شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 36 من 36
2اعجابات

الموضوع: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (21)

    باب رد السلام بعد الوضوء - باب النهي عن الاستطابة بالعظم

    لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى آداب كثيرة، ومن ذلك: أنه أرشدهم إلى تجنب الاستطابة بالعظم؛ لأنه طعام إخواننا من الجن، وكذلك مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله عدم رد السلام أثناء قضاء الحاجة؛ لكونه ذكراً، ولا يجوز الذكر أثناء قضاء الحاجة.

    رد السلام بعد الوضوء

    شرح حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [رد السلام بعد الوضوء.أخبرنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول؛ فلم يرد عليه حتى توضأ، فلما توضأ رد عليه) ].هنا أورد النسائي ترجمة أخرى وهي: رد السلام بعد الوضوء، والمقصود من ذلك: ما جاء في رد السلام بعد الوضوء، وأورد فيه حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول, فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه السلام).وهذا الحديث تكلم فيه بعض العلماء من جهة أنه من رواية الحسن وهو البصري ، فقد رواه بالعنعنة، وهو يدلس ويرسل، وتكلم فيه بعض العلماء لهذه العلة، والشيخ الألباني قال: إن الكلام في رواية الحسن إنما هو عن الصحابة، أما روايته عن التابعين - وهنا يروي عن حضين أبي ساسان وهو تابعي - فلا تكون من هذا القبيل، وقال: إن للحديث شاهداً من طريق آخر فيه كلام، ولكنها تشهد لهذه الطريق التي جاءت من طريق الحسن، واعتبر الحديث صحيحاً، وقال: إنه يدل على أن رد السلام على غير طهارة مكروه، أو أنه خلاف الأولى، ومن باب أولى أن تكون قراءة القرآن كذلك، ومن المعلوم أن قراءة القرآن جائزة وسائغة إلا في حال الجنابة، فهو الذي يمنع من قراءة القرآن، أما غيره فإنه يقرأ القرآن وإن كان على غير وضوء ما دام أنه ليس جنباً، فله أن يقرأ القرآن وله أن يذكر الله عز وجل.فهذا الحديث أولاً فيه كلام في ثبوته، وإذا ثبت فيكون المراد منه: الإشارة إلى أن الأولى في السلام وفي ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن أن يكون على طهارة، ولكنه لا يدل على التحريم، وأن ذلك غير سائغ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كره أن يرد وهو على غير طهارة، واتبع ما هو الأولى, وإلى ما هو الأفضل، وأما أن يكون حراماً والإنسان لا يذكر الله إلا على طهارة، أو لا يقرأ القرآن إلا وهو على وضوء؛ فهذا ليس بواضح.إذاً: فالحديث إذا ثبت ليس فيه إلا الإشارة إلى الأولوية وإلى الأفضل والأكمل، لا على التحريم والمنع، وقد عرفنا الحديث الذي مضى الذي فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه، وقالوا: إن هذا فيه تأديب له، وفيه تنبيه له إلى أن الذي يبول لا يسلم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه وهو يبول لما سلم عليه؛ لأن الذي يبول لا يذكر الله عز وجل، والسلام فيه ذكر لله عز وجل، والحديث هذا لا يتعارض مع ذاك إلا من ناحية أن الفرق بينهما: أن الكل فيه سلام إلا أن الأول ما فيه رد والثاني فيه رد بعد الوضوء وبعد الفراغ من البول، ولا شك أن ذكر الله عز وجل وكون الإنسان يكون على طهارة أولى، لكن كونه ممنوعاً, وكونه لا يسوغ فهذا ليس بواضح من الحديث إذا صح الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث المهاجر بن قنفذ: (أنه سلم على النبي وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ...)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن بشار ].ومحمد بن بشار هو بندار ، وقد مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت فيما مضى: أن محمد بن بشار الملقب بندار ، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن ، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي هؤلاء الثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة وهي :سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري -الذي هو أول أصحاب الكتب موتاً- بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخه الذين كانت وفاتهم قريبة من وفاته، وأما كبار شيوخه الذين أدركهم في صغره وفي كبرهم وماتوا في وقت مبكر, مثلاً: سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشرة, أو ما كان قريباً من ذلك؛ فهؤلاء شيوخه الكبار، وأما شيوخه الصغار الذين هم مقاربون له في الطلب، ووفاتهم قريبة من وفاته؛ لأن أكثر حياته وهو مدرك لهم، أو كل حياته وهو مدرك لهم؛ لأنه ما بينه وبينهم إلا أربع سنوات، وأما الكبار الذين ماتوا سنة مائتين وعشرة, أو مائتين وخمسة عشر, فهؤلاء بينه وبينهم عشرات السنين في الوفاة.فـمحمد بن بشار لقبه بندار ، وهو شيخ لأصحاب الكتب، وهو من الثقات الحفاظ. [ حدثنا معاذ بن معاذ ].وهو: معاذ بن معاذ البصري ، وهو ثقة, من رجال الكتب الستة. [ حدثنا سعيد ].وفي بعض النسخ: شعبة بدل سعيد ، لكن إذا رجعنا إلى ترجمة معاذ بن معاذ في تهذيب التهذيب، واستعرضنا شيوخه نجد أن فيهم: سعيد بن أبي عروبة , وليس فيهم شعبة ، فعرفنا أنه سعيد وليس شعبة الذي جاء ذكره في بعض النسخ.وفي شيوخ معاذ بن معاذ ممن يسمى سعيداً واحد، وهو: سعيد بن أبي عروبة , وهو ثقة, حافظ, إلا أنه كثير التدليس, واختلط أيضاً, وهو من رجال الجماعة، وقيل: إنه أثبت الناس في حديث قتادة ، وهذا معناه: أنه متمكن في حديث قتادة .[ عن قتادة ].هو: ابن دعامة السدوسي الذي مر بنا قريباً في حديث البول في الجحر، وقيل له: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنه يقال: إنها مساكن الجن. وهو من رجال الجماعة، وهو حافظ متقن، وهو من الحفاظ المتقنين، وهو مدلس. [ عن الحسن ].وهو الحسن البصري بن أبي الحسن ، وهو ثقة, إمام, إلا أنه يرسل ويدلس، وهو من أصحاب الكتب الستة.فعندنا في هذا الإسناد: محمد بن بشار , ومعاذ بن معاذ, وسعيد بن أبي عروبة، وقتادة، والحسن البصري ،كل هؤلاء من رجال الجماعة، والخمسة كلهم من رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن حضين أبي ساسان ].وأبو ساسان هذا لقب وليست كنيته، يقال: كنيته أبو محمد , ولقبه أبو ساسان ، وهو على صيغة الكنية، وهذا مثل أبي الزناد الذي يروي عن الأعرج فهو لقب وليس بكنية، وهذا مثله فـأبو ساسان لقب وليس بكنية، يعني: ليس له ابن اسمه ساسان، وإنما يلقب أبا ساسان ، وهو ثقة من الثانية، خرج حديثه مسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي.وكونه لا يوجد إلا في مسلم فهذا غلط واضح؛ لأن الحديث في النسائي ، فهو من رجاله، فأنا كنت أظن أن رمز الميم هذه أربعة، يعني: أنه من رجال الأربعة، ولكن بعدما رجعت إلى الكتب الأخرى التي تترجم له في الخلاصة وفي غيرها وإذا هي: ميم دال سين قاف، يعني: مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، فالنسبة أو الرمز له هنا بالميم وحدها هذا لا شك أنه غلط، وهذا في الحقيقة من معايب الرموز في بعض الأحيان، وكما قلت لكم: المزي رحمة الله عليه لا يرمز للشخص الذي يترجم له، وإنما يذكر بعدما يدخل في الترجمة الذين خرجوا له بأسمائهم، فلان وفلان وفلان، فهذه طريقة المزي، ولكنه يرمز للشيوخ والتلاميذ عندما يقول: روى عن فلان وفلان وفلان فيذكر فوق الاسم رمز من خرج له، ولكن الشخص الذي يترجم له لا يرمز له، وإنما يأتي في آخر ترجمته ويقول: روى عنه فلان وفلان وفلان، ويذكر أصحاب الكتب الذين خرجوا حديثه بأسمائهم، بالألفاظ لا بالرموز، فالرمز خطأ واضح؛ لأن الحديث في النسائي فالإنسان عندما يجد الميم يعرف أن الأمر غلط واضح. [ عن المهاجر بن قنفذ ].والمهاجر بن قنفذ صحابي، ويقال: إن المهاجر وقنفذ لقبان، وأنهما ليسا اسمين، لكنهما مشهوران، ولهذا يذكرون الترجمة باسم المهاجر بن قنفذ ؛ لأنه مشتهر بذلك، سواء كان لقباً أو اسماً، لكن يقال: إنهما لقبان, واسمه عمرو بن خلف ولكنه مشهور بـالمهاجر بن قنفذ ، ويذكرون ترجمته في حرف الميم في المهاجر ولا يذكرونه بـعمرو بن خلف، وهو الصحابي الذي يروي الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
    النهي عن الاستطابة بالعظم

    شرح حديث: (إن رسول الله نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالعظم. أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح أنبأنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي عثمان بن سنة الخزاعي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث) ].يقول النسائي رحمة الله عليه: النهي عن الاستطابة بالعظم.الاستطاب
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (22)


    باب النهي عن الاستطابة بالروث - باب النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

    من الآداب التي ينبغي للمسلم مراعاتها عند قضاء الحاجة ألا يستجمر بالروث والرمة، لأنها لا تطهر موضع النجاسة؛ ولأنها طعام دواب الجن. ومن الآداب كذلك ألا يكتفي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأن بها يكون الإنقاء والإيتار.
    النهي عن الاستطابة بالروث

    شرح حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [النهي عن الاستطابة بالروث.أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى يعني ابن سعيد عن محمد بن عجلان أخبرني القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم، إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستنج بيمينه، وكان يأمر بثلاثة أحجار، ونهى عن الروث والرمة) ].أورد النسائي هذه الترجمة: باب النهي عن الاستطابة بالروث؛ لأن الترجمة السابقة: النهي عن الاستطابة بالعظم، وهنا النهي عن الاستطابة بالروث، وكان بإمكانه أن يقول: النهي عن الاستطابة بالعظم والروث ثم يأتي بالأحاديث التي وردت في هذا وفي هذا، لكنه أراد أن يعدد المسائل الفقهية، والمسائل التي يستدل عليها، وأن يفرد كل مسألة بحديث، فمن أجل هذا فعل هذا، وإلا كان بإمكانه أن يضم، لكنه هذه طريقته -كما قلت لكم سابقاً- وهي مثل طريقة البخاري , وكتابه كتاب دراية كما أنه كتاب رواية: ففيه فقه وحديث، فيه سنة وما يستنبط من السنة الذي هو الفقه، والفقه في التراجم، ويقولون عن البخاري : إن فقهه في تراجمه، وكذلك يقال في النسائي أيضاً: إن فقهه في تراجمه، بل إنه يشبه البخاري في الدقة في التعبير, وفي الدقة في وضع الترجمة، ومما يدل عليه ما سبق أن مر من الأمثلة، وأوضحها الترجمة التي سبق أن مرت: الرخصة في الاستياك بالعشي للصائم، ويورد تحتها حديث: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، النسائي أورد حديث أبي هريرة رضي الله عنه في هذه الترجمة وحديث أبي هريرة يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم تمهيداً لما بعده من بيانه للأمور التي هي آداب قضاء الحاجة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد) بل هو أعظم من الوالدين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، يجب أن يكون أحب إلى كل مسلم من والديه وأولاده والناس أجمعين؛ لما ثبت في حديث أنس بن مالك في الصحيحين: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) ، فهو عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قال: (إنما أنا لكم مثل الوالد أعلمكم) وهو عليه الصلاة والسلام أحرص وأعظم من الوالدين في التعليم والبيان؛ لأنه أنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً, وأكملهم بياناً, وأفصحهم لساناً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكنه قال هذا التمهيد؛ لأن من شأن الوالد أن يكون حريصاً على تعليم ولده كل شيء، حتى الأمور التي يحتاج إليها مما يستحيا من ذكرها.فالرسول صلى الله عليه وسلم بين أنه يبين لهم كل ما يحتاجون إليه، وأن الوالد هذا شأنه أن يحرص على تعليم ولده كل ما يحتاج إليه، ولو كان من الأمور التي يُستحيا منها، ومن ذلك: ما يتعلق بقضاء الحاجة, وما إلى ذلك.ثم بين عليه الصلاة والسلام ما بهذا التمهيد، فقال: ( إذا ذهب أحدكم إلى الخلاء، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها )، يعني: عند قضاء الحاجة لا يستقبل القبلة -أي: لا يتجه إلى الكعبة وهو يقضي حاجته- ولا يستدبرها، وقد مرت الأبواب في موضوع الاستقبال والاستدبار، لكن المقصود من إيراد الحديث هو ما يأتي من ذكر الروث والرمة.( ولا يستنجي بيمينه )؛ أي: لا يستعمل اليمين وهو يستنجي، وإنما يستعمل اليسار، وهذا سبق أن مر في أبواب عدم الاستنجاء باليمين والنهي عن ذلك.( وكان يأمر بثلاثة أحجار عند الاستنجاء )؛ أي: أمر بأخذ ثلاثة أحجار يستنجي بها عندما ينتهي من قضاء حاجته، ويزيل أثر الخارج بالحجارة، ويكون ذلك ثلاثاً، والأمر بالثلاثة ليكون جامعاً بين الإيتار والإنقاء؛ لأن الثلاثة تنقي وأيضاً هي وتر، وقد جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الإيتار في الاستنجاء، وهنا ذكر أن الاستنجاء يكون بثلاثة أحجار؛ لكونها وتراً، ولكونها تنقي ويحصل بها الإنقاء والتنظيف والتطهير والتطييب الذي عبر عنه بالاستطابة. (ونهى عن الروث والرمة) هذا هو محل الشاهد من النهي عن الاستطابة بالروث والرمة.والرمة: هي العظم، وقيل أن المراد بها: العظم البالي، قالوا: وإذا كان النهي ورد وإن كان بالياً فإن غيره من باب أولى، وقد جاء الحديث بالإطلاق في ذكر العظم، فسواء كان موصوفاً بأنه بالٍ أو غير بال كل ذلك يدخل تحت العظم المنهي عنه في الاستعمال، وقد عرفنا ما يتعلق بالاستنجاء بالعظم في الباب الذي قبل هذا، أما ما يتعلق بالروث -وهو الذي ترجم له في هذا الحديث- فقد جاءت أيضاً السنة في بيان الحكمة في المنع منه في الحديث الذي ورد فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث، فقال: ( إن العظم طعام إخوانكم من الجن، والروث طعام دوابهم ).فإذاً: التعليل الواضح الذي جاء به الحديث الصحيح أن النهي لحكمة وهي: عدم إفساد الطعام على الجن وكذلك عدم تلويث وتقذير الطعام الذي هو لدواب الجن, كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والعظم البالي هو: العتيق القديم الذي يؤكل ومضى عليه مدة طويلة حتى صار يتفتت. أما الاستقبال والاستدبار في غير قضاء الحاجة ما أعلم أن شيئاً يمنع منه، لا عند النوم ولا عند الجلوس، فكون الإنسان يمد رجله إلى القبلة لا أعلم شيئاً يمنع منه.

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في النهي عن الاستطابة بالروث

    قوله: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم ].هو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وقد ذكرت لكم قبل مدة: أن الدورقي يعقوب بن إبراهيم شيخ لأصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه، وذكرت لكم: أن هناك شخصين يماثلانه بكونهم شيوخ لأصحاب الكتب، وبكونهم ماتوا معه في سنة واحدة -وهي سنة مائتين واثنين وخمسين- وهما: محمد بن بشار الملقب بـبندار، ومحمد بن المثنى الملقب بـالزمن ، فإن هذين مع هذا الذي هو يعقوب كلهم شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وكل منهم مات في سنة مائتين واثنين وخمسين، بل إن الاثنين الآخرين -وهما: محمد بن المثنى , ومحمد بن بشار- اتفقا في شيء أكثر من هذا؛ فإنهما اتفقا في سنة الولادة وسنة الوفاة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وهم في طبقة واحدة من البداية حتى النهاية، حتى قال الحافظ ابن حجر : وكانا كفرسي رهان؛ أي: لا أحد منهما يسبق الآخر، فكل واحد منهما بجوار الآخر.[ حدثنا يحيى يعني: ابن سعيد ].يحيى بن سعيد ، هو: ابن سعيد القطان الإمام, المحدث, الناقد الذي هو إمام في الجرح والتعديل، وهو من رجال الجماعة، وقد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به عن الذهبي, ومعه شخص آخر يشاركه فيها؛ وهو عبد الرحمن بن مهدي ، يقول الذهبي عنهما في كتاب من يعتمد قوله في الجرح والتعديل: إنهما إذا جرحا شخصاً؛ فإنه لا يكاد يندمل جرحه، ومعناه: أنهما إذا جرحاه؛ فإن جرحهما أصاب الهدف، وهذا يدل على تمكنهما، وأنهما إذا اجتمعا على شخص فمعنى ذلك: أنه يتمسك بكلامهما؛ لأن جرحهما لا يكاد يندمل إذا جرحا شخصاً واتفقا على جرحه.وذكرت أيضاً: أن هذا الشخص يأتي في طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد؛ لأنه من طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة, وهو يحيى بن سعيد الأموي ولكن الإكثار من الرواية هو عن القطان . ثم أيضاً من علامة الأموي أنه يروي عنه ابنه سعيد ، فإذا جاء في الإسناد: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي؛ فالمقصود به: الأموي ، أو قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثنا يحيى بن سعيد؛ فالمقصود به الأموي ، أما يحيى بن سعيد القطان فهو أكثر رواية وأكثر شهرة. وقوله: (يعني) هذا مثل (هو) الذي ذكرته فيما مضى، فإن هذه اللفظة (هو) و(يعني) يأتون بها؛ لأن التلميذ الذي هو يعقوب بن إبراهيم عندما روى عن شيخه يحيى اكتفى بكلمة (يحيى) ما قال: يحيى بن سعيد، فالذين جاءوا بعده -النسائي ومن دون النسائي- أرادوا أن يوضحوا يحيى فقالوا: (يعني ابن سعيد) فكلمة (يعني) قالها من دون الدورقي ، وفاعلها الدورقي ؛ لأن كلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل؛ لأن كلمة (يعني) فعل مضارع، فاعله ضمير مستتر يرجع إلى الدورقي، والذي دون الدورقي أتى بكلمة (يعني) فهو قائلها، وليس قائلها الدورقي؛ لأن الدورقي لا يحتاج أن يقول: (يعني)، بل يقول: فلان بن فلان ويذكر اسمه إلى عشرة أجداد، فكلامه لا يحتاج إلى كلمة (هو) ولا يحتاج إلى كلمة (يعني).[ عن محمد بن عجلان ].محمد بن عجلان، هذا يأتي لأول مرة؛ ما سبق أن جاء ذكره في الأحاديث الماضية، ومن الأشياء اللطيفة التي ذكروها في ترجمته، قالوا: إن أمه حملت به أكثر من ثلاث سنوات؛ أي: بقي في بطنها أكثر من ثلاث سنوات. وهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة وهذا منها، وقد روى له البخاري تعليقاً, ومسلم, والأربعة رووا عنه. لكن -كما عرفنا- حديث العظم والروث جاء في أحاديث ثابتة، فلا يؤثر كونه اختلط في حديث أبي هريرة.

    ترجمة القعقاع بن حكيم وأبي صالح

    [ أخبرني القعقاع ].القعقاع هذا أيضاً يأتي لأول مرة ذكره في رجال النسائي، والقعقاع في رجال النسائي شخصان هما: القعقاع بن حكيم، والقعقاع بن اللجلاج، وهما في طبقة متقاربة، إلا أن ابن اللجلاج مجهول، وانفرد بالإخراج له النسائي. وأما ابن حكيم فهو ثقة. فكيف نعرف الاسم المبهم المهمل الذي ما نسب هنا؟ نقول: الحديث رواه أبو داود ورواه ابن ماجه ، وفي أسانيد ابن ماجه ذكر مرتين، وعند أبي داود من طريقه كلها يقول: القعقاع بن حكيم، ففي هذه الطرق الثلاث: طريق عند أبي داود، وطريقان عند ابن ماجه يقولون فيها: القعقاع بن حكيم، إذاً: عرف المقصود والمعني هنا بأنه القعقاع بن حكيم.والقعقاع بن حكيم ثقة، روى عنه البخاري في الأدب المفرد، وروى عنه مسلم والأربعة، فهو مثل ابن عجلان إلا أن ابن عجلان في الصحيح تعليقاً، وهذا روى عنه في الأدب المفرد. وكتاب الأدب المفرد كتاب مستقل، قيل: إنه سمي بالأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن في داخل الصحيح كتاباً اسمه كتاب الأدب، وخارج الصحيح كتاباً اسمه الأدب المفرد، إذاً: فهو كتاب مستقل سماه: الأدب المفرد؛ حتى يتميز عن الأدب الذي بداخل الصحيح؛ لأن جملة كتب البخاري في صحيحه سبعة وتسعين كتاباً، وأحد هذه الكتب السبعة والتسعين كتاب الأدب، فسمي كتاب الأدب المفرد لكي لا يلتبس بكتاب الأدب في داخل الصحيح.[عن أبي صالح ]. أبو صالح هو: السمان، ويقال له: الزيات، واسمه ذكوان الزيات, أو ذكوان السمان، وأحياناً يأتي ذكره باسمه فيقال: ذكوان، وأحياناً يأتي ذكره بكنيته -وهو كثير كما هنا- أبو صالح، وسمي بـالسمان؛ لأنه كان يبيع السمن والزيت، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, وكثيراً ما يروي عنه ابنه سهيل بن أبي صالح، لكن البخاري ما خرج لـسهيل بن أبي صالح، فليس من رجاله؛ لكن روى عن أبيه كثيراً. أما مسلم فقد أكثر من الرواية عن سهيل عن أبيه، فـسهيل بن أبي صالح عن أبيه موجود بكثرة في صحيح مسلم .[عن أبي هريرة ].أبو هريرة جاء ذكره كثيراً فيما مضى، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، فالمكثرون من الصحابة سبعة، وأكثرهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه. وأبو هريرة هو نفسه جاء في صحيح البخاري عنه يقول: (لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو, فإنه كان يكتب ولا أكتب). لكن أجاب العلماء عما وجد من كثرة حديث أبي هريرة وقلة حديث عبد الله بن عمرو -حيث كان دون ما رواه أبو هريرة- بأجوبة عديدة؛ منها: أن أبا هريرة كان مقيماً في المدينة، وكانت المدينة يرد إليها الناس فيصدرون منها، ومن المعلوم أن من كان في المدينة من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء الناس من خارجها إليها أنفس ما عندهم أن يبحثوا عن أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم, ويلتقوا بهم ويتلقوا عنهم العلم، فكثر الآخذون عنه، وهو أيضاً يأخذ عن الصحابة الذين يأتون، ومن المعلوم أن مراسيل الصحابة حجة، فهو إما أن يأخذ عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان ملازماً من حين أسلم في عام خيبر للرسول صلى الله عليه وسلم في بقية حياته، وكان مقيماً في المدينة.ومنها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما دعا له كان يحفظ كل ما يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما يسمعه من غيره رضي الله عنه وأرضاه.
    النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

    شرح حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: ( قال له رجل: إنَّ صاحبكم ليعلمكم حتى الخراءة؟! قال: أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي بأيماننا، أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، هذه الترجمة عقدها النسائي بالرغم من أن الحديث الذي قبله مشتمل على ما استندت عليه هذه الترجمة، أو يدل على هذه الترجمة، وهو: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يستنجى بثلاثة أحجار )، لكن هنا أورد هذه الترجمة المشتملة على النهي عن الاكتفاء في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار، وأورد فيها حديث سلمان: (أنه قال له رجل: إن صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة؟!) وهذا الرجل جاء في بعض الطرق عند ابن ماجه أنه من المشركين، وقال هذا على سبيل الاستهزاء, أو على سبيل العيب؛ لكن سلمان رضي الله عنه وأرضاه ما قابل ذلك الكلام بالذم أو التوبيخ، بل قابله بالإثبات, وأن هذه ممدحة ومحمدة، وهو أن ديننا كامل، وأن كل شيء علمناه حتى عند قضاء الحاجة، فما حصل تقصير في شيء ونقصان في شيء، بل الشريعة كاملة غاية الكمال، حتى أدب قضاء الحاجة علمنا إياها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وعندما رد عليه سلمان (قال: نعم) فما قابله بالتوبيخ, أو السب, أو الشتم، أو قال: كيف تستهزئ؟ بل قال: نعم، علمنا كيف نقضي الحاجة؟! وكيف نجلس؟ ولا نفعل كذا ولا كذا.. إلى آخره، وكل هذه من آداب قضاء الحاجة. وهذا مما يستدل به أهل السنة -وكثيرا ما يأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية- في بيان العقيدة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بين للناس ما يحتاجون إليه في أمور العقيدة، وقال: كيف يقال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك الناس دون أن يبين لهم أمور العقيدة, وتركهم يخوضون ويتخرصون فواحد يقول: المراد كذا والمراد كذا، والرسول ما بين لهم المراد؟ فكيف يبين الرسول عليه الصلاة والسلام آداب قضاء الحاجة ولا يبين أمور العقيدة؟! هذا كلام يعقل؟! وهذا الكلام ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الحموية وفي غيرها، وبين فيه كمال الشريعة، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بينها في العقائد كما بينها في الأحكام، بل بيانها في العقائد أتم وأكثر.ثم قال: كيف يعقل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بين للناس أمور قضاء الحاجة كما جاء في حديث سلمان, ثم لا يبين للناس أمور العقيدة؟ بل من باب أولى تبيينه، وهذا هو الذي وقع وحصل، فهذا المشرك أتى بهذه الكلمة يريد أن يستهزئ؛ ولكنه قوبل بعكس ما يريد، وأن هذه محمدة وليست مذمة؛ لأن شريعتنا كاملة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بين لنا كل شيء، وهذا هو شأنه, وهذه مهمته صلى الله عليه وسلم ووظيفته ووظيفة الأنبياء من قبله، فقد جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، ويحذرهم شر ما يعلمه لهم )، فالرسول صلى الله عليه وسلم بين آداب قضاء الحاجة.( أجل! نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول )، يعني: أننا إذا جلسنا لقضاء الحاجة لا نتجه إلى الكعبة، وهذا من آداب قضاء الحاجة.( أو نستنجي بأيماننا )؛ أي: أن ننزه اليمين عن أن تتعرض للنجاسات، وإنما نخص الشمال بذلك، فنجعل الشمال هي التي تتولى هذه المهمة، ولا نستنجي باليمين، وهذا من آداب قضاء الحاجة التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم.( أو نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار )؛ لكي يكون هناك شيئان: الإنقاء -وهو: التنظيف , والتطهير, والتطييب- والإيتار؛ لأن الثلاثة وتر، ومن المعلوم أن الحجر الواحد وتر، لكن ذكرت الثلاثة الأحجار ليحصل مع الإيتار الإنقاء؛ وهو حصول التطهير والتنظيف.

    تراجم رجال إسناد حديث سلمان في الاستطابة بأقل من ثلاثة أحجار

    قوله: [ أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].إسحاق بن إبراهيم هو: ابن راهويه عند المحدثين، وابن راهويه عند أئمة اللغة يعبرون براهويه, يقولون: إنه مختوم بـ(ويه)، يعني: الأسماء المختومة بـ(ويه)، كـ(نفطويه), (سيبويه), (راهويه)، أما المحدثون فإنهم ينطقون بها على أنها راهويه.و إسحاق بن إبراهيم بن راهويه قد ذكرت فيما مضى فائدة تتعلق به ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ويستدلون بها على تمييزه عمن يشابهه في الاسم، فالمعروف عن ابن راهويه أنه يقول: أخبرنا، ولا يستعمل حدثنا، وقد استعمل حدثنا لكنها بندرة، ويماثله في هذه الطريقة النسائي الذي معنا، فكل ما عندنا (أخبرنا).وبعض العلماء يفرقون بين حدثنا وأخبرنا؛ فيجعلون (حدثنا) فيما سمع من لفظ الشيخ عندما يقرأ وهم يسمعون، فعند التعبير يقول: حدثنا، أما إذا كان الشيخ يسمع وواحد يقرأ فالسامعون عندما يتحملون عنه وعندما يروون عنه يقولون: أخبرنا، ومن العلماء من لا يفرق بينهما؛ مثل: النسائي , وابن راهويه، فهم يستعملون أخبرنا فيما سمعه وفيما قرئ على شيخه وهو يسمع.وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه. فأصحاب الكتب الخمسة: الشيخان البخاري ومسلم، وأبو داود, والترمذي، والنسائي كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ للخمسة، أما ابن ماجه فلم يرو عنه شيئاً ولم يخرج له شيئاً، وهو ثقة, حافظ, كما عرفنا ذلك فيما مضى. [ أخبرنا أبو معاوية ].أبو معاوية هذا سبق أن مر ذكره، وقلنا: إنه مشهور باسمه ومشهور بكنيته؛ ولكن كنيته أكثر، واسمه محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير, وهو من رجال أصحاب الكتب الستة.[ حدثنا الأعمش ].الأعمش، هو سليمان بن مهران، والأعمش لقبه، وهو مشهور بلقبه، وتأتي الرواية عنه باسمه، كما تأتي الرواية بلقبه، فيقال: سليمان بن مهران، ويقال: سليمان فقط، ويقال: الأعمش؛ ولكن بكلمة الأعمش لا يلتبس بغيره، وهو من رجال الجماعة, وهو ثقة.[ عن إبراهيم ].إبراهيم أيضاً سبق أن مر بنا، وهو: ابن يزيد بن قيس بن أسود النخعي، وهو محدث, فقيه، وسبق أن ذكرت لكم فائدة معروفة مشهورة بالإضافة إليه، وقيل: إنها من أولياته، فهو أول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة، قال ابن القيم في زاد المعاد في هدي خير العباد، قال: وأول من عرف عنه في الإسلام أنه عبر بهذه العبارة فقال: (ما لا نفس له سائلة لا ينجس الماء إذا مات فيه) إبراهيم النخعي، وعنه تلقاها الفقهاء من بعده، فصاروا يتداولونها ويعبرون بها. وما لا نفس له مثل الذباب, والجراد, وهذه الحشرات, التي ليس فيها دم، و(ما لا نفس)، يعني: ليس له دم، فهذه كلمة مشهورة عن إبراهيم النخعي، وهو من رجال الجماعة، وهو ثقة, حافظ, فقيه. [ عن عبد الرحمن بن يزيد ].سبق أن مر بنا أن إبراهيم النخعي يروي عن الأسود بن يزيد، وهنا يروي عن عبد الرحمن بن يزيد، وعبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، وهما خالان له؛ لأنه يروي عن خاليه: الأسود , وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس النخعيين.وسبق أن مر بنا روايته عن خاله الأسود , وهنا يروي عن خاله عبد الرحمن بن يزيد، فهما أخوان يروي عنهما ابن أختهما إبراهيم بن يزيد النخعي.وعبد الرحمن بن يزيد ثقة، خرج حديثه الجماعة مثل أخيه الأسود بن يزيد، كل منهما من رجال الجماعة، وكل منهما من الثقات الحفاظ. [ عن سلمان ].سلمان هو: الفارسي رضي الله عنه، وقد أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو الذي أشار على الرسول صلى الله عليه وسلم في عام الخندق بحفر الخندق، وحديثه في الكتب الستة، وله في الكتب الستة ستون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة، وانفرد البخاري بواحد ومسلم بثلاثة.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (23)


    (باب الرخصة في الاستطابة بحجرين) إلى (باب الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها) -

    الدين الإسلامي دين يسر، لم يقصد المشقة في التكليف، بل شرع الرخص والبدائل، فمن ذلك أنه يجوز للإنسان أن يستعمل الأحجار بدل الماء في الاستجمار، مع مراعاة طهارتها.ويصح الاستنجاء بحجر له ثلاثة أطراف بشرط الإنقاء، ويسن في ذلك أيضاً الإيتار.

    الرخصة في الاستطابة بحجرين

    شرح حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الرخصة في الاستطابة بحجرين.أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم عن زهير عن أبي إسحاق قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله رضي الله عنه يقول: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط، وأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيت بهن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه ركس).قال أبو عبد الرحمن: والركس طعام الجن].يقول النسائي رحمه الله: الرخصة في الاستطابة بحجرين.بعد أن ذكر النسائي ما تقدم من الترجمة التي فيها النهي عن الاستنجاء أو الاستطابة في أقل من ثلاثة أحجار، أورد هنا هذه الترجمة: الرخصة في الاستطابة بحجرين، يعني: في النقصان عن الثلاثة، وأورد في ذلك حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي يقول فيه: ( إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الغائط فقال: ائتني بثلاثة أحجار، فجاء بحجرين ولم يجد الثالث، وأخذ روثة، وأتى بالحجرين والروثة، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروث وقال: إنه ركس ) ثم قال أبو عبد الرحمن النسائي رحمة الله عليه: والركس طعام الجن.ومحل الشاهد من إيراد الحديث: كون النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الحجرين وألقى الروثة؛ يعني: أنه اكتفى بحجرين، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه طلب الثالث بدل الروثة التي رماها وألقاها.وقول عبد الله بن مسعود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط)، أي: ذهب إلى المكان الذي تقضى فيه الحاجة، وهو: في الخلاء، وقد تقدم ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ذهب أبعد المذهب )، يعني: يذهب بعيداً من أجل قضاء حاجته؛ حتى لا يكون في مرأى من الناس، وكان معه عبد الله بن مسعود في هذه المرة، فطلب منه أن يأتيه بثلاثة أحجار؛ وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أرشد إلى أن الاستطابة لا تكون إلا بثلاثة أحجار، كما سبق أن تقدم ذلك في حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه.وابن مسعود رضي الله عنه نفذ ما أمر به، إلا أنه لم يجد حجراً ثالثاً، فاجتهد وأخذ مكانه روثة وأتى بها، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحجرين وألقى الروثة، وعلى ظاهر هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بالحجرين، فإذا صح أنه طلب الثالث لا يكون هناك وجه للاستدلال بهذا الحديث على الاكتفاء بحجرين.وقوله: (إنها ركس) فسرها العلماء: بأنها نجس، فقد قيل في بعض الروايات: (إنها روثة حمار) ومن المعلوم أن روث الحمار نجس؛ لأن ما لا يؤكل لحمه بوله وروثه نجس، أما ما يؤكل لحمه كالإبل، والبقر، والغنم؛ فإن أبوالها وأرواثها طاهرة، وليست بنجسة.أما قول أبي عبد الرحمن: ( الركس طعام الجن )، فقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وقد أغرب النسائي ففسر الركس: بطعام الجن، يعني: أن هذا يتوقف على معرفته في اللغة، ولم يأت في اللغة: أن الركس يطلق على طعام الجن، فلو جاء شيء من هذا لكان له وجه، ولكن كما عرفنا في ما مضى أن العلة في عدم الاستنجاء بالروث: أنه طعام دواب الجن كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، فالعظم طعام الجن، والروث طعام دواب الجن، فلعل أبا عبد الرحمن يريد هذا، ولكن التفسير بالركس وأنها طعام الجن هذا -كما قال الحافظ ابن حجر- يحتاج إلى ثبوت ذلك في اللغة.أما كون الروث منه ما هو طعام لدواب الجن فهذا قد جاء في الحديث، والمقصود من ذلك هو ما كان طاهراً، كأرواث الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنها هي التي تكون طاهرة. أما الأرواث النجسة، فالنجس لا يستعمل، ولا يجوز استعماله لنجاسته، وأما هذه الأرواث التي هي أرواث الإبل، والبقر، والغنم التي يؤكل لحمها، وغيرها مما يؤكل لحمه؛ فإن العلة فيها، والحكمة فيها ما جاء في الحديث الصحيح: أنها طعام دواب الجن.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في الرخصة في الاستطابة بحجرين

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].هو: أحمد بن سليمان بن عبد الملك أبو الحسين الرهاوي، نسبة إلى رها وهي بلد، وهو ثقة حافظ كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، وحديثه عند النسائي فقط، فهو أحد شيوخ النسائي فهو من رجال النسائي فقط.[حدثنا أبو نعيم].أبو نعيم هو: الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، حافظ، ثبت، من الحفاظ الأثبات، وهو من كبار شيوخ البخاري، ولهذا لم يدركه النسائي؛ لأن من الشيوخ من روى عنهم أصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، مثل ما ذكرنا في ما مضى: يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، والثلاثة ماتوا سنة مائتين واثنين وخمسين قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فأدركهم النسائي وغيره وروى عنهم، وأما أبو نعيم فهو من كبار شيوخ البخاري الذي أدركه البخاري في صغره؛ لأن أبا نعيم توفي سنة مائتين وثمانية عشر أو مائتين وتسعة عشر، والنسائي ولد مائتين وخمسة عشر، وكان عمره خمس أو أربع سنوات، فلم يدركه؛ لذلك يروي عنه بواسطة.وهناك من يشاركه في الشهرة بهذه الكنية؛ وهو: أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية، وصاحب معرفة الصحابة، وصاحب الكتب الكثيرة، إلا أن ذاك متأخر جداً؛ لأنه توفي سنة أربعمائة وثلاثين، وهذا متقدم، وكلاً منهما يكنى بأبي نعيم، فالذي لا يعرف الأزمان يمكن أن يقع في باله هذا المعنى، فمعرفة الأزمان، ومعرفة الطبقات، ومعرفة المتقدم والمتأخر هذا يأمن معه من حصول الغلط الفاحش الذي قد يحصل، أو الظن الذي قد يحصل ممن لا يعرف.وأبو نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري ما عيب عليه شيء إلا أنه يتشيع، هذا هو الذي عيب عليه، ولهذا لما أورد الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري الأشخاص الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري -وقد ذكرهم على حروف المعجم- وأجاب عن الانتقاد الذي انتقد إليه بأنواع من الأجوبة، فقال: إما أن يكون الشخص مثلاً تكلم فيه في شخص، وهو حديثه في البخاري ليس عن الشخص المتكلم فيه، أو أنه شورك، وأنه لم ينفرد مثلاً بالرواية، أو لغير ذلك من الأسباب، ولكن الذي قاله عن الانتقاد في أبي نعيم الفضل بن دكين، لما ذكره وذكر الثناء عليه، فقال: الثناء عليه يذكر، قال: وما عيب عليه إلا أنه يتشيع، ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. أي: أنه حفظ لسانه عن أن يتكلم في معاوية.ومن المعلوم أن الرافضة والشيعة أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، فالكلام في معاوية سهل ميسور عندهم، حتى الزيدية -الذين يقال: إنهم أعقل الشيعة- من السهل عليهم القدح في معاوية والكلام في معاوية. وهذا الذي قُدح فيه بأنه يتشيع، جاءت عنه هذه العبارة الجميلة؛ وهي قول الحافظ ابن حجر عنه: ومع ذلك فقد صح عنه أنه قال: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية. والحفظة: الملائكة التي تكتب الحسنات والسيئات، والذين يكتبون الأقوال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، فقوله: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية يدلنا على سلامته من هذا الذي وصف به، وهو التشيع، ولكن لعل التشيع الذي وصف به من قبيل تفضيل علي على عثمان، وهذه المسألة جاءت عن بعض السلف وعن أئمة كبار، ومثل هذا لا يقدح في الرجل، ولا يبدع من يقول به، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، قال: إن تقديم علي على عثمان في الفضل لا يبدع من قال به؛ يعني: ليست من المسائل التي يبدع بها، وإنما الذي يبدع بها من قال: إنه أحق منه بالخلافة؛ لأن هذا اعتراض على الصحابة الذين قدموا عثمان على علي.أما أن يقدم علي على عثمان في الفضل، فمن المعلوم أن الولاية لا يلزم فيها أن يقدم الفاضل على المفضول، بل يمكن أن يقدم المفضول مع وجود الفاضل؛ لأنه قد يقوم في المفضول من حيث تدبير الأمور، وسياسة الأمة؛ لخبرته ولمعرفته بالسياسة والإمارة أكثر من الفاضل، قيقدم من هو مفضول على من هو فاضل.أما العيب والقدح والذي يبدع من يقول به هو تقديم علي بالخلافة؛ لأن معنى ذلك: أن الصحابة الذين اتفقوا عليه أن فعلهم غلط، وأنهم مخطئون، وأنهم أجمعوا على الخطأ، وهذا لا شك أنه أمر قبيح، فلعل ما نقل عنه أو ما ذكر عنه من هذا القبيل، وهذه الكلمة التي ذكرها عنه الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري كلمة عظيمة تدل على سلامته في هذا الباب؛ لأن الشيعة من السهل عليهم ومن أسهل الأشياء عليهم أن يتكلموا في معاوية، ولهذا يقولون: إن معاوية يعتبر كالوقاية لأصحاب الرسول، لأن من اجترأ عليه يجترئ على غيره؛ لأن من تكلم فيه يمكن أن يتكلم في غيره، ومن لم يتكلم فيه صان لسانه -من باب أولى- عن الكلام في الأشخاص الذين لا يُذكرون إلا بالجميل، وهم أصحاب الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورضي الله عنهم وأرضاهم.

    ترجمة زهير بن معاوية وأبي إسحاق السبيعي

    قوله: [عن زهير].هو: زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، وهو من رجال الجماعة أيضاً، وهو ثقة، حافظ، وهو من الحفاظ المتقنين، إلا أنه قيل: إن روايته عن أبي إسحاق كانت في آخر حياة أبي إسحاق، وأبو إسحاق اختلط في آخر أمره، وفي آخر حياته، فالكلام الذي في زهير بن معاوية؛ أن في روايته عن أبي إسحاق شيئاً؛ لأنه روى عنه بآخره بعد ما اختلط، فروايته عن أبي إسحاق فيها كلام، والحديث الذي معنا من روايته عن أبي إسحاق السبيعي، ولكن زهيراً لم ينفرد بالرواية عن أبي إسحاق، بل تابعه غيره على هذه الرواية، حيث جاءت من طرق عن أبي إسحاق من غير طريق زهير.إذاً: لم ينفرد زهير بن معاوية في الرواية عن أبي إسحاق السبيعي، وإنما شاركه غيره، ولهذا البخاري أورد الحديث في صحيحه، فقال: حدثنا أبو نعيم ثم ساقه بإسناده إلى آخره بنفس اللفظ الموجود في النسائي.قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير، عن أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود.. إلى آخر الحديث بنفس اللفظ الذي ساقه به النسائي، إلا أن النسائي -كما هو معلوم- ما أدرك أبا نعيم، فرواه عنه بواسطة أحمد بن سليمان الرهاوي.فإذاً: ما ذكر من الوهن في رواية زهير عن أبي إسحاق زال بوجود من شاركه في الرواية عنه، وأنه لم ينفرد برواية هذا الحديث عنه، وإنما رواه عن أبي إسحاق غيره من العلماء.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي، وهو ثقة حافظ ثبت، وهو من المكثرين من الحديث ومن رواية الحديث، وقد تغير بآخره، وكما عرفنا رواية زهير عنه بعد الاختلاط، ولكنه توبع، وأيضاً هو مدلس.[ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه].أبو عبيدة المراد به: أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق يروي هذا الحديث من طريق أبي عبيدة عن أبيه، ومن طريق عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه الأسود عن ابن مسعود.فإذاً: الطريقان التي روى بهما أبو إسحاق : إحداهما عالية، والثانية نازلة؛ لأن رواية أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه، ليس بينه وبين ابن مسعود إلا ابنه أبو عبيدة، وأما روايته عن عبد الرحمن بن الأسود فبينه وبين ابن مسعود اثنان: عبد الرحمن بن الأسود وأبوه الأسود، فالأولى: عالية، والثانية: نازلة، إلا أن الأولى منقطعة؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، على خلاف بين العلماء، ويقول الحافظ ابن حجر: الراجح أنه لم يسمع من أبيه، وعلى هذا تكون الرواية منقطعة، فلما كان أبو إسحاق يروي الحديث من طريقين ذكر الطريق الأولى ثم أضرب عنها بذكر رواية عبد الرحمن؛ لأن رواية أبي عبيدة منقطعة، مع أنها عالية الإسناد، وانتقل إلى الرواية التي هي متصلة ولا انقطاع فيها؛ وهي رواية أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود. قال: (ليس أبو عبيدة ذكره لي) يعني: في رواية هذا الحديث، وإن كان ذكره في طريق أخرى أو في حديث آخر أو من طريق آخر، ولكنه هنا لا يريد أن يروي الحديث من طريق أبي عبيدة وإن كانت عالية، وأضرب عنها إلى طريق عبد الرحمن بن الأسود المتصلة وإن كانت نازلة.فـأبو عبيدة هذا ثقة، وهو لم يسمع من أبيه، وحديثه في السنن الأربعة، وليس له رواية في البخاري، وإنما هنا ذُكر ذكراً؛ لأنه قال: (ليس أبو عبيدة ذكره) إذاً: هو ليس من رجال الإسناد الذين يسند إليهم الحديث هذا، وإنما الذي يسند إليه في الحديث هذا عبد الرحمن بن الأسود؛ لأن قوله: ( ولكن عبد الرحمن بن الأسود )، يعني: هو الذي ذكر لي هذا الحديث.وهنا الرواية ليست بالتحديث، ولكن البخاري رحمه الله لما ذكر الحديث أورد طريقاً أخرى من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق يروي عن أبيه عن أبي إسحاق قال: حدثني عبد الرحمن، فصرح بالتحديث في الطريق الثانية التي أوردها البخاري بعدما أورد هذه الطريق، فالبخاري أورد طريقاً معلقة من طريق إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، ولكنه قال: حدثني عبد الرحمن، يعني: يقولها أبو إسحاق.فإذاً: صرح بالتحديث في هذه الطريق الأخرى التي ذكرها البخاري بعد هذه الطريق التي هي موافقة للطريق التي ذكرها النسائي هنا.

    ترجمة عبد الرحمن بن الأسود

    قوله: [عن عبد الرحمن بن الأسود].هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو ابن الأسود بن يزيد الذي سبق أن مر بنا ذكره، الذي يروي عنه إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن الأسود، والأسود وعبد الرحمن هما خالان لـإبراهيم النخعي ويروي عنهما، والأسود يروي عنه أخوه عبد الرحمن أيضاً كما ذكروا في ترجمته.إذاً: عندنا عبد الرحمن اثنان: أخو الأسود، وابن الأسود، والذي معنا ابن الأسود، والذي سبق أن مر بنا عبد الرحمن بن يزيد أخو الأسود بن يزيد، والأسود بن يزيد يروي عنه أخوه عبد الرحمن، ويروي عنه ابنه عبد الرحمن فهنا يروي عنه ابنه عبد الرحمن، ويروي عنه ابن أخته إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي يروي عن خاليه الأسود، وعبد الرحمن، وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو يأتي لأول مرة، وهو يروي عن أبيه، وهو ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة.[عن أبيه].أبوه هو: الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وهو من المخضرمين، وقد سبق أن مر ذكره، وهو محدث فقيه يروي عن كبار الصحابة؛ لأنه من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية وأدركوا الإسلام ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم.إذاً: هذا الإسناد: أحمد بن سليمان الرهاوي، عن أبي نعيم الفضل بن دكين الكوفي، عن زهير بن معاوية بن حديج الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، عن عبد الرحمن بن الأسود، وهو كوفي، عن أبيه الأسود وهو كوفي، عن ابن مسعود وهو كوفي، فكل رجاله كوفيون إلا أحمد بن سليمان شيخ النسائي فإنه رهاوي.
    الرخصة في الاستطابة بحجر واحد

    شرح حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن منصور عن هلال بن يساف عن سلمة بن قيس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا استجمرت فأوتر)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الرخصة في الاستطابة بحجر واحد، وأورد تحت هذه الترجمة حديث سلمة بن قيس: (إذا استجمرت فأوتر)، وأخذ من هذا أن أقل الوتر واحد؛ لأنه قال: (إذا استجمرت فأوتر).وقوله: (إذا استجمرت فأوتر) يعني: إذا أخذ الحجارة ليستجمر بها فإنه يوتر، يعني: بواحدة، أو ثلاثة، أو خمسة، وقد جاء في حديث سلمان المتقدم: ( وألَّا يستطيب بأقل من ثلاثة أحجار، ونهانا أن نكتفي بأقل من ثلاثة أحجار ).وهنا النسائي استنبط من هذا الحديث: الاكتفاء بحجر واحد، ومن المعلوم أن المقصود هو الإنقاء مع الإيتار، وإذا حصل الإيتار بأن يكون حجراً كبيراً فيستعمله من جهات مختلفة ومن جهات متعددة؛ فإنه يحصل المقصود، ولكن كون الإنسان يحرص على أن يأتي بالثلاثة الأحجار، هذا هو الذي فيه قطع الشك باليقين، وإزالة الشك باليقين، والأخذ بالاحتياط، وإن كان يحصل الإنقاء بحجر كبير له شعب متعددة، كل شعبة بمثابة الحجر الصغير، ولكن كون الإنسان إذا كان في الخلاء واستنجى بالحجارة، فإنه يستعمل ثلاثة أحجار، وإن استعمل حجراً كبيراً يعادل ثلاثة أحجار، ويحصل به الإنقاء؛ فإن ذلك يكفي، ويدخل تحت عموم هذا الحديث.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا استجمرت فأوتر)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].هو: إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الذي مر ذكره مراراً، وهو من رجال الجماعة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرة، وهو محدث فقيه، وإمام جليل، وله مسند، ومن طريقته -كما عرفنا- أنه يستعمل لفظ (أخبرنا) كما يستعملها النسائي.[ أخبرنا جرير].هو: جرير بن عبد الحميد، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من رجال الجماعة، وهو من الثقات.[عن منصور].هو منصور بن المعتمر، وهو من الثقات أيضاً، ومن رجال الجماعة، وقد سبق أن مر، وهو الذي يأتي ذكره مع الأعمش، وقد مر في بعض الأحاديث أنه يروي هو وإياه أحاديث يقول: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مشى إلى سباطة قوم) فقال سليمان: (أنه مسح على خفيه)، ولم يذكر منصور المسح. فهو من طبقة الأعمش، وقد جاء ذكرهما معاً في بعض الأحاديث المتقدمة.[عن هلال بن يساف].هو: هلال بن يساف وهو ثقة، روى له البخاري تعليقاً، وروى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سلمة بن قيس].هو صحابي وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل عنهم، ويكفي كل واحد منهم أن يقال: إنه صحابي، ولا يحتاج بعد ذلك إلى أن يتكلم فيه بشيء؛ لأنه ليس هناك وصف أفضل من هذا الوصف، ولهذا لا يحتاج معه إلى غيره بأن يقال: هو ثبت، أو حافظ أو ما إلى ذلك، إلا إذا كان له بعض الصفات التي يتميز بها يمكن أن تذكر، أما من ناحية التعديل فلا يحتاج أحدهم إلى تعديل بعد أن أثنى الله عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم.وله سبعة أحاديث، وخرج له الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فهؤلاء هم الذين خرجوا حديث سلمة بن قيس رضي الله تعالى عنه.
    الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها

    شرح حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.أخبرنا قتيبة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن مسلم بن قرط عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، فليستطب بها فإنها تجزي عنه)].يقول النسائي رحمة الله عليه: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها.ومقصود النسائي من هذه الترجمة: أن الحجارة يمكن أن يستغنى بها عن غيرها، ويكتفى بها عن غيرها، وهو الماء، وأنه لا يتعين الماء لإزالة ما يخرج أو أثر ما يخرج، وإنما يمكن أن يكتفى بالحجارة، وإذا استعمل الماء فهو أولى؛ لأن الماء يزيل ما كان في محل الخروج أو ما تجاوز محل الخروج، بخلاف الحجارة فإنها تزيل ما كان في محل الخروج، أما لو انتشر الخارج إلى أماكن أخرى خارج محل الخروج؛ فإنه يحتاج في ذلك إلى الماء، ولا يستغنى عن الحجارة في ذلك.إذاً: الحجارة يمكن أن يكتفى بها عن الماء، ولكن إذا وجد الماء فاستعماله أولى من استعمال الحجارة؛ لأنه يزيل ما يكون على محل الخروج وما تجاوز محل الخروج، بخلاف الاستجمار؛ فإنه يمكن أن يكتفى به فيما إذا لم يتجاوز الخارج محل العادة، فلو انتشر عن محل الخروج فإنه لا بد فيه من الماء.إذاً: فمقصود هذه الترجمة أنه لا يتعين الماء، ولكن إذا وجد ما يقتضيه بأن تجاوز الخارج موضع العادة -أي: موضع الخروج- فعند ذلك لا بد من استعمال الماء، ولا يكفي استعمال الحجارة.وقد أورد النسائي في ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار، وليستطب بها، فإنها تجزي عنه)، يعني: فإنها تجزي عن الماء، وتغني عن الماء وتكفي، ولا يحتاج إلى غيرها، لكن إذا كانت النجاسة تجاوزت محل الخارج فلا بد من إزالة النجاسة، فالنجاسة إذا جاوزت محل الخروج فلا بد من إزالتها بالماء، وأما إذا لم يتجاوز الخارج موضع الخروج؛ فإنه لا يحتاج إلى الاستنجاء، ويكفي الاستجمار بالحجارة عن الماء.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار..)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].هو: قتيبة بن سعيد الذي تكرر ذكره، وهو الذي جاء في أول حديث من سنن النسائي: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى، وكلهم رووا عنه، وأخرجوا حديثه بدون واسطة، فهو شيخ لهم جميعاً، وهو ثقة ثبت.[حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم].وأبو حازم هو: سلمة بن دينار فـعبد العزيز هو: ابن سلمة بن دينار، ولكن أباه مشهور بالنسبة، وهو مشهور بالنسبة إلى أبيه مكنى، فهو عبد العزيز بن أبي حازم، وهو من رجال الجماعة خرجوا حديثه، وهو صدوق، وأبوه سلمة بن دينار أبو حازم ثقة ثبت، وهو من رجال الجماعة، خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.إذاً: فعندنا قتيبة، وعبد العزيز بن أبي حازم، وأبو حازم، هؤلاء كلهم من رجال الكتب الستة.[عن أبيه].هو: أبو حازم يروي عن مسلم بن قرط، ومسلم بن قرط هذا قال عنه ابن حجر في التقريب: إنه مقبول، وذُكر أن ابن حبان وثقه وذكره في الثقات، وقد خرج حديثه أبو داود، والنسائي.ومن المعلوم أن المقبول لا يحتج بحديثه إلا إذا وجد ما يعضده ويساعده، والحديث ما جاء إلا من طريق مسلم بن قرط هذا، ولكن وجد له شواهد من حديث غير عائشة، منها ما هو بمعناه، ومنها ما هو بلفظه أو قريب من لفظه عن بعض الصحابة، فتكون هذه شواهد له، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً وحسناً باعتبار أن هذا المتن أو هذا المعنى لم ينفرد به، وإنما جاء عن غيره، فهو ثابت لا من هذه الطريقة وحدها؛ لأن من وصف بأنه مقبول لا بد من اعتماد روايته في وجود ما يساعده ويؤيده، وهنا وجد ما يساعده ويؤيده من الشواهد عن بعض الصحابة؛ عن أبي أيوب وسلمان، وقد ذكرها الشيخ الألباني في إرواء الغليل.فإذاً: الحديث ثابت لا من هذه الطريق، ولكن بضميمة غيرها إليها، وضم الشواهد عن بعض الصحابة، فقد رووا ما يشهد لهذا الحديث الذي جاء من طريق مسلم بن قرط، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عروة].هو: عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو من المكثرين من الرواية عن خالته عائشة وعن غيرها، وهو أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين تقدم ذكرهم بمناسبات مختلفة عند ذكر جماعة منهم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (24)

    - باب الاستنجاء بالماء - النهي عن الاستنجاء باليمين

    جاءت الشريعة المطهرة لترفع من مكانة الإنسان وقيمته، وترشده إلى الوسائل التي من خلالها يستطيع أن يطهر نفسه من النجاسات، وكيفية الاستنجاء من هذه الأدران، وعلمتنا بعض الآداب عند قضاء الحاجة وعند الشرب، وأن نستعمل اليد اليمنى في الأمور المحمودة والطيبة، واليد اليسرى في عكس ذلك، وتجنب التنفس في الإناء؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في تقذره وعدم الشرب منه.
    الاستنجاء بالماء

    شرح حديث أنس في الاستنجاء بالماء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الاستنجاء بالماء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا النضر أخبرنا شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء فيستنجي بالماء)].ثم أورد النسائي الاستنجاء بالماء؛ لأنه هناك ذكر الاستطابة، والاستطابة كما سبق أن عرفنا: هي إزالة النجاسة وتطهير محلها؛ يعني: بحيث يكون محلها طيباً بعدما كان فيه قذر ونجاسة. وأما الاستنجاء فهو مأخوذ من النجو وهو القطع، ومن المعلوم أن الماء هو الذي يقطع النجاسة ويزيلها، بخلاف الحجارة؛ فإنها لا تقطع، ولكنها قد يُكتفى بها؛ وقد لا يكتفى بها، يعني: إذا تجاوز الخارج محل الخروج بأن انتشر البول على غير محله من الذكر فهذا لا بد له من الماء، وأما إذا كان مجرد مكان الخروج فإن الحجارة تكفي، أما الماء فهو الذي يقطع نهائياً ويزيل، ويغني عن غيره، ولا يغني عنه غيره في إزالة النجاسة كلياً، ولكن الحجارة قد تجزئ فيما إذا لم يتجاوز الخارج موضع العادة، كما في الترجمة السابقة: الاجتزاء في الاستطابة بالحجارة دون غيرها؛ يعني: دون الماء، لكن هذا ليس على إطلاقه، فإذا تجاوز محل الخروج فلا بد من الماء.فالاستنجا
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (25)


    تابع باب النهي عن الاستنجاء باليمين - باب دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء

    من آداب قضاء الحاجة دلك اليد بالأرض بعد الاستنجاء لإزالة ما علق بها من أوساخ ونجاسات، وينوب عنها مواد الغسل الحديثة من الصابون وغيره.

    تابع النهي عن الاستنجاء باليمين

    شرح حديث سلمان في النهي عن الاستنجاء باليمين

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي وشعيب بن يوسف واللفظ له عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور والأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان رضي الله عنه، أنه قال: (قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة، قال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، ويستقبل القبلة، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار)].أورد النسائي: حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه، أنه قال المشركون: (نرى صاحبكم يعلمكم حتى الخراءة، فقال: أجل، نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن نستقبل القبلة) يعني: عند قضاء الحاجة، (ألّا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، فحديث سلمان هذا سبق أن تقدم فيما مضى، وأورده هنا من أجل ما اشتمل عليه مما ترجم له وهو: المنع من الاستنجاء باليمين.والمشرك
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (26)


    باب التوقيت في الماء - باب ترك التوقيت في الماء

    من حرص الشريعة على الطهارة أن فرقت بين الماء القليل والماء الكثير، فجعلت الماء القليل يتأثر بالنجاسة ولو لم تظهر عليه, وأما الكثير فإنه لا ينجس حتى يظهر أثر النجاسة في لونه أو طعمه أو ريحه، كما أنه من القواعد الشرعية المهمة أن أدنى المفسدتين ترتكب لأجل دفع أعظم المفسدتين، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بترك الأعرابي يتم بوله في المسجد.
    التوقيت في الماء

    شرح حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التوقيت في الماء.أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال: (سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من الدواب والسباع؟ فقال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) ]. يقول النسائي رحمه الله: باب التوقيت في الماء, والمقصود من ذلك: التحديد، يعني: ما هو مقدار الماء الذي إذا وقعت فيه النجاسة تؤثر فيه؟ وما هو الذي لا تؤثر فيه النجاسة؟وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تنتابه السباع والدواب، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).فالرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن الماء يكون في الفلاة تأتي إليه السباع فتشرب منه وتخوض فيه، فهل ينجس أو لا ينجس؟ فأجاب النبي عليه الصلاة والسلام ببيان تحديد للماء إذا بلغه لا تؤثر فيه النجاسة، وإذا نقص عنه وقل عنه فإن النجاسة تؤثر فيه.والمقصود من هذا: أن الماء إذا بلغ أكثر من قلتين فإذا وقعت فيه نجاسة ولم تغير له لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فإنه يكون طاهراً ولو وقعت فيه النجاسة، أما إذا غيرت لونه أو طعمه أو ريحه فإنه يكون نجساً، وقد جاء في ذلك حديث آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، ولكن جاء في ذكر تغير الطعم واللون والريح زيادة على هذا الحديث جاء زيادة: (إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه) وهذه الزيادة في أحد رواتها ضعف، ولكن العلماء أجمعوا عليها، فهي محل إجماع من العلماء، يعني: ما تقتضيه هذه الزيادة، وما تدل عليه الزيادة هو محل إجماع، فلا خلاف بين العلماء أن النجاسة إذا وقعت في الماء, وأثرت فيه لوناً أو طعماً أو ريحاً فإنه يعتبر نجساً.والحديث الذي معنا يدل على أن ما قل عن القلتين, ولم يبلغ القلتين فإنه يكون نجساً, ولو لم يتغير لونه وطعمه وريحه؛ لوقوع النجاسة فيه، ولا يحتاج الأمر فيه إلى التغير، وما زاد على القلتين، وهو الماء الكثير لا تؤثر فيه النجاسة ما لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا وقعت فيه وهو دون القلتين فإنه ينجس وإن لم تغير له لوناً أو طعماً أو ريحاً، أما إذا غيرت لونه وطعمه وريحه وهو قليل فهو مثل الكثير، وأما إذا لم تغير فحديث القلتين هذا يدل على أنه ينجس، وقد جاء في بعض روايات حديث القلتين بدل (لم يحمل الخبث)، (لم ينجس).وحديث القلتين رواه أصحاب السنن الأربعة, والإمام أحمد, والدارمي وغيرهم، وصححه جماعة من أهل العلم منهم: الطحاوي, وابن خزيمة, وابن حبان, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر، فكل هؤلاء صححوا الحديث.وأما ابن القيم فإنه في كتابه تهذيب السنن ضعفه، وأطال الكلام في تضعيفه، وبيان ضعفه، وأنه لم يثبت، وقد أعل بالاضطراب، يعني: أن الوليد بن كثير أحد رواته قالوا: إنه اضطرب، فكان يرويه مرة عن محمد بن جعفر بن الزبير، ومرة عن محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعض الطرق عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وفي بعضها عن عبيد الله بن عبد الله، قالوا: وهذا اضطراب يؤثر فيه، والذين صححوه قالوا: إن الاضطراب لا يؤثر؛ لأن هؤلاء ثقات، وسواءً كان عن هذا أو هذا ، وممن صححه من المتأخرين: الشيخ الألباني في إرواء الغليل، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي، وقد قال الشيخ أحمد شاكر: إن ما ذكر من اضطراب الوليد بن كثير فيه وأنه يرويه أحياناً كذا وأحياناً كذا، قال: إنه يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر ومحمد بن جعفر بن الزبير، وكل منهما يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وعن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه، قالوا: وهذا لا يؤثر ولا يعتبر اضطراباً.وقوله: (لم يحمل الخبث) يعني: أنه يدفع الخبث عن نفسه, ويأبى النجاسة، إذا بلغ هذا المقدار، وهو بمعنى: (لم ينجس) في الرواية الأخرى، وفي بعض الروايات: (لم ينجس) ، وفي بعضها: (لم يحمل الخبث)، وهي بمعنى هذه، ومعناها: أنه يدفع النجاسة ولا تؤثر فيه النجاسة إذا كان كثيراً، هذا هو معنى (لم يحمل الخبث).والقلتان قيل في تقديرهما: إنهما بمقدار خمس قرب، وقيل غير ذلك.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث)

    قوله: [ أخبرنا هناد بن السري والحسين بن حريث ].أما هناد بن السري فهو: هناد بن السري أبو السري، وذكرنا: أن كنيته توافق اسم أبيه، وذكرنا فيما مضى: أنه خرج له البخاري في خلق أفعال العباد، وخرج له مسلم, والأربعة.وأما الحسين بن حريث، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، فقد خرج له البخاري, ومسلم, وأبو داود, والترمذي, والنسائي، ولم يخرج له ابن ماجه ، ويماثله أحد الرواة الذين خرج عنهم أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه , وهو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ابن راهويه، فهذا مثل هذا، فقد خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه .[ عن أبي أسامة ].وأبو أسامة هذه كنية، وصاحب هذه الكنية حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، ويأتي كثيراً بالكنية، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وكنيته أبو أسامة، وهو من جنس هناد بن السري، كنيته توافق اسم أبيه، وقد عرفنا فيما مضى أن معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه هذا من أنواع علوم الحديث, حتى لا يظن التصحيف فيما لو جاء بدل (ابن)، (أبو) فإن هذا صحيح وهذا صحيح، فهو حماد أبو أسامة وحماد بن أسامة، وهو من الثقات, ومن رجال أصحاب الكتب.[ عن الوليد بن كثير ].أما الوليد بن كثير فقد خرج حديثه أصحاب الكتب، وقال الحافظ عنه: إنه صدوق، وقد جاء في الإسناد عنه في بعض الروايات: محمد بن عباد بن جعفر، وفي بعضها: محمد بن جعفر بن الزبير، وكل من الاثنين ثقة، وكل منهما من رجال الجماعة، محمد بن جعفر بن الزبير مدني، وهذا مكي، فسواءً كان هذا أو هذا لا يؤثر، فـالوليد بن كثير روى عن هذا وعن هذا.[ عن محمد بن جعفر ].الذي يروي عنه محمد بن جعفر، هو في بعض الروايات: عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وقد أخرج النسائي في كتاب المياه هذا الحديث من طريق الحسين بن حريث؛ لأن النسائي روى هنا عن شيخين: هناد بن السري والحسين بن حريث، وفي أبواب المياه أورده عن الحسين بن حريث بنفس الإسناد، إلا أنه قال هناك: عبيد الله بن عبد الله، وقال: محمد بن جعفر بن الزبير، نص على ابن الزبير، وأما هنا فقال: عبد الله بن عبد الله، وقد ذكرت لكم أن الشيخ أحمد شاكر قال: إن الوليد بن كثير يروي عن محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن عباد بن جعفر، وأن كلاً منهما يروي عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وعن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله وعبيد الله ابنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.وعبد الله بن عبد الله بن عمر هو ثقة، وخرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، مثل: الحسين بن حريث لم يخرج له ابن ماجه, وخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.أما أخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر الذي جاء ذكره في بعض الروايات، فخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات.وأما عبد الله بن عمر راوي الحديث، وصحابي الحديث، مر ذكره مراراً، وأنه أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إن الحديث لم ينفرد به الوليد بن كثير، بل جاء من يرويه غير الوليد بن كثير، جاء من طرق أخرى غير طريق الوليد بن كثير، فالحديث صحيح, صححه جمع من أهل العلم كما ذكرت لكم, فقد صححه الطحاوي, وابن حبان, وابن خزيمة, والحاكم, والنووي, والذهبي, وابن حجر العسقلاني، ومن المعاصرين: الشيخ الألباني, والشيخ أحمد شاكر.
    ترك التوقيت في الماء

    شرح حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ترك التوقيت في الماء.أخبرنا قتيبة حدثنا حماد عن ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (إن أعرابياً بال في المسجد، فقام عليه بعض القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, لا تزرموه، فلما فرغ دعا بدلو فصبه عليه).قال أبو عبد الرحمن: يعني: لا تقطعوا عليه ].ثم ذكر النسائي ترك التوقيت في الماء؛ يعني: أنه ذكر في الباب الأول التوقيت في الماء، وأنه يكون قلتين، وأن ما زاد عليه لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً, فهذا بالإجماع, أما إذا نقص عن القلتين فإنه لا يحمل الخبث، يعني: لا يدفع النجاسة عن نفسه، ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ولوغ الكلب قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه) يعني: أن الماء صار نجساً، ثم أيضاً الإناء يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب, أو إحداهن بالتراب، فإذا كان قليلاً تؤثر فيه النجاسة, ولو لم تغير له لوناً وطعماً وريحاً.وهنا قال: ترك التوقيت في الماء، ثم أورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن عرابياً دخل المسجد فبال, فقام إليه بعض القوم -يزجرونه ويمنعونه وينكرون عليه- فقال: دعوه، لا تزرموه، فلما فرغ أمر بدلو من ماء فصب عليه) ثم إن أبا عبد الرحمن النسائي فسر قوله: (لا تزرموه) يعني: لا تقطعوا عليه بوله؛ يعني: دعوه يكمل البول، هذا هو معنى: لا تزرموه، أي: دعوه يعني: اتركوه.المقصود من هذا: أنه لما وجد البول وحصلت المضرة فإن المضرة لا تدفع بمضرة أضر منها؛ لأنه لو منعوه, أو استمروا في زجره وقام فإنه سيقع البول في أماكن متعددة في المسجد لا ينتبه لها وسيقع على جسده, وعلى ثيابه, وعلى أماكن في المسجد لا يهتدى إليها، بخلاف لو ترك يكمل بوله ثم يصب عليه ماء، فإن النجاسة تكون محصورة ومعروف مكانها، فيصب عليها الماء فتطهر الأرض.ولهذا فالحديث يدل على قاعدة من قواعد الشريعة، وهي: أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل التخلص من أشدهما؛ يرتكب أخف الضررين إذا وجد ضرران وحصلا، ولا بد من أحدهما، فارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما هو المطلوب، وهذا هو الذي تقتضيه قواعد الشريعة، وهذا الحديث يدل لهذه القاعدة؛ لأنه لما وجد البول حصل ضرران، وقوع البول في المسجد ضرر، وقطعه فيه ضرر آخر، وهو أن هذا الرجل عندما يمنع ويزجر يصيب البول ثيابه وجسده ويقع في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فكونه يستمر في بوله وينتهي من البول أولى من كونه يقطع عليه فعله، ثم ينجس ثيابه وجسده, وتقع النجاسة في أماكن من الأرض لا يهتدى إليها، فهذا دليل لهذه القاعدة وهي ارتكاب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، وعند وجود الضررين يرتكب أخفهما ويدفع أشدهما.ومن أمثلة هذه القاعدة: قول الله عز وجل: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا [الأنعام:108]، فلما كانت مسبة المسلمين لمعبودات الكفار ولمن يعبدهم الكفار حقاً ومصلحة, لكن قابلتها مفسدة أشد منها، وهي: كون المشركين يسبون الله فإنه لا تسب آلهتهم لئلا يسبوا الله، فسب آلهتهم مصلحة، ولكن إذا ترتب عليها مفسدة أكبر فإنها تترك، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة أخرى من قواعد الشريعة، وهذه الآية تدل عليها.أما الحديث الذي معنا فهو يدل على أنه إذا وجد ضرران فإنه يترك أشدهما بارتكاب أخفهما، وارتكاب الأخف هو ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الأعرابي يبول حتى يفرغ، والأشد الذي ترك هو أنه بالإضافة إلى ما حصل من نجاسة في المسجد يضاف إلى ذلك وقوع قطرات من البول في أماكن من المسجد لا يهتدى إليها، وكذلك وقوعها على جسده وعلى ثيابه، وهذه مفسدة أكبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ارتكاب المفسدة الأخف في سبيل التخلص من المفسدة الأكبر.وفي الحديث دليل على أن الأرض تطهر إذا وقعت فيها النجاسة بصب الماء عليها، وأنه لا يحتاج إلى حفر الأرض، وإلى حفر التراب، ونزع التراب الذي وقعت عليه النجاسة وإخراجه من المسجد، وإنما يكفي أن يصب عليه ماء، فإنه يطهر بذلك.ومقصود النسائي من قوله: ترك التوقيت في الماء، أنه في الترجمة الأولى قال: إن الماء إذا كان دون القلتين تؤثر فيه النجاسة، وهنا دلو من ماء صبت على نجاسة فلم ينجس ذلك الماء الذي أضيف إلى تلك النجاسة بسبب اتصاله بالنجاسة، وإنما طهرها، ففيه عدم التوقيت بالقلتين, وهذا فيه دليل على أن النجاسة إذا كانت في الأرض فماء قليل أكثر من النجاسة يصب عليها يطهرها، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من قلتين تصب عليها حتى تطهر، وإنما يصب عليها دلواً من ماء، وهو دون القلتين بكثير، ومع ذلك تطهر النجاسة، ولم يحصل التطهير بقلتين فأكثر، وإنما حصل التطهير بما دون القلتين، وهو صب الماء على الأرض التي وقعت فيها النجاسة، بحيث يكاثر عليها الماء، ويكون الماء أكثر من النجاسة التي وقعت في الأرض، فتصب عليها فيطهرها.وفي الحديث: بيان ما كان عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من الرفق بأمته عليه الصلاة والسلام، فإنه رفق بهذا الأعرابي وأمر بالرفق به، وفي بعض الروايات: (فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).وهذا بالنسبة للأرض، فقد دل الحديث على أنها تطهر بصب الماء عليها، أما لو أن إنساناً بال في إناء، أو في قدر, ثم أتي بدلو من ماء وصب على هذا البول، فلا يقال: إنه طاهر؛ لأنه يحمل الخبث, فهناك فرق بين وقوع النجاسة في الماء, وصب الماء على النجاسة, والبلاط أيضاً يصب عليه ماء يكاثر ثم يزول ويطهر, لكن لو أن إنساناً بال في قدر وصبينا عليه دلواً فلا نقول: إن هذا الدلو الذي صببناه يصير طاهراً؛ لأنه خالطته النجاسة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن أعرابياً بال في المسجد... فلما فرغ دعا بدلو فصب عليه)

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ]. هو قتيبة بن سعيد، وقد مر ذكره مراراً في الأسانيد المتقدمة، وهو من رجال الجماعة، وهو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ حدثنا حماد].وهنا حماد غير منسوب، والذي اشتهر بهذا اثنان، وهما في طبقة واحدة: حماد بن زيد, وحماد بن سلمة، ولهذا يقولون في بعض الرواة عندما يترجمون لهم: روى عن الحمادين، أو روى عنه الحمادان؛ إذا كان هو تلميذاً لهما. وهنا جاء مهملاً؛ لأنه قال: حماد غير منسوب، فيحتمل أن يكون حماد بن زيد، ويحتمل أن يكون حماد بن سلمة، ولكن حماد بن سلمة قالوا عنه: هو أثبت الناس في حديث ثابت، وهنا يروي عن ثابت البناني، فهو حماد بن زيد. وهذا النوع يسمونه: المتفق والمفترق. ولكن إذا حصلت تسميته في بعض الطرق فهو المعول عليه؛ لأن من طرق معرفة المهمل أن يسمى في بعض الطرق، فإذا كان مسمى عند البخاري, ومسلم فهو المعتبر، وهو: حماد بن زيد ، وحماد بن زيد سبق أن مر بنا ذكره، وهو حماد بن زيد بن درهم، وهو ثقة, ثبت, حافظ, من رجال الجماعة.وأما حماد بن سلمة فقد سبق أن ذكرت لكم أنه مماثل لـحماد بن زيد أنه ثقة, ثبت, حافظ، إلا أن الحافظ أشار إلى أنه عابد؛ الذي هو: حماد بن سلمة، أضاف إليه وصف كونه عابد، ولكن البخاري لم يخرج له إلا تعليقاً، وخرج له مسلم, والأربعة, ولم يخرج له البخاري إلا تعليقاً، بخلاف حماد بن زيد؛ فإنه خرج له أصحاب الكتب كلهم, والبخاري خرج له في الصحيح.فالذي في الإسناد حماد بن زيد وليس حماد بن سلمة؛ لكونه مسمىً ومنسوباً عند البخاري, ومسلم في إسناديهما.وهذا -كما قلت- يسمى المتفق والمفترق، أن تتفق أسماء الرواة, أو أسماؤهم مع أسماء آبائهم, وتختلف أشخاصهم، فإذا اتفق الراويان في الاسم، واختلفا في اسم الأب، أو اتفقا في الاسم واسم الأب واختلفا في الجد, فهذا يسمونه المتفق والمفترق، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث.[عن ثابت].هو ثابت بن أسلم البناني، وهو من الثقات، وهو من رجال الجماعة، وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أنس بن مالك].صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام وخادمه، وقد مر ذكره مراراً في الأحاديث الماضية.وهذا الإسناد: قتيبة عن حماد عن ثابت عن أنس هو أقصر الأسانيد، أومن أقصر الأسانيد التي هي عند النسائي؛ لأن أقصر الأسانيد عند النسائي الرباعيات، فليس عنده أحاديث ثلاثيات، فهذا من أقصر الأسانيد عنده.
    حديث: (بال أعرابي في المسجد فأمر النبي بدلو من ماء فصب عليه) وتراجم رجال إسناده
    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا قتيبة حدثنا عبيدة عن يحيى بن سعيد عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (بال أعرابي في المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)].أورد النسائي حديث أنس بن مالك من طريق أخرى، وهي بمعنى الطريق السابقة: (أن رجلاً بال في المسجد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه)، فهو بمعنى الحديث المتقدم، والصحابي واحد. قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو المتقدم في الإسناد الذي قبله، وفي أول إسناد عند النسائي؛ لأن أول حديث عند النسائي شيخه فيه قتيبة بن سعيد، وقد جاء ذكره كثيراً في الأسانيد، وهنا في هذين الطريقين شيخ النسائي فيهما قتيبة بن سعيد. [حدثنا عبيدة].هو عبيدة بن حميد بن صهيب، وليس عُبيدة كما في بعض النسخ مضبوط بضم العين , فهذه النسخة التي معنا هو ليس عبيدة وإنما هو عبيدة، بل ليس في رجال النسائي شخص يقال له: عبيدة، بالضم، فكل من عند النسائي فهو عبيدة، بالفتح. وعبيدة بن حميد بن صهيب هذا صدوق, نحوي, ربما أخطأ, أخرج له البخاري والأربعة, ولم يخرج له مسلم. [عن يحيى بن سعيد].هو: الأنصاري، وعبيدة هذا ذكروا في ترجمته أنه روى عن قتيبة، وروى عنه قتيبة، وروى هو عن يحيى بن سعيد الأنصاري. و يحيى بن سعيد الأنصاري هو المدني الثقة الذي خرج حديثه الجماعة، وهو من طبقة التابعين؛ لأنه يروي عن أنس بن مالك وفي طبقته شخص آخر يقال له: يحيى بن سعيد بن حيان أبو حيان.فـيحيى بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد التيمي هما في طبقة التابعين، ويحيى بن سعيد القطان ويحيى بن سعيد الأموي في طبقة شيوخ شيوخ البخاري، يعني: شيوخ البخاري يروون عنهم، فهناك أربعة أشخاص من رواة الصحيحين، وهما اثنان في طبقة، واثنان في طبقة، يحيى بن سعيد القطان, ويحيى الأموي في طبقة شيوخ شيوخ الشيخين، ويحيى بن سعيد الأنصاري , ويحيى بن سعيد التيمي هذان في طبقة التابعين، في طبقة متقدمة.

    حديث: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال... ثم أمر بدلو فصب عليه) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله عن يحيى بن سعيد قال: سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: (جاء أعرابي إلى المسجد فبال، فصاح به الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركوه، فتركوه حتى بال، ثم أمر بدلو فصب عليه) ].أورد النسائي حديث أنس من طريق أخرى عن يحيى بن سعيد غير الطريق الأولى؛ لأن الطريق الأولى عن قتيبة عن عبيدة بن حميد، وهنا عن سويد بن نصر عن عبد الله وهو ابن المبارك.والحديث هو الحديث السابق من طريق أخرى؛ حديث بول الأعرابي في المسجد، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصب دلو من ماء عليه. قوله: [ أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله ].سويد بن نصر المروزي ثقة، خرج حديثه الترمذي , والنسائي، ويقال: إنه راوية عبد الله بن المبارك، ولهذا لما أبهم عبد الله هنا عرف بأنه عبد الله بن المبارك؛ لأنه هو الراوي عنه، وهو راويته الذي هو سويد بن نصر، وهما مروزيان: عبد الله بن المبارك المروزي وسويد بن نصر المروزي. فإذاً: عبد الله هذا المهمل الذي لم يسم هو عبد الله بن المبارك، وعبد الله بن المبارك قد مر بنا ذكره، وقال عنه الحافظ : إنه ثقة, حافظ, حجة, جواد, مجاهد، جمعت فيه خصال الخير. هذا ما يتعلق بهذا الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهذه الطرق الثلاثة التي ذكرها النسائي هي لحديث أنس بن مالك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (27)


    تابع باب ترك التوقيت في الماء - باب الماء الدائم

    الماء بطبيعته يحتوي على قوة دافعة للنجاسة، ولهذا جعله الشرع مزيلا للنجاسات؛ ولكن هذا الماء يتأثر بالنجاسة إذا وردت عليه؛ ولهذا نهى الشرع عن البول في الماء الدائم الذي لا يتحرك حتى لا يتأثر بالنجاسة الواردة عليه، خاصة إذا كان الماء دون القلتين.
    تابع ترك التوقيت في الماء

    شرح حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك التوقيت في الماء.أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم عن عمر بن عبد الواحد عن الأوزاعي عن محمد بن الوليد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (قام أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه, وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) ].فهذا الحديث: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هو أحد الأحاديث التي أوردها النسائي في باب: ترك التوقيت في الماء، وعرفنا في الدرس الفائت المراد بالتوقيت، وأنه التحديد الذي يفصل به بين الماء القليل والماء الكثير؛ الماء الكثير الذي لا تؤثر فيه النجاسة إذا وقعت فيه, إلا إذا غيرت له لوناً وطعماً وريحاً، والماء القليل الذي تؤثر فيه ولو لم تغير له طعماً ولا لوناً ولا ريحاً.وقد عرفنا أن التوقيت, أو التحديد, أو التفريق بين الماء القليل والكثير جاء في حديث ابن عمر : (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) ، وأن ترك التوقيت جاء في هذا الحديث، أي: بالنسبة لتطهير الأرض المتنجسة ببول أو غيره مما هو نجس؛ فإنها تطهر بصب الماء عليها، ولو لم يكن ذلك الماء الذي يصب كثيراً يبلغ القلتين فأكثر؛ فإن الماء القليل الذي هو دون القلتين كالدلو إذا صب على بول حصل في الأرض حصل له التطهير، وعلى هذا فيكون مثل هذا مستثنى من عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، بمعنى: أن دلواً من ماء إذا صب على نجاسة في الأرض فإنه يطهرها، ولا يقال: إن الماء قليل فيتنجس؛ لكونه باشر النجاسة في الأرض, لأنه قليل فتؤثر فيه النجاسة, فإن البول أو النجاسة إذا كانت على الأرض صب عليها ماء بمقدار الدلو, كما جاء في هذا الحديث: أن أعرابيا بال في أرض المسجد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصب عليه، فحصل له التطهير بذلك، فلو أنه لا يحصل التطهير إلا بالقلتين فأكثر لكان صب دلو على بول أصاب الأرض يجر النجاسة من البول إلى الماء؛ لكن الذي جاء في الحديث هو التطهير، وأن الأرض تطهر.ومعنى هذا: أن الماء إذا وقع على النجاسة، أو صب على النجاسة التي في الأرض فإنه يطهرها.أما العذرة فإنها تزال, ثم يصب على مكانها، والبول يصب عليه الماء وبذلك يحصل التطهير، وهذا هو معنى قول النسائي : ترك التوقيت في الماء، بمعنى, أن ماءً دون القلتين صب على نجاسة في الأرض فحصلت لها الطهارة، ولم يحصل لهذا الماء القليل الذي صب على نجاسة في الأرض أن انتقلت النجاسة إلى الماء, فصار الماء متنجساً كما كانت الأرض متنجسة، بل النجاسة التي على الأرض زالت بالماء الذي صب عليها, وهو دون القلتين.وقد عرفنا أن كون الماء يرد على النجاسة فيما إذا كان على الأرض أنه يطهرها، وليس معنى ذلك أنه كلما ورد ماء على نجاسة يطهرها؛ فإنه لو كان البول في القدر, ثم صب عليه دلو من ماء فإن الماء ينجس، ولا يقال: إنه يكون طاهراً، بخلاف البول إذا كان على الأرض, ثم صب عليه دلو, فإنها تطهر الأرض بذلك.إذاً: فلا يقال: إن ورود الماء على النجاسة مطلقاً يطهرها، بل يطهرها إذا كانت على الأرض، وأما إذا ورد الماء عليها وهي في قدر والماء قليل, فإن الماء يتنجس تبعاً للنجاسة التي في القدر.وحديث أبي هريرة هذا مثل حديث أنس بن مالك الذي تقدم من ثلاث طرق عنه، وكلها تدور على أن أعرابياً جاء وبال في المسجد، والناس تناولوه، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعوه ويتركوه، ثم إنه أرشدهم بأن يصبوا عليه دلواً من ماء, فحصل التطهير للأرض بذلك.فحديث أبي هريرة هذا يقول فيه: (جاء أعرابي فبال في المسجد فتناوله الناس) يعني: تكلموا عليه وصاحوا به؛ لأنه حصل منه أمر منكر، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه وأهريقوا على بوله دلواً من ماء؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فقد عرفنا أن هذا الحديث يدل على قاعدة عظيمة من قواعد الشرع: وهي أنه يرتكب أخف الضررين في سبيل دفع أشدهما، فإذا اجتمع ضرران: خفيف وأشد؛ فإنه إذا كان لا بد من ارتكاب واحد من الضررين, فيرتكب الأخف في سبيل التخلص من الأشد، وهنا لما وجد البول في المسجد, تعارض ضرران: أحدهما: أن المسجد حصلت له نجاسة، وذلك بحصول هذا البول من الأعرابي. والضرر الثاني: أنه إذا صيح به ومنع, فإنه يحصل بالإضافة إلى البول الذي حصل في الأرض أن تتنجس ثيابه ويتنجس جسده، ثم يقع على أماكن من المسجد قطرات من البول لا يهتدى إليها حتى تطهر، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى ارتكاب الضرر الأخف, في سبيل التخلص من الضرر الأكبر.وفيه -كما عرفنا- رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأمته. وكذلك أيضاً في هذا الحديث قوله: (إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين) التنبيه إلى هذا الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الرفق، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أرسل أحداً يوصيه بالرفق ويقول: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا).وقوله صلى الله عليه وسلم: (فإنما بعثتم ميسرين) إما أن يكون معناه: أنهم مبعوثون منه ومأمورون منه بالتيسير وعدم التعسير، والرفق وعدم الشدة، حيث يتطلب الأمر ذلك. فإذاً كونهم بعثوا لأنهم مأمورون منه بأن يأمروا بالمعروف, وينهوا عن المنكر, لكن بالرفق واللين وبالتي هي أحسن.ويحتمل أن يكون المراد: ما ذكره الله عز وجل بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] وأن هذا وصفهم وهذا شأنهم، وأن الله تعالى جعلهم كذلك، ومطلوب منهم أن يكونوا كذلك.وهذا التعليل: وهو قوله: (فإنما بعثتم) قاله بمناسبة كونهم تناولوه, وتكلموا عليه بشدة, وصاحوا به، فقال: (دعوه وأهريقوا عليه دلواً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

    تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في بول الأعرابي في المسجد

    قوله: [أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم].عبد الرحمن بن إبراهيم هذا هو الملقب بـدحيم الدمشقي، وهو من رجال البخاري , وأبي داود , والنسائي , وابن ماجه ، يعني: لم يخرج له مسلم , ولا الترمذي ، ولقبه دحيم، وهذا اللقب من الألقاب التي تشتق من الأسماء، وتؤخذ من الأسماء؛ لأن الألقاب أحياناً تكون مأخوذة من الأسماء، فـعبد الرحمن أخذ منها دحيم.ومن أمثلة ذلك: عبدان الذي كان يأتي ذكره كثيراً في أسانيد البخاري ، تقول البخاري : حدثنا عبدان قال: حدثنا عبد الله بن المبارك ، فـعبدان لقب لـعبد الله بن عثمان المروزي، وأخذ من اسمه عبد الله : عبدان. وكذلك هدبة بن خالد شيخ البخاري ومسلم ، اسمه هدبة ولقبه هداب ، يعني: مأخوذ من الاسم، يعني: تجد اللقب منحوتاً من الاسم ومأخوذاً من الاسم ويدل على الاسم، وأحياناً تكون الألقاب لا علاقة لها بالأسماء، مثل: الأعرج والأعمش ، فـالأعمش سليمان بن مهران ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز .ودحيم هذا دمشقي, خرج له أصحاب الكتب الستة إلا مسلماً والترمذي, وهو أحد الثقات.[عن عمر بن عبد الواحد].عمر بن عبد الواحد هو شيخ دحيم هذا وهو دمشقي أيضاً، وهو أيضاً ثقة من الثقات، وقد خرج له الذين خرجوا لـدحيم إلا شخصاً واحداً، وهو البخاري ، فالأول خرج عنه الأربعة: البخاري , وأبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، والثاني: خرج له الثلاثة من الأربعة الذين خرج منهم البخاري , فلم يخرج له إلا ثلاثة من أصحاب السنن، وهم: أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، وهو أحد الثقات، وهو دمشقي كالذي قبله، كتلميذه عبد الرحمن بن إبراهيم.[عن الأوزاعي].والأوزاعي هو إمام أهل الشام، وفقيه أهل الشام، ومحدث أهل الشام المعروف، الذي إذا ذكر الشام وذكر المحدثون فيها والفقهاء, ففي طليعة من يذكر: الأوزاعي ، وهو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي ، وكنيته أبو عمرو، وأبوه عمرو، وجده يعرف بـأبي عمرو .إذاً: الأوزاعي وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا من الأنواع الذي ذكرته مراراً أنه من أنواع علوم الحديث: أن تتفق كنية الراوي مع اسم أبيه، وأن فائدة معرفة ذلك: دفع التصحيف فيما لو جاء في الإسناد: حدثنا عبد الرحمن أبو عمرو الأوزاعي بدلاً من عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، وإن جاء ابن عمرو فهو على الصواب. وهو من الثقات, الأثبات, الحفاظ، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن الوليد].محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، وهو شامي أيضاً، إذاً: فالأربعة الذين مضوا كلهم من أهل الشام: عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم , وعمر بن عبد الواحد , والأوزاعي , ومحمد بن الوليد بن عامر الزبيدي فهؤلاء كلهم من أهل الشام، وهو ثقة ، وهو من رجال الجماعة إلا الترمذي ، مثل الأول، إلا أنه أضيف إليه مسلم ، يعني: الأول الذي هو دحيم خرج له الأربعة ويضاف إلى الأربعة مسلم عند هذا. إذاً: فـالترمذي لم يخرج لـعبد الرحمن دحيم ، ولا خرج لشيخه عمر بن عبد الواحد ، ولا خرج لـمحمد بن الوليد الزبيدي ، فهؤلاء الثلاثة لم يخرج لهم الترمذي.[عن الزهري].والزهري هو الإمام المشهور الذي جاء ذكره مراراً وتكراراً، والذي ذكرت لكم أنه مشهور بلفظين: إما الزهري, وإما ابن شهاب، والزهري نسبة إلى زهرة بن كلاب أخي قصي بن كلاب ، ويلتقي نسبه مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم بـكلاب؛ لأن زهرة أخو قصي ، وقصي وزهرة ابنا كلاب بن مرة ، أو ابن شهاب وهو جد من أجداده، وقد عرفنا فيما مضى أنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ، فهو مشهور بالنسبة إلى أحد أجداده، وهو شهاب ، ومشهور بالنسبة إلى جده الأعلى وهو زهرة بن كلاب ، فيقال له: الزهري, ويقال له: ابن شهاب ، وهو أحد الأئمة الحفاظ المعروفين المشهورين في المدينة.[عن عبيد الله بن عبد الله].هو ابن عتبة بن مسعود أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، الذين إذا جاءت مسألة من المسائل واتفقوا عليها قالوا: قال بها الفقهاء السبعة، يعني: اكتفاءً بهذا اللفظ دون أن يفردوا أسماءهم، كما يقال في أربعة من الصحابة: العبادلة الأربعة، ويقال: الأئمة الأربعة؛ أصحاب المذاهب الأربعة: أبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وأحمد. والفقهاء السبعة، هذا لفظ مجمل يشمل هؤلاء جميعاً، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا أحدهم، وقد ذكرتهم لكم مراراً، وأن ابن القيم جمعهم في بيت من الشعر، وذكر قبله بيتاً تمهيدياً، قال في البيتين:إذا قيل من في العلم سبحة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل: هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعبيد الله هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .[عن أبي هريرة].وأبي هريرة هو الصحابي الجليل الذي هو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً، وهو أكثر السبعة الذين وصفوا بأنهم مكثرون من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله:والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كـالخدريوجابر وزوجة النبيوله في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً، واتفق البخاري ومسلم على ثلاثمائة وخمسة وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، وانفرد مسلم بثلاثة وتسعين، فهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
    الماء الدائم

    شرح حديث: ( لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الماء الدائم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) .قال عوف: وقال خلاس : عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].أورد النسائي الماء الدائم، أي: ما يتعلق به من حيث البول والاغتسال أو الوضوء، وقد أورد فيه النسائي حديثين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أولهما: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يتوضأ منه). والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم يغتسل منه).هذا الحديث من هذين الطريقين فيه النهي عن البول في الماء الدائم، وحصول التوضؤ منه، وكذلك الاغتسال منه، والمقصود من ذلك: الماء القليل؛ لأن الماء القليل إذا حصل البول فيه نجسه، فلا يتوضأ منه هو ولا غيره؛ لأنه إذا وقعت فيه النجاسة وهو قليل فإنه ينجس, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح كما عرفنا ذلك.وفائدة معرفة الماء القليل والكثير: أن الماء الكثير لا يتنجس إلا إذا تغير لونه, أو ريحه, أو طعمه بالنجاسة، وأما القليل فإنه يتنجس بالنجاسة, وإن لم يتغير له لون أو طعم أو ريح، فالماء القليل إذا بال فيه الإنسان تنجس وبذلك يحرم نفسه من الوضوء منه، ويحرم غيره من الوضوء منه؛ لأنه صار نجساً بوقوع النجاسة فيه, ومن المعلوم أن الذي يرفع الحدث ولا ينجس إلا بالتغير هو الماء الكثير، وأما الماء القليل فينجس وإن لم يتغير.إذاً: فكون الإنسان يبول ثم يحرم نفسه منه، معناه: أن هذا لا يفعله إنسان عاقل؛ لأنه يضيع هذه الفائدة, ويضيع هذا الماء, ويحرم نفسه ويحرم غيره منه, وهذا لا يفعله إنسان عاقل، فنهى عن ذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام.ثم إن قوله: (يغتسل) مرفوع، يعني: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم, ثم هو يغتسل، أو ثم هو يبول، معناه أنه في نهاية أمره وآخر أمره يحتاج إلى الماء فيكون قد أفسده على نفسه، ويكون هو الذي جنى على نفسه؛ بحيث إذا احتاج إلى الماء للوضوء أو الاغتسال لم يجد إلا الماء الذي نجسه فيكون قد حال بينه وبين استعماله ببوله فيه، وقد جاء النهي عن البول دون ذكر الاغتسال، وجاء النهي عن الاغتسال دون ذكر البول، وهذا يدل على أنه لا يبال فيه, ولا يغتسل فيه.وفي الحديث: ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البول في الماء الراكد ), دون أن يذكر معه وضوءاً أو غسلاً، وجاء في الحديث أيضاً: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) يعني: نهي عن الاغتسال بمفرده، وهذا إنما هو في الماء القليل، أما الماء الكثير فيختلف حكمه عن الماء القليل؛ ولكن الذي ينبغي أن يتجنب البول في الماء الراكد ولو كان كثيراً, إلا إذا كان هناك حاجة تقتضيه, أو أمر يدعو إليه، وإلا فما دام أن في الأمر سعة, فعليه أن يبول في غير الماء، لكن التنجيس لا يكون إلا للماء القليل، وأما الكثير فإنه لا تؤثر فيه النجاسة، ولكن فيه تقذير له على غيره، مثل ما جاء في الحديث الآخر الذي سبق: (أنه لا يتنفس في الإناء)؛ لأنه قد يترتب على ذلك أن غيره يستقذره, وهو بحاجة إلى الماء، فتنفسه فيه يجعل غيره يعزف عنه ولا تقبله نفسه، ولا تشتهيه نفسه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: ابن راهويه الحنظلي ، وقد عرفنا أنه أحد الثقات الأثبات، وأنه خرج له الجماعة إلا ابن ماجه .[أخبرنا عيسى بن يونس].وعيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي هذا قد مر، وهو ثقة, من رجال الجماعة.[حدثنا عوف].عوف هو: ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو أحد الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب. [عن محمد].وهو ابن سيرين ، وهو أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. فرواة هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة إلا إسحاق بن إبراهيم فإنه لم يخرج له ابن ماجه ، وأما الباقون فخرج حديثهم أصحاب الكتب. وبعد أن ذكر الإسناد قال: وقال عوف ، يعني: عوف الأعرابي وهو في الإسناد الأول؛ لأن الحديث فيه طريقان إلى عوف ، أحد الطريقين: عن عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، والطريق الثاني: عن خلاس بن عمرو عن أبي هريرة. قوله: [مثله]. وكلمة: (مثله) يقصدون بها: المماثلة في المتن، يعني: أن رواية عوف عن خلاس عن أبي هريرة مثل رواية عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ، ورواية ابن سيرين موجودة بنفس المتن، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) ، ورواية خلاس عن أبي هريرة هي مثلها تماماً.وهذا هو الفرق بين: (مثله) و(نحوه)؛ لأنه إذا جاء التعبير بنحوه معناه أنه ليس اللفظ مطابقاً، وإذا قيل: مثله فاللفظ مطابق؛ فإذا ذكر الإسناد بعد الإسناد والمتن, ولم يذكر المتن في الثاني, وقيل: مثله معناه أنه مطابق للمتن الأول, ومماثل له تماماً، وأما إذا قيل: نحوه فإن معناه: أن المعنى واحد؛ ولكن فيه اختلاف في الألفاظ، فهذا هو معنى نحوه، إذاً فمثله تعني: المطابقة والمماثلة في اللفظ. ونحوه تعني: المطابقة في المعنى, مع عدم الاتفاق في اللفظ.[ وقال خلاس ].هو خلاس بن عمرو ، وهو ثقة، ويقال: إنه كان على شرطة علي رضي الله تعالى عنه.

    حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وتراجم رجال إسناده

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا إسماعيل عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) .قال أبو عبد الرحمن : كان يعقوب لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار].ثم ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى, الأول: فيه ذكر الوضوء, والثاني: فيه ذكر الاغتسال، وكلاهما فيه رفع حدث، يعني: الحدث الأصغر, والحدث الأكبر. قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].ويعقوب بن إبراهيم هو: الدورقي الذي سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ, وهو من رجال الجماعة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وكلهم رووا عنه مباشرة وأخذوا عنه. [حدثنا إسماعيل]. هو ابن علية ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن علية ، المشهور بــابن علية نسبة إلى أمه، وقد مر ذكره، وهو أحد الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يحيى بن عتيق].ويحيى بن عتيق ثقة، وقد خرج حديثه البخاري تعليقاً, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه. [عن محمد بن سيرين].ومحمد بن سيرين أحد الثقات الأثبات العباد، وهو من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهنا الإسناد مثل الإسناد الأول، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال النسائي في آخره: كان يعقوب بن إبراهيم الدورقي لا يحدث بهذا الحديث إلا بدينار، فلا أدري ما المقصود من هذا؟ يعني: هل أنه كان يأخذ على الحديث أجراً؟ لا أدري ماذا يريد النسائي بقوله هذا الكلام؟!

    مسألة أخذ الأجرة على الحديث

    مسألة أخذ الأجرة على الحديث, هذه من المسائل التي تكلم فيها العلماء في حق من يأخذ على الحديث أجراً، وقد قالوا: إنه إذا كان محتاجاً فلا بأس أن يأخذ، وقد ذكروا في بعض ما انتقد على بعض العلماء أخذ الأجر على الحديث، وأذكر منهم: الحارث بن أبي أسامة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان، وغيره: أنه كان يأخذ على الحديث أجراً، فعابوا عليه كونه يأخذ على الحديث أجراً، ولكن قال: واعتذروا له أنه كان فقيراً كثير البنات، فكان بحاجة إلى ذلك.ومن المعلوم أنه إذا احتاج إلى ذلك، وكان الأمر يتطلب أنه يجلس يحدث ويترك العمل -لأنه إما أن يجلس للتحديث, أو يترك التحديث ويبحث عن عمل- فإذا لم يتمكن من أن يبحث عن عمل، واضطر إلى أن يأخذ؛ فإن هذا لا بأس به للحاجة وللضرورة التي تقتضي ذلك.

    تحديد (سفيان) الوارد في سند حديث سلمان: (... إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة...)

    مر بنا فيما مضى إسناد حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه: ( قال المشركون: إنا لنرى صاحبكم يعلمكم الخراءة... ) برقم تسعة وأربعين، وقد مر في موضعين, والكلام في الموضع الثاني الذي فيه عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور و الأعمش وذكرت فيما مضى: أنني لم أتمكن من معرفة أي السفيانين؛ لأنه هنا غير منسوب، و عبد الرحمن بن مهدي في ترجمته في تهذيب التهذيب يقول: روى عن السفيانين.إذاً: عبد الرحمن يروي عن الاثنين: سفيان بن عيينة و سفيان الثوري ، وفي ترجمة سفيان الثوري روى عن الأعمش وعن منصور ، وفي ترجمة ابن عيينة روى عن الأعمش وعن منصور .فإذاً: بالنسبة للشيوخ والتلاميذ ليس هناك اختصاص؛ لأن عبد الرحمن يروي عن الاثنين، والاثنان يرويان عن منصور و الأعمش ، فليس هناك اختصاص؛ بحيث إن هذا من التلاميذ وهذا ليس من التلاميذ.إذاً: ما هي الطريقة التي يعرف بها أحدهما من الآخر؟قيل: إما أن يكون بملازمة، أو بكثرة رواية، ولكن الذي أفهمه الآن, ولم يتضح لي غيره: لما كان عبد الرحمن بن مهدي بصري, والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان الثوري كوفي, والأعمش كوفي, ومنصور كوفي ، إذاً: هم من أهل بلده، و سفيان بن عيينة مكي، فإذاً الأقرب أن يكون سفيان الثوري ، وقد ذكر لي بعض الطلاب هنا: أنه رأى في السنن الكبرى للنسائي أنه قال: رواه الثوري عن منصور و الأعمش ، وأنا بحثت في النسائي في الكبرى فما اهتديت إليه، فإن كان موجوداً, فليدلني على المكان الذي وجده فيه في السنن الكبرى، وإذا تبين بالتنصيص عليه فهذا يوضح الأمر ويبينه أكثر، ولكن كون سفيان الثوري من أهل الكوفة, والأعمش من أهل الكوفة, ومنصور بن المعتمر من أهل الكوفة, و عبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة, والبصرة قريبة من الكوفة, وسفيان بن عيينة من أهل مكة, فهذا يشعر ويستأنس به على أن المقصود هو: سفيان الثوري ، وإذا وجد أن سفيان الثوري هو الذي يروي هذا الحديث في كتب أخرى تبين هذا, فيكون الأمر أوضح وأوضح.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (28)

    (باب ماء البحر) إلى (باب الوضوء بماء البرد)

    جعل الله تعالى الماء طاهراً مطهراً إذا كان باقياً على أصل خلقته، ومن هذا ماء البحر، فهو مع ملوحته وطعمه المتغير إلا أنه طاهر مطهر، وكذلك ماء الثلج وماء البرد وإن كان متجمداً إلا أنه طاهر مطهر.
    ماء البحر

    شرح حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ماء البحر.أخبرنا قتيبة عن مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: (سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) ].يقول النسائي رحمه الله: باب في ماء البحر.وقد أورد فيه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ويكون معنا القليل من الماء، فإن توضأنا منه عطشنا، أفنتوضأ من ماء البحر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .هذه الترجمة معقودة لبيان حكم التوضؤ بماء البحر، وأنه طهور يتوضأ به كما يتوضأ بالمياه الأخرى، وأن ماء البحر كغيره من المياه, فهو طهور يحصل به التطهر.وسأل هذا الرجل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن ماء البحر هل يتوضئون منه؟ وكان عندهم شك في عدم طهوريته، ولعلهم فهموا ذلك، أو ظنوا ذلك من كونه مغايراً لسائر المياه في ملوحته الخاصة، فسألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الذي وقع في نفوسهم من التردد بماء البحر؛ لمغايرته لسائر المياه بملوحته الشديدة، فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن البحر ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ).ولم يجب النبي صلى الله عليه وسلم السائل بقوله: نعم، مع أنه يكفي في الجواب أن يقول: نعم؛ لأن السؤال: أنتوضأ بماء البحر؟ فالجواب يكون: نعم، لكنه عدل عليه الصلاة والسلام إلى التنصيص على طهوريته؛ لأنه لما رأى هذا التردد فيهم أراد أن يبين لهم أنه طهور، وأن وصف الطهورية موجود فيه، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه) .ثم قوله: (هو) الضمير يرجع إلى مكان البحر, وليس إلى الماء؛ لأنه لو كان يرجع إلى الماء لكان سياق الكلام: ماء البحر طهور ماؤه، وهذا لا يستقيم، ولكن المقصود منه: المكان الذي فيه البحر.ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى هذا التردد منهم في طهوريته, بين أمراً آخر قد يترددون فيه، وهو حل الميتة، فأضاف عليه الصلاة والسلام في الجواب بيان حكم آخر وهو: حل ميتة البحر، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .وقوله عليه الصلاة والسلام: (الحل ميتته) المقصود بالميتة: الحيوانات التي لا تعيش إلا فيه، هذا هو المقصود من الميتة التي تكون حلالاً، وهذا واضح، ولا يدخل فيه ما لو جاءت حيوانات البر وماتت في البحر, فإنها وإن قيل: إنها ميتة بحر إلا أنها لا يشملها الحديث؛ لأن الحديث يشمل ما لا يعيش إلا بالماء، هذا هو الذي يكون ميتته حلالاً.أما ما مات فيه من الحيوانات التي لا تعيش فيه وهي التي تعيش في البر، وقعت في البحر فماتت فيه فهي وإن صدق عليها أنها ميتة بحر؛ لأنها ماتت في البحر إلا أنها ليست الميتة التي عناها رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأن هذه حكمها واحد، سواءً ماتت بماء البحر أو ماتت بماء غير ماء البحر فهي حرام.وقد بين عليه الصلاة والسلام هذا الحكم في هذا الحديث الذي لم يسأل عنه, ولكنه أضافه في الجواب؛ لأن المقام يقتضيه، وهذا من كمال بيانه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا قالوا: في الحديث دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر وكان هناك شيء يقتضي المقام إضافته في البيان فإن ذلك جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الوضوء بماء البحر فأجاب وأضاف إلى الجواب أمراً يقتضيه المقام.
    تراجم رجال إسناد حديث: (... هو الطهور ماؤه الحل ميتته)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].وهو: ابن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني الذي مر ذكره كثيراً، وهو من رجال الجماعة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة كما عرفنا ذلك فيما مضى.[عن مالك].إمام دار الهجرة، مالك بن أنس الإمام المشهور، العلم الذي قال عنه البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: مالك عن نافع عن ابن عمر .[عن صفوان بن سليم].ثقة, خرج حديثه الجماعة.[عن سعيد بن سلمة].ثقة, خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[أن المغيرة بن أبي بردة من بني عبد الدار].ثقة, خرج حديثه الأربعة, وهو كتلميذه الذي روى عنه وهو سعيد بن سلمة ، كل من الاثنين روى لهم أصحاب السنن الأربعة, ولم يرو لهم البخاري , ومسلم .والحديث صحيح، وهو من الأحاديث الصحيحة التي صححها البخاري وهي خارج الصحيح، وهنا يدل على أن البخاري ليس كل ما كان صحيحاً يودعه في كتابه الجامع الصحيح، فإنه إنما أودع بعض الصحيح, ولم يودع كل الصحيح، ولهذا فإن حديث أبي هريرة في الوضوء بماء البحر صححه البخاري ، ونقل عن البخاري تصحيحه ومع ذلك لم يورده في صحيحه.وقد صححه كثيرون من أهل العلم، وابن حجر العسقلاني في ترجمة المغيرة بن أبي بردة هذا في تهذيب التهذيب عزا تصحيحه إلى عشرة من المحدثين, وسرد أسماءهم: فلان, وفلان, وفلان، ثم قال: وآخرون، بعدما سرد عشرة أسماء من المحدثين صححوا حديث أبي هريرة هذا قال: وآخرون؛ يعني: أنه صححه غير العشرة هؤلاء الذين سماهم، ومنهم: الطحاوي , الترمذي , ابن خزيمة , وابن حبان , وعدد كبير من المحدثين صححوا هذا الحديث.
    الوضوء بالثلج

    شرح حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بالثلج.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) ].أورد النسائي باب: الوضوء بالثلج، وأورد بعده ترجمة: باب: الوضوء بماء الثلج، والمقصود من هذا: بيان أن الثلج طاهر مطهر، وماؤه إذا ذاب فهو أيضاً طهور مطهر، وأنه تحصل الطهارة به ويتوضأ به.وهنا قال: الوضوء بالثلج؛ ومعنى هذا: أن الإنسان إذا استعمل الثلج في الوضوء سواء كان الثلج جامداً ,أو غير جامد, كالذي يسقط ويركب بعضه على بعض, فيكون مثل القطن، والناس يخوضون فيه ويمشون في هذا الثلج الذي بعضه فوق بعض؛ فإنه تحصل الطهارة بالثلج، فلو أن إنساناً استعمل قطعة من الثلج وأجراها على جسده وذابت وهو يتوضأ بها فإن الوضوء بذلك صحيح؛ لأنه وضوء من ماء.وأورد فيه حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا كبر في صلاته - في الصلاة الجهرية- سكت هنيهة, ثم بدأ في القراءة، فسأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلاً: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما تقول بين التكبير والقراءة؟) يعني: بين تكبيرة الإحرام والقراءة؛ لأنه يسكت بينهما، فسأله ما الذي يقوله في ذلك، وهذا يدلنا على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من السؤال عن أمور الدين، وأنهم قاموا بنقل الشريعة والبحث عما يحتاج الناس إليه, حيث سأل أبو هريرة هذا السؤال لرسول الله عليه الصلاة والسلام, فأخبره عليه الصلاة والسلام بأنه يقول هذا الدعاء: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) . فهذا دعاء من أدعية الاستفتاح، ومن أدعية الاستفتاح: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض). ومنها: (سبحانك اللهم وبحمدك..)، فهذه أنواع من الاستفتاحات، وكلها حق، وكل ما ثبت منها فهو حق لا تعارض بينها، وإذا أخذ بهذا أو بهذا أو بهذا فكله حق، فالأخذ بأي واحد منه حق، والاختلاف فيه اختلاف تنوع، وكون الواحد يختار هذه الصيغة وهذا يختار هذه الصيغة, فلا يقال: إنهم مختلفون اختلاف تضاد؛ لأن هذا ثابت وهذا ثابت، فأي واحد منها يحصل به المقصود، فالخلاف فيه خلاف تنوع، ليس خلاف تضاد، خلاف التضاد: هو الذي فيه نفي وإثبات في شيء واحد, مثل: أكل لحم الإبل هل ينقض الوضوء أو لا ينقض؟ فأحدهم يقول: ينقض, والآخر: يقول: لا ينقض، فهذا خلاف تضاد، وأيضاً واحد يقول: إنه لا تصلح الصلاة لمن أكل لحم إبل حتى يتوضأ، والآخر يقول: لا ينقض الوضوء بل يصلي ولا يتوضأ، فهذا اختلاف تضاد.واختلاف التضاد هو الذي يسوغ فيه الاجتهاد، فللمجتهد المصيب أجران, وللمجتهد المخطئ أجر واحد، أما اختلاف التنوع فكله حق؛ لأن كله ثابت عن رسول الله، فهو أنواع، فهذا اختار هذا, وهذا اختار هذا، لكن ليس اختلاف تضاد، والتضاد نفي وإثبات، وتحليل وتحريم، هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟ فهذا اختلاف التضاد، أما اختلاف التنوع فهو مثل: اختلاف أنواع التشهد، فهذا ثابت، وهذا ثابت، وهذا ثابت، فإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، وإن أتيت بهذا فأنت محق، ومثله ألفاظ الأذان,كل هذا مما ثبتت فيه السنة من أي لفظ صح وثبت, فإن الأخذ بأي واحد منها حق.والرسول صلى الله عليه وسلم أجاب بهذا الجواب، والمقصود منه ما جاء في آخره: (اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) فإذاً: هذا يدل على أن الثلج طهور يطهر به، والمقصود من ذلك: أن الذنوب ينقى منها ويطهر منها, ويتخلص منها, كما يحصل التطهير الحسي، والتطهير المحسوس بالماء والثلج والبرد، يحصل التنقية بها، قيل: وإنما نص على البرد والثلج وهي باردة؛ لأن الذنوب تؤدي إلى النار، والنار فيها الحرارة , وفيها الإحراق، فناسب أن يأتي ذكر التطهير بالثلج والبرد وهما باردان.والمقصود من إيراد النسائي للحديث: هو الإشارة إلى أن التطهير الشرعي الحسي يكون بالثلج, ويكون بالبرد, ويكون بالماء، وأنه يحصل به التطهير، وأن الثلج مثل الماء السائل يحصل به التطهير وإن كان جامداً، وإن كان أيضاً غير جامد, ولكنه ليس ذائباً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].هو: علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، وهو من رجال البخاري , ومسلم , والترمذي, والنسائي .[أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر ذكره مراراً، هو الذي روى عنه علي بن حجر السعدي ، وكذلك فإنه نسب في الذين روى عنهم علي بن حجر ، وهو ثقة, وهو من رجال الجماعة, وخرج حديثه أصحاب الكتب.[عن عمارة بن القعقاع].هو: عمارة بن القعقاع الضبي ثقة, خرج حديثه الجماعة، وهو من رجال الكتب الستة، وهو الذي يروي عن أبي زرعة ، وقد روى عنه هنا, وروى عنه في صحيح البخاري حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن..) من رواية عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة وهو آخر حديث في صحيح البخاري بهذا الإسناد.[عن أبي زرعة].هو: ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي حفيد جرير بن عبد الله صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام ورضي الله تعالى عن جرير , وسبق أن مر بنا ذكره فيما مضى في رواية عمه إبراهيم بن جرير عنه في حديث مضى، يروي فيه إبراهيم بن جرير عن ابن أخيه أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.وأبو زرعة هذا معروف بكنيته، وهو من التابعين الذين رووا عن الصحابة، وقد ذكرت فيما مضى أنه يوافقه في هذه الكنية بعض المحدثين الذين اشتهروا برواية الحديث من المتقدمين والمتأخرين: أبو زرعة الرازي , وأبو زرعة الدمشقي، أبو زرعة الرازي هو: عبيد الله بن عبد الكريم توفي سنة مائتين وأربع وستين بعد وفاة الإمام مسلم بثلاث سنوات، وقد روى عنه مسلم في صحيحه حديثاً واحداً في الدعاء، أظنه: (اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء).وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي ، اسمه واسم أبيه مثل الأوزاعي ، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو وأبو زرعة الدمشقي هو: عبد الرحمن بن عمرو ، وهما من أئمة أهل الشام إلا أن الأوزاعي متقدم في القرن الثاني، والدمشقي متأخر في القرن الثالث، وكانت وفاته سنة مائتين وإحدى وعشرين, ولم يخرج له إلا أبو داود في سننه, وأما الرازي فقد خرج له مسلم وبعض أصحاب السنن كما ذكرت ذلك فيما مضى.ومن المتأخرين الذين اشتهروا بـأبي زرعة : ابن العراقي أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين الأثري أبو زرعة ، ويقال له: ولي الدين ، ولأبيه: زين الدين ، وكنيته أبو زرعة الذي هو أحمد بن الحسين ، وهو مشهور بذلك، ومشهور بهذه الكنية، وهو متأخر؛ لأنه في القرن التاسع، وفاته سنة ثمانمائة وست وعشرين، فهؤلاء يوافقون أبا زرعة ابن عمرو بن جرير في هذه الكنية.وأما صحابي الحديث فهو الصحابي الذي تكرر في الأحاديث، وذكرنا في الدرس الماضي أن له في الكتب خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين حديثاً.
    الوضوء بماء الثلج

    شرح حديث: (...اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوضوء بماء الثلج.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء الثلج، فهناك الوضوء بالثلج, وهنا بماء الثلج؛ يعني: الثلج إذا ذاب وتحول إلى ماء سائل؛ لأنه إذا كان في حال كونه ثلجاً ليس سائلاً حتى يذوب، فإذا ذاب صار ماءً, فيقال له: ماء ثلج، والترجمة السابقة فيها ذكر الثلج دون الماء، والمقصود بها: التوضؤ بالثلج، وكما قلت لكم كون الإنسان إذا كان الثلج بعضه فوق بعض فيأخذ منه ويتوضأ فهو يتوضأ بماء، وكذلك لو أخذ قطعة من الثلج جامدة فجعل يجريها على جسده, وهي تذوب ويتوضأ بها فهو وضوء بالثلج، وكل ذلك وضوء بالماء.أما هذه الترجمة فهي: وضوء بماء الثلج؛ يعني: الماء السائل الذي ذاب، فالثلج عندما ينزل في الليل في الأماكن التي تنزل فيها الثلوج ويركب بعضها فوق بعض قد يصل أحياناً إلى متر في الارتفاع عن الأرض، ويسد الطرق ولا يستطيعون المشي؛ لأنهم لا يعرفون أثر الطريق؛ لأنه قطعة مثل الزرع مرتفع عن الأرض، فيصل أحياناً إلى متر، فإذا طلعت عليه الشمس ذاب وصار ماء، فإذا ذاب وصار ماءً فهذا هو مقصود النسائي بالترجمة: الوضوء بماء الثلج، وقد أورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد) , وهو مثل ما تقدم في حديث أبي هريرة : (بالثلج والماء والبرد) .

    تراجم رجال إسناد حديث: (... اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي ابن راهويه , الذي تقدم ذكره كثيراً، والذي ذكرنا فيما مضى عن الحافظ ابن حجر أنه يقول: يعبر بـ(أخبرنا) ولا يعبر بـ(حدثنا) وأنه خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، وقد خرجوا عنه ورووا عنه مباشرة، وهو فقيه, محدث, حافظ, ثقة.قوله: [أخبرنا جرير].هو: ابن عبد الحميد الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، ومر في مواضع متعددة فيما مضى.قوله: [عن هشام بن عروة].هو هشام بن عروة بن الزبير ، وهو من الثقات الأثبات، وهو من رجال الجماعة، وهو يروي عن أبيه.قوله: [عن عروة بن الزبير].وعروة بن الزبير هو أحد الثقات الأثبات, الذين خرج لهم الجماعة، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يتكرر ذكرهم في الأسانيد، والذين قال عنهم ابن القيم :إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجةفـعروة بن الزبير هو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين الذين كانوا في عصر التابعين، والذين يرجع الناس إلى علمهم وإلى فقههم، وإذا جاءت مسألة اتفقوا عليها قالوا: وهذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، بدل ما يسردون أسماءهم يكتفون بأن يقولوا: الفقهاء السبعة.قوله: [عن عائشة].عائشة أم المؤمنين, تقدم ذكرها مراراً.
    الوضوء بماء البرد

    شرح حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء بماء البرد.أخبرنا هارون بن عبد الله حدثنا معن حدثنا معاوية بن صالح عن حبيب بن عبيد عن جبير بن نفير قال: شهدت عوف بن مالك رضي الله عنه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على ميت، فسمعت من دعائه وهو يقول: اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) ].أورد النسائي هذه الترجمة وهي قوله: باب: الوضوء بماء البرد، ولم يأت بذكر ماء البرد, ولكنه جاء في الحديث البرد، والذي يناسبه تماماً في المطابقة هو الحديث الذي قبله، وهو قوله: (بماء الثلج والبرد) حديث عائشة ، لكن كما هو معلوم أن الثلج هو ماء إلا أنه ماء متجمد، فيصدق أن يقال عليه: ماء برد، ويصدق أن يقال عليه: برد؛ لأنه لا فرق بين تسميته ماء برد؛ لأنه يطلق على ذائبه وعلى جامده، هو أيضاً ماء وإن كان جامداً, فالبرد في حال قبل ذوبانه , فالذي يطابق الترجمة الحديث الذي قبله؛ لأن فيه ماء البرد وماء الثلج، لكن كونه أتى بماء البرد وأتى بهذا الحديث الذي فيه برد فلا فرق بين البرد وماء البرد، فالنتيجة واحدة، كله طهور، سواءً كان في حال ذوبانه وكونه سائلاً, أو كونه جامداً عند نزوله من السماء قبل أن يذوب، كل ذلك يقال له: ماء برد, كما يقال له: برد.والمقصود من ذلك: الوضوء به، وأن الوضوء يكون بالبرد كما يكون بالثلج، وهو طهور مطهر, يحصل به التطهر ويحصل به التوضؤ، ومن أجل ذلك عقد له هذه الترجمة وهي: باب: الوضوء بماء البرد، وأورد حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه شهد صلاة جنازة على ميت، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، وأوسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد) ، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث هنا: (واغسله بالماء والثلج والبرد) .

    تراجم رجال إسناد حديث: (... واغسله بالماء والثلج والبرد...) في الدعاء للميت

    قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله ].هارون بن عبد الله البغدادي, شيخ النسائي , وهو ثقة، خرج له مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ حدثنا معن ].هو ابن عيسى ، وهو من أجل أصحاب الإمام مالك ، وهو ثقة, حافظ, ومن رجال الجماعة.[ حدثنا معاوية بن صالح ].هو معاوية بن صالح بن حدير ، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة.[ عن حبيب بن عبيد ].هو حبيب بن عبيد الرحبي, وهو من رجال البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة، وهو ثقة. [ عن جبير بن نفير ].وهو من التابعين المخضرمين، وهو من الثقات، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة, مثل تلميذه الذي روى عنه وهو حبيب بن عبيد ، كل من الاثنين خرج لهم البخاري في الأدب المفرد, ومسلم , والأربعة.[ عن عوف بن مالك] .هو عوف بن مالك الأشجعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقد جاء في بعض طرق الحديث أن عوفاً لما سمع دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للميت قال: (تمنيت أن أكون أنا الميت).وعوف بن مالك ذكر عنه في الخلاصة: أن له في الكتب سبعة وستين حديثاً، اتفق البخاري , ومسلم على حديث واحد، وانفرد البخاري بحديث ، وانفرد مسلم بخمسة أحاديث.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (29)

    (باب سؤر الكلب) إلى (باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب)

    لقد حضت الشريعة على الطهارة والنظافة والبعد عن النجاسة, ومن ذلك أنها أمرت بغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات إحداهن بالتراب.
    سؤر الكلب

    شرح حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [سؤر الكلب.أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ].يقول النسائي رحمه الله: سؤر الكلب.السؤر في الأصل هو: البقية، وذلك عندما يحصل الأكل, ثم يبقى فضلة، فالفضلة يقال لها: سؤر، ولهذا يقولون: إن كلمة (سائر) في اللغة لا تستعمل إلا بمعنى الباقي، وقد قال بعضهم: إنها لا تكون بمعنى الجميع، ولهذا يأتي كثيراً في الاستعمال عند ذكر الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم: فصلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، يعني: على باقيهم. والجوهري في الصحاح يقول: إن سائر تكون بمعنى الجميع، ولا يلزم أن تكون بمعنى الباقي.والمقصود من الترجمة هو بيان حكم سؤر الكلب، وهو ما يبقى في الإناء إذا شرب منه فما حكمه؟ وحكمه: أنه نجس وتجب إراقته، ثم يغسل الإناء الذي شرب فيه الكلب، ويغسل سبع مرات، ولو لم يمس لسانه الإناء, وإنما ولغ في الماء الذي في الإناء, ولكن النجاسة تنتقل إلى سائره.وقد أورد النسائي في هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) فجاء في هذه الطريق بلفظ الشرب، وجاء في بعض الطرق الأخرى بلفظ الولوغ، والشرب كما هو معلوم واضح بأن المراد به فيما إذا شرب، أما الولوغ فإنه يشمل الشرب وغير الشرب، بمعنى: أن يدخل لسانه في الماء ويحركه سواء شرب, أو لم يشرب، هذا يقال له: ولوغ.والحكم كما جاء في الحديث: أن الولوغ- وهو: إدخال الكلب لسانه في الماء وتحريكه فيه, سواء شرب منه أو لم يشرب- فإنه ينجسه، وتجب إراقته، وذلك فيما إذا كان الإناء صغيراً، والماء قليلاً. وأما الماء الكثير وهو ما فوق القلتين فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك فيما مضى لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، وهنا التعبير بالإناء في الغالب أن المقصود به إناء يكون صغيراً ولا يبلغ القلتين، ولهذا فإن النجاسة تؤثر فيه، وينجس الماء بوجود النجاسة فيه.إذاً: فلفظ الشرب كما جاء في هذا الحديث ليس الأمر خاصاً بالشرب, وأنه لو أدخل لسانه ولم يشرب فإن الحكم يختلف, لا، بل لو أدخل لسانه ولم يشرب, فإن النجاسة حاصلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) لأن لفظ الولوغ يشمل الشرب وغير الشرب، والحديث جاء بذكر الشرب وجاء بذكر الولوغ، فلا تنافي بين ذكر الشرب وذكر الولوغ؛ لأن الشرب بعض ما يندرج تحت الولوغ، فالولوغ أعم من الشرب، والشرب جزء من الولوغ.إذاً: فالحكم لا يختص بالشرب، بل بالولوغ, شرب أو لم يشرب، تحصل النجاسة وتجب إراقة الماء، ويجب غسل الإناء سبع مرات.والحديث دل على أنه يجب غسل الإناء سبع مرات، وهذا جاء في هذه النجاسة الخاصة، وهي ولوغ الكلب في الإناء فإنه ينجسه، وتطهيره يكون بغسله سبع مرات، وما جاء في بعض الروايات من الأمر بالإراقة، وفي بعض الروايات: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) يدل على أنه يتنجس، وأن الأمر بالغسل سبعاً إنما هو للنجاسة، وليس لمجرد التعبد كما قال ذلك بعض العلماء؛ لأن الأمر بالإراقة يدل على النجاسة، وقوله: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً) يدل على النجاسة. إذاً: فيجب الغسل سبع مرات.وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم) هذا القيد لا مفهوم له، أنه لا يغسل إلا إذا كان الإناء للإنسان، أما إذا كان لغيره فلا, هذا لا مفهوم له, سواء كان له أو لغيره، وإنما هذا جرى على الغالب من أن الإنسان يكون إناؤه معه، وكونه يكون معه إناء غيره فهذا قليل وليس له مفهوم، بمعنى أن هذا الحكم يختص فيما إذا كان الإناء له، أما إذا كان الإناء لغيره فيختلف، لا مفهوم لهذا القيد في الإضافة في قوله: (إناء أحدكم).وكذلك في قوله: (فليغسله) أيضاً لا مفهوم له، فيمكن أن يغسله غيره، وليس بلازم أن يغسله هو بنفسه، فقوله: (فليغسله) ليس الأمر متعيناً بأن يكون الغسل من صاحب الإناء، بل المطلوب هو غسله سبع مرات، سواءً كان ذلك بفعله أو بفعل غيره، وليس له مفهوم, بمعنى: أن صاحبه هو الذي يتولاه, كما جاء في لفظ الحديث: (فليغسله)؛ لأن المطلوب هو التطهير، والمطلوب الغسل، وليس المطلوب أن يتولاه بنفسه، فلو قام غيره بالنيابة عنه أو أعطى غيره ليغسله فإن الطهارة تحصل، والمقصود يحصل.قوله: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)، لفظ الكلب هذا لفظ عام يشمل جميع الكلاب، فجميع الكلاب تدخل فيه سواءً كانت كلاب صيد، أو كلاب ماشية، أو كلاب زرع, التي أذن في استعمالها، أو من الكلاب التي لم يؤذن باستعمالها؛ لأن (أل) في الكلب للجنس، أي: لجنس الكلاب، وليس المقصود من ذلك كلاباً معينة, أو الكلاب التي جاء الشرع في الإذن باستعمالها وهي: للزرع, وللصيد, وللماشية، فكل الكلاب هذا حكمها, وهذا شأنها، ولا يختص الأمر بنوع منها دون نوع، بل هو عام في جميع الكلاب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني من رجال الجماعة، وهو ثقة حافظ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة.[عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة المشهورين الذين صار لهم مذاهب, واعتني بفقههم وبجمعه, وصار لهم أصحاب يدونون مذاهبهم ويعتنون بها، فهو أحد الأئمة الأربعة، وهو محدث فقيه، ومن أجلة العلماء وكبارهم، وقد قال البخاري : إن أصح الأسانيد على الإطلاق: رواية مالك عن نافع عن ابن عمر ، فـهذه عند البخاري السلسلة الذهبية التي تعتبر أصح الأسانيد، ومالك هو أحد رجالها رحمة الله عليه.[عن أبي الزناد].أبو الزناد سبق أن مر بنا ذكره أيضاً وهو عبد الله بن ذكوان ، وأبو الزناد هذا لقب بصيغة الكنية، وهو من الثقات, الحفاظ, ومن رجال الجماعة.[والأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز ، مشهور بلقبه، ويأتي ذكره أحياناً باللقب, وأحياناً بالاسم، فيقال: عبد الرحمن بن هرمز ، ويقال: عبد الرحمن ، ويقال: الأعرج .وقد سبق أن عرفنا أن من الأمور المهمة في علوم الحديث: معرفة ألقاب المحدثين، وفائدة ذلك: ألا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما لو ذكر باسمه في بعض المواضع, وذكر بلقبه في بعض المواضع، فالذي لا يدري أن الأعرج كنية لــعبد الرحمن بن هرمز يظن أن الأعرج شخص آخر غير عبد الرحمن بن هرمز.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، وقد سبق أن مر ذكره مراراً.إذاً: فهؤلاء الخمسة من رجال الإسناد: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج , وأبو هريرة كلهم حديثهم في الكتب الستة، والأربعة الأول الذين هم: قتيبة, ومالك , وأبو الزناد , والأعرج كلهم من الثقات الحفاظ.أما الصحابي فلا يحتاج إلى أن يقال فيه: ثقة، بل يكفيه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتاج إلى توثيق الموثقين وتعديل المعدلين, بعد أن أثنى الله ورسوله عليه الصلاة والسلام على الصحابة، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً أن يقال: إن فلاناً صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إنه من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد عرفنا فيما مضى: أن كل راو لا بد من معرفته، وإذا كان مجهولاً لا يعرف, فإنه لا يحتج به ولا يعتد به, حتى يعرف وتعرف عدالته. وأما الصحابة رضي الله عنهم فالمجهول فيهم عمدة يعول عليه, ويقبل ما جاء عنه, ولو لم يذكر اسمه، فإذا جاء في الإسناد: عن رجل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى أن يعرف اسمه، فيكفي أن يقال: إنه صحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأما غيرهم فلا بد من معرفة أشخاصهم، ولا بد من معرفة أحوالهم، ولا بد من توثيقهم وتعديلهم وتجريحهم، وأما الصحابة فإنهم لا يتكلم في عدالتهم ولا في توثيقهم؛ لأن ثناء الله عز وجل عليهم, وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم لا يحتاجون معه إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرني إبراهيم بن الحسن حدثنا حجاج قال ابن جريج : أخبرني زياد بن سعد أن ثابتاً مولى عبد الرحمن بن زيد أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات). أخبرني إبراهيم بن الحسن قال: حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: أخبرني زياد بن سعد أنه أخبره هلال بن أسامة أنه سمع أبا سلمة يخبر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله].هنا ذكر النسائي حديث أبي هريرة من طريق أخرى من غير طريق مالك ، وفيها: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات) ، وفي رواية مالك: (شرب) وهنا جاءت بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أن الولوغ أعم من الشرب، فلو أدخل لسانه في الماء وحركه فيه, فإنه قد حصلت فيه النجاسة, سواء شرب أو لم يشرب.إذاً: فهذه الرواية وهي: (إذا ولغ الكلب) تدل على عموم الحكم في حال شرب الكلب أو عدم شربه فيما إذا ولغ, بأن أدخل لسانه في الماء وحركه فيه، فهو يشمل الحالتين, وهو أعم من الشرب.والحديث هو بلفظ الحديث المتقدم، إلا أنه بلفظ الولوغ، فلا فرق بينهما إلا بلفظ الولوغ، وقد عرفنا أنه أعم مما تقدم.وقوله: (أخبرني إبراهيم بن الحسن). كثيراً ما يأتي النسائي ويقول: أخبرنا، وهنا قال: أخبرني، فما الفرق بين أخبرني وأخبرنا؟ أو حدثني وحدثنا؟الفرق بينهما: أن أخبرني وحدثني تستعمل فيما إذا حصل للراوي وحده، وليس له مشارك حين الأخذ من الشيخ؛ وأما إذا كان هو وغيره أخذوا عن الشيخ, فإنه يقول: حدثنا وأخبرنا، وأما إذا أخذ وحده وسمع وحده، أو قرأ على الشيخ وحده؛ فإنه في هذه الحال يقول: أخبرني أو حدثني، هذا هو الفرق بين لفظ الجمع ولفظ الإفراد؛ لأن لفظ الإفراد معناه: أنه تحمل وحده، ولفظ الجمع أنه تحمل مع غيره.

    تراجم رجال إسناد طريقي حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع فرات)

    قوله: [أخبرني إبراهيم بن الحسن].هو أبو إسحاق المصيصي ، وهو ثقة, خرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه لم يخرج له في السنن وإنما خرج له في التفسير.[عن حجاج].حجاج هو الذي سبق أن مر بنا ذكره, وهو ابن محمد المصيصي ، وذاك أبو إسحاق المصيصي، فكلهم ينسبون إلى المصيصة، وحجاج بن محمد المصيصي هو المعني هنا؛ لأن حجاجاً هنا مهمل لم ينسب، ولكنه في شيوخ إبراهيم بن الحسن ما ذكروا إلا الحجاج بن محمد المصيصي ، وكذلك أيضاً ذكروا في تلاميذ الحجاج بن محمد المصيصي : إبراهيم بن الحسن أبا إسحاق المصيصي .وقد عرفنا فيما مضى: أن الحجاج بن محمد المصيصي ثقة, خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج].هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، ثقة, فقيه, فاضل وكان يدلس، وهنا الحديث فيه التصريح بالإخبار؛ لأنه جاء في الإخبار قال: أخبرني الذي هو ابن جريج ، يقول: أخبرني زياد بن سعد ، فقد صرح بالإخبار وهو من رجال الجماعة، وابن جريج من رجال الجماعة. [عن زياد بن سعد].و زياد بن سعد من أصحاب مالك ، وقال ابن عيينة عنه: إنه أثبت أصحاب مالك ، وهو ثقة, من رجال الجماعة خرج حديثه أصحاب الكتب.[أن ثابتاً مولى عبد الرحمن].وهو ثابت بن عياض الأحنف الأعرج مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، يقال له: العدوي نسبة إلى بني عدي وهذه النسبة نسبة ولاء، فأحياناً يقولون: مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وأحياناً يقولون: العدوي مولاهم، يعني: مولى بني عدي, لأن بني عدي يقال لهم: العدويون، ويقال للواحد منهم: العدوي، ويقال: العدوي مولاهم أي: نسبة ولاء، وهو مولى عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري, ومسلم, وأبو داود, والنسائي.[عن أبي هريرة].وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه قد مر ذكره.أما الإسناد الثاني فهو مثل هذا الإسناد، إلا أنه يختلف عنه في شخصين، أحدهما: هلال بن أسامة ، والثاني: أبو سلمة.قوله: [عن هلال بن أسامة].هو هلال بن علي بن أسامة، وهو هنا منسوب إلى جده، وأحياناً تأتي النسبة إلى الجد، وهو ثقة من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أبي سلمة].وأبو سلمة هو الذي مر بنا مراراً وفي أول حديث من أحاديث النسائي, هو: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات الحفاظ، وهو أحد الفقهاء السبعة على قول كما عرفنا ذلك فيما مضى.والنسائي أورد الطريق الأولى التي هي من طريق ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وهي عالية بالنسبة للطريق الثانية؛ لأن زياد بن سعد في الأولى بينه وبين أبي هريرة واحد، وهو: ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد ، وفي الطريق الثانية زياد بن سعد بينه وبين أبي هريرة اثنان وهما: هلال بن علي بن أسامة وأبو سلمة ، فتعتبر طريقاً نازلة؛ لأن رجالها أكثر، والوسائط بين زياد بن سعد وبين أبي هريرة اثنان في الطريق الثانية وواحد في الطريق الأولى، فالطريق الأولى يقال لها: عالية بالنسبة للطريق الثانية.وأما قوله: (مثله) فقد عرفنا فيما مضى أن المراد بها: أن المتن مماثل للمتن الذي قبله، فالمتن هو: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم, فليغسله سبع مرات) ، هذا هو متن الإسناد الثاني، واكتفى بكلمة (مثله)؛ لأنها تؤدي ذلك المعنى فيما لو ساقه بلفظه وحروفه؛ فإن لفظ المماثلة يقتضي المساواة، بخلاف لفظ (نحو) فإنه لا يقتضي المساواة، بل يوافق في المعنى ويخالف في اللفظ، ويكون هناك تفاوت في الألفاظ، فهذا هو الفرق بين كلمة (مثله), وكلمة (نحوه), إذا جاءت محالاً فيها إلى متن سابق.ويمكن أن يكون المقصود من ذلك: وجود تعدد الطرق إلى أبي هريرة ، وأنه جاء عن أبي هريرة من طريقين: طريق ثابت , وطريق هلال بن علي بن أسامة .
    الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب

    شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الأمر بإراقة ما في الإناء إذا ولغ فيه الكلب.أخبرنا علي بن حجر أخبرنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي رزين وأبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات) .قال أبو عبد الرحمن : لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على قوله: (فليرقه) ].أورد النسائي حديث أبي هريرة أيضاً من طريق أخرى، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرات) فهو مثل الذي قبله إلا أن فيه زيادة: (فليرقه).ثم قال النسائي: (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر على لفظ: (فليرقه)، وهذه اللفظة وهي (فليرقه) تدل على أن الماء الذي يلغ فيه الكلب يكون نجساً، وأنه يراق؛ لأن إراقته تدل على نجاسته، إذ لو كان منتفعاً به ويمكن أن يتطهر به لما أمر بإراقته، ففيه دليل على نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب، وأن لعابه نجس، وأنه إذا صار في الماء فإنه ينجسه، وهذا فيما إذا كان قليلاً، وأما إذا ولغ في ماء كثير وهو ما فوق القلتين, فهذا لا تؤثر فيه النجاسة كما عرفنا ذلك، إلا إذا غيرت له لوناً أو طعماً أو ريحاً، ومن المعلوم أن ما دون القلتين ينجس وإن لم يتغير، فهذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب قد لا يتغير بمجرد أن يكون أدخل لسانه فيه.إذاً: فما دون القلتين وهو الماء القليل تؤثر فيه النجاسة وإن لم تغير له طعماً أو ريحاً أو لوناً، فإنه يتأثر بالنجاسة وينجس, ولا يجوز استعماله في الطهارة، ولا يجوز التطهر به واستعماله؛ لأنه نجس.إذاً: فالأمر بالإراقة يدل على النجاسة، ويدل على أن النجاسة إذا وقعت في سائل أنها تنتشر؛ لأنه كما هو معلوم أنه أمر بالإراقة, ثم أمر بغسل الإناء بعد أن أريق منه الماء؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء، فيدل على أن النجاسة تنتشر في السائل، وأنها تصل إلى ما لم تباشره النجاسة، ومعلوم أن الولوغ إنما هو في الماء، فالماء أمر بإراقته وأمر أيضاً بغسله؛ وما ذاك إلا لأن النجاسة وصلت إلى الإناء, فوجب غسله.وقول النسائي : (لا أعلم أحداً تابع علي بن مسهر) علي بن مسهر ثقة، وهي زيادة من الثقة, فتكون مقبولة، ثم إن الحافظ ابن حجر قد ذكر أنه وجد له متابع، لكن بطريق غير صحيح، ووجد متابع بإسناد صحيح, ولكنه موقوف وليس بمرفوع، ولكن لو لم يحصل المتابع, فعلي بن مسهر ثقة, يعتبر ما جاء عنه ثابتاً، وتعتبر زيادة من ثقة, فتكون مقبولة، وهي تدل على نجاسة الماء، وعلى إراقته لنجاسته.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه...)

    قوله: [أخبرنا: علي بن حجر].علي بن حجر بن إياس السعدي، تقدم ذكره مراراً، وهو من رجال البخاري, ومسلم, والترمذي, والنسائي، وهو من الثقات الحفاظ.[عن علي بن مسهر].علي بن مسهر أحد الثقات، وقد خرج حديثه الجماعة أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رزين وأبي صالح عن الأعمش].الأعمش هو: سليمان بن مهران ، وقد تقدم ذكره مراراً، والأعمش هو لقب يلقب به سليمان بن مهران ، وهو مشتهر بهذا اللقب، وكثيراً ما يأتي ذكره بلقبه، ويأتي أيضاً ذكره باسمه كما سبق أن مر بنا ذلك، ويقال فيه ما ذكرت قريباً بالنسبة للأعرج: أن هذه من الألقاب التي يحتاج إلى معرفتها حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين, فيما إذا ذكر مرة باسمه ومرة بلقبه. ويروي الأعمش (عن أبي رزين وأبي صالح) .وأما أبو صالح فهو ذكوان السمان، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من الثقات, ومن رجال الكتب الستة، واسمه ذكوان ، وكنيته أبو صالح، ولقبه السمان، وأحياناً يقال: الزيات؛ لأنه كان يجلب الزيت, ويجلب السمن, ويبيعهما فلقب بـالزيات ولقب بـالسمان، واسمه ذكوان ، ويأتي كثيراً ذكره بكنيته.وفي صحيح مسلم أسانيد كثيرة عنه من رواية ابنه سهيل عنه؛ سهيل بن أبي صالح عن أبيه، وأما البخاري فإنه لم يخرج لابنه سهيل شيئاً، وإنما خرج لـأبي صالح .وأما أبو رزين فهو: مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، وهو ثقة، وقد خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, ومسلم والأربعة.
    تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب

    شرح حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)

    قال المصنف رحمه الله: [باب تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب:أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت مطرفاً عن عبد الله بن المغفل: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب )].أورد النسائي: باب: تعفير الإناء الذي ولغ فيه الكلب بالتراب، وأورد فيه حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ورخص في كلب الصيد والغنم، وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة بالتراب).هذه الترجمة معقودة لتتريب الإناء الذي يلغ فيه الكلب عند غسله, وهو أنه يعفر بالتراب, ويغسل بالتراب غسلة واحدة، والتتريب ثبت في هذا الحديث, وهو عند مسلم في صحيحه، وجاء هنا بلفظ الثامنة، وهذا فيه مغايرة لما تقدم من الروايات من أن الغسل إنما هو سبع، وليس بثمان، غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب: (أولاهن بالتراب) ، وفي بعضها: (إحداهن بالتراب) ، ورواية (إحداهن) مجملة، و(أولاهن) محددة، فيكون العبرة بالأولى، وأما الثامنة فإنها تحمل على الأولى، ولكن يقال لها: ثامنة باعتبار أنه يستعمل التراب, ثم يستعمل بعده الماء الذي يباشر التراب, فتكون الغسلة الأولى معها تراب، فيكون غسله بالماء سبع مرات أولاهن بالتراب، فتكون سبعاً, ولكن لما كانت الغسلة الأولى فيها تراب وفيها ماء صارت بمثابة اثنتين، والحديث الآخر قال: (سبعاً أولاهن بالتراب) فهي واحدة من سبع، فتكون رواية الثمان محمولة على الأولى المكونة من شيئين: تراب, وماء، ثم استعمال التراب في الغسلة الأولى هو المناسب؛ لأنه أولاً يباشر ما حصل من الكلب، ثم أيضاً لو كانت الثامنة تراباً لاحتيج إلى أن يأتي بعدها ماء، ولكن جاءت الروايات الأخرى الصحيحة مبينة أن الأولى من السبع بالتراب، فتكون رواية الثامنة محمولة عليها، ويكون على هذا لا بد من السبع, ولا بد من التتريب.وبعض العلماء قال: إنه يغسل سبعاً ولا يترب، وهذا هو مذهب المالكية، وقد قال القرافي وهو من المالكية: وقد صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالعجب منهم -أي: المالكية- كيف لم يقولوا به! وقد قال هذا القرافي فيما نقله الحافظ ابن حجر عنه في فتح الباري. إذاً: فلا بد من الغسل سبعاً, يعني: لا بد من التسبيع, ولا بد من التتريب، يعني: في الأولى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ].وهذا قد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، وقد خرج حديثه مسلم, والترمذي, والنسائي, وابن ماجه, وأبو داود لم يخرج له في السنن، وإنما خرج له في كتاب القدر.[ قال: حدثنا خالد ].هو ابن الحارث الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو أحد الثقات وخرج حديثه الجماعة، وهو هنا مهمل لم ينسب، ولكن جاء في ترجمة محمد بن عبد الأعلى الصنعاني أنه روى عن خالد بن الحارث، يعني: ما ذكر في شيوخه في تهذيب الكمال من يسمى خالداً سوى خالد بن الحارث ، وقد سبق أن مر ذكر هذا الرجل فيما مضى، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً ذكروا في تلاميذه: خالد بن الحارث، وشعبة هو أحد الثقات الأثبات, الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو لقب يدل على المبالغة في التعديل، فقول: أمير المؤمنين في الحديث، إليه المنتهى في التثبت، هذه صيغ يقال عنها: إنها من أعلى الصيغ وأقواها، ولا تحصل لكل أحد، وإنما تحصل للنوادر والقلة من الرجال، فـشعبة بن الحجاج أحد الذين وصفوا بهذا الوصف, وهو من رجال الجماعة، وحديثه في الكتب الستة.[عن أبي التياح]. هذه كنيه اشتهر بها يزيد بن حميد الضبعي، خرج حديثه الجماعة، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو مشهور بكنيته أبي التياح.[قال: سمعت مطرفاً].هو ابن عبد الله بن الشخير ، وهو أحد الثقات العباد، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب، وهو فاضل.[عن عبد الله بن مغفل].وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله تعالى عن أصحابه أجمعين، وقد مر بنا ذكر هذا الصحابي فيما مضى، وقد ذكرنا فيما مضى: أن له ثلاثة وأربعين حديثاً, اتفق البخاري ومسلم على أربعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديث، كما جاء في خلاصة تذهيب تهذيب الكمال.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (30)

    (باب سؤر الهرة) إلى (باب سؤر الحائض)

    هناك حيوانات نهينا عن أكل لحمها لنجاسته مثل: الهرة والحمار الأهلي، ولكن لا بأس من استعمال سؤر هذه الحيوانات، ويدخل في هذا أيضاً سؤر الحائض من أكل أو شراب فلا مانع من الأكل والشرب من سؤر الحائض؛ لما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أمنا عائشة رضي الله عنها.
    سؤر الهرة

    شرح حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

    قال المصنف رحمه الله: [ سؤر الهرة.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة بنت كعب بن مالك: أن أبا قتادة دخل عليها ثم ذكرت كلمة معناها فسكبت له وضوءاً، فجاءت هرة فشربت منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة : فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقلت: نعم، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات )]. ‏ يقول النسائي رحمة الله عليه: سؤر الهرة. بقية الماء الذي يشرب منه, يقال له: سؤر؛ لأن السؤر بمعنى الباقي، فباقي الشيء إذا أكل منه أو شرب منه يقال لذلك الباقي: سؤر، وقد عرفنا سابقاً أن كثيراً من العلماء رأوا أن السؤر لا يكون إلا بمعنى الباقي، وأن بعض أئمة اللغة نقلوا أن السؤر يكون بمعنى الجميع -ومثله السائر يكون بمعنى الجميع- وأكثرهم قالوا: إنه لا يطلق إلا على البقية. وهذه الترجمة -وهي سؤر الهرة- أورد النسائي تحتها حديث أبي قتادة الأنصاري رضى الله تعالى عنه: أنه كان يتوضأ بماء أو سكب له ماء ليتوضأ به، فجاءت هرة لتشرب فأمال إليها الإناء حتى شربت، وتوضأ بسؤرها وبهذا الماء الذي شربت منه، وكانت كبشة بنت كعب بن مالك -وهي زوجة ابنه عبد الله بن أبي قتادة- تنظر إليه وإلى فعله كأنها مستغربة ومتعجبة من الفعل، فلما رآها تنظر إليه ذلك النظر قال: أتعجبين يا ابنة أخي؟! قالت: نعم. فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). فالمقصود من إيراد الحديث: هو تمكين أبي قتادة لتلك الهرة من الشرب من ذلك الإناء أو من ذلك الوضوء الذي قدم له ليتوضأ منه، وبين وجه استناده إلى هذا العمل -وهو تمكين الهرة من أن تشرب من ماء وضوئه- بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين والطوافات)، والمقصود من هذا أن الماء الذي تشرب منه الهرة طاهر، وأنه لا يتنجس بشرب الهرة منه، وأن ذلك السؤر الذي يبقى بعد شربها لا يقال: إنه متنجس، بل يقال: إنه طاهر ويجوز أن يتوضأ منه. والله عز وجل خفف على الناس؛ فجعل ما يحصل من هذه الدواب التي تكون مع الناس كثيراً والتي لا ينفكون عنها غالباً أنها لا تنجس ما تمسه وما تصيبه، والماء الذي تشرب منه أو الطعام الذي تأكل منه لا يقال: إنه نجس؛ بل هو طاهر؛ لهذا الحديث الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات). وتعليل النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إنما هي من الطوافين) هذا فيه الإشارة إلى التخفيف، وإلى أن الله تعالى لم يجعل على الناس من حرج في دينهم، فهذه الدواب التي تكون معهم في البيوت كالهرة، فإن ما تشرب منه أو تأكل منه لا يقال: إنه متنجس فيراق ويتلف، وإنما هو طاهر يمكن استعماله، ويسوغ استعماله لمن أراد ذلك. وقوله: (إنما هي من الطوافين والطوافات)، قيل: إنه تشبيه لها بالخدم الذين يطوفون على الناس في الخدمة وأنهم لا ينفكون عنهم، فهذه مماثلة لهم في عدم انفكاكها، فيسر الله عز وجل وخفف على الناس، ولم يشق عليهم، وجعل ما تصيبه تلك الدواب -التي هي الهرة- لا يؤثر شيئاً على ما تصيبه من مأكول أو مشروب؛ بل هو طاهر لدخول ذلك تحت قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات).

    تراجم رجال إسناد حديث: (إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات) في سؤر الهرة

    قوله: [ أخبرنا قتيبة ].قتيبة هذا تكرر ذكره كثيراً، وهو من شيوخ النسائي الذين أكثر عنهم، ولهذا نجد أن في الأحاديث السابقة أحاديث عديدة كلها من روايته عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو أحد الحفاظ الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب ومنهم النسائي.[ عن مالك ].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وهو من الأئمة الكبار، ومن أهل الحفظ والإتقان، ومن المعروفين بالإمامة، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة الذين اعتني بفقههم، ودون فقههم، وصار لهم أصحاب عنوا بما جاء عنهم من المسائل الفقهية ودونوها، وهو إمام جمع بين الحديث والفقه، فهو محدث كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد في كتب السنة، وهو فقيه كما هو معلوم من كتابه الموطأ، وكما هو موجود في المسائل التي تنقل عنه وتعزى إليه في المسائل الفقهية، وعند ذكر الخلاف في المسائل وأراء العلماء يذكرون قوله ويذكرون كلامه في المسائل.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق من الثقات الحفاظ، ومن أهل المدينة، وخرج حديثه أصحاب الكتب -كما سبق أن مر بنا ذلك- وهو ثقة.[ عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة ].حميدة بنت عبيد بن رفاعة هي زوجة إسحاق، وهو يروي عنها، قال عنها الحافظ في التقريب: إنها مقبولة، ومعنى هذا: أنه يقبل حديثها إذا اعتضد، ومن العلماء من قبل حديثها بدون البحث عن المعتضد وقالوا: لأنه من رواية مالك ، وبعض العلماء يقول: ما يأتي عن طريق مالك فإنه حجة، لكن المعروف عند المحدثين والمعروف من قواعدهم أن من يكون كذلك فإنه لابد من معرفة منزلته من القبول أو الرد، أو صحة حديثه أو ضعفه، وقد ذكر بعض العلماء أن الحديث له شواهد من غير هذا الطريق، فيكون الحديث ثابتاً لا بمجرد هذا الإسناد وحده، ولكن بالطرق الأخرى التي جاءت معاضدة ومؤيدة له.[ عن كبشة بنت كعب بن مالك ].قيل: إنها صحابية، ومن المعلوم أن الصحابة لا يسأل عنهم، ولا يحتاجون إلى شيء أكثر من أن يوصف الواحد منهم بأنه صحابي، فإذا ما حصل على هذا الوصف فإنه حصل على أعلى المراتب، وأفضل المراتب التي هي وصف الصحبة التي لا يعادلها شيء والتي لا يماثلها شيء، ولهذا لا يحتاج إلى أن يذكر بعدها توثيق ولا تعديل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم لا يحتاج بعد ثناء الله عليهم وثناء رسوله إلى تعديل المعدلين وتوثيق الموثقين، فيكفيهم شرفاً وفضلاً ونبلاً ما حصل لهم من الثناء في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.وكبشة تروي عن والد زوجها أبي قتادة ؛ لأنها زوجة عبد الله بن أبي قتادة ، فإذاً: هي تروي عن والد زوجها أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه.[ أن أبا قتادة ].أبو قتادة هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بجهاده، وكونه من الفرسان الشجعان، وقد تقدم ذكره في بعض الأحاديث الماضية.وفيما يتعلق بـحميدة وكبشة فهما من رواة أصحاب السنن الأربعة؛ يعني: ليس لهما رواية في الصحيحين، وإنما روايتهما في السنن الأربعة، وخرج حديث هاتين الراويتين: حميدة وكبشة أصحاب السنن الأربعة. أما أبو قتادة الأنصاري فخرج حديثه أصحاب الكتب، فحديثه موجود في الكتب الستة.إذاً: هؤلاء الرواة الأربعة: قتيبة بن سعيد , ومالك بن أنس , وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، وأبو قتادة الأنصاري ، هؤلاء الأربعة حديثهم في الكتب الستة، وأما المرأتان المذكورتان في الإسناد فحديثهما في كتب السنن الأربعة.
    سؤر الحمار

    شرح حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب سؤر الحمار.أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد حدثنا سفيان عن أيوب عن محمد عن أنس ، قال: أتانا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس) ].هنا أورد النسائي هذه الترجمة وهي: سؤر الحمار، وأورد فيه حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في قصة غزوة خيبر وما حصل فيها من إقدامهم على ذبح الحمر الأهلية وطبخها، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع أكلها، وأنهم كفئوا القدور ورموا ما فيها وغسلوها، وجاء في النداء: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وجاء في بعض الروايات: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر؛ فإنها رجس)، وهذا الحديث جاء في قصة خيبر وفي تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وأن ذلك حرم في تلك السنة، وأن الصحابة لما أقدموا على طبخها وجعلها في القدور والإيقاد عليها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي بتحريم ذلك ومنع ذلك، فبادروا إلى إكفاء القدور وإلى غسلها.وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها رجس) قوله: (إنها) يرجع إلى لحومها أو إلى الحمر نفسها، وقيل في معنى (رجس) أنها بمعنى القذر، وقيل: إنها بمعنى النجس. والدليل على ذلك أنهم لما أكفئوا القدور غسلوها، يعني: من النجاسة، ومن المعلوم أنهم لما ذبحوها صارت ميتة، ومن المعلوم أن ما لم يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه حلاً؛ لأن ما يؤكل لحمه إذا ذكي صار طيباً ولم يكن نجساً، أما إذا مات فإنه يكون ميتاً ويكون نجساً، أما ما لا يؤكل لحمه فالذكاة لا تؤثر فيه طهارة، بل ذبحه وموته حتف نفسه سيان؛ لا فرق بين أن يموت بنفسه أو يموت بذبح الناس له, أو بقتل الناس له، فإنه لا فرق بين هذا وهذا بخلاف ما يؤكل لحمه؛ فإنه فرق بين أن يموت حتف نفسه وبين أن يموت بفعل الناس؛ ولهذا لما طبخوا اللحم الذي ذبحوه فهو ميتة؛ لأنه في معنى الميتة، ولا فرق بينه وبين الميتة؛ لأن الذكاة لا تؤثر فيه طهارة وحلاً، فأكفئوا القدور وغسلوها، يعني: غسلوها من ذلك النجس ومن ذلك القذر الذي هو لحوم الحمير.وأما فيما يتعلق بسؤر الحمار وكونه يشرب من الماء فلا يدل على نجاسته أو على أن ما يشرب منه الحمار يكون نجساً؛ لأن الحمار مثل الهرة، ولا فرق بين الحمار والهرة؛ فالهرة حرام أكلها والحمار حرام أكله، فشرب الهرة وشرب الحمار من ماء قليل لم يبلغ القلتين لا يؤثر فيه نجاسة، ولا يقتضي الأمر بإراقته، وهو مما يبتلى به الناس، بل من ذلك: عرق الحمار عندما يركبه الإنسان، فإنه لا يؤثر في الراكب، ولا يقال: إنه نجس فيغسل الإنسان ما أصابه من عرق الحمار، فإنهم كانوا يركبون الحمير ويستعملونها للركوب، ويعرقون عليها وتعرق أجسادها ويصيبهم عرقها، وما أمروا بأن يزيلوا ذلك الشيء الذي أصابهم من عرقها، فكذلك ما يحصل من سؤرها فهو مثل سؤر الهرة، فلا يقال: إنه ينجس، ولا يقال: إنه يحرم استعماله وتجب إراقته كما في سؤر الكلب الذي جاء الأمر بإراقته، وجاء الأمر بغسله سبع مرات لكونه نجساً، ولكون نجاسته مغلظة لا تحصل الطهارة إلا بسبع مرات, وبالتتريب مع واحدة من السبع، وهي الأُولى كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وإنما جاء في هذا الحديث أن ما يقتضي منعه وما يقتضي نجاسته وعدم طهارته هو لحومها؛ فإنها نجسة سواء ذبحت أو ماتت حتف نفسها، ولا يجوز استعمالها، وإذا وضعت في شيء فإنه يغسل بعد وضع ذلك اللحم فيه من أجل النجاسة. وقوله: (إن الله ورسوله ينهيانكم) في الرواية الأخرى، الأمر من كونه بالتثنية واضح، ولكن يرد عليه إشكال وهو ما جاء في قصة الخطيب الذي كان يخطب وقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، وأنكر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث التي فيها ذكر التثنية وفق العلماء بينها وبين حديث الخطيب أو قصة الخطيب بأن مقام الخطبة يقتضي الإيضاح والبيان ولا يقتضي الاختصار، بخلاف غير ذلك مما جاءت به الأحاديث، فإن مجيئها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة يدل على أنها سائغة وأنها جائزة، لكن الذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم أن ما حصل من الخطيب خلاف ما يقتضي الإيضاح والبيان والتفصيل وعدم الإجمال الذي يكون الناس بحاجة فيه إلى التفصيل والإيضاح.وعلى رواية الإفراد: (إن الله ينهاكم ورسوله عليه الصلاة والسلام) باعتبار أنه مبلغ؛ لأن النهي إنما هو من الله، والتشريع إنما هو من الله، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ لأمر الله ولشرع الله، فهو عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما يتكلم به فهو وحي من الله عز وجل، وما يحصل منه من التحليل والتحريم إنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.فإذاً: الضمير في الإفراد يرجع إلى الله عز وجل، والرسول عليه الصلاة والسلام هو مبلغ، ويكون شأنه أن الأمر من الله والتبليغ من رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولهذا جاء إضافة القول الذي هو القرآن إليه باعتبار التبليغ، كما جاء إضافته إلى جبريل في سورة التكوير: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، فيراد بالرسول الكريم جبريل، وجاءت في سورة الحاقة ويراد بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام، والمقصود من ذلك: أن قولهما مبلغين لا منشئين ومبتدئين، وإنما الابتداء هو من الله عز وجل؛ فهو الذي تكلم به، وهو الذي بدأ منه الكلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم وجبريل إنما بلغا كلام الله عز وجل، فإضافته إليهما إضافة تبليغ وإيصال إلى الناس.وهنا إضافة النهي إلى الله عز وجل؛ لأنه هو الذي يأمر وينهى، وهو الذي يحصل منه التشريع، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلغ عن الله سبحانه وتعالى.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رجس)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد ].هو المقرئ المكي، وقد سبق أن مر ذكره، وقد روى له النسائي وابن ماجه من أصحاب الكتب.[ حدثنا سفيان ].هذا مهمل، وهو يحتمل عند الإطلاق: الثوري , ويحتمل ابن عيينة ، لكن المراد به: سفيان بن عيينة ، والدليل على ذلك أنه جاء في بعض الطرق عند البخاري مسمى، قال: حدثنا ابن عيينة ، ففيه تسمية ابن عيينة ، فعرف أن سفيان بن عيينة هو هذا المهمل الذي لم ينسب. وأمر آخر يدل على ذلك: وهو أن محمد بن عبد الله بن يزيد مكي، وابن عيينة مكي، فلو لم يأت ما يدل على تسميته في بعض الطرق لكان تقديم سفيان بن عيينة هو الأظهر وهو الأقرب؛ لكونهما من بلد واحد، لكن الأمر لا يحتاج إلى هذا لوجود التصريح بتسميته, وأنه سفيان بن عيينة في بعض الطرق عند الإمام البخاري في إسناد الحديث نفسه.وسفيان كما عرفنا سابقاً هو من رجال الجماعة.[ عن أيوب ].هو ابن أبي تميمة السختياني ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وأيوب بن أبي تميمة اسمه: كيسان السختياني ، وهو أيضاً من الحفاظ الثقات، وهو أيضاً من رجال الجماعة.[ عن محمد ].هو ابن سيرين ، وقد مر ذكر محمد بن سيرين ، وهو من الثقات الحفاظ العباد، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن أنس ].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مر ذكره كثيراً في الأحاديث السابقة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وبمناسبة ذكر سفيان بن عيينة في الإسناد سبق أن مر بنا إسناد فيه رواية -وهو التاسع والأربعون- عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان ، وسفيان يروي عن الأعمش ومنصور ، وقد عرفنا فيما مضى أن عبد الرحمن روى عن السفيانين، والأعمش ومنصور روى عنهما السفيانان، فكيف نعرف أيهما سفيان؟ عبد الرحمن بن مهدي بصري، وسفيان الثوري كوفي، والبصرة قريبة من الكوفة، وشيخا السفيانين -هما: منصور والأعمش- من أهل الكوفة، فـالثوري أقرب، لكن قد وجد ما يوضح ذلك في التسمية، ففي حديث السنن الكبرى للبيهقي عندما ذكر حديث سلمان الفارسي الذي روي من هذه الطريق التي أشرت إليها قال: ورواه الثوري عن منصور عن الأعمش ، فذكره وفيه زيادة: ( ولا يستنجي أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار ) التي هي موجودة في نفس الحديث، فتبين بهذا أن سفيان الذي لم ينسب هو سفيان الثوري وليس سفيان بن عيينة ؛ لوجود التصريح به في سنن البيهقي، وهو في الجزء الأول في صفحة مائة وواحد من السنن الكبرى للبيهقي ، وقد دلنا على هذا أحد الطلبة الذي اطلع على ذلك وأخبرني، واطلعت عليه ووجدته كذلك.ثم لو لم يوجد هذا التصريح فإن سفيان الثوري أقرب من جهة ما أشرت إليه أن سفيان الثوري من أهل الكوفة، والشيخان اللذان يروي عنهما السفيانان هما من أهل الكوفة، وعبد الرحمن بن مهدي من أهل البصرة، والبصرة قريبة من الكوفة، وسفيان بن عيينة مكي، فإذاً كون سفيان الثوري لو لم يأت لكان أقرب؛ لكونهما من أهل بلد واحد، ومعلوم أن أهل البلد يلازم بعضهم بعضاً، والملازمة تكون بين أهل البلد بخلاف الذي يكون من بلد آخر، فإنه لا يحصله إلا برحلة وبسفره وما إلى ذلك، بخلاف الساكن هو وإياه في بلد واحد يلقاه كل يوم أو يلقاه كل أسبوع أو يلقاه مراراً وتكراراً، فإن هذا يكون أقرب من غيره ممن لا يلقاه إلا بسفر أو بمناسبة أو في أوقات متباعدة. ومن الأشياء التي ننبه عليها: أنه سبق أن مر بنا يحيى بن عتيق في أحد الأسانيد الماضية، وأنا قلت فيما يتعلق في النسائي : وهو روى عنه، والحافظ رمز له بأنه روى عنه البخاري تعليقاً, ومسلم وأبو داود والنسائي ، ومسلم روى له حديثاً واحداً؛ وهو الحديث الذي فيه: ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ) كما ذكر ذلك صاحب الجمع بين رجال الصحيحين حيث قال: روى عنه فلان، يعني: في هذا الحديث، فهو من رجال مسلم، وقد روى عنه هذا الحديث الذي هو: ( لا هامة ولا صفر )، وهو يحيى بن عتيق .وزياد بن سعد الذي مر ذكره سابقاً، والذي خرج حديثه أصحاب الكتب، وقلت وهو سبق لسان: إنه أثبت أصحاب مالك والصحيح أنه أثبت أصحاب الزهري وليس أصحاب مالك، قال سفيان بن عيينة الذي هو من أصحاب الزهري : هو أثبت أصحاب الزهري ؛ يعني: زياد بن سعد ، من دون أنه أثبت أصحاب مالك، فليحذف لفظ مالك، ويثبت مكانها الزهري.
    سؤر الحائض

    شرح حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب سؤر الحائض.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاه حيث وضعت وأنا حائض، وكنت أشرب من الإناء فيضع فاه حيث وضعت وأنا حائض).هنا أورد النسائي: باب سؤر الحائض، وهو بقية ما تأكل، وأن ذلك لا بأس به، وأن كونها حائضاً ومتصفة بهذا الوصف لا يقتضي الامتناع عن مؤاكلتها وعن مجالستها ومساكنتها، والإسلام جاء في هذا الأمر وسط بين ما عند اليهود وما عند النصارى، فاليهود والنصارى في طرفين والإسلام وسط بينهم؛ فاليهود عندهم أنهم لا يؤاكلون الحائض ولا يجالسونها وإنما يعتزلونها، والنصارى على عكسهم يبالغون في مخالطتها حتى أنهم يجامعونها، فهؤلاء ضدان: إفراط وتفريط، فهؤلاء أفرطوا حيث تجنبوها نهائياً حتى في المؤاكلة، وهؤلاء فرطوا حتى بلغ الأمر بهم إلى أنهم يجامعونها، والإسلام جاء في أنها لا تجامع ولكنها تؤاكل وتشارب، ويحصل الاختلاط بها والاتصال بها ومباشرتها في غير الجماع، فلما كانت الحائض فيها هذا الوصف -الذي تمتنع فيه من الصلاة وتمتنع من الصيام- وبسبب ذلك الدم الذي حصل لها، وكان اليهود والنصارى فيها على طرفي نقيض، جاء الإسلام في التوسط بين هذين، فمنع من مجامعتها ومن الاستمتاع بها في الجماع، وأباح ما عدا ذلك من مؤاكلتها ومخالطتها. وقد أورد النسائي في هذا حديث عائشة رضي الله عنها الذي يوضح هذا المعنى، وهو أنها قالت: (كنت أتعرق العرق) يعني: العظم الذي عليه لحم أو بقية لحم، يعني: تمسك العظم وتأكل منه، فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم العرق الذي هو العظم الذي به بقية اللحم فيضع فمه في المكان الذي وضعت فيه فمها، ومعناه: أن سؤرها وما مس فمها مسه فم رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكذلك كانت تشرب من إناء فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم منها الإناء ويضع فمه في المكان الذي كانت تضع فمها في الإناء؛ لأن المكان التي تشرب منه مكان معين، فكان يتعمد ويأخذ الإناء ويضع فمه في المكان، لا في أي مكان من الإناء، وإنما في نفس المكان التي وضعت فيه فمها، فهذا يدل على ما ترجم له النسائي من أن الحائض وإن كانت لها أحكام تخصها، وفيها هذا الوصف الذي تمتنع فيه من الصلاة ومن الصيام، فإن ذلك لا يقتضي منابذتها وعدم مجالستها والاختلاط بها.والعرق: هو العظم الذي عليه بقية لحم قليل، وقد جاء في الحديث الذي في قصة المنافقين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً) ثم قال: (والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء)، يعني: لو يعلم أن في المسجد لحماً يؤكل، ويكون عظماً عليه بقية لحم يوجد في المسجد لجاء إلى المسجد ليأخذ نصيبه من اللحم ومن هذا العظم الذي عليه بقية لحم، لأن همهم الدنيا ولو كان ذلك الذي يحصلونه من الدنيا تافهاً وقليلاً، ولا يهتمون في أمور الآخرة، ولا يعنون فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة، ولهذا قال: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبواً)، لكن همهم الدنيا، فلو كان في المسجد لحم يوزع أو لحم يؤكل، وكان ذلك اللحم تافهاً ويسيراً، وهو عظم عليه بقية لحم لشهد الواحد منهم العشاء لينال نصيبه من اللحم. وأما النصيب الذي هو في الآخرة، والذي قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو يعلمون ما فيهما من أجر لأتوهما ولو حبوا)، ولهذا تثقل عليهم الصلوات, والصلوات كلها ثقيلة، ولكن العشاء والفجر أشد، ولهذا قال: ( أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء )، يعني: كلها ثقيلة ولكن هذه أثقل من غيرها؛ لأن العشاء في أول الليل في وقت كان الناس فيه في تعب وبحاجة إلى النوم، والفجر تكون في آخر الليل الذي فيه الناس مستغرقين في النوم، فطاب لهم الفراش وارتاحوا في النوم. والمقصود من قوله: (عرقاً) في حديث: ( لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً ) أي: عظم عليه بقية لحم سمين، فيتعرق العظم، وينهش منه ويأكل منه بأسنانه، لا يقطع بيده ويأكل وإنما يضع العظم ويقربه إلى فمه، وينهش منه ويأكل منه.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: ( كنت أتعرق العرق فيضع رسول الله فاه حيث وضعت وأنا حائض ...)

    قوله: [خبرنا عمرو بن علي]عمرو بن علي هو الفلاس البصري, المشهور بالمحدث الثقة، وهو من أئمة التجريح والتعديل، وكثير ذكر كلامه في الرجال في التعديل والتوثيق والتجريح، فهو من الحفاظ ومن أئمة الجرح والتجريح، وأحاديثه في الكتب الستة، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة في كتبهم. [حدثنا عبد الرحمن].هو ابن مهدي ، وعبد الرحمن هو أحد الحفاظ الثقات، ومن أئمة الجرح والتعديل، وهو من رجال الكتب الستة.[عن سفيان].سفيان هذا غير منسوب، ما جاء أنه ابن عيينة ولا الثوري ، وعبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان الثوري وسفيان بن عيينة كما سبق أن عرفنا ذلك في الحديث الذي نبهت عليه قبل قليل, والذي يروي فيه سفيان عن الأعمش ومنصور، وهنا سفيان يروي عنه عبد الرحمن بن مهدي ، وعبد الرحمن بن مهدي روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن الذي يروي عنه سفيان هو المقدام بن شريح ، والمقدام بن شريح ما روى له ابن عيينة، وإنما ذكروا في تهذيب الكمال أن الذي روى عنه هو الثوري، وما ذكر أن سفيان بن عيينة روى عنه.فإذاً: سفيان يكون هو الثوري من جهة أن المقدام بن شريح لم يذكر في من روى عنه ابن عيينة، وأيضاً المقدام بن شريح كوفي، وسفيان الثوري كوفي. فإذاً أولاً: ما جاء أن سفيان بن عيينة روى عن المقدام بن شريح، وأيضاً سفيان الثوري هو من أهل الكوفة والمقدام بن شريح بن هانئ من أهل الكوفة، فإذاً سفيان هذا المهمل هو الثوري وليس ابن عيينة.[عن المقدام بن شريح عن أبيه عن عائشة].المقدام قد تقدم ذكره مراراً، وأبوه هو شريح بن هانئ وقد سبق أن مر ذكر شريح في الرواية عن عائشة، وشريح من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، وعائشة رضي الله عنها وأرضاها هي أم المؤمنين وهي إحدى الصحابيات، وهي معروفة بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (31)

    (باب وضوء الرجال والنساء جميعًا) إلى (باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء)

    أجاز الشرع استعمال الماء الفاضل عن المرأة بعد اغتسالها من الجنابة بالنسبة للرجل أو العكس، هذ وقد بين النبي عليه الصلاة والسلام المقدار الكافي من الماء الذي يتوضأ به وهو المد والذي يُقدر بملء كفي الرجل المتوسط.
    وضوء الرجال والنساء جميعاً

    شرح حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وضوء الرجال والنساء جميعاً.أخبرني هارون بن عبد الله، حدثنا معن، حدثنا مالك (ح) وحدثنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع ، عن ابن القاسم حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)].يقول النسائي رحمه الله: باب وضوء الرجال والنساء جميعاً، يعني: مجتمعين، يجتمع الرجل والمرأة في الوضوء من إناء واحد، هذا يغترف وهذا يغترف من الإناء، فهذا هو المقصود بالترجمة، و(جميعاً) هي حال، والمراد بها: أنهم يتوضئون مجتمعين، يعني: حال كونهم مجتمعين. ثم أورد النسائي حديث: عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان الرجال والنساء يتوضئون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً)، يعني: مجتمعين، فهي حال من الواو في: (يتوضئون) وليس للتأكيد وإنما هي للحال، يعني: يتوضئون مجتمعين، أي: لا يكون توضؤهم كل واحد على حدة، بل يحصل منهم الاجتماع. وقوله: (كان الرجال والنساء يتوضئون)، كان واسمها وخبرها، الرجال والنساء اسم ويتوضئون خبر، ثم: (جميعاً) حال، كان الرجال والنساء يتوضئون مجتمعين، يعني: في حال اجتماعهم، والمقصود من ذلك: أن هؤلاء الذين يتوضئون مجتمعين هم المحارم، فالرجل مع زوجته، أو الأخ مع أخته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، ليس المقصود أن جنس الرجال مع جنس النساء ولو كان بعضهم أجانب عن بعض، وإنما إذا كان بعضهم محارم لبعض، ومن العلماء من قال: يحتمل أن يكون هذا قبل فرض الحجاب، وأنهم رجال ونساء ليس بعضهم محرماً لبعض، ويكون هذا قبل الحجاب، لكن الأظهر والأقرب أن المقصود بهم المحارم، وأن هذا في جميع الأحوال؛ لأنه إذا قيل: قبل الحجاب، يعني أنهم يتركون ذلك بعد الحجاب، ولكن المقصود من ذلك: أن المحارم يتوضأ بعضهم مع بعض، الرجل مع زوجته، والأخ مع أخته، والرجل مع بنته أو مع أمه أو ما إلى ذلك، أي: يكون في حق المحارم وليس في حق الأجانب.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الرجال والنساء يتوضئون في زمن رسول الله جميعاً)

    قوله: [ أخبرني هارون بن عبد الله ].(أخبرني) سبق أن ذكرت أن الفرق بينها وبين (أخبرنا): أن (أخبرني) يستعملها الراوي إذا كان سمع وحده من شيخه، أو أخذ وحده عن شيخه، تحمل وحده سواءً كان عن طريق السماع أو القراءة، فيقول: حدثني أو أخبرني، معناه أنه ليس معه أحد عندما حدثه شيخه. أما: حدثنا وأخبرنا, فإنهم يستعملونها فيما إذا كان الرجل تحمل ومعه غيره؛ بأن يكون الشيخ لم يحدث شخصاً واحداً، وإنما حدث جماعةً من الطلاب أخذوا عنه في وقت واحد، وكل واحد منهما يعبر فيقول: حدثنا أو أخبرنا، يعني: هو وغيره، هذا هو الفرق بينهما في اصطلاح المحدثين.[حدثني مالك ].

    فـالنسائي له طريقان في هذا الحديث:

    طريق يرويها عن هارون بن عبد الله عن معن بن عيسى عن مالك ، والطريق الثانية: عن الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك ، معناه أن الطريقين يلتقيان عند مالك وهذا هو أول موضع يستعمل فيه النسائي التحويل، يعني: يأتي (ح) وحدثنا، أو (ح) وأخبرنا، أو (ح) وفلان في المواضع الكثيرة التي مضت، والأحاديث العديدة التي مضت كلها ليس فيها تحويل؛ والسبب أن النسائي لا يستعمل التحويل كثيراً, وهو نفس السبب الذي كان عند البخاري؛ لأن البخاري كان يأتي بالأحاديث من طرق مختلفة على الأبواب ليستدل به على موضوعات، فلا يحتاج إلى التحويل، لكن يحتاج إلى التحويل من يجمع الطرق في مكان واحد، كما يفعل الإمام مسلم ، أما البخاري فكان لا يحتاج إلى التحويل؛ لأنه يأتي بالحديث في سبعة مواضع أو في ثمانية مواضع، وكل موضع يأتي بطريق غير الطريق الأولى، فلا يحتاج إلى أن يستعمل التحويل، ولكنه استعمله قليلاً ومثله النسائي، لما كان من النسائي في طريقته أنه يستعمل التراجم كثيراً، وكثيراً من المواضع لا يأتي في الباب إلا حديثاً واحداً، ولهذا فإن أرقام الأبواب ليست بعيدةً عن أرقام الأحاديث، فبينهما شيء من التقارب بكثرة الأبواب، فمن أجل ذلك لا يحتاج إلى التحويل ولا يستعمل التحويل، وإنما يستعمله قليلاً، وهنا بدأ لأول مرة في كتابه السنن يستعمل التحويل. والمقصود من التحويل هو: الإتيان بكلمة (ح) والمقصود منها: الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنها لو لم تأت الـ (ح) لكانت الواو التي بعدها تعطف على الذي قبلها، ومعلوم أن الذي قبلها متقدم على الذي بعدها، فالذي قبلها مالك ، والذي بعدها الحارث بن مسكين ، فلو لم يأت هذا التحويل لظن أن الإمام مالك يروي عن الحارث بن مسكين ، والحارث بن مسكين متأخر عن الإمام مالك، فيروي عن الإمام مالك بواسطة، ولا يروي عنه مباشرة. إذاً استعمال التحويل فائدته هي الإشارة إلى التحول من إسناد إلى إسناد، يعني: أن الشيخ بعدما يذكر مسافة من الطريق، يرجع ويأتي بطريق آخر، ثم الطريقان يلتقيان عند مكان واحد، ثم ينطلقان بطريق واحد، فهنا الآن إسنادان: هارون عن معن ، والحارث بن مسكين عن ابن القاسم ، ومعن وابن القاسم يرويان عن مالك ، ثم تتحد الطريق: مالك عن نافع عن ابن عمر.إذاً هذه هي فائدة التحويل، فلو لم تأت (ح) التحويل هذه لالتبس أو لظن القلب، أو التقدم والتأخر فيكون المتأخر متقدماً والمتقدم متأخراً، وتكون الأسماء متداخلة بعضها مع بعض، أما الإتيان بهذه الـ (ح) فإنها تفصل وتميز، وتدل على أن المؤلف أو أن المحدث وقف في إسناده الأول ورجع لينشئ إسناداً جديداً يتلاقى مع إسناده الأول، ثم يتحدان بعد ذلك إلى أن يصل السند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يأتي التحويل ويستمر الإسناد، ثم يأتي بإسنادٍ آخر يكمله إلى النبي عليه الصلاة والسلام.[ هارون بن عبد الله ]. أما هارون بن عبد الله فقد سبق أن مر ذكره مراراً , وهو هارون بن عبد الله البغدادي أبو موسى, الملقب بـالحمال، وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة، وهو ثقة.[ عن معن ].وهو ابن عيسى الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو من أصحاب مالك ، بل قال أبو حاتم الرازي : إنه أثبت أصحاب مالك ، وسبق أن مر بنا في زياد بن سعد أنه أثبت أصحاب الزهري ، كما قال ابن عيينة: أنه أثبت أصحاب الزهري ، فـمعن بن عيسى هذا هو أثبت أصحاب مالك , ومعن بن عيسى هذا من الثقات الحفاظ، وهو من رجال الجماعة. أما الطريق الثاني: فهي الحارث بن مسكين ، وهنا ما قال: أخبرني الحارث بن مسكين ، وسبق أن مر في بعض الطرق أنه قال: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وجميع ما جاء عن الرواية عن الحارث بن مسكين يقول: قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يأتي: أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، وقيل في تفريق النسائي بين هاتين الحالتين: أن الحارث بن مسكين كان قد منع النسائي من الرواية عنه، فكان يأتي ويختفي في مكان لا يراه النسائي، بحيث إذا حدث النسائي أو قرأ على النسائي أحد يسمع، فأحياناً يقول: أخبرني، وأحياناً يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، لا يقول: أخبرني لأنه منعه من أنه يروي عنه، فهو لا يعبر بـ(أخبرني)؛ لأنه منعه من الرواية عنه، ولأنه لو قال: أخبرني لكان معناه أنه يحدثه، فقالوا في الفرق بينهما: أنه لعله منعه أولاً ثم أذن له بعد ذلك، فكان يروي أحياناً بأخبرني حيث كان مأذوناً له، وأحياناً لا يعبر بـ(أخبرني) حيث سمع قراءةً عليه وهو يسمع وهو غير مأذون له، فهو لا يقول: أخبرني؛ لأن الحارث بن مسكين ما أراد أن يحدثه، بل منعه أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً من وراء ستار، فيسمع القارئ يقرأ عليه، ثم هو يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، ما يقول: أخبرني، وفي المواضع التي مرت يقول: أخبرني الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع، هذا هو الفرق بين الحالين اللتين حصلتا للرواية عن الحارث بن مسكين فإنه أول ما حصل الالتقاء به فإنه منعه.[ وحدثنا الحارث بن مسكين ].الحارث بن مسكين هو من الثقات الأثبات، وقد خرج حديثه النسائي وابن ماجه .[ عن ابن القاسم ].أما ابن القاسم فهو: عبد الرحمن بن القاسم المصري , الفقيه المشهور الذي اعتنى بجمع مسائل الإمام مالك وفقهه، وهو من أصحاب مالك وهو مشهور عند ذكر أقوال الإمام مالك في المسائل الفقهية، وكذلك أيضاً هو يروي عنه الأحاديث كما هو هنا، وقد سبق أن مر بنا, وهو من الثقات، وقد خرج حديثه البخاري والنسائي , وأبو داود في المراسيل، يعني: ما خرج له في السنن، وإنما خرج له في كتابه المراسيل.وفي نسخة التقريب كما سبق أن نبهت عليه قال: البصري، والبصري والمصري متقاربتان من حيث الرسم ولهذا يحصل تصحيف بينهما؛ فأحياناً يكون هو المصري, ويقال له: بصري، وأحياناً يقال: هو مصري ويقال له: بصري، وفي نسخة التقريب الطبعة المصرية قال عنه: البصري، وهو ليس بصرياً وإنما هو مصري، ولكن لتقارب اللفظين يحصل التصحيف بينهما، فيطلق على المصري في بعض الأحيان بصرياً تصحيفاً، ويطلق على البصري مصرياً تصحيفاً. ثم الطريقان عن: معن بن عيسى وابن القاسم هما طريقان يلتقيان عند الإمام مالك ، ثم يتوحد الطريق بعد ذلك إلى نهايته عن الإمام مالك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك سبق أن مر ذكره مراراً، وهو المحدث الفقيه إمام دار الهجرة، وصاحب المذهب المعروف الذي له أصحاب اعتنوا بجمع حديثه وفقهه، وكتابه الموطأ جمع فيه بين الفقه والحديث، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن نافع ].و نافع هو مولى ابن عمر ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه في الكتب الستة.[عن ابن عمر].و ابن عمر سبق أن مر ذكره، وأنه أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الإسناد الذي فيه الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر هو الذي يقول فيه البخاري : إنه أصح الأسانيد على الإطلاق، وأما عند غيره فهناك طرق أخرى أو أسانيد أخرى يقال عن كل واحدٍ منها: إنه أصح الأسانيد.
    فضل الجنب

    شرح حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فضل الجنب. أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها أخبرته: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد)].قال النسائي: باب فضل الجنب، أي: ما يبقى منه من الماء؛ فالفضلة التي تبقى بعد أن يغتسل يقال له: فضل؛ لأن الفضل هو الزائد الذي يزيد على ما يستعمل أو على الحاجة, هذا هو المقصود بالفضل هنا: الزيادة التي تبقى بعد اغتسال الجنب. قوله: باب فضل الجنب، يعني: ما يبقى بعد اغتساله فإن حكمه أنه ماءٌ طاهر يجوز ويمكن استعماله، وأن كون الجنب يغترف من إناء ويغتسل من إناء يتناول منه فما يبقى بعده يمكن أن يستعمل؛ لأنه طهور، ولا يقال: إنه ماء مستعمل؛ لأن الماء المستعمل هو: الذي يتساقط من الأعضاء، فهذا هو الذي رفع به الحدث، فلا يرفع بهذا المتساقط حدثاً آخر، أما الإناء الذي يؤخذ منه ويغترف منه ثم يبقي بقية، فهذا شأنه كشأن غيره من المياه، ماء اغترف منه جنب واغتسل وبقي منه بقية في الإناء، فإن لغيره أن يأتي ويغترف منه ويغتسل. النسائي أورد في هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( كنت أغتسل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد). هذا اللفظ مطابقته للترجمة فيها دقة، أو فيها شيء من الخفاء، ووجهها: أنه إذا كان كل واحد منهما يغترف، فمن ينتهي منهما أولاً، فإن الآخر يكون قد استعمل ذلك الفضل الذي بقي من الأول؛ لأنه إذا انتهى واحد منهما معناه: أن الثاني استعمل البقية التي بقيت على اغتسال الأول أو على اغترافه، فهو يدل على الترجمة ويطابقها من هذه الناحية؛ لأن الإنسان عندما يسمع الحديث وعندما يرى الترجمة يقول: ليس هناك تطابق، وليس هناك واحد يستعمل فضل الثاني، لكنه جاءت أحاديث صريحة في هذا في صحيح مسلم : (كان الرسول صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة )، فهذا هو الواضح فيما يطابق الترجمة.وأما هذا الحديث فهو يدل على الترجمة من حيث أن من فرغ منهما أولاً فإن الثاني الذي لم يفرغ يكون قد استعمل الفضل، أي: استعمل الزيادة التي بقيت بعد فراغ الجنب الأول الذي فرغ قبل صاحبه، وهذا سائغ كما هو معلوم، وهو أيضاً يدل على ما دلت عليه الترجمة السابقة من كونهم يتوضئون جميعاً الرجال والنساء، لكنه أفرد الحديث بترجمة مستقلة وأتى بفضل الجنب ليستدل به على موضوع آخر غير موضوع اجتماع الرجال والنساء في الاغتسال من إناء واحد.الترجمة السابقة كانت في الوضوء، أي: كله في رفع الحدث، سواءً اغتسال أو وضوء، كله في رفع الحدث الأصغر أو الحدث الأكبر، والترجمة السابقة فيها الاشتراك، وهذه الترجمة أيضاً فيها الاشتراك، إلا أن النسائي أتى بالترجمة الثانية ليستدل على موضوع آخر وهو استعمال الفضلة واستعمال البقية، والحديثان يدلان على المرتبتين: قضية اشتراك الرجال والنساء، وقضية استعمال الفضلة، ولكن النسائي أتى بترجمتين, وأتى بالحديثين ليستدل على كل موضوع بحديث مستقل. واغتسال الرجال والنساء هذا متفق عليه ومجمع عليه، واغتسال النساء بفضلة الرجال أيضاً حكي الإجماع عليه، أما اغتسال الرجال بفضلة النساء فهذا فيه خلاف بين العلماء، فجمهور العلماء على جوازه، وأن الرجل يغتسل بفضل اغتسال المرأة، فما يبقى بعد اغتسالها فللرجل أن يغتسل به، ومن العلماء من قال: إنه لا يغتسل بفضل المرأة إذا خلت به، فإذا خلت بالماء واستعملته فإنه لا يستعمله، ويستدلون على ذلك بحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جاء في بعض كتب السنن أنه قال: (نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعاً)، وقد صححه بعض العلماء لكن بعضهم ضعفه، واعتبرت الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على الجواز مطلقاً، ومنها الحديث الذي في صحيح مسلم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بفضل ميمونة ).ومن العلماء من قال: إن المقصود بالمنهي عنه إنما هو الماء المستعمل, وهو المتساقط من الأعضاء، وهذا ليس بواضح، أو قيل: إنه للكراهة لا للتحريم، فيكون التفريق بينهما: أن ما جاء من الأحاديث الدالة على الفعل يدل على الجواز، وما جاء من المنع يدل على الكراهة.وقول عائشة رضي الله عنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام وهما يغتسلان من إناء واحد: (دع لي) معناه: أنها تشترك معه في الاغتسال، وهناك أحاديث كثيرة جاءت في قضية الاشتراك, وقضية اغتسال الرجال بفضل النساء، ومنه الحديث الذي في صحيح مسلم: اغتساله عليه الصلاة والسلام بفضل ميمونة، وهذا واضح الدلالة على ذلك، وكما قلت: بعضهم ضعف الحديث الذي فيه المنع، وبعضهم حمله على الكراهة، وبعضهم حمله على أنه متساقط من أعضائها، وهذا ليس بواضح كونه متساقطاً من أعضائها، يعني: معناه أنها تتوضأ مثلاً لتغتسل في طست, ثم الماء الذي يتساقط يأتي بعدها من يستعمله، هذا ليس واضحاً تفسيره, أو حمله على هذا المعنى، لكن يمكن أن يكون هذا ضعيفاً، وإذا كان صحيحاً فيحمل هذا على الكراهة وهذا على الجواز.

    تراجم رجال إسناد حديث عائشة: (أنها كانت تغتسل مع رسول الله في الإناء الواحد)

    قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد ]. قتيبة هذا هو: ابن سعيد الذي أكثر عنه النسائي، يعني مر ذكره كثيراً في الأسانيد الماضية يروي عن شيخه قتيبة بن سعيد ، وهو من رجال الكتب الستة كما سبق.[حدثنا الليث ]. هو الليث بن سعد المصري، الفقيه المحدث الذي يعتبر فقيه مصر، وإذا ذكر الفقه في مصر يأتي في مقدمة من يذكر بالفقه الليث بن سعد ، وكما ذكرت لكم فيما مضى فقد أفرد الحافظ ابن حجر ترجمته في رسالة، وبين كثيراً من مناقبه وفضائله وفقهه، وحديثه في رسالة مستقلة اسمها: الرحمة الغيثية في الترجمة الليثية، وهي موجودة ومطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية، وأذكر أنه قال: أنه لا يعلم مسألة شذ فيها أو قال قولاً يخالف غيره فيها، إلا في مسألة واحدة وهي: ميتة الجراد، فكان يقول بحرمتها. [عن ابن شهاب ]. هو الزهري الذي ذكرت فيما مضى أنه يأتي بصيغتين: بصيغة ابن شهاب ، وبصيغة الزهري ، هكذا يأتي ذكره في الأسانيد؛ لأنه اشتهر بنسبته إلى جده زهرة ، وبنسبته إلى جدٍ من أجداده اسمه شهاب ، وسبق أن ذكرت لكم نسبه وأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب ، وزهرة أخو قصي بن كلاب جد الرسول صلى الله عليه وسلم، فيلتقي نسب الزهري مع نسب الرسول صلى الله عليه وسلم في جد الرسول صلى الله عليه وسلم كلاب الذي هو أبو قصي وأبو زهرة. وهو ينسب إلى زهرة بن كلاب, فيقال له: الزهري نسبةً إلى جده زهرة الذي هو أخو قصي بن كلاب. وأما شهاب فهو كما ترون جد محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله ، يعني جد جده؛ لأن جده الأول: عبيد الله ، وجده الثاني: عبد الله ، وجده الثالث: شهاب ، فهو جد جده، وهذا معناه أنه ينسب إلى واحدٍ من أجداده الذي هو جد جده؛ لأنه اشتهر بهذين الوصفين. وهو من الحفاظ الثقات، وممن خرج حديثه الجماعة، وقد ذكرت لكم فيما مضى أنه هو أول من قام بجمع السنة وجمع الحديث بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله بصفة رسمية، وإلا فإن جمعه بصفة فردية موجود من قبل؛ لأن بعض الصحابة كان يكتب وكان يجمع، وكذلك غيرهم كان يكتب لنفسه، لكن كونه يجمع بتكليف من الدولة وبتكليف من الخليفة فإن هذا لم يحصل إلا في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وكان الذي كلف بهذا هو الزهري ، ولهذا يقول السيوطي في الألفية: أول جامع الحديث والأثرابن شهابٍ آمر له عمر [عن عروة ]. هو ابن الزبير بن العوام ، وهو من الثقات الحفاظ الأثبات، وهو من رجال الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة المشهورين في عصر التابعين والذين يرجع الناس إلى فقههم وإلى علمهم، وهم جمعوا بين الفقه والحديث، فهم محدثون فقهاء، ويقال لهم: الفقهاء السبعة، وفي المسائل التي يتفقون عليها يقولون: قال بها الفقهاء السبعة، فيأتي في بعض المسائل التي يطلق عليهم فيها فيقول: قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وأن ابن القيم ذكرهم في أول إعلام الموقعين؛ لأن كتاب ابن القيم إعلام الموقعين بدأه بذكر فقهاء الأمصار والذين يرجع إليهم في الفتوى، والذين هم يوقعون, يعني: يخبرون بحكم الله عز وجل؛ لأن اسم الكتاب إعلام الموقعين عن رب العالمين، فهو إعلام وليس أعلام؛ لأنه ليس كتاب تراجم، وإنما هو إخبار من العلماء عن شرع الله عز وجل وعن أحكام الشريعة، وذكر في أوله جملةً من المفتين الذين يرجع إليهم في الفتوى، ولما ذكر المدينة وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين، ذكر أن ممن اشتهر في المدينة من التابعين الفقهاء السبعة، وذكرهم ثم ذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، ولا أدري لمن هذين البيتين، هل هما له أو لغيره، وأنه أوردهما غير عاز لهما، وغير ذاكر أنهما من شعره، وإنما ذكر اشتمال هذين البيتين على الفقهاء السبعة، لذلك يقول: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرٍروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمٌسعيدٌ أبو بكر سليمان خارجة[ عن عائشة ]. هي أم المؤمنين، وهي خالة عروة، يعني: هو يروي عن خالته؛ لأنه ابن أسماء بنت أبي بكر ، فهو يروي عن خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وأم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها مر ذكرها مراراً وتكراراً، وذكرت أنها أحد الصحابة السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين هم ستة من الرجال وواحدةٌ من النساء، والذين جمعهم السيوطي في ألفيته بقوله: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنسٌ والبحر كـالخدريوجابرٌ وزوجة النبي
    القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

    شرح حديث: (كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا شعبة حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)].أورد النسائي باب: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وفي بعض النسخ: في الوضوء، يعني: المقدار من الماء الذي يكفي للوضوء, وأورد تحت هذه الترجمة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بمكوك، ويغتسل بخمس مكاكي)، والمكوك قيل: إنه المد الذي هو ربع الصاع؛ لأن الصاع مكون من أربعة أمداد، وجاء في بعض الأحاديث أنه يغتسل بالصاع، فالصاع أربعة أمداد، يعني هنا المكاكي خمسة، فمعناه زيادة على الصاع على تفسير المكوك بالمد، فيكون معناه خمسة أمداد، يعني: صاع ومد، وقد جاء في الحديث الصحيح: (أنه كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع)، وقد جاءت الروايات تختلف في بعض التقادير، وهذا إنما هو في بيان ما حصل في بعض أحوال الرسول عليه الصلاة والسلام، كلٌ يحكي ما كان يعلمه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه توضأ بهذا المقدار، أو أنه حصل التوضؤ بهذا المقدار. والمكوك قيل: إن المراد به المد الذي هو ربع الصاع، والمد يقدرونه بأنه بمقدار ملء اليدين المتوسطتين يعني بمقدار -مثلاً- ملء اليدين المتوسطتين من التمر أو من البر أو ما إلى ذلك، يعني يكون الصاع أربع مرات من هذا المقدار، لكن إذا نظرنا للصاع الذي هو موجود عندنا والذي هو قريب من صاع النبي صلى الله عليه وسلم أو مثله، فنجد أن أربع أوراد بأيدينا لا تصل إلى ملئه، ولعل السبب في هذا والله أعلم أن المتقدمين كانت أيديهم أكبر، والناس فيما بعدهم كانوا بخلاف في الصاع، ولهذا الذين حكوا ذلك في الماضي إنما يحكون عن واقع أيديهم، ومن المعلوم أنه قد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن، فكان ستين ذراعاً فنقص الحجم ومقدار الناس عن تلك المقادير في الأزمان المختلفة، فيحتمل أن يكون الأمر أنه حصل النقصان أيضاً بعد ذلك الزمن، فصار مقدار الكف أو مقدار ما يكون في الكفين أربعة مما يكون في كفيهم, يعني: يملأ الصاع، وأربعةً مما يكون في أيدينا لا يملأ الصاع، فلعل هذا هو السبب.وقوله: (مكاكي)، في بعض الروايات في صحيح مسلم : (مكاكيك)، فأبدلت الكاف الأخيرة ياء, ثم أدغمت ياءً في ياء فصارت مكاكي.

    تراجم رجال إسناد حديث: ( كان رسول الله يتوضأ بمكوك ويغتسل بخمس مكاكي)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ]. وهو عمرو بن علي الفلاس بن بحر بن كنيز البصري, الذي سبق أن مر ذكره تكراراً ومراراً، وهو أحد الثقات الحفاظ المتقنين, ومن أئمة الجرح والتعديل، وكثيراً ما يأتي ذكره في الكلام في الرجال, قال فيه الفلاس: كذا، وقال فيه الفلاس: كذا، وهو من رجال الكتب الستة؛ بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة كما سبق أن ذكرت فيما مضى؛ لأن أصحاب الكتب الستة كلهم يروون عنه مباشرةً، فكل واحد يقول: أخبرنا عمرو بن علي ؛ لأنه شيخ لهم جميعاً.[حدثني عبد الله بن عبد الله بن جبر]وعبد الله بن عبد الله بن جبر, ويقال: ابن جابر أيضاً، فهو أحياناً يأتي في بعض الأسانيد ابن جبر، وفي بعضها ابن جابر، ولا تنافي بينها؛ لأنه يقال له: ابن جبر، ويقال له: ابن جابر، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. [سمعت أنس بن مالك]. و أنس بن مالك رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الصحابة المكثرين الذين مر ذكرهم مراراً، وهو أحد السبعة الذين أشرت إليهم آنفاً المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (32)

    تابع باب القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء - باب النية في الوضوء

    نية المؤمن أبلغ من عمله، وعلى حسب نيتك تنال أجرك، ومن شرط العبادة النية، والوضوء عبادة تفتقر إلى نية تميزه عن غسل الأعضاء لأجل التبرد ونحوه، ومما ينبغي في الوضوء الاقتصاد بالماء وعدم الإسراف.
    القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء

    شرح حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا محمد بن بشار حدثنا محمد ثم ذكر كلمة معناها حدثنا شعبة عن حبيب قال: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي وهي أم عمارة بنت كعب، أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتي بماءٍ في إناء قدر ثلثي المد، قال شعبة: وأحفظ أنه غسل ذراعيه وجعل يدلكهما، ويمسح أذنيه باطنهما، ولا أحفظ أنه مسح ظاهرهما) ].هنا أورد النسائي حديثاً آخر في الترجمة السابقة: القدر الذي يكتفي به الرجل من الماء للوضوء، وكلمة (الرجل) هذه لا مفهوم لها، فالمرأة كذلك، بمعنى: أن المرأة لا تختلف في الحكم فتكون أكثر أو أنقص؛ لأن الأحكام للرجال والنساء سواء، فإذا جاء شيء يخص الرجال خص الرجال، وإذا جاء شيء يخص النساء خص النساء، وأما حيث لا يأتي ما يدل على التخصيص فإن الحكم لا فرق فيه بين الرجال والنساء. إذاً: فذكر الرجل في الترجمة لا مفهوم له، وإنما جرى على الغالب من أن الذكر يكون للرجال، وقد جاءت الأحاديث على هذا المنوال؛ يذكر الرجل فقط والأحكام لا تخص الرجال، وإنما هي للرجال والنساء، مثل الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه)، فكذلك المرأة داخلة في هذا الحديث، فإذا كانت امرأة تصوم صوماً فلتصمه؛ لأن القضية ليست خاصة بالرجال، فذكر الرجل لا مفهوم له، فأحياناً يأتي ذكر الرجال ليس للتخصيص؛ وإنما لكون ذكرهم يأتي في الغالب، ولكون الخطاب معهم.وقد أورد النسائي تحته حديث أم عمارة الأنصارية بنت كعب -ويقال: إن اسمها نسيبة -: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأوتي بماءٍ في إناءٍ قدر ثلثي مدٍ)، والحديث الأول فيه ذكر المكوك؛ والمكوك هو المد، وهنا مقدار ثلثي المد، والرسول صلى الله عليه وسلم الغالب عليه أنه كان يتوضأ بالمد، ولكن قد ينقص عنه -كما جاء في هذا الحديث- وقد يزيد. وفي الاغتسال كان يغتسل في الصاع، وقد يزيد كما جاء في حديث الخمسة الأمداد؛ لأن الخمسة هي صاع ومد؛ لأن الصاع أربعة أمداد، فخمسة: صاع ومد، يعني: وضوءه واغتساله هو في هذه الحدود، وقد يزيد قليلاً، وقد ينقص قليلاً.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إن النبي توضأ فأتي بماء في إناء قدر ثلثي المد ...)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار]. محمد بن بشار لقبه بندار، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وذكرت أن محمد بن بشار أحد رجال الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكلهم رووا عنه مباشرةً، ويشابهه ويماثله شخصان سبق أن ذكرتهما فيما مضى، وهما من رجال أصحاب الكتب الستة، بل هما من شيوخ أصحاب الكتب الستة، ومات الثلاثة في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، وكلٌ منهم شيخٌ لأصحاب الكتب الستة، وهم: محمد بن مثنى الملقب بـالزمن، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهذان مع محمد بن بشار ماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهم من صغار شيوخ البخاري. وذكرت فيما مضى: أن محمد بن مثنى قد وافق محمد بن بشار بأنه ولد معه في سنةٍ واحدة، ومات معه في سنةٍ واحدة، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة أحدهما أنه قال: وكانا كفرسي رهان؛ أي: ما كان أحد يسبق الثاني، فالولادة واحدة، والوفاة واحدة، ولهما نفس الشيوخ والتلاميذ. و محمد بن بشار من الثقات, ولقبه بندار. [عن محمد].محمد هنا غير منسوب، وقال عقبه: حدثنا محمد ثم ذكر كلمةً معناها، لا أدري ماذا يريد بهذه الكلمة؟ ومن المعلوم أن الذي يذكر ليس محمد المروي عنه الذي لم ينسب؛ لأن محمداً هو الذي قال: حدثنا محمد، يعني: ابن جعفر، فهو ليس الذي ذكر هذا، وإنما الذي ذكر قبله، إما أن يكون محمد بن بشار هو الذي ذكر هذه الكلمة، والنسائي هو الذي قال: ثم ذكر كلمة معناها؛ لأن الذي قال: حدثنا محمد هو محمد بن بشار، ثم ذكر أيضاً محمد بن بشار كلمةً معناها، ما فهمت هذه الكلمة التي قال: كلمة معناها، فلا أدري ماذا يريد بها؟ هل محمد بن بشار ذكر كلمةً أخرى وراء محمد، فقال: غندر أو قال: ابن جعفر، أو قال كلمةً أخرى؟وأبو داود ذكر محمد بن جعفر, فقال: حدثنا محمد بن جعفر، يعني: سماه ونسبه هناك، وأما النسائي فهو في السنن الكبرى قال مثل ما قال هنا، يعني: قال: ثم ذكر كلمةً معناها، بهذا اللفظ. إذاً: فـمحمد المذكور هنا هو ابن جعفر الذي هو غندر، وهو معروف بالرواية عن شعبة، وأيضاً محمد بن بشار كثير الرواية عن محمد بن جعفر، وكثيراً ما يأتي إذا جاء ذكر محمد غير منسوب, والراوي محمد بن بشار، فالمقصود به: محمد بن جعفر الذي هو غندر، وهذه الكلمة التي جاءت هنا لا أفهم لها معنى، ما أدري ماذا يراد بها؟ لا أدري هل هذا وضعها، أو أن فيها تصحيف، أو فيها زيادة ونقصان؟ [حدثنا محمد]. هو غندر، وقد سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا شعبة ].هو ابن الحجاج وقد مر ذكره، وهو الذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث. [عن حبيب ].حبيب هو ابن زيد الأنصاري، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.[سمعت عباد بن تميم].هو عباد بن تميم بن غزية الأنصاري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن أم عمارة بنت كعب الأنصارية].هي: أم عمارة بنت كعب الأنصارية ، ويقال: اسمها نسيبة، وهي صحابية، وهي تروي هذا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد خرج حديثها أصحاب السنن الأربعة.هنا يقول: سمعت عباد بن تميم يحدث عن جدتي، وفي سنن النسائي الكبرى: عباد بن تميم يحدث عن جدته، وفي سنن أبي داود : عباد بن تميم يحدث عن جدته، وهي جدة لهما جميعاً، فكل منهما صحيح، فما جاء فيه جدتي فالمتكلم هو حبيب بن زيد ، وهي جدة حبيب بن زيد، وما جاء فيه ضمير الغائب إذا قال حبيب بن زيد: عن تميم عن جدته، فالضمير يرجع إلى تميم فهي أم تميم والد عباد. وهي أم عبد الله بن زيد بن عاصم راوي حديث الوضوء، وهو أخوه لأمه؛ لأن عبد الله بن زيد بن عاصم أخو تميم بن غزية من أمه، فهي جدة لـعباد؛ لأنها أم لـتميم والده، وهي أيضاً جدة لـحبيب بن زيد . وقد ذكر المزي في تهذيب الكمال: أنها والدة حبيب بن زيد الأكبر، وجدة حبيب بن زيد الأصغر، وقال: إنه روى عنها، يعني: حفيدها عباد بن تميم، وروى حبيب بن زيد عن مولاة جدته أم عمارة، يعني: فهي جدةٌ للاثنين، فما جاء في بعض الأسانيد من ذكر جدتي، والضمير يرجع إلى المتكلم وهو حبيب بن زيد صحيح، وما جاء من ضمير الغيبة والضمير يرجع إلى عباد بن تميم فهو صحيح أيضاً. ففي سنن النسائي الكبرى, وفي سنن أبي داود: عباد يحدث عن جدته، وفي السنن الصغرى عندنا: يقول حبيب بن زيد عن عباد بن تميم: سمعته يحدث عن جدتي، فكل من الضميرين صحيح؛ لأنها جدة للجميع، جدة لهذا، وجدة لهذا.[قال شعبة: (فأحفظ أنه غسل ذراعيه)]. يعني أنه روى عن حبيب بن زيد أنه غسل ذراعيه ودلكهما، وأنه مسح باطن أذنيه, ولم أحفظ أنه مسح ظاهرهما، يعني: أنه ما حفظ في روايته عن حبيب بن زيد، (أنه مسح ظاهرهما)، لكن قد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على أن المسح للأذنين يكون لباطنهما ولظاهرهما؛ فتكون السبابة في داخل الأذن في باطنها، والإبهام تمسح ظاهرها، فالسبابة تمسح داخل الأذن، والإبهام تمسح ظاهر الأذن، وقد جاء بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالذي ذكر شعبة أنه لم يحفظه في هذا الحديث هو ثابتٌ في بعض الأحاديث الأخرى.
    النية في الوضوء

    شرح حديث: ( إنما الأعمال بالنية...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النية في الوضوء.أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع عن ابن القاسم حدثني مالك، ح وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك -واللفظ له- عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله فهجرته إلى الله وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)].يقول النسائي رحمه الله: باب: النية في الوضوء، ويريد بهذه الترجمة أن الأعمال لا بد فيها من النيات، وأنها تكون معتبرةً بالنيات، وقد أورد تحت هذه الترجمة حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله, فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه). وهذا الحديث حديث عظيم، يدل على أن الأعمال تعتبر بنياتها، وأن الإنسان يحصل الأجر والثواب على حسب النية التي ينويها بالتقرب إلى الله عز وجل. والوضوء هو من الأعمال التي تدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنية)، وفي بعض الروايات: (بالنيات)، ولا تنافي بين النية والنيات؛ لأن النية بالإفراد يراد بها جنس النيات، وعلى هذا تتفق مع لفظ الجمع في رواية: (إنما الأعمال بالنيات). وقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: أنه يحصل الأجر والثواب، ويحصل الجزاء على حسب نيته، فالجملة الأولى: تدل على أن الأعمال إنما تعتبر بنياتها، والجملة الثانية تدل على ما يترتب عليها من الجزاء، وأن لكلٍ من الجزاء والثواب ما نواه، وأن جزاءه على نيته، وثوابه على نيته. ثم أيضاً من المعلوم أن الأعمال منها ما يكون عبادةً وقربةً في أصله؛ كالوضوء, والصلاة وغيرها، ومنها ما يحصل الأجر فيه والثواب إذا حصلت النية فيه؛ كالأكل, والشرب, والإنفاق على الأولاد، فهذه أمور يقوم بها الإنسان، منها ما هو لازمٌ لنفسه، ومنها ما هو لازمٌ لمن يعول، ولكنه يثاب على ذلك إذا نوى، وإذا احتسب الأجر والثواب عند الله، وأما إذا لم يفكر ولم يدر في خلده التقرب إلى الله عز وجل بهذا العمل، فإنه لا يحصل من ورائه شيئاً، وإنما يحصل الثواب والجزاء على العمل الذي هو مباح أو واجب، كالإنفاق على الأولاد، وكالأكل والشرب، فإذا نوى القربة ونوى التقرب إلى الله عز وجل، فإن الله تعالى يأجره على ذلك. ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام ضرب أمثلة ونماذج متفرعة عن هذه القاعدة -التي هي قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى)- فقال عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، فقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)، تقابل: (إنما الأعمال بالنيات)، وقوله: (فهجرته إلى الله ورسوله)، تقابل (وإنما لامرئ ما نوى). فقوله: ( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله )، يعني: أن عنده قصداً حسناً، وعنده نية طيبة، (فهجرته إلى الله ورسوله) يقابل قوله: (وإنما لامرئ ما نوى)، يعني: فيحصل الأجر والثواب لنيته, وعلى تقربه إلى الله عز وجل، فالجملة مكونة من شرط وجزاء، والشرط يرجع للجملة الأولى التي هي النية، والجزاء يرجع للجملة الثانية التي هي حصول الثواب على الأعمال، أو ترتب الثواب على الأعمال.وقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)، اتحد الشرط والجواب، والأصل التغاير بينهما، فهنا حصل الاتحاد، (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)، وإنما يتضح الفرق بينهما والمغايرة بينهما بالتعلق، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله ثواباً وجزاءً، فإذاً كل من الاثنين له متعلق وله تعلق، وبه يحصل التغاير، يعني: فليس الشرط والجزاء متحدين تماماً، ولكن بينهما فرق. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم نموذجاً ومثالاً فيما كان فيه القصد حسناً، والثواب على ذلك طيباً وعظيماً, ذكر مثالاً آخر يتعلق بغير ذلك, فقال: (ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو لامرأةٍ ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)، يعني: من كان قصده الدنيا, فإنه يحصل الدنيا التي أرادها إن شاء الله عز وجل أن يحصلها، ولكن ليس هناك ثواب، ولا هناك أجر؛ لأن النية إنما كانت للدنيا ولم تكن للآخرة؛ لأنه لم يهاجر ابتغاء وجه الله عز وجل، ولنصرة دين الله عز وجل، وإنما هاجر لحظٍ دنيوي، ولرغبةٍ دنيوية، فنصيبه وتعلقه إنما هو في الدنيا.إذاً: هذا الحديث حديث عظيم، ابتدأ به البخاري صحيحه، فهو أول حديث في صحيح البخاري، وإنما ابتدأ به؛ لأن كل عمل إنما هو معتبر بالنية، فلكونه مشتمل على هذه القاعدة وعلى هذا الأساس افتتح به الإمام البخاري صحيحه، وجعله أول حديث في صحيحه، وتبعه على ذلك بعض العلماء، والنووي لما جمع أربعين حديثاً من جوامع الكلم، جعل أول حديث في الأربعين, أول حديث في صحيح البخاري، وجعل ثاني حديث في الأربعين أول حديث في صحيح مسلم الذي هو حديث عمر: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر...)، وهو جبريل.ثم إن إسناد هذا الحديث، يقول فيه النسائي: أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي، عن حماد، والحارث بن مسكين، عن ابن القاسم حدثني مالك، ثم قال: ح، وأخبرنا سليمان بن منصور أنبأنا عبد الله بن المبارك واللفظ له، ثم اتحدت الطرق الثلاث عند يحيى بن سعيد الأنصاري، واتحدت إلى عمر. فإذاً: الحديث جاء من عند النسائي بثلاث طرق، كلها تتلاقى عند يحيى بن سعيد الأنصاري، الطريق الأولى: يحيى بن حبيب بن عربي عن حماد، والطريقة الثانية: الحارث بن مسكين عن ابن القاسم عن مالك، والطريق الثالثة: سليمان بن منصور عن عبد الله بن المبارك، ثم الثلاثة: حماد ومالك وعبد الله بن المبارك كلهم يروون عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وهذه الطرق الثلاث منها طريقان عاليتان الأولى والثالثة، والطريق الثانية نازلة؛ لأن الطريق الأولى والثالثة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري اثنان، والطريقة الثانية الوسطى بين النسائي ويحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط، الذين هم: الحارث بن مسكين، وابن القاسم، ومالك، فهي ثلاث طرق؛ طريقان عاليتان ليس بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري فيهما إلا اثنان، وطريقٌ نازلة بين النسائي وبين يحيى بن سعيد الأنصاري ثلاث وسائط.

    تراجم رجال إسناد حديث: (إنما الأعمال بالنية...)

    قوله: [ أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي ].هو بصري، ثقةٌ، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري شيئاً. [ عن حماد ].هنا حماد غير منسوب، وهو يحتمل: حماد بن زيد وحماد بن سلمة، لكن هو حماد بن زيد؛ لأنه جاء في السنن الكبرى للنسائي تسميته، وأنه حماد بن زيد، ثم أيضاً في ترجمة يحيى بن حبيب بن عربي أنه روى عن حماد بن زيد وما روى عن حماد بن سلمة، ولم يُذكر في مشايخه حماد بن سلمة، وبمثل هذه الطريقة يتضح معرفة الاثنين اللذين يحتمل أن يكون هذا أو هذا؛ بمعرفة الطرق الأخرى، أو قد يصرح به في بعض الطرق كما هنا.الطريقة الثانية: الحارث بن مسكين، وهنا قال: والحارث بن مسكين، ولم يقل: أخبرنا ولا أخبرني، وقد ذكرت سابقاً أن الحارث بن مسكين منع النسائي أن يروي عنه, فكان يأتي ويختفي من وراء الستار ويسمع, ثم يروي، ولكنه ما يقول: أخبرني؛ لأنه ما أراده في التحديث، فيقول: والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، ولا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالتحديث، بل منعه من أن يأخذ عنه، فكان يأخذ عنه خفيةً، ومن وراء الستار يسمع. وقد جاء في بعض الطرق كما مر بنا في النسائي أنه يقول: أخبرنا، إذاً: فقد قصده بالسماع، فيحتمل أن يكون أذن له فيما بعد، فصار يقول: أخبرني، فالحالات التي كان سمع فيها وهو ممنوع، وإنما سمع من وراء الستار دون أن يعلم الحارث بن مسكين ما يقول فيها: أخبرني، والحالات التي يكون حصل له إذن فيها يقول: أخبرني الحارث بن مسكين. و حماد بن زيد الذي ذكرته في الإسناد في الطريق الأولى هو من الثقات, الأثبات، ومن رجال الجماعة كما عرفنا ذلك فيما مضى.وأما الحارث بن مسكين فقد عرفنا أنه ثقةٌ، وأنه خرج حديثه أبو داود, والنسائي.[ عن ابن القاسم ].هو عبد الرحمن كما سبق أن عرفنا ذلك، وهو صاحب الإمام مالك الفقيه المشهور، الذي عُني بجمع مسائل الإمام مالك الفقهية، وكذلك روى الحديث عنه -كما هنا- وكما مر بنا في طرق متعددة يروي فيها عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك الأحاديث، فهو معنيٌ بجمع فقه الإمام مالك، وهو أيضاً يروي الأحاديث عن الإمام مالك، وهو ثقة, روى له البخاري، وروى له النسائي، وأبو داود في كتاب المراسيل, كما سبق أن عرفنا ذلك.[ حدثني مالك ].الإمام مالك هو إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، الإمام المشهور، المحدث, الفقيه، الذي هو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة، والذي له أصحاب عنوا بفقهه، فصار فقهه مدوناً بعناية أصحابه بذلك، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو أحد الأفراد الذين قال عنهم البخاري: إن إسنادهما أصح الأسانيد؛ وهو مالك عن نافع عن ابن عمر. فهذا هو الطريق الثاني، وفيه ثلاثة، فالطريق الأول فيه اثنان، والطريق الثالث ففيه اثنان كذلك.[أخبرنا سليمان بن منصور ].هو البلخي، وهو ثقةٌ, لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة إلا النسائي، فهو شيخٌ للنسائي، ولم يرو عنه الباقون، وهو من الثقات، وهو سليمان بن منصور البلخي، ويلقب بـزرغندة.[ أنبأنا عبد الله بن المبارك ].هو عبد الله بن المبارك المروزي، الإمام, المشهور, المحدث، الذي ذكره في التقريب الحافظ ابن حجر فقال: ثقة، حافظ، حجة، مجاهد، جواد، جمعت فيه خصال الخير. والنسائي لما ذكر الطرق الثلاث إلى حماد بن زيد، وإلى مالك، وإلى عبد الله بن المبارك قال: واللفظ له، يعني: اللفظ لـعبد الله بن المبارك، فليس هذا لفظ مالك ولا لفظ حماد بن زيد، وإنما هو لفظ عبد الله بن المبارك، فذكر ثلاثةً من الرواة، وعين من له اللفظ منهم، يعني: لفظ الحديث الموجود هو لفظ عبد الله بن المبارك؛ ومعناه: أن لفظ مالك ولفظ حماد بن زيد ليس بهذا اللفظ الموجود، بل يختلف عنه شيئاً ما، وأما اللفظ المزبور الموجود, فهو لفظ عبد الله بن المبارك، وهنا تلتقي الطرق الثلاث، وتتحد عند يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنها ثلاث طرق من النسائي: طريقٌ فيها شخصان، ثم طريق فيها ثلاثة، ثم طريق فيها اثنان، ثم تلتقي عند يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم تتحد في طريق واحد.[ عن يحيى بن سعيد ].هو يحيى بن سعيد الأنصاري, المدني، سبق أن مر بنا ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن محمد بن إبراهيم ].هو محمد بن إبراهيم التيمي, المدني، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة أيضاً.[ عن علقمة بن وقاص ].هو علقمة بن وقاص الليثي، وهو أيضاً ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    ترجمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

    قوله: [ عن عمر بن الخطاب ].هذا أول حديث يأتي لـعمر رضي الله عنه، وعمر أمير المؤمنين، وهو أول من سمي بأمير المؤمنين؛ لأن أبا بكر يسمى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما ولي عمر وكان خليفة لـأبي بكر، ولو أضيف إلى أبي بكر لطالت الإضافات، فيقال: خليفة خليفة رسول الله، فأطلق عليه أمير المؤمنين، فهو أول من سمي بأمير المؤمنين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ثاني الخلفاء الراشدين، وأفضل من وطأ على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين وبعد أبي بكر، رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو الذي جاء عن رسول الله عليه الصلاة والسلام فيه المناقب الكثيرة، وأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رأى له قصراً في الجنة، وقال عنه صلى الله عليه وسلم: (ما سلكت فجاً -يخاطب عمر- إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك)، يعني: أن عمر بن الخطاب لا يجتمع هو والشيطان في طريق، فإما عمر وإما الشيطان، فإذا سلك عمر طريقاً هرب منه الشيطان.فهو صاحب المناقب الكثيرة، وقد تولى الخلافة بعد أبي بكر، ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وفي عهده فتحت الفتوح، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الوقت؛ دولة فارس والروم، وأخذت كنوز كسرى وقيصر، وأحضرت إلى عمر في المدينة، وقسمها رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وتحقق على يديه ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن كنوز كسرى وقيصر ستنفق في سبيل الله)، فقد أنفقت في سبيل الله على يد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأحاديثه خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري ومسلم على عشرة، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر حديثاً.ومن الملاحظ الذي يلبس به بعض المخذولين، يقولون: كيف يكون أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي أحاديثهم قليلة، وأبو هريرة أحاديثه كثيرة، مع أن هؤلاء أسلموا في أول من أسلم، وأبو هريرة ما أسلم إلا في السنة السابعة عام خيبر، ومع ذلك تكون أحاديثه بالآلاف، وهؤلاء أحاديثهم بالمئات؟! فبعض المخذولين المرذولين يلبس ويشوش على من لا يفهم من أهل السنة بمثل هذا الكلام، ومن المعلوم أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه حصل له أمور جعلته يكثر حديثه منها:أولاً: كونه ملازماً للرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك. وثانياً: كون الرسول صلى الله عليه وسلم دعا له دعوة ما نسي شيئاً بعدها. ثالثاً: كونه عمِّر وعاش بعد الخلفاء الراشدين مدةً طويلة.رابعاً: أنه كان موجوداً في المدينة والناس يوفدون ويردون على المدينة، فيأخذ ويعطي، فكثر حديثه.وأما الخلفاء الراشدون: أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهراً، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وعمر رضي الله عنه تولى الخلافة ومكث بها عشر سنوات وأشهراً، وكان مشغولاً بالخلافة، وأما أبو هريرة فكان متفرغاً، ما عنده إلا الأخذ والإعطاء في الحديث، ثم كان مقيماً في المدينة، والمدينة يفد لها الناس صادرين وواردين، فيأخذون ما عنده ويعطونه ما عندهم، فكثر حديثه، وصار أن ما وجد عنه من الكثرة لا مجال فيها لتلبيس الملبسين، ودجل الدجالين، وما يحوكه المغرضون الذين يريدون أن يشوشوا على بعض أهل السنة، وعلى بعض الناس في الطعن في أبي هريرة ورواية أبي هريرة، وما إلى ذلك مما يريدونه من السوء، من القصد السيئ.

    غرابة سند حديث: (إنما الأعمال بالنيات)

    هذا الحديث هو من الأحاديث الغريبة التي هي من غرائب الصحيح؛ يعني: ما جاءت إلا من طريق واحد؛ لأن هذا الحديث -(إنما الأعمال بالنيات)- ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر رضي الله عنه، ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة بن وقاص الليثي إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم كثر رواته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وفي الإسناد الذي معنا ثلاثة رووه عن يحيى بن سعيد الأنصاري : حماد بن زيد، ومالك بن أنس، وعبد الله بن المبارك، ورواه جمع كثير انتشر واتسع بعد يحيى بن سعيد الأنصاري، فهو حديث غريب من غرائب الصحيح، ومن المعلوم أن الصحيح لا يشترط فيه تعدد الطرق، فيكفي الطريق الواحدة إذا كان رجالها ثقات, وكان متصلاً، فإنه يكفي في الصحة.فأول حديث في صحيح البخاري حديث ما جاء إلا من طريق واحدة، وآخر حديث في البخاري كذلك؛ وهو حديث: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)، فهذا حديث غريب فرد من غرائب الصحيح، ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة، ولم يروه عن أبي هريرة إلا أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي، ولم يروه عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير إلا عمارة بن القعقاع، ولم يروه عن عمارة بن القعقاع إلا محمد بن فضيل، ثم كثر رواته عن محمد بن فضيل بن غزوان.والغريب والفرد هو: الذي جاء من طريق واحد؛ لأن الأحاديث أو أقسام الأحاديث عند المحدثين أربعة أقسام: غريب، وعزيز، ومشهور، ومتواتر، فالغريب: ما جاء من طريق واحدة، ويقال: له فرد. والعزيز: ما جاء من طريقين؛ يعني: يجيء عن صحابيين، ثم هكذا يتسلسل عن اثنين. والمشهور: ما جاء عن ثلاثة فأكثر ولم يصل إلى حد التواتر. والمتواتر: ما رواه جمعٌ كثير تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستندهم الحس. إذاً: الغريب هو: ما جاء من طريق واحد، فإذا كان رجاله ثقات وهو متصل؛ فإنه يكون صحيحاً كما في هذا الحديث الذي هو فاتحة صحيح البخاري ، وحديث أبي هريرة الذي هو خاتمة صحيح البخاري.ويكون عزيزاً إذا كان فيه صحابيان، ومشهوراً إذا كان فيه ثلاثة صحابة، وهكذا، ولكن ليس لازماً أن يتصل إلى المخرج هكذا، يعني: مثل ما هو موجود عندنا، ليس هو فرداً إلى النسائي، وإنما هو فرد إلى يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اتسع بعد ذلك.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (33)

    باب الوضوء من الإناء - باب التسمية عند الوضوء

    المعجزات التي أيد الله تعالى بها نبيه صلى الله عليه وسلم كثيرة، ومنها: تفجر الماء ونبوعه من بين أصابعه الشريفة، حتى استطاع الصحابة أن يتطهروا بهذا الماء النابع من بين أصابعه، وكفاهم جميعا مع كثرة عددهم.
    الوضوء من الإناء

    شرح حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء من الإناء.أخبرنا قتيبة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضئوا، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب الوضوء من الإناء، وأورد تحته حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه وقد حانت صلاة العصر، فالتمسوا الماء فلم يجدوا، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بوَضوء في إناء -يعني: قليل- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، حتى توضئوا جميعاً ) أي: من هذا الماء القليل الذي بارك الله تعالى فيه بملامسة النبي صلى الله عليه وسلم له، ودعائه عليه الصلاة والسلام، فكثر الماء ببركة ملامسته للماء القليل، وكثره الله عز وجل حتى كفى الفئام الكثيرة من الناس.وهذا الحديث هو من أحاديث دلائل النبوة، ومن الأدلة الدالة على صدقه عليه الصلاة والسلام؛ حيث إن الله عز وجل يجري على يديه هذه الخوارق من العادات؛ فهنا ماء قليل يدخل يده في الإناء, فيتفجر الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام حتى يستفيد الناس جميعاً، وحتى يتوضأ الناس جميعاً من أولهم إلى آخرهم، ولم يبق أحد بحاجة إلى الوضوء.ومحل الشاهد منه: الوضوء من الإناء، فالرسول صلى الله عليه وسلم توضأ من الإناء، والصحابة توضئوا من هذا الإناء الذي فيه ماء قليل, وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، وبارك الله تعالى فيه، حتى كفى الفئام من الناس، وحتى كفى هذا العدد الكبير من الناس.

    تراجم رجال إسناد حديث أنس في نبع الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

    قوله: [أخبرنا قتيبة ].قد مر ذكر قتيبة مراراً وتكراراً، وهو من رجال الجماعة ومن الثقات, الأثبات، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني.[ عن مالك].مالك هو إمام دار الهجرة الذي مر ذكره مراراً، وفي الحديث المتقدم مر ذكره.[ عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ].إسحاق هو أحد الثقات الأثبات, وهو من أهل المدينة، وحديثه في الكتب الستة، وقد سبق أن مر ذكره، بل سبق أن مر قريباً مثل هذا الإسناد تماماً.[ عن أنس ].هنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة يروي عن عمه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وعبد الله بن أبي طلحة الذي هو والد إسحاق هو الذي حنكه الرسول صلى الله عليه وسلم حين ولد، فبعدما وقع في قصة مجيء أبي طلحة إلى أم سليم، وكان لهما ولد، وكان مريضاً، وفي الوقت الذي جاء كان قد مات، وهي لم تخبره بموته، وتجملت وصنعت له طعاماً وأكل ثم جامعها، وقد سألها قبل ذلك عن الولد فقالت: إنه أهدأ ما يكون، وقد سكنت نفسه -وهي صادقةٌ فيما قالت- فهو فهم أنه شفي من المرض، وأنه هدأ نفسه، يعني: كان ثائر النفس من شدة المرض، وأنه هدأ نفسه، وهي تريد أنه هدأ نفسه أي: ذهبت النفس، وأنه استراح ليس فيه حركة، وهو يفهم أنه في راحة، فلما جامعها وأصبح، مهدت لذلك وقالت: أرأيت لو أن أناساً عندهم عارية، فردت العارية إلى صاحبها ما شأنهم؟ ثم قالت: إن ابنك قد مات، فذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حصل، فقال: (بارك الله لكما)، فنشأ عن ذلك الوقاع الذي حصل ولد وهو عبد الله هذا، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحنكه، وعبد الله صار له عدد من الأولاد وفيهم خير، ومن أهل علم، وفيهم إسحاق هذا الذي يروي عن أنس بن مالك الذي هو أخو أبيه لأمه؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه؛ لأن أم عبد الله هي أم سليم أم أنس بن مالك، وإسحاق كما ذكرت هو من رجال الجماعة, ومن الثقات الأثبات, يروي عن أنس بن مالك، وأنس بن مالك صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مر ذكره في أحاديث عديدة، وهو من السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق أن ذكرت ذلك فيما مضى.

    شرح حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجدوا ماءً، فأتي بتور فأدخل يده، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول: حي على الطهور، والبركة من الله عز وجل)، قال الأعمش: فحدثني سالم بن أبي الجعد قال: قلت لـجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: ألفاً وخمسمائة ].هنا أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو بمعنى حديث أنس بن مالك المتقدم: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدعا بوضوء، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا، فأتي بتور فيه ماء -والتور هو الإناء، ويقال: مثل الطست- فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فيه، فجعل ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، فتوضئوا جميعاً وناداهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: حي على الطهور والبركة من الله)، يعني: هذا الماء الذي هو قليل، وهو طهور يتوضأ به، بارك الله تعالى فيه حتى كثر وكفى الفئام من الناس.ثم ذكر الأعمش -وهو أحد رواة الأحاديث- أنه روى عن سالم بن أبي الجعد قال: ( كم كنتم يومئذ؟ قالوا: كنا ألفاً وخمسمائة )، وكان هذا في غزوة الحديبية، وهذا حديث آخر غير حديث عبد الله؛ لأن جابراً يروي هذا الحديث، وعبد الله بن مسعود يروي هذا الحديث، فإذاً: هذان حديثان: حديث عن جابر، وحديث عن عبد الله بن مسعود، وهذا الحديث -كما ذكرت في الحديث السابق- من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، وهو أن الماء القليل يكون في إناء، ثم يبارك الله فيه فيكفي لألف وخمسمائة من الناس يتوضئون منه؛ لأن الأصل أن هذا الإناء يكفي لوضوء شخصٍ واحد، لكن أنزل الله تعالى فيه البركة، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، حتى كفى ألفاً وخمسمائة من الناس توضئوا منه، فهو من دلائل نبوته الكثيرة، وهو من الأحاديث العديدة الدالة على ما ساقه الله على يديه من الخوارق للعادات.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في تفجر الماء من بين أصابع النبي ووضوء الناس منه

    قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم ].طريقة النسائي -كما هو معلوم- المطردة في هذا الكتاب وغيره من كتبه أنه يقول: (أخبرنا). وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو أحد الثقات الأثبات، وهو محدث, فقيه، وقد خرج له أصحاب الكتب إلا ابن ماجه، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة كلهم رووا عنه مباشرةً إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً، وهو الذي سبق أن ذكرت أن من عادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا) في روايته عن شيوخه.[أخبرنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام الصنعاني، المحدث, الفقيه, المشهور، ويأتي ذكره عند النسائي لأول مرة، وهو من رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، هو أحد الثقات الحفاظ، ورحل العلماء إليه في اليمن لأخذ الحديث عنه، وكان مكثراً من الرواية في الحديث. وقيل عنه: إنه تشيع، لكن تشيعه هو من جنس -كما ذكرت سابقاً- تقديم علي على عثمان في الفضل، وتقديم علي على عثمان في الفضل لا يؤثر، ولا يبدع من قال به، وفيه جماعة من السلف يقولون بذلك، منهم: عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وعدد يقولون بهذا، وإن كان المشهور عند أهل السنة تقديم عثمان على علي في الفضل كما أنه مقدم عند الجميع في الخلافة، التقديم بالخلافة فما أحد يقول من أهل السنة: إن علياً أولى منه؛ لأن الصحابة اتفقوا على ذلك، فمن قال: بأن علياً أولى، فمعناه: أنه قال قولاً يخالف ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ضلال بلا شك، ولهذا قال بعض العلماء: من قدم علياً على عثمان في الخلافة فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، أما تقديمه عليه بالفضل فقد جاء عن بعض السلف، لكن لا يبدع من يقول به، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر الواسطية، وقال: إن هذا لا يؤثر ولا يضر، ولا يبدع من يقول به، وإنما الذي يبدع فيها مسألة الخلافة؛ لأن معنى من قال بها أنه خالف ما عليه الصحابة، وخالف ما أطبق عليه الصحابة، وأجمع عليه الصحابة من تقديم عثمان على علي، والمشهور عن أهل السنة أن عثمان هو المقدم في الفضل كما هو المقدم في الخلافة، وقد جاء في ذلك أحاديث تدل على هذا؛ لأنهم كانوا في عهدهم يقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان، يعني: في زمن النبي عليه الصلاة والسلام.[أخبرنا سفيان، عن الأعمش]. سفيان هنا مهمل لم ينسب، وعبد الرزاق روى عن السفيانين: سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، والسفيانان رويا عن الأعمش، فإذاً : بالنسبة للشيوخ والتلاميذ فـالأعمش شيخ لـسفيان الثوري ولـسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق تلميذ لـسفيان بن عيينة ولـسفيان الثوري، فإذاً :كيف يعرف أيهما؟ نقول: من المعلوم أن سفيان بن عيينة مكي، وسفيان الثوري كوفي، والأعمش كوفي، فإذاً: الأقرب والأظهر أن يكون هو سفيان الثوري، مع أننا ما وجدنا شيئاً يدلنا على تسمية سفيان وتعيينه، هل هو الثوري أو ابن عيينة؟ لكن كون الثوري من أهل الكوفة، والأعمش من أهل الكوفة، ومن المعلوم أن العلماء إذا كانوا في بلد يكون اتصالهم بهم أكثر، والأخذ عنهم أكثر، بخلاف من لا يلقاه إلا في سفر عارض طارئ فترة ثم ينقطع، فإن من كان من أهل بلده، ومن كان يلتقي به مراراً وتكراراً يكون أقرب إلى أن يكون هو المعني، فإذاً :كون سفيان الثوري من أهل بلد الأعمش الذي هو (شيخه) فإنه يدل على أن سفيان الذي لم ينسب هنا هو الثوري.والأعمش هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي الذي سبق أن مر ذكره كثيراً، والأعمش لقب له، وهو يأتي باسمه ويأتي بلقبه، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، خرج حديثه أصحاب الكتب.[عن إبراهيم ]. إبراهيم هو: ابن يزيد النخعي الكوفي، الإمام, المشهور والمعروف بالفقه والحديث، فقد سبق أن مر ذكره فيما مضى.[عن علقمة].علقمة يأتي ذكره لأول مرة، وهو: علقمة بن قيس النخعي، صاحب عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعلقمة هذا هو عم الأسود بن يزيد وعبد الرحمن بن يزيد؛ لأن يزيد الذي هو والد الأسود وعبد الرحمن بن يزيد بن قيس هو أخو علقمة، فهو عمٌ لـعبد الرحمن، وعم للأسود بن يزيد بن قيس، وعلقمة هذا من الثقات، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الله بن مسعود].هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وكان متقدم الوفاة -توفي سنة اثنين وثلاثين- ولهذا فإنه لا يعتبر من العبادلة الأربعة، فإذا ذكر في الصحابة العبادلة الأربعة فليس فيهم ابن مسعود، وإنما هم صغار الصحابة: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وابن الزبير، فهؤلاء هم العبادلة الأربعة، وليس فيهم عبد الله بن مسعود ؛ لأن ابن مسعود توفي سنة اثنين وثلاثين، وأما هؤلاء فتأخرت وفاتهم؛ منهم من فوق السبعين ومنهم قبل ذلك، فهم يعتبرون من صغار الصحابة، وكانوا في عصرٍ واحد، وطالت حياتهم بعد وفاة عبد الله بن مسعود؛ ولهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة، وعبد الله بن مسعود ليس واحداً منهم، رضي الله تعالى عن الجميع، وحديثه في الكتب الستة كما سبق أن عرفنا ذلك فيما مضى.وفي إسناد الحديث المتقدم قال الأعمش: حدثني سالم بن أبي الجعد، -وهذه طريق أخرى غير الطريق الأولى- قال: سألت جابراً -والسائل هو سالم بن أبي الجعد-: ( كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفاً وخمسمائة ). وسالم بن أبي الجعد هو من أهل البصرة، وهو من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب. وجابر بن عبد الله هو: جابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد سبق أن مر ذكره فيما مضى، وحديثه في الكتب الستة.
    التسمية عند الوضوء

    شرح حديث: (... توضئوا باسم الله...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التسمية عند الوضوء.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ثابت وقتادة عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ( طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مع أحدٍ منكم ماء؟ فوضع يده في الماء ويقول: توضئوا باسم الله، فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه حتى توضئوا من عند آخرهم، قال ثابت: قلت لـأنس: كم تراهم؟ قال: نحواً من سبعين ).يقول النسائي رحمه الله: باب التسمية عند الوضوء، يعني: في ابتداء الوضوء، عندما يبدأ الإنسان في الوضوء، أو يريد أن يتوضأ يسمي الله عز وجل، وقد أورد النسائي هذه الترجمة لبيان مشروعية التسمية، وأورد تحتها حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: ( أن بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام طلبوا الوضوء، فقال عليه الصلاة والسلام: هل أحد معه ماء؟ فأوتي بماء ووضع يده فيه وقال: توضئوا باسم الله، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضئوا جميعاً )، ثم قال ثابت البناني -وهو أحد الراويين اللذين رويا عن أنس هذا الحديث-: (كم تراهم)؟ يعني: هؤلاء الصحابة الذين توضئوا. قال: (نحواً من سبعين). والمقصود من إيراد الحديث: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله)، فهذا هو المقصود من إيراد الحديث هنا؛ وهو للاستدلال به على مشروعية التسمية عند الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا باسم الله)؛ أي: مبتدئين باسم الله، أو قائلين: باسم الله، وهو يدل على هذا، وقد ورد حديث صريح في المسألة؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)، وقد تكلم فيه، ولكن طرقه كثيرة، ويقوي بعضها بعضاً، ولهذا فإن بعض العلماء قال: بأنه مستحب، وبعضهم قال: بأنه واجب مع الذكر، أما إذا لم يذكر ونسي فإنه لا شيء عليه في ذلك، وقال السندي في حاشيته: لعل النسائي لم يذكر هذا الحديث لما فيه من الكلام، وأتى بهذا الحديث المشتمل على التسمية، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (توضئوا باسم الله).ولفظ (الوضوء) الذي في الحديث: (أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم طلبوا الوضوء) هو بفتح الواو، وقد عرفنا فيما مضى أن ما كان مفتوحاً من هذا اللفظ فالمراد به الماء الذي يتوضأ به، وإذا كان مضموماً فالمراد به الفعل الذي هي التوضؤ، فكون الإنسان يتوضأ بالفعل، هذا يقال له: وضوء، والماء الذي يستعمل في الوضوء يسمى وَضوءاً.وهذا الحديث أيضاً من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ حيث يبارك الله عز وجل بالماء القليل الذي يضع يده فيه فيكفي الفئام من الناس، ويكفي الأعداد الكبيرة من الناس، فإن هذا الحديث يقول فيه أنس: إنهم كانوا (نحواً من سبعين)، وقد عرفنا سابقاً ما جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ( أنهم كانوا ألفاً وخمسمائة )، يعني: في الحديبية، وجاء في بعض الطرق: ( ولو كنا مائة ألف لكفانا )، فهذه الأحاديث هي من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، حيث تقع أمور خارقة للعادة يجريها الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، فهنا ماء قليل يكون في إناء فيبارك الله تعالى فيه؛ حيث يضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يده فيه، فيتفجر الماء من بين أصابعه ويفور حتى يكفي الأعداد الكبيرة الهائلة من الناس، فهو من دلائل نبوته عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... توضئوا باسم الله ...)

    قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ].هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وهو محدث, فقيه، إمام، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنهم رووا عنه مباشرةً، وهو من شيوخهم جميعاً إلا ابن ماجه فإنه لم يرو عنه شيئاً، ولم يخرج عنه شيئاً، وهو من الحفاظ والثقات, المتقنين المؤلفين، ولـإسحاق بن راهويه مسند، وعادته وطريقته أنه يستعمل (أخبرنا)، كما كانت هذه طريقة النسائي، حيث يقول عن شيوخه: أخبرنا، وكذلك إسحاق بن راهويه يقول عن شيوخه: أخبرنا.[أنبأنا عبد الرزاق ]. هو ابن همام بن نافع الصنعاني، الإمام المشهور, الذي رحل الناس إليه في اليمن، وأخذوا الحديث عنه، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، وقد مر ذكره فيما مضى.[حدثنا معمر ]. هو ابن راشد الأزدي البصري، نزيل اليمن، وهو من الثقات الحفاظ، ومن رجال الجماعة، وهو شيخ لـعبد الرزاق، روى عنه عبد الرزاق كثيراً من الأحاديث، وكثيراً ما يأتي في الصحيحين رواية عبد الرزاق عن معمر، بل إن صحيفة همام بن منبه التي تشتمل على مائة وأربعين حديثاً تقريباً هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام؛ لأن الصحيفة كلها بهذا الإسناد: عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهي في مسند الإمام أحمد كلها، وهي ضمن مسند أبي هريرة، ويفصل بين كل حديث وحديث بقوله: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا؛ أي: يأتي بإسناد واحد في أولها ثم يفصل بين كل حديث وحديث بهذه الجملة. والبخاري ومسلم انتقيا من هذه الصحيفة؛ فأحاديث اتفقا على إخراجها، وأحاديث منها انفرد بإخراجها البخاري، وأحاديث منها انفرد بإخراجها مسلم، وقد ذكرت فيما مضى أن هذا من أوضح الأدلة التي استدلوا بها على أن البخاري ومسلماً لم يقصدا استيعاب الصحيح، ولم يريدا جمع الأحاديث الصحيحة كلها، وأنه لا يقال: إنهما أرادا ذلك؛ لأن هذه الصحيفة بإسناد واحد منها ما هو موجود عند البخاري , ومسلم، ومنها ما هو موجود وعند البخاري وحده ومنها ما هو موجود عند مسلم وحده، فلو كانت القضية جمع الأحاديث الصحيحة لاستوعباها، وإنما ذكرا بعضها اتفاقاً، وكل واحد منهما أخذ ما لم يأخذ الآخر، وتركا منها أشياء ليست عندهما، فإذاً: هذا من أوضح الأدلة التي يستدل بها على أن البخاري , ومسلماً ما أرادا استيعاب الأحاديث الصحيحة، ولا تخريج كل الأحاديث الصحيحة، وإنما أرادا جمع جملة كبيرة من الأحاديث الصحيحة، وليست كل الأحاديث الصحيحة، ولهذا فإن استدراك الحاكم عليهما لا وجه له؛ لأنهما ما أرادا الاستيعاب، فإلزامهم بأن هذا على شرطهم وما خرجوه ليس بلازم لهما؛ لأنهما لم يلتزما حتى يلزما، ولم يلتزما حتى يقال: فاتهما.وهنا قتادة معطوف على ثابت؛ لأن معمراً روى عن ثابت وعن قتادة، وكل من الاثنين يروي عن أنس بن مالك، فـقتادة مجرور، لكونه ممنوعاً من الصرف فيكون مفتوحاً, لكن لا يكون مضموماً؛ لأنه سيكون معطوفاً على معمر، ومن المعلوم أن قتادة متقدم وفاته قبل العشرين ومائة، وأما عبد الرزاق فولادته بعد العشرين ومائة، فهو ما أدرك زمانه.[عن ثابت وقتادة].ثابت هو ابن أسلم البناني الذي سبق أن مر ذكره، وهو من الثقات الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب.وقتادة هو ابن دعامة السدوسي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من الثقات، ومن رجال الكتب الستة، خرجوا حديثه جميعاً.[عن أنس].هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكره مراراً، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة رواية الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.قال ثابت: قلت لـأنس: (كم تراهم) يعني: تظنهم، وقوله: (نحواً) يدل على أن القضية ظن وليست علم؛ لأن ترى بالفتح بمعنى العلم، وأما تُرى بالضم فهي بمعنى الظن, وهي المطابقة لقوله: (نحواً من سبعين). أقول: هما قضيتان: القضية التي يرويها أنس، وقضية صلح الحديبية التي فيها حديث جابر الذي قال: (كنا ألفاً وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا)، هذه مسألة أخرى. وحصول دلائل النبوة، وحصول هذه الخوارق للعادات جرت في قصص متعددة وفي أحوال مختلفة، جمعها الذين عنوا بدلائل نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، مثل: أبي نعيم, ومثل: البيهقي، وإسماعيل الأصبهاني، والفريابي، وغيرهم كثير، وكتبهم اسمها: دلائل النبوة، فيجمعون مثل هذه الأحاديث التي فيها معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم، ودلائل نبوته، والخوارق للعادات التي أجراها الله تعالى على يديه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه ومن الكتب: (دلائل النبوة للبيهقي)، و(دلائل النبوة) لـأبي نعيم الأصبهاني، و(دلائل النبوة) لـإسماعيل الأصبهاني الذي هو قوام السنة، وكذلك (دلائل النبوة) للفريابي، وغيرهم ألفوا في هذا، وقد عنوا بجمع ما كان من هذا القبيل.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله


    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (34)

    (باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء) إلى (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً)

    جاء في شرعنا الحنيف جواز صب الماء على الرجل وهو يتوضأ، لا سيما إذا كان كبيراً في قومه، وليس ذلك مما يذم به فاعله، كما أنه يجوز الوضوء مرة مرة، أو مرتين مرتين, أو بعض الأعضاء مرة وبعضها مرتين، أو بعضها مرتين وبعضها ثلاثاً.
    صب الخادم الماء على الرجل للوضوء

    شرح حديث المغيرة في صبه الماء على رسول الله ليتوضأ

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوءأخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له عن ابن وهب عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة أنه سمع أباه رضي الله عنه يقول : (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)، قال أبو عبد الرحمن: لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. هنا أورد النسائي رحمه الله باب صب الخادم الماء على الرجل للوضوء. هذه الترجمة أوردها النسائي ليبين أن مثل هذا العمل لا بأس به، يعني : كون الإنسان يخدم غيره فيصب عليه الماء وهو يتوضأ، وقد فُعِل به مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما حصل من المغيرة في هذا الحديث؛ لأنه قال: (سكبت له وضوءه)، فكان مثل هذا العمل سائغاً وجائزاً، ولا بأس به، وإنما الذي لا يصلح هو كونه يوضأ؛ بحيث يصب على وجهه ويغسله, ثم يغسل يديه، هذا هو الذي لا يفعل إلا عند العجز للحاجة والضرورة، أما مع القدرة فلا يفعل؛ لأنه لم يأت شيء يدل عليه.وفي هذا استخدام الأحرار، وأنه لا بأس بذلك، لا سيما إذا أرادوا ذلك ورضوا به، ووافقوا عليه، وإن لم يكن ذلك الغلام مولى له، بل هو حر يخدم غيره، ،كأنس بن مالك رضي الله عنه خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنوات وهو من الأحرار.[عن عروة بن المغيرة: أنه سمع أباه يقول: (سكبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توضأ في غزوة تبوك، فمسح على الخفين)].وفي الحديث المسح على الخفين، وسيأتي الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه )، يعني: في تلك الحالة التي خدمه فيها المغيرة، حيث صب عليه الماء.

    تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صبه لماء على رسول الله ليتوضأ

    قوله: [أخبرنا سليمان بن داود والحارث بن مسكين]. وسليمان بن داود يأتي ذكره لأول مرة في الأسانيد، وهو سليمان بن داود المهري المصري أبو الربيع، وقد روى عنه النسائي , وأبو داود، ولم يخرج له الباقون، وهو ثقةٌ، والحارث بن مسكين سبق أن مر ذكره مراراً، وقلنا : إنه أحياناً يقول : أخبرنا الحارث بن مسكين، وأحياناً يعطفه على غيره ولا يصرح بأخبرنا عند ذكره، وذكرت السبب في ذلك وهو: أنه كان يمنع النسائي من أن يأخذ عنه، فكان النسائي يختفي من وراء الستار ويسمع ويروي عنه , ولكن لا يقول: أخبرني، وإنما يقول: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع . ولكنه جاء في بعض الأحاديث كما مر يقول النسائي: (أخبرنا الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع )، وعلى هذا يكون حصل له إذن بعد المنع، ويكون في كل حالة يروي على حسب ما اتفق له، ففي الحالة التي منع فيها لا يقول: أخبرني؛ لأنه ما قصده بالإخبار، وفي الحالة التي أذن له يقول فيها: أخبرني. والحارث بن مسكين من الثقات، وهو قاضٍ في مصر، وروى له أبو داود , والنسائي مثل سليمان بن داود الذي قبله؛ لأن كلاً منهما خرج له النسائي , وأبو داود، ولم يخرج لهما الباقون.[قراءةً عليه وأنا أسمع واللفظ له].يعني: هذا اللفظ الموجود الذي أثبته في نهاية الحديث ونهاية الإسناد هو لفظ الحارث بن مسكين، وليس لفظ سليمان بن داود؛ يعني: أن سليمان بن داود رواه بالمعنى، وأما الحارث بن مسكين فهو بهذا اللفظ الموجود، وهو كثيراً ما يأتي ويقول: واللفظ له، هذا يتكرر في سنن النسائي في غالب المواضع التي مرت.[عن ابن وهب]. هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي المصري , المحدث , الفقيه، والإمام المشهور، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من الثقات الحفاظ، مكثر من رواية الحديث. [عن مالك ويونس وعمرو بن الحارث]. إذاً: عبد الله بن وهب يروي عن ثلاثة أشخاص، روى عنه في هذا الحديث أو في هذا السند اثنان مصريان، وهو مصري، ويروي هو عن ثلاثة: عن مالك بن أنس، وعن يونس بن يزيد الأيلي، وعن عمرو بن الحارث المصري، يروي عنهم جميعاً، والثلاثة يروون عن الزهري.ومالك بن أنس سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة، وهو الإمام المشهور، وحديثه في الكتب الستة.ويونس بن يزيد الأيلي أيضاً مر ذكره، وهو من الثقات، من رجال أصحاب الكتب الستة.وعمرو بن الحارث المصري هو أيضاً من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، ويأتي ذكره هنا لأول مرة.[عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وقد سبق ذكره مراراً، وهو من الحفاظ، ومن الفقهاء، وهو أول من قام بجمع السنة بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله -كما سبق أن مر ذلك- وحديثه في الكتب الستة، وهو معروف بفضله، وبعلمه، وبعلو منزلته، وهو من المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وما أكثر ما يأتي ذكره في أسانيد كتب السنة.[عن عباد بن زياد].عباد بن زياد ثقة، ويأتي ذكره لأول مرة، وقد خرج له مسلم , وأبو داود, والنسائي؛ يعني: مثل الذين خرجوا لشيخي النسائي في هذا الحديث وهم: الحارث بن مسكين، وسليمان بن داود المصري أبو الربيع يضاف إليهم الإمام مسلم، فهؤلاء الثلاثة خرجوا لـعباد بن زياد. وهذا هو أخو عبيد الله بن زياد الأمير المشهور، وهذا أيضاً تولى الإمارة، كان والي سجستان. [عن عروة بن المغيرة بن شعبة]. عروة بن المغيرة بن شعبة هو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة.[عن المغيرة بن شعبة]. أما المغيرة بن شعبة فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والمعروف بدهائه، وبفطنته، وبقوته، وشجاعته رضي الله عنه وأرضاه، وقد تولى إمارة البصرة، وإمارة الكوفة، وكان من الذين جاهدوا في سبيل الله.وقد ذكر البخاري في صحيحه قصة له مع الفرس، وأنهم لما ذهبوا إليهم طلبوا واحداً يتكلم معهم , فكلمهم المغيرة، فذكر كلاماً عظيماً يبين فيه حالهم قبل الإسلام، وأن الله عز وجل أرسل لهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنهم آمنوا به، وأن الله تعالى أعزهم به، وأن من أطاعهم فإنه يسلم، ومن لم يدخل في هذا الدين فإنهم يجاهدونه حتى يملكهم الله رقابهم، وحتى يدخلوا في دين الله عز وجل، قال هذه المقالة العظيمة كما ذكرها البخاري رحمه الله في صحيحه، وهذا من قوته، وعزة نفسه، وشجاعته، وصدعه بالحق، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وله في الكتب مائة وستة وثلاثون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على تسعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بحديثين. [قال أبو عبد الرحمن : لم يذكر مالك عروة بن المغيرة]. يعني: أن الذين ذكروا في الإسناد عروة بن المغيرة هم الاثنان الآخران اللذان هما : عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد الأيلي، أما الإمام مالك فهو لم يذكر عروة بن المغيرة.
    الوضوء مرةً مرة

    شرح حديث ابن عباس في الوضوء مرةً مرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوضوء مرةً مرة.أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن سفيان حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة)].هنا أورد النسائي رحمه الله باب: الوضوء مرةً مرة. والمقصود من ذلك : بيان أن الوضوء يصح أن يكون مرة مرة؛ بمعنى: أنه يغسل كل عضو مرة واحدة، يغسل وجهه مرة واحدة، ويغسل يديه إلى المرفقين مرة واحدة، ويمسح رأسه -ومسح الرأس لا يتكرر- ويغسل رجليه مرة واحدة، وهذا هو أقل شيء يجزئ.وجاء عنه: (مرتين مرتين)، وجاء عنه: (ثلاثاً ثلاثاً)، وجاء أيضاً غسل بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثاً، أو بعضها مرة وبعضها مرتين، كل هذا جاء وبابه واسع. وترجم النسائي هنا باب: الوضوء مرة مرة، وأورد فيه حديث ابن عباس أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوضأ مرةً مرة).قوله رضي الله عنه: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟) فيه بيان حرص الصحابة على تعليم السنن، وتعليم الناس أحكام الدين، وأنهم كانوا يفعلون ذلك بدون أن يطلب منهم ذلك، بل إن ابن عباس قال : ألا، وهذه المقصود منها التنبيه؛ يعني: يعرض عليهم وينبههم حتى يستعدوا, وأن يتهيئوا، ثم قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟).وهذا من فضلهم ونبلهم وحرصهم على الخير، وحرصهم على بيان السنن وإيصالها إلى الناس، فهم الحريصون على كل خير، والسابقون إليه، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.ثم إنه: (توضأ مرةً مرة) فهذا معناه في بعض الأحوال، وليس دائماً وأبداً، بل أكثر الأحوال أنه كان يتوضأ (ثلاثاً ثلاثاً)، ولكن كونه يفعله (مرةً مرة) فهو دال على الجواز، لكن لا بد من الاستيعاب، ومن التحقق من أن الماء في هذه المرة أصاب جميع أعضاء الوضوء.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في الوضوء مرة مرة

    قوله: [ أخبرنا محمد بن المثنى].محمد بن المثنى يأتي لأول مرة ذكره، وهو رفيق محمد بن بشار الذي هو بندار، قد سبق ذكره مراراً, أما محمد بن المثنى هذا يقال له : الزمن , وهو العنزي، وهو من الثقات , الحفاظ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة، رووا عنه جميعاً، وخرجوا حديثه، ورووا عنه مباشرةً، كما رووا عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، ومحمد بن بشار الملقب بندار، فهؤلاء الثلاثة شيوخٌ لأصحاب الكتب الستة، والثلاثة كانت وفاتهم في سنة واحدة، وهي سنة مائتين واثنين وخمسين، قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، فهم من صغار شيوخ البخاري. [حدثنا يحيى]. هو ابن سعيد القطان، الإمام المشهور, المحدث، الإمام في الجرح والتعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، فهو من المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن الثقات، الحفاظ، سبق أن الذهبي قال عنه وعن عبد الرحمن بن مهدي : إذا اتفقا على جرح شخص فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما أصابا الهدف في جرحهما.وقد جاء الحديث في سنن ابن ماجه، وصرح فيه بـالقطان، قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان، يعني: سماه. وأما النسائي فاكتفى بقوله : يحيى، وذكرت -فيما مضى- أن أحسن طريقة يمكن أن يعرف بها الرجل المبهم هو: أن يتتبع طرق الحديث في الكتب، فإذا وجد في بعضها التصريح بتسميته زال الإشكال، وعرف من هو، وأما إذا لم يعرف مصرحاً به في بعض الأسانيد, فعند ذلك ينظر في الشيوخ والتلاميذ, وقد ذكرت -فيما مضى- أن في طبقة يحيى بن سعيد القطان: يحيى بن سعيد الأموي، لكن يحيى بن سعيد الأموي غالباً ما يروي عنه ابنه سعيد، وهنا في هذا الإسناد -الذي معنا- جاء التصريح في سنن ابن ماجه باسمه ونسبه, وأنه يحيى بن سعيد القطان.وهنا يروي عن سفيان، وسفيان -كما عرفنا- المشهور بذلك اثنان : سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، لكن جاء في بعض الطرق عند الترمذي في الجامع تسميته أنه الثوري، فهو الذي روى هذا الحديث عن زيد بن أسلم.وسفيان الثوري من رجال الجماعة، ومن الثقات, الحفاظ، المتقنين، بل هو أحد الذين وصفوا بذلك الوصف العظيم الذي هو: أمير المؤمنين في الحديث، بل من العلماء من يقدمه على شعبة بن الحجاج، وذكرت لكم وجه التقديم؛ لأنهم إذا أرادوا أن يقارنوا بين الثقتين, وأيهما أحفظ, فإنهم يعدون أخطاءهم القليلة، فمن وجدوا خطأه أقل اعتبروه أحفظ، وإن كان خطؤهم جميعاً قليلاً، لكن هذه عند المقارنة بين المبرزين وبين المتفوقين، فهذه هي الطريقة التي كانوا يميزون بها بين المتفوقين في الحفظ. [حدثنا زيد بن أسلم]. زيد بن أسلم هو من الثقات، وهو من رجال أصحاب الكتب الستة، وهو مدني. [عن عطاء بن يسار]. عطاء بن يسار هذا أيضاً من الثقات، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد المكثرين، وقد سبق ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـأبي العباس، وقد ذكرت لكم -فيما مضى- أن بعض العلماء يقول: ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس إلا اثنان: هما ابن عباس، وسهل بن سعد الساعدي .محمد بن المثنى، ويحيى بن سعيد القطان، وسفيان الثوري، وزيد بن أسلم، وعطاء بن يسار وابن عباس، وهؤلاء جميعاً ممن خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة. والحديث الذي مر معنا ليس بموقوف, بل يعتبر مرفوعاً؛ لأنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ ثم توضأ مرة مرة).
    الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    شرح حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. أخبرنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا الأوزاعي حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب : (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما توضأ ثلاثاً ثلاثاً، يسند ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم)].هنا ذكر النسائي رحمه الله باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً. يعني: كونه يغسل كل عضو ثلاث مرات، فيغسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ويمسح رأسه مرةً واحدة؛ لأن المسح لا يتكرر، وإنما هو مرة واحدة؛ لأنه لو كرر لصار غسلاً، وهو مسح وليس بغسل، ويغسل الرجلين ثلاث مرات، فالوضوء ثلاثاً ثلاثاً لما يغسل، وأما ما يمسح فإنما يكون مرة واحدة، وهذا هو الغالب على فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا هو إسباغ الوضوء، ولا يزيد على ذلك.(أن عبد الله بن عمر توضأ ثلاثاً ثلاثاً يسند ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم)؛ يعني: هذا الفعل الذي فعله ثلاثاً ثلاثاً يسنده ويضيفه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه وضوء رسول الله عليه الصلاة والسلام، فليس هذا موقوفاً على ابن عمر، وإنما هو مرفوع؛ لأن معنى (يسنده) أي: يرفعه للرسول صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوضوء ثلاثاً ثلاثاً

    قوله: [أخبرنا سويد بن نصر].سويد بن نصر ثقة، وخرج حديثه الترمذي , والنسائي، وهو يروي عن عبد الله بن المبارك، بل هو راويته، ولهذا فالمواضع التي مر فيها سويد عن عبد الله، ولم تنسب، فهو عبد الله بن المبارك؛ لأنه راويته، وهو مروزي، كما أن عبد الله بن المبارك مروزي، فهما من بلد واحد.وأما عبد الله بن المبارك فحديثه عند أصحاب الكتب الستة، قال عنه الحافظ في التقريب : ثقة، حافظ، عالم، جواد، مجاهد، جمعت فيه خصال الخير.[أخبرنا الأوزاعي]. هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، وكنيته أبو عمرو، وكنيته توافق اسم أبيه؛ لأن كنيته أبو عمرو وأبوه عمرو، وهو عبد الرحمن إمام أهل الشام، وإذا ذكر الحديث والفقه بالشام، فالذي يتبادر إلى الأذهان : الأوزاعي؛ لأنه معروف في الحديث والفقه في الشام، فهو محدث الشام وفقيهها، وهو معروفٌ بفقهه وحديثه وكثرة روايته، وكثرة ما يضاف إليه من مسائل الفقه رحمة الله عليه، وحديثه في الكتب الستة، وهو أحد الحفاظ, الثقات, المتقنين المعروفين، المبرزين.[حدثني المطلب بن عبد الله].المطلب بن عبد الله بن حنطب قال عنه في التقريب : إنه صدوق كثير التدليس والإرسال، وقد روى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة.وهنا هذا اللفظ يحتمل الإرسال والتدليس؛ لأن التدليس يكون فيما إذا سمع من الشخص وروى عنه مدلساً بـ (عن) أو (قال)، أما الإرسال بالمعنى الواسع الأعم فهو: أن يكون سماعه لم يثبت عنه وإنما يرسل إليه، وهو أن يقول لمن لم يلقه : قال فلان، سواءً كان معاصراً له أو لم يعاصره.والعبارة هذه: (أن عبد الله بن عمر) ليس فيها ذكر تحديث، ولا ذكر سماع، ولا ذكر اتصال، فهو محتمل، لكن الوضوء ثلاثاً ثلاثاً جاء عن عدد كبير من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام وكلها ثابتة، ولو لم تأت لكان الأمر محتملاً الضعف.وابن عمر رضي الله عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المكثرين من رواية الحديث، وقد مر ذكره مراراً.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (35)

    باب صفة الوضوء، غسل الكفين - باب كم تغسلان

    من الآداب الشرعية التي دلت عليها السنة استحباب غسل اليدين ثلاثاً قبل البدء بغسل المفروض في الوضوء؛ حفاظاً على نقاوة الماء، وحتى لا يتغير بما يكدره مما كان عالقاً في اليدين قبل غسلهما.
    صفة الوضوء، غسل الكفين

    شرح حديث المغيرة في صفة الوضوء

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [صفة الوضوء، غسل الكفين. أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري عن بشر بن المفضل حدثنا ابن عون عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن المغيرة وعن محمد بن سيرين عن رجل حتى رده إلى المغيرة قال ابن عون: ولا أحفظ حديث ذا من حديث ذا, أن المغيرة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر, فقرع ظهري بعصا كانت معه، فعدل وعدلت معه حتى أتى كذا وكذا من الأرض، فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني، ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه، فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين، فأخرج يده من تحت الجبة فغسل وجهه وذراعيه، وذكر من ناصيته شيئاً وعمامته شيئاً -قال ابن عون: لا أحفظ كما أريد- ثم مسح على خفيه، ثم قال: حاجتك؟ قلت: يا رسول الله! ليست لي حاجة، فجئنا وقد أم الناس عبد الرحمن بن عوف، وقد صلى بهم ركعة من صلاة الصبح، فذهبت لأوذنه فنهاني، فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا)].يقول النسائي رحمه الله في صفة الوضوء وبدأ بغسل اليدين؛ وذلك أن اليدين عندما يريد الإنسان أن يتوضأ يغسلهما أولاً خارج الإناء إذا كان يتوضأ من إناء، فإذا غسلهما خارج الإناء بعد ذلك يدخل اليد اليمنى في الإناء، ويخرج منها الماء الذي يغسل به أعضاءه. وقد أورد النسائي في ذلك حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه, (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر)، وكان هذا في غزوة تبوك كما سبق (وكان يمشي، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وقرب منه، وقرع ظهره بعصا) يعني: لمسه بها، يريد أن ينبهه على أن يتبعه من دون أن يتكلم معه، وليس المراد من ذلك الضرب، فذهب الرسول صلى الله عليه وسلم لقضاء حاجته، وذهب وراءه، وكان على بعيره، وهذا على بعيره، ثم أناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره، ثم ذهب حتى توارى، يعني: أبعد.ثم إنه جاء بعد أن قضى حاجته وقال: (هل معك ماء؟ فقال: نعم وإذا معه سطيحة، فأفرغ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسل يديه ووجهه)، وهذا هو محل الشاهد؛ يعني: أول شيء عمله أنه غسل يديه، والمقصود من غسل اليدين: غسل الكفين، وليس غسل اليدين الذي هو أحد أركان الوضوء؛ لأن غسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، ثم غسل وجهه، ولما أراد أن يغسل يديه، وإذا عليه جبة شامية ضيقة الكمين، فلم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يحسرها، وأن يخرج ذراعيه مع فتحاتها المخصصة لليدين، فأخرجهما من تحت الجبة؛ يعني: عليه ألبسة أخرى غير الجبة، وليس معنى ذلك أنه ليس عليه إلا الجبة، وأنه أظهر يديه من تحت الجبة فينكشف ما تحت الجبة، لا، وإنما عليه غير ذلك، فأخرج اليدين من تحت الجبة وغسل وجهه وذراعيه.وذكر الغسل هنا، وقد ذكره قبل، وكأنه بدأ بغسل الوجه، ثم أراد أن يغسل اليدين فلم يتمكن، فأخرج يديه من تحت الجبة وأعاد غسل وجهه؛ يعني: أنه كرر غسل الوجه، ثم غسل ذراعيه.والمقصود من غسل الذراعين: غسلهما إلى المرفقين، ويدخل أيضاً في ذلك اليدان اللتان غسلتا أولاً؛ لأن غسل اليدين الذي يكون بعد الوجه إنما يكون لكامل اليد إلى المرفقين. (وذكر من ناصيته شيئاً، ومن عمامته شيئاً)؛ يعني: أنه مسح على الناصية والعمامة، والعمامة إذا كانت مشدودة، ومحكم شدها على الرأس، وخلعها يكون فيه مشقة؛ فإنه يمسح عليها وعلى الناصية؛ أي: ما ظهر من الناصية من الرأس مما لم تغطه العمامة. أما إذا كان الرأس غير مغطى، أو كانت تغطيته بشيء ليس فيه صعوبة، مثل الألبسة التي علينا كالغتر، فإزالتها ومسح الرأس متعين، وإنما العمامة التي يمسح عليها هي التي تكون محكمة ومشدودة، ويكون المسح عليها مثل المسح على الخفين. قال ابن عون: (لا أحفظ كما أريد) يعني: أنه ما حفظ أو ما ضبط هذا الحديث؛ لأنه ذكره عن راويين، ولم يميز حديث هذا من هذا؛ فمزج بين الروايتين دون أن يعرف أن هذه اللفظة لفلان وهذه اللفظة لفلان، ولكن المجموع هو للاثنين؛ إما مجتمعين، وإما أن هذه اللفظة لواحد، وهذه اللفظة لواحد. (ثم مسح على الخفين) يعني: كان عليه الخفان عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الروايات: (أن المغيرة أهوى لينزعهما، قال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين).والحديث جاء في الصحيحين وفي غيرهما، إلا أنه ليس في الصحيحين ذكر العمامة والناصية.قوله: (حاجتك، فقلت: ليست لي حاجة) يعني: هل تريد شيئاً؟ فقال: (ليس لي حاجة). قال: (ثم جئنا)؛ يعني: جاء الرسول صلى الله عليه وسلم من قضاء حاجته وقد تأخر، وإذا مجتمع الناس والجيش الذين كانوا معه في الطريق إلى تبوك يصلون ويؤمهم عبد الرحمن بن عوف ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة، وقد صلى الناس ركعة، فأراد المغيرة أن يخبر عبد الرحمن بن عوف وهو في الصلاة بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم، فأرشده بأن يدعه وألا ينبهه، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وصلى ودخل مأموماً وراء عبد الرحمن بن عوف وصلى الركعة الباقية، ولما سلم عبد الرحمن قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المغيرة وقضيا الركعة الباقية عليهما، وكانت الصلاة صلاة صبح.وهذا الحديث يدل على أن الجماعة إذا تأخر عليهم الإمام، ورأوا أنهم يؤدون الصلاة ولا ينتظرونه -يعني إذا طال انتظاره- أن ذلك لا بأس به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك. [(فأناخ ثم انطلق، قال: فذهب حتى توارى عني)]؛ أي أناخ راحلته وكان راكباً عليها، وذهب حتى توارى؛ أي: ذهب بعيداً، و(كان عليه الصلاة والسلام إذا ذهب المذهب أبعد), كما عرفنا ذلك في أول كتاب السنن، فمن الأبواب والتراجم التي بدأ بها النسائي: الإبعاد عند قضاء الحاجة، وهنا يقول المغيرة: (حتى توارى) يعني: حتى اختفى عنه.[(ثم جاء فقال: أمعك ماء؟ ومعي سطيحة لي فأتيته بها فأفرغت عليه)] بمعنى: أنه يصب عليه - كما فعل أنس رضي الله عنه في الحديث الذي مضى- ليغسل ويتوضأ، وأن هذا سائغ -أي: إحضار الماء للمتوضئ، وصبه عليه، والمتوضئ يوضئ نفسه - وقد جاءت به السنة، أما كونه يوضئ غيره؛ يغسل وجهه، ويغسل يديه ورجليه فهذا لم تأت به السنة، إلا إذا كان هناك ضرورة تقتضي هذا، فلا بأس بذلك.[(فغسل يديه ووجهه، وذهب ليغسل ذراعيه وعليه جبة شامية ضيقة الكمين)].لو لم يأت نص على المضمضة والاستنشاق في بعض الأحاديث لما دخلت، ولكن لما جاء ما يدل على أن المضمضة والاستنشاق تدخل في الوجه، وأنها من ضمنه؛ اعتبرت من الوجه، لكنها قبله.وأبو بكر رضي الله عنه -كما هو معلوم في مناسبات- ذات مرة كان في أول الصلاة، فجاء الرسول وتقدم، فالتفت أبو بكر وإذا الرسول خلفه، فقال له: مكانك، ثم إنه تقهقر وتقدم الرسول وصلى، فلم يكن إماماً للرسول صلى الله عليه وسلم، والمرة الثانية لما كان يصلي بالناس في مرض موته عليه الصلاة والسلام، فجاء وجلس على يسار أبي بكر، فصار الرسول هو الإمام وأبو بكر واقف عن يمينه يبلغ الناس، أي: الرسول يكبر وأبو بكر يكبر يبلغ الناس، فلم يؤم رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإنما الذي أمَّه في ركعة واحدة هو عبد الرحمن بن عوف كما جاء في الصحيحين وغيرهما، ولهذا أبو نعيم في معرفة الصحابة، كان من عادته إذا بدأ بالترجمة للصحابي يأتي بكلام مسجوع، فيه ثناء على ذلك الصحابي، وذكر شيء من مناقبه، ثم بعد ذلك يبدأ بذكر الأحاديث التي تتعلق به بأسانيده، فقال عن عبد الرحمن بن عوف: إمام المصطفى. وكما هو معلوم الغسل يتكرر، وأكثر المعروف من فعل الرسول وعادته أنه يكرر الغسل للوجه، ولليدين، وللرجلين، يعني: أكثر ما كان يفعل الرسول أنه يغسل ثلاثاً ثلاثاً، فيمكن أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم غسل مرة واحدة، ثم بعد ذلك لما نزع الجبة وأخرج يديه من تحتها غسل وجهه، فيكون كرر الغسل؛ لأنه أول غسل، أي: بدأ بالغسل قبل أن ينزع الجبة، وبعد ذلك غسل الوجه بعد أن أخرجهما من الجبة, ومعناه: أنه كرر غسل الوجه.(فصلينا ما أدركنا, وقضينا ما سبقنا) أي: ما فاتنا وسبقنا، فأول صلاة المسبوق ما يدركه؛ لأنه إذا جاء مع الإمام وهو يصلي فيعتبر ما أدركه هو أول صلاته، وما يقضيه بعد فراغ إمامه آخر صلاته، والحديث ورد في ذلك: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فكلمة: (فأتموا) واضحة في أن ما يأتي به الإنسان بعد السلام هو آخر الصلاة، وليس أول الصلاة، ورواية: (أتموا)، أكثر رواة وأصح؛ وجاء في رواية: (اقضوا)، و(اقضوا) أيضاً تتفق مع (أتموا)؛ لأن القضاء يأتي بمعنى الإتمام، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت:12]، يعني: أتم خلقهن، فتتفق رواية: (اقضوا)، مع رواية: (أتموا).وبعض العلماء يقول: إن ما يدركه المسبوق هو آخر صلاته، وما يقضيه أول صلاته، ويستدل برواية: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)، يعني: أن الذي أدركه هو آخر الصلاة، والذي يقضيه هو أول الصلاة، لكن القول بأن ما يدركه أول الصلاة، وما يقضيه آخر الصلاة متفق مع رواية: (فأتموا). والمحصل: أنه لو دخل الإنسان في الصلاة، فأول ما يفعله يكون أول صلاته، وليس آخر صلاته، وهنا يقول: (فصلينا ما أدركنا)، فيكون أول صلاتهم، (وقضينا ما سبقنا)، يعني: أننا أتينا بالذي سبقنا به والذي فاتنا، فيكون هو آخر الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث المغيرة في صفة الوضوء

    قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم البصري].هو: محمد بن إبراهيم بن صدران البصري المؤذن، قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق، ورمز لكونه من رجال أبي داود، والترمذي، والنسائي، بدون ابن ماجه، فهؤلاء خرجوا حديثه ورووا له في كتبهم. [عن بشر بن المفضل].بشر بن المفضل هو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، قال عنه الإمام أحمد: إليه المنتهى في التثبت في البصرة، و(إليه المنتهى) هذه من صيغ التعديل القوية الرفيعة؛ أي: من أرفع وأعلى صيغ التعديل، وهو ممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن عون].هو عبد الله بن عون، وهو أيضاً بصري، ثقة، ثبت، حافظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عامر الشعبي].عامر يأتي لأول مرة، وهو عامر بن شراحيل الشعبي، وهو مشهور باسمه وبنسبته التي هي الشعبي، وأحياناً يأتي بـالشعبي، وأحياناً يأتي بـعامر، وهو ابن شراحيل، وهو من الثقات، الحفاظ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عروة بن المغيرة].هو عروة بن المغيرة بن شعبة، وقد سبق ذكره، وأنه ثقة من رجال الجماعة.[عن المغيرة].يعني: عن أبيه المغيرة، وأبوه المغيرة سبق ذكره، وحديثه في الكتب الستة، وذكر عن ابن عون طريقين، هذه هي الطريق الأولى: ابن عون يروي عن عامر الشعبي عن عروة بن المغيرة عن أبيه المغيرة، وطريق أخرى: عن ابن عون يرويها عن محمد بن سيرين عن رجل عن المغيرة. وابن سيرين من الثقات، الحفاظ، وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.والرجل المبهم هنا ذكر الحافظ ابن حجر في باب المبهمات في آخر التقريب وتهذيب التهذيب أن اسمه: عمرو بن وهب الثقفي. ابن حجر في آخر كتاب التقريب، وآخر كتاب التهذيب ذكر أسماء المبهمين بترتيب أسماء الذين رووا عنهم؛ يعني الآن هنا محمد بن سيرين هو الراوي عن المبهم، وذكر أسماء الرواة عن المبهمين على حروف المعجم، فيقول مثلاً: ذكر محمد بن سيرين، ثم المواضع التي جاء ذكر من يروي عنه مبهماً، ومنها هذا الموضع، قال: روى عن رجل عن المغيرة في المسح على الخفين، وقال: هو عمرو بن وهب، وكان قد قال: إنه لم يستقص في هذا الباب كل من أبهم في الكتب الستة، وإنما ذكر من سمي أو من عرف اسمه، أما من لم يذكر اسمه ولم يوقف على اسمه فإنه لا يذكره في هذا الباب.إذاً: المبهم هنا هو عمرو بن وهب الثقفي، قال عنه في التقريب: إنه ثقة، وقد خرج له البخاري في القراءة خلف الإمام، وخرج له النسائي. والمحصل أنه لا يؤثر ذكر إبهامه بعد أن عُلم وعرف، ومن المعلوم أنه لو لم يكن معلوماً، أو لم يكن الرجل معروفاً، فإن الحديث من هذا الطريق الموجودة لا يعول عليها، باعتبار أن كل لفظ منه يحتمل أن يكون من المبهم، لكن الحديث موجود من طرق أخرى في الصحيحين وفي غيرها.
    كم يغسلان

    شرح حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كم يغسلان.أخبرنا حميد بن مسعدة عن سفيان - وهو ابن حبيب- عن شعبة عن النعمان بن سالم عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استوكف ثلاثاً)].هنا ثم ذكر النسائي باب: كم يغسلان؛ يعني: الكفين؛ لأن هذه الترجمة تابعة للترجمة التي قبلها، والضمير في التثنية فيها يرجع إلى الكفين اللذين هما موضوع الترجمة السابقة، وهو: غسل الكفين، وهنا المقصود من ذلك عدد الغسلات، كم تغسل الكفان إذا أراد الإنسان أن يبدأ بالوضوء؟ ثم أورد حديث أوس بن أبي أوس أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فاستوكف ثلاثاً)، و(استوكف) قيل: هو من الوكف؛ وهو تقاطر الماء، ومنه وكف الماء إذا نزل من السطح؛ يعني: تقاطر الماء، وقالوا: إن المراد بذلك من استوكف؛ يعني: أنه غسل يديه وغسل أعضاءه حتى تقاطر منها الماء.ثم قيل: معناه: أنه غسل يديه خاصة، وقيل: إن معناه ما هو أوسع من ذلك؛ يعني: أنه فعل الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، ويدخل ضمن ذلك غسل اليدين، أي: غسل اليدين أولاً، وغسل الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين بعد الوجه، وغسل الرجلين، هذه كلها تثلث، وأما مسح الرأس فلا يكرر. وقد جاء في بعض الروايات أو بعض الأحاديث أنه أفرغ على يديه ثلاثاً، وهو حديث عثمان الذي سيأتي بعد هذا، وهو واضح في غسل يديه ثلاثاً؛ لأنه قال: (أفرغ على يديه ثلاثاً)، يعني: من الإناء، فهذا هو الذي فيه النص على الغسل، وأما هنا فقال: (استوكف ثلاثاً)، فهو يشمل اليدين وغير اليدين.

    تراجم رجال إسناد حديث أوس: (رأيت رسول الله استوكف ثلاثاً)

    قوله: [أخبرنا حميد بن مسعدة]. حميد بن مسعدة قيل عنه في التقريب: إنه صدوق، خرج له أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان وهو ابن حبيب].كلمة: هو ابن حبيب أتى بها من دون تلميذ سفيان؛ لأن تلميذ سفيان لا يحتاج إلى أن يقول: (هو)، بل ينسبه كما يشاء، ولكن إذا كان تلميذه أتى بكلمة واحدة ليس لمن دونه أن يضيف إليها شيئاً؛ لأنه لو أضاف إليها شيئاً لظن أن هذا اللفظ كله لفظ التلميذ، ولما كان الأمر يحتاج إلى بيان، ولكن أتوا بما يدل على أن البيان ممن دون التلميذ، ولهذا يقولون: هو ابن فلان، أو يعني: ابن فلان، أو يعني: الفلاني، وهكذا من الصيغ التي تستعمل.وسفيان بن حبيب ثقة، وقد خرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم، ولا البخاري في الصحيح. [ عن شعبة ].هو شعبة بن الحجاج الذي يروي عنه سفيان بن حبيب، هذا هو الإمام المشهور, المحدث المعروف بإمامته، ومعرفته بالجرح والتعديل، وهو ممن وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث.[ عن النعمان بن سالم ].النعمان بن سالم هو الطائفي، ثقة، خرج حديثه مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[ عن ابن أوس بن أبي أوس ].هو ابن أوس بن أبي أوس، وابن أوس جاء هنا بهذا اللفظ (عن ابن أوس بن أبي أوس) وجاء في تحفة الأشراف أنه قال: عن النعمان بن سالم (عن ابن ابن أوس) يعني: أنه حفيد؛ وهذا هو المتفق مع جده؛ لأنه قال: عن جده، يعني: ابن ابن أوس، والجد هو أوس، وعلى ما هو موجود هنا مستقيم ليس فيه إشكال، فـابن أوس ابنه يروي عن جده، وهو منسوب إلى جده، ولم ينسب إلى أبيه. وهذا شيء معروف يأتي في التراجم أن الإنسان ينسب إلى جده، وكثيراً ما ينسب الإنسان إلى جده. مثاله: الزهري يقال له: ابن شهاب، وشهاب هذا من أجداده، وهذا جد أبيه؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فــشهاب جد وعبيد الله هو جد الزهري، إذاً: هناك مسافة في نسبه.فإذاً: لا تنافي بين هذا وهذا، فكونه قال: عن ابن أوس بن أبي أوس عن جده معناه: أنه منسوب إلى جده، أو كما عند المزي في تحفة الأشراف: عن ابن ابن أوس بن أبي أوس، ذكر (ابن) مرتين يعني: أنه حفيد، وذكر أيضاً المزي في تحفة الأشراف قال: المحفوظ أنه عن ابن عمرو بن أوس، يعني: ذكر أبا الراوي عن جده وهو عمرو بن أوس، عن ابن عمرو بن أوس ولم يذكر اسم الراوي الذي هو الحفيد، ولكنه ذكر اسم الأب، وقال: إنه المحفوظ؛ لأنه قال: إن بعض الرواة روى عن عبد الرحمن أو عثمان بن عمرو. وفي سنن البيهقي: عن النعمان بن سالم عن ابن عمرو بن أوس عن جده أوس فهنا ذكر أباه وأنه عمرو، وأنا لم أتحقق من معرفة هذا الراوي الذي هو الحفيد وعن اسمه، حتى الآن لم أقف على تعيينه على التحديد، وعلى ما قيل فيه، وطبعاً هو الراوي وليس الراوي أباه؛ لأن أباه ليس من الرواة، وإنما الراوي هو الحفيد، والألباني في صحيح سنن النسائي قال: إنه صحيح الإسناد، ولكن تعيين هذا الشخص باسمه، ومن هو هذا الحفيد وماذا قيل فيه لم أقف عليه، ولعلي أتمكن من ذلك في المستقبل وأنبه عليه إن شاء الله.وأما أوس بن أبي أوس الراوي فهو صحابي الحديث الذي يقول: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ فاستوكف ثلاثاً).ثم ما يدل عليه الحديث من التثليث سواءً كان لليدين أو لجميع الأعضاء, جاء في بيانه أحاديث صحيحة غير هذا الحديث المجمل، ومنها: حديث حمران عن عثمان الذي بعد هذا، غسل يديه ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وغسل رجليه ثلاثاً، فالتثليث موجود ثابت لأعضاء الوضوء كلها، إلا المسح على الرأس. وأما غسل اليدين عند الاستيقاظ من النوم فبعض العلماء قال بالوجوب، وبعضهم قال بالاستحباب، ولكن بالنسبة للغسل أو بالنسبة للوضوء ليس واجباً الغسل ثلاثاً، لا لليدين ولا لسائر الأعضاء، بل يكفي مرة مرة كما عرفنا ذلك، والزائد على ذلك مستحب.
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,053

    افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

    شرح سنن النسائي
    - للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
    - كتاب الطهارة
    (36)

    (باب المضمضة والاستنشاق) إلى (باب المبالغة في الاستنشاق)

    إن الهدي المنقول عن صاحب الشريعة مداومة المضمضة والاستنشاق في الوضوء، وأنهما تكونان باليد اليمنى، وجاءت التوسعة في كيفيتهما وصلاً وفصلاً، مع الإشارة إلى قاعدة سد الذرائع في نهي الصائم عن المبالغة في الاستنشاق حتى لا يترتب عليه إفساد صومه.
    المضمضة والاستنشاق

    شرح حديث عثمان في صفة وضوء النبي

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [المضمضة والاستنشاق.أخبر
    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •