حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله) - الصفحة 2
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 37 من 37
1اعجابات

الموضوع: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (21)




    ثانيًا: الاستقامة في العبادة

    إذا استقام الإنسان عقديًا، وصار لديه يقينًا بأركان الإيمان الستة، فإن هذه الاستقامة وهذا اليقين الصحيح يؤثر على سلوكه العملي، وينعكس على واقعه، في عباداته وعلاقاته مع الناس، فالاستقامة في العقيدة هي التصور الصحيح والاستقامة في العبادة هي ترجمة هذا التصور إلى واقع ملموس، من خلال وظيفة الإنسان التي كلفه الله بها في الأرض وهي استخلافه وعبادته، لقوله جل ذكره: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}(1)، وأجلى صور الاستقامة في العبادة هي أداء أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة وحج، لأنها تعدّ سنام العبادات جميعها، وهي الثمرة الأولى لاستقامة العقيدة، لأن من أهم مقتضيات استقامة العقيدة أن هذا الإله الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه، وبعث مع كل مخلوق رزقه، وبيده مقاليد أمور الكون، وإليه معادها، إن هذا الإله هو الوحيد الذي يستحق العبودية، ويستحق أن توجه إليه الأعمال، فثمَّة علاقة وطيدة بين استقامتي العقيدة والعبادة، يقول تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(2).
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
    (1)
    [الذاريات: 56]

    (2)
    [الأنعام: 162]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (22)



    ثالثًا: الاستقامة في التشريع


    أما الاستقامة في التشريع فتعني التحاكم إلى منهج الله تعالى في جميع العلاقات والمعاملات، ابتداء من علاقة الإنسان مع أسرته في بيته وانتهاء بعلاقته مع القضايا المصيرية الكبرى، وإن الحياد عن هذا المنهج والتحاكم إلى غيره يعدّ خرقًا عقديًا خطيرًا يجلب غضب الله تعالى وسخطه على الناس، لأن التحاكم إلى غير منهج الله تعالى يدل على وجود منهج وقانون أفضل وأصلح منه، وإن الاعتقاد بهذا يعد كفرًا واضحًا، لذا جاء التحذير الإلهي للأمة من مغبة اللجوء إلى تشريع آخر، أو التحاكم إلى قوانين بشرية ظالمة، وأنه لا سبيل لهم ولا اختيار إلا التحاكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، يقول تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(1).

    ويقول أيضًا: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}(2)

    ففي ظل هذا التشريع الرباني تتحقق العدالة والمساواة بأجلى صورها، لأن الناس سواسية أمام حكم الله، فلا يستثني هذا الحكم أحدًا مهما بلغ من الجاه والمكانة والنسب بين قومه، فيجلس في الخصومات الغني مع الفقير، والسيد مع عبده، والأمير مع مأموره، والتاريخ الإسلامي حافل بأحداث وصور رائعة تعبر عن قوة هذا التشريع الرباني وقوة قضاته وكيف أن أكابر الناس وساداتهم كانوا يرضخون ويضعفون أمام حكمه وقضائه.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــ

    (1)
    [النساء: 65]


    (2)
    [الأحزاب: 36]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (23)




    رابعًا: الاستقامة في الأخلاق


    إن الاستقامة الخُلقية تعني تلك الخوالج والمشاعر الوجدانية الطيبة التي تدغدغ النفس الإنسانية، وتزكيها وتملؤها بكل معاني الخير من حب وإيثار وعفة وتعاون وإحسان وغيرها، ثم تتحول تلك الوجدانيات إلى ترجمة واقعية يعبّر عنها سلوك الإنسان مع ربه ومع نفسه ومع الناس من حوله.

    وعلى نقيض الاستقامة الخلقية يوجد الانحراف الخُلقي، الذي هو نتاج الوسوسة الشيطانية التي تغذي النفس الإنسانية بالخبائث والشرور، فتتحول هذه النفس إلى مرتع خصب للمعاصي والمنكرات التي تترجم إلى واقع عملي تتجسد في سلوك الإنسان وحركة جوارحه.

    من أجل ذلك كان من أهم المبادئ التي جاء الرسول ﷺ لإرسائها في الأرض هو تثبيت دعائم الأخلاق في واقع الناس، حيث يقول: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(1)، كما جاء الثناء الإلهي لرسوله عليه الصلاة والسلام في الآية الكريمة {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}(2).

    وهذا يدل على أن الاستقامة الخُلقية لها شأن عظيم في حياة الناس، وأنها مقياس أساس لمعرفة حضارة أية أمة أو انحطاطها، وهو ما عبّر عنه الشاعر بقوله:

    وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

    وإن من أهم العوامل التي تمرن النفس على اكتساب الاستقامة الخلقية، هي العبادات التي تمثل حبل التواصل مع الخالق جلّ وعلا، فالصلوات الخمس التي يقف الإنسان فيها بين يدي الله تعالى، ويبدأ بالتحميد والثناء، والاستعانة به في الحياة، ومن ثم الدعاء بالاستقامة العامة في الدنيا والآخرة، استقامة في العقيدة واستقامة في العبادة والأخلاق بقوله {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}(3)، فضلاً عن الأذكار الأخرى من تسبيح وتكبير وتعظيم، وكذلك العبادات التي تزكي النفوس وتقوّم الجوارح على صنوف الخير، كالصيام والزكاة والحج، والإنفاق في سبيل الله وغيرها، كلها تعين المسلم على تأسيس الدعامات الخلقية لديه.

    لذا جاء في شأن الصلاة: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}(4)، وجاء في شأن الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(5)، وجاء في شأن الصيام: «وإذا كان يوم صوم يوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم»(6)، وجاء في شأن الحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}(7)، وغيرها من النصوص كثير.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــ

    (1)
    أخرجه مالك في الموطأ (2/904، رقم 1609)


    (2)
    [القلم: 4]


    (3)
    [الفاتحة: 6]


    (4)
    [العنكبوت: 45]


    (5)
    [التوبة: 103]


    (6)
    أخرجه البخاري (ص306، رقم 1904)


    (7)
    [البقرة: 197]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (24)



    خامسًا: الاستقامة في التعامل مع الناس بالعدل والإحسان

    تظهر حقيقة الاستقامة وصدقها من خلال التعامل مع الناس والاختلاط معهم، وذلك بالاستناد على ركيزتين أساسيتين هما العدل والإحسان، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(1).
    أما العدل: فيكون في الرؤية الشاملة لأصناف الناس وأجناسهم، بحيث لا يتفاضل أحد على أحد إلا بما يتميزون به من الدين والأخلاق، وأما بالنسبة للحقوق والواجبات فإن جميع الناس مشتركون فيها، المسلم وغيره لقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}(2).
    أما الإحسان: فهو مراقبة الإنسان نفسه في كل صغيرة وكبيرة، وهو قمة الأدب مع الله تعالى وأوامره، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ في حديث جبريل حين سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك«(3).
    وبناء على ذلك يتحدد سلوك الإنسان وانطلاقته في الحياة مع شرائح المجتمع جميعًا، مع الأسرة في البيت سواء كان بين الزوجين أنفسهما، أو بين الوالدين والأبناء، وكذلك العلاقات القائمة مع الأقارب والجيران، وسائر طيوف المجتمع المسلمين منهم وغير المسلمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
    (1)
    [النحل: 90]

    (2)
    [المائدة: 8]

    (3)
    أخرجه البخاري (ص12، رقم 50)



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (25)




    خامسًا: الاستقامة في التعامل مع الناس بالعدل والإحسان
    تظهر حقيقة الاستقامة وصدقها من خلال التعامل مع الناس والاختلاط معهم، وذلك بالاستناد على ركيزتين أساسيتين هما العدل والإحسان، يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(1).
    أما العدل: فيكون في الرؤية الشاملة لأصناف الناس وأجناسهم، بحيث لا يتفاضل أحد على أحد إلا بما يتميزون به من الدين والأخلاق، وأما بالنسبة للحقوق والواجبات فإن جميع الناس مشتركون فيها، المسلم وغيره لقوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}(2).
    أما الإحسان: فهو مراقبة الإنسان نفسه في كل صغيرة وكبيرة، وهو قمة الأدب مع الله تعالى وأوامره، وهو ما عبّر عنه رسول الله ﷺ في حديث جبريل حين سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك«(3).
    وبناء على ذلك يتحدد سلوك الإنسان وانطلاقته في الحياة مع شرائح المجتمع جميعًا، مع الأسرة في البيت سواء كان بين الزوجين أنفسهما، أو بين الوالدين والأبناء، وكذلك العلاقات القائمة مع الأقارب والجيران، وسائر طيوف المجتمع المسلمين منهم وغير المسلمين.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
    (1)
    [النحل: 90]

    (2)
    [المائدة: 8]

    (3)
    أخرجه البخاري (ص12، رقم 50)



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (25)


    سادسًا: الاستقامة في الدعوة إلى الله
    الاستقامة ضرورة دعوية، يتوقف عليها نجاح الدعوة وفشلها، فإن أي انحراف أو خروج عن مسار الاستقامة بالنسبة للدعاة والمؤسسات الدعوية، يحدث خللاً وزعزعة في المسيرة الدعوية وحال المدعوين، لأن غالب الناس يظنون في دعاتهم ومصلحيهم الخير والاستقامة، ويعدّونهم القدوة العملية لهم في الحياة، فإذا أحسوا خلاف ذلك، ووجدوا تناقض الأعمال مع الأقوال عندهم، فإن تلك الصورة الحسنة والقدوة المثلى ستنقلب إلى عكسها، وإن قنوات الاستقبال عند المدعويين ستتجه إلى مصادر أخرى، وعندها تكون الطامة والوبال على الطرفين، الدعاة والمدعويين.
    من أجل ذلك أمر الله تعالى دعاة دينه وأتباعه باتخاذ أسلم الوسائل وأحكمها والتحدث إلى الناس بأجمل العبارات وألطفها، وتطبيق ذلك على أنفسهم قبل إلزام الآخرين بها، يقول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}(1).
    وبالمقابل حذّرهم من الزلل في دروب الغواية والهوى، في التعاطي مع مبادئ هذا الدين التي يدعون الناس إليها، من مخالفة العمل للقول أو الدعوة إلى أشياء تناقضها أفعالهم وسلوكياتهم اليومية، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}(2).
    وبناء على هذا، فالاستقامة في الدعوة تعني استقامة الداعية على منهج الله في سلوكه الخاص، وفي منهاج دعوته وطريقته فيها.

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ

    (1)
    [فصلت: 33]

    (2)
    [الصف: 2-3]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (26)



    آثار الاستقامة (1-2)
    للاستقامة آثار عظيمة ونتائج جمة، يلمسها الإنسان المستقيم قبل أي شخص، ويعيش عمره كله في ظلال معانيها السامية التي تجاوزه لتشمل المجتمع والأمة بأسرها، ومن أهم تلك النتائج والآثار ما يلي:
    1- الاطمئنان القلبي:

    إذا استقام الإنسان مع الله تعالى وسار على دينه ونهجه في الأوامر والنواهي، فإنه يكسب سعادة روحية واطمئنانًا نفسيًا في جميع الأوقات، لإحساسه بأنه في ميدان العمل وأداء المهمة التي أوكلها الله إليه، فهو يسير بنور الله تعالى لا يخشى الظلمات التي قد تعتريه في الطريق، ولا يخشى وساوس الشيطان وهمزاته بتخويفه من الفقر أو المرض أو المخاطر الأخرى التي يُبتلى بها الإنسان، يقول تبارك وتعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}(1).{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ}(2).
    بل يشعر الإنسان حينها أن رحمة الله قريبة منه تلقي في روعه السكينة والرضى، في الشدة والرخاء، يقول عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له«
    (3)

    2- تحقيق عبودية الله في الأرض:
    ومن أعظم آثار الاستقامة أن الله تعالى يحفظ هذا الدين لأهله إلى يوم القيامة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(4)، كما يسهل عليهم أداء فرائضه وإقامة أحكامه وتشريعاته، ودعوة الناس إليه، وبذلك يتحقق مبدأ العبودية لله تعالى في أرضه، يقول تبارك وتعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَن َّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنّ َ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّ َهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(5).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــ
    (1)
    [الزمر: 22]

    (2)
    [الفتح: 4]

    (3)
    أخرجه مسلم (ص1295، رقم 2999)

    (4)
    [الحجر: 9]

    (5)
    [النور: 55]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (26)



    آثار الاستقامة (2-2)

    3- الاستقرار والإنتاج:

    ومن آثار الاستقامة على واقع الناس ومعايشهم أنها سبب في نزول الخير والبركة، وأنه جل وعلا يغدق على الأمة المستقيمة القائمة على شرع الله تعالى النعم المتوالية في كل شيء، في الأمن والاستقرار وسعة الأرزاق، وبركة الأوقات، وكذلك تقدم الأمة في شتى المجالات والميادين، يقول تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}(1).

    وقد ربط الله تعالى صراحة بين الاستقامة وحصول الخير في الآية الكريمة: {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُ م مَّاءً غَدَقًا}(2).

    وكما يربط جل ذكره بين الاستقامة وحصول الخير فإنه يربط بينها وبين تكفير الخطايا والذنوب ودخول الجنة، كما في قوله جل ثناؤه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَا هُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ . وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}(3).

    ثم إن الاستقامة تدفع صاحبها للعمل بجد وإخلاص في أي مكان كان، في البيت أو المدرسة أو الشارع أو المصنع أو المتجر، وهذا يؤثر بصورة إيجابية على نوعية الإنتاج المتعلق بطبيعة العمل، سواء كان نتاجًا فكريًا أو صناعيًا أو زراعيًا أو تقنيًا، لأن جميعها يصب في صالح الأمة وتفوقها المادي والمعيشي.
    4- تحقيق الخيرية:

    إن مفهوم الخير مفهوم واسع يشمل خصالاً كثيرة، وقد حددها الله تعالى في كل ما أمر به ونهى عنه، فأي إنسان أو أية أمة أخذت بهذه الخصال تدخل ضمن هذا المفهوم، ومن تلك الخصال الاستقامة، فإذا ما وجدت هذه الخصلة في أي واقع فإنها تضفي عليه صفة الخيرية، لذا وصف الله تعالى المؤمنين الصادقين بهذه الصفة بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}(4).

    ومن أجل ذلك عدّ الله تعالى هذه الأمة بأنها خير الأمم لأنها عرفت دين ربها وسارت عليه، وبذلت في سبيله الأموال والدماء، يقول تبارك وتعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}(5).
    5- العزة والنصر والقوة والغلبة:

    إن صدق التعامل مع الله تعالى في السراء والضراء، وفي السر والعلن، وصدق التوكل عليه والاستعانة به لا من غير سواه، وأداء الفرائض والواجبات كما يريدها الله تعالى، يمنح الأمة النصر والتمكين والغلبة والقوة، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(6).

    وبالمقابل فإن الحياد عن الصراط المستقيم، واللجوء إلى غير الله تعالى، واتباع الهوى وترك الفروض والواجبات، والتكالب على الدنيا، سبب في هوان الأمة وذلها وضعفها وتحكم الأعداء بها، يقول عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم«(7).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــــــــ
    (1)
    [الأعراف: 96]

    (2)
    [الجن: 16]

    (3)
    [المائدة: 65-66]

    (4)
    [البينة: 7]

    (5)
    [آل عمران: 110]

    (6)
    [ محمد: 7]

    (7)
    أخرجه أبو داود (ص501، رقم 3462)

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (28)



    الاستقامة والمرض النفسي

    من فضل الله تعالى أن أهم ما يشرح صدر المؤمن، ويضفي عليه السكينة – كما سبق – استقامته الحقة على شرع الله تعالى، واتباعه لهدي نبيه ﷺ، فهذا من أهم العناصر للطمأنينة والسكينة، وعدم القلق والاضطراب والشكوك والأوهام.


    وحتى تؤتي الاستقامة أكلها مع شرائح المجتمع عامة والمريض النفسي خاصة، لا بد من بعض الإجراءات أو اتباع بعض التوجيهات، للتغلب على الأمراض النفسية وتخفيف وطأتها على الإنسان المريض، ومن تلك التوجيهات – وهي جزئيات الاستقامة – لكن ينص عليها بخصوصها:



    1- الثقة بالله تعالى:

    وذلك باللجوء إليه وحده بالدعاء وتقديم الطاعات بين يديه، والثقة المطلقة أنه هو الشافي الأول والأخير، وأنه الذي بيده مقاليد الأمور، فلا يتحرك ساكن، ولا يسكن متحرك إلا بأمره، والكون كله بقضبته، وأنه على كل شيء قدير، ثم أنه هو الذي ابتلى عبده بالمرض وهو الذي يشفيه، لقوله تبارك وتعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}(1).

    والله تعالى عند حسن ظن عبده به، فلا يسيء العبد الظن بربه فيتعب ويشفى، ومن ثم يطول المرض أو ربما لا يبرأ منه أبدًا.



    2-التفاؤل وتقوية الإرادة:

    إن المرض ابتلاء من الله تعالى، وهو حالة ضعف يصيب الإنسان، وبالتالي فإن هذه الحالة تحتاج إلى الصبر وقوة في الإرادة، والابتعاد عن كل ما يحدث اليأس أو القنوط من رحمة الله تعالى بالشفاء، فإن الصبر على المرض يعدّ نصف العلاج، وإن الصابرين والمتفائلين لديهم قابلية الشفاء أكثر من غيرهم، يقول تبارك وتعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(2).



    3- التداوي:

    ولا بد للمريض النفسي وغير النفسي، أن يأخذ بالعلاج ويتناول الدواء الذي يصفه الطبيب المختص إلى جانب قراءة القرآن والدعاء، ما دام هذا الدواء مباحًا وغير محرم، ويعدّ هذا من باب الأخذ بالأسباب، ولكي يتحقق مفهوم التوكل بالمعنى الصحيح، ثم إن النبي ﷺ يقول بصريح العبارة: «يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو قال دواء إلا داء واحدا قالوا يا رسول الله وما هو قال الهرم«(3).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ

    (1)
    [الشعراء: 80]


    (2)
    [يوسف: 87]


    (3)
    أخرجه الترمذي (ص 469-470، رقم 2038)


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (29)



    مناهج وسلوكيات خاطئة

    وأخيرًا لا بد من الإشارة إلى بعض السلوكيات التي تخل بالاستقامة مع الله تعالى، فتخرجها عن مسارها الصحيح، وتأخذ بصاحبها إلى دروب مظلمة ومستنقعات آسنة، وتزيد من شقائه ومرضه في الحياة فضلاً عن سخط الله تعالى وعذابه يوم القيامة، ومن تلك الانحرافات:

    1- اللجوء إلى السحرة والمشعوذين والكهّان والدجّالين:

    ربما يصيب مفهوم الاستقامة عند الإنسان في عقيدته التي هي سنام أمره ومناط قبول عمله من عبادات وطاعات، لأن الخلل الذي يصيب العقيدة يفسد جميع ما يترتب عليه من أعمال، ومن الأمور التي تفسد العقيدة وتخل بها هو التخلي عن الله تعالى وكتابه وسنة نبيه ﷺ في الأمراض لا سيما النفسية منها، ومن ثم اللجوء إلى المشعوذين والسحرة ليبرأهم ويشفيهم مما هم فيه، وهو تحوّل خطير في عقيدة الإنسان، حين يستبدل ما عند الله تعالى وهو الذي يُمرض ويشفي وهو القوي العزيز، إلى ما عند غيره من العبيد الضعفاء الذين لا يستطيعون ضرًا ولا نفعًا، ومن أجل ذلك جاءت التحذيرات الكثيرة من تجنب هذا المسلك الذي يؤدي بصاحبه إلى الهلاك والخسران، يقول عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ«(1).

    وتصور – أخي القارئ – أن هذا الكاهن أو الساحر لو كان صادقًا لنفع نفسه، فهل يتجه إلى نفع غيره وهو لم يستطع أن يقدم لنفسه سوى الذلة والهوان لمستخدميه من الجن.

    2- الاعتراض على حكم الله تعالى:

    من السلوكيات التي تحيد بالاستقامة عن مسارها، اعتراض الإنسان على حكم ربه وقدره حين ابتلاه بحال معينة، من مرض أو فقر أو عجز أو أية مصيبة أخرى، فيتضجر من الحال ويتأفف منها بصورة دائمة، ويكثر من الشكوى إلى العباد، وربما يتلفظ بألفاظ تخدش عقيدته، متجاهلاً حقيقة الابتلاء الذي هو جزء من سنة الله تعالى في كونه، يقول تبارك وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(2).

    3- التشكيك في شرع الله تعالى:

    إن مداخل الشيطان على النفس كثيرة ومتنوعة، وأحد هذه المداخل عندما يصيب الإنسان بلاء أو مرض، ثم تطول الفترة دون جدوى للخلاص والشفاء، فحينها يجد الشيطان فرصة مناسبة للولوج إلى نفس المبتلى لينفث فيها من همزاته ونزغاته، لا سيما إذا أخذ المبتلى ببعض الأسباب للخروج من أزمته، فيوسوس إليه الشيطان أين نتيجة دعواتك الطويلة وقراءتك للقرآن وأنت لا تزال تعاني المشكلة نفسها، فيثير هذا النفث في نفس المبتلى ريبًا وتشكيكًا في شرع الله تعالى، لا سيما أولئك الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم، فيتأثرون بأضعف المؤثرات الشيطانية، وينقادون بكل سهولة وراء ما يملي عليهم شياطينهم من الشبهات.

    فإن الأولى لهؤلاء الناس أن يلجؤوا إلى الله تعالى في بداية الأمر ويسدوا وساوس الشيطان من كل منفذ، لقوله تبارك وتعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(3). لأن المصيبة لن تنتهي بهذا التشكيك وإن الشيطان لن يزيدهم إلا بلاء وهلاكًا، ثم ما يلبث أن ينفر منهم حين تأتي الطامة فيتنكر لأتباعه وأوليائه، يقول الله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُم ْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(4).

    4- اليأس والقنوط:

    عندما يعتقد الإنسان أن منافذ الخلاص من المصيبة قد سدّت في وجهه، فيخبره الطبيب أنه لا يوجد دواء لمرضه، أو تقع عليه خسارة مالية، ونحو ذلك فيجد نفسه – فيما يظن – مضطرًا إلى اللجوء إلى الأساليب الشيطانية من سحر ودجل وخرافة، فيحيد عن منهج الله تعالى الذي أمره جل وعلا بالاستقامة عليه، فيسرع الهرولة إليهم، فلا يجد إلا الشقاء والخسارة المالية، ومن ثم يقع في اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، فيفتح بابًا عظيمًا للشيطان فيزيده يأسًا وقنوطًا، حتى يشك في قدرة المولى جل وعلا على حل مشكلته، فتتوالى الأسئلة على ذهنه لِمَ يُقدر عليّ ذلك؟ وما بال غيري في حالة أخرى؟ إلى آخر تلك الأسئلة التي قد يخرج بها من الملة والعياذ بالله.

    وبناء على ذلك من أهم خطوات الاستقامة ومعالمها: عدم اليأس والقنوط، واستشعار أن فرج الله قريب، يتذكر دائمًا قول الله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}(5)، وقوله عليه الصلاة والسلام في وصيته لابن عمه ابن عباس رضي الله عنهما: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»(6)، وقول الشاعر:

    ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ***فرجت وكنت أظنها لا تفرج

    وليعلم أنه مع اليأس لا ينفع الدواء، إذ أن المناعة النفسية تكون ضعيفة، فلنجدد استقامتنا الحقيقية حتى لا تخدش فتتأثر أهم أسس النفسية السوية.
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــــــ
    (1)
    أخرجه أحمد (2/ 429، رقم 9532)

    (2)
    [الملك: 2]

    (3)
    [الأعراف: 200]

    (4)
    [إبراهيم: 22]


    (5)
    [الشرح: 5-6]

    (6)
    أخرجه أحمد (1/307، رقم 2804)




    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (30)



    إخلاص الأعمال لله تعالى

    من أهم أسس النفسية السوية، وبنائها المتماسك: الإخلاص في التعامل مع الله سبحانه، وصدق التوجه إليه، ولذا؛ نبسط الكلام هنا عن الإخلاص من هذا الوجه.

    مفهوم الإخلاص:

    الإخلاص في اللغة: كلمة الإخلاص: كلمة التوحيد، وسورة الإخلاص: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}(1).

    وفي الاصطلاح: أن يقصد العبد بقوله وفعله مرضاة الله تعالى تنفيذًا لأوامره واجتنابًا لنواهيه، دون النظر في ذلك إلى مغنم أو سمعة أو جاه أو لقب. وهو أمر خفي تكتنفه النفس الإنسانية لا يطلع عليه غير الله تعالى، الذي خلق هذه النفس ويعلم ما توسوس بها وما تجول فيها من خير أو شر.

    أما النية فهو تمييز العمل، والقصد به وجه الله تعالى.

    وبذلك يكون الإخلاص هو الشطر الثاني من النية، أي أنه جزء منها.


    يقول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى«(2).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

    (1)
    المعجم الوسيط 1/249


    (2)
    سبق تخريجه



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (31)


    مدار قبول الأعمال على الإخلاص

    إذا كان المقصد والدافع إلى أي قول أو عمل أو اتخاذ أي نمط من الحركة في الحياة يبتغي به صاحبه وجه الله تعالى فإن ذلك يحقق معنى الإخلاص ويعدّ صاحبه من المخلصين لله تعالى، وهو الأمر الذي أشار إليه الله تعالى في كتابه المبين في مواطن كثيرة، منها:

    قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}(1) وقوله: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ}(2) وقوله: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(3).

    وقوله جل ذكره: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا . إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا}(4).

    وكذلك فإن رسول الله ﷺ كان يعلّم الصحابة حقيقة الإخلاص والعمل لله تعالى في كثير من المواقف والأحداث، ليتجنبوا الاغترار بالشكل والصورة التي لا تعبر عن حقيقة الشيء وكنهه، وأولى هذه التوجيهات يتمثل في الحديث المشهور بين المسلمين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى«(5).


    وفي هذا الحديث القول الفصل بين ما يكون لله وما يكون لغيره.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم«(6).

    عن أبي موسى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله ؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله«(7).

    * * *

    ثم إنه عليه الصلاة والسلام علّق الإخلاص لله وحده دون سواه وجعله من معالم الإيمان وتمامه، لأنه يعبّر عن اليقين المطلق بالله سبحانه وتعالى وأنه المعبود الذي يستحق أن توجه إليه الأعمال والأقوال، من أمر ونهي، وحب وبغض، يقول عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان«(8).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــ

    (1)
    [البينة: 5]


    (2)
    [الزمر: 2]


    (3)
    [الأنعام: 162]


    (4)
    [النساء: 145-146]



    (5)
    سبق تخريجه


    (6)
    أخرجه مسلم (ص1124، رقم 6542)


    (7)
    أخرجه البخاري (ص1285، رقم 7458)


    (8)
    أخرجه أبو داود (ص661، رقم 4681)



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (32)



    منطلق البحث في هذه الشعيرة (الإخلاص)

    وأما منطلق هذا البحث فهو الحديث الطويل الذي يتحدث فيه النبي ﷺ عن أهمية الإخلاص في الأعمال والأقوال في الحياة الدنيا، فضلاً عن جزائه الأوفى عند الله تعالى يوم تقوم الأشهاد، وهو حديث الرهط الثلاثة الذين آواهم الغار:
    قال عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول:ُ «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا الْمَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ فَقَالُوا إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَ ا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ الْآخَرُ اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنْ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ فَتَحَرَّجْتُ مِنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ الثَّالِثُ اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ فَأَعْطَيْتُهُم ْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الْأَمْوَالُ فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ يَا عَبْدَ الله أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي فَقُلْتُ لَهُ كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ فَقَالَ يَا عَبْدَ الله لَا تَسْتَهْزِئُ بِي فَقُلْتُ إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ«(1).
    في هذا الحديث بيان وتذكير للأمة عن أصل العلاقة التي تربط العبد بربه وخالقه، وأنها تدخل في كثير من الأحيان في عملية المد والجزر، بين قوة في الإيمان وضعف فيه، بين الصفاء الذي يسدل على النفس السكينة والهدوء وبين الغبش الذي يغيم النفس فيجعلها مرتعًا للوساوس والاضطرابات، إن هذا الأصل يبقى حقيقة في نفس الإنسان ما دامت العلاقة قائمة بينه وبين ربه، وإن غشيها فتور أو ضعف، وهذا الأصل هو الإقرار بتوحيد الله تعالى وأنه لا معبود سواه، وأنه الفرد الأحد الذي بيده ملكوت كل شيء، وأنه الصمد الذي لا يُقصد في الكون سواه.
    حتى المشركين في الجاهليات الأولى قبل الإسلام، كان عندهم هذا الاعتقاد في النوازل والمخاطر التي تحدق بهم، وكانت دعواتهم إلى الله وحده من غير وسيط أو صنم، لكنهم سرعان ما كان الشيطان يغشيهم وينسيهم تلك الصعاب بعد نزوحها، فيرجعون إلى أصنامهم وأحجارهم، قال الله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}(2).

    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
    (1)
    أخرجه البخاري (ص362، رقم 2272)

    (2)
    [العنكبوت: 65]



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (33)

    الأعمال المنقذة بسبب الإخلاص:
    وفي هذا الحديث يقدم الرهط الثلاثة: ثلاثة أعمال كانت خالصة لله تعالى، أنقذتهم في ساعة العسرة وأفرجت الصخرة عن الغار الذي آواهم، وهي:
    أولاً: بر الوالدين:
    وهو من الأعمال الصالحة التي أمر الله عباده بها، ورفع من شأن صاحبها، حيث جاء الأمر الإلهي باقتران هذا العمل بتوحيده سبحانه وتعالى بالعبودية، قائلاً: {وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا}(1). وأيضًا قوله تعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا}(2).
    وبالمقابل جاء التحذير والوعيد لمن لم يحسن إلى والديه، بل وصل الأمر بهذا التحذير إلى أن إظهار أي علامة أو تلميح يدل على التضجر منهما يدخل في دائرة الإساءة لهما، لقوله تبارك وتعالى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَي ْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا. وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}(3).
    فضلاً عن الأحاديث الكثيرة التي وردت بهذا الشأن، فقد سئل النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله: قال الصلاة على وقتها قال ثم أي قال ثم بر الوالدين قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (4).
    وقد تقرب أحد هؤلاء الرهط إلى الله تعالى ببره إلى والديه وذكر موقفًا من مواقفه الكثيرة مع والديه، والذي كان فيه من المخلصين مع الله تعالى، والله أعلم بإخلاصه، من أجل ذلك أفرج الله تعالى بإزاحة جزء من الصخرة عن غارهم.
    ثانيًا: ترك الزنا:
    الزنا من الكبائر التي نهى الله عنها في كتابه المبين، وعدّها من الفواحش الكبيرة التي تفسد الناس وتفسد المجتمعات، لما له من آثار على أخلاقيات الأمة ومقوماتها واختلاط أنسابها والآثار السلبية المتنامية التي لا تنتهي من جرّائها، فضلاً عن العقوبة الربانية المترتبة عليها في الدنيا والآخرة، يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا}(5).
    وجاءت السنة النبوية لتؤكد عظم فعل الفاحشة وعقوبته، وكذلك الأجر المترتب على تركه واجتنابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ... ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله..» (6).
    فكان العمل الثاني الذي تقرب به أحد الرهط الثلاثة إلى الله تعالى، هو الامتناع عن فعل الزنا، بعد أن تهيأت له أسبابه، وسهل عليه الوقوع فيه، ولكن لم يمنعه من ذلك إلا خوف الله تعالى، واستشعاره بمراقبته له، وكان مخلصًا في تلك الوقفة مع الله تعالى، فأزاح الله تعالى بسبب ذلك الإخلاص جزءًا آخر من الصخرة عن باب الغار.
    ثالثًا: إعطاء حقوق الأجير:
    قال عليه الصلاة والسلام: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يعط أجره» (7). وقال في حديث آخر: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه» (8).
    وهذا يعني أن أكل مال العامل أو الخادم أو الأجير يعد من الأفعال المذمومة التي نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام، وتوعد من يفعل ذلك بالخصومة والجفاء يوم القيامة، وهذا يدل على أنه سيحاسب حسابًا عسيرًا أمام الله تعالى وسيخاصمه النبي ﷺ؛ لانتزاع حقوق الناس منه إما بإلقاء سيئاتهم عليه، أو أخذ حسناته لهم.
    ولأهمية هذا الحق وعلو شأنه عند الله تعالى، تقرّب الأخير من الرهط الثلاثة إلى الله تعالى، بورعه وخوفه من الاقتراب من المال الحرام الذي كان تحت يده وهو لأجير، بل لم يكتف أنه حفظ هذا المال وقام برده إلى صاحبه، بل قام باستثماره حتى ازداد أضعافًا مضاعفة، فذكر هذا الفعل لربه وهو في ذلك الموقف العصيب مع أخويه الآخرَين، حيث لم يدفعه هذا الورع وهذا الفعل إلا خوفه وخشيته من ربه ومحاسبته، والله أعلم به من ذلك، فأزاح الله تعالى عنهم الصخرة كاملة، فخرجوا جميعًا من ظلمة الغار إلى نور الدنيا وسعتها.
    لقد قدّم كل نفر من هؤلاء الرهط عملاً واحدًا من الأعمال الصالحة التي كانت خالصة لله تعالى، وهي لا تعبر عن جميع الأعمال الصالحة، فالعمل الصالح الذي يدفعه الإخلاص، لا يتمثل في مجموعة محددة من الأعمال والأقوال، وإنما هو كل عمل أو قول يُبتغى به وجه الله تعالى، صغيرًا كان أو كبيرًا.
    ------------------------------------
    (1) النساء [36].
    (2) الإسراء [23].
    (3) الإسراء [23-24].

    (4) أخرجه البخاري (ص89-90، رقم 527) كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها. ومسلم (ص52، رقم 85) كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله أفضل الأعمال.
    (5) الإسراء [32].
    (6) أخرجه البخاري (ص230، رقم 1423) كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين. ومسلم (ص415، رقم 1031) كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بالقليل.
    (7) أخرجه البخاري (ص361-362، رقم 2270) كتاب الإجارة، باب الإجارة إلى صلاة العصر.
    (8) أخرجه ابن ماجه (ص350، رقم 2443) كتاب الرهون، باب أجر الأجراء.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (34)


    الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص (الأعمال القلبية)


    ومن هذه الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص ما يلي:
    1- الأعمال القلبية:
    وهي أحاسيس القلب وأحاديثه وتصوراته نحو خالقه جل شأنه، بصورة تنعكس على واقع الإنسان في حركاته وسلوكه، ومن الأعمال القلبية التي تربط الإنسان بربه:
    - التوكل على الله تعالى: وهو الاعتماد على الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب، ويجازى الإنسان عليه، بل سبب في حفظه من المكاره والشرور، لقول الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(1).
    - الرجاء والطمع في رضى الله تعالى ورحمته وجنته، وهو يدخل في باب حسن ظن الإنسان بربه وهو عمل قلبي، يقول الله تعالى: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}(2).
    ويقول عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «إن الله يقول: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني»(3).
    ويقول ﷺ في الحديث القدسي: «قال الله عز وجل: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا همّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا»(4).
    - الخوف منه جل وعلا، فلا يغطى جانب الرجاء على جانب الخوف في الإنسان، بل لا بد من توازن بينهما لقوله تبارك وتعالى في الآية السابقة: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}(5) وهو من الأعمال القلبية التي يرتبط العبد بربه ويحدد مدى إخلاصه له جلّ وعلا.
    - الشكر على نعم الله وآلائه التي لا تعد ولا تحصى، شكرًا قلبيًا صادقًا لله تعالى، حيث يقول الله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم ْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(6).
    - الصبر على الابتلاءات المختلفة التي يُبتلى بها الإنسان في حياته، من فقر أو مرض، أو ظلم، أو حبس، أو غير ذلك؛ فالعمل الصالح القلبي يكمن في مدى تصبر هذا الإنسان لقضاء الله تعالى وقدره، ومدى تقبله وترضيه لأمر الله تعالى، والآيات القرآنية ملئية بالجزاء الكبير للصابرين في هذه الحياة، منها قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}(7).
    ويقول عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»(8).
    كل هذه الأعمال القلبية وغيرها كثيرة ومتفرعة تدخل ضمن العمل الصالح الخالص لله تعالى.
    ------------------------
    (1) الطلاق [3].
    (2) السجدة [16].
    (3) أخرجه مسلم (ص1169، رقم 2675) كتاب الذكر، باب فضل الذكر والدعاء. والبخاري (ص1272، رقم 7405) كتاب التوحيد.
    (4) خرج مسلم (ص68، رقم 128) كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب.
    (5) السجدة [16].
    (6) إبراهيم [7].
    (7) البقرة [177].
    (8) أخرجه مسلم (ص1295، رقم 7500) كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير.


    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (35)

    الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص (الأعمال اللسانية)


    ومن هذه الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص ما يلي:

    2- الأعمال اللسانية (القول):
    وهي كل ذكر لله تعالى، في أي موقف كان، فلا ينحصر العمل اللساني في الصلاة فحسب، بل هناك مواطن ومواقف يجب على الإنسان ألا يغفل أو
    يتهاون فيها عن العمل اللساني، ومن ذلك:
    - قراءة القرآن:
    وقراءة القرآن من أهم الأعمال اللسانية الواجب على الإنسان فعلها، لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}(1). وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ
    هَـٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ}(2).
    ويقول عليه الصلاة والسلام: «من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كتب له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة»(3).
    ويقول أيضًا: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه»(4).
    - ذكر الله جل وعلا:

    وهو من الأعمال اللسانية الذي يشمل كل العبادات القولية، من قراءة القرآن والاستغفار والدعاء وغيرها، وقد أمر الله تعالى بهذه العبادة القولية، وأثنى على أصحابها، وبيّن أهميتها، يقول جل وعلا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّـهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(5). ويقول عليه الصلاة والسلام: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّه مثل الحيّ والميّت»(6).
    - الدعاء:
    وهو من الأعمال اللسانية التي تعين الإنسان على مخاطبة ربه جل وعلا، وطلبه العفو منه والغفران والرضى والجنة، وباللسان يرفع الإنسان إلى خالقه حوائجه ويبث إليه شكاويه ومعاناته، يقول الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُ وا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(7).
    - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
    وباللسان يؤمر بالمعروف ويُنهى عن المنكر، وقد ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الأداة في مسألة الحسبة بقوله: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(8).
    - الدعوة إلى الله تعالى بالنصيحة والحكمة:
    واللسان أداة مهم في دعوة الناس إلى دين الله تعالى وهدايتهم، فإذا أخلص المسلم في هذه الدعوة، وأحسن استخدام هذه الأداة كما كان عليه الصلاة والسلام يستعملها مع صحابته، فإن الله تعالى سيبارك في مسعاه وإنه سيرى ثمار دعوته يانعة ونافعة، يقول الله تعالى: { ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}(9) وهذه الدعوة كانت باللسان، ويقول أيضًا في قصة موسى عليه السلام مع فرعون: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}(10) أي تحدثا معه بأسلوب لطيف ولين لعله يرجع عما هو عليه من الكفر والضلال، لأن الإنسان إذا أحسن في الكلام مع خصمه وأجزل في البيان، وتأدب معه أثناء الخطاب، فإنه يملك قلبه، ويستولي على مشاعره وأحاسيسه، فإنه ويكسبه دون شك، إلا من خُتم على قلبه وسمعه، وهو الأمر الذي عبر عنه الله تعالى بقوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}(11).
    وبالمقابل فإن استخدام اللسان بغير هذا النمط بالقسوة أو الشدة أو الإساءة وغيرها، فإن المخاطَب سيزيد في عصيانه وتمرده، ويشتد في عدائه ومعاندته، وهو ما عبر عنه الله تعالى إتمامًا للآية السابقة: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ}(12).
    وهنا لفتة مهمة للدعاة والمربين والمصلحين لا بد من الانتباه إليها، لمدى أهميتها وضرورتها في المسيرة الدعوية وهداية الناس، والقدوة في ذلك الرسول الهادي عليه الصلاة والسلام، فقد كان أحسن الناس بيانًا، وألطفهم قولاً، وأقلهم كلامًا، حتى إن الأعرابي الذي يأتيه من البادية بجفائه وقسوته، ما يلبث لحظات إلا وقد تغيرت حاله وتحسنت أخلاقه وأطباعه، ومعلوم قصة الأعرابي الذي بال في المسجد وكاد الصحابة أن ينالوا منه، ولكن النبي ﷺ بحسن خلقه ولطف كلامه، جعل هذا الأعرابي يلين إليه وإلى دعوته، حتى قال: «اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا»(13).
    - التدريس:
    والتدريس رسالة عظيمة وأمانة كبيرة في أعناق المدرسين والمعلمين، أمام الناس الدنيا، وأمام الله تعالى في الآخرة، وهذه الرسالة بحاجة إلى إتقان وإخلاص لتوصيلها إلى الطلبة، وهي كسائر العبادات، يُجازى الذي يؤديها على وجهها المطلوب، ويُعاقب المتكاسل والمتهاون فيها، وليس من الضروري أن يكون التدريس بمادة شرعية أو دينية، بل تشمل جميع المواد العلمية والدينية.
    ولا بد أن يكون المدرس على قدر من الوعي في استخدام أداة اللسان لإيصال المعلومة إلى أذهان المستمعين من الطلبة باختيار أفضل الأساليب وأحسن الكلام.
    وعلى مدرسي المواد العلمية ألا يألوا من جهودهم في المزج بين المادة العلمية والأخلاق، لأنهما متلازمان، لا تصلح الحياة بواحدة منها دون الأخرى.
    -------------------------------------------
    (1) المزمل [4].
    (2) النمل [91-92].
    (3) أخرجه أحمد (2/ 342، رقم 8475).
    (4) أخرجه مسلم (ص325، رقم 804) كتاب صلاة المسافرين، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
    (5) الرعد [28].
    (6) أخرجه البخاري (ص1112، رقم 6407) كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله تعالى.
    (7) البقرة [186].
    (8) أخرجه مسلم (ص42، رقم 47) كتاب الإيمان، باب الحث على إكرام الجار.
    (9) النحل [125].
    (10) طه [43-44].
    (11) إبراهيم [24-25].
    (12) إبراهيم [26].
    (13) أخرجه البخاري (ص1051، 6010) كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم.



    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

  17. #37
    تاريخ التسجيل
    Jan 2018
    المشاركات
    4,707

    افتراضي رد: حيـــــــــاة الســــــعداء (متجدد إن شاء الله)

    حيـــــــــاة الســــــعداء
    الدكتور فالح بن محمد بن فالح الصغيّر
    (36)

    الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص (الأعمال العبادية المباشرة)



    ومن هذه الأعمال الصالحة النابعة من الإخلاص ما يلي:
    3- الأعمال العبادية المباشرة:

    ويقصد بها، الأعمال التي أمر الشرع بوجوبها، والتي تحمل الصفة الخيرية والجزاء من الله تعالى، فهي كل ما يقوم به الإنسان من عبادة أُمر بها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ، وعلى رأسها:
    1- الصلاة:
    وهي من أركان الإسلام الخمسة، وهي أقوال وحركات يؤديها الله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، في أوقات محددة، بالهيئة نفسها التي كان يؤديها الرسول عليه الصلاة والسلام، وهي عمود الدين، من أنكرها فقد كفر، وهي أول ما يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، يقول تبارك وتعالى:
    {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا}(1). ويقول عليه الصلاة والسلام: « بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة»(2).
    فإذا أخلص المسلم أداء هذه الفريضة كما يريده الله تعالى، فإنه يعد من المؤمنون الصادقين الذين حكى عنهم الله تعالى في آيات كثيرة من كتابه المبين،
    كقوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ. أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}(3). ويكون بعد ذلك أثرها النفسي كثيرًا.
    2- الصيام:
    وهذا الركن الإسلامي هو من أكثر الأركان بيانًا لمدى إخلاص الإنسان فيه؛ لأنها عبادة قائمة بين الإنسان وربه بحيث لا يقبل الرياء أو الجزاء
    في الدنيا من جاه أو مال أو شهرة وغيرها، ومن أجل ذلك تكفل الله تعالى، بمجازاة الصائم مباشرة، لقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث
    القدسي: « قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة»(4).
    3- الحج:
    والحج ركن من أركان الإسلام، وهو عبادة، يمزج بين الذكر والفعل، إلا أن الجانب الفعلي والحركي أكبر من الجانب القولي، لذا أعدّه كثير من أهل العلم
    بأنه عبادة بدنية؛ لكثرة التنقلات والأسفار فيه، ما بين المشاعر وأداء المناسك، يقول الله تعالى: {وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}(5)، والمسلم الذي يخلص في أداء هذا الركن بأركانه، يرجع كيوم ولدته أمه خاليًا من الذنوب والخطايا، لقوله ﷺ: «من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق
    رجع كيوم ولدته أمه»(6).
    4- الإحسان إلى الآخرين:
    والإحسان باب واسع من أبواب العمل الصالح، ويترتب على الإخلاص فيه أجر من الله تعالى؛ لأنه يشمل كل أنواع الخير والرحمة زيادة عما افترضه الله
    تعالى، فهو لا يتوقف عند عمل معين أو ذكر محدد، ولا يتوقف هذا الإحسان إلى البشر فحسب، بل يتعداهم إلى الدواب والطيور وجميع الكائنات
    الأخرى، والتوجهيات الإسلامية واضحة وصريحة في هذا الباب، يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه «أن امرأة بغيا رأت كلبا في
    يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها فغفر لها»(7).
    وينصح عليه الصلاة والسلام الأمة بالرحمة إلى الدواب قائلاً: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح
    وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته»(8).
    ------------------------
    (1) النساء [103].
    (2) أخرجه مسلم (ص51، رقم 82) كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة.
    (3) الأنفال [103-104].
    (4) أخرجه البخاري (ص306، رقم 1904) كتاب الصوم، باب هل يقول إني صائم إذا شتم. ومسلم (ص468، رقم 1151) كتاب الصيام، باب صفة اللسان للصائم.
    (5) آل عمران [97].
    (6) أخرجه البخاري (ص568، رقم 1350) كتاب المحصر.
    (7) أخرج مسلم (ص996، رقم 2245) كتاب السلام، باب فضل سقي البهائم.
    (8) أخرجه مسلم (ص873، رقم 1955) كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بالإحسان في الذبح.

    اذا الايمان ضاع فلا أمان
    ولا دنيا لمن لم يحى دينا
    ومن رضى الحياة بغير دين
    فقد جعل الفنـاء له قرينا

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •