مشاكل الأبناء وكيف تتعامل معها
د- ناصر العمر












· استقرار الأسرة من أقوى دعائم تربية الأولاد تربية صالحة، والعمود الفقري في ذلك قوة العلاقة بين الزوجين، والاحترام المتبادل بينهما حقيقةً لا تكلّفاً، وما قد يحدث بينهما من مشكلات أو اختلاف يجب ألا يكون أمام الأولاد بل في معزل عنهما، ويجب على كل واحد منهما أن يعظم قدر الآخر في نظر الأولاد، ويحافظ على هيبته ومكانته.
· لا تكن مثالياً، في عدم توقع حدوث المشكلات، بل كن متوقعاً لذلك، فإذا وقعت هان عليك أمرها، وإن لم تقع ستعيش في راحة بدون ثمن مثلاً، توقع أن أحد أبنائك قد يكسر زجاج النوافذ أو الإضاءة بالكرة، أو أن أحدهم سيسكب العصير على الكتب، واعلم أن هذا شيء طبيعي، لكن لا يعني إقراره والرضاء به، ولكنه يعطيك قدرة عجيبة على التعامل معه، فإن لم يقع فهنيئاً لك بسعادة لم تتكلفها، ومثلاً توقعك أن السيارة ستبقى ممتازة كما اشتريتها عدة سنوات، فمجرد أن يلمسها أحد أطفالك سيرفع الضغط عندك ويبدأ الصراخ والشجار، فكيف أن تعلق بها وأحدث بها ضرراً، هنا ستقع القاصمة فقد تحدث عاهة في ابنك أو في نفسك حسية أو معنوية وأنت لا تشعر، مع أن الأمر كان أسهل من ذلك، فكن واقعياً ودرّب نفسك على ذلك، وإياك والإهمال واللامبالاة.
· وقوع المشكلات العائلية أمر لا مناص منه، وقد يكون حرصك الشديد على عدم وقوع مشكلة هو السبب في وقع تلك المشكلات، فكن واقعياً، وإذا وقعت المشكلة فلا بد أن تعالجها بحكمة حتى لا تعقدها فقد تكون مشكلة صغيرة، وحلها يسير، ولكن أسلوبك في حلها قد يجعلها عويصة بعيدة الأثر والتأثير، وهي أشبه بحل عقد الشعر، أو لعبة المكعبات.
· قناعتك بأن علاقتك بأبنائك ضرب لازب يجعلك تتكيف مع واقعهم، وتعالج مشكلاتهم بواقعية وهدوء، وحذار أن تحدث نفسك يوماً بأن تتخلص من أحد أبنائك لخطأ وقع فيه أو سلوك لا ترضى عنه، ما لم يكن جرماً عظيماً "فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ" (التوبة: من الآية114).
· تذكر أن أبناءك سيكبرون يوماً، وتنتهي معاناتك، حيث يساعدك ذلك على الصبر والتحمل وحسن مواجهة المشكلات، بل إنهم سيتحملون جزءاً كبيراً من مشكلات الأسرة ومعاناتها، بل دعني أصدقك القول: إنهم سيتحملون جزءاً من مشكلاتك ومعاناتك عندما تبدأ خطواتك إلى أرذل العمل – إن مدّ الله في أيامك ولياليك_، وكما تدين تدان، واليوم قرض وغداً وفاء.
· من المسلّم به اختلاف أمزجتنا، وتغير أحوالنا، وتقلب حالتنا، تبعاً للظروف التي نعيشها، فحذار أن تتخذ قراراً مهماً وأنت في غير حالتك الطبيعية التي عرفها من نفسك، سواء كانت حالتك في وضع سيئ لأمر اعتراك أو في حالة فرح وسرور غير طبيعي، فقد تسيء في الأول، وقد تتحمل وتعد ما لا تقدر عليه في الثاني، أجّل قراراتك في حل المشكلات إلى أن تعود إلى وضعك الطبيعي، فالمشكلة العادية تكون غير ذلك في حالة الفرح والسرور أو الحزن والضيق والمرض، درّب نفسك على ذلك حتى لا تفقد أعصابك بلا ثمن، فإنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يصطبر يصبره الله، والوضع غير السوي ينتج عملاً غير سوي، ولذلك تكره صلاة الحاقن، ويحرم حكم الغضبان ولا تقبل صلاة السكران.
· معايشتك لمشكلات أبنائك يزيد من التقارب والألفة، ولا أشد على المرء من شعوره بأن من حوله يتجاهلونه، وبخاصة أبويه، وإذا كنت تحب أن يشاركك الناس في مشكلاتك ويشعرونك بتعاطفهم معك، فالناس كذلك، وأبناؤك أشدّ وأحوج، فتفقد أبناءك، وأشعرهم بتعاطفك معهم إن واجه أحد منهم مشكلة أو مرض، وإياك أن تتجاهلهم، فذلك جرح لا يندمل، وقد يبدو لك أن مشكلاتهم صغيرة لا تستحق الاهتمام، وهذا خطأ وسوء تقدير، فمشكلاتهم على قدر أعمارهم، فعطب في لعبة ابنك أعظم عنده من انشطار سيارتك إلى نصفين، ومشكلته مع ابن الجيران أكبر عنده من قيام حرب بين دولتين.
· مشكلتنا أننا نقف عند ظواهر المشكلات دون تعمق في تحليلها وسيرها والبحث عن أسبابها، ولذلك تأتي الحلول غير عملية، بل مؤقتة، وأحياناً يأتي العلاج بعكس ما أردنا، فتتعمق المشكلة وتزداد، ولو قمنا بدراسة المشكلة دراسة شاملة، متأنية ثم حللنا أسبابها وآثارها وأسلوب علاجها، لجاءت النتائج مبهرة دون ثمن باهظ.
أرى أن مفتاح حلّ مشكلة الابن يكمن بمعرفة شخصيته ونفسيته، ونوازعه، ثم القدرة على التعامل مع تلك الخصائص والنوازع بتوازن وحكمة وطول نفس، والعجيب أن كثيراً من الآباء يجهلون أبناءهم، ولذلك يتعاملون معهم تعاملاً عكسياً، والأم – غالباً- أقدر من الأب على معرفة خصائص الابن وغرائزه، والإخوة الكبار يدركون عن إخوانهم ما لا يعرفه الأب، والأصدقاء والرفقة قد يكونون أقدر وأعرف من الجميع، والمهم الإفادة من الجميع لتقويم شخصية الابن حتى يتمكن الوالدان من التعامل معها بصورة صحيحة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والله _سبحانه_ قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
أما الشجار:
· لا تنزعج كثيراً من الخلافات بين الأولاد فهي طبيعية، على أن تكون داخل دائرة معقولة.

· حذار من خروج أسرار بيتك إلى الآخرين، وبخاصة ما فيها من خلاف وشجار _إن وجد_.
· قد يكون الشجار بين أولادك يسيراً، ولكنك تجعله معقداً وصعباً حينما تتدخل فيه، ولو جعلته يمر لربما انتهى خلال دقائق معدودة دون أن تبذل أي جهد إلا أن تضبط نفسك وتضغط على أعصابك، فلا تجعل ضعفك سبباً لأزمات الآخرين.
· الفصل بين القوات: تذكر هذا المصطلح العسكري عندما ينشب خلاف بين الأولاد فلا أجد حلاً إلا بإبعاد أحدهما عن الآخر، إما إبعاداً جزئياً أو كلياً لمدة من الزمن، وهو من الحلول العملية إذا استخدم بمهارة وحكمة "وفرقوا بينهم في المضاجع".
· تنبأ بالحدث من مقدماته حتى يسهل القضاء عليه قبل أن يستفحل فيصعب علاجه، فمثلاً قد تسمع ببداية الخلاف بين أولادك ، فبإمكانك مناداة أحدهما بشكل عفوي وإرساله في مهمة تنسيهما الموضوع.
· كم نسيء إلى أنفسنا وإلى غيرنا في كثير من الأحيان، ولا نغير من الواقع شيئاً، وذلك عندما نفقد الحكمة والاتزان عند معالجتنا لكثير من الأمور، وبخاصة ما يقع من الأولاد، فمثلاً عندما يتشاجر الأولاد، بل قد يصل إلى العراك بينهم سرعان ما نتصرف تصرفاً غير منطقي فندخل طرفاً ثالثاً في الشجار والعراك، ولو أننا نظرنا إلى هذا الأمر نظرة طبيعية، وهذا لا يعني اللامبالاة والتسيب وترك الحبل على الغارب، ولكنه شيء من الحكمة والتعقل، ووضع الأمر في نصابه، كل ذلك سيحقق لنا مكاسب جمة، منها أننا سنحافظ على صحتنا وأعصابنا، ومنها أننا لن نجرح مشاعر أبنائنا ونسيء إليهم، ومنها قدرتنا على تلمس أسباب المشكلة ومن ثم حلّها، إلى غير ذلك من الفوائد التي لا تخفى، إنني أدرك أن هذا الأمر يحتاج إلى تدريب للنفس، وعدم انسياق مع الغرائز والانفعال، وقد تجد صعوبة في أول الأمر، ولكنه يصبح سجية وألفة بعد ذلك، وهذا يذكرني بما يفعله كثير من الناس عند وقوع الحوادث، فالاستعجال بإسعاف المصابين وبخاصة من المقربين قد يسيء إليهم، بل قد يفقدون حياتهم بسبب الانفعال الزائد وعدم القدرة على التحكم في الأعصاب مما تكون معه طريقة الإسعاف خاطئة تسيء إلى المصاب، بينما أننا إذا تحكمنا في أعصابنا، وعالجنا الحادثة بهدوء ورويّة ساعدنا ذلك على إنقاذ المصاب وحسن التعامل معه، ولذلك فأقدر الناس على إسعاف المصاب أبعدهم قرابة، لاعتدال انفعالهم وضبط توترهم، فهلا كنت كذلك مع أولادك لتصل إلى الهدف؟
· الكذب أساس كل خصلة ذميمة، وقد ينزعج الأب إذا علم أن ابنه يضرب إخوانه، أو يستمع إلى الأغاني، ولا ينزعج إذا علم أن ابنه يكذب، بل قد يشجعه على ذلك وينمي فيه تلك الخصلة وهو لا يشعر علماً أن تلك الخصال وأمثالها لا تقارن بخصلة الكذب، حيث إن تلك يسهل التخلص منها، أمّا الكذب فهو داء عضال من ابتلي به قلّ أن ينجو منه أو من آثاره، ولذلك يجب الحزم في التصدي لهذه الخصلة إن ابتلي بها أحد من أولادك، واحذر أن تكون سبباً في ذلك، وكن متيقظاً فالأولاد لديهم مهارة في إخفاء كذبهم، ولولا ذلك لما وقعوا فيه.
· ومع أنني لا أميل إلى العقاب في كثير من تصرفات الأبناء إلا أنني أؤيد استخدام الضرب عند الكذب إذا لم تجد مع أبنائك الوسائل الأخرى، حيث لا يحتمل الأمر طول النفس والتساهل، وكثير من الأخطاء تعالج بالتدرج، أما الكذب فلا بد من اقتلاعه من جذوره، والتدرج ينمّيه ولا ينقصه وليتواطأ أهل البيت على الصدق، فبه نجا كعب بن مالك وصاحباه، وبالكذب هلك المنافقون "وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ" (المنافقون: من الآية1).