المختصر المفيد لمعنى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون - من روائع شيخ الاسلام
النتائج 1 إلى 3 من 3
2اعجابات
  • 2 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: المختصر المفيد لمعنى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون - من روائع شيخ الاسلام

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,340

    افتراضي المختصر المفيد لمعنى قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون - من روائع شيخ الاسلام



    ( قل يا أيها الكافرون ( 1 ) لا أعبد ما تعبدون ( 2 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 3 ) ولا أنا عابد ما عبدتم ( 4 ) ولا أنتم عابدون ما أعبد ( 5 ) لكم دينكم ولي دين ( 6 ) )
    يقول شيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله-
    ( قل يا أيها الكافرون ) الخطاب للمشركين كلهم من مضى و من يأتى إلى يوم القيامة --(لا أعبد ما تعبدون ) -قوله لا أعبد -يتناول نفي عبادته لمعبودهم فى الزمان الحاضر و الزمان المستقبل وقوله "ما تعبدون" يتناول ما يعبدونه في الحاضر والمستقبل كلاهما مضارع,
    و قال في الجملة الثانية عن نفسه"
    ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فلم يقل لا أعبد بل قال" ولا أنا عابد" و لم يقل ما تعبدون بل قال "ما عبدتم" فاللفظ فى فعله و فعلهم مغاير للفظ فى الجملة الأولى
    و النفى بهذه الجملة الثانية أعم من النفي بالأولى فإنه قال
    ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) بصيغة الماضي فهو يتناول ما عبدوه في الزمن الماضي لأن المشركين يعبدون آلهة شتى و ليس معبودهم فى كل و قت هو المعبود في الوقت الآخر كما أن كل طائفة لها معبود سوى معبود الطائفة الأخرى,
    فقوله
    ( ولا أنا عابد ما عبدتم ) براءة من كل ما عبدوه فى الأزمنة الماضية كما تبرأ أولا مما عبدوه فى الحال و الإستقبال فتضمنت الجملتان البراءة من كل ما يعبده المشركون و الكافرون فى كل زمان ماض و حاضر و مستقبل و قوله -أولا - لا أعبد ما تعبدون لا يتناول هذا كله--- فقوله "و لا أنا عابد ما عبدتم" أي نفسي لا تقبل و لا يصلح لها أن تعبد ما عبدتموه قط و لو كنتم عبدتموه فى الماضي فقط - فأي معبود عبدتموه في و قت - فأنا لا أقبل أن أعبده فى و قت من الأوقات,
    ففي هذا من عموم عبادتهم فى الماضي و المستقبل و من قوة براءته و إمتناعه و عدم قبوله لهذه العبادة فى جميع الأزمان ما ليس فى الجملة الأولى - تلك تضمنت نفي الفعل فى الزمان غير الماضي و هذه تضمنت نفي إمكانه و قبوله لما كان معبودا لهم و لو فى بعض الزمان الماضي فقط و التقدير ما عبدتموه و لو فى بعض الأزمان الماضية فأنا لا يمكنني و لا يسوغ لى أن أعبده أبدا,
    و لكن لم ينف إلا ما يكون منه فى الحاضر و المستقبل لأن المقصود براءته هو فى الحال و الإستقبال -و هذه السورة يؤمر بها كل مسلم و إن كان قد أشرك بالله قبل قراءتها فهو يتبرأ فى الحاضر و المستقبل مما يعبده المشركون فى أي زمان كان - و ينفى جواز عبادته لمعبودهم و يبين أن مثل هذا لا يكون و لا يصلح و لا يسوغ فهو ينفى جوازه شرعا و وقوعا -فإن مثل هذا الكلام لا يقال إلا فيما يستقبح من الأفعال كمن دعي إلى ظلم أو فاحشة فقال أنا أفعل هذا ما أنا بفاعل هذا أبدا فهو أبلغ من قوله لا أفعله أبدا و هذا كقوله تعالى:" وما أنت بتابع قبلتهم و ما بعضهم بتابع قبلة بعض"
    فهو يتضمن نفى الفعل بغضا فيه و كراهة له بخلاف قوله لا أفعل فقد يتركه الإنسان و هو يحبه لغرض آخر فإذا قال ما أنا عابد ما عبدتم دل على البغض و الكراهة و المقت لمعبودهم و لعبادتهم إياه و
    هذه هى البراءة,
    و لهذا تستعمل فى ضد الولاية فيقال
    تول فلانا و تبرأ من فلان كما قال تعالى: "إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم و مما تعبدون من دون الله"--
    و أما قوله عن الكفار
    ( ولا أنتم عابدون ما أعبد ) فهو خطاب لجنس الكفار و إن أسلموا فيما بعد فهو خطاب لهم ما داموا كفارا فإذا أسلموا لم يتناولهم ذلك فإنهم حينئذ مؤمنون لا كافرون و إن كانوا منافقين فهم كافرون فى الباطن فيتناولهم الخطاب
    و هذا كما يقال قل يا أيها المحاربون و المخاصمون و المقاتلون و المعادون فهو خطاب لهم ما داموا متصفين بهذه الصفة,
    و ما دام الكافر كافرا فإنه لا يعبد الله و إنما يعبد الشيطان سواء كان متظاهرا أو غير متظاهر به كاليهود,
    فإن اليهود لا يعبدون الله و إنما يعبدون الشيطان لأن عبادة الله إنما تكون بما شرع و أمر وهم و إن زعموا أنهم يعبدونه فتلك الأعمال المبدلة و المنهى عنها هو يكرهها و يبغضها و ينهى عنها فليست عبادة,
    فكل كافر بمحمد لا يعبد ما يعبده محمد ما دام كافرا و الفعل المضارع يتناول ما هو دائم لا ينقطع فهو ما دام كافرا لا يعبد معبود محمد صلى الله عليه و سلم لا في الحاضر و لا فى المستقبل,
    { لكم دينكم ولي دين } خطاب لكل كافر وإن أسلم فيما بعد . فدينه قبل الإسلام له كان والمؤمنون بريئون منه وإن غفره الله له بالتوبة منه كما قال لنبيه { فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون } فإنه بريء من معاصي أصحابه وإن تابوا منها . وهذا كقوله : { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون }
    وعلى كل تقدير فالخطاب للمشركين كلهم من مضى ومن يأتي إلى يوم القيامة .

    وقد أمره الله بالبراءة من كل معبود سواه .
    وهذه ملة إبراهيم الخليل وهو مبعوث بملته . قال الله تعالى : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون } { إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } { وجعلها كلمة باقية في عقبه } .
    فتبين أن ملة آبائه هي عبادة الله . وهي ملة إبراهيم . وقد قال تعالى { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } إلى قوله { فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .

    وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملة إبراهيم وإذا لم يكونوا على ملته لم يكونوا يعبدون إله إبراهيم . فإن من عبد إله إبراهيم كان على ملته قال تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } إلى قوله { وهو السميع العليم } فقوله : { قل بل ملة إبراهيم } يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملة إبراهيم .

    وهذا بعد مبعث محمد مما لا ريب فيه فإنه هو الذي بعث بملة إبراهيم . والطائفتان كانتا خارجتين عنها بما وقع منهم من التبديل . قال تعالى { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } وقال { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم } الآية .

    وقال { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } .

    وقال الخليل أيضا : { يا قوم إني بريء مما تشركون } { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين } . وقال { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده } .

    وقال لنبيه : { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون } . فقد أمره الله أن يتبرأ من عمل كل من كذبه وتبريه هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب . -
    والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه . قال أبو العالية : رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله وتركوا دين إبراهيم . وكذلك قال قتادة : بدلوا دين الأنبياء واتبعوا المنسوخ .

    فأما موسى والمسيح ومن اتبعهما فهم على ملة إبراهيم متبعون له وهو إمامهم . وهذا معنى قوله { إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا } . فهو يتناول الذين اتبعوه قبل مبعث محمد وبعد مبعثه . وقيل إنه عام قال الحسن البصري : كل مؤمن ولي إبراهيم ممن مضى وممن بقي . وقال الربيع بن أنس : هم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه وكان محمد والذين معه من المؤمنين أولى الناس بإبراهيم . وهذا وغيره مما يبين أن اليهود والنصارى لا يعبدون الله وليسوا على ملة إبراهيم .

    فإن قيل : فالمشرك يعبد الله وغيره بدليل قول الخليل { أفرأيتم ما كنتم تعبدون } { أنتم وآباؤكم الأقدمون } { فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } . فقد استثناه مما يعبدون فدل على أنهم كانوا يعبدون الله . وكذلك قوله { إنني براء مما تعبدون } { إلا الذي فطرني } واستثناه [ ص: 573 ] أيضا . وفي المسند وغيره حديث { حصين الخزاعي لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم يا حصين كم تعبد اليوم ؟ قال : سبعة آلهة ستة في الأرض وواحد في السماء . قال : فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السماء } .

    قيل : هذا قول المشركين كما تقول اليهود والنصارى : نحن نعبد الله . فهم يظنون أن عبادته مع الشرك به عبادة وهم كاذبون في هذا .

    وأما قول الخليل ففيه قولان . قال طائفة : إنه استثناء منقطع . وقال عبد الرحمن بن زيد : كانوا يعبدون الله مع آلهتهم .

    وعلى هذا فهذا لفظ مقيد . فإنه قال { ما تعبدون } . فسماه عبادة إذا عرف المراد لكن ليست هي العبادة التي هي عند الله عبادة . فإنه كما قال تعالى : " { أنا أغنى الشركاء عن الشرك . من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو كله للذي أشرك } " . وهذا كقوله تعالى { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } . سماه إيمانا مع التقييد وإلا فالمشرك الذي جعل مع الله إلها آخر لا يدخل في مسمى الإيمان عند الإطلاق . وقد قال { يؤمنون بالجبت والطاغوت } { فبشرهم بعذاب أليم } . فهذا مع التقييد . ومع الإطلاق فالإيمان هو الإيمان بالله والبشارة بالخير . --
    نفي العبادة مطلقا ليس هو نفي لما قد يسمى عبادة مع التقييد . والمشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال : إنه يعبد الله وغيره أو يعبده مشركا به . لا يقال : إنه يعبد مطلقا . والمعطل الذي لا يعبد شيئا شر منه . والعبادة المطلقة المعتدلة هي المقبولة وعبادة المشرك ليست مقبولة .
    فلينظر العاقل في سبب براءتي من الشرك وما أنتم عليه واختياري به عداوتكم والصبر على أذاكم واحتمالي هذه المكاره العظيمة . بعد ما كنتم تعظموني غاية التعظيم وتصفوني بالأمانة وتسموني " الأمين " وتفضلوني على غيري ونسبي فيكم أفضل نسب وتعرفون ما جعل الله في من العقل والمعرفة ومكارم الأخلاق وحسن المقاصد وطلب العدل والإحسان وأني لا أختار لأحد منكم سوءا ولا أريد أن أصيب أحدا بشر . فاختياري للبراءة مما تعبدون وإظهاري لسبهم وشتمهم . أهو سدى ليس له موجب أوجبه ؟ فانظروا في ذلك . ففي السورة دعاء وبعث للكفار إلى طلب الحق ومعرفته مع ما فيها من كمال البراءة منهم .
    [ مختصر بتقديم وتأخير بعض المواضع ليناسب السياق - من تفسير سورة الكافرون لشيخ الاسلام] --

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,340

    افتراضي

    مزيد فائدة - { ولا أنتم عابدون ما أعبد } المشرك إذا كان يعبد الله ويعبد غيره فيقال : إنه يعبد الله وغيره أو يعبده مشركا به .-- ولو كان من عبد الله وعبد معه غيره عابدا له لكانت عبادته نوعين عبادة إشراك وعبادة إخلاص . وإذا كان كذلك لم يكن قوله { إلها واحدا } بدلا . لأن هذا كل من كل ليس هو بدل بعض من كل . فعلم أن إلهه وإله آبائه لا يكون إلا إلها واحدا . والوجه الثاني : قوله { إلها واحدا } نصب على الحال لكنها حال لازمة فإنه لا يكون إلا إلها واحدا كقوله { وهو الحق مصدقا } وهو لا يكون إلا مصدقا . ومنه { ملة إبراهيم حنيفا } { ويقتلون النبيين بغير حق } . فمن عبد معه غيره فما عبده إلها واحدا ومن أشرك به فما عبده .

    وهو لا يكون إلا إلها واحدا . فإذا لم يعبده في الحال اللازمة له لم تكن له حال أخرى يعبده فيها فما عبده . فإن قيل : المشرك يجعل معه آلهة أخرى فهو يعبد في حال ليس هو فيها الواحد قيل : هذا غلط منشؤه أن لفظ " الإله " يراد به المستحق للإلهية ويراد به ما اتخذه الناس إلها وإن لم يكن إلها في نفس الأمر بل هي أسماء سموها هم وآباؤهم . فتلك ليست في نفسها آلهة وإنما هي آلهة في أنفس العابدين . فإلهيتها أمر قدره المشركون وجعلوه في أنفسهم من غير أن يكون مطابقا للخارج كالذي يجعل من ليس بعالم عالما ومن ليس بحي حيا ومن ليس بصادق ولا عدل صادقا وعدلا فيقال : هذا عندك صادق وعادل وعالم وتلك اعتقادات غير مطابقة وأقوال كاذبة غير لائقة .

    ولهذا يجعل سبحانه ذلك من باب الافتراء والكذب كما قال أصحاب الكهف { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } . وقال الخليل { إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا } . وقال { وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } أي أي شيء يتبع الذين يشركون ؟ وإنما يتبعون الظن والخرص

    وقال هود { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون } .

    وإذا كانت إلهية ما سوى الله أمرا مختلقا يوجد في الذهن واللسان لا وجود له في الأعيان . وهو من باب الكذب والاعتقاد الباطل الذي ليس بمطابق . وما عند عابديها من الحب والخوف والرجاء لها تابع لذلك الاعتقاد الباطل . كمن اعتقد في شخص أنه صادق فصدقه فيما يقول وبنى على إخباره أعمالا كثيرة . فلما تبين كذبه ظهر فساد تلك الأعمال كأتباع مسيلمة والأسود وغيرهما من أصحاب الزوايا والترهات وما يشرعونه لأتباعهم مما لم يأذن به الله بخلاف الصادق والصدق .

    ولهذا كانت كلمة التوحيد { كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء } . وقال في كلمة الشرك { كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } . فليس [ لها ] أساس ثابت ولا فرع ثابت إذ كانت باطلة كأقوال الكاذبين وأعمالهم . بل هي أعظم الكذب والافتراء مع الحب لها .

    والشرك أعظم الظلم . { قال ابن مسعود قلت : يا رسول الله أي الذنب أعظم . قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك } " .

    فنفس تألههم لها وعبادتهم إياها وتعظيمها وحبها ودعائها واعتقادها آلهة والخبر عنها بأنها آلهة موجود كما كان اعتقاد الكذابين موجودا . وأما نفس اتصافها بالإلهية فمفقود كاتصاف مسيلمة بالنبوة .

    فهنا حالان - حال للعابد - وحال للمعبود . فأما العابدون- فكلهم في قلوبهم عبادة وتأله لمن عبدوه . وأما المعبودون -فالرحمن له الإلهية -وما سواه لا إلهية له بل هو ميت لا يملك لعابديه ضرا ولا نفعا .

    { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا } وهو في أصح القولين { سبيلا } بالتقرب بعبادته وذكره . ولهذا قال بعدها { تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده } فأخبر عن الخلائق كلها أنها تسبح بحمده . وقد بسط هذا في موضع آخر .

    فقوله { نعبد إلهك } { إلها واحدا } إذا قيل إنه منصوب على الحال فإما أن يكون حالا من الفاعل العابد أو من المفعول المعبود . فالأول : نعبده في حال كوننا مخلصين لا نعبد إلا إياه . والثاني نعبده في الحال اللازمة له وهو أنه إله واحد-- فنعبده مخلصين -معترفين له بأنه الإله وحده دون ما سواه .

    فإن كان التقدير هذا الثاني- امتنع أن يكون المشرك عابدا له - فإنه لا يعبده في هذه الحال - وهو سبحانه ليست له حال أخرى نعبده فيها . وإن كان التقدير - الأول- فقد يمكن أن نعبده في حال أخرى نتخذ معه آلهة أخرى في أنفسنا .

    لكن قوله { إلها واحدا } دليل على أنها حال من المعبود بخلاف ما إذا قيل : نعبده مخلصين له الدين فإن هذه حال من الفاعل .

    ولهذا يأتي هذا في القرآن كثيرا كقوله { فاعبد الله مخلصا له الدين } وقوله { قل الله أعبد مخلصا له ديني } . فهذا حال من الفاعلفإنه يكون تارة مخلصا وتارة مشركا . وأما الرب تعالى فإنه لا يكون إلا إلها واحدا .

    والحال وإن كانت صفة للمفعول - فهي أيضا حال للفاعل . فإنهم قالوا : نعبده في هذه الحال . فلزم أن عبادتهم له ليست في غير هذا الحال . وبين أن قوله { نعبد إلهك وإله آبائك } . . . { إلها واحدا } هي حال متعلقة بالفاعل والمفعول جميعا بالعابد- والمعبود . فإن العامل فيها المتعلق بها العبادة وهي فعل العابد والذي يقال له المفعول في العربية - هو المعبود .

    كما قيل في الجملة { ونحن له مسلمون } . قيل : هي واو العطف وقيل واو الحال أي نعبده في هذه الحال . قالوا : وهي حال من فاعل " نعبد " أو مفعوله لرجوع الهاء إليه في " له " وهذا الترديد غلط - إذ هي حال منهما جميعا . فإنهم إذا عبدوه وهم مسلمون فهم مسلمون حال كونهم عابدين-- وحال كونه معبودا - إذ كونهم عابدين وكونه معبودا ليس مختصا بمقارنة أحدهما دون الآخر .

    فالظرف والحال هنا كلمة وليست مفردا ولهذا اشتبه عليهم . فإن المفرد -لا يمكن أن يكون في اللفظ صفة لهذا وهذا . فإذا قلت : ضربت زيدا قاعدا - فالقعود- حال للفاعل أو المفعول . وإذا قلت : ضربته والناس-قعود فليس هذه الحال من أحدهما دون الآخر -بل هي مقارنة للضرب المتعلق بها كأنه قال : ضربته في زمان قعود الناس . فهو ظرف للفعل المتعلق بالفاعل والمفعول - بخلاف ما إذا قلت : ضربته في حال قعودي أو قعوده فهذا يختلف .

    والآية فيها { إلها واحدا } . فهذه حال من المعبود بلا ريب . فلزم أنهم إنما عبدوه في حال كونه إلها واحدا وهذه لازمة له .

    وإذا قيل المراد : في حال كونه معبودا واحدا لا نتخذ معه معبودا آخر فهذه حال ليست لازمة لكنه صفة للعابدين لا له . قيل : هذا ليس فيه مدح له -ولا وصف له بأنه يستحق الإلهية . لكن فيها- وصفهم- فقط .

    وأيضا فقوله { إلها واحدا } كقوله { وإلهكم إله واحد } فهو في نفسه إله واحد وإن جعل معه المشركون آلهة بالافتراء والحب . فيجب أن يكون المراد ما دل عليه هذا الاسم .

    ولو أرادوا ذلك المعنى لقالوا : نعبده مخلصين له الدين . وهذا المعنى قد ذكروه في الجملة الثانية وهي قولهم { ونحن له مسلمون } لا سيما إذا جعلت حالا أي نعبده إلها واحدا في حال إسلامنا له .

    وإسلامهم له يتضمن إخلاص الدين له وخضوعهم واستسلامهم لأحكامه بخلاف غير المسلمين .

    ولهذا قال آمرا للمؤمنين أن يقولوا
    { آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون } .

    ثم قال { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } { قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون } . تفسير سورة الكافرون لشيخ الاسلام بن تيمية رحمه الله

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,340

    افتراضي

    تفسير العلامة محمد العثيمين رحمه الله
    تفسير سورة الكافرون
    {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
    {قُلْ يأَيُّهَا الْكَفِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ}.
    {قل يا أيها الكافرون} يناديهم يعلن لهم بالنداء {يا أيها الكافرون} وهذا يشمل كل كافر سواء كان من المشركين، أو من اليهود، أو من النصارى، أو من الشيوعيين أو من غيرهم. كل كافر يجب أن تناديه بقلبك أو بلسانك إن كان حاضراً لتتبرأ منه ومن عبادته {قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد} كُررت الجمل على مرتين مرتين {لا أعبد ما تعبدون} أي: لا أعبد الذين تعبدونهم، وهم الأصنام {ولا أنتم عابدون ما أعبد} وهو الله، و«ما» هنا في قوله: {ما أعبد} بمعنى «من» لأن اسم الموصول إذا عاد إلى الله فإنه يأتي بلفظ «من» {لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد} يعني: أنا لا أعبد أصنامكم وأنتم لا تعبدون الله. {ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد} قد يظن الظان أن هذه مكررة للتوكيد، وليس كذلك لأن الصيغة مختلفة {لا أعبد ما تعبدون} فعل. {ولا أنا عابد ما عبدتم} «عابد» و«عابدون» اسم، والتوكيد لابد أن تكون الجملة الثانية كالأولى. إذاً القول بأنه كرر للتوكيد ضعيف، إذاً لماذا هذا التكرار؟




    قال بعض العلماء: {لا أعبد ما تعبدون} أي: الان {ولا أنا عابد ما عبدتم} في المستقبل، فصار {لا أعبد ما تعبدون} أي: في الحال، {ولا أنا عابد ما عبدتم} يعني في المستقبل؛ لأن الفعل المضارع يدل على الحال، واسم الفاعل يدل على الاستقبال. بدليل أنه عمل، واسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان للاستقبال، {لا أعبد ما تعبدون} الان {ولا أنتم عابدون ما أعبد} يعني الان. {ولا أنا عابد ما عبدتم} يعني في المستقبل {ولا أنتم عابدون ما أعبد} يعني في المستقبل.
    لكن أورد على هذا القول إيراد كيف قال: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} مع أنهم قد يؤمنون فيعبدون الله؟! وعلى هذا فيكون في هذا القول نوع من الضعف.
    وأجابوا عن ذلك بأن قوله: {ولا أنتم عابدون ما أعبد} يخاطب المشركين الذين عَلِم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا. فيكون الخطاب ليس عامًّا، وهذا مما يضعف القول بعض الشيء.
    فعندنا الان قولان:
    الأول: إنها توكيد.
    والثاني: إنها في المستقبل.
    القول الثالث: {لا أعبد ما تعبدون} أي: لا أعبد الأصنام التي تعبدونها. {ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي: لا تعبدون الله. {ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي: في العبادة يعني ليست عبادتي كعبادتكم، ولا عبادتكم كعبادتي، فيكون هذا نفي للفعل لا للمفعول به، يعني ليس نفيًا للمعبود. لكنه نفي للعبادة أي لا أعبد كعبادتكم، ولا تعبدون أنتم كعبادتي، لأن عبادتي خالصة لله، وعبادتكم عبادة شرك.


    القول الرابع: واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أن قوله {لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد} هذا الفعل. فوافق القول الأول في هذه الجملة. {ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد} أي: في القبول، بمعنى ولن أقبل غير عبادتي، ولن أقبل عبادتكم، وأنتم كذلك لن تقبلوا. فتكون الجملة الأولى عائدة على الفعل. والجملة الثانية عائدة على القبول والرضا، يعني لا أعبده ولا أرضاه، وأنتم كذلك. لا تعبدون الله ولا ترضون بعبادته.
    وهذا القول - إذا تأملته لا يرد عليه شيء من الهفوات السابقة، فيكون قولاً حسناً جيداً، ومن هنا نأخذ أن القرآن الكريم ليس فيه شيء مكرر لغير فائدة إطلاقاً، ليس فيه شيء مكرر إلا وله فائدة. لأننا لو قلنا: إن في القرآن شيئاً مكرراً بدون فائدة لكان في القرآن ما هو لغو، وهو منزه عن ذلك، وعلى هذا فالتكرار في سورة الرحمن {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وفي سورة المرسلات {ويل يومئذ للمكذبين} تكرار لفائدة عظيمة، وهي أن كل آية مما بين هذه الاية المكررة، فإنها تشمل على نعم عظيمة، وآلاء جسيمة، ثم إن فيها من الفائدة اللفظية التنبيه للمخاطب حيث يكرر عليه {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ويكرر عليه {ويل يومئذ للمكذبين}.
    ثم قال عز وجل: {لكم دينكم ولي دين} {لكم دينكم} الذي أنتم عليه وتدينون به. ولي ديني، فأنا برىء من دينكم، وأنتم بريؤون من ديني.
    قال بعض أهل العلم: وهذه السورة نزلت قبل فرض الجهاد؛ لأنه بعد الجهاد لا يقر الكافر على دينه إلا بالجزية إن كانوا من أهل الكتاب. وعلى القول الراجح أو من غيرهم.



    ولكن الصحيح أنها لا تنافي الأمر بالجهاد حتى نقول إنها منسوخة، بل هي باقية ويجب أن نتبرأ من دين اليهود والنصارى والمشركين، في كل وقت وحين، ولهذا نقر اليهود والنصارى على دينهم بالجزية، ونحن نعبد الله، وهم يعبدون ما يعبدون، فهذه السورة فيها البراءة والتخلي من عبادة غير الله عز وجل، سواء في المعبود أو في نوع الفعل، وفيها الإخلاص لله عز وجل، وأن لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له. [تفسير بن عثيمين-سورة الكافرون]
    أم علي طويلبة علم و أبو مالك المديني الأعضاء الذين شكروا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •