ركائز في الدعوة إلى الله
أ.د. ناصر بن سليمان العمر


إن في القرآن الكريم أربع سور تعد ركائز الدعوة إلى الله تعالى، وهي: الأولى: سورة اقرأ، وهي سورة العلم.


والثانية: سورة المدثر، وهي سورة البلاغ.


والثالثة: سورة المزمل، وهي سورة العبادة.


والرابعة: سورة نون، وهي سورة الأخلاق.


وشرح هذه الجملة يطول، والقصد هنا التنبيه على أن البلاغ بدون علم لا يجوز، وهذا لا يعني أن يكون الداعية عالماً، إنما الشرط ألا يدعو إلا بعلم.


والبلاغ بدون العبادة يضعف عنه الإنسان، ويضعف أثره أيضاً، فلا يستمر في طريق الدعوة، وإذا دعا كان أثر دعوته ضعيفاً؛ لضعف عبادته، فالناس تلاحظ وتقتدي أو تزهد[1].


والعبادة القاصرة بغير إحسان إلى الخلق، وبذل لهم، وحسن تعامل معهم لا يتم بها المقصود بل لا بد أن يكون معها النفور؛ {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].


وإذا أردت أن تقف على نموذج لمن وفق في تلك الركائز فدونك شيخ الإسلام رحمه الله، وهل جال في خاطرك اسم أحد غير ابن تيمية عند قراءتك لهذا اللقب؟! شيخ الإسلام إذا أُطلق اليوم فقل أن ينصرف إلى غير هذا الإمام رحمه الله، مع أنه لقب أطلق على كثيرين، وغيره من أهل العلم كثير تحقق له ما سبق، ولكنه نموذج جيله، قريب نسبياً، بعيد كذلك عن جيل السلف والقرون المفضلة، ظهر في الأمة وهي تعيش أحوالاً مضطربة وفتناً فأحدث أثراً، وجدد ملةً، وأعاد من شاء الله من خلقه إلى منهاج النبوة بعد أن قل سالكوه وكثر مخالفوه، فهو نموذج يبعث الأمل لتشابه الظروف، فماذا كان من شأنه؟ وكيف كانت صفته؟


قال ابن القيم رحمه الله: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة... وقال آخر: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها؟ قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره، أو نحو هذا. وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طرباً. وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. فمحبة الله تعالى، ومعرفته، ودوام ذكره، والسكون إليه، والطمأنينة إليه، وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة، بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته؛ هو جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قوة عين المحبين، وحياة العارفين. وإنما تقر عيون الناس به على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات. وإنما يصدق هذا من في قلبه حياة»[2].


وإن مما يؤسف عليه: أن عند بعض الدعاة هداهم الله من طلاب العلم ضعفاً في هذا الباب، يتساهل أو يقصر في العبادة بحجة الانشغال! الانشغال بماذا؟! بالدعوة إلى الله جل وعلا! {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [البقرة: ٤٤]. وأحياناً تجده يتأخر عن الفرائض، فكثيراً ما يقضي صلاته، ويكون في صفوفها الخلفية، ويقل حضوره إليها مع الأذان أو قبله، بحجة أنه مشغول!


وأما ركيزة الأخلاق فيكفي لبيان عظيم أثرها آية في كتاب الله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْـمُتَوَكِّلِ ينَ} [آل عمران: 159]، هذه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فكيف بغيره؟ ومن يدعو إذا انفض الناس من حوله؟!


والمقصود أن على الداعية أن يتدبر السور الأربع المذكورة، وأن يحرص على العمل بما فيها؛ فإنه لا صلاح له ولا لدعوته بغير ذلك، ولاسيما عند ورود الفتن، فقد ثبت في القرآن والسنة أثر العلم والعبادة والتحلي بالأخلاق الإسلامية الفاضلة في ثبات المؤمن عند اشتداد الفتن، وصح في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهرج [وهو الفتنة كما في اللفظ الآخر] كهجرة إليَّ»[3]. بوب عليه ابن حبان في صحيحه: ذكر إعطاء الله جل وعلا المتعبد عند وقوع الفتن ثواب الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم[4].


ثبتنا الله على طاعته حتى نلقاه، وألزمنا الاستجابة إلى أمره حيث قال: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: ٩٩]، ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه الجهد والتكلان، وهو المستعان.










[1] انظر تفصيل ذلك في كتابي: «وكانوا لنا عابدين». [2] الوابل الصيب ص(48-49)، ومن أراد الاستزادة عن حال شيخ الإسلام فلينظر هذا الموضع. 
[3] صحيح مسلم (2948)، واللفظ الآخر رواه الإمام أحمد في المسند 5/27 (20326)، وقال المحققون: حديث صحيح وهذا إسناد قوي.  [4] صحيح ابن حبان 13/289.