لماذا ندرس الأدب؟


كمال بوضى




لطالَما طُرِح هذا السؤالُ العريض من لدن الباحثين، وأُثيرتْ حوله العديدُ من النقاشات التي تَخُص ماهية الأدب وفعاليته في حياة الأفراد والمجتمعات، والجدوى من تدريسه وتَلقينه في المدارس والجامعات..



وقبل أن نُفكك بِنية هذا السؤال، ونُميط اللثام عن هذه القضية الشائكة، سنَشرَع أولًا في الحديث عن مفهوم الأدب، والحديث عنه كثيرًا ما يُفضي بنا إلى الدخول في متاهات لا يمكن الخروج منها؛ لأن إيجاد تعريف قارٍّ له، لا يمكن الوصول إليه، والسبب في ذلك شدةُ ارتباطه بالمجتمعات المتَّسمة بالتغيُّر تبعًا للشروط الواقعة، لذلك فالدكتور عز الدين إسماعيل يعتبر الأدب انعكاسًا للمجتمع".



كما أن هذا البحث يَدفَعنا إلى الغوص في أعماق تاريخ الأدب بدل مفهوم الأدب،وبالأَوْب ة إلى النواة الأولى لتشكُّل هذا اللفظ ووروده في التراث الفكريِّ الإسلاميِّ، نجدها قد ضُمِّنتْ في قول طَرَفة بن العبد في قوله:

نَحنُ في المَشتاةِ نَدعو الجَفَلى *** لا تَرى الآدِبَ فينا يَنتَقِرْ

ثم ورودها في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "أدَّبني ربي فأحسَن تأديبي"، وإن كان هذا الحديث قد ضعَّفه بعضُ أئمة الحديث، ثم توالتِ التحديدات حول هذا المفهوم تبعًا لتغيُّر الشروط الذاتية الموضوعية الخاصة بكل اتجاه على حِدَةٍ، مرورًا بابن خلدون الذي يُعرِّف الأدب في مقدمته بقوله: "الأدبُ هو الإجادةُ في فنَّيِ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم".

إن دراستنا للأدب وتخصيصَ العديد من الموادِّ الدراسية بُغيةَ استكناه عناصره وخصائصه - ليستْ من باب الترف العلميِّ أو العبَثيَّة المعرفية؛ بل بُغيةَ تحقيق مقاصدَ نبيلةٍ تتلخص في تهذيب النفوس وتنميتها؛ حتى تستطيع الرُّقيَّ إلى الدرجة العليا من الكمال والرُّقي الإنسانيَّين، فالأدب سواء أكان شعرًا أم نثرًا، له تأثير عجيبٌ على دارسيه، فإذا نظَرنا في حال السلف الصالح - من علماء ومفكِّرين - نجد أن بدايتهم الأولى في طلب العلم، كانت بتعلُّم الأدب المتمثِّل في دراسة أشعار العرب وأخبارهم ونوادرهم، بعد أن يتمَّ حفظُ القرآن الكريم وسُنة رسول الله؛ مما جعلهم يتذوَّقون جمال اللغة وروعة المعاني، وبراعة البيان وعذوبة اللفظ؛ ذلك أن حفظَ وفَهْمَ مُعلقة لأحد الشعراء القدامى، يُجلِّي هذه الأمور التي أشَرنا إليها!

لقد انتكستْ أخلاقُ شبابنا وعمَّت الرذيلة مكان الفضيلة، وقُطِّعت سبلُ الوصال بالأدب، وهنا لا بد من تأكيد أن الأدب الذي نَقصِد ليس أيَّ أدبٍ؛ بل إنه ذلك الأدب الجميل الذي يستمدُّ معانيَه من الدين الإسلاميِّ بمختلف نصوصه ومشاربه، فالأدب ذلك البحر الذي لا يَنضُب مَعينُه، وتلك الشجرة المثمرة التي تُؤتي أُكُلَها كلَّ حينٍ، وهو ذلك القمر المنير الذي يُزيِّن سماءَنا بنوره البهيج، ويُبدِّد ظلمات الليل القاتمة التي كثيرًا ما تَحوم حول حياتنا بسبب فساد أذواقنا وفساد معايير الجمال والفن لدينا، وأيضًا بسبب فوضى الحياة وكثرة مشكلاتها واضطراباتها التي تُفسِد طعمَها في كثير من الأحيان، فهكذا هي حياة المرء مَليئةٌ بالظلمات ولن يُزيلها إلا النورُ الوهَّاجُ المستمَدُّ من الأدب الراقي، ما دام الأدب هو "أفيدَ غذاءٍ لرُوح الأمة وعقلها، وأكبرَ مُهذِّب لإحساسها وشعورها".

فالحديث عن الأدب الراقي يدعونا بالضرورة إلى الابتعاد عن الأدب التافه الذي عمَّت به الساحة الأدبيةُ اليوم؛ حيث تَجده مُتَضمَّنًا في بطون الكتب من روايات وقصص، تكون العناوين بعيدة كلَّ البُعد عن مضمون النص - بُعدَ المشرق عن المغرب - ثم كُتب علمية ومجلات وجرائد غايتها الربح الماديُّ، والتطلُّع للأضواء والبحث عن الشهرة أكثر من البحث عما هو أشرف وأنبل، بعيدًا عن تضخيم الأنا وحُب الذات، ونشر الضلالات في صفوف شباب أُمتنا.


منقول