هذا هو كلام الله عز وجل لفظه ومعناه، لكن حيث تدخل الرواية ووجود اختلاف الروايات في المعنى في هذا الباب لا يقال: إن ذلك كلام الله عز وجل بألفاظه، لأن كلاً يأتي بما أمكنه أن يأتي به، إما من اللفظ أو من حيث المعنى.يتحصل من ذلك أن الأحاديث القدسية المضافة إلى الله لا يتعبد بها في الصلاة، ولا يتعبد بتلاوتها كما يتعبد بالقرآن.أما حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: فهو أيضاً من عند الله عز وجل، وليس فيه إسناد الضمائر إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان مصدره من الله عز وجل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، وكل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم فهو وحي من الله عز وجل، فهذا كلام الرسول صلى الله عليه وسلم يبين به ما أوحاه الله عز وجل إليه، لكن لا يقال: هذا هو كلام الله سبحانه وتعالى، وإنما الحديث القدسي فيه الضمائر ترجع إلى الله عز وجل، والمتكلم هو الله عز وجل، ولو ثبت أن اللفظ هو اللفظ الذي تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وما دخله رواية بمعنى فإنه يقال: لفظه ومعناه من الله عز وجل، لكن يكون الفرق بينه وبين القرآن من حيث أن هذا يتعبد بتلاوته، وهذا لا يتعبد بتلاوته.

    ما يلزم من ترك تكبيرة الإحرام

    السؤال: إذا ترك المصلي تكبيرة الإحرام هل عليه الإعادة؟الجواب: نعم، عليه إعادة الصلاة، إذا كان قد فرغ من الصلاة وهو ما دخل في تكبيرة الإحرام، فيعتبر ما دخل في الصلاة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم، فالصلاة أقوال وأفعال مبتدئة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فإذا ما وجدت البداية ولا وجد المدخل إلى الصلاة، فمعناه: أن الصلاة تحتاج إلى أن تعاد إذا كان قد فرغ منها.

    علاقة مشابهة المولود لأحد والديه بغلبة الماء أو سبقه

    السؤال: هل الشبه يكون بغلبة الماء أم بالسبق؟الجواب: والله ما أتذكر، ولكن الحديث ورد فيه ذكر الشبه وذكر السبق، وهنا في الحديث قال: (ومما يكون الشبه)، يعني: يكون الشبه، لكن هل يكون بسبق الماء أو بغلبته؟ ورد فيه أحاديث في هذا وفي هذا.

    الاجتهاد في مسائل العقيدة

    السؤال: فضيلة الشيخ! هل يسوغ الاجتهاد في مسائل العقيدة؟الشيخ: لا، لا يجتهد في أصول الدين، وليس فيه مجال للاجتهاد، وإنما الاجتهاد في الفروع التي يمكن للإنسان أن يجتهد فيها، وأما مسألة من مسائل العقيدة جاء فيها نص فنحن نثبته، ولكن بالنسبة في الأحكام الشرعية الفرعية النازلة تنزل، ولا بد لها من حكم يعرف، وهذا يكون بالاجتهاد، والاجتهاد لا يكون مع وجود النص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، لكن حيث لا نص يكون في المسألة اجتهاد، فينظر في النصوص والعمومات والقواعد الشرعية والقواعد الكلية التي يمكن أن تندرج تحت هذه المسألة؛ لأن الفهم في كتاب الله عز وجل، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بالاستنباط، وبكون النص يحتمل، ويشتمل على هذا المعنى أو لا يشتمل، وهذا شيء تفاوت الناس فيه غاية التفاوت؛ لأن النص الواحد تعطيه لأشخاص كثيرين، وتقول لكل واحد: استخرج منه عشر فوائد، واحد يستخرج لك عشر فوائد أو يستخرج أكثر، وواحد يستخرج أقل، وواحد يستنبط ما لم يستنبط الآخر، والنص موجود أمام الجميع. إذاً: فالمسائل التي تنزل تستوعبها النصوص، ولكن لا على سبيل التنصيص بأن يقال: كل مسألة ينص عليها بلفظها، وإنما مثل ما يقال: الدخان جاء متأخراً، ما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بعده، فالذي يريد دليلاً على هذا يحتاج إلى نص، تقول: الدخان حرام، والدخان ما كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن نصوص الشرع ونصوص الكتاب والسنة تشمله، ويندرج تحتها، يقول الله عز وجل: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. فإذاً: هذا فيه إتلاف النفس، وقتل لها: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، ينهى عن إضاعة المال، وهذا لفظ عام، وليس إضاعة مال فحسب، بل إضاعة مال في قتل، وإضاعة مال في مهلك، وهاجم للجسم وهاجم للصحة، فهو داخل في هذه العمومات، فالنوازل التي تنزل وتتسع لها نصوص الشريعة، يفهم ذلك من يفهمه. وابن حجر رحمه الله لما جاء عند حديث: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، الحديث جاء في ذكر اللسان، ما جاء في ذكر القول، ما قال: سلم المسلمون من قوله، بل قال: لسانه، لماذا عبر باللسان في الحديث ولم يعبر بكلمة القول، مع أنها تؤدي هذا المعنى؟ قال ابن حجر في الاستنباط من هذا الحديث: لأنه لو أتي بالقول لأمكن أن يخرج الإنسان لسانه ويستهزئ، فهو ما تكلم بشيء لكن يخرج لسانه ليستهزئ، فكلمة (لسانه) شملت حتى الاستهزاء باللسان، وهذا فهم، ليس الكل يتنبه لهذا. كذلك الحديث الذي فيه الصحابي الجليل الذي ضحى قبل الصلاة، وذبح أضحيته قبل الصلاة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال له: (شاتك شاة لحم)، كون قصده حسن ما عفاه عن ذبح غيرها، وما كان عمله مقبولاً، وأضحيته أضحية مقبولة، مع أن قصده طيب، قال: في هذا دليل على أن العمل إنما يعتبر بكونه وفقاً للسنة، ولا يكفي في ذلك حسن قصد الفاعل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #68
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (66)


    - (تابع باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل) إلى (باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة)

    لقد ربط الشارع الحكيم وجوب الغسل على المحتلم بنزول المني؛ سواء كان المحتلم رجلاً أو امرأة، وفرق بين مني الرجل ومني المرأة في الأوصاف؛ فمني الرجل غليظ أبيض ومني المرأة رقيق أصفر، وأخبر أن شبه الولد يكون لسبق المني، فإذا سبق مني الرجل كان الشبه به، وإن سبق ماء المرأة كان الشبه بها.
    تابع غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل

    شرح حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها: (أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم يشبهها الولد)]. يقول النسائي رحمه الله: غسل المرأة إذا رأت في منامها ما يرى الرجل. هذه الترجمة سبق البدء بها في الحديث الماضي، وبقي من الأحاديث التي أوردها النسائي تحتها حديثان: أولهما: حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: ( أن امرأةً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ففيم يكون الشبه ).هذا الحديث، حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها واضح في الدلالة على اغتسال المرأة إذا رأت في منامها أنها تجامع، وحصل منها الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد ذلك برؤية الماء، فقال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فدل هذا على أن الاغتسال من الجنابة التي سببها الاحتلام، وهي الجنابة الاضطرارية التي لا يملك الإنسان فيها شيئاً؛ الذي هو الاحتلام لازم، فإذا رؤي الماء بعد الاستيقاظ من النوم، والمراد بالماء: المني، فإن الغسل واجب، ولازم، ويفهم منه أنه إذا لم ير الماء، ولم يحصل ماء، ولا أثر للماء في الجسد والثوب، فإنه لا غسل؛ لأن الأمر منوط بوجود الماء ورؤيته.وفي هذا الحديث ما في الذي قبله من حرص الصحابيات على معرفة أمور دينهن، ولو كان ذلك في الأمور التي تستحي منها النساء، فإن الحياء لم يمنعهن من أن يتفقهن في دين الله عز وجل، بحيث تذكر المرأة ما يستحيا من ذكره، ولكن ذلك في سبيل معرفتها للحق، وفي سبيل معرفتها للحكم الشرعي الذي تتعبد الله تعالى به، فهو دال على حرص الصحابة والصحابيات على معرفة أمور الدين.وقد مهدت تلك المرأة لسؤالها بتمهيد، فقالت: (إن الله لا يستحي من الحق)، فهذا عذر مسبق لإقدامها على هذا السؤال الذي تستحي النساء غالباً من ذكره بحضرة الرجال، فقدمت بين يدي ذلك هذا التمهيد المشتمل على الاعتذار من كونها تسأل هذا السؤال، والحافز لها، والملجئ لها معرفة الحكم الشرعي؛ لتتعبد الله عز وجل به، ولتأخذ بما يأتي عن الشارع؛ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام لها بقوله: (نعم، إذا هي رأت الماء).فقوله: (إذا هي رأت الماء)، مع قوله: (نعم)، يعني: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ نعم؛ أي: عليها غسل، فكلمة (نعم) تعطي الجواب عن السؤال المسئول عنه، لكن لما كان الأمر مقيداً برؤية الماء، قال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فمنطوقه: أن وجوب الغسل من الجنابة التي حصلت عن طريق الاحتلام مقيد بحصول الماء الذي هو المني. فضحكت أم سلمة رضي الله تعالى عنها وقالت: (أو تحتلم المرأة؟)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففيم يكون الشبه؟)؛ يعني: إذا كان يشبه أخواله، ويشبه أمه، ويشبه أقاربه من أمه، فإن ذلك سببه؛ أنه مخلوق من مائها، كما أنه مخلوق من ماء الرجل، فهو مخلوق من الماءين، ومن أجل ذلك صار يشبه أخواله، أو يشبه أعمامه، وهذا الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم استفهام فيه تقرير وتوضيح، وبيان للإجابة على السؤال عنه؛ يعني: فكونه قال: نعم تحتلم المرأة، وفيم يكون الشبه؟ أتى بشيء مشاهد معاين، قرر به الجواب على هذا السؤال، فهو دليل واضح، وماثل للعيان؛ أي: الشبه الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والشبه بالأم دليل على أن لها ماءً، يخرج منها مثلما يخرج من الرجل.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة

    قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف].هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وهو من شيوخ النسائي، ومن أهل بلده؛ يعني: كل منهما ينسب إلى نساء.[حدثنا يحيى].ويحيى هو ابن سعيد القطان الإمام، المشهور، الحجة، الثقة، العارف بالجرح والتعديل، الذي ذكر عنه الذهبي أنه فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وذكر عدداً كبيراً من العلماء ممن يعتمد على قولهم في الجرح والتعديل، ومنهم يحيى بن سعيد القطان وقال عنه: إذا اتفق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي على جرح رجل فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فصار قولهما معتمداً لا يعدل عنه وهو من الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو تابعي ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني أبي]. وأبوه هو عروة بن الزبير التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن زينب بنت أم سلمة]. وهي زينب بنت أم سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. [عن أم سلمة]. وهي أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهذا الإسناد كل رواته خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي فلم يخرج له إلا النسائي، أما الباقون وهم: يحيى بن سعيد القطان، وهشام بن عروة، وعروة، وزينب بنت أم سلمة، وأم سلمة، فهؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.وفي هذا الإسناد رواية صحابية عن صحابية؛ لأن زينب بنت أم سلمة صحابية، وفيه رواية بنت عن أمها؛ لأن زينب بنت أم سلمة تروي عن أمها أم سلمة. ورواية هشام بن عروة فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية ابن عن أب؛ لأن هشام وعروة تابعيان، وأم سلمة وبنتها صحابيتان.

    شرح حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)].أورد النسائي حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها: (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله؛ لأنه كله سؤال عن احتلام من المرأة أو من النساء، والجواب فيه الأمر بالاغتسال عند وجود الماء، وعند رؤية الماء الذي هو المني بعد الاستيقاظ، فهو دال على ما دل عليه الذي قبله. وفي هذا الحديث أن خولة هي التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث مضى أن أم سليم سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الروايات إبهام السائلة، ويمكن أن يكون إحدى هاتين المرأتين هي المقصودة في رواية في حالة الإبهام، ويحتمل أن يكون غيرهما، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم فيهما أن الحكم هو الاغتسال عند رؤية الماء.

    تراجم رجال إسناد حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء

    قوله: [أخبرنا يوسف بن سعيد].ويوسف بن سعيد هذا ثقة، وهو من شيوخ النسائي، خرج له النسائي وحده.[حدثنا حجاج]. وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. وهو شعبة بن الحجاج أحد الثقات، الأثبات، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أمراء المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف -كما ذكرت سابقاً- من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل؛ لأن التعديل له صيغ من أعلاها الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وكذلك قولهم: فلان أثبت الناس، وفلان إليه المنتهى في التثبت، فهذه تعتبر من أعلى الصيغ في التعديل، ويقابلها صيغ التجريح أن يقال: هو ركن الكذب، وما إلى ذلك من العبارات الدالة على شدة الجرح، وعلى عظمه. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت عطاء الخراساني]. وهو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وأبوه اسمه: ميسرة، وهو صدوق، كثير الوهم، ويرسل ويدلس، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سعيد بن المسيب]. وهو سعيد بن المسيب، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يأتي ذكرهم كثيراً في أسانيد الأحاديث، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن خولة].وهي خولة بنت حكيم، وهي صحابية، مشهورة، روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم خمسة عشر حديثاً، وقد روى لها مسلم حديثاً واحداً من هذه الخمسة عشر حديثاً، وخرج حديثها البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج لها أبو داود، ولم يخرج لها البخاري في كتابه الصحيح.وهذا الإسناد كما هو معلوم وجد له طرق وشواهد، فلا يؤثر ذلك فيه، وإنما يؤثر فيما إذا كان الحديث لم يأت إلا من طريق واحد.
    الذي يحتلم ولا يرى الماء

    شرح حديث: (الماء من الماء)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الذي يحتلم ولا يرى الماء.أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء من الماء)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الذي يحتلم ولا يرى ماءً؛ يعني: أن الذي يحتلم ولا يرى ماء فإنه ليس عليه الغسل؛ لأن الترجمة السابقة فيها الاغتسال عند حصول الاحتلام ورؤية الماء، وأن الاغتسال قيد برؤية الماء، وهنا الترجمة عندما يوجد احتلام، ولا يرى ماء، فإنه لا يكون عليه غسل، والذي يفهم من الأحاديث السابقة؛ وهو المحتلم عندما يرى ماءً مفهومه أن من احتلم، ولم ير ماءً أنه لا غسل عليه، وهذه الترجمة هي بهذا الموضوع، وقد أورد فيه حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء من الماء)، و(الماء)، الذي هو الاغتسال، و(من الماء) الذي هو المني؛ لأن الماء الأول غير الماء الثاني، والأول سببه الثاني؛ يعني: سبب الماء الأول الذي هو الاغتسال الماء الثاني الذي هو الإنزال. إنزال الماء؛ الذي هو المني، فقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) يدل على ما دل عليه الذي قبله أنه عند وجود الماء من الإنسان رجل أو امرأة -سواءً كان عن طريق جماع في اليقظة، أو عن طريق منام- فإنه لا بد من الاغتسال، وليس الأمر مقيداً بوجود الماء الذي هو المني في حال اليقظة، بل الأمر كما عرفنا سابقاً أنه عند التقاء الختانين يتعين الغسل، وإن لم يحصل إنزال، لكن إذا صار هناك مداعبة وملاعبة، ولم يكن هناك إيلاج، ولم يحصل التقاء الختانين، فإنه لا اغتسال إلا مع إنزال، وكذلك في المنام لا اغتسال إلا مع إنزال، ولكن في هذه الحالة التي دلت عليها الأحاديث السابقة، وهي (إذا جلس بين شعبها، ثم جهدها فقد وجب الغسل)؛ يعني: هذا يدل على أنه وإن لم يوجد إنزال.وقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) فيه نوع من البلاغة يقال له: الجناس، وهو اتفاق اللفظين ومعناهما مختلف؛ لأن هنا (الماء) اللفظ واحد، ولكن المعنى مختلف؛ فالماء الأول: هو الماء المعروف الذي يتطهر به، والماء الثاني: هو المني الذي هو سببُ الاغتسال، فهذا يسمى في علم البلاغة: جناس، مثل قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة [الروم:55]، (الساعة) التي هي نهاية الدنيا (ما لبثوا غير ساعة)؛ يعني: في الدنيا ما لبثوا إلا ساعة من الزمان، فهذا يقال له: جناس. فإذاً: الحديث دال على ما ترجم له من جهة أنه إذا لم يوجد ماء في المنام فإنه لا غسل، ويدل عليه أيضاً التقييد في الأحاديث السابقة حيث قال: (نعم، إذا رأت الماء)، فكلمة: (إذا رأت الماء) معناه: إذا لم يوجد ماء فإنه لا غسل.

    تراجم رجال إسناد حديث: (الماء من الماء)

    قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء]. عبد الجبار بن العلاء هذا سبق أن مر، وهو ثقة، قال الحافظ: لا بأس به. وخرج له مسلم، والنسائي، والترمذي.[عن سفيان]. هو: ابن عيينة، هنا مهمل، وليس مبهماً؛ لأن المبهم غير هذا، فالمبهم مثل أن يقال: رجل، وعن رجل، فهذا مبهم، ولكن إذا كان الشخص مذكوراً اسمه، ولكن لم يذكر نسبه، وهو يحتمل أشخاصاً، فيقال له: مهمل في علم المصطلح؛ يعني: مهمل النسبة، هنا جاء في الإسناد مهملاً، ولكنه جاء في سنن ابن ماجه مسمى، قال ابن ماجه: حدثنا سفيان بن عيينة فجاءت تسميته وتعيينه، ونسبته في سنن ابن ماجه ، فعرف أنه ابن عيينة، وأنه ليس الثوري. ومعلوم فيما مضى أن سفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، عابد، وأنه ممن خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو]. وهنا عمرو ولم ينسبه، فهو مهمل أيضاً، ولكنه نسب في سنن ابن ماجه ، وذكر اسمه واسم أبيه، وهو: عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن السائب]. و عبد الرحمن بن السائب يقال له: ابن السائب، ويقال: ابن السائبة، وقد خرج له النسائي، وابن ماجه، وهو مقبول كما قال الحافظ ابن حجر، وهذا الحديث هو الحديث الوحيد له في هذين الكتابين.[عن عبد الرحمن بن سعاد]. وكذلك شيخه عبد الرحمن بن سعاد أيضاً ليس له في الكتب إلا هذا الحديث الواحد. وعبد الرحمن بن السائب، وعبد الرحمن بن سعاد كل منهما قال عنه في التقريب: مقبول، وكل منهما خرج له النسائي، وابن ماجه .[عن أبي أيوب]. وهو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل ممن تقدم إسلامه، وهو الذي نزل عنده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجراً، نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كما جاء ذلك مبيناً في صحيح مسلم وغيره.
    الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة

    شرح حديث أنس في التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبدة حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه)]. أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الفصل بين ماء الرجل، وماء المرأة. وأورد فيها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فأيهما سبق كان الشبه)؛ يعني: إذا سبق ماء الرجل كان الشبه له، وإذا سبق ماء المرأة كان الشبه لها، ولقرابتها. وهذا الحديث مطابق للترجمة؛ لأن الترجمة الفصل بين ماء الرجل، وماء المرأة؛ يعني: التمييز بينهما من حيث الوصف، ومن حيث الصفات، فهذا الحديث فيه تمييز بين الماءين؛ حيث وصف ماء الرجل بوصفين: من جهة اللون، ومن جهة الغلظ والرقة، فماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، وإذا سبق هذا كان له الشبه، وإذا سبق ذاك كان له الشبه. إذاً: فهذا بيان من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن صفة ولون ماء الرجل وماء المرأة، وأنهما يلتقيان، وأنه يكون الولد من الماءين، وأن الشبه يكون للسابق منهما.وقد اختلف في المراد بالسبق، فقيل: أن السبق بالإنزال، وقيل: إن السبق بالغلبة والكثرة، ففسر بتفسيرين: إما سبق بحصول الإنزال من أحدهما قبل الآخر، أو بحصول الغلبة من أحدهما للآخر، وعند ذلك يكون الشبه، إما لهذا أو لهذا، والذي هو السبق بالإنزال، أو السبق بالغلبة والكثرة. وتقدم هذا الإسناد قبل أربعة أحاديث أو خمسة أحاديث في الحديث رقم مائة وخمسة وتسعين.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في التفريق بين ماء الرجل وماء المرأة

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي بن راهويه ، وهو ثقة، ثبت، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[أنبأنا عبدة]. وهو عبدة بن سليمان الكلابي، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا سعيد]. وهو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. وهو قتادة بن دعامة السدوسي، وهو ثقة، ثبت، حديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خادم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
    الأسئلة

    تصحيف اسم شعيب بن يوسف بدل ابن يوسف شيخ النسائي في بعض النسخ
    السؤال: في بعض النسخ: شعيب بن يونس بدل ابن يوسف، فهل هذا صحيح؟الجواب: لا، والصواب هو شعيب بن يوسف، وشعيب بن يوسف هذا هو شيخ النسائي.

    احتلام أمهات المؤمنين

    السؤال: هل حصل من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن احتلام؟ وهل يليق بهن ذلك؟ الجواب: لا ندري هل حصل لأمهات المؤمنين احتلام أو لم يحصل؟ وإذا كان الاحتلام يقع من الشيطان فقد لا يحصل لهن ذلك، وإن كان الاحتلام يحصل من قوة الشهوة، وأنه يحصل في المنام ما يحصل به تخفيف هذه القوة عن طريق خروج الماء بهذا الذي يراه النائم في منامه فهذا يمكن أن يكون في حقهن، كما يمكن أن يكون في حق الأنبياء، كما قال ذلك بعض العلماء، وقد أشرت إليه سابقاً عند الحديث الذي تقدم، حيث تقول عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير احتلام)، وذكرت هناك أن بعض العلماء قال: إنه إذا كان الاحتلام من طريق تلاعب الشيطان فلا سبيل للشيطان على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وإن كان ليس عن طريق الشيطان، وليس من تلاعب الشيطان، وإنما هي قوة تكون في الشخص يحصل خروج شيء منه في المنام، ويفيض في المنام، فهذا يتصور حصوله، ويمكن أن يحصل، وأمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن لا نعلم شيئاً عن حصول الاحتلام منهن، بل إن عائشة استغربت، وتعجبت من حصول ذلك، وأم سلمة أيضاً كذلك تعجبت وقالت: أو تحتلم المرأة؟

    علاقة الرافضة بطوائف الإسلام

    السؤال: هل الرافضة تعد من إحدى طوائف المسلمين؟ الجواب: ذكر بعض العلماء أن الجهمية والرافضة لا يعدون من الثلاث والسبعين فرقة، ولا شك أن من يعتقد أموراً معروفة في كتب الرافضة مثل اعتقاد أن الأئمة الاثني عشر أفضل من الأنبياء، والمرسلين، والملائكة المقربين فهو كافر، ليس من المسلمين، وكذلك من يقول: إن الأئمة عندهم الكتب المنزلة على الأنبياء والمرسلين كلها من أولها إلى آخرها، وأنهم يعرفونها بلغاتها، فهذا كلام لا يقوله عاقل يعي ما يقول، وكذلك أمور أخرى هي من هذا القبيل، فمن يعتقد مثل هذا الاعتقاد لا شك في كفره.وعلى كل فالعلم عند الله عز وجل، نحن نقول: من يعتقد هذا الكلام فهو كافر.

    مدى صحة حكم الإمام أحمد في الأئمة مالك والشافعي وأبي حنيفة

    السؤال: قيل: إن الإمام أحمد سئل عن الإمام أبي حنيفة فقال: فقه لا حديث، وعن الإمام مالك فقال: حديث بلا فقه، وعن الإمام الشافعي فقال: حديث وفقه، فما صحة هذه المقولة؟ الجواب: هذه المقولة لا أعرف عنها شيئاً، ولكن كونه يقول عن الإمام مالك: حديث بلا فقه، فهذا ما أظنه يستقيم، بل الإمام مالك محدث وفقيه، وأما أبو حنيفة، فهو فقيه بلا شك، وأحاديثه قليل، ومنزلته عند المحدثين ليست قريبة، ولا نسبة بينها وبين الأئمة الباقين، فهو عندهم فقيه، مشهور، فالعبارة قد يشم منها أنها ليست بسليمة.

    قيام المسبوق في الصلاة لقضاء ما فاته قبل تسليم الإمام التسليمة الثانية

    السؤال: رأيت كثيراً من الناس يقومون بعد التسليمة الأولى لقضاء حوائجهم، فما نصيحتكم لهذا الأمر؟ لعله يخرج خلف الإمام.الجواب: حوائجهم؛ يعني: الفوائت، فالذي ينبغي للإنسان أن لا يقوم إلا بعد سلام الإمام التسليمة الثانية، فهذا هو الأحوط وهو الأولى، وإن كان بعض العلماء قال: إن الخروج من الصلاة بعد التسليمة الأولى فقط، ولكن من العلماء من قال: إن التسليمتين من أركان الصلاة، ولا شك أن من تمهل، وانتظر حتى يسلم الإمام من التسليمة الثانية، فلا شك أن هذا قد أخذ بالاحتياط، وفعل ما فيه السلامة، وفيه الاطمئنان.

    مرتبة تدليس قتادة بن دعامة السدوسي

    السؤال: تدليس قتادة بن دعامة السدوسي هل هو من النوع الفاحش؟ فقد ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين؟ وهل نحتاج إلى تصحيحه بالتحديث؟ الجواب: ما أدري عن منزلة تدليس قتادة، ولكن قتادة لا شك أنه معروف بالتدليس، لكن إذا كان الراوي عنه شعبة فهو مأمون تدليسه؛ لأن شعبة معروف عنه أنه لا يروي عن شيوخ المدلسين إلا ما كان من سماعهم، وما كان مسموعاً له.

    تقديم صوم الفرض على صوم النفل

    السؤال: يا شيخ! إذا كان على الإنسان قضاء صوم الفرض، هل يصوم النفل ويؤجل الفرض، مع ذكر الدليل؟ الجواب: الإنسان إذا كان عليه صوم فرض يبدأ به قبل النفل، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ ممن افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه). والفرض دين، وأما النفل فهو على اسمه؛ نفل؛ زيادة، ومن المعلوم أن الدين مقدم على غيره في القضاء، ولكن إذا جاءت مناسبة، وأراد الإنسان ألا تفوت هذه المناسبة فيمكن أن يصوم الإنسان هذه المناسبة على أنها فرض مثل يوم عرفة، فإذا كان إنسان عليه قضاء من رمضان، وجاء يوم عرفة -وهو يوم له فضل، وهو أفضل صيام التطوع- فيصومه، ولكن بنية الفرض، فيدرك بذلك أداء الواجب، ويدرك بذلك أيضاً كونه يشارك الصيام في هذا اليوم المفضل الذي له ميزة على غيره، وله فضل على غيره، وأما أن يتنفل وعليه دين فلا، بل يؤدي الواجب أول، ثم يتنفل، ومن ذلك صيام ست من شوال، فالإنسان إذا كان عليه صيام من رمضان، ويريد أن يصوم ستاً من شوال، فيبدأ أولاً بالفرض الذي عليه، ثم يصوم الست النافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال) فهذا الذي بقي عليه يوم من رمضان لا يقال: إنه صام رمضان، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال)، والذي عليه قضاءً من رمضان لا يقال له: إنه صام رمضان. فإذاً يبدأ بالفرض أولاً، ثم يأتي بالنوافل بعد ذلك، وكما قلت: إذا كان هنالك مناسبة مثل يوم عاشوراء ويوم قبله ويوم بعده، ويوم عرفة أو التسع الأولى من ذي الحجة، فإن الإنسان ينوي الفرض كما جاء ذلك بالسنة المطهرة. ولو خشي فوات الست من شوال فعليه أن يصوم الفرض، وإن فاتته الست.

    تخصيص فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بفعل الصحابة

    السؤال: هل فعل الصحابة يخصص فعل الرسول صلى الله عليه وسلم العام؟ مع ذكر المثال على ذلك. الجواب: لا شك أن إجماع الصحابة على فعل من الأفعال يمكن أن يخصص به؛ لأن الإجماع لا يكون إلا عن نص، سواءً عُلم النص أو لم يعلم، لكن إذا كان قول صحابي واحد، سواءً خالفه غيره أو لم يخالفه غيره، فإن الحديث باق على عمومه، وفعل صحابي واحد في حالة من الأحوال على خلاف ما هو معروف من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخصصه. ومن أمثلة ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعفي لحيته، ولا يأخذ منها شيئاً، وكان يتركها -والحديث الذي ورد في سنن الترمذي: (أنه كان يأخذ من عرضها وطولها) فهذا غير ثابت؛ لأن في سنده عمر بن هارون البلخي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه- وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يأخذ ما زاد على القبضة عند الفراغ من النسك، فلا يقال: إن فعله هذا مخصص لما عرف من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مداومته وملازمته، وعدم تعرضه للحيته، فالحق هو الأخذ بما جاء عنه من الفعل المستديم منه صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ بقول أو بفعل هذا الصحابي الذي فعله في بعض أحواله رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    الطريقة المثلى لحفظ الرجال والأسانيد

    السؤال: ما هي الطريقة المثلى لحفظ الرجال؟ الجواب: الطريقة المثلى في حفظ الرجال هي: المراس، والمعايشة، وكثرة المراجعة؛ يعني: مثل عملنا الآن يتكرر علينا أسماء الرجال كثيراً، فعرفنا عدة رجال من حيث إنهم -طبقتهم- في أعلى الإسناد، أو في أول الإسناد، أو في آخر الإسناد، أو في وسط الإسناد، وكذلك كونهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، أو إلا فلان، أو ما إلى ذلك، فهذه الطريقة هي التي بها يمكن معرفة الرجال، وكثرة المراس، وكثرة العمل فيما يتعلق بالمراجعة عند ذكر الأحاديث، ومعرفة درجتها، ومعرفة رجالها، فهذه هي الطريقة المثلى التي يمكن للإنسان أن يعرف بها الرجال، والاطلاع على التراجم بمناسبة مجيء ذكره في الأحاديث، لا سيما إذا حصل التكرار، فإنه مع كثرة التكرار يثبت الشيء، وهو كما يقولون: إن الحجر يمكن أن يؤثر فيه الشيء اللين، وكانوا فيما مضى يستعملون السواني، وكان الرش أحياناً يكون من أشياء رقيقة، وعندما يكثر مروره على الحجر، وهو لين يخرق الحجر، ويؤثر فيه وهو لين، والحجر صلب قاس، ولكن مع كثرة المراس يحصل هذا الشيء، فكذلك هنا مع كثرة المراجعة وكثرة المراس يحصل معرفة الأشخاص. الآن مر بنا أشخاص كثيرون، لو مثلاً: سألنا عنهم الآن وقلنا: فلان ما هي درجته؟ ومن خرج له؟ فيمكن نجد الجواب عند الكثيرين، أو عند الكل إن شاء الله. فمثلاً: قتيبة بن سعيد، ما أكثر ما مر علينا! قتيبة بن سعيد، وعرفنا أنه ثقة، ثبت، وأنه من رجال الجماعة، وإسحاق بن إبراهيم مر علينا كثيراً وهو ثقة، ثبت، وهو من رجال الجماعة إلا ابن ماجه ، وشعبة بن الحجاج مر علينا كثيراً، أمير المؤمنين في الحديث، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وطبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، وطبقة شيوخ شيوخهم، وطبقة الوسط، ومن فوقهم، وطبقة التابعين، وطبقة كبار التابعين، وطبقة الصحابة، وهكذا، فهذه الطريقة هي التي بها يحصل تثبيت المعلومات فيما يتعلق في معرفة الرجال.

    حكم مراسلة الخاطب خطيبته

    السؤال: ما حكم مراسلة الخاطب لخطيبته، أو مكالمتها عن طريق الهاتف؟ الجواب: ما يصلح للإنسان أن يكون على صلة بخطيبته إلا بعد العقد، فإذا وجد العقد وتم، فعند ذلك يمكن معه كل شيء، وأما قبل حصول ذلك فإنه قد يحصل تباعد وعدم اتفاق، ويمكن أن يتخذ ذلك بعض اللاعبين من قبيل الاحتيال، فيكون في ذلك مجال لتلاعب المتلاعبين، فالذي ينبغي ألا يفعل شيئاً من هذا إلا بعد تمام العقد.

    الاحتلام في ليل رمضان وتأخير الاغتسال حتى طلوع الفجر

    السؤال: في يوم من أيام رمضان الماضي -تقبل الله منا ومنكم صيامه وقيامه- قمت من النوم محتلماً، وقد خرج الماء، ثم عصرت ذكري لكي أخرج ما فيه من الماء، وبعد ذلك ذهبت أفكر في الحلم وفي أشياء لم تكن في الحلم، ثم عصرت ذكري مرةً أخرى فخرج ماءً لم يخرج في المرة الأولى، فما أدري هل الماء الذي خرج متأخراً هو من الاحتلام، أو من جراء التفكير وبسببه؟ فما حكم الشرع في صيامي هذا؟ وهل عليّ قضاء؟ الجواب: عرفنا أن الإنسان إذا احتلم أو جامع، ثم نام وأصبح جنباً أن صيامه صحيح وعليه أن يغتسل، وإنما الممنوع أن يحصل الجماع والإنزال، أو معالجة الإنزال بعد طلوع الفجر، وأما أن يحصل جماع في الليل، ثم يتأخر الاغتسال حتى يدخل الفجر فيمكن الإنسان أن يدخل في الصيام وعليه جنابة كما جاء في الحديث الذي مر: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من غير احتلام، ويستمر على صيامه )، فدل ذلك على أن حصول الجنابة قبل وقت الصيام، ومجيء وقت الصيام وهو لم يغتسل أن ذلك لا يؤثر فيها، وكونه عندما جاء يغتسل عصر ذكره وأخرج أشياء بقيت فيه، فهذا لا يؤثر شيئاً، وهذه المعالجة التي حصلت منه، وخروج شيء بقي فهذا ليس فيه شيء، ولا يؤثر في صيامه، وإنما عليه الغسل. وأما إذا كان حصل معالجة، وحصل إنزال جديد، وحصل دفق، فهذا من ملامسة يده، أو من تحريك يده، فيكون بذلك كناكح يده الذي يمني بهذا العمل، فهذا كما هو معلوم عمل سيئ، ويفسد الصيام.

    دخول الدخان إلى جوف الصائم بغير اختيار

    السؤال: أنه كان قريباً من نار مشتعلة، فدخل الدخان في حلقه، فهل يؤثر على صيامه؟ الجواب: دخول الدخان في حلقه، وهو لم يقصد ذلك، ولم يتعمد ذلك لا يؤثر على صيامه شيئاً، وإنما على الإنسان أن يبتعد ويحترز، وإذا حصل شيء من غير اختياره ومن غير إرادته فلا شيء عليه في ذلك.

    الاستدلال بقول النبي: (طوقه من سبع أراضين) على تلاصق السبع الأراضين)

    السؤال: كيف يستدل بقوله عليه الصلاة والسلام: (من ظلم شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)، على أن الأرضين السبع متلاصقة وليس بينهما شيء؟ الجواب: نعم، الحديث واضح الدلالة على أن الأرضين السبع متلاصقة، وليست كل أرض بينها وبين الأرض التي فوقها مسافة وفيها سكان، ليس هناك شيء يدل على هذا، وإنما ورد فيه حديث ضعيف، قال عنه بعض العلماء: إسناده واه، يقول: إن فيها آدم كآدم، وموسى كموسى، وكذا كل أرض فيها كذا، وهذا ليس بصحيح، ولكن الصحيح هو هذا الحديث الذي رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما: (من ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أراضين يوم القيامة)، فهذا دليل على أنها متلاصقة؛ لأنها لو كل أرض لها سكان لكان الجماعة التي تحت الأرض التي تحتهم هي التي يكون الظلم منهم عليها، لكن لما كان الإنسان عندما يظلم شبراً من الأرض يحمل سبع أراضين؛ هذه القطعة تجعل على كتفه يوم القيامة؛ معناه: أنها متلاصقة؛ لأنه لو لم تكن متلاصقة لم يجعل على كتفه إلا طبقة الأرض العالية الأولى، فلما جاء: ( طوق من سبع أراضين ) عرف بأنها متلاصقة؛ لأن من ظلم شبراً إلى أسفل شيء كله يأتي على رقبته يحمله يوم القيامة، فهذا دليل واضح على أنها متلاصقة؛ لأنه لو كان كل أرض لها سكان، وفيها عالم غير العالم الموجود هذا، لكان كلٌ مسئول عن الذي تحته من الأرض، (من ظلم شبراً)، يعني: مقدار الأرض التي هو فيها، ثم الأرض التي تحت الجماعة يصير ظلماً يحملونه على أعناقهم إذا كانوا ظالمين.

    التفريق بين المني، والإفرازات، والالتهابات عند المرأة

    السؤال: الحديث الذي مر بنا: (نعم، إذا هي رأت الماء فلتغتسل)، فهناك عند أهل الطب إشكال في فهم الحديث، فإن ماء المرأة الذي ينزل عند الشهوة لا يمكن التفريق بينه وبين الإفرازات بسبب المرض والالتهابات وما يحدث عند الحمل، فما الحل يا ترى؟ الجواب: معلوم أنها إذا رأت في المنام إفرازات وهي حامل، فهذا لا يقال: إنه جنابة، ولكن إذا كانت رأت في المنام حصول جماع، ثم قامت، ووجدت ذلك الماء فهذا هو الذي يكون منه اغتسال، وأما إذا كانت حامل ولا رأت أنه حصل جماع وإنما قامت ووجدت هذا الماء الذي يكون نتيجة الحمل أو ما إلى ذلك فهذا لا يلزم معه اغتسال.

    تقديم قول النبي على قول الأطباء في وصف ماء المرأة

    السؤال: حديث: (ماء المرأة رقيق أصفر) حول فهمه إشكال آخر؛ لأن الأطباء عندهم بالإجماع أن لون ماء المرأة بسبب الشهوة أبيض شفاف، فما رأي فضيلتكم؟ الجواب: معلوم أن ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام هو الحق، وهو طبيب القلوب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو الذي جاء بالحق والهدى، وهو لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام، فما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وإذا كان الأطباء اكتشفوا أن بعض النساء تكون كذلك، فيكون هذا نادراً، أما أن يقال: إن النساء كلهن ليس فيهن هذا الوصف الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فلا، بل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهو الصدق، وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

    مدى صحة القول بأن الجن يسكنون تحت الأرض

    السؤال: هل صحيح ما يقال من أن الجن يسكنون تحت الأرض؟ وأن عندهم مثل ما عند الإنس فوق الأرض؟ الجواب: كون الجن يسكنون تحت الأرض فالله تعالى أعلم، لكن هم يسكنون كما هو معلوم على وجه الأرض، وهم يروننا ولا نراهم، ويكونون حولنا، ولا نعرف عنهم شيئاً، كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]. والله تعالى أعلم.

    رأي بعض الأطباء في حديث (ماء المرأة أصفر)

    السؤال: قال بعض الأطباء: إن كلام النبي صلى الله عليه وسلم في أن الماء أصفر ليس الذي يخرج مع الشهوة، إنما هو يكون في المبيض، أي أنه عبارة عن بويضة صغيرة، فإذا جاء عليه الحيوان المنوي خرج بإذن الله عز وجل كما قاله صلى الله عليه وسلم.الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن بأن هذا الماء الأصفر يكون منه الولد، وهو يكون بسببه الشبه، ولهذا قال: (إن ماء الرجل كذا، فأيهما سبق صاحبه كان الشبه له).والمني ما يخرج إلا مع الشهوة، فإذا كان هناك ماءان ينزلان، فهذا شيء آخر ما ندري عنه، لكن الذي يكون منه الشبه والذي جاء في الحديث هو هذا الماء الأصفر الذي ميزه عن ماء الرجل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #69
    تاريخ التسجيل
    Feb 2019
    المشاركات
    4

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    بارك الله فيك
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو وليد البحيرى

  10. #70
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (67)


    - باب ذكر الاغتسال من الحيض

    يجب الاغتسال من الحيض، أما المستحاضة فقد جاءت أحاديث كثيرة تبين أنها لا تترك الصلاة، وإنما يجب عليها أن تغتسل بعد انتهاء أيام قرئها ثم تشد على فرجها بخرقة ثم تتوضأ وتصلي.
    ذكر الاغتسال من الحيض

    شرح حديث فاطمة بنت قيس في الاغتسال من الحيض
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر الاغتسال من الحيض.أخبرنا عمران بن يزيد أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي حدثنا الأوزاعي حدثنا يحيى بن سعيد حدثني هشام بن عروة عن عروة عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها من بني أسد قريش: (أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت أنها تستحاض، فزعمت أنه قال لها: إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي)].يقول النسائي رحمه الله: ذكر الاغتسال من الحيض. سبق أن تقدم للنسائي ترجمة عامة؛ وهي قوله: ما يوجب الغسل وما لا يوجبه، وأتى بأشياء ذكر منها هنا في هذه الترجمة أن مما يوجب الغسل هو: انقطاع الحيض. وقد أورد النسائي رحمه الله تعالى في هذا عدة أحاديث، وهذه الأحاديث تتعلق بمستحاضات؛ يعني: أنهن يخرج منهن الدم دائماً في أوقات مستمرة، وبعض هذه الأوقات التي يخرج منها الدم يكون الخارج حيضاً، وفي غير مدة العادة يكون الخارج استحاضة. والاستحاضة هي: الدم الذي يسيل من رحم الأنثى في غير أوقاته المعتادة؛ يعني: في غير أوقات الحيض؛ لأنه إذا كان الخروج في الأوقات المعتادة -التي هي عادة المرأة- فإنه يكون حيضاً ولا يكون استحاضة. ومن المعلوم: أن هناك فرقاً بين الحيض والاستحاضة؛ فالحيض يمنع الصلاة، ويمنع الصيام، ويمنع الجماع، والاستحاضة لا تمنع ذلك، فيمكن معها الصيام، والصلاة، والجماع.فـالنسا ي أورد عدة أحاديث تتعلق بالمستحاضات، وفيها أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهن بأن يعرفن عادة الحيض، ويتركن الصلاة خلالها، وإذا انقضت العدة، وذهبت المدة التي هي مدة الحيض، فإنها تغتسل من الحيض وتصلي؛ يعني: أن تركها للصلاة في حال حيضها هذا أمر لازم، ولكن إذا انتهى الحيض وحصل الاغتسال منه، فإن الصلاة يلزم الإتيان بها، ولو كان الدم سائلاً فيما هو زائد عن الحيض، الذي هو في مدة الاستحاضة، ووقت الاستحاضة.قوله: (ثم اغسلي عنك الدم وصلي)، قيل: أن قوله: (اغسلي عنك الدم) المراد منه: أنها تغسل الدم عن جسدها وفرجها، وما كان تلوث منها، وتغتسل مع ذلك، وتصلي، وقيل: إن المراد بغسل الدم هو: الاغتسال. ولكن كما هو معلوم: لا بد من غسل الدم، وإزالة النجاسة التي صارت بسبب الحيض، والتي نتجت عن الحيض، والاغتسال لا بد منه؛ لأنه واجب ومتحتم، وهو من الأغسال الواجبة التي لا بد منها، فهذه المرأة -وهي: فاطمة بنت قيس- كانت مستحاضة فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما حصل لها؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: (إنما ذلك عرق، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا انتهت فاغسلي عنك الدم وصلي)، والمقصود من إيراد الحديث هنا: الاغتسال من الحيض، وذلك بعد أن تنتهي مدة الحيض، وتعود إلى الصلاة، ولو كان دم الاستحاضة مستمراً معها؛ لأن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة. وهناك فروق بين دم الحيض ودم الاستحاضة تعرفها النساء؛ منها: اللون، ومنها: الرائحة، ومنها: أوجاع تحصل عند الحيض، وغير ذلك من الصفات والهيئات التي يتميز بها دم الحيض عن دم الاستحاضة. وقوله: (زعمت)، المراد بالزعم هنا: القول المحقق، وليس القول المشكوك فيه؛ لأن الزعم يأتي للمشكوك فيه، ويأتي للقول المحقق، وهنا من القول المحقق، ومعناه: أنها أخبرت خبراً محققاً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لها: (إنما ذلك عرق)، يعني: هذا الدم الذي يسيل منها بصفة دائمة، هذا ليس حيضاً، وإنما هو استحاضة، وهو عرق يسيل بصفة مستمرة، وهذا لا يمنع الصلاة، وهو مثل سلس البول، والريح التي تخرج بصفة دائمة، فلا تمنع عن الصلاة، فالإنسان يصلي ولو كان معه سلس البول إذا كان مستمراً، وكذلك من يخرج منه ريح دائمة، فإنه يتوضأ ويصلي، ولا يمتنع من الصلاة، وكذلك المستحاضة فإنها لا تمتنع إلا في المدة التي يأتيها الحيض.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت قيس في الاغتسال من الحيض
    قوله: [أخبرنا عمران بن يزيد]. عمران بن يزيد هو: عمران بن خالد بن يزيد، أحياناً ينسب إلى جده كما هنا؛ وأحياناً يذكر اسم أبيه واسم جده، وهنا ذكر منسوباً إلى جده، وأبوه خالد، يقول الحافظ ابن حجر: وأحياناً يقلب، يعني: يحصل القلب في الاسم، فيقال: يزيد بن عمران، وهذا كما سبق أن تقدم، إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ، فهو شخص واحد، ولكنه حصل قلب في اسمه، فيأتي مرةً على ترتيب، ويأتي مرةً أخرى مقلوباً، وأحياناً اسمه واسم جده هنا، فيقال: عمران بن يزيد، أو يزيد بن عمران، وهو: عمران بن خالد بن يزيد، وهو صدوق، خرج له النسائي وحده. [أخبرنا إسماعيل بن عبد الله العدوي].هو إسماعيل بن عبد الله العدوي، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري، ومسلم.[حدثنا الأوزاعي]. الأوزاعي هو: أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، إمام أهل الشام، وفقيهها، ومحدثها، الثقة المشهور، وهو مشهور بهذه النسبة الأوزاعي، فهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، ومن المعلوم أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن معرفة ذلك مهم؛ لأن من لا يعرف هذا لو ذكر مرة من عرفه مشهورا باسمه ونسبته، ولا يعرف كنيته، فلو قيل له: عبد الرحمن أبو عمرو لظن أن ذلك خطأ، وأن (أبو) مصحفة عن (ابن)، لكن كله صواب، هو: عبد الرحمن أبو عمرو، وهو: عبد الرحمن بن عمرو، وهو: ابن عمرو فهو صواب، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يحيى بن سعيد]. يحيى بن سعيد هو: الأنصاري، ولا يفكر ولا يقدح في الأذهان أن يكون يحيى بن سعيد القطان؛ لأن يحيى بن سعيد القطان من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، وأما هذا من طبقة شيوخ مالك، والأوزاعي، وهو من صغار التابعين، فإذا مر ذكره مثلاً غير منسوب وقيل: الأنصاري، فإنه: يحيى بن سعيد الأنصاري؛ لأنه في طبقة التابعين، لكن يوافقه في الطبقة شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد التيمي، وأما يحيى بن سعيد القطان فهو ليس من طبقته، وبعيد من طبقته، فهو من طبقة تلاميذ تلاميذه، الذي هو يحيى بن سعيد القطان، فـيحيى بن سعيد هذا هو الأنصاري المدني، وقد جاء ذكره في أول حديث من صحيح البخاري؛ حديث: (إنما الأعمال بالنيات)، فيه يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب وهؤلاء الثلاثة من التابعين في هذا الإسناد الذي هو: إسناد حديث عمر، وهم: علقمة بن وقاص من كبار التابعين، ومحمد بن إبراهيم من أوساط التابعين، ويحيى بن سعيد الأنصاري من صغار التابعين، فهو من طبقة صغار التابعين، يروي عنه الأوزاعي، ومالك، ومن كان في طبقتهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فـيحيى بن سعيد اثنان في طبقة؛ وهي طبقة صغار التابعين، يحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن سعيد التيمي، ومعروف بكنيته أبي حيان. أما يحيى بن سعيد القطان فهو من طبقة شيوخ شيوخ البخاري، ومسلم، وفي طبقته شخص آخر اسمه: يحيى بن سعيد الأموي؛ لأن القطان والأموي في طبقة شيوخ شيوخ البخاري. فهما في طبقة واحدة.فإذا؛ قيل: كيف يفرق بين الأنصاري والتيمي؟ وبين الأموي والقطان؟نقول: يفرق بين الأنصاري والتيمي، وبين الأموي والقطان، بالشيوخ والتلاميذ، هذه هي الطريقة التي يفرق بين اثنين مثل التفريق بين سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فإنما يعرف عن طريق الشيوخ والتلاميذ. قوله: [حدثني هشام بن عروة]. هشام بن عروة هو: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن عروة]. هو: عروة بن الزبير، وهو من التابعين، وهو من فقهاء المدينة السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن فاطمة بنت قيس]. فاطمة بنت قيس صحابية سألت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخبرته بما يحصل لها، وهي من بني أسد؛ من أسد قريش، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة، وأحياناً يأتي ذكرها بنت أبي حبيش، وأبو حبيش هو: قيس، أحياناً يأتي قيس، وأحياناً يأتي أبو حبيش.

    شرح حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عمار حدثنا سهل بن هاشم حدثنا الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغتسلي)؛ يعني: الاغتسال من الحيض؛ لأن الحيض انقطاعه يوجب الغسل، وهذا مختصر؛ يعني: أن فيه حكاية ما جاء في المرأة التي استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستحاضة، وقال: (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي)، والحديث جاء من طرق متعددة ذكرها المصنف، ولكنه ذكرها هنا مختصراً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)
    قوله: [أخبرنا هشام بن عمار]. هو هشام بن عمار، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة. [حدثنا سهل بن هاشم]. هو سهل بن هاشم، وهو صدوق، لا بأس به، خرج له النسائي. [حدثنا الأوزاعي]. الأوزاعي قد مر في الإسناد الذي قبل هذا. [عن الزهري]. الزهري هو الإمام المعروف المشهور في المدينة، وهو من المحدثين الفقهاء، وممن جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه هو الذي تولى تدوينه بتكليف من عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وهو من رجال الجماعة كما عرفنا ذلك. قوله: [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة، هذا مثل الإسناد الذي قبله، عن هشام بن عروة، وهنا عن الزهري، عن عروة بن الزبير. فهنا يكون الطريق أخصر؛ لأن الأول فيه يحيى بن سعيد، وهشام بن عروة، وهنا: الأوزاعي عن الزهري عن عروة.

    شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمران بن يزيد حدثنا إسماعيل بن عبد الله حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش سبع سنين، فاشتكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي ثم صلي)]. هنا أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، الذي ذكرت فيه (أن أم حبيبة بنت جحش) وهي أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين، (شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تستحاض)، فقال لها: (أن ذلك ليس بالحيضة)، يعني: هذا الدم، (ولكن ذلك عرق، فاغتسلي ثم صلي) يعني: أنه عندما ينقطع دم الحيض -المعروف الذي تعرفه النساء من عادتهن، وبصفاته المعروفة لديهن- فإنها تغتسل، وتصلي، ولا تترك الصلاة في أيام استحاضتها؛ لأن دم الاستحاضة لا يمنع الصلاة، ولا الصيام، ولا الجماع، ولا الطواف والسعي، وما إلى ذلك من الأمور التي تفعلها النساء؛ لأن هذا مثل سلس البول حكمه حكمه، ولا فرق بينه وبينه في الحكم، من حيث أن هذا يصلي على حسب حالها، وهذه تصلي على حسب حالها إذا كان الدم يخرج منها، إلا أنها تستثفر حتى لا يتقاطر في المسجد إذا جاءت إليه، أو في مكان مصلاها، حتى إذا خرج شيء في وقت الصلاة، أو يعلق وينشب في ذلك الثوب الذي جعلته في فرجها ويستقبل الدم الذي يسيل منها لا يسيل على فخذيها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
    أما إسناد الحديث فهو إسناد الحديث الأول الذي تقدم، إلا أن فيه زيادة عمرة مع عروة.[عن عروة وعمرة]. عروة هو ابن الزبير، وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وهي أنصارية، وهي ثقة، أكثرت من رواية الحديث عن عائشة، وهذه من روايتها عن عائشة، وهي من الرواة الذين خرج لهم أصحاب الكتب الستة. [حدثنا إسماعيل بن عبد الله]هو نفسه إسماعيل بن عبد الله الذي في الإسناد الأول.

    شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثانية
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الهيثم بن حميد أخبرني النعمان والأوزاعي وأبو معيد وهو حفص بن غيلان عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استحيضت أم حبيبة بنت جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف، وهي أخت زينب بنت جحش، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فإذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فاتركي لها الصلاة، قالت عائشة رضي الله عنها: فكانت تغتسل لكل صلاة وتصلي، وكانت تغتسل أحياناً في مركن في حجرة أختها زينب، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أن حمرة الدم لتعلو الماء، وتخرج فتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يمنعها ذلك من الصلاة)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو حديثها الذي ذكرت فيه: أن أم حبيبة بنت جحش -أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين- أنها كانت تستحاض، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: (إنما ذلك عرق، فإذا أدبرت الحيضة، فاغتسلي وصلي، وإذا أقبلت فدعي لها الصلاة)، يعني: أن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الكلام أنها تعرف عادتها؛ من مجيء الحيض إليها، فإذا أقبلت العادة تدع الصلاة؛ لأن الحائض لا تصلي، وإذا أدبرت وانقضت فإنها تغتسل وتصلي، وقالت عائشة: (فكانت تغتسل لكل صلاة) والحديث هنا ليس فيه ذكر الاغتسال لكل صلاة، وإنما فيه ذكر الاغتسال عند إدبار الحيضة، وهو الاغتسال من الحيض.والحديث فيه: الأمر باغتسالها عند إدبار الحيضة، ولكن اغتسالها لكل صلاة إنما هو من فعلها، فكانت تغتسل في كل صلاة في حالة استحاضتها؛ يعني: بعدما انقضت عدتها التي هي دم الحيض التي كانت لا تصلي فيها، فهي تغتسل من الحيض، والرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تغتسل من الحيض، وهي كانت تغتسل لكل صلاة، فقيل: إنها فهمت لذلك، وأن هذا من فعلها، وهو الاغتسال لكل صلاة. وجاء في بعض الروايات التي سيذكرها المصنف: ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تغتسل لكل صلاة ) وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إن الواجب هو الاغتسال عند انقضاء دم الحيض؛ لأنه هو الغسل الواجب، وأما هذا فإنه لا يكون واجباً، ومنهم من قال: إنه مستحب، وذهب الجمهور إلى أن الاغتسال الواجب اللازم هو الذي يكون عند انقطاع دم الحيض، لكن عند كل صلاة تتوضأ، وقد جاء إرشادها بأن تتوضأ لكل صلاة. أما الاغتسال فقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الاغتسال لكل صلاة في غير الصحيحين في السنن وفي غيرها، فمنهم من قال: إن ذلك محمول على الاستحباب، وأنه لا يكون للوجوب، ومنهم من قال: إن الأولى والأحوط أن تغتسل لكل صلاة؛ كما فعلت أم حبيبة بنت جحش، التي أخبرت عنها عائشة رضي الله تعالى عنهما: بأنها كانت تغتسل لكل صلاة.ثم ذكرت أنها كانت تغتسل في حال استحاضتها في مركن؛ أي: في وعاء، أو إناء، أو مكان معين تغتسل فيه، فتطفو الحمرة على الدم، ثم تستثفر، وتذهب، وتصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلا يمنعها ذلك من الصلاة؛ لأن هذا الخروج الذي يكون بسبب الاستحاضة مثل سلس البول، لا خلاص منه، ولا يمنع من الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثانية
    قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود]. الربيع بن سليمان بن داود هذا هو الجيزي المصري المرادي، وفي المصريين رجل آخر بهذا الاسم الربيع بن سليمان، إلا أنه ابن عبد الجبار، وهذا: الربيع بن سليمان بن داود، وذاك الربيع بن سليمان بن عبد الجبار، وقد جاء في بعض الأحاديث الماضية ذكر الربيع بن سليمان وحده، وهنا ذكر ما يميزه عن ابن عبد الجبار وهو: ابن داود، وهو ثقة، خرج له أبو داود، والنسائي فقط.[حدثنا عبد الله بن يوسف]. عبد الله بن يوسف هو: التنيسي الذي سبق أن مر ذكره، وهو ثقة، خرج له البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. [حدثنا الهيثم بن حميد]. الهيثم بن حميد صدوق رمي بالقدر، خرج له أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له الشيخان: البخاري، ومسلم شيئاً. [أخبرني النعمان والأوزاعي]. هو النعمان بن منذر، وهو غساني، وهو صدوق، رمي بالقدر، أخرج له أبو داود، والنسائي، والأوزاعي معروف، وهو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، الفقيه، المحدث الذي مر ذكره.[أبو معيد].هو أبو معيد حفص بن غيلان، شامي، وهو صدوق، فقيه، رمي بالقدر، خرج له النسائي، وابن ماجه . [أخبرني عروة بن الزبير وعمرة]. عمرة، وعروة، وعائشة، فقد مر ذكرهم.

    شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثالثة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنين، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه ليست بالحيضة، ولكن هذا عرق، فاغتسلي وصلي)]. هنا أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو مثل الذي قبله، وفيه أن أم حبيبة بنت جحش أخت زينب استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم عما حصل لها من الاستحاضة، فأخبرها عليه الصلاة والسلام أن ذلك ليس بحيض وإنما هو عرق يسيل الدم منه في وقت مستمر، وفي صفة مستمرة، فتترك الصلاة أيام الحيض، وما عدا ذلك فإنها تصلي، وتغتسل عند انقضاء حيضها، وهو مثل ما تقدم من الأحاديث وبمعناها.وقول عائشة: (ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحت عبد الرحمن بن عوف) ختنة يعني: أخت زوجته؛ لأنه زوج زينب بنت جحش وهذه أختها التي هي أم حبيبة بنت جحش.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق ثالثة
    قوله: [أخبرنا محمد بن سلمة].محمد بن سلمة هو المرادي الجملي المصري، وهو ثقة، خرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثنا ابن وهب]. ابن وهب هو: عبد الله بن وهب المصري المعروف، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن الحارث].هو عمرو بن الحارث، وهو أيضاً المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو: الزهري، وقد مر كثيراً.قوله: [عن عروة وعمرة عن عائشة]. عروة وعمرة مر ذكرهم، وعائشة كذلك.

    شرح حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق رابعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (استفتت أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني استحاض؟ فقال: إنما ذلك عرق، فاغتسلي وصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة)].هذه أيضاً طريق أخرى لحديث عائشة، وفيها ما في الذي قبلها، وتدل على ما دل عليه ما قبلها من الطرق والروايات من كونها استفتت، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام قال لها: (إنما ذلك عرق) وليس بحيض، وأنها إذا أدبرت الحيضة تغتسل وتصلي، وأنها كانت تتوضأ لكل صلاة.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق رابعة
    قوله: [أخبرنا قتيبة]. قتيبة هو: ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الليث].الليث هو ابن سعد المصري، وهو من الثقات الأثبات الفقهاء، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو الزهري، وهو كذلك من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة قد مر ذكرهما، وجميع رواة الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة؛ وهم: قتيبة، والليث، والزهري، وعروة، وعائشة.
    حديث عائشة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة من طريق خامسة وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن جعفر بن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدم؟ قالت عائشة رضي الله عنها: رأيت مركنها ملآن دماً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه ما في الذي قبله. قوله: [أخبرنا قتيبة حدثنا الليث].قتيبة والليث قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.[عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب ثقة، وهو مصري، خرج حديثه الجماعة. [عن جعفر بن ربيعة].هو جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، وهو ثقة، خرج حديثه أيضاً الجماعة. [عن عراك بن مالك]. هو عراك بن مالك الغفاري، وهو ثقة أيضاً، خرج حديثه الجماعة.[عن عروة عن عائشة]. عروة وعائشة مر ذكرهم في الأسانيد السابقة.[وأخبرنا قتيبة مرةً أخرى ولم يذكر جعفراً] يعني: الذي قبل جعفر وهو: يزيد بن أبي حبيب روى عن عراك، مباشرة دون أن يروي عن جعفر فيحتمل أن يكون عنده بالإسنادين؛ أنه رواه نازلاً، ورواه عالياً، وأن يكون سمعه مرة من جعفر، ثم لقي عراك، وسمعه منه، فحدث به على الحالتين: حالة طول الإسناد، وكون فيه واسطة بينه وبين عراك، وكونه روى عن عراك بغير واسطة مباشرة.

    شرح حديث أم سلمة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها: (تعني أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر، قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا خلفت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر، ثم لتصلي)].هنا ذكر النسائي حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن امرأة كانت تستحاض، وأنها تهراق الدم دائماً، يعني: أن الدم يخرج من فرجها، ومن رحمها بصفة مستمرة، فقال عليه الصلاة والسلام: أن ذلك ليس بحيض، وإنما ذلك عرق، فلتعرف مدة حيضتها من الشهر، فإذا أقبلت تلك المدة من الشهر التي جرت بها عادتها -أن يأتيها فيها الحيض- فإنها تدع الصلاة تلك المدة، فإذا أدبرت، وخلفت تلك الأيام وراءها، فإنها تغتسل، وتستثفر، وتصلي في المكان الذي تصلي فيه، وإنما تضع ذلك على فرجها حتى يعلق به الدم الذي يخرج من الفرج في وقت الصلاة، فهو مثل الذي قبله من الأحاديث في بيان الحكم.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في الغسل من الحيض وتركه من الاستحاضة
    قوله: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع].قتيبة مر ذكره، ومالك أيضاً مر ذكره وهو: مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الثقة، المحدث، الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المعروفة المشهورة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ونافع، هو: نافع مولى ابن عمر، وهو من الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل إن أصح الأسانيد عند البخاري: مالك عن نافع عن ابن عمر. [عن سليمان بن يسار].سليمان بن يسار هو أحد الثقات، وهو من فقهاء المدينة السبعة، المشهورين المعروفين في عصر التابعين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أم سلمة].أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقد مر ذكرها فيما مضى.
    الأسئلة

    ما تفعله المستحاضة عند قيامها للصلاة
    السؤال: هل المستحاضة تغسل ثيابها لكل صلاة إذا أصابها الدم؟ الجواب: نعم، المستحاضة عندما تصلي تغسل الدم عن جسدها، وتغسله عن ثيابها، وتستثفر، وتصلي، ولا يضرها بعد ذلك، لكن فيما يتعلق بغسل الثياب، وكونها تتوضأ أو تغتسل مع الوضوء أمر لا بد منه، وكذلك ثيابها إذا كان فيها نجاسة، أو فيها دم فهي تغسلها، ولا تصلي إلا في ثياب طاهرة، وكذلك جسدها يكون طاهراً ليس عليه نجاسة، بل إنها تستثفر حتى لا تخرج النجاسة وتسيل على جسدها وعلى ثيابها، وإن خرجت وسالت لا يؤثر؛ لأن هذا شيء ليس بإرادتها، فيكون مثل سلس البول. فتتوضأ عند كل صلاة عند دخول الوقت.

    حكم ترك الصف الأول في الصلاة للقرب من الدرس
    السؤال: إنني رأيت من بعض طلبة العلم أنه يوجد في الصفوف التي أمامهم مكان خال فلا يتقدمون إليه؛ لأنهم يريدون أن يكونوا قريبين من كرسي الشيخ، فما رأيكم؟ الجواب: بعد أن وجد المكبر الذي يتضح به الصوت، فإنه لم يبق هناك حاجة إلى الازدحام قرب الكرسي، وإنما تتم الصفوف: الأول فالأول، والذي يأتي مبكراً والذي يأتي متأخراً الكل يصل إليه الصوت، والكل يسمع، ولم يبق هناك حاجة داعية إلى القرب من الكرسي.

    حكم مسح الوجه بعد الدعاء
    السؤال: هل ثبت شيء في مسألة مسح الوجه باليدين بعد كل دعاء؟ الجواب: عندما يدعو الإنسان، ويرفع يديه ينزلهما دون أن يمسح بهما وجهه؛ لأنه لم يثبت في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء، نعم ورد فيه أحاديث لكنها ضعيفة، من العلماء من قال: إنها بضم بعضها إلى بعض تصل إلى حد الحسن، لكن بعض العلماء قالوا: إنها لا تصل إلى حد الحسن، وهذا حكم لا يؤخذ به إلا بدليل ثابت، وهي لم تثبت، فالذي ينبغي والأولى ألا يمسح وجهه بيديه بعد الفراغ من الدعاء، وإنما يرفعهما ثم ينزلهما بدون مسح.

    مدى صحة موافقة اسم أم المهدي لاسم أم النبي صلى الله عليه وسلم
    السؤال: من علامات قيام الساعة: ظهور المهدي، وبعض الناس يقول: إن هذا المهدي فيه جل صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاسمه كاسمه، واسم أمه كاسم أمه، فهل هذا الكلام صحيح؟ الجواب: هو: محمد بن عبد الله، اسمه كاسم رسول الله، واسم أبيه هو اسمه أبيه، أما كون اسم أمه اسم أمه هذا ما أعرف فيه شيئاً.

    القول بفضل الصلاة في محراب الروضة
    السؤال: المحراب الذي كان عند النبي صلى الله عليه وسلم هل الصلاة عنده فيه فضيلة تزيد على فضيلة الروضة؟ الجواب: الروضة كلها هي ما بين البيت والمنبر، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي في مقدمة الروضة، والصحابة وراءه يصلون، ومن المعلوم: أن الروضة لها ميزة على سائر المسجد، لكن هذا في النوافل، وأما بالنسبة للفرائض، فالصفوف الأولى التي أمامها، وميامن الصفوف التي تحاذيها أولى منها وأفضل منها؛ لأن الميامن كانت في زمنه خارج الروضة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يحث على ميامن الصفوف، والمقدمة التي أمام الروضة هذه زادها عمر وعثمان رضي الله تعالى عنهما، والصفوف الأولى فيها، فهي أولى من الصلاة في الروضة بالنسبة للفريضة، وأما المكان الذي صلى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو أيضاً غير معلوم بالتحديد، والإنسان يحرص على اتباعه فيما أمر به ونهى عنه، يمتثل المأمور، وينتهي عن المنهي، أما كونه يأتي إلى مكان ويقول: الرسول صلى فيه وقد لا يكون صلى فيه، وقد يكون صلى في مكان آخر فقد يترتب على ذلك تجاوز وقد يفضي ذلك إلى ما لا يحمد عقباه، ولكن الذي ينبغي عليه أن يمتثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوامر، سواءً كان ذلك من الواجبات أو المستحبات، وينتهي عن النواهي، سواءً كان ذلك من قبيل المحرمات، أو من قبيل المكروهات.

    حكم التبليغ بعد الإمام بدون حاجة
    السؤال: هل ثبت شيء في التبليغ بعد الإمام بالتكبير بدون حاجة؟ الجواب: لم يثبت في التبليغ بعد الإمام بدون حاجة شيء، وإنما التبليغ يكون للحاجة، فإذا لم يكن هناك حاجة فلا يفعل التبليغ.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #71
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (68)

    - باب ذكر الأقراء
    الأقراء في اللغة من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الحيض وعلى الطهر، لكن الأحاديث تدل على أن المراد بالقرء هو الحيضة.
    ذكر الأقراء

    شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن بكر حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها، فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة)]. يقول النسائي رحمة الله عليه: ذكر الأقراء. والأقراء جمع قرء، والقرء: هو اسمٌ لمدة الطهر أو الحيض عند النساء؛ لأنه من الألفاظ التي تطلق على الأضداد، تطلق على الشيء وضده، على الطهر والدم، والنسائي رحمه الله، لما ذكر المستحاضة، وما جاء فيها من الأحاديث الدالة على أنها تترك الصلاة وقت مجيء الحيض لها، وأنها في الأوقات الزائدة على ذلك فأنها تصلي، وتؤدي ما كان يجب عليها، وأن الاستحاضة ليست كالحيض، وهي لا تمنع من الصلاة، ولا تمنع من قراءة القرآن، ولا من الجماع؛ لأن الحيض يخالف الاستحاضة، ولما كان ذكر الاستحاضة أتى بعدها ذكر القرء في الأحاديث، فعقد هذه الترجمة فقال: باب ذكر الأقراء؛ لأن الأحاديث المتعلقة بالاستحاضة جاء فيها ذكر الأقراء، ولهذه المناسبة عقد هذه الترجمة، فما هي الأقراء؟ الأقراء: جمع قرء، وكذلك يجمع على قروء، وقد جاء في القرآن: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، وفُسر القرء بأنه: الحيض، وفُسر بأنه: الطهر، وهو اسم لزمان الطهر، أو زمان الحيض، وعلى هذا فهو من الأضداد، يعني: يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده؛ والقرء من الأضداد يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهما متقابلان ومتضادان، ومن ذلك: (عسعس)، فإنه بمعنى أقبل وأدبر، والإقبال والإدبار من الأضداد، وهناك ألفاظٌ كثيرة تأتي في اللغة يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده. والأحاديث التي أوردها النسائي هنا تدل على أن القرء يراد به الحيض، كل الأحاديث التي وردت في هذا الباب، في باب ذكر الأقراء، هي في أن القرء يراد به الحيض، وأول الأحاديث التي أوردها النسائي في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها: في قصة أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وأنها كانت تستحاض، فذكر شأنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: ذكر شأنها من أجل الاستفتاء، وفي استفتائه ماذا تصنع، وهل تمتنع من الصلاة في حال الاستحاضة كما هو شأنها في حال الحيض، أو أن الأمر يختلف؟ فأجاب رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن ذلك ليس بالحيضة، وإنما هي ركضة من الرحم)، يعني: تحصل في الرحم، وهي سيلان عرق فيه، يحصل معه جريان الدم باستمرار في وقت الحيض، وفي غير وقت الحيض، فبين عليه الصلاة والسلام بأن هذا عرقٌ يكون في الرحم، يسيل منه الدم بصفةٍ مستمرة، وأنها إذا جاء وقت القرء الذي هو الحيض، فإنها تمتنع من الصلاة، وإذا أدبر القرء الذي هو الحيض، فإنها تغتسل وتصلي. وفي هذه الرواية أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: إن ذكر الاغتسال لكل صلاة إنما هو من فعلها، وليس من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، والأحاديث التي جاءت في الصحيحين ليس فيها ذكر هذه الزيادة، أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة، وإنما فيها أنه أمرها بالاغتسال عند انقضاء دم الحيض، وعند إدبار الحيضة، وأنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة باجتهادٍ منها، وبفعلٍ منها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لكن هذه الرواية التي معنا فيها أن اغتسالها لكل صلاة، إنما هو بأمر رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذكرت فيما مضى: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى إيجاب ذلك عليها، ومنهم من رأى أن ذلك مستحب، لكن اغتسالها عند انقضاء العادة الذي هو دم الحيض، فهذا أمرٌ لا بد منه، وهو واجب، أي: اغتسالها من الحيض.إذاً: فالحديث الذي أورده النسائي هنا مشتمل على ما ترجم له النسائي من ذكر القرء، وأنه بمعنى الحيض، وهو أحد المعنيين اللذين يرد لهما لفظ القرء، وهما المعنيان المتضادان: الطهر والحيض، أو زمن الطهر وزمن الحيض.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
    قوله: [إسحاق بن بكر]. وهو إسحاق بن بكر بن مضر، وهو صدوق، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي. [عن أبيه]. وهو بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه . [عن يزيد بن عبد الله]. وهو ابن الهاد، وهو ثقةٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقيل له: ابن الهاد؛ لأن جده لقب الهاد؛ لأنه كان يوقد النيران في الطريق حتى يهتدي المسافرون بها، وحتى يعرفوا الطريق بها، فقيل له: ابن الهاد.[عن أبي بكر بن محمد]. وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، وهو ثقةٌ، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة].وهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، وهي ثقةٌ، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرةٌ من الرواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق مر ذكرها مراراً، وهي الصحابية التي لم يرو أحدٌ من الصحابيات مثل ما روت من الحديث، وهي أحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين سبق أن ذكرت مراراً أن السيوطي نظمهم في ألفيته فقال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيزوجة النبي المراد بها عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليست بالحيضة، إنما هو عرق، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها المتعلق أيضاً بـأم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، والمتعلق بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن شأنها، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها بأن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضها، والمراد بالحيض هو الأقراء، من عطف الشيء على مثله؛ لأن الحيض هو القرء هنا؛ لأنه قال: (تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها)، فهو من عطف الشيء على مثله مع مغايرته بالمعنى؛ لأن القرء هنا بمعنى الحيض، فهي تترك الصلاة قدر الأقراء التي هي الحيض، ثم بعدما تدبر الأقراء التي هي الحيض وعندما تنتهي كل حيضة، فإنها تغتسل وتصلي كل الصلوات في حال استحاضتها؛ لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة، وإنما الذي يمنعها الحيض. والاستحاضة كما سبق أن ذكرت أنها مثل سلس البول، يعني: خروج نجاسة بصفةٍ مستمرة، لا يتمكن الإنسان من الخلاص منها، فلا يمنع ذلك من الصلاة، فهي تصلي على حسب حالها، كما أن الذي به سلس البول يصلي على حسب حاله، وإن كان يخرج منه البول بصفة مستمرة، فكذلك هذه تصلي ولو كان يخرج منها الدم، أي: دم الاستحاضة بصفةٍ مستمرة. المقصود من إيراد الحديث هو ذكر الأقراء وهي الحيض، فهو مطابق لما ترجم له المصنف.


    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى

    قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].ومحمد بن المثنى هو العنزي الملقب بـالزمن، وقد مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن بشار الملقب بندار الذي قال عنهما الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما ولدا في سنةٍ واحدة وماتا في سنة واحدة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وكونهما من بلدٍ واحد صار بينهما تشابهٌ وتماثل حتى قيل في وصفهما: إنهما كفرسي رهان.[عن سفيان].وسفيان يروي عن الزهري، والمراد بـسفيان هو ابن عيينة؛ لأنه إذا جاء ذكر سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به سفيان بن عيينة؛ لأن الحافظ ابن حجر ذكر في الفتح بأن سفيان معروف بالرواية عن الزهري بخلاف الثوري، وقد قال أيضاً في موضع آخر من فتح الباري: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وقد ذكرت فيما مضى: أن ابن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، بخلاف الثوري، فإنه مقل من الرواية عنه، وأن هذا الذي ذكرته مبني على ما ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان، لكن الذي ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وأن الذي هو معروف بالرواية عن الزهري إنما هو سفيان بن عيينة. فعلى هذا، إذا جاء سفيان غير منسوب، وهو الذي يسمى المهمل في علم المصطلح يروي عن الزهري فإنه يحمل على أنه ابن عيينة، وليس على أنه الثوري؛ لأن القاعدة المعروفة عند المحدثين: أنه عندما يذكر شخص غير منسوب، وهو يحتمل شخصين، فإنه يحمل على من يكون أكثر ملازمة، ومن يكون له علاقة خاصة بذلك الذي يروي عنه؛ لأنه في الغالب إنما يهمل فيما إذا كان معروفاً بكثرة الرواية عنه، ثم أيضاً هو من بلده؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، والزهري مدني، يعني: أن كلاً منهما من أهل الحجاز، فهما متقاربان مكة والمدينة، وأما سفيان الثوري فهو من أهل الكوفة، وهي في العراق. إذاً فعندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، ولا يحمل على الثوري.وسفيان بن عيينة ثقة، ثبت، حجة، إمام، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهورٌكما ذكرت سابقاً بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومشهوراً أيضاً بالنسبة إلى أحد أجداده شهاب حيث يقال له: ابن شهاب، وأحياناً يأتي ذكره باسمه واسم أبيه، فيقال: محمد بن مسلم، وهذا قليلٌ في الاستعمال، وإنما الكثير في الاستعمال أحد هذين اللفظين، وهما ابن شهاب أو الزهري. وهو ثقة، فقيهٌ إمام، جليل، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جمع السنة بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديث الزهري عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة عن عائشة]. وهي عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

    شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته: (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). هذا الدليل على أن الأقراء حيض. قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة، ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر].هنا ذكر النسائي حديثاً آخر: وهو حديث قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وهو قيس بن المطلب، وهي أحياناً يقال لها: فاطمة بنت قيس، وأحياناً يقال: فاطمة بنت أبي حبيش، وتنسب أحياناً إلى أبيها باسمه، وأحياناً إلى أبيها بكنيته، وهي سواء جاءت بذكر نسبتها إلى أبيها باسمه، أو إلى كنيته؛ لأنها امرأة واحدة وليست امرأتين؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش وفاطمة بنت قيس هي بمعنى واحد؛ لأن أبا حبيش هو قيس، فإذا جاء مرة فاطمة بنت قيس، ومرة بنت أبي حبيش، فهي هي.وفيه: أنها استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (انظري إذا جاء قرؤك -أي: الحيض- فدعي الصلاة)، يعني: اتركي الصلاة في حال القرء، يعني: أن دم الاستحاضة مستمر، وأحياناً يأتي الحيض مع الاستحاضة، فهي في الوقت الذي يأتي الحيض هي تمتنع من الصلاة، فإذا أدبر قرؤها، أي: حيضتها، فإنها ترجع إلى الصلاة وتصلي ما بين القرء والقرء، يعني: من الحيضة إلى الحيضة، فالطهر الذي بين الحيضتين هو طهر، بمعنى أنه طهرٌ من الحيض، وإن كان دم الاستحاضة موجوداً، ما هناك طهر، يعني: سلامته من الدم، لكن هناك طهر من الحيض الذي تترك فيه الصلاة، وأما الباقي الذي هو بين القرأين الذي هو دم الحيض في المرة الأولى، والمرة التي بعدها، يعني: بين القرأين، أي: الحيضتين، فإنها تصلي ولا تترك الصلاة؛ لأن ذلك ليس بحيض، وإنما هو عرق الذي هو الاستحاضة. قال: وفي هذا دليل على أن القرء يراد به الحيضة، وأن الأقراء هي الحيض. ثم ذكر النسائي أن هشام بن عروة رواه عن عروة، ولم يذكر ما ذكره المنذر بن المغيرة الذي روى عن عروة، ثم أتى بهذا الاستنباط الذي هو ذكر أن القرء يراد به الحيض، هذه من المنذر الذي في الإسناد، المنذر بن المغيرة الذي يروي عن عروة بن الزبير.

    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
    قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].وعيسى بن حماد هو: ابن مسلم المصري، ولقبه زغبة، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي. وابن ماجه لم يخرج له ولا الترمذي.[الليث]. وهو الليث بن سعد المصري، الفقيه، المحدث، الثقة، الثبت، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب، هو أيضاً مصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكير بن عبد الله]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن المنذر بن المغيرة]. والمنذر بن المغيرة قال عنه في التقريب: إنه مدني، وإنه مقبول، وإن حديثه خرجه أبو داود، والنسائي.[عن عروة]. هو: عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين مر ذكرهم كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن فاطمة بنت أبي حبيش]. وفاطمة بنت أبي حبيش مر ذكرها، وهي: فاطمة بنت قيس، وهي صحابية مشهورة، لها هذا الحديث في الاستحاضة، وخرج حديثها أبو داود، والنسائي.

    شرح حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي)].ثم أورد النسائي حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأنها جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: (إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرقٌ وليس بالحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وليس فيه ذكر القرء، يعني: كما ترجم له المصنف، ولكن في الروايات التي قبله فيما يتعلق بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فيه ذكر القرء، والمراد بالقرء هو الحيض؛ لأن القرء يأتي ويراد به الحيض، ويراد به الطهر، وهو هنا في هذا الباب يراد به الحيض.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه؛ لأنه خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. قوله: [أخبرنا عبدة]عبدة هو ابن سليمان الكلابي، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[و وكيع].وهو ابن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وقد مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [و أبو معاوية].وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا هشام بن عروة]. و هشام هو ابن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه]. وهو عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم كثيراً، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا.[عن عائشة].وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها في الأحاديث السابقة وفي غيرها.
    الأسئلة

    حكم التسول في المساجد
    السؤال: ما حكم التسول في المساجد؟ وما حكم من يعطيهم وهو في المسجد؟ الجواب: التسول في المساجد الذي ينبغي للإنسان ألا يفعل هذا، لكن لا أعلم فيه ما يمنع منه، ولا شك أن الاستغناء عن السؤال والابتعاد عنه، وخاصة في المساجد هو الأولى، لكنني لا أعلم عن شيء يدل على المنع، والأصل هو الجواز، وإذا احتاج الإنسان وكان ممن تحل له المسألة فليسأل، وينبغي أن يكون ذلك في غير المساجد، لكن لا أعلم ما يدل على منعه، وعلى تحريمه.

    حكم قراءة القرآن وإهدائها للأموات
    السؤال: ما هي الأمور التي تصل ثوابها للميت؟ وهل قراءة القرآن، وإهداء ثوابها للميت ينفع الميت؟ الجواب: قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات لم يرد دليل يدل عليه من السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذي ورد ذكره من انتفاع الأموات بسعي الأحياء هو الدعاء للأموات، فإنه ينفعهم، فدعاء الأحياء للأموات ينفعهم، وصدقة الأحياء للأموات تنفعهم، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك الحج والعمرة تنفعهم؛ لأنه جاء ما يدل عليها، وكذلك الأضحية؛ لأنه جاء ما يدل عليها في العموم، والصوم إذا كان واجباً، وقد جاء ما يدل عليه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه)، سواء كان ذلك الصيام صوم نذر أوجبه الإنسان على نفسه، أو واجب عليه بحكم الشرع، كصيام رمضان، هذا الذي أعلم أنه ورد في الأدلة ما يدل عليه، أما قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات فلم يرد ما يدل عليه، والذي ينبغي هو ألا يفعل، ومن أراد أن ينفع ميته بشيء، فلينفعه بما جاءت به السنة، وهي الأمور التي ذكرتها.
    الواجب على من جامع زوجته الحائض
    السؤال: إذا جامع الإنسان زوجته وهي حائض، فماذا عليه؟ وهل يتصدق بشيء؟ وهل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ الجواب: لا يجوز للإنسان أن يطأ امرأته في فرجها في حال حيضها؛ لأن ذلك حرام، وإنما له أن يباشرها، ويفعل كل شيءٍ إلا الجماع في الفرج، ويبتعد عن فرجها حتى لا يقع في المحظور الذي جاء تحريمه في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن حصل منه الجماع في الفرج وهي حائض، فإنه آثم؛ لأنه حصل منه المعصية والمخالفة، وعليه أن يتصدق بدينار، أو نصفه، وهي كفارة، وقد جاء بذلك حديثٌ عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وأما قوله: هل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ فالجواب: لا، إذا كانت مكرهة ولم تتمكن من منعه، فهي لا تأثم؛ لأنها مكرهة، لكن إذا كانت راضية وموافقة، فلا شك أنها آثمة.
    حكم ثياب من به سلس البول
    السؤال: ما حكم ملابس من به سلس البول؟ الجواب: من به سلس البول إذا أصاب ثيابه البول، فهي نجسة، وعلى الإنسان أن يغسل ثيابه، ولا يستعمل الثياب النجسة، لكن إذا تطهر وتوضأ وذهب للصلاة، أو صلى بعدما تطهر وحصل على ثيابه شيء، فإنه لا شيء عليه في ذلك، ولكن عليه كما عرفنا فيما مضى، أنه عندما يتوضأ يرش على فرجه شيئاً من الماء؛ حتى لا يكون هناك شيءٌ من الوسواس، أو شيء يشوش عليه، لكن كما هو معلوم الإنسان يغسل النجاسة عنه، ولكنه إذا توضأ وذهب للصلاة وحصل ذلك المستمر معه، فإنه يصلي على حسب حاله، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وهو لا يستطيع أكثر من هذا.مداخلة: لكن هو ينزل منه بعض قطرات البول بعد الوضوء دائماً، وأحياناً لا تنزل شيء من ذلك؟ الشيخ: إذا كان بعد الاستنجاء، فعليه ألا يستعجل حتى يفرغ منه، وينزل هذا الذي كان بعد الاستنجاء، أما إذا كان بصفة مستمرة بعد الوضوء وفي الأوقات المختلفة، فهذا هو الذي ذكرته في الجواب السابق.
    مدى شمولية النهي عن مس القرآن بحائل
    السؤال: ورد النهي عن مس القرآن للحائض، فهل يشمل النهي من يحمل القرآن بحائل؟ الجواب: لا يشمله ذلك، يعني: حمل القرآن، فكون الإنسان يحمل القرآن وينقله من مكان إلى مكان، فإن ذلك لا يؤثر، وإنما الذي هو ممنوع هو كون الإنسان يقرأ ويفتش، أما كونه يمسه مثلاً بحائل أو بدون حائل فلا بأس بذلك.
    مدى ثبوت مقولة: أن فاطمة رضي الله عنها كانت لا تحيض
    السؤال: هل ثبت أن بنت النبي صلى الله عليه وسلم لا تحيض، ولذلك سميت بالزهراء؟الجواب : أبداً، ما ثبت أن فاطمة رضي الله عنها لا تحيض، وإنما شأنها شأن بنات آدم، ومن المعلوم أن التي تحمل هي التي تحيض، وهي تحمل وتلد، والتي هي آيسة وهي التي انقطع عنها الدم لا تحمل، وإنما الحمل يكون مع الحيض، وعلامة إمكانية الحمل هو وجود الحيض، فلم يأت شيء يدل على أنها لا تحيض، بل كونها تحمل يدل على أنها تحيض، والأصل أنها كغيرها، والرسول صلى الله عليه وسلم لما حاضت عائشة قال: (هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم)، وهي من بنات آدم، ولم يأت شيء يخصها رضي الله عنها وأرضاها، لكن ورد في فضلها ما يكفي ويشفي، ورد أنها سيدة نساء أهل الجنة، وهذا شرف عظيم لها رضي الله عنها وأرضاها.
    حكم الاستيطان في المكان الذي يصلى فيه
    السؤال: ما الحكم فيمن يتخذ موضعاً معيناً يصلي فيه دائماً، سواءٌ كان ذلك في المسجد أو في بيته؟ الجواب: كون الإنسان يتخذ مكاناً يصلي فيه دائماً في بيته، فلا بأس بذلك، وكونه يخصص مكاناً للصلاة، فإن هذا معروف في زمنه عليه الصلاة والسلام، كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقد كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويصلي بها لأول مرة ثم يتخذونها مصلى. وأما بالنسبة للمسجد، فلا يتخذ الإنسان مكاناً معيناً ثابتاً يصلي فيه إلا الإمام؛ لأن الإمام هو الذي يصلي في مكانه أمام الناس، أما اتخاذ أحد من المأمومين مكاناً لا يصلي فرضه إلا فيه، فهذا ورد فيه حديث يدل على المنع.
    مدى جواز اتخاذ مكان للصلاة في البيت
    السؤال: هل حديث الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي له في داره، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم في أي موضعٍ من داره يريد أن يصلي له، وأشار إليه في موضعٍ من داره يدل على عدم كراهة ذلك؟الجواب: أما كونه في مكان من البيت فلا بأس أن يصلي الإنسان في مكانٍ معين، وقد كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقلت: أنهم كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: بعضهم كان يطلب منه أن يأتي ليصلي في هذا المكان، ويتخذه مصلى، مثل ما حصل لـعتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
    اصطفاف السني وأهل البدع من الرافضة في الصلاة
    السؤال: بعض الرافضة يأتون ويصطفون بجانبنا في الصلاة، فماذا نفعل حينئذٍ؟ وهل يعتبرون أنهم في الصف أو لا؟ الجواب: على كلٍ، الإنسان إذا صلى بجواره مصل فلا يضره من يصلي بجواره، سواء كان من الرافضة أو من غير الرافضة، أقول: ليس عليه شيء في مجاورة الرافضي له أو غير الرافضي من أهل البدع.
    معنى رواية: (إنما هي ركضة من الشيطان)
    السؤال: جاء في بعض الروايات حديث أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما هي ركضةٌ من الشيطان)، فما المراد من ذلك؟ الجواب: ما أدري ركضة من الشيطان هل هي ثابتة، المعروف هو ركضة من الرحم، هذا الذي مر في الحديث، أما من الشيطان فما أدري، ولعلها تأتي فيما يأتي من الأحاديث فنتعرض لها.
    ما يعادل الدينار من دراهم
    السؤال: كم يعادل الدينار درهم؟الجواب: الدينار يعادل اثنا عشر درهماً.

    حكم تعليق رءوس الحيوانات المحنطة في مقدمة البيوت
    السؤال: هل يجوز تعليق رأس الحيوان بآلة كهربائية في البيت مثل الغزال؟ يعني: بعض الناس يجعلون رءوس الحيوان أمام بيوتهم، فهل يجوز ذلك؟الجواب: أولاً: اتخاذ الحيوانات سواء كانت مصورة أو محنطة لا ينبغي، هذا ولو كانت محنطة؛ لأن هذا قد يؤدي إلى محظور في المستقبل، وأيضاً: قد يكون فيه اعتقاد أنه يدفع شيئاً، أو ما إلى ذلك، واعتقاده مثل هذا لا يسوغ؛ لأن الذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى، ومثل وجود رأس يوضع أو حيوان محنط، يوضع ليدفع به شيئاً، أو يعتقد أنه يدفع شيئاً، لا يصح هذا ولا يسوغ، وترك ذلك والابتعاد عنه لا شك أنه هو الذي ينبغي أن يفعله المسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك، حتى ولو كان للزينة، فلا يصح مثل هذا بل يتخذ من الزينة غير هذه الصور الحقيقية، أو الأشياء الحقيقية المحنطة.

    التردد على مسجد بلال للصلاة فيه والتبرك
    السؤال: ما حكم من يتردد ويصلي في الغمامة ومسجد بلال بحجة التبرك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها؟ الجواب: أولاً لا يوجد مسجد باسم مسجد بلال، وإنما هذه مساجد تسمى بأسماء الصحابة، والصحابة ما لهم مساجد خاصة، وكيف يكون لهم مساجد قرب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلون بها، ويتركون الصلاة خلف رسول الله؟! وبنو سلمة يأتون من منازلهم، وهي في أطراف المدينة ليصلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة يصلون رمية حجر في مساجد حول مسجده صلى الله عليه وسلم، هذا لا يصح ولا يليق، ومن ذهب ليصلي بها، ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه قد فاته صلاة بألف صلاة، ولا يحصل إلا على صلاة واحدة؛ لأنها هي كغيرها من المساجد، لكن كونه يصلي بها ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع قربه منه، فهذا لا شك أنه فوت على نفسه خيراً كثيراً. حتى في غير وقت الفريضة لا يشغل نفسه، فإذا كان عنده شيء من الوقت فليقضه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خير، والذي الثواب فيه محقق، والذي فيه الأجر مضاعف، أما تلك فلم يرد فيها شيء.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #72
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (69)


    - (باب ذكر اغتسال المستحاضة) إلى (باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة)

    إذا انقطع دم الحيض والنفاس فإن على المرأة أن تغتسل، أما دم الاستحاضة فليس فيه غسل، وإنما يجب عليها الوضوء عند كل صلاة، كما يجوز لها أن تجمع بين الصلاتين، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها.
    ذكر اغتسال المستحاضة

    شرح حديث عائشة في اغتسال المستحاضة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر اغتسال المستحاضةأخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد حدثنا شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: ( إن امرأة مستحاضة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها: أنه عرق عاند، فأمرت أن تؤخر الظهر وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلا واحداً، وتؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل لصلاة الصبح غسلاً واحداً )].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: ذكر غسل المستحاضة، وأورد تحتها حديث عائشة رضي الله عنها: في ذكر المرأة المستحاضة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنها أمرت بأن تؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتجمع بين الصلاتين، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وكذلك بالنسبة بالمغرب تؤخرها، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، والفجر تغتسل له غسلاً واحداً. هذا الحديث فيه: ذكر الاغتسال للحائض ثلاث مرات، وأنها تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وسبق في حديث مضى أنها أمرت أن تغتسل لكل صلاة، وسبق أيضاً أنها أمرت بالاغتسال عند ذهاب الحيضة، وأنها من نفسها كانت تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرت فيما مضى أن الاغتسال من عند انتهاء الحيض، هذا أمر لا بد منه، وأما الاغتسال عند كل صلاة؛ فإن بعض العلماء ذهب إلى هذا، ومنهم من قال: إن الأحاديث التي وردت في ذكر الاغتسال عند كل صلاة لم تأت في الصحيحين، وإنما الذي جاء في الصحيحين الاغتسال عند ذهاب الحيضة، وذكرت أن من العلماء من قال: بوجوب ذلك عند كل صلاة، وأن منهم من قال: إنه مستحب، عند كل صلاة. وهذا الذي دل عليه هذا الحديث، يدل على أنها تجمع بين صلاة الظهر والعصر، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتجمع بين المغرب والعشاء، وتغتسل لهما غسلاً واحداً، وتغتسل للصبح غسلاً واحداً، يعني: أنها تغتسل ثلاث مرات في اليوم والليلة، ومن العلماء من قال: تغتسل خمس مرات، ومنهم من قال: تغتسل ثلاث مرات، ومنهم من قال: تغتسل غسلاً واحداً، ومنهم من قال: إنه لا يلزم إلا عند انتهاء الحيض، وبعد ذلك لا يلزمها غسل، وإنما هو مستحب لها. وهذا الحديث يدل على جواز الجمع بين الصلاتين للمرأة المستحاضة، ومثلها من يكون مريضاً يحتاج إلى أن يجمع بين الصلاتين، فإن ذلك جائز وسائغ، والدليل عليه هذا الحديث الذي جاء في الترخيص للمستحاضة بأن تجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وذلك مرض، فهو دليل على أن المريض له أن يجمع بين الصلاتين؛ وهما الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال المستحاضة
    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، لقبه بندار، وهو أحد الثقات، الأثبات، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن المثنى الملقب بـالزمن.[عن محمد]. محمد، هذا غير منسوب، وهو مهمل، ويروي عن شعبة، وإذا جاء محمد غير منسوب يروي عن شعبة، ويروي عن محمد بن بشار، فإنه محمد بن جعفر الملقب: غندر، فهذا المهمل، تمييزه، وتوضيحه بأنه غندر محمد بن جعفر؛ لأن محمد بن جعفر معروف بالرواية عن شعبة، وكذلك معروف بالرواية عنه محمد بن بشار، وكذلك محمد بن المثنى، ومحمد بن جعفر غندر هذا ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة].شعبة هو أيضاً أحد الثقات الأثبات، بل إنه أمير المؤمنين في الحديث، قد وصفه بذلك بعض المحدثين، وقالوا: بأنه ممن وصف بهذا الوصف، وهذا وصف يعتبر من أرفع صيغ التعديل، ومن أعلى صيغ التعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن القاسم].وهو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه بعض العلماء: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه القاسم بن محمد].القاسم بن محمد هو ابن أبي بكر، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، المعروفون في زمن التابعين، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمته عائشة].وهي عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وهي الصحابية الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، لم يكن في الصحابيات من هو أكثر منها حديثاً.وهذا الإسناد جميع رواته ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة، محمد بن بشار، ومحمد بن جعفر، وشعبة، وعبد الرحمن بن القاسم، والقاسم بن محمد، وعائشة، رواته ستة، وكلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.
    الاغتسال من النفاس

    شرح حديث جابر في الاغتسال من النفاس
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاغتسال من النفاس:أخبرنا محمد بن قدامة حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في حديث أسماء بنت عميس حين نفست بذي الحليفة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لـأبي بكر: (مرها أن تغتسل وتهل)].أورد النسائي: الاغتسال من النفاس، هذه الترجمة التي أوردها النسائي، وأورد تحتها هذا الحديث، ليس فيه الاغتسال من النفاس عند انقطاعه وعند انتهاء النفاس، وإنما هو اغتسال في حال النفاس؛ لأنه اغتسال للتنظف للإحرام؛ لأنها كانت معهم في ذي الحليفة، ويريدون أن يذهبوا لحجة الوداع مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فنفست يعني: أنها ولدت محمد بن أبي بكر في ذي الحليفة، وهي في طريقها إلى الحج، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ( ليأمرها بأن تغتسل وتهل )، يعني: أنها تفعل ما يفعل المحرمون. وهذا دليل على أن الحائض، والنفساء عندما يريدان الإحرام، فإنهما تغتسلان الاغتسال المستحب للإحرام، فالاغتسال المذكور في هذا الحديث، هو اغتسال في النفاس وفي حال النفاس، وليس اغتسال من النفاس، فهو لا يدل على الترجمة، يعني: من حيث الاغتسال من النفاس، وإنما هو اغتسال للتنظف من أجل الإحرام مع بقاء النفاس، ومن المعلوم: أن الحائض والنفساء عندما تحرمان، تفعلان كل ما يفعل الحاج أو المعتمر، غير أنهما لا تطوفان بالبيت حتى تطهرا، وإذا طهرتا فإنهما تغتسلان وتطوفان. وإذاً: فالحديث لا يدل على الاغتسال من أجل النفاس، ومن أجل الانتهاء من النفاس، وإنما يدل على اغتسال النفساء، وكذلك هو يدل بالنسبة للحائض على أن كلاً منهما تغتسل عندما تريد الإحرام من أجل التنظف للإحرام، والاستعداد للإحرام، والتهيؤ للإحرام، واغتسالها للنفاس عند الفراغ منه، هو مثل الحيض، والحيض ورد ما يدل على لزوم الاغتسال، ووجوب الاغتسال؛ لأنه تنظف من هذه النجاسة الذي هي دم الحيض، فكذلك أيضاً الاغتسال من دم النفاس، والتنظف منه أيضاً لازم وواجب، وهو في حكم الاغتسال من الحيض؛ لأن كلاً من الحائض والنفاس يمنعان من الصيام والصلاة، فلا فرق بين الحيض والنفاس. إذاً: فما جاء من الأحاديث من الاغتسال عند انتهاء الحيض يلحق به، ويقاس عليه النفساء بأنها تغتسل عند انقطاع دم النفاس، كما تغتسل الحائض.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر في الاغتسال من النفاس
    قوله: [أخبرنا محمد بن قدامة].محمد بن قدامة، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا جرير].جرير هو ابن عبد الحميد الضبي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن سعيد].هو يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من صغار التابعين، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك في ما مضى.[عن جعفر بن محمد].جعفر بن محمد هو: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فهو من سلالة علي بن أبي طالب، وهو من نسل فاطمة رضي الله تعالى عنها، ويقال له: جعفر الصادق، وهو أحد الأئمة الإثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق، فقيه، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبيه].أبوه هو محمد بن علي بن الحسين، الملقب الباقر، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جابر بن عبد الله الأنصاري].جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو أحد الصحابة المشهورين، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين جمعهم السيوطي بقوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيِّ
    الفرق بين دم الحيض والاستحاضة

    شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضةأخبرن ا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن محمد وهو ابن عمرو بن علقمة بن وقاص عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن ( فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيض، فإنه دم أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق)].أورد النسائي رحمه الله الفرق بين دم الحيض ودم النفاس، وأورد فيه حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وهو: أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن دم الحيض أسود يعرف، فإذا كان فأمسكي عن الصلاة)، فالفرق بين دم الحيض، ودم النفاس، ودم الاستحاضة، فإن دم الحيض أسود، وتعرفه النساء، وله رائحة، ويكون معه أوجاع تكون في البطن، يعني: عند حصوله، وهذا من أوصافه، وأما الاستحاضة، فإنه بخلاف ذلك. وقد أمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام بأنها تمسك عن الصلاة في حال دم الحيض، وإذا كان دم الاستحاضة، فإنها تتوضأ وتصلي، وهذا فيه دليل على أن المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة، وهي مثل من به سلس البول، فإنه يتوضأ عند كل صلاة عندما يدخل الوقت، سواء يصلي في مكانه إذا كان له حق الصلاة فيه، أو إذا كان يذهب للجماعة؛ فإنه بعد دخول الوقت يتوضأ، ولا يضره ما يحصل له بعد ذلك، فقد جاء في هذا الحديث الوضوء من الاستحاضة وفي غيره من الأحاديث ما يدل على ذلك.
    تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت أبي حبيش في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
    قوله: [إسناد محمد بن المثنى].محمد بن المثنى هو الزمن، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن بشار.[عن ابن أبي عدي].وهو محمد بن إبراهيم، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن محمد].وهو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وهو صدوق، له أوهام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً في الأسانيد، وهو مشهور بنسبته الزهري، ونسبته ابن شهاب، وهو أحد الثقات، الأثبات، الأئمة المعروفين بالفقه، والحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن الزبير].عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، ثبت، صاحب حديث وفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن فاطمة بنت أبي حبيش].فاطمة بنت أبي حبيش، وهي صحابية مشهورة، ولها حديث في الاستحاضة رواه أبو داود، والنسائي، وحديثها عند أبي داود، والنسائي. وغيرها من رواة الإسناد خرج لهم أصحاب الكتب الستة، محمد بن المثنى، يروي عن ابن أبي عدي، وعن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وابن شهاب، وعروة، كل هؤلاء خرج لهم أصحاب الكتب الستة، إلا الصحابية فاطمة بنت أبي حبيش، فإن الذي خرج لها أبو داود، والنسائي، وحديثها هو في الاستحاضة، فحديثها واحد جاء من عدة طرق، وهذا هو الذي لها عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي هذا من كتابه أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي من حفظه حدثنا محمد بن عمرو عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( إن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي )، قال أبو عبد الرحمن: قد روى هذا الحديث غير واحد، لم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي، والله تعالى أعلم].أورد النسائي رحمه الله حديث فاطمة بنت أبي حبيش، عن عائشة رضي الله عنها، تحكي ما حصل لـفاطمة من كونها استحيضت، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأنها تمسك عن الصلاة في حال حيضها، وأن دم الحيض أسود يعرف، وأنها تمتنع عن الصلاة، وإذا انتهى حيضها تتوضأ وتصلي، ولا تقف، وتترك الصلاة في حال استحاضتها.وأورد النسائي الحديث من حديث عائشة، وأورده من طريق محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي من طريقين: إحداهما: من كتابه، والثاني: من حفظه، ومعنى هذا أن محمد بن المثنى روى عن ابن أبي عدي الحديث من وجهين: من كتابه، ومن حفظه، وفيه: أن عائشة رضي الله تعالى عنها بينت عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها استحيضت، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تمتنع عن الصلاة في حال حيضها، وبين لها كيف تميز دم حيضها بأنه أسود يعرف، وفي تلك الحالة تمسك عن الصلاة، وإذا انتهى فإنها تتوضأ وتصلي، وفيه ذكر الوضوء. ويقول النسائي أبو عبد الرحمن: إنه لا يعلم أحداً روى ذلك، أي: ذكر الوضوء، غير ابن أبي عدي، يعني: أن جماعة رووه من طرق متعددة، ولم يذكروا الوضوء، والوضوء ثابت؛ لأنه جاء في هذا الحديث، وجاء في غيره، والعلماء متفقون عليه؛ لكن منهم من يقول: إنه واجب لكل صلاة، وهو قول الأكثرين، ومنهم من يقول: إنه مستحب عند كل صلاة، وأنه لا يجب إلا إذا كان هناك حدث، بالنسبة للمستحاضة إذا حصل منها حدث، وهو نقض الوضوء، كونها يخرج منها غائط أو بول، أو ينتقض وضوءها بغير ذلك الدم الذي يخرج منها، فإنها تتوضأ وجوباً، وإذا كان بسبب الاستحاضة فقط، وهي على وضوئها، ولم يحصل منها إلا خروج دم الاستحاضة، فإن الوضوء لها مستحب؛ لكن الجمهور على أنه واجب، وأن خروج ذلك الدم منها -وهو نجس- أنه ينقض الوضوء، وأن عليها أن تتوضأ لكل صلاة، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء.فإذاً: القول بأنها تتوضأ هذا أجمع عليه العلماء، وإنما خلافهم في هل هو واجب أو مستحب؟ فالجمهور على أنه واجب لكل صلاة، ومنهم من قال: إنه مستحب، وأنه لا يلزمها أن تتوضأ، إلا إذا حصل منها حدث غير دم الاستحاضة.

    شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثانية
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد وهو ابن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك أثر الدم وتوضئي، فإنما ذلك عرق وليست بالحيضة، قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد )، قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: (وتوضئي) غير حماد بن زيد، وقد روى غير واحد عن هشام، ولم يذكر فيه وتوضئي].النسائي ذكر حديث عائشة من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، ومن طريق حماد بن زيد، وفيهما في الذي قبله من كونها أُمرت بأن تتوضأ، ويقول النسائي: أنه لا يعلم أحداً رواه بلفظ: (وتوضئي)، غير حماد بن زيد، وأن جماعة رووه عن هشام بن عروة، لم يذكروا فيه ما ذكره حماد، ورواية: (توضئي) ثابتة، قد جاءت عن حماد، وعن غيره، كما جاءت في الإسناد السابق، وجاءت أيضاً في غير ذلك، وهي ثابتة ومجمع عليها؛ ولكن الخلاف إنما هو في وجوب ذلك أو استحبابه، والجمهور على وجوبه، كما ذكرت ذلك آنفاً.قوله: ( قيل له: فالغسل؟ قال: ذلك لا يشك فيه أحد ).يعني: أنه ثابت، وقد ذكرتُ ما قاله العلماء في الغسل، وأن منهم من يقول: إنه يجب عند كل صلاة، ومنهم من يقول: إنما يجب عند الاغتسال من الحيض، ومنهم من يقول: يجب في اليوم مرة واحدة، ومنهم من يقول: ثلاث مرات.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثانية
    قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].ويحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن حماد].حماد، وهو ابن زيد، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام].وهو هشام بن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. عن أبيه وأبوه: عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].عائشة، وقد تقدمت كثيراً، وهي الراوية للحديث في الأحاديث المتقدمة، إذاً: فرواة الإسناد كلهم ممن خرج له أصحاب الكتب الستة، إلا شيخ النسائي: يحيى بن حبيب بن عربي، فإنه لم يخرج له البخاري، وقد خرج له الباقون.
    حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق ثالثة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( قالت فاطمة بنت أبي حبيش: يا رسول الله! لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، فإذا ذهب قدرها، فاغسلي عنك الدم، وصلي )].وهذا مثل الذي قبله، وإسناده عن مالك بن أنس، وهو إمام دار الهجرة، وهو أحد الفقهاء المشهورين، وممن جمع بين الفقه والحديث، وهو صاحب المذهب المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.عن هشام بن عروة عن أبيه، وقد مر في الإسناد الذي قبله.
    شرح حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق رابعة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أبو الأشعث حدثنا خالد بن الحارث سمعت هشام بن عروة يحدث عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني لا أطهر، أفأترك الصلاة؟ قال: لا، إنما هو عرق -قال خالد فيما قرأت عليه: وليست بالحيضة- فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي )].هنا ذكر حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وإفتاء الرسول صلى الله عليه وسلم إياها بأنها تمسك عن الصلاة في حال حيضها، وأنها إذا أدبرت تغتسل، (تغسل الدم)، تغتسل وتصلي، وهو نفس الحديث، إلا أنه جاء من طريق أخرى.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الفرق بين دم الحيض والاستحاضة من طريق رابعة
    قوله: [أخبرنا أبو الأشعث].وهو أحمد بن المقدام العجلي، وهو صدوق، خرج له البخاري، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .[حدثنا خالد].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة].وبقية الإسناد هو نفس الإسناد الذي قبله.[قال خالد فيما قرأت عليه: (وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)].قوله: (قال خالد فيما قرأت عليه) يعني: الذي يقول هذا تلميذ خالد، هو: أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي، يعني: في بقية الحديث: قال خالد فيما قرأت عليه، ثم ذكر تتمة الحديث إلى آخره.
    الأسئلة

    حكم الجلوس أمام وجه المصلي
    السؤال: إذا صلى أحد، والآخر جالس أمامه وجهاً لوجه، فهل يوجد نهي بذلك أم ماذا؟الجواب: إذا كان -مثلاً- واحد جالساً أمامه، وملاقيه وجهه، بينه وبينه مسافة، أقول: ما أعلم شيئاً يدل على النهي والمنع.

    تبيين الصحيح من الضعيف في سنن النسائي
    السؤال: نرجو من فضيلتكم أن تبين صحة وضعف الأحاديث، مثل أن تقول: هذا حديث صحيح، وهذا حديث حسن، جزاكم الله خير.الجواب: قضية الضعيف: إذا كان هناك حديث ضعيف نتكلم عليه؛ لكن الأحاديث التي في النسائي الضعيف فيها نادر جداً، ولهذا أنا قلت في ما مضى: الأحاديث التي فيها كلام كما ذكر ذلك الشيخ ناصر الألباني، هي كلها في حدود خمسين حديثاً في المجلد بأكمله، فأكثر الأحاديث صحيحة وثابتة، يعني: بين الصحيح والحسن، والضعيف يعتبر نادراً.

    إطلاق لفظة الجماعة عند بعض العلماء
    السؤال: إذا قلت: حديثه عند الستة، هل معناها عند الجماعة؟الجواب: الستة هم الجماعة، فإذا قيل: أخرجه الجماعة وأخرجه الستة، هم بمعنى واحد، إلا أن بعض العلماء له اصطلاح في لفظة الجماعة، وذلك بالإضافة إلى الستة، الإمام أحمد، فيكونوا سبعة، وهذا مثل اصطلاح الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام، فإنه السبعة يعني: أضيف إلى الستة أحمد، وإذا قال: الجماعة، يقصد بهم السبعة، ومعهم الإمام أحمد.كما أن اصطلاح المجد بن تيمية في كتاب المنتقى، عندما يقول: متفق عليه، يقصد البخاري، ومسلم، وأحمد، وهذا اصطلاح خاص به في كتابه المنتقى، الذي شرحه الشوكاني في نيل الأوطار.

    حكم اشتراط ولي المرأة على الخاطب السكنى عنده في البيت
    السؤال: هل لولي المرأة أن يشترط على الخاطب السكنى عنده؟الجواب: أقول: لا بأس، إذا كان الأمر يتطلب ذلك، فكل شرط صحيح، لا مانع منه إذا اشترط.

    موقف الأبناء عند إساءة الآباء إليهم
    السؤال: فضيلة الشيخ! إن أبي منذ أن كنا صغاراً لم يرعنا حق الرعاية، وكان يبغضنا، ومنعنا كثيراً من الحقوق، ولا يعدل بيننا وبين إخوتي غير الأشقاء، عندهم أخوه من الأب يعني، وأنا منذ أن هداني الله أحاول أن أقابل ذلك الصنيع بالإحسان؛ ولكني أجد من نفسي أني لا أحب والدي، فهل ألام على هذا؟ وهل هذا من العقوق؟الجواب: ينبغي للإنسان أن يحرص على الإحسان إلى والده، ولو حصل من والده شيء، فلا ينبغي له ذلك، بل يقابل الإساء بالإحسان، ويتجاوز ويصفح عن والده وما حصل منه، ويدعو الله له أن يتجاوز عنه، وأن يغفر له، ويقابله بالإحسان؛ لأن هذا أعظم أجراً له، وفيه أيضاً برٌ بالوالد، وإحسان إليه، وكون الإنسان حصل من والده شيء لا ينبغي، فلا ينبغي له أن يقابله بما هو سوء، بل يقابله بما هو خير، ومقابلة السوء بما هو خير، هذا هو الذي ذكر الله عز وجل في كتابه، وبين أنه لا يتأتى لكل أحد، وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35]، يعني: كون الإنسان يدفع بالسيئة الحسنة، فيأتي بالحسنة بمقابل السيئة.على كل: هو ينبغي له أن يحرص على ألا يخرج من قلبه بغضه، وأن تحصل المحبة له، إلا إذا كان البغض يتعلق بأمر شرعي، يعني: بالطاعة والمعصية، فهذا شيء آخر، فالإنسان يحب في الله، ويبغض في الله لكن يحسن إلى والده وينصحه، ويرشده إلى ما هو خير، أما إذا كان لحظ النفس، فما ينبغي له أن يكون هناك بغض، بسبب حظ النفس، أما إذا كان لله عز وجل، فهذا أمر آخر؛ لكن عليه أن يحرص على هداية والده، وعلى حصول استقامته، وعلى إصلاح ما حصل منه من نقص، ومن خلل.

    حكم السلام على المصلي وكيفيته
    السؤال: حكم السلام على المصلي، هل هو جائز؟ وكيف يرد المصلي السلام؟الجواب: السلام على المصلي سائغ؛ ولكن رده من المصلي بالإشارة، لا يرد بالكلام.

    حكم شراء السيارات من المرور
    السؤال: ما حكم شراء السيارات التي يأخذها المرور ثم يبيعها؟الجواب: الأولى أن الإنسان لا يشتريها؛ لأنها قد يكون فيها شبهة.

    موقف الشرع فيمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام يبشره بالجنة
    السؤال: رجل رأى في المنام أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، فما رأي فضيلتكم في مثل هذه الرؤيا؟الجواب: الرسول صلى الله عليه وسلم رؤيته في المنام هي ممكنة؛ لكن إذا كانت على هيئته صلى الله عليه وسلم التي يعرفه أصحابه، أما إذا رأى أحد في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ليس على الهيئة التي يعرفها أصحابه، فهذا ليس رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، إذا كان رآه على هذه الهيئة التي يعرفها أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتي بينوها، وأنه بشره، فيرجى له إن شاء الله خير؛ لكن ما كل من يرى في المنام أحداً يقول: إنه رسول الله، ويصدق عليه بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، إلا إذا كان على الهيئة التي يعرفها أصحابه؛ فإن الشيطان لا يتمثل به على هيئته التي يعرفها أصحابه.أما كونه يأتي في المنام ويقول: إنه رسول الله، وهو كذاب؛ فإن في اليقظة أناساً متنبئين، قالوا: إنهم أنبياء، فكذلك يأتي شياطين في المنام ويقولون: إنهم رسول الله؛ لكن كونه على الهيئة التي يعرفها أصحابه، هذا لا يتمثل الشيطان بهيئته، وصورته التي يعرفها أصحابه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    مدى صحة مقولة: (اللهم إن كنت كتبتني عندك شقياً) عن عمر بن الخطاب
    السؤال: هل ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني عندك شقياً فامحني، واكتبني سعيداً، هل هذا ثابت عنه؟ وإن كان ثابتاً ألا يعارض هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)؟الجواب: ما أعرف ثبوت هذا عنه، ومن المعلوم أن ما في اللوح المحفوظ لا يغير، ولا يبدل فيه.وهذا الدعاء ما أعرف في ثبوته عن عمر رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه معروف أنه من أهل الجنة، وهو يعلم بأنه من أهل الجنة، وقد بشره رسول الله عليه الصلاة والسلام بالجنة، وأخبره بأنه رأى له قصراً في الجنة، ( قيل: هذا لـعمر بن الخطاب ) رضي الله تعالى عنه وأرضاه.والذي في اللوح المحفوظ لا يغير ولا يبدل، ما كتب في اللوح المحفوظ هو كائن، إذا كتب الله أنه يكون كان، وما كتب بأنه لا يكون، لا يمكن أن يكون، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #73
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (70)


    - (باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم) إلى (باب الاغتسال أول الليل وآخره)
    نهى الشرع عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، وعن البول في الماء الراكد والاغتسال منه. وبين جواز اغتسال الجنب في أول الليل أو في آخره، وأنه يشرع في حق من أخر الغسل من الجنابة أن يتوضأ.
    النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم

    شرح حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكير: أن أبا السائب أخبره: أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)].فهذه الترجمة من الإمام النسائي رحمة الله عليه وهي باب: النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم، المقصود بالماء الدائم؛ أي: الماء الواقف الساكن الذي لا يجري، وهذا هو المقصود بالترجمة، وذلك أن اغتسال الجنب به يعني يلوثه، وقد يجعل غيره يكره الاستفادة منه، وقد أورد فيه النسائي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنبٌ)، وقد جاء في بعض الروايات أنه سئل أبو هريرة رضي الله عنه: (فماذا يصنع؟ قال: يغترف اغترافاً)؛ يعني: يتناول تناولاً من الماء الدائم ويغتسل، والسر في ذلك كما أشرت أن فيه تلويثاً له، وفيه تكريهاً له، فيمن قد يحتاج إليه لشرب أو لغيره، وهذا إذا كان الماء الدائم ليس كثيراً جداً، أما إذا كان كثيراً كماء البحر، أو غيره من المياه الكثيرة التي لا يؤثر الانغماس فيها، فهذا لا بأس به، وإنما المقصود من ذلك هو الشيء الذي يمكن أن يحصل فيه تلويث، وأن تكرهه النفوس بسبب الاغتسال فيه من الجنابة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)
    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له].وسليمان بن داود وهو أبو الربيع المصري، وقد تقدم، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي.وأما الحارث بن مسكين فهو أيضاً مصري، وهو ثقة، وقد خرج حديثه أيضاً أبو داود، والنسائي، إذاً: كل من شيخي النسائي في هذا الإسناد ثقة، وكل منهما خرج حديثه أبو داود، والنسائي، ولم يخرج لهما صاحبا الصحيح، ولا الترمذي، ولا ابن ماجه، وتبين من صنيع النسائي أنه عندما يقرنه مع غيره غالباً يجعل اللفظ الذي يسوقه له، فيقول: واللفظ له؛ أي: للحارث بن مسكين، هذا هو الغالب على استعمال النسائي، وعلى طريقة النسائي أنه عندما يقرن الحارث بن مسكين بغيره.[عن ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، هو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو محدث، فقيه. [عن عمرو بن الحارث]. وهو أيضاً مصري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكير]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي السائب].أبو السائب، وهو مشهور بكنيته، وقيل: هو عبد الله بن السائب المدني أبو السائب مولى هشام بن زهرة. وخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي هريرة]. وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو الصحابي الجليل، أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر السبعة حديثاً، إذ إنه لم يرو عن أحد من الصحابة أكثر مما روي عن أبي هريرة من الأحاديث رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
    النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه

    شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ عن سفيان عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد، ثم يغتسل منه)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن البول في الماء الراكد والاغتسال منه؛ لأن الترجمة السابقة تتعلق بالنهي عن الاغتسال فيه من الجنابة، وهذه تتعلق بالنهي عن البول فيه والاغتسال منه، وذلك أن البول فيه يلوثه، ويقذره، ويجعله قذراً. ثم كون الإنسان يحتاج إلى أن يغتسل فيه، ومع ذلك هو يبول فيه، فإن هذا مما يزيده تقذراً، وإنما عليه أن يبول خارج الماء، وعند الاغتسال أيضاً يتناول تناولاً كما جاء ذلك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الأحاديث المتقدمة أنه سئل وقيل: (ماذا يصنع؟ قال: يتناول تناولاً)؛ أي: عندما يريد أن يغتسل، وهذا فيه النهي عن البول، وكذلك أيضاً كونه يحتاج إلى الاغتسال فيه، أو الاغتسال منه، هو يكون قد قذره على نفسه وعلى غيره. وهذا الكلام إنما هو في الماء الدائم الساكن الذي لا يجري، وأما الذي يجري فإنه يتغير، ولا يسرع إليه الفساد مثل ما يحصل للماء الراكد الذي هو دائم، ولا يجري، ويتبدل، ويتغير، ويتحول من مكان إلى مكان، ومن حال إلى حال، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الدائم وعن الاغتسال منه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل منه)
    قوله: [أخبرنا ابن عبد الله بن يزيد المقرئ]. وهو محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ وهو ثقة، خرج له النسائي، وابن ماجه. [عن سفيان]. وهو ابن عيينة، وقد سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، ثبت، إمام، حجة، حافظ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزناد]. وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد هذا لقب له على صيغة الكنية، وهو ليس كنية، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن أبي عثمان]. وهو مولى المغيرة بن شعبة، ويقال له: التبان، وهو مقبول، خرج حديثه البخاري تعليقاً، والنسائي.[عن أبيه].أبوه هو أبو عثمان وهو التبان مولى المغيرة بن شعبة، وهو أيضاً مقبول، خرج حديثه البخاري تعليقاً، وأبو داود، والنسائي، والترمذي.[عن أبي هريرة]. وهو صحابي الحديث الذي تقدم قبل هذا.
    ذكر الاغتسال أول الليل

    شرح حديث عائشة في الاغتسال في الليل
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاغتسال أول الليل.أخبرنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد عن سفيان عن أبي العلاء عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث أنه سأل عائشة رضي الله عنها: (أي الليل كان يغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره، قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الاغتسال أول الليل. أي: من الجنابة؛ يعني: أن الترجمة معقودة للاستدلال على الاغتسال أول الليل، وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن غضيف بن الحارث سألها عن اغتسال الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: إنه (ربما اغتسل أول الليل، وربما اغتسل آخره)؛ معناه: أنه يغتسل من أوله وآخره، فقال: (الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)؛ يعني: ما دام أن الرسول صلى الله عليه وسلم اغتسل في أول الليل وفي آخره، ففي الأمر سعة، ويقول غضيف: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة؛ يعني: لم يجعل الأمر فيه ضيقاً، وفيه إلزام بوقت معين، بل الأمر في ذلك واسع. وفي بعض الروايات أنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)، وفي ذلك، صنيع غضيف بن الحارث التكبير عند حصول الأمور المستحبة، والأمور السارة، وكذلك أيضاً الثناء على الله عز وجل، وحمده على تيسيره، وعلى تخفيفه، وكونه ما جعل على الناس في الدين من حرج، بل سهل ويسر وخفف، ولم يلزم بأن يكون الاغتسال له وقت معين لا يتعداه إلى غيره، فهذا يدل دلالة على أن المعروف عن السلف من الصحابة ومن بعدهم أنهم عندما يأتي أمر يسر، أو أمر يتعجب منه، أو أمر حسن فإنه يكبر الله عز وجل، ويظهر الفرح بالتكبير، والحمد لله عز وجل كما فعل غضيف بن الحارث في هذا الحديث. وفي بعض الروايات عند أبي داود أنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)، وهذا فيه دليل على أن ما شاع في هذا الزمان وانتشر من حصول التصفيق عند ذكر أمر يسر أن هذا من الأمور المنكرة، والأمور المحدثة التي هي خلاف السنة، وإنما السنة هي حصول التكبير عند ذكر الأمور السارة، وقد جاء ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم في بعض الأحاديث، وكما حصل من البشارة التي حصلت من رسول الله عليه الصلاة والسلام، قال: (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، أو ثلث أهل الجنة)، فعند ذلك يقول الصحابة: الله أكبر، سروراً وابتهاجاً وفرحاً. وكذلك عمر رضي الله عنه لما جاء إلى الرسول عليه الصلاة والسلام في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، وما شاع من أنه طلقهن، وأن الصحابة تأثروا وحزنوا لما حصل، فجاء عمر إليه وهو في مكان قد جلس فيه، فسأله وقال: (يا رسول الله! طلقت نساءك؟ قال: لا، قال: الله أكبر)، فكبر سروراً وابتهاجاً، فهذه هي السنة التي جاءت بها الأحاديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي حصلت من أصحابه في حضرته، وأقرهم على ذلك، وأيضاً الذي فعله من بعدهم التابعون، وكما حصل لـغضيف بن الحارث في هذا الحديث الذي معنا، فإنه قال: (الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة). والحديث دال على ما ترجم له النسائي من الاغتسال في أول الليل من الجنابة، وهذا هو الأولى أن يكون الإنسان يغتسل أول الليل، ثم ينام وهو على طهارة، لكنه إن بقي وأخر ذلك إلى آخر الليل فلا بأس، لكن عليه أن يتوضأ؛ لأن ذلك فيه تخفيف الحدث، وإزالة التلويث الذي حصل بسبب الجماع.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الاغتسال في الليل
    قوله: [أخبرنا عمرو بن هشام].هو عمرو بن هشام الحراني، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي وحده.[عن مخلد]. وهو ابن يزيد القرشي الحراني، هو صدوق، له أوهام، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن سفيان]. وسفيان هنا غير منسوب، وهو يحتمل سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، لكن الذي ذكره المزي في ترجمة مخلد بن يزيد أنه روى عن الثوري، ولم يرو عن ابن عيينة، والذي روى عنه سفيان هو: أبو العلاء، وهو أيضاً برد بن سنان، ذكروا في ترجمته أنه روى عنه السفيانان؛ يعني: سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، لكن في ترجمة مخلد بن يزيد أنه روى عن سفيان الثوري فقط. إذاً: فقد تبين بأنه سفيان الثوري، وليس سفيان بن عيينة، وهذا إنما عرف بالرجوع إلى ترجمة مخلد بن يزيد في تهذيب الكمال، فإنه ذكر أن من شيوخه سفيان الثوري، ولم يذكر من شيوخه الذي روى عنهم سفيان بن عيينة، وهذا مما يتبين به المهمل. وسفيان الثوري هو ثقة، ثبت، إمام، حجة، وهو محدث، فقيه، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل والتوثيق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري.[عن أبي العلاء]. وأبو العلاء هو: برد بن سنان، ويأتي أحياناً بكنيته كما هنا، وأحياناً باسمه كما في الإسناد الذي بعد هذا؛ لأنه أحياناً يذكر بالكنية، وأحياناً يذكر بالاسم، ومن يعرف ذلك لا يلتبس عليه الأمر، ومن عرف أن برد بن سنان كنيته أبو العلاء فإذا وجده في بعض الأسانيد أبو العلاء، وفي بعضها برد بن سنان يعرف أن هذا هو هذا، من لم يعرف يظنه أنهما شخصان، مع أنهما شخص واحد، فذكر مرةً باسمه، ومرةً بكنيته، وهذه من فوائد معرفة كنى المسلمين. وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة.[عن عبادة بن نسي].وعبادة بن نسي ثقة، فاضل، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[عن غضيف بن الحارث]. وغضيف بن الحارث هذا مخضرم، وهو مقبول، خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه .[عن عائشة]. وهي عائشة رضي الله تعالى عنها، وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ولم ترو امرأة من الصحابيات مثل ما روت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم عن ألف حديث، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    الاغتسال أول الليل وآخره

    شرح حديث عائشة في الاغتسال في الليل من طريق أخرى
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاغتسال أول الليل وآخره. أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن برد عن عبادة بن نسي عن غضيف بن الحارث قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها، فسألتها قلت: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أول الليل أو من آخره؟ قالت: كل ذلك، ربما اغتسل من أوله، وربما اغتسل من آخره. قلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة)].أورد النسائي ترجمةً أخرى وهي: الاغتسال أول الليل وآخره. وهي تشبه الترجمة السابقة، لكن فيها زيادة آخر الليل؛ لأن الترجمة السابقة الاغتسال أول الليل، وهذه أول الليل وآخره، والمقصود من ذلك الاستدلال على آخر الليل، وكذلك على أول الليل، إلا أن أول الليل في الترجمة السابقة تخص هذا الموضوع، والمقصود من ذلك أن الاغتسال سائغ في أول الليل وآخر الليل؛ يعني: الاغتسال من الجنابة، وفيه ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على معرفة أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، والتي يحتاج إليها وإلى معرفة مثل هذا الحكم الذي هو الاغتسال، وأن المرجع في مثل هذه الأحكام إلى أزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن؛ لأنه من الأمور المتعلقة بالبيت، كالاغتسال من الجنابة، وما إلى ذلك من الأمور الخفية التي لا يطلع عليها في الغالب إلا نساؤه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، وفيه الرجوع إلى من عنده علم، أو مظنة من يكون عنده علم في المسألة، وفيه أن الاغتسال من الجنابة سائغ في أول الليل وآخر الليل، لكن إذا أخر إلى آخر الليل، فينبغي أن يتوضأ ويخفف الحدث، وأيضاً يزيل ما هناك من تلوث بسبب الجماع.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في الاغتسال في الليل من طريق أخرى
    قوله: [أخبرنا يحيى].وهو يحيى بن حبيب بن عربي، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن حماد].وهو ابن زيد؛ لأنه ذكر في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد، وأما في ترجمة برد بن سنان فقد ذكر أنه روى عنه الحمادان كما روى عنه السفيانان، وذكرت أن في الإسناد الذي قبل هذا أن سفيان عرف بأنه الثوري؛ لأن المزي لم يذكر أن مخلد بن يزيد روى عن سفيان بن عيينة، وإنما روى عن سفيان الثوري، فتعين أنه المهمل، كذلك هنا بالنسبة لـحماد؛ لأنه أُهمل هنا، وبرد بن سنان ذكروا في ترجمته أنه روى عن الحمادان: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، لكن في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي في تهذيب التهذيب قال: أنه روى عن حماد بن زيد، وما ذكر حماد بن سلمة.وحماد بن زيد ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن برد].وهو ابن سنان، وهو: أبو العلاء؛ لأنه هنا ذكر باسمه، وفي الإسناد السابق ذكر بكنيته، وهو مثل أبي وائل شقيق بن سلمة، فأحياناً يأتي شقيق بن سلمة، وأحياناً يأتي أبو وائل، وهو هو يذكر بكنيته أحياناً، ويذكر باسمه أحياناً، وكذلك برد بن سنان وبقية الإسناد هم رواة إسناد الحديث الذي قبل هذا.
    الأسئلة

    الصحيح في نطق اسم سعيد بن المسيب
    السؤال: ما هو الصحيح في سعيد بن المسيب هل هو بالكسر أم بالفتح؟ الجواب: سعيد بن المسيب قيل عنه بالفتح، وقيل عنه بالكسر، والمعروف أنه بالكسر، وقد ذكر هذا السيوطي في الألفية، وسيأتي ذكر أن الأولى فيه الكسر؛ لأنه كان يغضب، وكان يكره أن يقال له: ابن المسيب، فهو ابن المسيب بالكسر، وهو يأتي ذكره هكذا وذكره هكذا، لكن الذي ينبغي أن يعبر عنه بالكسر.

    مدى مضاعفة الخطيئة في المدينة أسوة بمكة
    السؤال: هل الخطيئة في المدينة تضاعف كما تضاعف في مكة، مع ذكر الدليل؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب: المضاعفة كما هو معلوم ما في شيء يدل على المضاعفة من ناحية العدد؛ لأن التضعيف من ناحية العدد ما جاء شيء يدل عليه، ومن المعلوم أن السيئة تكتب سيئة واحدة، لكن فرق بين السيئة في الأماكن المقدسة والأماكن الأخرى التي دونها؛ لأن من يعص الله في الحرم ليس كمن يعصيه في غير الحرم، ومن المعلوم أن مكة أفضل وأشرف، والأمر فيها أشد، والخطورة إنما هي بالكيف ليس بالكم؛ لأنه لا يقال: إن السيئة تضاعف سيئات، وأنها تكتب عليه عدة سيئات إذا أتى بسيئة واحدة، لكنها من حيث الكيف، ومن حيث الخطورة، لا شك أن المعصية في الحرم أشد وأعظم من المعصية في الأماكن الأخرى. ومن المعلوم أن الزمان المقدس والمكان المقدس له ميزة، وله فضل، فالحسنات لها وزن ولها قيمة، ولها شأن، والسيئات لها خطر، وأمرها عظيم، وليس بالهين.

    سبب كون والدي النبي من أهل النار
    السؤال: ثبت أن والدي النبي صلى الله عليه وسلم من أهل النار، فهل سبب ذلك لأنهما ما زالا مشركين؟ أم لجحودهما؟الجواب : نعم،، السبب في كون والدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنهما في النار الكفر، بسبب كونهما ماتا كافرين، وقد جاء في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس : (أن رجلاً جاء إلى النبي وقال: أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فتأثر الرجل، فلما أدبر دعا به، وقال: إن أبي وأباك في النار)، وأما بالنسبة لأمه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جاء عنه في الحديث الصحيح: (أنه استأذن أن يزورها، فأذن له، واستأذن أن يستغفر لها، فلم يؤذن له)، وكونه استأذن ليستغفر لها فلم يؤذن له دل على أنها ماتت كافرة. وما جاء عن بعض الناس من قولهم: إن الله تعالى أحياهما له، وأنهما أسلما، وأن هذه خصيصة، فهذا لو كان صحيحاً لكان له شأن ولنقل، ولجاء ذلك؛ لأن هذا من الأمور الغريبة العجيبة التي هي من أشد الخصائص، وأعظم الخصائص، وقد جاء عن بعض العلماء لكنه ليس بصحيح؛ لأنه ليس مبنياً على ما يدل على الثبوت، والصحيح أنه لم يثبت، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل الذي جاء هو ما في الصحيح من أنهما في النار.

    معنى عقد الأصابع بالتسبيح ورفع الأصبع عند الشهادة
    السؤال: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعقد الأنامل في التسبيح؟ وهل من السنة أن يرفع الإنسان إصبعه عندما ينتهي من التسبيح ليكمل عند تمام المائة؟ الجواب: ( كان النبي عليه الصلاة والسلام يعقد التسبيح بأصابعه )، يعني: يعد بأصابعه، والعقد هو: كونه يقدم، فهذا هو المقصود بالعقد، ومن المعلوم أن تمام المائة أن يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وعندما يأتي ذكر الله يمكن أن يشير بإصبعه، عندما يقول: لا إله إلا الله.

    الأولى للإنسان عند سماع القرآن
    السؤال: هل يجوز للإنسان عند سماعه للقرآن من المسجل أن يقرأ معه بصوت منخفض خشية أن يسرح عن التلاوة؟ الجواب: الذي ينبغي هو السماع، والتعقل، والتأمل؛ لأن القراءة معه تشغل عن السماع، والتفكر، والتدبر، بل الإنسان عندما يسمع القراءة سواءً كانت من مسجل، أو من شخص مباشرةً بدون تسجيل فإنه يستمع للقراءة، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]، طبعاً الآية في الصلاة، لكن كذلك إذا كان الإنسان عنده قراءة قرآن لا ينشغل عنه، وإنما يستمع، إما أن يكون باقياً، فيستمع إذا كان القارئ يقرأ، أو إذا كان بتسجيل فإنه يستمع، وإذا أراد أن ينشغل فلا ينشغل، والقرآن يُقرأ، ويتشاغل عنه، وإنما يوقف التسجيل إذا كان بحاجة إلى الانشغال عنه، أما كون القرآن يقرأ وهو يتشاغل عنه فهذا لا ينبغي، ولا يصلح. وإذا كان يريد أن يتعلم القراءة أو التجويد فيمكن أنه يقرأ معه من أجل أن يتعلم، لكن إذا كان ليس المقصود كون الإنسان يتعلم، وكونه يعود نفسه على القراءة، وكونه يمد كما يمد القارئ، ويرتل كما يرتل القارئ فإنه يسمع.

    تزاحم المصلين للصلاة في المحراب الذي في الروضة
    السؤال: نجد عدداً من المصلين -هداهم الله- يصلون عند المحراب الذي يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وهذا الفعل من الأمور المبتدعة، فكيف يكون الإنكار عليهم؟ الجواب: التزاحم على مكان معين في المحراب الذي في الروضة، أولاً: الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان له محراب موجود بهذه الهيئات الموجودة الآن، وإنما كان له مكان يصلي فيه، ولا يعلم هذا المكان بالضبط أين هو؟ وإنما الذي جاء أن الروضة ما بين البيت والمنبر، وهي روضة من رياض الجنة، وهذا يدل على فضلها، وأما قصد المكان والتزاحم عليه فهذا لا ينبغي، وإنما الذي ينبغي هو أن يأتي الإنسان إلى الروضة حيث لا يكون هناك إيذاء لأحد بسبب الزحام فيصلي فيها ما تيسر له، ثم يقوم، وإذا كان عليها زحام لا يستمر في الصلاة فيها، وإنما يتركها لمن يريد أن يصلي، أما أن يبقى فيها، ويترتب على ذلك إيذاء، والناس يأتون ليصلوا فيها صلاة، ويدركون ذلك الفضل فهذا لا ينبغي للإنسان أن يبقى فيها ويلحق الضرر بالناس. وإذا كان حكم السائل بأن هذا من الأمور المبتدعة؟ فنقول: نعم هذا من الأمور التي يخشى منها الوقوع في محظور.

    حفظ عمدة الأحكام للمبتدئين
    السؤال: هل الأفضل للمبتدئ أن يحفظ بلوغ المرام، أو المحرر، أو عمدة الأحكام؟ الجواب: عمدة الأحكام كما هو معلوم أحاديث متفق عليها، وهي أكثر من ثلاثمائة حديث، قيل إن عدة أحاديثها عدة أهل بدر أو قريب من عدة أهل بدر؛ لأنها أكثر من ثلاثمائة حديث، وكلها من المتفق عليه، فإذا حفظها يكون قد حفظ أحاديث صحيحة متفقاً عليها، رواها البخاري، ومسلم، وإن كان المقدسي رحمة الله عليه حصل منه أحياناً عدم الالتزام بشرطه وهو: أنه يكون من المتفق عليه، فأحياناً يكون ليس على شرطه، وهذا قليل جداً، وقد نبه عليه العلماء من جهة أنه ليس متفقاً عليه، وهو ذكره بناءً على شرطه أنه متفق عليه، فهذا من أوهامه التي وهم فيها، لكن إذا حفظ الإنسان عمدة الأحكام يكون قد حفظ أحاديث صحيحة متفقاً عليها، رواها البخاري، ومسلم، وهذا أولى ما يكون للمبتدئ، ثم بعد ذلك يقرأ أو يحفظ بلوغ المرام الذي هو أوسع، والذي فيه متفق عليه وغير متفق عليه، وفيه صحيح وضعيف.

    حفظ المتون في كل الفنون
    السؤال: ما هو توجيهكم في حفظ المتون في كل الفنون؟الجواب: حفظ المتون لا شك أنه مهم جداً لمن عنده قدرة؛ لأن الحفظ هو الذي يبقى مع الإنسان أينما ارتحل وأينما حلّ، حفظه معه، وعلمه معه في صدره، وفي محفوظاته، فهذا هو العلم الحقيقي الذي يكون مع الإنسان دائماً وأبداً، بخلاف العلم الذي يكون في الكتب فإنه يحتاج إلى مراجعة، لكن العلم الذي يكون في الصدر، فهذا ينفق الإنسان منه متى شاء، ويتمكن من الإنفاق منه، من البذل منه، فلا شك أن الحفظ، وحفظ المتون هي طريقة المتقدمين، وطريقة أهل التحصيل الذين يعنون بحفظ المتون فيستذكرونها، سواءً كان ذلك مثلاً في الحديث، أو في النحو، أو في المصطلح، أو في الفرائض، أو ما إلى ذلك من الفنون التي تحفظ فيها المتون نظماً ونثراً.

    حكم التبول في ماء البحر
    السؤال: هل يجوز للإنسان أن يبول في ماء البحر لأنه ماء كثير؟الجواب: ماء البحر واسع لا يخشون عليه التلويث، لكن الأولى أن الإنسان يعود نفسه ألا يبول في الماء الدائم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #74
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (71)


    - باب ذكر الاستتار عند الاغتسال - باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل

    يجب على المغتسل الاستتار عن الناس، وألا تنكشف عورته لأحد، وينبغي ألا يسرف في استخدام الماء، وهذه كلها آداب بينها الإسلام.
    ذكر الاستتار عند الاغتسال

    شرح حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاستتار عند الاغتسال. أخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني يحيى بن الوليد حدثني محل بن خليفة حدثني أبو السمح رضي الله عنه أنه قال: (كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فأوليه قفاي، فأستره به)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ذكر الاستتار عند الاغتسال. يعني: الاستتار عن أعين الناس، وكونه يكون في مكان قد استتر عنهم، وقد أورد النسائي رحمه الله في هذه الترجمة حديث أبي السمح خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني قفاك، فيوليه قفاه، فيستتر به ويغتسل )، فـأبو السمح رضي الله عنه يذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام يطلب منه أن يجعل ظهره إليه، بمعنى: أنه يكون اتجاهه إلى جهة أخرى، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم وراء ظهره يستتر به، فهذا الذي أورد المصنف الحديث من أجله تحت تلك الترجمة، وهو الاستتار، وهنا استتار بشخص يوليه ظهره، ويغتسل وراءه، ويكون بذلك ساتراً له، فهو دليل على ما ترجم له المصنف.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي السمح في ستره للنبي بظهره عند غسله
    قوله: [أخبرنا مجاهد بن موسى].هو مجاهد بن موسى الختلي الخوارزمي، وهو ثقة، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا عبد الرحمن بن مهدي].وعبد الرحمن بن مهدي هو الإمام، المشهور، الحجة المحدث، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الشخصين اللذين قال عنهما الذهبي: إنهما إذا اجتمعا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه، وهما: يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وهما: من طبقة شيوخ شيوخ أصحاب الكتب الستة؛ أعني: عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان.[حدثني يحيى بن الوليد]. يحيى بن الوليد كنيته أبو الزعراء، وهو طائي، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، وقال عنه الحافظ في التقريب: إنه لا بأس به.[حدثني محل بن خليفة]. هو محل بن خليفة الطائي، وهو أيضاً طائي، كما أن تلميذه الراوي عنه طائي، وهو ثقة، وخرج لهما البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه . [حدثني أبو السمح].وأبو السمح قيل اسمه: إياد، وهو خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما جاء في الحديث نفسه- وهو أنه يحكي أنه كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، وله حديث واحد وهو هذا الحديث، وقد خرجه له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، إلا أن بعضهم يذكره مفرقاً، وبعضهم يجمعه، وهذا جزء من حديثه أو بعض حديثه، وأبو داود رواه عنه بأطول من هذا، وقال: ( إنه كان يخدم الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنه كان إذا أراد أن يغتسل قال: ولني ظهرك، فيوليه ظهره، ثم يستتر به ويغتسل )، وقال: ( إنه جاءه مرة الحسن أو الحسين فجلس في حجره فبال، فقال: إنه يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية ).

    شرح حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن عبد الرحمن عن مالك عن سالم عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب عن أم هانئ رضي الله عنها أنها: (ذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة تستره بثوب، فسلمت فقال: من هذا؟ قلت: أم هانئ. فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات في ثوب ملتحفاً به)].أورد النسائي حديث: أم هانئ، وهي: بنت أبي طالب أخت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، واسمها فاختة، وقيل: هند، وهي لها أحاديث ذكر في الخلاصة: أن عدتها ستة وأربعون حديثاً، وأن البخاري، ومسلماً اتفقا منها على حديث واحد، وهو هذا الحديث -الذي معنا- حديث إخبارها بمجيئها إلى النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، وأن فاطمة كانت تستره بثوب، وهنا ذكر مختصراً، وقد أورده البخاري في بعض المواضع مطولاً، وفي بعضها مختصراً، وفي بعضها أن النبي عليه الصلاة والسلام لما سأل عنها، (قيل: من هذه؟ قالت: أم هانئ. قال: مرحباً بـأم هانئ)، فالحديث طويل، والنسائي هنا أورده مختصراً، والمقصود منه: ذكر الاستتار عند الاغتسال، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل، وابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها تستره بثوب، وهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا في ذكر الاستتار عند الاغتسال. فلما جاءت وسلمت قال: (من هذه)، وفي بعض الروايات: (من هذا)؛ يعني: الشخص، (فقالت: أم هانئ)، وجاء في بعض الروايات أنه قال: (مرحباً بـأم هانئ)، ثم إنه لما فرغ من اغتساله جاء وصلى ثمان ركعات، وكان ذلك في وقت الضحى، فمن العلماء من قال: إن هذه الركعات الثمان هي سنة الضحى، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى سنة الضحى ثمان ركعات، ومنهم من قال: إن هذه بسبب الفتح، وأنها شكر لله عز وجل على ما حصل له من الفتح، والنووي في صحيح مسلم ترجم بترجمة، فأشار إلى هذا الحديث الذي أورده مسلم، فقال: بيان سنة الضحى وفضلها، وأن أقلها ركعتان، وأن أكملها ثمان ركعات، وأن وسطها أربع أو ست.أما من قوله عليه الصلاة والسلام فقد جاءت الأحاديث مرغبةً في ذلك، ومن بينها: حديث أبي هريرة المتفق على صحته، الذي يقول فيه رضي الله عنه: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أن أنام)، وهذا الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة، وأيضاً رواه أبو الدرداء، وقد انفرد به مسلم، ويقول فيه: (أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث: ركعتي الضحى، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأن أوتر قبل أرقد)، وكل من هذين الحديثين: حديث أبي هريرة، وحديث أبي الدرداء فيهما الاشتمال على إيصاء الرسول صلى الله عليه وسلم بسنة الضحى -ركعتي الضحى- حيث قال كل منهما: (أوصاني)، يقول أبو هريرة: (خليلي)، ويقول أبو الدرداء: (حبيبي)، وحديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، وحديث أبي الدرداء عند مسلم وحده.فالأحاديث في فضل صلاة الضحى ثابتة وكثيرة، وهي من قوله عليه الصلاة والسلام، وحديث أم هانئ هذا هو من فعله عليه الصلاة والسلام، وقد جاء أيضاً: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، وهي أولاد الدواب؛ يعني: حين تشتد الرمضاء عليها، فتؤثر عليها حرارة الرمضاء، وذلك في شدة الضحى، أو في وقت القيلولة، ومن المعلوم: أن وقت الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح، وهو زوال وقت الكراهة أو وقت التحريم، الذي هو النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، وعند زوالها وعند غروبها، فمن ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال كل هذا وصف لصلاة الضحى. إذاً: فالحديث الذي معنا دال على سنة الضحى، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ملتحفاً بثوب في ذلك الوقت بعد أن اغتسل، وصلى تلك الثمان الركعات التي قيل: إنها سنة الضحى، ومن المعلوم: أن الصلاة بثوب واحد سائغ وجائز، لكن بحيث يكون ضافياً، ويكون ساتراً، بحيث يفي بجسم الإنسان، والرسول صلى الله عليه وسلم صلى بهذا الثوب ملتحفاً به، ولما سئل هل يصلي الرجل في ثوبين؟ قال: (أو كل يجد ثوبين؟)؛ معناه: أن فيه الصلاة بثوب واحد، هذا هو الأصل والغالب؛ لأن كل واحد لا يستطيع أن يجد ثوبين، ففيه: الصلاة بالثوب الواحد؛ لأن أم هانئ قالت: (إنه صلى بثوب ملتحفاً به).ثم أيضاً فيه جواز الكلام من المغتسِل؛ يعني: كون الذي يغتسل يتكلم، أو يكلم غيره عند الحاجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تكلم لما سلمت أم هانئ قال: (من هذه)، وقال: (مرحباً بـأم هانئ)، فدل هذا على أن المغتسل له أن يتكلم؛ لكن هذا في حال الاغتسال إذا كان في مكان مختص به، أما إذا كان في أماكن قضاء الحاجة، فإن الإنسان لا يتكلم إلا عند الضرورة، ومما يدل على جواز الكلام في حال الاغتسال الحديث الذي فيه وصف أبي أيوب الأنصاري الاغتسال في حال الإحرام، وأنه كان يغتسل، فاغتسل وبينهم وبينه شجر، وكان يتحدث معهم في حال اغتساله.
    تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ في ستر فاطمة للنبي عند غسله
    قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم]. هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهو ثقة، ثبت، وهذا شيخ أصحاب الكتب الستة، وقد مر أنه روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة، وأن ممن وافقه في ذلك محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، هؤلاء الثلاثة كل منهم روى عنه أصحاب الكتب الستة مباشرة بدون واسطة، وهم الثلاثة من صغار شيوخ البخاري؛ لأنهم ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، أما كبار شيوخ البخاري فهم الذين أدركهم في حال صغره، وماتوا وهو صغير، وروى عنهم وأخذ عنهم، فهؤلاء يقال: كبار شيوخه الذين أدركهم في أواخر حياتهم وفي أول حياته، وروى عنهم، ثم ماتوا، فهؤلاء كبار شيوخه.[عن عبد الرحمن]. هو عبد الرحمن بن مهدي، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.[عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المشهور، أحد المذاهب الأربعة المشهورة التي هيئ لها من يقوم بتدوينها والعناية بها، فحفظت واشتهرت وانتشرت، ولم يحصل لغيرها من المذاهب التي هي مثلها، ولكنها ما هيئ لها من يقوم بالعناية بها، من حيث جمعها وتدوينها، ونشرها، والتأليف فيها، فهذه المذاهب الأربعة حصل لها ما لم يحصل لغيرها من مذاهب الفقهاء الذين اشتهروا بالفقه، واشتهروا بالعلم، فالإمام مالك رحمة الله عليه أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سالم]. هو سالم بن أبي أمية أبو النضر، أحياناً يأتي ذكره باسمه -كما هنا- وأحياناً يأتي بكنيته أبي النضر، وقد ذكرت -فيما مضى- أن من فوائد معرفة كنى المسمين ألا يظن أن الشخص الواحد شخصين، وذلك إذا ذكر مرةً باسمه ومرةً بكنيته، هنا سالم أبو النضر، وأبو كريب محمد بن العلاء، أحيانا يقال: أبو كريب، وأحيانا يقال: محمد بن العلاء، وأمثال هؤلاء الذين اشتهروا بكناهم ولهم أسماء سالم أبو النضر ، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي مرة مولى عقيل].هو أبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب، قيل: اسمه يزيد وقيل: عبد الرحمن، وقيل: إنه مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وقيل: إنه مولى أخيها عقيل بن أبي طالب، وهو ثقة، وهو مشهور بكنيته، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن أم هانئ].أم هانئ قيل: فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب، وذكرت أن لها أحاديث عدتها ستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم على إخراج حديث، وهو هذا الحديث الذي معنا؛ لأنه متفق عليه، أي: أخرجه البخاري وأخرجه مسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. إذاً: فإسناد هذا الحديث كلهم ممن خرج لهم أصحاب الكتب الستة، وهم يعقوب بن إبراهيم الدورقي، عبد الرحمن بن مهدي، مالك بن أنس، أبو النضر سالم بن أبي أمية، أبي مرة مولى أم هانئ، وكلهم ثقات.والصحابة لا يحتاجون إلى توثيق، وأن يقال عن الواحد منهم: ثقة؛ لأن من أكرمه الله عز وجل بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكفيه ذلك الشرف وذلك الفضل، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليه وصف بأنه ثقة، بل جرت طريقة العلماء على أن الصحابة لا يسألوا عن عدالتهم وعن توثيقهم؛ لأنهم موثقون، ومعدلون بتعديل الله عز وجل لهم، كما قال الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية: إن كل راو دون الصحابي يحتاج إلى معرفة منزلته من الثقة، والجرح والتعديل، أما الصحابة فلا يحتاجون إلى ذلك، ولا يسأل عن عدالتهم، بل الشخص المجهول منهم لا تؤثر جهالته، فإذا قيل: عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعرف اسمه ولم يعرف عينه، فإن ذلك كاف في الاعتماد عليه، والاحتجاج بحديثه، ما دام وصف بأنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل

    شرح حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل. أخبرنا محمد بن عبيد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن موسى الجهني قال: (أُتي مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي باب: ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل.هذه الترجمة معقودة لبيان المقدار الذي يكفي للغسل، وذكر الرجل هنا لا مفهوم له في كلام النسائي؛ لأن الغالب في الكلام عن الرجال وفي حق الرجال، فالنساء كذلك؛ لأن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء، ولا يميز بين الرجال والنساء إلا إذا وجد شيء يميز بينهم، أما عند عدم ذكر شيء من ذلك، فإنه لا فرق بين الرجال والنساء.إذاً: فكلام النسائي في قول الرجل لا مفهوم له، ليس لأن المرأة تختلف عن الرجل؛ بل لأن الحديث على الرجال غالباً، هذا هو السبب في ذلك، ومن ذلك حديث أبي هريرة الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيومٍ أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصم)، كذلك المرأة التي كانت معتادة أنها تصوم يوم الإثنين ووافق يوم ثلاثين من شعبان، فالرجل والمرأة في ذلك سواء، وذكر الرجل لا مفهوم له. وقد أورد النسائي في ذلك عدة أحاديث في هذه الترجمة، الحديث الأول: حديث عائشة رضي الله عنها (أُتي مجاهد بقدح حزرته -قول موسى الجهني: حزرته أي قدرته- بثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا)، يعني: بمثل هذا القدح، وقد جاء في أحاديث: (أن الرسول كان يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع)، والصاع: أربعة أمداد، وكان يغتسل بأكثر من هذا، وجاء في بعض الروايات: ( اغتساله بما يزيد على الصاع ) لكن المعروف من عادته، والغالب من استعماله أنه كان يغتسل بالصاع، وهنا يقول موسى الجهني: (أن مجاهداً -يعني ابن جبر- أُتي بقدحٍ حزرته، يقول موسى الجهني: ثمانية أرطال، وقال: إن عائشة حدثتني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بمثل هذا).
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في قدر ما كان يغتسل به النبي من الماء
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبيد]. محمد بن عبيد هذا هو المحاربي، وهو صدوق، وخرج حديثه أبو داود، والترمذي، والنسائي. قوله: [حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة].هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، متقن، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن موسى الجهني]. موسى الجهني قيل: أنه ابن عبد الله، وقيل: ابن عبد الرحمن الجهني، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه .قوله: [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر الإمام، المشهور، المعروف بالتفسير، وهو محدث، وفقيه، ومفسر، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين قد مر ذكرها كثيراً، وهي الصحابية التي زاد حديثها على ألف حديث، وهي الصحابية الوحيدة التي عرفت بكثرة الحديث، والتي هي أحد السبعة المكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية الحديث، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث.
    شرح حديث عائشة في اغتسال النبي بقدر الصاع
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص سمعت أبا سلمة يقول: (دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة، فسألها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم؟ فدعت بإناء فيه ماء قدر صاع، فسترت ستراً فاغتسلت، فأفرغت على رأسها ثلاثاً)].أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة أيضاً أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف دخل عليها هو وأخوها من الرضاع، فسألها أخوها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ،(فدعت بإناءٍ فيه ماءٌ قدر صاع، واستترت بسترٍ، وأفرغت على رأسها ثلاثاً)، المقصود من هذا: ذكر المقدار، وأن هذا الإناء قدر صاع، وهذا يوضح ما ذكرت في الترجمة من أن ذكر الرجل ليس له مفهوم؛ لأن عائشة رضي الله عنها اغتسلت بهذا المقدار الذي هو قدر صاع، وهذا هو الغالب على ما كان معروفاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من مقدار الماء الذي يغتسل به، وأنه قدر الصاع.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في اغتسال النبي بقدر الصاع
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. هو الصنعاني، الذي يأتي ذكره كثيراً، ويروي عن خالد بن الحارث، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له البخاري شيئاً.[حدثنا خالد بن الحارث].هو خالد بن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكثيراً ما يأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى يروي عن خالد بن الحارث.[حدثنا شعبة].هو ابن الحجاج، وهو ثقة، أمير المؤمنين في الحديث -كما وصفه بذلك بعض العلماء- وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بكر بن حفص]. هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[سمعت أبا سلمة]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة على أحد الأقوال في السابع منهم، فقد قيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن هذا، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. [عن عائشة]. عائشة قد تم ذكرها في الحديث السابق.
    شرح حديث: (كان الرسول يغتسل في القدح وهو الفرق...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل في القدح وهو الفرق، وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد)].ذكر النسائي حديث عائشة رضي الله عنها، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالقدح، وهو الفرق، وكانت تغتسل هي وإياه في إناء واحد ) أي: يغترفان منه جميعاً، يأخذ بيده، وتأخذ بيدها، وتتعاقب أيديهما عليه، وفي هذا الحديث لم يذكر المقدار، لكنه قال: أنه القدح وهو الفرق، يعني: أنه في تلك الحدود التي هي المقدار الذي يغتسل به، وقالت: ( وكنت أغتسل وإياه في إناء واحد )، وهذا فيه دليل على اغتسال الرجل، وأهله من إناء واحد تتعاقب أيديهم عليه، وأنه لا بأس بذلك، وأنه لا مانع منه، وفيه: ذكر مقدار الاغتسال، وما يكون به الاغتسال.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرسول يغتسل في القدح وهو الفرق...)
    قوله: [عن قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي يأتي ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الليث].هو ابن سعد المصري الثقة، المحدث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب]. هو ابن شهاب الزهري، وهو المحدث، الفقيه، الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة، وقد جاء ذكره كثيراً، ومشهور بنسبته إلى جده شهاب، وإلى جده زهرة، فيقال: الزهري، ويقال: ابن شهاب، وهو: محمد بن مسلم الذي مر ذكره كثيراً.[عن عروة بن الزبير]. هو عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة]. عائشة وقد تم ذكرها رضي الله عنها.وإسناد الحديث وهم قتيبة، والليث، والزهري، وعروة، وعائشة هؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، ومن دون الصحابي فإن كلهم من الثقات؛ أي: قتيبة والليث والزهري وعروة.
    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله حدثنا شعبة عن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمسة مكاكي)]. أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك)، وهو وعاء كان يتوضأ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ويغتسل بخمسة مكاكي)؛ يعني: وعاء يسع هذا المقدار الذي هو خمسة مكاكي، والحديث يتعلق بتحديد الماء، وتقدير الماء الذي يكفي للاغتسال، وهنا جاء ذكر المكاكي وأنها خمسة، وجاء ذكر الصاع، وهذه الأحاديث سبق أن مرت فيما مضى؛ ولكن النسائي أعادها من أجل ذكر المقدار الذي يكفي الإنسان في الاغتسال.
    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمسة مكاكي)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر]. هو المروزي، وهو ثقة، وخرج حديثه الترمذي، والنسائي.[حدثنا عبد الله]. هو ابن المبارك، وإذا جاء عبد الله غير منسوب يروي عنه سويد بن نصر، فالمراد به: عبد الله بن المبارك، يقولون عن سويد بن نصر: إنه راوية عبد الله بن المبارك، والمشهور بالرواية عنه، فإذاً: يحمل عليه، وعبد الله بن المبارك أحد الأئمة، محدث مشهور، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه ثقة، جواد، مجاهد، فذكر جملة من صفاته، وقال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً لا سيما عندما يأتي سويد بن نصر.[حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا. [عن عبد الله بن جبر]. هو عبد الله بن عبد الله بن جبر، وقيل: عبد الله بن جابر، ويقال: ابن جبير، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[سمعت أنس]. وأنس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في قوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيفـأنس رضي الله عنه هو أحد السبعة الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهو من المكثرين ومن الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره كثيراً في الأحاديث الماضية.
    الأسئلة

    حكم موافقة خطبة الجمعة لبعض المناسبات الإسلامية
    السؤال: بعض الخطباء إذا أتى شهر ربيع الأول، وفي الثلث الأول منه يخطب عن موضوع الهجرة النبوية وما يتعلق بها، فما حكم هذا العمل؟ الجواب: لا بأس بذلك؛ يعني: كونه في شهر ربيع الأول، يذكر شيئاً عن الهجرة؛ لأن الهجرة كما هو معلوم في شهر ربيع الأول؛ ولكنه عندما حصل التاريخ الهجري بدءوا من المحرم؛ لأنه منصرف الحاج، وإلا فإن الهجرة كانت في ربيع الأول.وكذلك بعضهم إذا أتى في الثلث الأخير من شهر رمضان يخطب عن غزوة بدر، نقول: لا بأس بذلك أيضاً؛ لأن غزوة بدر كانت في السابع عشر من رمضان، فكونه يذكر ذلك الحدث العظيم، والمناسبة العظيمة يذكر فيها بالجهاد في سبيل الله عز وجل.

    الفرق بين صلاة الضحى وصلاة الشروق
    السؤال: ما الفرق بين سنة الضحى وصلاة الشروق؟ ومتى وقت كل منهما؟ وكم عدد ركعاتها؟ الجواب: لا أعلم فرقاً بين صلاة الشروق وصلاة الضحى؛ لأن الشروق معناه: الوقت الذي يحل فيه الصلاة، يقول الناس: صلاة الإشراق. معناه: كان الناس ممتنعين من صلاة الضحى إلى أن تطلع الشمس بقيد رمح، ولا يجوز لهم أن يصلوا، فإذا جاء الإشراق، وطلعت الشمس وأشرقت وارتفعت فعند ذلك حل لهم ما كانوا ممنوعين منه، من حين صلوا الفجر إلى ذلك الوقت، فما أعلم فرقاً بين صلاة الإشراق والضحى، والإشراق هي الضحى، وقيل لها إشراق من أجل أنها تبدأ في وقت الإشراق.

    حكم مصاحبة صالحي الجن
    السؤال: هل يجوز للإنسان أن يصاحب الجن الصالحين ويستخدمهم في الخير؟ الجواب: يصاحب الجن الصالحين، كيف يصاحبهم؟! أقول: كيف يصاحب الجن؟ فلهم شكل غير شكله، ولهم وضع غير وضعه، فكيف تكون مصاحبته إياهم؟ وكيف يستخدمهم؟ هم يتشكلون، فيأتون على صور حيوانات؛ لكن كونهم يأتون على هيأتهم، كما قال الله عز وجل: إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27]، فنحن لا نراهم على هيئتهم التي هم عليها، وهم يروننا على هيئتنا، فكيف يكون الإنسان يصاحبهم؟ نعم لو تشكلوا يمكن يتشكلون على صور إنسان، مثل ذاك الذي هو صاحب أبو هريرة الذي جاء يحثو من الطعام، وقال: إنه ذو عيال وأنه كذا، لكنهم على هيئتهم لا يرون.

    مدى صحة رؤية الساحر للجن
    السؤال: هل الناس الذين يتعاملون مع الجن مثل السحرة يرون الجن على صورهم؟ الجواب: لا أدري؛ لكن لا شك أن السحرة وإخوانهم من شياطين الإنس يمكن أن يستفيدوا منهم عن طريق كونهم يصرفون لهم شيئاً من حق الله سبحانه وتعالى، فيحصل شيء من كونهم يعينونهم، أو يخبرونهم عن أمور مغيبة؛ لأن الجن عندهم قدرة في الحركة والانتقال من مكان إلى مكان، فقد ينتقل من مكان ويرى ما فيه، ويأتي ويخبر أخاه من شياطين الإنس، والذين هم السحرة، والكهان، والعرافين، ومن في حكمهم.

    حال من لم تبلغهم الرسالة يوم القيامة
    السؤال: هل يدل قول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] أن الذين لم تبلغهم الدعوة يعذرون بأنهم لم يأتهم رسول؟ الجواب: الذين ما بلغتهم الدعوة، وما بلغتهم الرسالة هؤلاء حكمهم أنهم يمتحنون يوم القيامة، وعلى ضوء الامتحان تكون النتيجة، فيكونون إما سعداء أو أشقياء، الله تعالى يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    سماع الكائنات الحية -غير الثقلين- لعذاب القبر من مسافة بعيدة
    السؤال: ثبت في الحديث أن عذاب القبر، وصياح الميت يسمعه كل شيء إلا الثقلين، فهل ما عدا الثقلين يسمعون ذلك وإن كانوا بعيدين عن المقبرة؟ الجواب: نعم، الحديث ورد بأن المعذبين في قبورهم يسمعهم من عدا الثقلين -الجن والإنس- لأنهم مكلفون، والدواب تسمع؛ لأنها غير الثقلين -الجن والإنس- والرسول صلى الله عليه وسلم أُسمع وأُقدر على السماع، وهو بشر صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد خص بهذا، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، والحديث في صحيح مسلم، فهو يدل على أنه يسمع صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والله تعالى أقدره على ذلك، وأسمعه بما يجري، لكن هل من يكون بعيداً من الحيوانات يسمع؟ أقول: لا أدري، هل تلك الحيوانات تسمع من بعد كما تسمع من قرب؟ الله تعالى أعلم، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم كانوا في الشام إذا أصيبت الخيل عندهم باحتباس الطعام في البطون، وأرادوا كونها تستطلق بطونها، فإنهم يذهبون بها عند قبور الباطنية الذين دفنوا هناك، فتسمع ما يجري في القبور، وعند ذلك يحصل لها فزع، فيصيبها انطلاق في البطن، فهذه الحادثة تشعر بأن السماع يكون عن قرب، لكن هل يحصل عن بعد؟ الله تعالى أعلم، فهذا شيء مغيب لا ندري.

    حكم من يأتي بالحيوانات إلى المقبرة للتصديق بعذاب القبر
    السؤال: هل يجوز للإنسان -من باب زيادة اليقين والاتعاظ- أن يأتي ببعض الحيوانات إلى المقبرة ليرى نفرتها، وجحودها من ذلك العذاب؟ الجواب: لا يحتاج إلى هذا أبداً، يكفي الإنسان عندما يبلغه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع ويجزم بأن ما أخبر به الرسول حقاً وصدقاً، وإن لم يحصل منه أن يذهب بها، وما عرف أن أحداً يذهب بها إلى المقابر ليرى كذا، وإنما الذي ذكرت أنهم كانوا يذهبون بها من أجل تنطلق بطونها؛ لأنها محتبسة، وهذا علاج لها.
    معنى المكوك المذكور في حديث أنس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك...)
    السؤال: ما هو المكوك؟الجواب: ما أدري؛ لكنه مقدار معين.

    قرابة مجاهد بن جبر من عائشة رضي الله عنها

    السؤال: هل مجاهد له قرابة بـعائشة رضي الله عنها؟ الجواب: ما نعلم قرابة مجاهد بن جبر المكي، ومن المعلوم: أن الراوي يروي عن غير قرابته، وكل الذين يروون عن عائشة من قرابتها، أو الذين يأتون إليها ليسمعوا الحديث منها من قرابتها. أقول: الأحاديث يأخذها القريب والبعيد، وليست القضية قضية الرواية أنها تكون عن قرابة.

    صيغة التشهد للمصلي المسبوق
    السؤال: إذا كان المصلي مسبوقاً في صلاة المغرب بركعتين، هل يذكر التشهد كاملاً؟ الجواب: إذا سبق بركعتين -كما هو معلوم- فقد أدرك ركعة واحدة، فإذا قام يقضي الصلاة فإنه يصلي ركعة، ثم يجلس للتشهد الأول، فإذا جلس الإمام في التشهد الأخير، فإنه يفعل كما يفعل الإمام، ولا فرق بين من كان مسبوقاً وغير مسبوق؛ يعني: حتى في الهيئة يفترش، ويتورك على هيئة الإمام، ولا يكون على اعتبار أنه في أول صلاته، والإمام في آخر صلاته، بل يفعل كما يفعل الإمام، ولو كان هو في أول صلاته والإمام في آخر صلاته، ومن حيث ما يُقرأ؛ فإنه يقرأ التشهد، ويقرأ الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي بالأدعية بعد ذلك، وإذا قام يقضي صلاته، فهو يصلي ركعة ثم يجلس للتشهد؛ يعني: التشهد الأول بعد الركعتين، هذا إذا كان يقصد بالتشهد الذي أدركه مع الإمام، فإنه يأتي به كاملاً كما يفعل الإمام.

    تعريف الحاكمية وموقف أهل السنة والجماعة
    السؤال: فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما هي الحاكمية؟ وما موقف أهل السنة والجماعة من هذا اللفظ؟ وما منهجهم بالنسبة للحاكمية؟ الجواب: الحاكمية هذا لفظ استعمل كثيراً على ما يتعلق بالحكم، والحكم بما أنزل الله فيقولون: الحاكمية، بل منهم من يقول: توحيد الحاكمية، فيسميه توحيد الحاكمية، ويقول: إنه نوع من أنواع التوحيد، وهذا الكلام ليس بصحيح؛ لأن توحيد الألوهية يدخل تحته الحكم وغير الحكم؛ لأنه يتعبد الله عز وجل بكل ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم، سواء كان في العبادات، أو المعاملات، أو ما إلى ذلك، فالحكم إنما هو في الرجوع إلى ما جاء عن الله، وعن رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وإذا اختلف الناس في مسألة من المسائل، فإنهم يرجعون إلى حكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]؛ يعني: إلى كتاب الله، وإلى سنة رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، فالمقصود من ذلك: الحكم، والحكم يكون بما أنزل الله، وعند الاختلاف يرجع إلى حكم الله، ما حكم الله به وحكم به رسوله في الكتاب والسنة هو المرجع، فالمرجع في ذلك إلى الشرع، ومن كان معه الدليل فهو الذي معه الحجة، ومن عري من الدليل فهو الذي فقد الحجة.

    ذكر أخي عائشة من الرضاع المذكور في حديث أبي سلمة في غسل النبي
    السؤال: جاء في الحديث -وذكر رقمه- الرجل يقول: سمعت أبا سلمة يقول: دخلت على عائشة رضي الله عنها وأخوها من الرضاعة فسألها.. إلى آخره، فمن هو أخوها من الرضاعة؟الجواب: يعني:أنا وأخوها، وأخوها من الرضاع، ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح قال: إنني لا أعلم تعيين المراد، ثم ذكر وقال: إن لـعائشة اثنين؛ يعني قيل: إنهما أخوان لها من الرضاعة، فهو لا يعلم تحديد هذا الشخص المبهم في هذا الحديث، أو في هذا الإسناد الذي هو أخو عائشة من الرضاع، فيحتمل أن يكون أحد هذين الاثنين، ويحتمل أن يكون غيرهما. وهو ليس من رجال الإسناد؛ لأن رجل الإسناد هو: أبو سلمة الذي دخل هو وأخوها، وأخوها سأل، وأبو سلمة يسمع، فهو روى عن عائشة، ما روى عن أخيها؛ لكن أخاها هو السبب، ومعرفة السبب ليس بلازم أن يعرف؛ لأنه لو كان يروي عن أخيها من الرضاع، وأخوها من الرضاع يروي عنها، لصار هذا الرجل المبهم يحتاج إلى معرفته حتى يعتبر الحديث ثابتاً أو غير ثابت؛ لكن الرجل ليس من رجال الإسناد، وإنما جاء ذكره لكونه سأل.

    علاج الوساوس الشيطانية في التشكيك بوجود الله تعالى
    السؤال: بعض الناس الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويؤدون أركان الإسلام وشعائره، ويفعلون الأوامر ويجتنبون النواهي، إلا أنه والعياذ بالله دخل عليهم الشيطان من مدخل أقلقهم، وشتت أفكارهم، وأعيا أجسادهم، ألا وهو تشكيكهم في اليقين بالله تعالى، فيشتكي بعضهم ويقول: أنا لست مستشعراً بوجود الله تعالى، إذاً: فأنا لست مؤمناً، ويقول: من ابتلي بهذا الوسواس أنه قرأ لـابن القيم أنه يقول: إن الوساوس التي تعرض على الخلق نوعان: نوع من الشيطان، ونوع آخر إنما هو شبهة ومرض، لا بد من علاجه، فزاد هذا الكلام هذا الرجل وسوسة، فما هي نصيحتكم له؟الجواب: الجواب على هذا هو: أن الإنسان عليه أن يحذر من الشيطان، وألا يسترسل معه، وقد جاء في الحديث ما يشعر بمثل هذا المعنى: (إن الشيطان لا يزال مع أحدكم يقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول له: من خلق الله؟ فمن وجد شيئاً من ذلك فلينته، وليقل: آمنا بالله)، فإذا جاءه هواجس من الشيطان، أو وساوس من الشيطان، فعليه أن يدفعها ويستعيذ بالله من الشيطان، وينتهي، ولا يسترسل مع هذه الوساوس والعياذ بالله.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #75
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (72)


    - (تابع باب ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل) إلى (باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد)
    يجوز الاكتفاء بالصاع عند الاغتسال، وتجوز الزيادة على ذلك والنقصان منه؛ ويجوز للرجل الاغتسال مع نسائه أو ملك يمينه من إناء واحد كما دلت على ذلك الأحاديث.
    تابع ذكر القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للغسل

    شرح حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء ... قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي جعفر قال: (تمارينا في الغسل عند جابر بن عبد الله، فقال جابر: يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء، قلنا: ما يكفي صاع ولا صاعان، قال جابر: قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)]هنا أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه: ( أنه كان عنده جماعة في مجلسه فتماروا في القدر الذي يكفي في الاغتسال، فقال جابر : يكفي في الغسل من الجنابة صاع من ماء، وقال بعضهم: ما يكفي صاع ولا صاعان، فقال عند ذلك جابر رضي الله عنه: قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً )، وفي بعض الروايات أنه قال: (من كان خيراً منك، وأكثر شعراً)؛ أي: خطاب لشخص معين، فهو في حال ذكر الإفراد بناء على أن المتكلم واحد، وفي حال الجمع بناء على أنهم جماعة وتحدث عنهم واحد، فوجه الخطاب للجميع. والحديث دال على ما ترجم له المصنف؛ وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بصاع، وكان يكفيه من الماء الصاع، ولما حصل البحث والمناقشة في المقدار الذي يكفي في حال الاغتسال، قال جابر: (يكفي صاع) يشير بذلك إلى ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: (لا يكفي صاع ولا صاعان) فعند ذلك أنكر وأظهر الإنكار وشدد، وقال: (قد كان يكفي من كان خيراً منك، وأوفر شعراً) يعني بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (يكفي من الغسل من الجنابة صاع من ماء ... قد كان يكفي من كان خيراً منكم وأكثر شعراً)
    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد مر كثيراً، وهو من رجال الكتب الستة، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا أبو الأحوص]. أبو الأحوص هذه كنية اشتهر بها، وهو سلام بن سليم، وهو ثقة متقن، وهو الحنفي الكوفي، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق]. هو السبيعي، وهو عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي، وهو ثقة حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي جعفر]. أبو جعفر هو محمد بن علي بن الحسين الملقب بـالباقر، أحد الأئمة الاثني عشر عند الرافضة، وهو إمام من أئمة أهل السنة، وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله تعالى عن علي وعن الصحابة أجمعين، ورحم الله محمداً وغيره من التابعين وأتباع التابعين، وهو ثقة فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. وأهل السنة يتولون أهل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام ويحبونهم، ويعرفون لهم فضلهم، ومن كان منهم تقي فهو يحب لتقواه ولقربه من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولهذا كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه يحلف ويقسم ويقول: ( لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن أصل قرابتي ). هكذا جاء عنه في صحيح البخاري، وكذلك كان يقول: ( ارقبوا محمداً في أهل بيته )، كما جاء ذلك أيضاً في صحيح البخاري، فهذه هي طريقة سلف هذه الأمة من الصحابة ومن بعدهم؛ أنهم يعرفون الفضل لأهل الفضل، ومن كان تقياً يحبونه لتقواه، وهذا هو الأساس في المحبة، لكن إذا انضاف إلى ذلك أن يكون من أهل البيت، فإنهم يحبونه لتقواه ولقربه من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ ولهذا كانوا يتولون المؤمنين من أهل البيت ويحبونهم، ويعرفون لهم قدرهم، وينزلونهم منازلهم، لكن بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعسف، ولا بالغلو ولا بالجفاء، فلا يغلون ولا يجفون، ولا يتجاوزون الحدود فيفعلون كما تفعل الرافضة، ولا يجفون بأن يتكلموا فيهم بقدح أو بما لا ينبغي، وإنما يذكرونهم بما يليق بهم، ويثنون عليهم، ويحبونهم لتقواهم ولإيمانهم، ولقربهم من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.إذاً: أبو جعفر هو محمد بن علي، وقد ذكر بكنيته، وهو يروي عن جابر بن عبد الله، وهو الذي روى حديث جابر الطويل الذي فيه صفة حج رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو من رواته ومن رواية أهل البيت عنه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.[ جابر].هو جابر صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وهذا الإسناد رجاله: قتيبة بن سعيد، وأبو الأحوص، وأبو إسحاق السبيعي، وأبو جعفر الباقر، وجابر، هؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وثلاثة منهم ذكروا بكناهم؛ الذين هم: أبو الأحوص وأبو إسحاق وأبو جعفر، والأربعة الذين هم دون الصحابي كلهم من الثقات.
    ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك

    شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد وهو قدر فرق)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الدلالة على أنه لا وقت في ذلك.أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن معمر عن الزهري ح وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر وابن جريج عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهو قدر الفرق)].هنا أورد النسائي رحمه الله بعد الباب السابق وهو القدر الذي يجزئ ويكفي في الاغتسال من الجنابة، أورد فيه الدلالة على أنه لا وقت في ذلك، وفي بعض النسخ: لا توقيت في ذلك، يعني: لا توقيت في القدر ولا تحديد ثابت معين بحيث لا يزاد عليه ولا ينقص من مقدار الماء، فأورد هذه الترجمة للدلالة على هذا الشيء، وأورد فيه حديث عائشة أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وهو قدر الفرق)، فالمقصود من إيراد الحديث: الدليل على أنه لا توقيت ولا تحديد في الماء الذي يغتسل فيه الإنسان، بحيث لا يزيد ولا ينقص، ووجه الاستدلال منه: أن قولها: (قدر الفرق) يشعر بأنها تقديرية، وأنها ليست تحديدية أو مقدار ثابت أو كيل معلوم، وإنما هو مقدر قدر الفرق، يعني: يقدر بكذا، فمعناه: أنه تخميني وتقديري، هذا الوجه الأول من وجوه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الموضوع. الوجه الثاني: أنه قد جاء في بعض الأحاديث السابقة ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بإناء قدر الفرق، أو هو الفرق ). وهنا قالت: (إنها تغتسل هي وإياه من إناء قدر الفرق). فإذاً: الحديث جاء أن الرسول يغتسل وحده بإناء قدر الفرق، وجاء في حديث أنها هي وإياه يغتسلان من إناء قدر الفرق، ومعلوم أن كونه يغتسل وحده من ذلك الإناء معناه: أن الذي يستعمله من الماء أكثر من الذي يستعمله هو وإياها عندما يغتسلان من إناء قدر الفرق، فهذا يدل على أنه ليس فيه تحديد؛ لأنه لو كان هناك تحديد لكان يلتزم بمقدار معين، سواءً كان وحده أو هي معه، لكن الأمر لا تحديد فيه ولا تقدير، وقد ثبت أنه يغتسل إلى خمسة أمداد -وهي صاع ومد- ويغتسل بالصاع -وهو أربعة أمداد- ويغتسل بثلاثة أمداد؛ وهي صاع إلا ربع، فإذاً: القضية لا تحديد فيها. ووجود هذا وكونه يؤتى بلفظ (قدر) يدل على أن المسألة تقديرية وليست تحديدية، فيكون الأمر في ذلك في سعة ويتبع الحاجة؛ فقد يزيد للحاجة، وقد ينقص عن هذه المقادير لعدم الحاجة.إذاً: الاستدلال بحديث عائشة هذا من وجهين: من التعبير بقدر، وأنه يشير بأن المسألة تخمينية. ومن جهة ثانية: أن هذا القدر الذي كان يغتسل هو وإياها فيه كان يغتسل به وحده. كذلك جواز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد تتعاقب أيديهم فيها، ولا يؤثر ذلك، وقد جاءت به السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد وهو قدر فرق)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر]. هو المروزي، خرج له الترمذي والنسائي، وهو ثقة، وقد مر قريباً في إسناد حديث أنس الذي قبل هذا بحديث.[حدثنا عبد الله]. هو ابن المبارك، وعبد الله غير منسوب، ويأتي غير منسوب إذا روى عنه سويد بن نصر؛ لأنه عند الإطلاق والراوي عنه سويد بن نصر فهو راويته، إذاً: لا يلتبس بغيره، فهو عبد الله بن المبارك. [عن معمر]. هو معمر بن راشد شيخ عبد الرزاق الذي جاء ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بالنسبة إلى جده زهرة، وإلى جده شهاب، وهو إمام فقيه محدث مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم]. أتى بالتحويل (ح) وقد عرفنا مراراً وتكراراً أن (ح) هذه يقصد بها التحول من إسناد إلى إسناد؛ يعني: يبدأ بإسناد ويمضي فيه، وقبل أن يصل إلى آخره يبدأ بإسناد آخر من جديد فيأتي بشيخ له، ثم يبدأ الإسناد من جديد، وبين الإسناد الأول والثاني (ح) التي تشعر بالتحويل، والتحول من إسناد إلى إسناد مثل (ح) الذي بعد أخبرنا يرجع إلى النسائي، فـالنسائي هو الذي قال: أخبرنا؛ لأنه قال أولاً: أخبرنا سويد بن نصر، ثم ساق الإسناد، ثم قال: (ح) وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم، إذاً: رجع الإسناد من جديد وذكر شيخاً آخر وهو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت محدث فقيه، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً.[حدثنا عبد الرزاق]. هو ابن همام الصنعاني المحدث المشهور المكثر، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا معمر وابن جريج].هو معمر بن راشد، وهنا التقى الإسنادان؛ لأن الإسناد الأول فيه معمر، وهنا فيه معمر، فإذاً أولاً: سويد بن نصر يروي عن عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك يروي عن معمر، والإسناد الثاني: إسحاق بن إبراهيم يروي عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق يروي عن معمر، وهنا التقى الإسنادان، يعني: إسناد من النسائي فيه شخصان، وإسناد آخر فيه شخصان، ثم يلتقيان عند معمر، ثم يستمر الطريق نفسه بعد ذلك، يعني: هو متفرع من النسائي تفريعين، ثم يلتقيان عند معمر، ثم يستمران بعد ذلك بإسناد واحد، والطريقان متساويتان؛ لأن الطريق الأولى فيها اثنان، والطريق الثانية فيها اثنان، فلا فرق بينهما في العدد؛ لأن الطريق الأولى: سويد وعبد الله، وهو يروي عن معمر، والثاني: إسحاق وعبد الرزاق، وهو يروي عن معمر، فهما متساويان، ثم بعد ذلك يتحد الإسناد من معمر وما فوقه.وابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز المكي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري]. الزهري مر من قبل. [عن عروة]. عروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المذكورين في عصر التابعين، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[عن عائشة].عروة يروي عن خالته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأن عروة بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر أخت عائشة، وهو يروي عن خالته، وعائشة رضي الله عنها مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناءٍ واحد

    شرح حديث عائشة: (إن رسول الله كان يغتسل وأنا من إناء واحد...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد.أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن هشام بن عروة (ح) وأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل وأنا من إناء واحد نغترف منه جميعاً)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة؛ وهي: اغتسال الرجل مع المرأة من نسائه من إناء واحد، وهذه الترجمة معقودة لكون الرجل وزوجته يغتسلان من إناء واحد أنه سائغ، وقد فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام مع بعض نسائه، وهو هنا قال: اغتسال الرجل مع بعض نسائه، يعني: أن هذا إنما يكون مع الأهل وهم النساء، ومثلهن الإماء اللاتي هن ملك اليمين، فذكر النساء يراد به أن ذلك يكون مع من يصلح منه ذلك، ومن يصلح منه ذلك هم الأهل الذين يمكن أن ينظر كل منهما إلى الآخر، بخلاف غير الزوجة وملك اليمين، فإن ذلك لا يسوغ لما في ذلك من كشف العورة عند من لا يجوز كشفها عنده، وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك وما ملكت يمينك)، فهذا يدل على أن الزوجة وملك اليمين يمكن أن تنظر إلى عورته، وهو كذلك تنظر إلى عورة زوجته وملك يمينه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك)، فالاغتسال مع الزوجة أو مع ملك اليمين الذي يحل النظر من بعضهم إلى بعض جائز، ولهذا قال: اغتسال الرجل مع بعض نسائه، يعني: أزواجه، فليست القضية اغتسال رجل وامرأة مطلقاً، وإنما اغتسال رجل مع أهله ومع بعض نسائه، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث التي أوردها، فأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: ( أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد نغترف منه جميعاً )، يعني: أن الإناء بينهما، هو يدخل يده ويخرج الماء ويغتسل، وهي تدخل يدها وتخرج الماء وتغتسل، فيتعاقبان ويتناوبان، فهذا يدل على ما ترجم له المصنف من اغتسال الرجل والمرأة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (إن رسول الله كان يغتسل وأنا من إناء واحد...)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله]. سويد بن نصر مر ذكره قريباً، ويروي عن عبد الله وهو ابن المبارك أيضاً مر ذكره.[عن هشام بن عروة]. هو: هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، ويروي عنه أصحاب الكتب الستة.[(ح) وأخبرنا قتيبة]. هنا أتى بـ(ح) للتحويل. وقتيبة هو ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وهو أحد الفقهاء المعروفين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ومر ذكره كثيراً.[عن هشام بن عروة]. هنا التقى الإسنادان عن هشام بن عروة.[عن أبيه عن عائشة]. هو عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، ويروي عن عائشة، وعائشة أم المؤمنين مر ذكرها كثيراً.

    شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة حدثني عبد الرحمن بن القاسم سمعت القاسم يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة)]. هنا أيضاً أورد حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه كما في الذي قبله: أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة؛ لأن الغسل هو غسل الجنابة، فكانا يغتسلان من إناء واحد يغترفان منه، فهو مثل الذي قبله، ودال على ما دل عليه الذي قبله، وهو مطابق لما ترجم له المصنف.وقوله: (من الجنابة) هذا يفيد أن الاغتسال هو غسل الجنابة، وليس غسلاً من الأغسال التي لا علاقة لها بالجنابة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة)
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى]. هو الصنعاني، وهو ثقة مر ذكره كثيراً، وروى له مسلم، وأبو داود في كتاب القدر، والترمذي والنسائي وابن ماجه .[حدثنا خالد]. هو ابن الحارث، ويأتي ذكر محمد بن عبد الأعلى كثيراً يروي عن خالد، وخالد غير منسوب أحياناً، والمراد به خالد بن الحارث، وهو ثقة، خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة]. شعبة قد تقدم ذكره كثيراً.[حدثني عبد الرحمن بن القاسم].هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة فاضل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت القاسم]. هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [يحدث عن عائشة]. أي: عن عمته عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم ذكرها.

    شرح حديث عائشة: (لقد رأيتني أنازع رسول الله الإناء أغتسل أنا وهو منه)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبيدة بن حميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء أغتسل أنا وهو منه)].تقول عائشة رضي الله عنها: (لقد رأيتني أنازع رسول الله صلى الله عليه وسلم الإناء أغتسل أنا وهو منه)، يعني: هي تغتسل منه، وهو يغتسل منه، ويتنازعان الإناء بحيث أنها تدخل يدها ثم هو يدخل يده، فيحصل تجاذب الإناء؛ فهي تأخذ وتجره إليها وهو يأخذ ويجره إليه، ففيه: جواز اغتسال الرجل وأهله من إناء واحد من الجنابة، وهو دال على ما ترجم له المصنف، وهو بمعنى الأحاديث السابقة لـعائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (لقد رأيتني أنازع رسول الله الإناء أغتسل أنا وهو منه)
    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].قتيبة مر ذكره.[حدثنا عبيدة بن حميد]. عبيدة بن حميد صدوق، خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة. وعبيدة بالفتح، وقد يكون مكتوباً عُبيدة بالضم وهو خطأ، بل هو عبيدة بالفتح ثم الكسر. [عن منصور]. هو ابن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن إبراهيم].هو إبراهيم بن يزيد النخعي، المحدث الفقيه، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الأسود].هو الأسود بن يزيد النخعي، وهو ثقة مخضرم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة]. عائشة قد مر ذكرها.

    حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد) وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا سفيان حدثني منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة أيضاً من طريق أخرى، وأنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، فهو مثل الذي قبله. قوله: [أخبرنا عمرو بن علي]. هو عمرو بن علي الفلاس، الثقة المحدث الناقد، الذي خرج له أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو ابن سعيد القطان، المحدث الناقد الثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان]. سفيان هنا مهمل، يحتمل: أن يكون ابن عيينة، ويحتمل أن يكون الثوري، وهو يروي عن منصور، ويحيى بن سعيد القطان يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن منصور بن المعتمر، فهو محتمل لهذا ولهذا، لكن حمله على أنه الثوري أقرب؛ لأن منصور كوفي، وسفيان الثوري كوفي، وسفيان بن عيينة مكي، ولما كان يحيى بن سعيد القطان يروي عن السفيانين، والسفيانان يرويان عن منصور بن المعتمر، صار الأمر محتملاً لهذا ولهذا، فيحمل على من كان له به علاقة أو له به اتصالاً أكثر، وما دام أنه من بلده، يعني: سفيان الثوري من بلد منصور بن المعتمر، فيكون حمله عليه أقرب من هذه الناحية والصلة التي بينه وبينه لكونه من بلده، ومعلوم أن الإنسان إذا كان من بلد فإنه يتصل به باستمرار بخلاف إذا كان في بلد آخر، فلا يتصل به إلا إذا رحل إليه أو سافر لحج أو عمرة فيلتقي بـسفيان بن عيينة، أما سفيان فهو معه في بلده الكوفة. وبعد ذلك يتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.

    شرح حديث ميمونة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله من إناء واحد)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يحيى بن موسى عن سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (أخبرتني خالتي ميمونة أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد)]. الأحاديث التي مضت كلها عن عائشة، وكلها تتحدث عن موضوع واحد، وهو اغتسالها وإياه من إناء واحد، وهنا عن ميمونة، يعني صحابية أخرى، وأم أخرى من أمهات المؤمنين، وميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وأرضاها تروي كما تروي عائشة: ( أنها كانت تغتسل هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد )، ويروي ذلك عنها ابن أختها عبد الله بن عباس؛ لأن عبد الله بن عباس هو ابن لبابة بنت الحارث الهلالية، ولبابة بنت الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية، فهي خالته، فيروي عنها هذا الحديث، وهو من رواية صحابي عن صحابي.

    تراجم رجال إسناد حديث ميمونة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله من إناء واحد)
    قوله: [أخبرنا يحيى بن موسى]. هو البلخي، وهو ثقة، خرج له البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود. [عن سفيان]. هنا سفيان غير منسوب، فيحتمل الثوري ويحتمل ابن عيينة، لكن ذكر في ترجمة يحيى بن موسى أنه روى عن ابن عيينة، فيحمل على أنه ابن عيينة، وسفيان بن عيينة ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو].هو عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن جابر بن زيد]. هو أبو الشعثاء، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره كثيراً.[أخبرتني خالتي ميمونة]. يروي ابن عباس عن ميمونة خالته، وميمونة هي: أم المؤمنين، ولها ستة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على سبعة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بخمسة.
    الأسئلة

    مدى سنية اغتسال الرجل مع زوجته

    السؤال: هل اغتسال الرجل مع أهله من السنة؟ الجواب: هو سائغ وجائز، ولا يقال: إن الإنسان إذا لم يفعله أنه ترك سنة، فلو أن إنساناً ما اغتسل مع أهله فليس عليه شيء.

    حكم رواية أبي إسحاق المدلس والمدلسين عموماً
    السؤال: أليس أبو إسحاق السبيعي مدلساً، وأنه لا يقبل منه إذا عنعن، ولا بد له من التصريح حتى تقبل روايته؟ الجواب: نعم، أبو إسحاق مدلس، لكن كما هو معلوم أن المدلس لا يعتمد على روايته إلا إذا صرح بالسماع في مكان آخر، أو كان الراوي عنه ممن يعرف بأنه لا يروي عن مدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع، لكن هذا يكون في الأحاديث التي يكون فيها انفراد ولا يعرف الحديث إلا من هذا الطريق، لكن إذا كان الحديث جاء من طرق متعددة وكلها في موضع واحد، فهذا يدل على أنه صحيح، وأن ما جاء من الأحاديث في معناه أنها تدل على ما دل عليه. ولعله يريد الكلام على المدلسين من ناحية، وهذا هو الشأن في المدلسين، فالمدلسون يتفاوتون؛ منهم من تدليسه نادر وهذا لا يؤثر، ومنهم من يكون تدليسه كثيراً وهذا يكون مبنياً على أنه صرح بالسماع في موضع آخر، وإذا كان من يروي عنه ممن عرف بأنه لا يروي عن مدلسين إلا ما صرحوا فيه بالسماع وأمن فيه تدليسهم، فهذا أيضاً يؤمن فيه جانب التدليس، لكن كما قلت: هذا الأمر يحتاج إليه فيما إذا اتحدت الطريق ولم يكن هناك طرق متعددة، أما إذا كان الحديث له طرق متعددة، وكلها تؤدي هذا المعنى -مثل هذه الأحاديث التي معنا عن عائشة فكلها من طرق كثيرة فيها أنهم كانوا يغتسلون من إناء واحد- وفيها شيء من العنعنة من مدلس ولم يعرف التصريح منه في ذلك الإسناد، فإنه ينجبر بالطرق الأخرى.

    الفرق بين فعل الإنسان الاختياري أو الاضطراري
    السؤال: ما هو الفرق بين فعل الإنسان الاختياري أو الاضطراري؟ وهل الإنسان مجبور في فعله؟الجواب: أولاً نقول بأن كل ما هو موجود من الأعيان والصفات فهو بخلق الله، لا يوجد في ملك الله إلا ما شاءه الله، وما خلقه الله؛ لأن الله تعالى خلق كل شيء، ولم يجبرهم عليها؛ لأن لهم مشيئة وإرادة، وهو بين لهم أن هذا خير وأن هذا شر، وأنكم إن سلكتم طريق الخير فزتم، وإن سلكتم طريق الشر خسرتم. والله تعالى لم يجبر الناس بمعنى: أنه يجعلهم مضطرين، فلا أحد يستطيع التخلص من هذا الفعل، لا، هذا يرجع إلى مشيئة الإنسان وإرادته، لكن مشيئته وإرادته تابعة لمشيئة الله، فإذا وجد منه شيء بمشيئته وإرادته فإنما كان بإيجاد الله وبمشيئة الله وإرادة الله. والفرق بين الاختيار والاضطرار: أن المضطر لا ينسب إليه الفعل وإنما يوصف به وصفاً، وأما الاختيار فهو ينسب إليه، ويمدح عليه إن كان حسناً، ويذم عليه إن كان سيئاً، فمثلاً: الشخص المرتعش الذي تضطرب يده، فهذه الحركة اضطرارية وليست اختيارية، فلو ضرب بأن يوقف يده من الحركة فما يستطيع؛ لأن هذا ليس من فعله، لكن إذا قيل له: خذ هذا الكتاب وأوصله إلى المكان الفلاني، أو اذهب إلى المكان الفلاني أو اعمل كذا، فهذا شيء يرجع إلى مشيئته وإرادته، فهو غير مجبور عليه، إنما المجبور هو المرتعش الذي ليس له إرادة ولا له مشيئة، فهذا الارتعاش صفة له، فهو لم يحصل منه الحدث، وإنما قام به الحدث، أما الذي يرجع إلى مشيئته وإرادته فهي كسبهم من العباد، وخلق من الله سبحانه وتعالى؛ و(هي كسبهم) بمعنى أنهم فعلوها بمشيئتهم وإرادتهم، لكن لا يفعلون شيئاً ما قدره الله، ولا يحصل منهم شيء ما خلقه الله؛ فالله تعالى خالق العباد الذين هم الأعيان، وخالق صفاتهم التي هي الأفعال والحركات؛ لقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96]، فهو خالقهم وخالق أعمالهم. إذاً: أفعال العباد هي كسب لهم يحمدون على حسنها، ويذمون على سيئها. وهي خلق الله، يعني: إيجاده؛ لأن مراتب القدر أربع: أن الله تعالى علم أزلاً كل ما هو كائن، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاء ذلك، وأوجد ذلك الذي هو الخلق، فله مراتب أربع: علم، وكتابة، ومشيئة، وخلق وإيجاد، وكل أمر يقع فلا بد أن يكون حصل له هذه الأمور الأربعة: علم الله تعالى به بعلمه الذي لا بداية له، وكتبه في اللوح المحفوظ، وشاءه، وأوجده وخلقه، هذه الأمور كلها هي مراتب القدر.إذاً: هناك فعل يضاف إلى العبد يحمد عليه ويذم عليه، ولهذا يقام عليه الحد إذا زنى، ويرجم إذا كان محصناً، ويجلد إذا كان بكراً، ولا يقال: لم عذب وهو شيء مجبور عليه ولا إرادة له؟ فالزنا حرام، وأنت إذا زنيت يفعل بك كذا وكذا، ثم بعد ذلك وقع في الزنا فهو الآن قد أقدم على الحرام بمشيئته وإرادته. ولا يقال: إنه خلق فعله وأنه أوجده، وأن الله تعالى ما خلق أفعال العباد، فأفعال العباد كسب لهم، وهي خلق الله سبحانه وتعالى.أما الشيء الذي ليس للإنسان به علاقة، والذي يعتبر وصف له ولا يعتبر فعل له، فهو مثل: المرتعش، والعروق النابضة التي ليس للإنسان فيها دخل، ومثل جريان النفس، فكل هذه أمور ليس للإنسان فيها دخل، وهي خارجة عن كسب الإنسان وعن فعل الإنسان، وإنما هي وصف له، ولهذا يقولون في تعريف الفاعل: اسم مرفوع يدل على من حصل منه الحدث أو قام به، فقولهم: (حصل منه الحدث) يعني: إذا كان يرجع إلى مشيئته وإرادته، مثل: قام، وقف، جلس، قعد، أكل، شرب، كل هذه أفعال من العباد هم الذين فعلوها، فهو فعلهم وكسبهم. وقولهم: (أو قام به) أي: ليس من فعله وإرادته، مثل ما يقال: مرض فلان، مات فلان، فهو ما فعل الموت، وهو ما فعل المرض، ولكنه صار محلاً للمرض، فقام به المرض، فهناك شيء يعتبر من فعله، وشيء خارج عن فعله؛ فإذا حصل منه الحدث كان اختيارياً، وإذا قام به الحدث كان اضطرارياً.

    الفرق بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة
    السؤال: ما الفرق بين مرجئة الفقهاء وأهل السنة؟ وماذا يترتب على ذلك الخلاف؟ الجواب: مرجئة الفقهاء يقولون: إن الأعمال ليست داخلة في مسمى الإيمان، ويقولون: الإيمان هو تصديق وقول، والعمل خارج عن مسمى الإيمان، وأهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان تصديق وقول وعمل، فكلمة (عمل) هذه أهل السنة يجعلونها داخلة في مسمى الإيمان، ومرجئة الفقهاء يخرجونها على أن تكون داخلة في مسمى الإيمان، هذا هو الفرق بينهما.

    ضابط التفريق بين سنن العادات وسنن العبادات
    السؤال: ما هو الضابط للفرق بين السنن العادات وسنن العبادات؟ وما هو الدليل على هذا التفريق؟ الجواب: العبادات كما هو معلوم هي السنن، وأما العادات كيف تكون سنناً؟! يعني السنة ما جاء على الشرع، فإذا جاءت على حسب الشرع فهي سنة، وأما العادة: فهي الذي اعتاده وألفه الناس، ومن المعلوم أن الناس قد يعتادون ما هو سنة، وقد يعتادون ما هو بدعة، فيكون سنة إذا كانت السنة جاءت به، ويكون بدعة إذا كانت السنة ما جاءت به، لكن هذه العادة إذا كان ليس لها علاقة بالتعبد وإنما هي في الأمور التي يعتادونها ويحتاجون إليها ولم يأت في الشرع ما يمنع منها، فهي مباحة، فكلمة (سنة عادة) أنا ما أعرف معنى هذه؛ لأن السنة هي ما جاء به الشرع، سواءً كان في العبادات أو في الأمور التي يستعملها الناس في تعاملهم وفي أعمالهم وفي أفعالهم وفيما يتعلق بحاجاتهم، فما جاء به الشرع فهو يقال له: سنة، وما لم يأت به الشرع فالأصل هو الإباحة، وإذا جاء شيء يمنع فلا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه جاء ما يمنع من فعل هذا، فإذا اعتاد الناس شيئاً هو على خلاف الشرع فيجب عليهم أن يتركوه، وإذا كان الشرع جاء في إباحته فيفعلوه، وإذا سكت عنه فما قال لهم: هو حلال أو هو حرام، فإن ذلك سائغ.وبالنسبة لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم منه ما هو للتشريع، ومنه ما هو بمقتضي الجبلة، فكون الإنسان يقوم ويجلس ويتحرك ويروح ويجيء فهذه أمور جبل عليها الناس، لكن تشريع رسول الله صلى الله عليه وسلم والشيء الذي يقتدى به فيه ويتبع فيه عليه الصلاة والسلام هذا هو السنة.

    مدى مشروعية الخلع من دون عوض
    السؤال: هل يصح الخلع بغير عوض؟ علماً أن هذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية والجمهور على خلافه.الجواب: أنا ما أدري عن رأي شيخ الإسلام، لكن المعروف أن الخلع يكون على عوض، وهل لا بد أن يكون بعوض أو لا؟ لا أدري، ليس عندي علم في هذا.

    حكم نظر الزوج لزوجته عند الاغتسال
    السؤال: هل يجوز للزوج أن يغتسل مع امرأته معاً ينظر إليها وتنظر إليه؟ الجواب: نعم يجوز، ينظر الرجل إلى عورة امرأته وهي تنظر إلى عورته، ولا بأس بذلك، ولا مانع منه، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك).

    المقصود بقوله: (هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا ...)
    السؤال: فضيلة الشيخ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ثم رأيت سواداً عظيماً فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة)، ما المقصود من الأمة هل هي أمة الإجابة أو الدعوة؟ الجواب: المقصود أمة الإجابة طبعاً. وقوله: (هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة)، يعني: هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، والمقصود بذلك أمة الإجابة.

    حكم لعن إبليس
    السؤال: جاء في بعض كلام أهل العلم قوله: إبليس لعنه الله، فهل يجوز هذا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي لما قال: (تعس الشيطان، فقال له: لا تقل هذا، ولكن قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وجاء في صحيح الجامع: (لا تسبوا إبليس).الجواب: لعن إبليس كما هو معلوم هو أهل للعن، وهو أولى من يلعن؛ لأنه سبب كل شر وأصل كل شر، وإذا جاء شيء يدل على منع في حالة معينة أو كذا، فيصار إلى ما جاء به الدليل، وأنا ما أعرف أي شيء، لكن لعن إبليس أقول: هو أولى من يلعن، وقد جاء لعنه في القرآن.

    وقفة مع قول ابن حجر في بعض رجال الصحيحين: (صدوق)
    السؤال: مر بنا في بعض الأسانيد أن الحافظ ابن حجر يقول فيهم: صدوق، مع أن هذا الرجل في الصحيحين، أو من رجال صاحبي الصحيحين، كيف يكون هذا؟ الجواب: نعم، يكون صدوقاً، ويكون ممن يكون حديثه حسناً في المتابعات، وهذا يأتي في الصحيحين، ثم أحياناً كما هو معلوم كلمة (صدوق) قد يقول هذا الحكم الحافظ ابن حجر، وغيره قد يطلق حكماً آخر، فيقول عنه: ثقة.

    حكم تقديم الوتر في حالة جمع صلاة المغرب والعشاء تقديماً
    السؤال: إذا جمع المصلون بين صلاتي المغرب والعشاء جمع تقديم وذلك لأجل شدة المطر، فهل لهم أن يؤخروا الوتر في آخر الوقت أو يجب عليهم تأخير العشاء مع الوتر؟ الجواب: الوتر يبدأ وقته إذا صليت العشاء، سواءً كانت مجموعة مع المغرب أو في وقتها، فإذا صلى الإنسان العشاء ولو كانت مجموعةً مع المغرب في أول وقت المغرب، فيمكن للإنسان أن يوتر؛ لأن العشاء جاء وقتها؛ ولأن وقتها قد انتهى وأداها الإنسان، والوتر يؤدى بعد العشاء، فيبدأ الوتر بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، فإذا جمع جمع تقديم فلهم أن يوتروا بعد صلاة العشاء مباشرة، ولهم أن يؤخروا إلى أي وقت شاءوا من الليل، لكن المهم أنه جائز أن يوتروا بعد أن يصلوا ولو كان ذلك في وقت المغرب؛ لأنه ما دام جمعت إليها، فصار ما بعدها إلى طلوع الفجر كله وقت للوتر.
    المقصود بآل البيت والضابط في تحديدهم
    السؤال: من هم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟ وما الضابط في تحديدهم؟ الجواب: آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم آله الذين تحرم عليهم الصدقة، وقد اختلف فيهم: فقيل: هم كل هاشمي، وقيل: كل هاشمي ومطلبي؛ لأن بنو المطلب ألحقوا ببني هاشم؛ لأنهم كانوا معهم في وقت الشدة، وهم جميعاً أولاد عبد مناف، إلا أنهم لما كانوا معهم أُلحقوا بهم، وقال: ( إنا وإياهم شيء واحد ) يعني: هو وبنو المطلب، فمن العلماء من خصه ببني هاشم الذين هم قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء: يضاف إليهم بنو المطلب الذي هو ابن عبد مناف، ومن العلماء من يقول: إن آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم هم نسل جده الأدنى، وهم أولاد عبد المطلب، فهؤلاء هم أهل بيته، ففيه كلام للعلماء في ذلك؛ من حيث هل هم أولاد هاشم والمطلب الذين هم أولاد عبد مناف، أو أنهم أولاد عبد المطلب بن هاشم ؟ أما زوجاته فمن أهل بيته بلا شك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #76
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (73)

    كتاب الطهارة- (تابع باب ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد) إلى (باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها)
    أجاز الشرع الاغتسال بما فضل من الماء بعد اغتسال الجنب منه على الصحيح من أقوال أهل العلم وهو الذي دلت عليه الأدلة.ويجوز أيضاً الوضوء والاغتسال في أواني الطبخ مثل الوعاء الذي يعجن فيه وإن بقي فيه آثار العجين.
    تابع ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد

    شرح حديث أم سلمة: (رأيتني ورسول الله نغتسل من مركن واحد..)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: ذكر اغتسال الرجل والمرأة من نسائه من إناء واحد أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن سعيد بن يزيد سمعت الأعرج يقول: حدثني ناعم مولى أم سلمة رضي الله عنها: (أن أم سلمة رضي الله عنها سئلت: أتغتسل المرأة مع الرجل؟! قالت: نعم، إذا كانت كيسة، لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من مركن واحد نفيض على أيدينا حتى ننقيهما، ثم نفيض عليها الماء)، قال الأعرج: لا تذكر فرجاً ولا تباله].في الترجمة السابقة التي عقدها النسائي وهي: اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، فقد مر فيه عدة أحاديث، وبقي منها هذا الحديث وهو حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، أنها سئلت: (أتغتسل المرأة مع الرجل؟ قالت: نعم، لقد رأيتني ورسول الله صلى الله عليه وسلم نغتسل من مركنٍ واحدٍ نفيض على أيدينا حتى ننقيهما، ثم نفيض عليها الماء)، هذا الحديث كغيره من الأحاديث السابقة التي جاءت عن عدد من أزواج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يذكرن فيه أنهن كن يغتسلن مع رسول الله عليه الصلاة والسلام من إناء واحد، يغترفان منه، فيغترف منه الرسول صلى الله عليه وسلم، وتغترف منه زوجته، أو إحدى زوجاته، فقد جاء ذلك عن عائشة، وعن ميمونة، وعن أم سلمة، فكل هذه أحاديث أوردها النسائي في هذا الباب، وقد أورد حديث عائشة من طرق متعددة، وكلها تدل على ما ترجم له المصنف وهو: اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد، وأنه لا بأس بذلك ولا مانع منه، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.وكذلك أم سلمة رضي الله عنها، لما سئلت: أتغتسل المرأة مع الرجل؟! قالت: نعم، إذا كانت كيسة، ثم فسر الأعرج وهو أحد رواة الحديث كونها كيسة بقوله: (إنها لا تذكر فرجاً، ولا تباله)، يعني: هذا لفظ مطلق يشمل ذكر فرجها وفرج رسول الله عليه الصلاة والسلام، (ولا تباله) يعني: ولا تتباله، يعني: يظهر منها ما لا ينبغي أن يظهر مما يعد من البله، هذا هو تفسير (الكيسة) كما فسرها بذلك الأعرج أحد رواة هذا الحديث، والذي جاء إسناده في هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة: (رأيتني ورسول الله نغتسل من مركن واحد..)
    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].هو سويد بن نصر المروزي، وهو ثقة، خرج له الترمذي، والنسائي، وقد مر ذكره كثيراً، وإذا جاء ذكره فإنه يروي عن عبد الله غير منسوب، وهو مهمل؛ ولكنه محمول على عبد الله بن المبارك كما عرفنا ذلك مراراً، وقد قيل في ترجمة سويد بن نصر: أنه راوية عبد الله بن المبارك، فهو مروزي، وعبد الله بن المبارك مروزي، فإهماله لا لبس فيه ولا إشكال فيه، بل هو محمول على أنه عبد الله بن المبارك الذي يروي عنه راويته سويد بن نصر المروزي.[عن عبد الله].وهو عبد الله بن المبارك إمام، محدث، حجة، فقيه، جواد، مجاهد، قال ابن حجر في التقريب بعد أن ذكر جملةً من صفاته قال: جمعت فيه خصال الخير، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن يزيد]. سعيد بن يزيد هذا ثقة عابد، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.[سمعت الأعرج].وهو: عبد الرحمن بن هرمز هذا اسمه واسم أبيه، والأعرج لقب له، وأحياناً يأتي ذكره مجموعاً قد جمع بين اسمه ولقبه، وأحياناً يذكر اسمه بدون اللقب، وأحياناً اللقب بدون الاسم، فـعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثني ناعم مولى أم سلمة].وناعم مولى أم سلمة ثقة فقيه، خرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[أن أم سلمة...]. وأم سلمة هي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي: هند بنت أبي أمية، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب

    شرح حديث: (نهى رسول الله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر النهي عن الاغتسال بفضل الجنب:أخبرنا قتيبة حدثنا أبو عوانة عن داود الأودي عن حميد بن عبد الرحمن: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة رضي الله عنه أربع سنين، قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم، أو يبول في مغتسله، أو يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)].ذكر النسائي هذه الترجمة وهي: النهي عن الاغتسال بفضل الجنب، فقيل: إن المراد بفضل الجنب: هو ما يتساقط من أعضائه، وقيل: إنه ما يبقى في الإناء بعد اغتساله منه، وهذا هو الأوضح من حيث ما يشعر به لفظ الحديث، ومن حيث ذكر الفضل، وذكر الاغتراف في آخره؛ لأن قوله: (الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل)، أي: الذي يبقى؛ لأن الفضل هو البقية، وليس المتساقط الذي يتساقط، وكذلك أيضاً قال: (وليغترفا جميعاً)، معنى أنهما يغتسلان معاً، ولا يغتسل هذا بما يبقيه هذا، أو هذا بما يبقيه هذا، فالاغتسال بفضل الجنب الذي يبقى في الإناء بعد اغتساله منه، هذا هو فضله، أي: بقيته التي تبقى بعد استعماله، واغتساله منه، ولهذا أورد فيها النسائي هذا الحديث. قوله: (لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة أربع سنين، يعني: أنه صحب الرسول صلى الله عليه وسلم أربع سنوات، كما كان أبو هريرة قد صحبه أربع سنوات؛ لأن أبا هريرة إنما أسلم في السنة السابعة عام خيبر، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي في أول السنة الحادية عشرة، فيكون مدة صحبته أربع سنوات، وهذا الرجل مبهم، أبهمه الراوي، والقاعدة المعروفة عند العلماء: أن المجهول من الصحابة في حكم المعلوم، لا تؤثر جهالته ولا تضر؛ ذلك لأنهم كلهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يؤثر كون الصحابي مجهولاً؛ لأن الجهالة لا تؤثر، وإنما تؤثر فيمن دونهم، كما ذكر الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية قال: إن كل راو دون الصحابي لا بد من معرفة حاله من الثقة والعدالة والضعف، إلا الصحابة، فإنهم لا يحتاجون إلى معرفة أحوالهم؛ لأنهم يكفيهم ما حصل لهم من تعديل الله عز وجل وتعديل رسوله صلى الله عليه وسلم، وثناء الله عز وجل وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم عليهم، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فيكفي في الرجل أن يذكر بأنه صحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم يعرف شخصه، وإن لم تعرف عينه، وإنما يكفي أن ينسب إلى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يقال فيه: أنه صحب الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا شرف عظيم وفضل عظيم حصل لهم، ما شاركهم فيه أحد، ولا ظفر به أحد سواهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهذا الرجل الذي صحب النبي عليه الصلاة والسلام روى هذا الحديث المشتمل على ثلاث جمل، وهي: الجملة الأولى: النهي عن الامتشاط كل يوم، يعني: كون الإنسان يسرح شعره ويجمله في كل يوم، فإنه ينبغي ألا يكثر من ذلك، وإنما يستعمله يوماً بعد يوم، أو أكثر من ذلك؛ لكنه لا يستعمل ذلك بصفة دائمة، والمقصود من ذلك التنزيه والابتعاد عن الترفه، وأن يكون على هذا الوصف، ومن المعلوم أن الجمال مطلوب، وقد جاء في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: (إن الله جميل يحب الجمال)، فالزينة مطلوبة؛ لكن لا يشتغل بها ويفتتن بها، وكون الإنسان لا يكون همه إلا التجمل، وأن يكون هذا شغله، فقد جاء النهي في ذلك. الجملة الثانية: أن يغتسل الرجل في مستحمه، وقد سبق أن مر حديث في هذا الموضوع وفي باب خاص، وهو: النهي عن الاغتسال في المستحم، وفيه: أن عامة الوسواس منه، فقد تقدم أن الحديث الذي ورد في ذلك فيه كلام، والجملة الأولى منه، وهي: (النهي عن الاغتسال في المستحم) وقد جاء شاهد يؤيدها وهو هذا الحديث الذي معنا، الذي فيه ذكر النهي عن الاغتسال في المستحم، وليس فيه ذكر: (فإن عامة الوسواس منه) فكانت الجملة الأولى من ذلك الحديث لها شاهد يقويها، وهو هذا الحديث الذي معنا، والجملة الثانية وهي: (فإن عامة الوسواس منه) ليس لها شاهد كما للجملة السابقة، وشاهدها هذا الحديث، فتكون تلك الجملة لم تثبت؛ لأن الإسناد التي وردت فيه لا يعتمد عليه في حال الانفراد؛ ولكن الجملة الأولى جاء هذا الحديث أو جاءت بهذا الإسناد الذي معنا، فهو عاضد لها، وهو مؤيد لها، وقد عرفنا فيما مضى: أن النهي عن البول في المستحم، وهو مكان الاستحمام، أن المقصود من ذلك: إذا كان البول يستقر ويبقى، وليس له مجرى يذهب معه ويجري، أما إذا كان له مجرى ولا يستقر ولا يبقى فإنه في هذه الحالة لا بأس به، وإنما المحظور أن يكون البول يحتبس، وأن يكون في مكان لا يذهب في الأرض، فيؤدي ذلك إلى وصوله إلى المستحم وإلى جسده، فيلحقه بذلك ضرر، هذا هو وجه المنع منه، ومن المعلوم أنه إذا وجد البالوعات التي يجري فيها البول، ويجري فيها الماء، فإنه لا مانع من ذلك، ولا محظور فيه، وإنما المحظور فيما إذا كان البول يستقر، فيكون في مكان صلب لا تشربه الأرض، وليس له بالوعة يجري فيها، فهذا هو الذي يترتب عليه مضرة، ويترتب عليه احتمال وصول النجاسة إلى المستحم في ذلك المكان الذي بال فيه.والجملة الثالثة: نهي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وأن يغترفا جميعاً، وهذه الجملة فيها محل الشاهد، وقد جاءت أحاديث تدل على خلاف ما دلت عليه تلك الجملة، وهي حصول اغتسال الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، فيكون ما جاء في الحديث هنا إما على خلاف الأولى، وإما الحكم في ذلك أنه سائغ، والقول بكونه سائغ هو قول الجمهور، وقد قال بعض الفقهاء بما دل عليه هذا الحديث من النهي عن الاغتسال بفضل الجنب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو ابن سعيد الذي مر ذكره كثيراً، وهو أحد شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، بل هو أول شيخ روى عنه النسائي في سننه، وما أكثر ما يأتي ذكر قتيبة بن سعيد في أسانيد النسائي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك مراراً.[حدثنا أبو عوانة]. وأبو عوانة هذه كنية اشتهر بها وهو: الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن داود الأودي]. وهو داود بن عبد الله الأودي الزعافري الكوفي أبو العلاء، وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة.[عن حميد بن عبد الرحمن]. وممن يسمى بحميد بن عبد الرحمن: حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وهنا هو الحميري، فقد جاء تعيينه، ونسبته في سنن أبي داود، حيث قال في الإسناد: حدثنا حميد الحميري، فإذاً: هذا الإهمال الذي حصل فيه، والذي يحتمل أن يكون ابن عوف وأن يكون الحميري، جاء في سنن أبي داود نسبته وتعيينه، وأنه الحميري، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، ثقة فقيه خرج له الجماعة. [لقيت رجلاً].أي: من الصحابة، عرفنا أن المجهول منهم معلوم، وأنها لا تؤثر الجهالة فيهم، وإنما تؤثر الجهالة فيمن دونهم، ولهذا يكفي كل واحد منهم أن يقال عنه: إنه صحابي، ولا يحتاج إلى وصف آخر، ولا يحتاج إلى تعديل المعدلين، وتزكية المزكين، وتوثيق الموثقين؛ لأن تعديل الله عز وجل إياهم، وتعديل الرسول صلى الله عليه وسلم كاف لهم، فلا يحتاجون معه إلى شيء رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. لا مطعن في روايات أبي هريرة مع كثرتها، وكونه روى الكثير من الأحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام في مدة قصيرة، فيقال: إن هناك عوامل ساعدت أبا هريرة رضي الله عنه على الإكثار من الحديث، منها: ملازمته للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه كان يشاركه في الأكل من طعامه إذا أكل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكون كثير من الصحابة كانوا يشتغلون في حرفهم وتجاراتهم، ويأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أحيان، وأما هو فهو ملازم له، وقد جاء ذلك عنه، ثم أيضاً ما جاء من دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم له، فكان من أوعية العلم، ومن حفاظ الحديث، بل هو أكثر أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام حديثاً، ثم مما ساعده على كثرة الأخذ عنه وكثرة الاستفادة منه أنه عُمر وعاش بعد زمن الخلفاء الراشدين، وبعدهم بمدة طويلة، وأيضاً هو في المدينة، وكانت المدينة مقصد الناس الذين يأتون لزيارة هذا المسجد، وكذلك الذين يأتون للحج والعمرة ويزورون هذه المدينة، فكان ذلك الصحابي الجليل ممن بقي في المدينة، والناس يقصدونها ويأخذون عنه روايته، ولذلك كثر الأخذ منه.ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حجة؛ لأنهم لا يأخذون إلا عن الصحابة، فيوجد أحاديث منها ما سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لملازمته، ومنها ما يسمعه من بعض الصحابة، ومراسيل الصحابة كلها حجة، فلا يطعن في أبي هريرة إلا من ابتلاه الله عز وجل، وشاء الله عز وجل أن يسعى في إضرار نفسه وفي إيذاء نفسه. والذين يطعنون فيه هم الرافضة، وكذلك أيضاً بعض الناس الذين قد يحصل منهم أحياناً النيل من روايات أبي هريرة، فهذا لا يسوغ ولا يجوز أن يطعن في رواياته، والأمة قد قبلتها والصحابة قد قبلوها، واعتمدوا عليها، وقد جاء في فتح الباري في شرح حديث المصرات، أن بعض الحنفية قدح أو تكلم في الحديث، لكونه من رواية أبي هريرة، فقال: إن أبا هريرة ليس فقيهاً مثل ابن مسعود، ثم إن الحافظ ابن حجر علّق على هذا الكلام فقال: وقائل هذا الكلام ما آذى إلا نفسه، يعني: ضرر كلامه يرجع إليه؛ لأنه تكلم في صحابي من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهو لا يضره بذلك، وإنما رجعت مضرته إلى نفسه، ثم نقل عن أبي المظفر السمعاني في كتاب له اسمه الاصطلام، وهو يرد فيه على أبي زيد الدبوسي من الحنفية، فقال فيه أبو المظفر السمعاني: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله، يعني: من قدح في أحد من الصحابة، فهو ينادي على نفسه بأنه آذى نفسه، وأنه أقدم على ما يعود عليه بالمضرة، ولا يضر أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه شيئاً.إذاً: فكون أبي هريرة رضي الله عنه في المدة التي صحب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت مدة قليلة تبلغ أربع سنوات، وأحاديثه مع ذلك كثيرة، فلا يقدح ذلك في رواياته للأسباب التي أشرت إلى بعضها، والتي منها كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم، وكون الرسول دعا له، وكونه ممن بقي في المدينة، وكونه تأخرت وفاته إلى حوالي سنة ستين من الهجرة، يعني أنه عاش وحصل اتصال الناس به، وكونه في المدينة والناس يردون إليها، فيأخذون منه ويعطونه، فحصل بذلك أسباب تدل على سبب كثرة حديثه، وعلى سعة حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلا ينبغي أن يقدح فيه ولا أن يتكلم فيه، بل الواجب هو الابتعاد عن الكلام فيه وفي أحاديثه، وأن تكون القلوب مليئةً بمحبة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن تكون الألسنة نظيفة وسليمة من النيل منهم، فإذا ذُكروا فإن الإنسان لا يذكرهم إلا بخير، وقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت)، وإذا كان الكلام في آحاد الناس العاديين يعد من الغيبة، وهو محرم وممنوع، فكيف لو كان الكلام في سادات هذه الأمة، وفي خيار هذه الأمة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟! ثم إن من يريد الخير لنفسه، ومن هو ناصح لنفسه، فإنه يحرص كل الحرص على أن يكون مليء القلب بحبهم، رطب اللسان بذكرهم بالجميل اللائق بهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وفضلهم على الأمة عظيم، وإحسانهم إليها كبير؛ لأن الخير والهدى إنما وصل إلى الناس كلهم عن طريقهم وبواسطتهم، فما عرفنا القرآن والسنة إلا عن طريق الصحابة، وما عرفنا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إلا عن طريقهم، ولم تعرف الأمة كلها -من بعد الصحابة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- الحق والهدى إلا عن طريق الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
    الرخصة في الاغتسال بفضل الجنب

    شرح حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد يبادرني وأبادره...)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في ذلك:أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن عاصم ح وأخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن عاصم، عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، يبادرني وأبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي)، قال سويد: ( يبادرني وأبادره فأقول: دع لي دع لي )].ذكر النسائي هذه الترجمة بعد الترجمة السابقة، وهي: الرخصة في ذلك، يعني: كونه يغتسل أحد الاثنين الرجل، أو المرأة بفضل الآخر، ثم أورد تحتها حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إنها كانت تغتسل هي والرسول صلى الله عليه وسلم من إناء واحد تبادره ويبادرها، وتقول: دع لي، دع لي)، ومحل الشاهد من كون الاغتسال من المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة: أن أحدهما يفرغ وينتهي من الاغتسال قبل الآخر الذي يغتسل، فبعد أن فرغ صاحبه حصل منه استعمال ما تبقى من الآخر، فإذاً فيه اغتسال أحد الاثنين بفضل الآخر.ومن المعلوم أن كونهما يغترفان -يعني: كل واحد يغترف- فليس فيه فضل؛ لأن الماء موجود للجميع؛ لكن من انتهى أولاً فإن الذي يكون بعده إنما يستعمل فضل الآخر.قوله: [عن معاذة عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، يبادرني وأبادره، حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي)، قال سويد: ( يبادرني وأبادره، فأقول: دع لي دع لي )].يعني: أن النسائي ذكر الحديث عن شيخين، وكأنه ساق الحديث بلفظ الشيخ الأول الذي هو محمد بن بشار، ثم بعد ذلك أتى بلفظ الشيخ الثاني وهو سويد بن نصر، يعني: أتى بلفظه في آخر الحديث؛ لأن اللفظ لم يكن متحداً، ولم يكن متفقاً.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد يبادرني وأبادره...)
    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].هو بندار، وهو ثقة، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة.[عن محمد].محمد هنا غير منسوب يروي عن شعبة ، وإذا جاء محمد يروي عن شعبة وهو غير منسوب فإنه محمد بن جعفر الملقب غندر، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة].وشعبة هو أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عاصم].وهو: ابن سليمان الأحول، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ح وأخبرنا سويد بن نصر عن عبد الله].هنا حول الإسناد إلى سويد بن نصر المروزي الذي مر ذكره قريباً، وهو ثقة، حديثه عند الترمذي، والنسائي.وعبد الله غير منسوب وهو ابن المبارك، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة كما مر آنفاً.[أخبرنا محمد بن بشار عن محمد حدثنا شعبة عن عاصم].فالإسناد الأول أنزل من الثاني؛ لأن الإسناد الأول فيه ثلاثة بين النسائي وبين عاصم، وأما الإسناد الثاني ففيه اثنان بين النسائي وبين عاصم الأحول؛ لأن الأول محمد بن بشار، وغندر، وشعبة، ثم شعبة يروي عن عاصم الأحول، والإسناد الثاني سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن عاصم الأحول، فصار الإسناد الثاني أقل عدداً من الإسناد الأول، والإسناد الأول يعتبر أنزل لزيادة رجل فيه.[عن معاذة].هي: معاذة العدوية، تابعية أكثرت من الرواية عن عائشة، وروت عنها كثيراً، وهي ثقة، حديثها عند أصحاب الكتب الستة، وهي التي جاء في الحديث أنها سألت عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت لها: أحروريةٌ أنت؟! قالت: لا؛ ولكني أسأل، قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، هي التي سألت عائشة هذا السؤال وأجابتها بذلك الجواب.قوله: [عن عائشة]. وهي: عائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، المبرأة مما رميت به بآيات تتلى من كتاب الله عز وجل، وهي أكثر الصحابيات روايةً للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرها كثيراً.
    ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيها

    شرح حديث أم هانئ: (إن رسول الله اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الاغتسال في القصعة التي يعجن فيهاأخبرنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)].أورد النسائي رحمه الله: الاغتسال في القصعة التي فيها أثر العجين، وأورد النسائي حديث أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها قريباً في قصة الاستتار عند الاغتسال، وحديثها عند البخاري، ومسلم وغيرهما: ( أنها في عام الفتح جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل، فقال: من هذه؟ قالت: أم هانئ، فقال: مرحباً بـأم هانئ، ثم ذكرت رجلاً أجارته، وأمنته، وعلي رضي الله عنه وأرضاه كان يريد أن يقتله، فقال صلى الله عليه وسلم: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ )، وقد مر أن لها ستاً وأربعين حديثاً، منها حديث واحد اتفق عليه البخاري، ومسلم، وهو ذاك الحديث الذي مر في قصة مجيئها إليه في عام الفتح، وهو يغتسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهنا تروي ( أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو وميمونة كانا يغتسلان من قصعة فيها أثر العجين ). يعني: أن الوعاء الذي فيه الماء الذي يغتسل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة رضي الله عنها، كان فيه أثر العجين، يعني قد علق به العجين وفيه ماء، وعليه الأثر، ففي هذا دليل على أن مثل ذلك سائغ؛ وأن كونه يتوضأ في الإناء الذي يؤكل فيه، أو الذي يعجن فيه، أو الذي يشرب منه عند الحاجة، أنه لا بأس بذلك، ولا يقال: ما كان يستعمل للشرب لا يجوز استعماله في أمور أخرى، بل يجوز كما جاء في هذا الحديث؛ لأن هذا الذي يستعمل للعجن الذي هو قصعة فيها أثر العجين، كان الرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه أم المؤمنين ميمونة يغتسلان من ذلك الإناء، فهو دال على جواز ذلك، وأنه لا مانع منه، وقد فعله الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث أم هانئ: (إن رسول الله اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين)
    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].محمد بن بشار، وقد تقدم في الإسناد الذي قبل هذا. [حدثنا عبد الرحمن]. وهو ابن مهدي، الثقة الإمام المحدث، الذي مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا إبراهيم بن نافع]. إبراهيم بن نافع ثقة، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن أبي نجيح]. وهو عبد الله بن أبي نجيح، وقد مر ذكره، وخرج له الجماعة. [عن مجاهد]. وهو مجاهد بن جبر المحدث، المفسر، المشهور، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن أم هانئ]. وأم هانئ مر ذكرها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.إذاً فإسناد الحديث فيه أولاً محمد بن بشار، ثم عبد الرحمن بن مهدي، ثم إبراهيم بن نافع، ثم عبد الله بن أبي نجيح، ثم مجاهد، ثم أم هانئ، وهؤلاء الستة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، ومن دون الصحابية كلهم من الثقات.
    الأسئلة

    حكم الأوامر الشرعية الواردة في باب الآداب والإرشاد
    السؤال: يا شيخ! ما صحة قول بعض العلماء: بأن الأوامر إن كانت في باب الآداب فهو محمول على الاستحباب؟الجوا ب: هذا صحيح؛ لكن هل هو مطرد دائماً وأبداً؟ لا أدري؛ لكن الغالب عليها أن هذا للاستحباب؛ لأنهم يقولون: للإرشاد، فهو للاستحباب.

    علاقة التشريع بغير ما شرع الله بالشرك
    السؤال: هل هناك شرك يدخل في شرك الحاكمية؟الجواب : قضية شرك الحاكمية، أولاً الحاكمية هي داخلة في توحيد الألوهية، فمن جعل مع الله شريكاً في حكمه، بحيث يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فهذا شرك وكفر، ومن قال: إن غير الله عز وجل يشرع كما يشرع الله، فلا شك أن هذا كفر بالله عز وجل؛ لأنه جعل التشريع لغيره، مع أن التشريع إنما هو له سبحانه وتعالى فيما أوحاه إلى رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    الفرق بين الكمال الواجب والكمال المستحب في باب التوحيد
    السؤال: نرجو من فضيلة الشيخ توضيح هذه العبارة: ما ينافي كمال التوحيد الواجب، وما ينافي كماله المستحب.الجواب: الذي ينافي كمال التوحيد الواجب هو الذي يعاقب من أخل به، ويأثم من أخل به، وهو الذي يأتي فيه نفي الإيمان؛ لأن نفي الإيمان لا يأتي إلا لشيء هو كمال واجب، فلا ينفى الإيمان عن كمال مستحب؛ لأن الكمال الواجب هو الذي يأثم الإنسان إذا حصل منه إخلال؛ لأنه واجب، وأما الكمال المستحب فلا يأثم الإنسان في تركه؛ فكما هو معلوم لو ترك الإنسان التصدق، فإنه لا يأثم؛ لأنه ما ترك واجباً، وإنما ترك كمال المستحب فهذا هو الفرق بين الكمال الواجب، والكمال المستحب، فالكمال الواجب لا يأتي نفي الإيمان عن أحد إلا فيما هو كمال للواجب، فلا يأتي فيما هو كمال المستحب، والكمال المستحب هو الذي إذا حصل من الإنسان زاد فضله ونبله، وإذا ما حصل منه شيء؛ فإنه لا يأثم، مثل الأمور المستحبة التي من فعلها فإنه يثاب عليها، ومن لم يفعلها فإنه لا يعاقب على تركها.

    معنى حديث ابن عباس: (احفظ الله تجده تجاهك)
    السؤال: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (احفظ الله تجده تجاهك)، قال شارح الحديث: أي: تجده معك بالحفظ، والإحاطة، والتأييد، والإعانة، فهل الواجب والصحيح أن نقول بمثل ذلك؟ الجواب: هذا حديث ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم لـابن عباس (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، ومن المعلوم أن الله عز وجل تجاه الإنسان، وأن الإنسان أينما توجه فوجهه إلى الله عز وجل كما قال: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة:115]، فأينما توجه الإنسان فالله تعالى أمامه، وبيان ذلك أن السماوات والأرض ومن فيهما مثل الخردلة في كف الواحد منا، وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، فمن يكون في داخل الخردلة والله تعالى محيط بها، وهي في قبضة الله عز وجل ليست شيئاً، فأينما توجه فالله سبحانه وتعالى أمامه، فيحتمل أن يكون معنى هذا الحديث هو هذا، وأن الله عز وجل معه وأنه مطلع عليه، وأيضاً هناك معنىً آخر، وهو أنه يجد ثمرة ذلك، وثواب حفظ الله عز وجل يجده أمامه وتجاهه في الدار الآخرة، وكل هذا صحيح، فهذا حاصل وواقع في الدار الآخرة، وهو أنه يجد ثواب ذلك، فكل من المعنيين ممكن، وهما حاصلان ولا تنافي بينهما.

    إنكار المشركين لتوحيد الأسماء والصفات
    السؤال: هل من المشركين من أنكر توحيد الأسماء والصفات جهلاً أو عناداً؟ وكيف ذلك؟ الجواب: نعم، جاء ذلك في القرآن، فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يكتب في صلح الحديبية قال: (اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. قالوا: لا تكتب، اكتب: باسمك اللهم)، وقد جاء في القرآن: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110]، فهم كانوا ينكرون ذلك، لا يصفونه بهذا ويقولون: يكتب باسم الله فقط، أو باسمك اللهم.

    بيان ركني توحيد الألوهية
    السؤال: ذكر بعض أهل العلم أن لتوحيد الإلوهية ركنين هما: الصدق والإخلاص، فهل هذه فقط هي أركان توحيد الإلوهية؟ الجواب: توحيد الألوهية له ركنان، وهما: الإخلاص والمتابعة، ومن المعلوم أن الصدق هو داخل في الإخلاص؛ لأن من أخلص لله عز وجل فهو صادق؛ لكن الشرطين اللذين لا بد منهما في توحيد الألوهية وفي أي عمل من الأعمال يرجى الثواب فيه من الله عز وجل، هما: الشرط الأول: تجريد الإخلاص لله وحده، فلا يجعل مع الله شريكاً في العبادة، الشرط الثاني: وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يعبد الله بالبدع والمحدثات والمنكرات، وإنما يعبد الله عز وجل بأن تكون العبادة له خالصة، وأن تكون لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطابقة وموافقة، كما جاء عن فضيل بن عياض في تفسير قول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا [الكهف:110]، قال: العمل المقبول هو الأخلص الأصوب، قيل: ما الأخلص الأصوب؟ قال: الأخلص ما كان لله، والأصوب ما كان على السنة. فإذاً لا بد في كل عمل من الأعمال يتقرب به إلى الله عز وجل أن يكون مشتملاً على هذين الشرطين: الشرط الأول: الإخلاص لله وحده، فلا يشرك مع الله غيره في العبادة. والشرط الثاني: أن يكون وفقاً للسنة، ولا يكون مبنياً على بدع ومحدثات؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).فهذان هما ركنا العمل المقبول عند الله عز وجل، وهو معنى أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فأشهد أن لا إله إلا الله المقصود بها: الإخلاص لله وحده، وأشهد أن محمداً رسول الله تعني: متابعته عليه الصلاة والسلام، وألا يعبد الله إلا طبقاً لشريعته، ولهذا جاء في الثلاثة الأصول للشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في تفسيره: أشهد أن محمداً رسول الله قال: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، يعني: المتابعة، قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

    بعض مصطلحات المحدثين في الجرح والتعديل
    السؤال: ما رأي فضيلة الشيخ أننا إذا مررنا ببعض المصطلحات نحو ثقة، أو ثقة ثبت، أو صدوق، ونحو ذلك من العبارات، أن يوضح لنا فضيلة الشيخ معناها؟ وماذا تأثيرها على الإسناد؟ لأن بعضنا لا يتيسر له حضور درس المصطلح، وجزاكم الله خيراً. الجواب: ألفاظ التعديل عندهم أن اللفظة إذا تكررت، سواءً بلفظها أو بمعناها، فهذه زيادة في التوثيق، ومن حصل له الوصفان فهو أعلى ممن حصل له وصف واحد، فمن قيل فيه: ثقة ثبت، أو ثقة حجة، فهو أعلى ممن قيل فيه: ثقة فقط؛ لأن درجات التعديل أولاً ما فيه مبالغة كأن يقال: إليه المنتهى بالتثبت، أو يقال: أمير المؤمنين في الحديث، فهذه تعتبر في القمة، ثم يلي ذلك ما كان بوصفين، يعني سواءً كانا مترادفين: كثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثقة حافظ، أو ثقة حجة، فما كان في الجمع بين وصفين، فهو أعلى ممن لم يحصل له إلا وصف واحد، ثم يليه ما كان في وصف واحد مثل: ثقة، ثم دون ذلك صدوق، وقد يكون عند بعض الأشخاص الوصف ولكن عنده نقص فيه، لكن هذا النقص يتفاوت، منه ما يقال فيه: يهم، ومنه ما يقال: كثير الأوهام، أو يهم كثيراً، وهو أشد من قول: صدوق يهم، أو صدوق له أوهام، فصدوق يهم، وصدوق له أوهام، هذه أخف من قول: يهم كثيراً، وكذلك صدوق أيضاً، يأتي معها مثل ذلك الوصف.

    الاستدلال بإجماع العلماء الموافق لمعنى حديث ضعيف
    السؤال: هناك بعض الأحاديث الضعيفة كحديث: (الماء طهور إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه)، فهذه الزيادة ضعيفة؛ ولكن العلماء أجمعوا على معناها، فكيف يجمع العلماء على حديث ضعيف؟ وما الضابط في مثل ذلك؟ الجواب: نعم، الزيادة هذه ضعيفة، وهي من رواية رشدين بن سعد المصري، وهو ضعيف وفيه غفلة، فلا يعول عليها؛ لكن معناها أجمع عليه العلماء، وقد اختلف العلماء في الإجماع: هل يكون مستنداً إلى نص؟ أو يكون هو نفسه حجة بدون أن يستند إلى نص؟ فمن العلماء من قال: إنه لا يكون الإجماع إلا مستنداً إلى نص، قد يعلم ذلك وقد لا يعلم، وقد يعرفه البعض، وقد لا يعرفه البعض، وذلك النص قد يكون دليلاً، وقد يكون قياساً، وقد يكون عموماً، المهم أن يكون له أساس من الشرع، وأساس من الدين، وهذا الحديث من هذا القبيل؛ لأن ما غلب على لونه، وريحه، وطعمه، أي: من النجاسة، فهذا يؤثر فيه مطلقاً، سواءً كان قليلاً أو كثيراً؛ لكن الماء القليل الذي دون قلتين ينجس ولو لم يتغير لونه، وطعمه، وريحه؛ لأنه لا يدفع الحدث ولا يحمله، كما جاء في الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، يعني: إن الماء القليل يؤثر فيه الخبث، والماء الكثير لا يؤثر فيه الخبث، فإذا غير اللون، والطعم، والريح، سواءً كان قليلاً، أو كثيراً فهذا يعتبر نجساً.فكما قلت: بعض العلماء يقول: إن الإجماع يكون مستنداً إلى نص، وليس بلازم أن يكون هذا النص مستنداً للإجماع، بل قد يكون غيره؛ لكن المسألة إجماعية، ومن ذلك حديث: (كل قرض جر نفعاً فهو رباً)، الحديث في هذا ضعيف جداً، قال عنه الحافظ في البلوغ: إسناده واهٍ، ومع ذلك أجمع العلماء على أن (كل قرض جر نفعاً فهو ربا)، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه معارج الوصول إلى معرفة أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، قال في هذا الكتاب، ونقل عن ابن حزم أنه قال: ما من مسألة أُجمع عليها إلا وهي مستندة إلى نص، إلا مسألة القراض، فقال ابن تيمية رحمه الله: وهذه المسألة أيضاً مستندة إلى نص؛ لأن القراض كان معروفاً في الجاهلية، وكانوا يتعاملون به، ويدفع بعضهم المال للآخر على أن يعمل فيه، وبينهم الربح على نسبة يتفقان عليها، فكان شيئاً معمولاً به في الجاهلية، فجاء الإسلام وأقره، وإقرار الإسلام لعمل من أعمال الجاهلية، معناه: أنه حكم شرعي بحصول الإقرار؛ لأن من أعمال الجاهلية ما جاء الإسلام بمنعه وبإبطاله، ومنها ما جاء الإسلام بإقراره، مثل: مسألة المضاربة، ومثله الذي في النكاح، كما جاء في حديث عائشة: كانت المرأة في الجاهلية يزوجها وليها ولا تزوج نفسها، وإنما وليها هو الذي يتولى زواجها، فهذا حكم كان في الجاهلية، فجاء الإسلام وأقره، فمن أعمال الجاهلية -مما كان معروفاً في الجاهلية- وجاء الإسلام بإقراره ومشروعيته، فكان ثابتاً بمجيئه في الإسلام، وإقرار ذلك العمل، والمضاربة من هذا القبيل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #77
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (74)

    - (باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة) إلى (باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده)

    لا يجب على المرأة نقض شعرها في الغسل إلا الحائض عند إرادة الإحرام فإنه يجب عليها أن تنقض شعرها، ويجب على الجنب أن يزيل الأذى والأوساخ التي علقت به سواء في يده أو جسده.
    ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة

    شرح حديث أم سلمة في ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة. أخبرنا سليمان بن منصور عن سفيان عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (قلت: يا رسول الله! إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضها عند غسلها من الجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تفيضين على جسدك)]. يقول النسائي رحمه الله: باب ذكر ترك نقض المرأة رأسها عند الاغتسال من الجنابة. هذه الترجمة معقودة لبيان أن المرأة لا يلزمها ولا يجب عليها أن تنقض ضفائرها عند إرادة الاغتسال من الجنابة، بل لها أن تبقيها وأن ترويها بالماء، وأن تصب عليها الماء حتى تروى، وأما نقضها فإن ذلك ليس بلازم، هذا هو مقصود الترجمة التي عقدها النسائي رحمه الله، وقد أورد تحتها حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنها كانت تشد ضفر رأسها، أفتنقضها عند الاغتسال من الجنابة؟ فقال: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء -أي على جسدك)، فكونها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقض شعر رأسها عند الاغتسال من الجنابة وأجابها النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيها أن تحثو عليه ثلاث حثيات يدل على أن نقض شعر الرأس ليس بلازمٍ للمرأة، بل لها أن تغتسل وضفائر شعرها مشدودة؛ لكن ترويها بالماء، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له المصنف، وهو أن المرأة لا تحتاج ولا يلزمها أن تنقض شعر رأسها عند الاغتسال من الجنابة.

    تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في ترك المرأة نقض ضفر رأسها عند اغتسالها من الجنابة
    قوله: [أخبرنا سليمان بن منصور].هو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب زرغندة، وهو ثقة، خرج حديثه النسائي، وقد مر ذكره فيما مضى.[عن سفيان]. وسفيان هنا غير منسوب، ويحتمل سفيان بن عيينة ويحتمل سفيان الثوري، وفي ترجمة أيوب بن موسى قيل: إنه روى عنه السفيانان، وفي ترجمة سليمان بن منصور كما في تهذيب التهذيب: إنه روى عن ابن عيينة، فيكون هذا المهمل الذي لم ينسب هو: سفيان بن عيينة، ولم يذكر الثوري، وابن عيينة ثقة حجة إمام، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً، وقد صرح بأنه ابن عيينة كما عند مسلم وأبي داود.وإذا كان قد صرح به في الأسانيد، فهذه من الطرق التي يعرف بها، أو بل هي من أهم وأفضل الطرق التي يعرف بها تعيين المهمل، وذلك أن ينظر في الأسانيد، فإذا كان مصرحاً بتسميته في بعضها فيكون ذلك واضحاً في بيان المراد، ومن الطرق الأخرى -وهي التي أشرت إليها-: أن ينظر في التلاميذ والشيوخ؛ لأنه في ترجمة سليمان بن منصور ما ذكروا أن من شيوخه الثوري، وإنما ذكروا ابن عيينة من شيوخه.[عن أيوب بن موسى].وهو أيوب بن موسى، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن سعيد بن أبي سعيد].وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن رافع].وهو المدني، وكنيته أبو رافع، فيذكر بكنيته ويذكر باسمه، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن أبا رافع، هو عبد الله بن رافع، فكنيته توافق اسم أبيه، فقد ذكرت مراراً أن من الأمور المهمة في علم المصطلح، معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، وذلك لدفع احتمال التصحيف فيما إذا كان مشهوراً أو من بعض الناس يعرفه مشهوراً بنسبه، ثم يذكر بكنيته مع اسمه، فمن لا يعرف يظن أن ذلك تصحيف، فكونه مشهوراً بأنه عبد الله بن رافع، قد يأتي في بعض الأسانيد: عبد الله أبا رافع، فيظن بعضهم أن كلمة أبو مصحفة عن ابن؛ لكن من عرف أن كنيته أبو رافع، وهو عبد الله بن رافع، يعلم أنه لا تصحيف، وأنه إن جاء بابن فهو على النسب، وإن جاء بلفظ أبي فهو على الكنية ولا لبس في ذلك، وهو ثقةٌ، وخرج حديثه مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن أم سلمة].وهي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    ذكر الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام

    شرح حديث عائشة في أمر الحائض بنقض شعر رأسها عند الاغتسال للإحرام
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام. أخبرنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا أشهب عن مالك: أن ابن شهاب وهشام بن عروة حدثاه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع، فأهللت بالعمرة، فقدمت مكة وأنا حائض، فلم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج ودعي العمرة، ففعلت، فلما قضينا الحج، أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك). قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث غريب من حديث مالك عن هشام بن عروة لم يروه أحد إلا أشهب]. أورد النسائي رحمه الله ترجمة وهي: الأمر بذلك للحائض عند الاغتسال للإحرام، أي: أمر الحائض عند الاغتسال للإحرام بنقض شعر رأسها عند ذلك الاغتسال، وقد أورد فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضها في قصة حجها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، وأنها أحرمت بالعمرة مثل أمهات المؤمنين؛ لأنهن أحرمن بالعمرة متمتعات، ولما كانوا في الطريق حاضت عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ثم إنه جاء وقت الحج والحيض عليها، ولم تطف بالبيت ولم تسع بين الصفا والمروة للعمرة، ومعنى ذلك أن الحج قد وصل، وهي لم تنتهي من عمرتها، فأمرها الرسول عليه الصلاة والسلام أن تنقض شعرها وتمتشط وتستعد للإحرام، فتدخل الحج على العمرة، فتحرم بالحج وتكون قارنة؛ لأن الإحرام بالعمرة باق، وهو غير منتهي، بل هو باق في ذمتها، ولم يحصل لها ذلك لعدم طهارتها من الحيض، فلما جاء الحج أمرها رسول الله عليه الصلاة والسلام أن تحرم بالحج فتدخله على العمرة.فلما فرغ الناس من الحج طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتمر، وأبدت رغبتها الشديدة في ذلك وتأثرها لعدم تمكنها من الإتيان بالعمرة المستقلة، كالذي حصل لأمهات المؤمنين اللاتي كن محرمات بعمرة، ولم يحصل لهن ما حصل لها، فتمكنَّ من أداء العمرة وحدها، وطفن طوافين وسعين سعيين، طواف وسعي للعمرة وطواف وسعي للحج، أما عائشة فلم تطف إلا طوافاً واحداً، وسعياً واحداً وهو لحجها وعمرتها، لكنها رأت أن لم يحصل منها زيادة في العمل الذي حصل من غيرها من المعتمرات المتمتعات اللاتي لم يحصل لهن ما حصل لها من الحيض، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لها: (يكفيك طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)؛ لأنها كانت قارنة، والقارن طوافه وسعيه بعدما يأتي من عرفة لحجه ولعمرته، فهي كذلك مثل قارنيه، طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة لحجها وعمرتها، فقالت: يرجع الناس بطوافين وسعيين، وأرجع بطواف واحد وسعي واحد، قال: (إنما ذلك لحجك وعمرتك)، فألحت عليه، فأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر أن يذهب معها إلى التنعيم فاعتمرت، وأتت بعمرة مستقلة. والرسول صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه لم يذهبوا إلى العمرة، بل لم يأت عبد الرحمن الذي ذهب معها بعمرة، إذاً: فهذا يدل على أن العمرة في حق الحجاج الذين يأتون للحج ويعتمرون من التنعيم ويكررون ذلك، أنه لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول ما فعله ولا فعله أصحابه، وإنما أذن لـعائشة لما ألحت بسبب أنه فاتها ما حصل لأمهات المؤمنين من أنهنّ طفن وسعين للعمرة عندما دخلن مكة وطفن وسعين للحج بعد الحج، فكان عملها في نظرها لا يتفق مع عمل أمهات المؤمنين اللاتي طفن طوافين وسعين سعيين.والمقصود من الحديث هو: كون الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تنقض شعرها عند إرادة الإحرام للحج وإرادة الاغتسال له، وهذا يدل على ما ترجم له المصنف. والمقصود بكونها تدع العمرة ليس معناه أنها ترفضها وتلغيها؛ لأن الإحرام قد وجد، ولا يتخلص من الإحرام بعد وجوده إلا في النهاية؛ لأن الله عز وجل يقول: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]، فإذا أحرم إنسان بحج أو عمرة فعليه أن يتمه ولو كان ذلك نفلاً، وليس له أن يرفضه وأن يتركه، وإنما قوله: (دعي العمرة)، يعني: دعي أعمالها من طواف وسعي؛ لأنها حائض، والحائض لا يمكنها أن تطوف وتسعى، إذاً فالإحرام بالعمرة موجود ومستمر، وإنما أضيف إليه الإحرام بالحج، فصار الحج أو الإحرام بالحج مضموماً إلى الإحرام بالعمرة الذي كان موجوداً من قبل.وأما قوله: (دعي عمرتك)، يعني: تدع أعمالها، بمعنى أنها لا تستمر فيها لأن الحج قد وصل، ولو استمرت في انتظارها فقد يفوتها الحج، والحج هو يوم عرفة، ومن فاته الوقوف فاته الحج، فقوله: (دعي العمرة)، يعني: دعي أعمالها، ولا تستمر بها وحدها حتى تطوف وتسعى؛ لأنه يترتب على ذلك فوات الحج، فهذا هو المقصود بأمرها بأن تدع عمرتها، وذلك أنه فيما بعد قال: (طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)، يعني: أنها قارنة. [(قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلني مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت، فقال: هذه مكان عمرتك)]. يعني: التي كانت فاتتها، حيث أنها لم تعمل أعمالها مستقلة، وإلا فإنها قد اعتمرت، وعمرتها هذه الثانية؛ لأن عائشة اعتمرت في تلك السفرة مرتين: مرة العمرة المقرونة مع الحج، ومرة هذه التي جاءت بعد الحج، وكونها مكانها، يعني: من حيث إنها طافت طوافاً مستقلاً، وسعت سعياً مستقلاً، وليس معنى أن تلك ألغيت وأن هذه عوض عنها وأنها تحل محلها؛ لأن العمرة التي أحرمت بها من ذي الحليفة قد أُدخل عليها الحج، فحصل الطواف والسعي للحج والعمرة معاً؛ ولكن العمرة التي حصلت لأمهات المؤمنين، وكونهن طفن طوافاً مستقلاً وسعياً مستقلاً، فهذا هو الذي حصل لها بهذه العمرة فيما بعد، وبهذا تكون عائشة رضي الله عنها اعتمرت في تلك السفرة مرتين: الأولى: العمرة المقرونة مع الحج، والثانية: هذه العمرة التي جاءت بعد الحج. قوله: [قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث غريب من حديث مالك عن هشام بن عروة لم يروه أحد إلا أشهب]. أي إن أشهب انفرد بروايته عن مالك من حديث عروة، وهو معروف عن مالك عن الزهري ومشهور بهذا، وأكثر أصحاب مالك رووه عنه من طريق الزهري؛ لكن روايته عن مالك عن هشام بن عروة لم يحصل إلا عن طريق أشهب، فهو غريب بهذا الاعتبار، أي: باعتبار تفرد أشهب به عن مالك، ولا يؤثر ذلك على صحة الحديث شيئاً، بل الحديث ثابت من ذلك الطريق، وهو أيضاً عنده طريق أخرى، وهو أنه يرويه عن مالك عن هشام بن عروة عن عروة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في أمر الحائض بنقض شعر رأسها عند الاغتسال للإحرام
    قوله: [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى].وهو يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه مسلم والنسائي وابن ماجه . [عن أشهب]. هو أشهب بن عبد العزيز بن داود المصري، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود والنسائي. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، الإمام المشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن حارث بن زهرة بن كلاب، مشهور بنسبته إلى جده زهرة بن كلاب فيقال: الزهري، ومشهور بالنسبة إلى جده شهاب فيقال له: ابن شهاب، وهو جد وليس قريباً، وإنما هو جد جده، إذاً فهو مشهور بنسبته إلى شهاب وإلى جده زهرة بن كلاب الذي هو أخو قصي بن كلاب، وعند ذلك يلتقي مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم. و الزهري هو إمام محدث، فقيه مشهور، ومكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل هو الذي قام بتدوين السنة بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، والذي يقول فيه السيوطي في ألفيته: أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمرٌ له عمر[وهشام].هو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن الزبير].عروة بن الزبير أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، الصديقة بنت الصديق، التي أنزل الله براءتها من الإفك في آياتٍ تتلى من كتاب الله عز وجل، ومناقبها جمة، وفضائلها كثيرة، وهي من أوعية العلم وأوعية السنة، وقد حفظت الكثير من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي الصحابية الوحيدة التي اشتهرت بكثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي واحدة من سبعة رواة زادت أحاديثهم على ألف حديث، وهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين جمعهم السيوطي في ألفيته في بيتين من الشعر، حيث يقول: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبيوقد مر ذكرها كثيراً رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

    ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء


    شرح حديث: (إن رسول الله كان إذا اغتسل من الجنابة... فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ذكر غسل الجنب يديه قبل أن يدخلهما الإناء.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا الحسين عن زائدة حدثنا عطاء بن السائب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن حدثتني عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة وضع له الإناء، فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء، حتى إذا غسل يديه أدخل يده اليمنى في الإناء، ثم صب باليمنى وغسل فرجه باليسرى، حتى إذا فرغ صب باليمنى على اليسرى فغسلهما، ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم يصب على رأسه ملء كفيه ثلاث مرات، ثم يفيض على جسده)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: غسل الجنب يديه قبل إدخالهما في الإناء عند الاغتسال من الجنابة، ومراده من هذه الترجمة: أن الجنب إذا أراد أن يغتسل، فإنه يفرغ على يديه من الإناء ولا يغمسهما في الإناء قبل غسلهما، بل يفرغ عليهما بحيث يصغي الإناء حتى يصب فيغسلهما، هذا هو المقصود من الترجمة. وقد عرفنا فيما مضى أن غسل الأيدي خارج الإناء مطلقاً مطلوب ومستحب في جميع الأحوال، يعني: كون الإنسان يريد أن يغتسل فإنه قبل أن يدخل يديه في الإناء يغسلهما بدون أن يدخل اليد في الماء، وإنما يميل الإناء حتى يصب على يده فيغسلهما، ثم بعد غسلهما يدخل يده اليمنى في الإناء ويستخرج الماء بها، ويصبه على يده اليسرى أو يجمع به في يديه جميعاً، إلا فيما يتعلق بالقيام من نوم الليل، فهذا ورد فيه الحديث الذي سبق أن مر، وهو أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يغسلهما ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، حيث قال: (إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلهما ثلاثاً)، وهو أول حديث في سنن النسائي.وقد اختلف العلماء في حكمه؛ فمنهم من قال: إن الغسل خارج الإناء واجب، ومنهم من قال: إنه مستحب، أما ما عدا ذلك، أي: ما عدا غسل اليدين بعد القيام من النوم، فإنه مستحبٌ في جميع الأحوال، حتى ولو كان الإنسان متحقق نظافة اليدين، فإنه يغسلهما عند إرادة الوضوء أو إرادة الاغتسال قبل أن يدخلهما في الإناء. وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها وصفت غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه كان إذا أراد أن يغتسل وضع له إناؤه، فيدخل يديه فيغسلهما، ثم بعد ذلك يدخل يده اليمنى ويأخذ بها الماء ويصبه على يده اليسرى، ثم يغسل بها فرجه.
    تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان إذا اغتسل من الجنابة... فيصب على يديه قبل أن يدخلهما الإناء...)
    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان]. هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو من شيوخ النسائي، وقد أكثر عنه النسائي، وهو ثقة، ولم يخرج حديثه إلا النسائي.[حدثنا الحسين]. هو الحسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زائدة]. هو زائدة بن قدامة الثقفي أبو الصلت، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[عن عطاء بن السائب].هو عطاء بن السائب الكوفي الثقفي، وهو صدوق، اختلط حديثه، خرج له البخاري وأصحاب السنن الأربعة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن سابعهم اختلف فيه: هل هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر؟ والستة الباقون متفق عليهم، ولا خلاف في عدهم ضمن الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، في عصر التابعين. [عن عائشة]. وقد مرَّ ذكرها قريباً.
    ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء

    شرح حديث عائشة في غسل النبي يديه ثلاثاً في غسل الجنابة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء. أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا يزيد أخبرنا شعبة عن عطاء بن السائب عن أبي سلمة قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة؟ فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرغ على يديه ثلاثاً، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه، ثم يمضمض ويستنشق، ثم يفرغ على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض على سائر جسده)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة باب: ذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وذكر عدد غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فالترجمة السابقة هي لذكر الغسل ومشروعيته، وهذه الترجمة لذكر عدده، وقد أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: ( إن الرسول صلى الله عليه وسلم يفرغ على يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يغسل فرجه، ثم يغسل يديه بعد غسل فرجه، ثم يتمضمض ويستنشق، ثم يحثو على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض الماء على سائر جسده ). والمقصود من الحديث: أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يفيض على يديه من الإناء عند الاغتسال من الجنابة قبل أن يدخلهما في الإناء، ثم يفرغ على يديه ثلاثاً، بمعنى أنه يميل الإناء الذي يتوضأ به حتى يصب على اليد خارج الإناء فيغسلهما ثلاثاً، فإذاً فيه: مشروعية غسل اليدين ثلاثاً، وذلك مستحب.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في غسل النبي يديه ثلاثاً في غسل الجنابة

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو شيخ النسائي كما في الإسناد المتقدم.[عن يزيد]. يزيد هنا غير منسوب، وهو: يزيد بن هارون، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة]. وهو شعبة بن الحجاج الذي مر ذكره كثيراً، وقد وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهي من أعلى صيغ التعديل، وبقية الإسناد هو الإسناد المتقدم قبل هذا.
    إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه

    شرح حديث عائشة في إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه. أخبرنا محمود بن غيلان حدثنا النضر أخبرنا شعبة حدثنا عطاء بن السائب قال: (سمعت أبا سلمة أنه دخل على عائشة رضي الله عنها فسألها عن غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة؟ فقالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالإناء، فيصب على يديه ثلاثاً فيغسلهما، ثم يصب بيمينه على شماله فيغسل ما على فخذيه، ثم يغسل يديه ويتمضمض ويستنشق، ويصب على رأسه ثلاثاً، ثم يفيض على سائر جسده)]. ذكر النسائي ترجمةً أخرى وهي: إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه، وأورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما يفرغ على يديه ثلاثاً، يغسل فرجه وما علق بفخذيه من أثر الجنابة، ثم يغسل يديه، يعني: بعدما علق بهما من ذلك الأثر فيغسلهما ثم يتمضمض.والمقصود أن الترجمة يراد بها: أنه بعد غسل اليدين يغسل ما أصاب جسده من أثر الجنابة، يعني: يغسل فرجه وما أصاب جسده إذا كان قد أصابه شيء من أثر الجنابة.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إزالة الجنب الأذى عن جسده بعد غسل يديه
    قوله: [أخبرنا محمود بن غيلان].هو محمود بن غيلان، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا أبا داود.[حدثنا النضر]. وهو النضر بن شميل، وهو ثقة ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا شعبة]. أخبرنا شعبة، وعند ذلك يتفق مع الإسناد الذي قبل هذا.
    إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده

    شرح حديث عائشة في إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده. أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عمر بن عبيد عن عطاء بن السائب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: (وصفت عائشة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فقالت: كان يغسل يديه ثلاثاً، ثم يفيض بيده اليمنى على اليسرى فيغسل فرجه وما أصابه. قال عمر: ولا أعلمه إلا قال: يفيض بيده اليمنى على اليسرى ثلاث مرات، ثم يتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ثم يفيض على رأسه ثلاثاً، ثم يصب عليه الماء)].باب إعادة غسل الجنب يديه بعد إزالة الأذى عن جسده، والمقصود من هذه الترجمة: هو بيان أنه بعدما يغسل يديه خارج الإناء أولاً، ثم يغسل فرجه وما أصاب جسده، عند ذلك يعيد غسل يديه؛ من أجل إزالة ما علق بهما من أثر ذلك الذي أزاله من فرجه وفخذيه وما أصاب من جسده؛ فغسل اليدين بعد ذلك لهذه الحكمة، ولهذه الفائدة، فهذا هو المقصود من هذه الترجمة، وقد أورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وهو دال على ما ترجم له المصنف.
    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في إعادة الجنب غسل يديه بعد إزالة الأذى عن جسده
    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي، وهو ثقة ثبت، محدث فقيه إمام، وقد وصف بأنه من أمراء المؤمنين في الحديث؛ لأن جملة من المحدثين أطلق عليهم هذا الوصف، ومنهم: إسحاق بن راهويه وشعبة وسفيان الثوري والبخاري، وجماعة آخرين وصفوا بهذا الوصف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وكلمة (راهويه) عند أهل اللغة: تكون مختومة بـ(ويه)، فالواو تكون مفتوحة والياء ساكنة، وأما عند المحدثين: فتكون الياء مفتوحة والواو ساكنة وما هو قبل الواو مضموم، وهذه الألفاظ ليست عربية، وليست اسماً عربياً.[أخبرنا عمر بن عبيد].هو عمر بن عبيد بن أبي أمية، وهو صدوق، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عطاء بن السائب].وبعد ذلك يتفق هذا الإسناد مع الأسانيد السابقة.
    الأسئلة

    مدى عموم النهي في ترجيل الشعر كل يوم
    السؤال: هل النهي عن الترجل كل يوم عام للرجال والنساء؟ الجواب: والله الذي يبدو أنه عام؛ لكونه جاء باستمرار؛ لأن هذا من الترفه، وطبعاً هو للتنزيه وليس للتحريم، فالفعل لا بأس.

    مدى صحة قول: (اللهم عاملنا برحمتك ولا تعاملنا بعدلك)
    السؤال: هل يصح أن يقول القائل في الدعاء: اللهم عاملنا برحمتك ولا تعاملنا بعدلك؟ أم يقول: اللهم عاملنا بعدلك ورحمتك؟ وهل الرحمة منفصلة عن العدل؟ الجواب: معلوم أن الثواب والإحسان إنما هو بفضل الله عز وجل، وأما ما يحصل من عقوبة وما يحصل من ضرر فهو بعدله سبحانه وتعالى؛ لأن كل ما يحصل من الله عز وجل لعباده فهو عدلٌ، وما يحصل من ثوابٍ فهو بفضله، كقول الشاعر: ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائعإن نعموا فبفضله أو عذبوا فبعدله وهو الكريم الواسعإن نعموا فبفضله، أو عذبوا فبعدله، فتعذيبهم إياه بالعدل؛ لأن حصول ما يحصل من ضرر هو بالعدل، وأما ما يحصل من ثواب وإحسان فهو فضل وامتنان، فهو فضل من الله عز وجل، وامتنان على من حصل له ذلك الفضل، وهذا هو المقصود بالمعاملة بالعدل، فبعض الناس إذا أراد أن يدعو على أحد دعا أن يعامله بعدله، يعني: يدعو عليه بأن يصيبه شيء.

    الواجب على من حصل لها كما حصل لعائشة رضي الله عنها في الحج
    السؤال: المرأة التي حصل لها مثل ما حصل لـعائشة رضي الله عنها، هل تفعل مثل ما فعلت؟ الجواب: المرأة التي يحصل لها مثل ما يحصل لـعائشة وتريد أن تفعل فلها أن تفعل، وإن أرادت أن تكتفي بما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة فيكفيها ذلك؛ لكن إن أرادت فلها أن تفعل ذلك كما فعلت عائشة رضي الله تعالى عنها.

    شكوى عدم الإخلاص في العمل الخيري
    السؤال: إذا أردت أن أقوم بعمل خيري أريد به وجه الله، تأتيني أفكار كأني لا أريد به وجه الله، وبعد ذلك لا أخلو من حالين: إما أن أحجم، أو أحجم على ضعف، ولا أثق من نفسي.الجواب: الإنسان إذا أراد فعل خير فيعمل، ويحرص على أن يكون الحافز له والدافع له على ذلك الثواب من الله عز وجل، ولا يكون الدافع له أن يمدح وأن يحمد وأن يثنى عليه، ويقال: فلان يفعل كذا، وفلان يتصدق، وفلان كذا، وإنما يكون الدافع له طلب وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وأن يحصل الثواب على هذا العمل من الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الواجب على الإنسان عندما يريد أن يعمل عملاً، وإذا انقدح في ذهنه أن هذا قد يكون فيه رياء وأنه قد يترتب على ذلك إحجام، فهذا من عمل الشيطان الذي يريد أن يحول بين الإنسان وبين الخير، وإنما عليه أن يعزم ويصمم، وأن يبعد تلك الهواجس وتلك الوساوس عن نفسه، ويكون الدافع له والحافز له على ذلك هو وجه الله، ويصرف الوساوس والهواجس التي تطرأ عليه والتي قد تكون سبباً في تركه ذلك العمل الطيب الذي يفكر فيه.

    توجيه قول النسائي في التراجم: باب وإهماله في البعض الآخر
    السؤال: لماذا يذكر النسائي رحمه الله في بعض التراجم باب، وفي بعضها لم يذكر؟ الجواب: لا أدري لماذا يذكر النسائي في بعض التراجم باب، وفي بعضها بدون ذكر الباب.

    مقدار المسافة بين السترة والمصلي
    السؤال: هل للسترة مقدار محدد؟ الجواب: المصلي يتخذ سترة وتكون قريبة منه، فيقرب منها، وأما إذا لم يكن له سترة فالمقدار ثلاثة أذرع من موضع قدمه، بعد ذلك يصح للإنسان أن يمر بعد تلك المسافة، هذا إذا لم يكن له سترة، وأما إذا كان له سترة فيمر المار من ورائها.
    وضع المسبوق للسترة بعد سلام الإمام من الصلاة
    السؤال: هل يشرع للإنسان -مثلاً- وهو يصلي في الجماعة -وقد جاء متأخراً- أن يضع شيئاً يستره أو يستتر به بعدما يسلم الإمام والناس يخرجون ويمرون؟الجواب: ليس للإنسان عندما يكون مسبوقاً ثم يدخل في الصلاة أن يبحث عن شيء يضعه أمامه، وإنما إذا كان أمامه عمود أو أمامه شيء يمكن أن يقرب منه ويتخذه سترة فلا بأس بذلك، أما كونه يتحرك من أجل أن يبحث له عن شيء يضعه فهذا ليس مطلوباً منه.

    غسل الجنابة والجمعة بنية واحدة
    السؤال: إذا اغتسل رجل من الجنابة في يوم الجمعة، هل يجزئ ذلك الغسل للجمعة؟ وهل يجوز إدخالهما في نية واحدة أم لكل واحدة منهما نية؟ الجواب: نعم، غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، فإذا اغتسل الإنسان من الجنابة فإنه يجزيه عن غسل الجمعة، وإذا كان الإنسان عليه جنابة، واغتسل وأراد بذلك غسل الجنابة وغسل الجمعة، فإن ذلك مجزئ ولا بأس به.

    ترك غسل اليدين في الوضوء بحجة غسلهما عقب القيام من النوم
    السؤال: هذا السائل يقول: إذا استيقظ الرجل من النوم ثم أراد الوضوء، فغسل يديه ثلاثاً قبل إدخالهما، فهل يعيد غسل اليدين للوضوء، أم يعتبر ذلك الغسل من الوضوء؟ الجواب: لا يعتبر ذلك الغسل من الوضوء، وعليه أن يغسل يديه، فالإنسان إذا غسل يديه قبل أن يبدأ بالوضوء (عند القيام من النوم) فإنه عندما يتوضأ أو عندما يصل إلى اليدين بعدما يغسل وجهه، فإنه يغسل كامل يديه؛ لأن غسل اليدين إنما يكون بعد غسل الوجه، ومن اليدين الكفان، فيكون غسلهما بعد غسل الوجه بأكملهما، ولا يقول في ذلك الذي غسلته في أول الأمر: لا أغسله؛ لأن غسل اليدين محله بعد غسل الوجه، وذاك الغسل إنما هو من أجل استعمال كون اليدين تدخل في الإناء؛ فهذا تمهيد لإدخالهما في الإناء بعد غسلهما، فلا يدخلهما وهو لم يغسلهما، فقبل أن يبدأ بالوضوء يغسلهما خارج الإناء، ثم يبدأ ويغسل وجهه، ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه، ثم يغسل اليدين بأكملهما.وقد ذكر النسائي في السنن الكبرى ترجمة فيها ذكر الإشارة إلى الاكتفاء بغسل الذراعين دون اليدين، وهي ترجمة باب في سنن النسائي الكبرى، وأورد فيه حديثاً فيه ذكر الذراعين، أنه غسل ذراعيه، لكن هذا ليس بواضح، ومن المعلوم أن ذراع اليد كلها تعتبر ذراع، ولهذا عندما يقال: مقدار الذراع، فالمقصود به: من المرفق إلى طرف الوسطى، فكل هذا يقال له: ذراع. يعني أن: النسائي عقد تلك الترجمة، وأورد تحتها ذلك الحديث وهو ليس بواضح، ولا ينبغي للإنسان أن يتهاون في هذا الأمر حتى ولو كان ذلك محتملاً؛ فإن قطع الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، و(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، كما قال ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    حكم التسمية في الوضوء قبل غسل الجنابة
    السؤال: ورد في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوضأ قبل الاغتسال وضوءه للصلاة، فهل يسمي على هذا الوضوء؟الجواب: أقول: سيأتي في ذكر الوضوء كونه يتوضأ وضوءه للصلاة قبل أن يغتسل، أما الغسل الكامل المشروع هو: أن يتوضأ أولاً، ثم يغتسل، ثم في الآخر يغسل رجليه، أما الغسل المجزئ هو: أن يصب الماء على جسده بحيث يأتي الماء على سائر الجسد، فهذا الذي يحصل به الأجزاء.

    المشروع على من أحرمت بالعمرة من الميقات وهي حائض ثم طهرت في مكة
    السؤال: هل الحائض إذا أتت الميقات تحرم للعمرة؟ وإذا طهرت في مكة وكانت قد أحرمت وهي حائض، هل يلزمها أن تخرج إلى الحل؟ أي: التنعيم، أو يكفيها أن تكمل عمرتها بإحرامها الأول؟ الجواب: المرأة إذا أحرمت من الميقات فإنها إذا دخلت مكة لا تدخل المسجد ولا تطوف بالكعبة ولا تسعى بين الصفا والمروة، وإنما تنتظر حتى تطهر من حيضها، فإذا طهرت اغتسلت من الحيض، ثم دخلت المسجد وطافت وسعت وقصرت شعر رأسها، وبذلك انتهت عمرتها، ولا تحتاج إلى أن تذهب للحل أو لغير الحل؛ لأنها لا تزال محرمة من حين الميقات، وإنما الذي حصل لها هو ذلك الحيض الذي منعها من الطواف والسعي، فإذا طهرت من حيضها اغتسلت، ثم دخلت المسجد وطافت وسعت، وبذلك أنهت عمرتها.

    الطواف من بعد موضع السجود في حق من لم يتخذ له سترة
    السؤال: إذا لم يتخذ المصلي سترة، فهل يجوز الطواف من بعد موضع السجود؟ وما الدليل؟ الجواب: معلوم في مكة أن الحق في المكان للطائفين، فيمكن للإنسان أن يطوف ولو كان أمام الذي يصلي؛ لأن الذي يصلي ليس له حق أن يصلي في ذلك المكان، وإنما يبتعد عن المطاف؛ لأن الطواف إنما يكون حول الكعبة، والصلاة تكون في أي مكان من المسجد، فيمكن أن يمر بين يديه؛ لكن إذا كان الناس في المطاف قليل، وهذا الذي يصلي بينه وبين الطائفين مسافة، فلا يمر بين يديه، وإنما يبتعد عنه؛ لكن إذا احتاج إلى أن يمر بين يديه أو وصل الطائفون إلى ما بين يدي من يصلي، فليمر بين يديه، وذلك ليس له أن يصلي في هذا المكان.

    الاكتفاء بالغسل عن الوضوء
    السؤال: هل يكتفى بالغسل عن الوضوء إذا لم يتوضأ في هذا الغسل؟الجواب: إذا كان الغسل غسل جنابة فإنه يمكن أن يكتفى به؛ لأن فيه رفع حدث أكبر فيدخل تحته الأصغر، أما إذا كان الاغتسال للجمعة أو للتبرد أو ما إلى ذلك، فلا يكفي الاغتسال عن الوضوء، ولا بد من الوضوء قبله أو بعده، وإذا توضأ قبله فلا يمس فرجه؛ لأن مس الفرج ينقض الوضوء، وأما إذا كان غسل الجنابة فإن الاغتسال يغني عن الوضوء.

    نوع حج عائشة المذكور في الحديث: (خرجنا مع الرسول عام حجة الوداع...)
    السؤال: عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها هل حجت متمتعة أو قارنة؟ الجواب: عائشة في أصل إحرامها متمتعة؛ لأنها أحرمت بالعمرة؛ ولكن الحيض الذي حصل لها في الطريق واستمراره معها حتى جاء وقت الحج لم تتمكن معه من أن تكون متمتعة، فأدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة، فحجها قران وهو في أوله تمتع، ولكنه ما تم لها ما أرادته، وإنما الذي تم وحصل هو القران؛ لأنها أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة.والدليل على أنها قارنة: أنها لما أحرمت بالعمرة لم تأت بها، والعمرة لا تتم إلا بطواف وسعي، وهي لم تطف ولم تسع، والحج قد وصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تدخل الحج على العمرة، ولهذا لما رجعت وتريد أن تأتي بعمرة بعد الحج وقالت: يرجع الناس بطوافين وسعيين، وأنا أرجع بطواف واحد وسعي واحد، قال: (يكفيك طوافك وسعيك لحجك وعمرتك)، فهذا هو الدليل على أنها قارنة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  18. #78
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (75)

    - (باب ذكر وضوء الجنب قبل الغسل) إلى (باب ذكر العمل في الغسل من الحيض)

    يستحب للجنب الوضوء قبل اغتساله للجنابة، ويجب عليه إيصال الماء إلى كل شعره وبشره، فإذا لم يتيسر ذلك إلا بتخليل شعره وجب.

    ذكر وضوء الجنب قبل الغسل


    شرح حديث عائشة في وضوء الجنب قبل الغسل
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر وضوء الجنب قبل الغسلأخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه الماء فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على جسده كله)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: ذكر وضوء الجنب قبل أن يغتسل. المراد من هذه الترجمة: هو أن الجنب يشرع له أن يتوضأ قبل اغتساله، فيكون اغتساله مشتملاً على الوضوء، بحيث يبدأ به ثم يأتي الاغتسال بعد ذلك، وهذا هو نفس الغسل الكامل الذي يكون مشتملاً على وضوء أولاً ثم على غسل بعده، وقد جاء في بعض الأحاديث أن غسل الرجلين يكون بعد الفراغ من الغسل، وهذا الحديث الذي أورده النسائي عن عائشة الذي تصف فيه غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة قبل أن يغتسل، أي: يفهم منه أنه يتوضأ الوضوء الكامل قبل الاغتسال، ومن ذلك غسل الرجلين، فيحتمل أنه يفعل ذلك أحياناً بحيث أنه يتوضأ قبل أن يغتسل، ويحتمل أنه كان يؤخر غسل الرجلين إلى نهاية الأمر، وكما قلت: هذا هو الغسل الكامل الذي يكون مسبوقاً بالوضوء.والغسل المجزئ هو: الغسل الذي يستوعب فيه الجسد الماء غسلاً، وإذا نوى الإنسان رفع الحدث الأكبر والأصغر، فإنهما يرتفعان، ولا يلزم الوضوء في حق المغتسل، وهذا إنما يكون في غسل الجنابة.أما الأغسال الأخرى: كغسل الجمعة، والغسل للتبرد؛ فإنه لا يكفي عن الوضوء؛ لأنه ليس فيه رفع حدث، وإنما عليه أن يتوضأ وضوءاً مستقلاً، إما قبل ذلك الاغتسال للتبرد أو بعده، ولكنه إذا توضأ فإنه لا يلمس فرجه بعد ذلك؛ لأن لمس الفرج بعد الوضوء ينقض الوضوء، وجمهور العلماء ذهبوا إلى أن الاغتسال المجزئ يكفي عن الوضوء، وأنه لا يلزم معه وضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر، وذهب الظاهرية أو بعض الظاهرية إلى أنه لا بد من الوضوء مع غسل الجنابة، وأنه لا يكفي الاغتسال عن الوضوء، ولا يرتفع الحدث الأصغر بفعل الحدث الأكبر عند القائل بهذا.قوله: (يتوضأ وضوءه للصلاة).أي: يتوضأ قبل أن يغتسل وضوءه للصلاة، هذا هو المقصود من إيراد الحديث، وهو دال على ما ترجم له المصنف؛ لأنه صريح في ذلك، وكما قلت: يحتمل أن يكون المراد بالوضوء الوضوء الكامل، ويحتمل أن يكون وضوءاً يبقى منه غسل الرجلين، ويكون ذلك بعد الفراغ من الغسل، فما جاء على هذا المنوال، وما جاء على غيره يحمل على أنه يفعله أحياناً هكذا وأحياناً هكذا.وفيه أيضاً: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وهو ما دلت عليه التراجم السابقة، وهذه الترجمة أيضاً مشتملة على ذلك، ثم أيضاً فيه تخليل الشعر، وترويته حتى يدخل الماء إلى أصوله، ثم الصب على الرأس ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده الذي يحصل معه استيعاب الجسد في الغسل.وأريد أن أذكر شيئاً متعلقاً بالأسانيد المتقدمة وهو: ذكر عطاء بن السائب في أربعة طرق من طرق حديث عائشة في بيان ذكر شيء من جزئيات الاغتسال، أو الأمور التي تفعل في حال الاغتسال، ففي ترجمة عطاء بن السائب: أنه صدوق اختلط، أو أنه ثقة اختلط، فالاختلاط هو: أن يتغير الشخص، إما لكبره، أو لأمر طرأ عليه حصل بسببه اختلاطه، فهذا حكم حديثه أن يميز بين ما سمع منه قبل الاختلاط، وما سمع منه بعد الاختلاط، فما كان مسموعاً منه بعد الاختلاط فلا يعتد به، وما كان مسموعاً منه قبل الاختلاط، فإنه يحتج به ويعتد به، وإذا كان مجهولاً هل سمع قبل الاختلاط؟ أو سمع بعد الاختلاط؟ فإنه أيضاً لا يعتد به؛ لأنه محتمل أن يكون سمع بعد الاختلاط، فالسماع بعد الاختلاط تضعف معه الرواية، ولا تقبل معه الرواية، فيكون معرفة ما كان قبل الاختلاط، وما كان بعده يكون بمعرفة التلاميذ الذين رووا عنه؛ لأن من التلاميذ من روايته قبل الاختلاط، ومنهم من روايته بعد الاختلاط، ومنهم من روايته مجهولة هل هي قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط؟ فمن عرف أنه روى عنه قبل الاختلاط، فروايته عنه صحيحة، ولا يضر اختلاطه، والأسانيد التي مضت فيها شعبة بن الحجاج يروي عن عطاء بن السائب، وزائدة بن قدامة الثقفي، وهما ممن رويا عنه قبل أن يختلط.إذاً: فلا يؤثر اختلاطه على رواية هذه الأحاديث التي فيها شعبة، وزائدة بن قدامة؛ لأن هذين رويا عنه قبل الاختلاط، فإذاً: الحديث لا غبار عليه ولا إشكال فيه؛ لأن السماع قبل الاختلاط.وهذه الأحاديث التي أوردها النسائي عن هذا المختلط هي عن شيوخ سمعوا منه قبل الاختلاط، وهم: شعبة، وزائدة بن قدامة، أما عمر بن عبيد بن أبي أمية، فهذا لا أعرف هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟ لكن شعبة وزائدة سمعا منه قبل الاختلاط، فإذاً: تلك الأحاديث التي جاءت من طريقهم ثابتة ولا إشكال فيها.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في وضوء الجنب قبل الغسل
    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، أحد الثقات، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، العلم، المشهور، صاحب المذهب المعروف، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].هي عائشة أم المؤمنين، وهي خالة عروة، وقد مر ذكرها كثيراً، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.إذاً: فرجال الإسناد أو رواة الإسناد كلهم حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، وهم من أهل الثقة والعدالة، وأما الصحابة كما عرفنا فلا يحتاج إلى أن يذكر عن الواحد منهم أو وصفه بأنه ثقة؛ لأن وصف الصحبة لا يعدله شيء، ولا يحتاج إلى أن يضاف إليه شيء للتوثيق؛ لأنهم عدول بتعديل الله عز وجل لهم، وتعديل رسوله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    تخليل الجنب رأسه

    شرح حديث عائشة في تخليل النبي رأسه في غسل الجنابة
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تخليل الجنب رأسهأخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا هشام بن عروة حدثني أبي حدثتني عائشة رضي الله عنها عن غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة: (أنه كان يغسل يديه ويتوضأ، ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره، ثم يفرغ على سائر جسده)].ذكر النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب تخليل الجنب شعر رأسه عند الاغتسال، وأورد فيه حديث عائشة من طريق أخرى، وفيه: ( إن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغسل يديه ويتوضأ، ويخلل رأسه حتى يصل إلى شعره ) لأن المقصود من التخليل أن يصل الماء إلى أصول شعره، وقد عرفنا فيما مضى أن المرأة الجنب لا تنقض شعرها عند الاغتسال من الجنابة، وأنها تصب عليه الماء حتى تطمئن إلى أنه وصل إلى أصوله، ولا يحتاج إلى تخليل أو إلى نقضه وإيصال الماء إلى أصوله، وإنما يكفي أن تصب الماء حتى تطمئن إلى أنه قد روي بالماء ووصل إلى أصوله، وعلى هذا فالتخليل لا يكون لازماً، وإنما يكون المهم أن يصل الماء إلى أصول الشعر، والحديث الذي معنا جاء فيه ذكر التخليل، وأنه كان يخلل شعره بأصابعه كي يصل الماء إلى شعره؛ أي: إلى أصول شعره، وإلى داخل الشعر. فالحديث فيه ذكر غسل اليدين أولاً، ثم ذكر الوضوء ثانياً، ثم ذكر التخليل، ثم الإفاضة على سائر الجسد، وهو مشتمل على ما اشتمل عليه الذي قبله، إلا أن الذي قبله فيه: ( يصب على رأسه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده ).

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في تخليل النبي رأسه في غسل الجنابة
    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هو عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس، المحدث، الناقد، المعروف بكثرة كلامه في الرجال والجرح والتعديل، وهو ثقة، ثبت، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، المحدث، المشهور، الثقة، الثبت، الإمام في الجرح والتعديل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [حدثنا هشام بن عروة].يعني: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وهنا يتفق مع الإسناد الذي قبله بهذا.

    شرح حديث: (إن رسول الله كان يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشرب رأسه، ثم يحثي عليه ثلاثاً)].ثم ذكر النسائي أيضاً حديث عائشة الذي فيه: (أنه كان يشرب رأسه) يعني: بالماء، والمقصود من ذلك: التخليل؛ لأنه هنا أورده في تخليل الشعر، ثم يحثو عليه ثلاثاً؛ يعني: ثلاث غرف، وكما دل عليه الحديث الذي مر من قبل أنه كان يحثو عليه ثلاث غرف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ففيه ما ترجم له، وهو أنه يرويه بالماء حتى يصل إلى أصول شعره.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن رسول الله كان يشرب رأسه ثم يحثي عليه ثلاثاً)
    قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله].هو محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، وهو ثقة، وخرج له النسائي، وابن ماجه .[حدثنا سفيان].وسفيان هنا غير منسوب، وهو سفيان بن عيينة؛ لأن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري روى عن سفيان بن عيينة، وقد ذكر في ترجمته أنه روى عن ابن عيينة.[عن هشام بن عروة].وهنا يتحد مع الإسناد السابق.
    ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسه

    شرح حديث: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر ما يكفي الجنب من إفاضة الماء على رأسهأخبرنا قتيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد عن جبير بن مطعم رضي الله عنهما قال: ( تماروا في الغسل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعض القوم: إني لأغسل كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف )].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب ما يكفي للجنب عند غسل رأسه من الماء. فأورد فيه حديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه: ( أنهم تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغسل، فقال بعضهم: أنا أفعل كذا وكذا، فقال: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف )؛ يعني: أنه يصب عليه ثلاث مرات، ويكفيه ذلك في الاغتسال، أي: فيما يتعلق بغسل الرأس، ففيه الشاهد لما ترجم له، وكذلك ما يكفي الرأس؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف).

    تراجم رجال إسناد حديث: (أما أنا فأفيض على رأسي ثلاث أكف)
    قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره قريباً.[حدثنا أبو الأحوص].هو سلام بن سليم الحنفي، وهو ثقة متقن، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي إسحاق].هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة أيضاً، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن صرد].هو سليمان بن صرد، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يروي عن صحابي وهو جبير بن مطعم رضي الله عنه، فالحديث من رواية صحابي عن صحابي.[عن جبير بن مطعم].هو جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي، ويلتقي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جده عبد مناف، وأولاد عبد مناف أربعة وهم: هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس، وقد ورد عن جبير هذا في الصحيحين أنه جاء هو وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا: ( يا رسول الله! إننا وبنو المطلب؛ يعني: في النسب سواء، وإنك أعطيتهم من الخمس ولم تعطنا، فقال: إنا وبنو المطلب شيء واحد ) يعني بني هاشم وبني المطلب، وهذا هو الدليل الذي استدل به من قال: إن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم الذين لا تحل لهم الصدقة أنهم بنو هاشم وبنو المطلب.والمطعم بن عدي الذي هو: أبو جبير هو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: منع أذى قريش له، وهو الذي مدحه الشاعر بقوله:ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداًمن الناس أبقى مجده الدهر مطعملأنه أجار النبي صلى الله عليه وسلم.وفي النحو يستشهدون بهذا البيت على عود الضمير إلى ما بعده. والمطعم بن عدي هو الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر قال في الأسرى: (لو أن المطعم بن عدي حيٌ، وطلب مني هؤلاء النتنة لأعطيتهم إياه، أو لوهبتهم له). فهو الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم ومنع وصول الأذى إليه من كفار قريش.إذاً: فالحديث فيه صحابيان وهما: سليمان بن صرد، وجبير بن مطعم وهو من رواية صحابي عن صحابي، وفيه اثنان مشهوران بكنيتهما، وهما: أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني المشهور بـالسبيعي، وأبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي.
    ذكر العمل في الغسل من الحيض

    شرح حديث عائشة في أعمال الغسل من الحيض

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ذكر العمل في الغسل من الحيض:أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن حدثنا سفيان عن منصور وهو ابن صفية عن أمه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأخبرها كيف تغتسل، ثم قال: خذي كرسفة من مسك فتطهري بها، قالت: وكيف أتطهر بها؟ فاستتر كذا، ثم قال: سبحان الله! تطهري بها، قالت عائشة رضي الله عنها: فجذبت المرأة، وقلت: تتبعين بها أثر الدم)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ذكر العمل في الغسل من الحيض. أي: ذكر شيء مع الغسل؛ لأن فيه ذكر الغسل، أي: تنظيف وتطهير لمكان الحيض، فأورد النسائي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله! كيف أعمل بالاغتسال من الحيض؟ فقال معلماً لها كيف تغتسل، ثم قال: (خذي كرسفة مسك، فتطهري بها، قالت: وكيف أتطهر بها؟ فاستتر كذا)؛ يعني: سكت أو طأطأ، لأن هذا شيء يستحيا منه، وأن يتكلم معه في حق النساء، وهو ذكر الفرج، وأنها تعمل بفرجها كذا، فقال: (سبحان الله! تطهري بها) سبحان الله: تعجب، (تطهري بها) ففهمت عائشة أنه لا يريد أن يتكلم بشيء وراء هذا اللفظ الذي كنى به عن ذكر الفرج، وباستعمالها في الفرج (فجذبتها إليها وقالت: تتبعي بها أثر الدم) الذي هو الفرج.فالحديث دال على الاغتسال، ودال على هذا العمل مع الاغتسال الذي هو أنها تأخذ كرسفة، وهي قطعة من صوف أو قطن أو جلد فيه صوف، فتتبع بها أثر الدم، قيل: من مسك والمراد من ذلك قطعة من الجلد، وقيل: إن المقصود من ذلك أنها قطعة فيها مسك وهو الطيب؛ حتى تكون الرائحة الكريهة التي كانت من آثار الحيض يأتي ما يعقبها وهو الرائحة الطيبة، وفسر المسك بأنه طيب، وفسر بأن المراد به الجلد. وعائشة رضي الله عنها وأرضاها لما استحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يواجهها بشيء، فعند ذلك فهمت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ألا يتكلم معها بشيء أكثر من هذا، ووضحت لها وقالت: تتبعي به أثر الدم؛ يعني: الفرج، وفيه استعمال (سبحان الله) عند التعجب؛ لأنه لما قال: (تطهري بها) قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: (تطهري بها) لأن هذا شيء يفهم، فتعجب، وقال: (سبحان الله!) لكونها تراجعه في ذلك الأمر، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها تولت المهمة ووضحت ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم.قالوا: وفي هذا دليل على أن المحدث أو العالم إذا ذكر شيئاً، وفيه من هو بحضرته وأراد أن يوضح كلامه، أو يبين كلامه إذا كان يرضى بذلك أنه لا بأس به؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها تولت بيان مراد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتوضيح مراده، وقد أقرها رسول الله عليه الصلاة والسلام على ذلك.وذكر هذا الحديث وهذه الترجمة في هذا الموضع ليس بواضح؛ لأن الأحاديث كلها قبله وبعده تتعلق بالاغتسال من الجنابة، فذكر الحيض أو الاغتسال من الحيض في هذا الموضع كان حقه أن يتأخر، كما سيأتي بعدما يفرغ من الغسل من الجنابة، ويأتي بأحاديث الغسل من الحيض، فكان يناسب أن تكون هذه الترجمة المشتملة على هذا الحديث ليست في وسط الأحاديث والأبواب المتعلقة بالاغتسال من الجنابة؛ لأن محلها الاغتسال من الحيض.وإن كان المصنف قد سبق أن مر به ذكر ترجمتين تتعلق بالحيض فيما مضى، فيما يتعلق بنقض الشعر عند الاغتسال للإحرام، وقبله عدم نقض الشعر عند الاغتسال من الجنابة، لكن هذه الترجمة أقحمها في وسط الأبواب المتعلقة بغسل الجنابة، وكان محلها أن تأتي مع الأبواب المتعلقة بالاغتسال من الحيض؛ لأنها متعلقة بالحيض، ولا تعلق لها بالاغتسال من الجنابة.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة في أعمال الغسل من الجنابة
    قوله: [أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن].هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن مسور بن مخرمة، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق، وخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا سفيان].هو ابن عيينة، وقد جاء منسوباً في صحيح البخاري في نفس إسناد هذا الحديث؛ لأن هناك من نسبه، وقال: ابن عيينة، فإذاً: هذا المهمل قد جاء مبيناً في صحيح البخاري وأنه سفيان بن عيينة، وليس سفيان الثوري.[عن منصور وهو: ابن صفية].هو منصور بن عبد الرحمن الحجبي العبدري من بني عبد الدار، ومن أهل حجابة البيت، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.[عن أمه].هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية من بني عبد الدار، وهم أهل حجابة الكعبة وسدانة الكعبة، والذين فيهم السدانة والحجابة، واختلف في صحبتها، فمن العلماء من قال: إنها صحابية، وإنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنها غير صحابية.وتروي عن عائشة، وعلى هذا فهي رواية صحابية عن صحابية، على القول بأنها صحابية. [عن عائشة].وعائشة تقدم ذكرها كثيراً.
    الأسئلة

    مدى إجزاء الغسل من الجنابة عن الوضوء

    السؤال: رجل اغتسل لرفع الحدث الأكبر، وغسل مذاكره، ثم غسل رأسه، ثم أفاض على سائر جسده، ولم يتوضأ قبل الاغتسال، فهل غسله صحيح؟الجواب: نعم صحيح، قلنا: إن الغسل المجزئ هو أن يفيض الإنسان الماء على سائر جسده، ولو لم يتوضأ، فهذا هو الغسل المجزئ، ويكفي عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر.

    الأصل في الخلوة بالمرأة الأجنبية
    السؤال: ما قولكم فيمن يقول: إن الأصل في الخلوة بالمرأة الجواز؟الجواب: كما هو معلوم الحديث جاء بالتحريم وبالمنع، وأنه (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)؛ فيعني: الأصل كما هو معلوم هو عدم التكليف، لكن جاء التكليف بالمنع، فماذا يستفيد من قال هذا القول بأن الأصل هو الجواز؟! قد جاءت التكاليف بالمنع، إذاً: العبرة بالمنع لو لم يكن هناك نص، وهنا ورد نص ومن المعلوم أن النص إذا جاء فإنه لا ينظر إلى أصول ولا إلى غيرها، وإنما ينظر إلى النص الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفترة المعينة، يعني: قبل أن يأتي النص. إذاً الأصل هو خلو الذمة من التكاليف، لكن لما جاء التكليف بالمنع والتحريم، مثل حديث (وأنه لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، دل على المنع، ولو قيل: إن الأصل هو هذا، فلا ينفع هذا القائل ذلك القول؛ لأنه قد نقل عن الأصل لو كان ذلك هو الأصل. ثم أيضاً الأصل في الشريعة هو الابتعاد عن كل شيء يؤدي إلى الفاحشة، ويؤدي إلى المضرة، فالأصل هو الابتعاد ودفع الضرر، ومن المعلوم أن الضرر يحصل باختلاط الرجل بالمرأة وخلوه بها، فإن قواعد الشريعة وعمومها تقتضي المنع من ذلك؛ لأن هذا من الضرر المحقق والضرر الواضح، لكن ما يحتاج إلى ذكر أصل موافق للحديث، أو أصل على خلاف ما جاء في الحديث؛ لأن الحديث جاء صريحاً واضحاً في تحريم ذلك، وأن من فعله فإنه يكون الشيطان ثالثهما، ولا شك أن ذلك سبب لفاحشة عظيمة ولجرم عظيم وهو الزنا، ومن المعلوم أن سد الذرائع أصل من أصول الشريعة، وخلو الرجل بالمرأة هو ذريعة إلى ذلك الأمر المحرم، لكن أنا كما قلت: ما نحتاج إلى هذا كله؛ لأن عندنا نصاً صريحاً في الموضوع.

    الفرق بين سبحان الله ويا سبحان الله
    السؤال: الرسول صلى الله عليه وسلم قال هنا: سبحان الله! بمعنى التعجب، ولكن بعض الناس يقول: يا سبحان الله! فما الفرق بينهما؟الجواب: سبحان الله يؤتى به على سبيل التعجب، وهو ذكر لله سبحانه وتعالى، ويكون المقصود منه ذكر الله عز وجل بتقديسه وتنزيهه، وأيضاً التعجب. أما كلمة (يا سبحان الله) فما أدري هل جاءت في شيء من النصوص ذكر يا معها؟ ليس نداءً لو جاء، لكن هو معروف على ألسنة الناس، فهل له أصل؟ وهل جاء في نص؟ لا أدري.

    مدى جواز دفن الطفل مع المرأة أو الرجل عند الموت معاً
    السؤال: يفعل بعض الناس في هذه الأيام أنه لو توفي رجل مع الطفل، أو امرأة مع الطفل، يدفن الطفل مع الرجل أو المرأة، فهل جاء في الشرع؟الجواب: أبداً، ما جاء شيء في دفن الموتى في قبر واحد إلا عند الحاجة؛ يعني: كون القتلى كثيرين ويشق أن يحفر لهم قبور، فيدفن كل اثنين مع بعض، مثل ما حصل في القتلى وفي الشهداء، أنهم يدفنون ويقدم أكثرهم حفظاً للقرآن، والأصل أن كل ميت يدفن على حدة، لكن هؤلاء الذين يفعلون هذا يعتقدون شيئاً ليس له أساس، قالوا: إنه يشفع له أو أنه ينفعه أو أنه يؤنسه، وهذا كله كلام ساقط ما له قيمة، لا يؤنس الإنسان في قبره إلا العمل الصالح، ولا ينفعه في قبره إلا العمل الصالح، لو كان بجواره من هو أصلح الناس ومن هو خير الناس، فما ينفع من يكون في جواره إذا كان مستحقاً للعذاب! لأن نعيم من ينعم لا يصل إلى من يستحق العذاب، ولو كان ملاصقاً له، فهذا يصل إليه النعيم وهذا يصل إليه العذاب، ولا يصل إلى هذا نعيم هذا ولا إلى هذا عذاب هذا.فهذا اعتقاد ليس له أساس، بل هو جهل من فاعله؛ لأن الإيناس وكون الإنسان بجواره رجل صالح أو طفل أو ما إلى ذلك لا ينفعه إذا كان مستحقاً للعذاب؛ لأن عذاب القبر يصل إلى من يستحقه، ولو اتصل بمن هو صالح ومن هو من أهل النعيم.ومن المعلوم أن الله عز وجل أرانا في الدنيا نماذج وشواهد لهذا توضحه وتدل عليه، وذلك فيما يجري في المنام؛ لأن أحوال الروح وما يجري لها في المنام، مثلاً ينام الشخصان في مكان واحد، بل ينام الرجل وأهله تحت لحاف واحد، ثم أحدهما رأى في منامه ما سره، ورأى أنه يأكل مآكل طيبة، ثم يقوم وفم لعابه يسيل، والثاني رأى الوحوش تلاحقه، والحيات تلسعه، ثم يقوم وريقه ناشف، فهذا شيء موجود في الدنيا، فهذا في نعيم ما درى عن هذا، وهذا في عذاب ما درى عن هذا، هذا شيء في الدنيا مشاهد ومعايش بالنسبة للنائمين، الذين يحصل لهم في نومهم رؤى فيها راحة أو رؤى فيها مضرة، فما يحصل في الآخرة من وجود هذا بجوار هذا، لا يصل إلى هذا نعيم هذا، على كل نحن نقول: نفعل ما نستطيع، (اتقوا الله ما استطعتم).

    كيفية غسل الرجلين في وضوء الجنابة
    السؤال: كيف كان وضوء النبي صلى الله عليه وسلم قبل اغتساله؟ وهل فيه غسل الرجلين كما هو ظاهر الحديث، أم كان يؤخرهما كما جاءت الروايات؟الجواب : الحديث يدل على أنه يغتسل الغسل الكامل، أو يفهم منه أنه يغتسل الغسل الكامل، وأما وضوءه للصلاة، فقد جاءت بعض الأحاديث أنه يؤخر غسل الرجلين، فيحتمل أن يكون فعل ذلك أحياناً، وأن يكون فعل ذلك أحياناً.

    الفرق بين جهالة العين وجهالة الحال
    السؤال: ما الفرق بين جهالة العين وجهالة الحال، مع ذكر بعض المراجع؟الجواب: معلوم أن جهالة الحال هي: أن يروي عنه اثنان ولم يوثق، فهو مجهول، ولكن جهالة العين هي: قلة الرواية عنه مع عدم معرفته، وهذا مع معرفة حاله.أما ذكر المراجع فهي مراجع المصطلح؛ لأن الجهالة نوع من أنواع علوم الحديث، فالإنسان يرجع إليها، ويرجع إلى ذلك المبحث في الكتب المختلفة في المصطلح المختصرة والمطولة؛ لأنها تتكلم عن الجهالة بنوعيها العين والحال، وأنا ما أعرف مؤلفاً خاصاً بالجهالة حتى أدل عليه، ولكن أدل على كتب المصطلح.

    حكم غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بعد النوم
    السؤال: هل غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء واجب بعد النوم؟الجواب: جمهور العلماء على أنه مستحب، ومنهم من قال بوجوبه، منهم الإمام أحمد.

    كيفية إتمام صلاة الجنازة للمسبوق
    السؤال: إذا أدرك المصلي التكبيرة الثانية أو الثالثة من صلاة الجنازة فماذا يفعل بعد تسليم الإمام؟الجواب: يفعل كما قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)؛ يعني: صلاة الجنازة مثل الصلوات الأخرى، والإنسان يدخل في أثنائها وما أدركه يفعله، وما لم يدركه يأت به، لكن يأتي به بدون إطالة بعد سلام الإمام؛ لأن بعد سلام الإمام تحمل الجنازة ولا تبقى في مكانها، فهو يأتي بالتكبيرات، وإذا دعا معها دعاء قصيراً بينها؛ لأن الأصل في صلاة الجنازة هو الدعاء للميت، وذكر الحمد لله والصلاة على الرسول بين يدي الدعاء تمهيد؛ لأن من أسباب قبول الدعاء أن يسبق بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، فهذا من أسباب قبول الدعاء، ولهذا جاء في الحديث الذي دعا فقال عليه السلام: (عجل هذا)؛ لأنه لم يحمد الله، ولم يصل على رسوله، فذكر مشروعية قراءة الفاتحة، وهي حمد لله وثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك الدعاء فهذا هو تمهيد، وهي من أسباب قبول الدعاء، فالمهم هو الدعاء، فإذا أمكن الإنسان أن يقرأ الفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو، فإنه يفعل ذلك، أما إذا كان الوقت لا يتسع، فإنه لا يشتغل بالفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يذهب المقصود الذي هو الدعاء، فإنه لا يأتي إلا بالدعاء رأساً؛ لأن هذا هو المقصود من صلاة الجنازة، وهي داخلة في عموم قوله: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، يكبر الإنسان بعد سلام الإمام ما بقي عليه من التكبيرات، ثم يسلم.

    حكم من أحدث أثناء الغسل بعد الوضوء
    السؤال: هل يجزئ الغسل عن الوضوء؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الحكم إذا أحدث أثناء الغسل؟الجواب: إن الغسل المجزئ الذي لا وضوء معه يكفي عن الوضوء إذا أُريد به رفع الحدثين، وإذا أحدث في أثناء الغسل كما هو معلوم يعتبر عليه أنه يعيد الاغتسال، ولا يرتفع إلا مع وجود الوضوء، أو مع وجود الغسل المجزئ، فإذا كان أحدث في أثنائه فلا يقال: إنه يكفيه عن الوضوء، وأنه قد حصل منه رفع الحدث الذي هو الأصغر.

    مدى جواز قول الشعر وإنشاده
    السؤال: كتبت بعض أبيات الرجز، فقيل لي: إن الأولى ترك الشعر، فحلفت ألا أقول الشعر مرة أخرى ثلاث مرات، وأنا عندي ميول لقول الرجز، فماذا أفعل؟الجواب: الشعر جائز، إنشاده وقوله، وإنشاده إذا كان سليماً ليس فيه محظور، ولا بأس به، لكن لا ينبغي للإنسان أن يعنى به، وأن يشتغل به، أي: يكون شغله الشاغل بل ينبغي له أن يعنى بما هو أهم، وبما فائدته محققة، وبما يكون الإنسان إذا فعله على خير، كالاعتناء بالقرآن، والاعتناء بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والشعر في حد ذاته إنشاده سائغ إذا كان سليماً، لكن لا ينبغي أن يشتغل به عما هو أهم منه، وإذا حصل ذكره أو الاشتغال به في بعض الأحيان، فإنه يكون في جمع بين المصالح وابتعاد عن المحذور، وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه -يعني: حتى يمتلئ- خير من أن يمتلئ شعراً).فهذا فيه بيان أن الاشتغال بالشعر وإضاعة الوقت فيه أن فيه مضرة، وأن الاشتغال بما هو أهم منه هو الذي ينبغي، وهذا إذا كان سليماً، أما إذا كان سيئاً فبيت واحد منه يعتبر سيئاً ما يحتاج إلى أنه يمتلئ جوفه، أو أنه يفيد الكثرة، وإنما هذا فيما إذا كان سليماً، أما إذا كان سيئاً وكان قبيحاً، فالبيت الواحد منه يكفي السوء، ويكفي الذنب، لكن هذا الذي جاء في الحديث هو الشعر السليم، وذلك لما فيه من الاشتغال عما هو أهم منه.

    الجمع بين حث الشرع بالتداوي وفضل من لم يسترقِ
    السؤال: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل معه شفاء)، إلى أن قال: (فيا عباد الله تداووا)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون)، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ندب إلى ترك التداوي، وفي الحديث الأول ندب إليه، فكيف نجمع بين هذين الحديثين؟الجواب : ليس في حديث السبعين ألفاً ندب إلى ترك التداوي، وإنما تنبيه إلى بعض الأمور التي تركها فيه فائدة، وليس فيه منع التداوي مطلقاً، فالرسول صلى الله عليه وسلم تداوى، لكن الاكتواء والاسترقاء هذا ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد أباح الكي، والكي كما هو معلوم هو عذاب، والإنسان يفعله من أجل أن يحصل خير، فقد يفعله ولا يحصل فائدة من وراءه، وإنما يحصل ذلك العذاب الذي هو العذاب بالنار بكونه يكتوي، فالفائدة فيه غير محققة، ثم أيضاً فيه أذى، وأذى حاصل، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن من صفات السبعين ألفاً أنهم ما كانوا يكتوون، ولا يتطيرون، ولا يسترقون.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  19. #79
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    7,081

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (76)


    - (باب ترك الوضوء من بعد الغسل) إلى (باب اقتصار الجنب على غسل يديه إذا أراد أن يأكل أو يشرب)

    يجزئ غسل الرجل جسده عن الوضوء إذا نوى رفع الحدث الأكبر والأصغر، كما يجوز تأخير غسل الرجلين إلى آخر الغسل، وإذا أراد الجنب أن يأكل أو يشرب فإنه يغسل يديه، وإذا أراد أن ينام فليتوضأ.
    ترك الوضوء بعد الغسل

    شرح حديث: (كان رسول الله لا يتوضأ بعد الغسل)
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء بعد الغسل.أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم أخبرنا أبي عن الحسن عن أبي إسحاق (ح) وأخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن حدثنا شريك عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل)].يقول النسائي رحمه الله: باب ترك الوضوء بعد الغسل. وهذه الترجمة يراد بها أن الإنسان عندما يغتسل للجنابة فيتوضأ أولاً قبل الاغتسال، ثم يغتسل بعده، وهذا هو الغسل الكامل، أو أنه يغتسل دون أن يتوضأ، بحيث يفيض الماء على سائر جسده، وينوي بذلك رفع الحدث الأكبر والأصغر، فيكون الإنسان بذلك متطهراً من الحدثين الأكبر والأصغر، فلا يحتاج بعد الاغتسال إلى وضوء؛ لأنه حصل بذلك الطهارة الكاملة، ولا يحتاج الإنسان بعد ذلك إلى وضوء، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتوضأ أولاً ثم يغتسل، ولا يعيد الوضوء بعد الغسل، وهذا هو المقصود من قوله: باب ترك الوضوء بعد الغسل.وقد أورد النسائي رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتوضأ بعد الغسل ) وإنما يتوضأ قبله؛ أي: إنما كان يتوضأ قبل الغسل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله لا يتوضأ بعد الغسل)
    قوله: [أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم].وهو الكوفي الأودي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه .[أخبرنا أبي].وهو عثمان بن حكيم بن ذبيان الأودي الكوفي، وهو مقبول، خرج له النسائي وحده.[عن الحسن].وهو الحسن بن صالح بن حي، وحي هو حي بن شفي، وهو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو أخو علي بن صالح بن حي.[عن أبي إسحاق].وهو عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي السبيعي، وسبيع هم من همدان، فينسب نسبة عامة، ونسبة خاصة، ولكنه مشهور بالنسبة الخاصة وهي السبيعي؛ لأن السبيعي نسبة إلى سبيع، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ح، وأخبرنا عمرو بن علي].ثم حول الإسناد فأتى بـ(ح) التحويل وقال: أخبرنا عمرو بن علي، وقد ذكرت مراراً وتكراراً أن حرف (ح) الذي يأتي في أثناء الأسانيد هو دال على التحول من إسناد إلى إسناد، والانتقال من إسناد إلى إسناد؛ لأن النسائي بدأ بالإسناد من واحد من شيوخه، وقطع فيه شوطاً بحيث أنه مضى فيه، ثم إنه بعد ذلك عاد ورجع من جديد وأتى بشيخ آخر أسند إليه الحديث، ثم يلتقي الإسنادان في موضع، ثم يستمران من طريق واحد، فهو منطلق من النسائي في طريقين، ثم تلتقي الطريقان عند شخص معين، ثم بعد ذلك تستمران فتكونان طريقة واحدة إلى نهايته، فهذا هو التحول من إسناد إلى إسناد، والانتقال من إسناد إلى إسناد فائدته أن يُعلم أن فيه تحول، وأن يستشعر القارئ والناظر والسامع أن فيه تحول من إسناد إلى إسناد.وأما عمرو بن علي فهو: عمرو بن علي بن بحر بن كنيز الفلاس، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو من أئمة الجرح والتعديل، وهو ناقد، وكلامه في الرجال كثير.[حدثنا عبد الرحمن].وهو ابن مهدي الإمام، المحدث، الثقة، المشهور، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره كثيراً.[حدثنا شريك].وهو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، وهو صدوق، يخطئ كثيراً، وحديثه عند الجماعة إلا الترمذي فلم يخرج له في سننه، وإنما خرج له في كتابه الشمائل، وتغير حفظه لما ولي القضاء، وكما هو معلوم ليس الإسناد له وحده، بل هو مقرون، وغيره قد روى ذلك بهذا الإسناد.إذاً: الحسن بن صالح يروي عن أبي إسحاق، وشريك يروي عن أبي إسحاق السبيعي، فهما يلتقيان عند أبي إسحاق السبيعي، فالطريقة الأولى: أحمد بن عثمان بن حكيم عن أبيه عثمان بن حكيم عن الحسن بن صالح عن أبي إسحاق، يعني: ثلاثة بين النسائي وبين أبي إسحاق السبيعي، والطريق الثاني: عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدي عن شريك عن أبي إسحاق، والطريق الثانية ثلاثة ايضاً، ثم تلتقي الطريقان عند أبي إسحاق، وتكون طريقاً واحدة إلى نهايتها، فهي تأتي من عند النسائي من فرعين أو طريقين، ثم تتوحد وتصبح طريقاً واحدة إلى نهايتها.[عن الأسود].وهو الأسود بن يزيد النخعي المعروف، الذي مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، مخضرم، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عائشة].وعائشة رضي الله تعالى عنها أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، المكثرة من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي أحد السبعة من الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، ولم ترو امرأة من النساء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما روت عائشة أم المؤمنين من الحديث رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
    غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه

    شرح حديث ميمونة في غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا عيسى عن الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حدثتني خالتي ميمونة قالت: (أدنيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله من الجنابة فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل بيمينه في الإناء فأفرغ بها على فرجه، ثم غسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات ملء كفه، ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه، قالت رضي الله عنها: ثم أتيته بالمنديل فرده)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: غسل الرجلين في مكان غير المكان الذي يغتسل فيه من الجنابة. المراد من هذه الترجمة: أنه يغسل رجليه أولاً ثم يتوضأ ثم يغتسل، وبعد ذلك يغسل رجليه بعد أن يتنحى عن المكان الذي اغتسل فيه، وقد أورد النسائي حديث ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها (أنها أدنت لرسول الله صلى الله عليه وسلم غسله) وهو الماء الذي يغتسل فيه، فأفرغ على يديه مرتين أو ثلاثاً، ثم أخذ بيمينه ماء وغسل به فرجه باليد اليسرى، (ثم دلك يده اليسرى بالأرض دلكاً شديداً) يعني: بعدما غسل بها فرجه؛ حتى يذهب ما علق بها، ثم بعد ذلك توضأ وضوءه للصلاة، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم تنحى وغسل رجليه، ثم قالت: (أعطيته المنديل فرده) يعني: ما أخذ المنديل وتنشف فيه واستعمله، وإنما تركه ولم يفعل ذلك.والحديث شاهد لما ترجم له وهو أن غسل الرجلين يؤخر، وأنه يغسل في مكان غير المكان الذي اغتسل فيه.وقد قال بعض العلماء: إن هذا الحديث دل على أن غسل الرجلين غسل آخر غير الوضوء للصلاة، وأنه يكون بهذا توضأ وضوءه للصلاة، ومن ذلك غسل الرجلين، ثم بعد ذلك اغتسل ثم غسل رجليه، فيكون غسل الرجلين شيء آخر غير الوضوء، ولكن جاء في بعض الروايات عند البخاري في حديث ميمونة أن الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ وضوءه للصلاة، وأخر غسل الرجلين، وبعدما فرغ من الاغتسال غسل رجليه، فيكون الحديث في البخاري موضحاً، ومفصلًا لما جاء في هذه الرواية من أن الوضوء هو ما عدا غسل الرجلين، وأن غسل الرجلين يكون في الآخر.ومن العلماء من قال: إنه جاء في بعض الأحاديث أنه توضأ وضوءه للصلاة، وما ذكر غسل الرجلين فيما بعد، قالوا: فيحمل على أنه فعل ذلك في بعض الأحيان، أو يحمل على أن الغسل الثاني غير الغسل للوضوء، وإنما كان لإزالة ما قد يعلق بها من مكان الاغتسال، أو في مكان الاغتسال، ولكن هذا الحديث الذي معنا هو حديث ميمونة قد جاء في البخاري التوضيح والتفصيل، وأنه توضأ وضوءه للصلاة، وأخر غسل رجليه، وأنه عندما فرغ من الاغتسال غسل رجليه.ولهذا استحب كثير من العلماء أن يكون الغسل على هذه الطريقة وهي: أن يتوضأ أولاً ويبقي غسل الرجلين، ثم إذا فرغ من اغتساله فإنه يغسل رجليه في الآخر. وقولها: (فرد المنديل).أي: ترك المنديل، وعدم أخذه المنديل لا يدل على تحريمه، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على استعماله، فيكون تركه ليس للتحريم، وإنما للإشارة إلى أنه الأولى.

    تراجم رجال إسناد حديث ميمونة في غسل الرجلين في غير المكان الذي يغتسل فيه
    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].وهو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.[أخبرنا عيسى].وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو أخو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعمش].وهو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقب يلقب به، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره في اللقب كثيراً، وكما يأتي ذكره بالنسب سليمان بن مهران أو سليمان، فيأتي هكذا ويأتي هكذا، وفائدة معرفة ألقاب المسمين وألقاب المحدثين أن لا يظن الشخص الواحد شخصين وذلك فيما لو ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه، فإن الذي لا يعرف يظن أن الأعمش ليس سليمان بن مهران، ولو جاء سليمان بن مهران في إسناد، ثم جاء الأعمش في إسناد آخر فإنه يظن أن سليمان هذا غير الأعمش، وهو هو. فإذاً: فائدة معرفة ألقاب المحدثين دفع توهم أن يكون الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه.[عن سالم].وهو: ابن أبي الجعد وهو ثقة، خرج حديثه الجماعة، وهنا غير منسوب ولكنه نسب في الإسناد عند البخاري، فقال: علي بن أبي الجعد.[عن كريب].وهو كريب بن أبي مسلم المدني مولى ابن عباس وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عباس]. هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحبر الأمة، وترجمان القرآن، العالم بتفسيره، والذي كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يحضره في مجالس كبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولما راجعه بعضهم وقال: إن لنا أولاداً مثله، فكيف تحضره ولا نحضر أولادنا؟! فبين لهم ما عنده من العلم، وما عنده من الفهم، وسأله بحضرتهم سؤالاً أجاب فيه بجواب اعتبروا جوابه سديداً، واعتبروه فاهماً، وعند ذلك تبين لهم السر الذي من أجله كان عمر يدنيه ويقربه.وكان سؤاله إياه وهم موجودون في سورة النصر: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]، ما المراد بها؟ فأجابوه بأنه إذا حصل النصر فإنه يشكر الله عز وجل، ويسبح الله تعالى ويحمده، ثم سأل ابن عباس فقال: إن هذا إيذان بقرب أجله، وأن هذا إشعار بأن أجله قريب، وأنه أمر بأن يسبح الله تعالى ويستغفره، ولهذا جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها أنها قالت: ( ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن أنزلت عليه: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] إلا قال في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن )؛ يعني: ينفذ ما أمر به في القرآن من كونه أمر بالتسبيح وأمر بالاستغفار، فكان ذلك إيذاناً بقرب أجله، ودنو أجله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من فهم ابن عباس رضي الله تعالى عنه وأرضاه.وكنيته أبو العباس، ويقال: إنه ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا شخصين وهما: ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي، وابن عباس هو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين زادت أحاديثهم عن ألف حديث، وكثير من أحاديثه من مراسيل الصحابة؛ لأنه يروي عن الصحابة، ولكنه سمع كثيراً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بدون واسطة، وكثير منه يكون بواسطة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.[عن ميمونة].وهي خالته ميمونة بنت الحارث الهلالية. وأم ابن عباس هي لبابة بنت الحارث الهلالية أم الفضل، فـميمونة أخت لبابة، ولبابة هي أم أولاد العباس.
    ترك المنديل بعد الغسل