هناك فروق بين القرآن الكريم، وقراءات القُرّاء، فليست كلّ القراءات صحيحة، ولا سيّما القراءات الشاذّة؛ وليست كلّ مباحث (علم القراءات) صحيحة قطعيّة، ولا سيّما المباحث الخلافيّة.
قال الفخر الرازيّ: ((المسألة الثانية عشرة: اتّفقوا على أنّه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذّة مثل قولهم: "الحمد لله"، بكسر الدال من "الحمد"، أو بضمّ اللام من "لله"؛ لأنّ الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقًا؛ لأنّها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حدّ التواتر، ولَمّا لم يكن كذلك، علمنا أنّها ليست من القرآن، إلّا أنّا عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة، فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع))([1]).
وقال أيضًا: ((المسألة الثالثة عشرة: اتّفق الأكثرون على أنّ القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر، وفيه إشكال: وذلك لأنّا نقول: هذه القراءات المشهورة، إمّا أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون، فإن كان الأوّل، فحينئذ قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ الله تعالى قد خيّر المكلَّفين بين هذه القراءات، وسوّى بينها في الجواز، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض، واقعًا على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق، إن لم يلزمهم التكفير، لكنّا نرى أنّ كلّ واحد من هؤلاء القُرّاء يختصّ بنوع معيَّن من القراءة، ويحمل الناس عليها، ويمنعهم من غيرها، فوجب أن يلزم في حقّهم ما ذكرناه، وأمّا إن قلنا: إنّ هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر، بل بطريق الآحاد فحينئذ يخرج القرآن عن كونه مفيدًا للجزم والقطع واليقين، وذلك باطل بالإجماع، ولقائل أن يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمّة فيه، وتجويز القراءة بكلّ واحد منها، وبعضها من باب الآحاد، وكون بعض القراءات من باب الآحاد، لا يقتضي خروج القرآن بكلّيّته عن كونه قطعيًّا، والله أعلم))([2]).
وقال أيضًا: ((والجواب الصحيح أنّ القراءة الشاذّة مردودة؛ لأنّ كلّ ما كان قرآنًا، وجب أن يثبت بالتواتر، فحيث لم يثبت بالتواتر، قطعنا أنّه ليس بقرآن))([3]).
وقال أيضًا: ((القراءة الشاذّة لا تُبطِل القراءة المتواترة، فنحن نتمسّك بالقراءة المتواترة في إثبات مذهبنا. وأيضًا القراءة الشاذّة ليست بحجّة عندنا؛ لأنّا نقطع أنّها ليست قرآنًا، إذ لو كانت قرآنًا، لكانت متواترة...))([4]).
وقال أيضًا: ((فهذه هي القراءات الشاذّة المذكورة في هذه الآية. واعلم أنّ المحقّقين قالوا: هذه القراءات لا يجوز تصحيحها؛ لأنّها منقولة بطريق الآحاد، والقرآن يجب أن يكون منقولًا بالتواتر؛ إذ لو جوّزنا إثبات زيادة في القرآن بطريق الآحاد، لَما أمكننا القطع بأنّ هذا الذي هو عندنا كلّ القرآن؛ لأنّه لَمّا جاز في هذه القراءات، أنّها مع كونها من القرآن، ما نُقِلت بالتواتر، جاز في غيرها ذلك؛ فثبت أنّ تجويز كون هذه القراءات من القرآن يطرق جواز الزيادة والنقصان والتغيير إلى القرآن، وذلك يخرج القرآن عن كونه حُجّة، ولَمّا كان ذلك باطلًا، فكذلك ما أدّى إليه))([5]).
وقال أبو شامة: ((واعلم أنّ القراءات الصحيحة المعتبرة المجمع عليها، قد انتهت إلى السبعة القُرّاء المقدَّم ذكرهم، واشتهر نقلها عنهم لتصدّيهم لذلك وإجماع الناس عليهم، فاشتهروا بها، كما اشتهر في كلّ علم من الحديث والفقه والعربيّة أئمّة، اقتدي بهم، وعُوِّل فيها عليهم. ونحن فإن قلنا: إنّ القراءات الصحيحة إليهم نُسِبت وعنهم نُقِلت، فلسنا ممَّن يقول: إنّ جميع ما رُوي عنهم يكون بهذه الصفة، بل قد رُوي عنهم ما يُطلَق عليه أنّه ضعيف وشاذّ، بخروجه عن الضابط المذكور، باختلال بعض الأركان الثلاثة، ولهذا ترى كتب المصنّفين في القراءات السبع مختلفة في ذلك، ففي بعضها ذِكر ما سقط في غيرها، والصحيح بالاعتبار الذي ذكرناه موجود في جميعها إن شاء الله تعالى. فلا ينبغي أن يُغتَرَّ بكلّ قراءة تُعزى إلى واحد من هؤلاء الأئمّة السبعة، ويطلق عليها لفظ الصحّة، وإن هكذا أنزلت إلّا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مصنّف عن غيره، ولا يختصّ ذلك بنقلها عنهم، بل إن نقلت عن غيرهم من القُرّاء، فذلك لا يخرجها عن الصحّة. فإنّ الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف، لا عمّن تُنسَب إليه. فإنّ القراءات المنسوبة إلى كلّ قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذّ، غير أنّ هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجتمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نُقِل عنهم، فوق ما يُنقَل عن غيرهم))([6]).
وقال أيضًا: ((وقد شاع على ألسنة جماعة من المقرئين المتأخِّرين وغيرهم من المقلِّدين أنّ القراءات السبع كلّها متواترة، أي كلّ فرد، فرد، ممّا رُوي عن هؤلاء الأئمّة السبعة، قالوا: والقطع بأنّها منزلة من عند الله واجب. ونحن بهذا نقول، ولكنْ فيما اجتمعت على نقله عنهم الطرق، واتّفقت عليه الفرق، من غير نكير له، مع أنّه شاع واشتُهِر واستفاض، فلا أقلَّ من اشتراط ذلك، إذا لم يتّفق التواتر في بعضها. فإنّ القراءات السبع المراد بها ما رُوي عن الأئمّة السبعة القُرّاء المشهورين، وذلك المرويّ عنهم منقسم إلى ما أُجمِع عليه عنهم، لم يختلف فيه الطرق، وإلى ما اختُلِف فيه، بمعنى أنّه نُفيت نسبتُه إليهم في بعض الطرق. فالمصنِّفون لكتب القراءات يختلفون في ذلك اختلافًا كثيرًا، ومن تصفّح كتبهم في ذلك، ووقف على كلامهم فيه، عرَف صحّة ما ذكرناه. وأمّا من يهوّل في عبارته قائلًا: إنّ القراءات السبع متواترة، لأنّ القرآن أُنزِل على سبعة أحرُف، فخطؤه ظاهرٌ؛ لأنّ الأحرف السبعة، المراد بها غير القراءات السبع، على ما سبق تقريره في الأبواب المتقدِّمة. ولو سئل هذا القائل عن القراءات السبع التي ذكرَها، لم يعرفها ولم يهتدِ إلى حصرها، وإنّما هي شيء طرَق سمعَه، فقاله غير مفكِّر في صحّته، وغايته - إن كان من أهل هذا العلم - أن يجيب بما في الكتاب الذي حفظه. والكتب في ذلك -كما ذكرنا - مختلفة، ولا سيّما كتب المغاربة والمشارقة، فبين كتب الفريقين تباين في مواضع كثيرة، فكم في كتابه من قراءة قد أُنكِرت، وكم فات كتابه من قراءة صحيحة فيه ما سُطرت، على أنّه لو عرف شروط التواتر لم يجسر على إطلاق هذه العبارة في كلّ حرف من حروف القراءة. فالحاصل إنّا لسنا ممّن يلتزم التواتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القُرّاء، بل القراءات كلّها منقسمة إلى متواتر وغير متواتر، وذلك بيِّن لِمن أنصف وعرف وتصفّح القراءات وطرقها. وغاية ما يُبديه مدّعي تواتر المشهور منها، كإدغام أبي عمرو، ونقل الحركة لورش، وصلة ميم الجمع، وهاء الكناية لابن كثير، أنّه متواتر عن ذلك الإمام، الذي نُسِبت تلك القراءة إليه، بعد أن يجهد نفسه في استواء الطرفين والواسطة، إلّا أنّه بقي عليه التواتر من ذلك الإمام إلى النبيّ r في كلّ فرد، فرد، من ذلك، وهنالك تسكب العبرات، فإنّها من ثَـمَّ لـم تُنقَل إلّا آحادًا، إلّا اليسير منها. وقد حقّقنا هذا الفصل أيضًا في "كتاب البسملة الكبير"، ونقلنا فيه من كلام الحُذّاق من الأئمّة المتقنين، ما تلاشى عنده، شُبَه الـمُشنِّعين، وبالله التوفيق))([7]).
وقال الزركشيّ: ((واعلم أنّ القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان، فالقرآن هو الوحي المنزَّل على محمّد r للبيان والإعجاز، والقراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المذكور في كتبة الحروف أو كيفيّتها؛ من تخفيف وتثقيل وغيرهما، ثّم هاهنا أمور: أحدها أنّ القراءات السبع متواترة عند الجمهور، وقيل: بل مشهورة، ولا عبرة بإنكار المبرّد قراءة حمزة: "والْأرْحَامِ" و"مُصْرِخيِّ"، ولا بإنكار مغاربة النحاة كابن عصفور قراءة ابن عامر: "قَتْلُ أولادَهم شركائهم". والتحقيق أنّها متواترة عن الأئمّة السبعة، أمَّا تواترها عن النبيّ r ففيه نظر؛ فإنّ إسناد الأئمّة السبعة بهذه القراءات السبعة موجود في كتب القراءات، وهي نقل الواحد عن الواحد لم تكمل شروط التواتر في استواء الطرفين والواسطة، وهذا شيء موجود في كتبهم، وقد أشار الشيخ شهاب الدين أبو شامة في كتابه "المرشد الوجيز" إلى شيء من ذلك))([8]).
وقال أيضًا: ((قلتُ: وما أفتى به الشيخان نقله النوويُّ في شرح المهذَّب عن أصحاب الشافعيّ، فقال: قال أصحابنا وغيرهم: لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذّة؛ لأنّها ليست قرآنًا، لأنّ القرآن لا يثبت إلّا بالتواتر، والقراءة الشاذّة ليست متواترة؛ ومن قال غيرَه، فغالِطٌ أو جاهلٌ، فلو خالَفَ وقرأ بالشاذِّ، أُنكِر عليه قراءتُها في الصلاة وغيرها، وقد اتّفق فقهاءُ بغداد على استتابة من قرأ بالشواذِّ. ونقل ابنُ عبد البرّ إجماع المسلمين على أنّه لا تجوز القراءة بالشواذّ، ولا يُصَلَّى خَلفَ من يقرأ بها))([9]).
وقال أيضًا: ((الثالث: أنّ القراءات توقيفيّة وليست اختياريّة، خلافًا لجماعة منهم الزمخشريّ، حيث ظنّوا أنّها اختياريّة، تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء. ورُدَّ على حمزة قراءة: "والأَرْحَامِ" بالخفض؛ ومثل ما حُكي عن أبي زيد والأصمعيّ ويعقوب الحضرميّ أن خطَّأوا حمزة في قراءته: "وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ" بكسر الياء المشدّدة، وكذا أنكروا على أبي عمرو إدغامَه الراء عند اللام في: "يَغْفِلَّكُم ". وقال الزجّاج: إنّه خطأ فاحش؛ ولا تدغم الراء في اللام إذا قلتَ: "مُرْ لِـي" بكذا، لأنّ الراء حرف مكرّر، ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به؛ فأمّا اللام فيجوز إدغامه في الراء، ولو أُدغِمت اللام في الراء لزم التكريرُ من الراء. وهذا إجماع النحويّين. انتهى))([10]).
وقال أيضًا: ((وعن الإمام أحمد بن حنبل أنّه كرِه قراءةَ حمزة لِما فيها من طول المدّ وغيره، فقال: لا تعجبني، ولو كانت متواترة لَما كرهها))([11]).


([1]) التفسير الكبير: 1/70.

([2]) التفسير الكبير: 1/70-71.

([3]) التفسير الكبير: 6/91.

([4]) التفسير الكبير: 11/233.

([5]) التفسير الكبير: 22/75.

([6]) المرشد الوجيز: 134-135.

([7]) المرشد الوجيز: 135-136.

([8]) البرهان في علوم القرآن: 1/318-319.

([9]) البرهان في علوم القرآن: 1/333.

([10]) البرهان في علوم القرآن: 1/321-322.

([11]) البرهان في علوم القرآن: 1/320.