هناك فروق بين الأحكام الشرعيّة العمليّة، والآراء الفقهيّة؛ فليست كلّ الآراء الفقهيّة صحيحة، ولا سيّما آراء الغُلاة.
فهذا ابن تيميّة يُفرّق بين ثلاثة استعمالات، في عرف أهل زمانه، للفظ (الشرع)، هي: الشرع المنزَّل، والشرع المؤوَّل، والشرع المبدَّل.
فأمّا الشرع المنزَّل، فيعني به الشريعة الإسلاميّة المنزَّلة، من لدن الحكيم العليم الخبير، على الرسول الكريم الصادق الأمين صلّى الله عليه وسلّم. وهي شريعة معصومة من الأخطاء، والعمل بمقتضاها واجب على كلّ مكلَّف مستطيع.
وأمّا الشرع المؤوَّل، فيعني به اجتهادات العلماء، التي قد يُصيبون فيها، وقد يخطئون. وليس لأحد أن يُلزِم الناس باجتهاد أحد العلماء، بل العمل به جائز، لِمن اعتقد أنّ حجّته هي القويّة، أو لمن ساغ له تقليده؛ والإنكار على المخالِف فيها غير جائز.
وأمّا الشرع المبدَّل، فيعني به تحريفات المبطلين، الذين جاؤوا بنصوص وأقوال وتفسيرات وآراء، مخالفة للصورة التنزيليّة.
قال ابن تيميّة: ((ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معانٍ: الشرع المنزَّل: وهو ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم وهذا يجب اتّباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني: الشرع المؤوَّل: وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتّباعه، ولا يجب، ولا يُحرَّم، وليس لأحد أن يُلزِم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه. والثالث: الشرع المبدَّل: وهو الكذب على الله ورسوله، أو على الناس بشهادات الزور، ونحوها، والظلم البيّن))([1]).
وقال أيضًا: ((وأيضا فلفظ "الشرع" في هذا الزمان، يُطلَق على ثلاثة معانٍ: شرع منزَّل، وشرع متأوَّل، وشرع مبدَّل. فالمنزَّل: الكتاب والسنّة، فهذا الذي يجب اتّباعه على كلّ واحد، ومن اعتقد أنّه لا يجب اتّباعه على بعض الناس فهو كافر. والمتأوَّل موارد الاجتهاد التي تنازع فيها العلماء، فاتّباع أحد المجتهدين جائز لِمن اعتقد أنّ حجّته هي القويّة، أو لِمن ساغ له تقليده، ولا يجب على عموم المسلمين اتّباع أحد بعينه إلّا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. فكثير من المتفقّهة إذا رأى بعض الناس من المشائخ الصالحين، يرى أنّه يكون الصواب مع ذلك، وغيره قد خالف الشرع، وإنّما خالف ما يظنّه هو الشرع، وقد يكون ظنّه خطأ، فيثاب على اجتهاده، وخطؤه مغفور له، وقد يكون الآخر مجتهدًا مخطئًا. وأمّا الشرع المبدَّل: فمثل الأحاديث الموضوعة، والتأويلات الفاسدة والأقيسة الباطلة والتقليد المحرَّم، فهذا يُحرَّم أيضًا. وهذا من مثار النزاع، فإنّ كثيرًا من المتفقّهة والمتكلّمة قد يوجب على كثير من المتصوّفة والمتفقّرة اتّباع مذهبه المعيَّن، وتقليد متبوعه، والتزام حكم حاكمه باطنًا وظاهرًا، ويرى خروجه عن ذلك خروجًا عن الشريعة المحمديّة، وهذا جهل منه وظلم، بل دعوى ذلك على الإطلاق كفر ونفاق. كما أنّ كثيرًا من المتصوّفة والمتفقّرة يرى مثل ذلك في شيخه ومتبوعه، وهو في هذا نظير ذلك. وكلٌّ من هؤلاء قد يُسوِّغ الخروج عمّا جاء به الكتاب والسنّة، لِما يظنّه معارضًا لهما، إمّا لِما يُسمّيه هذا ذوقًا ووجدًا، ومكاشفات ومخاطبات، وإمّا لِما يسمّيه هذا قياسًا ورأيًا وعقليّات وقواطع، وكلّ ذلك من شعب النفاق، بل يجب على كلّ أحد تصديق الرسول صلّى الله عليه وسلّم، في جميع ما أخبر به، وطاعته في جميع ما أمر به، وليس لأحد أن يعارضه بضرب الأمثال، ولا بآراء الرجال، وكلّ ما عارضه فهو خطأ وضلال))([2]).
وبيّن ابن تيميّة أنّ أقوال المجتهدين ليست بمنزلة الأحكام الشرعيّة؛ ولذلك كان العلماء ينهون عن تقليدهم، فقال: ((وأحمد بن حنبل نهى عن تقليده وتقليد غيره من العلماء في الفروع، وقال: لا تقلّد دينك الرجال، فإنّهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال: لا تقلّدني، ولا مالكًا، ولا الثوريّ، ولا الشافعيّ. وقد جرى في ذلك على سنن غيره من الأئمّة، فكلّهم نهوا عن تقليدهم، كما نهى الشافعيّ عن تقليده وتقليد غيره من العلماء، فكيف يُقلَّد أحمد وغيره في أصول الدين؟ وأصحاب أحمد، مثل أبي داود السجستانيّ، وإبراهيم الحربيّ، وعثمان بن سعيد الدارميّ، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والبخاريّ، ومسلم، وبقيّ بن مخلد، وأبي بكر الأثرم، وابنيه صالح وعبد الله، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ومحمّد بن مسلم بن وارة، وغير هؤلاء الذين هم من أكابر أهل العلم والفقه والدين، لا يقبلون كلام أحمد ولا غيره إلّا بحجّة يبيّنها لهم، وقد سمعوا العلم كما سمعه هو، وشاركوه في كثير من شيوخه، ومن لم يلحقوه أخذوا عن أصحابه الذين هم نظراؤه، وهذه الأمور يعرفها من يعرف أحوال الإسلام وعلمائه))([3]).
وقال أيضًا: ((وهؤلاء الأئمّة الأربعة رضي الله عنهم قد نهوا الناس عن تقليدهم في كلّ ما يقولونه، وذلك هو الواجب عليهم؛ فقال أبو حنيفة: هذا رأيي وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه؛ ولهذا لَمّا اجتمع أفضل أصحابه - أبو يوسف - بمالك فسأله عن مسألة الصاع، وصدقة الخضراوات، ومسألة الأجناس، فأخبره مالك بما تدلّ عليه السنّة في ذلك، فقال: رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع إلى قولك كما رجعت. ومالك كان يقول: إنّما أنا بشر، أُصيب وأُخطئ، فاعرضوا قولي على الكتاب والسنّة، أو كلامًا هذا معناه. والشافعيّ كان يقول: إذا صحّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيتَ الحجّة موضوعة على الطريق فهي قولي. وفي مختصر المزنيّ - لَمّا ذكر أنّه اختصره من مذهب الشافعيّ لمن أراد معرفة مذهبه - قال: مع إعلامه نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلّدوني ولا تقلّدوا مالكًا ولا الشافعيّ ولا الثوريّ، وتعلّموا كما تعلّمنا. وكان يقول: من قلّة علم الرجل أن يقلّد دينه الرجال، وقال: لا تقلّد دينك الرجال، فإنّهم لن يسلموا من أن يغلطوا... لكن من الناس من قد يعجز عن معرفة الأدلّة التفصيليّة في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، لا كلّ ما يعجز عنه من التفقّه، ويلزمه ما يقدر عليه...))([4]).
وقال ابن القيّم: ((والفرق بين الحكم المنزَّل الواجب الاتّباع، والحكم المؤوَّل الذي غايته أن يكون جائز الاتّباع: أنّ الحكم المنزَّل: الذي أنزله الله على رسوله وحكم به بين عباده، وهو حُكمه الذي لا حُكم له سواه. وأمّا الحكم المؤوَّل، فهو أقوال المجتهدين المختلفة التي لا يجب اتِّباعها، ولا يُكفَّر ولا يُفسَّق من خالفها، فإنّ أصحابها لم يقولوا: هذا حكم الله ورسوله، بل قالوا: اجتهدنا برأينا، فمن شاء قبله، ومن شاء لم يقبله؛ ولم يُلزِموا به الأمّة. بل قال أبو حنيفة: هذا رأيي، فمن جاءنا بخير منه قبلناه. ولو كان هو عين حكم الله لما ساغ لأبى يوسف ومحمّد وغيرهما مخالفته فيه. وكذلك مالك استشاره الرشيد أن يحمل الناس على ما في الموطَّأ، فمنعه من ذلك، وقال: قد تفرّق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في البلاد، وصار عند كلّ قوم علم غير ما عند الآخرين. وهذا الشافعي ينهى أصحابه عن تقليده، ويوصيهم بترك قوله إذا جاء الحديث بخلافه. وهذا الإمام أحمد ينكر على من كتب فتاويه ودوّنها، ويقول: لا تقلّدني ولا تقلّد فلانًا ولا فلانًا، وخذ من حيث أخذوا. ولو علموا رضي الله عنهم أنّ أقوالهم وحي يجب اتّباعه لحرَّموا على أصحابهم مخالفتهم، ولما ساغ لأصحابهم أن يُفتوا بخلافهم في شيء، ولما كان أحدهم يقول القول ثمّ يفتي بخلافه، فيُروى عنه في المسألة القولان والثلاثة وأكثر من ذلك. فالرأي والاجتهاد أحسن أحواله أن يسوغ اتّباعه. والحكم المنزَّل لا يحلّ لمسلم أن يخالفه ولا يخرج عنه. وأمّا الحكم المبدَّل، وهو الحكم بغير ما أنزل الله، فلا يحلّ تنفيذه، ولا العمل به، ولا يسوغ اتّباعه، وصاحبه بين الكفر والفسوق والظلم))([5]).


([1]) مجموع الفتاوى: 3/168.

([2]) مجموع الفتاوى: 11/235-236.

([3]) مجموع الفتاوى: 6/129-130.

([4]) مجموع الفتاوى: 20/117-118.

([5]) الروح: 740-742.