يقول سيد قطب رحمه الله ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . }
إن هذا النص يحدد مدلول كلمة « الدين » في هذا الموضع تحديداً دقيقاً . . إنه يعني : نظام الملك وشرعه . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . [ويقرر] القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها « الدين » . .
هذا المدلول القرآني الواضح [
هو الذي ظهر في جوانب الجاهلية فى القرن
العشرين] عن الناس جميعاً . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين!
إنهم يقصرون مدلول « الدين » على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . داخلاً في « دين الله »
مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول { دين الملك } بأنه نظام الملك وشريعته . وكذلك « دين الله » فهو نظامه وشريعته . .
إن مدلول « دين الله » قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور[كثير من] الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .
لقد كان يعني دائماً : الدينونة لله وحده؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائماً بين من هم في دين « الله » ومن هم في { دين الملك } أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع!
وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماماً
وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذراً في أنهم يجهلون مدلول كلمة « دين الله » وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي « الدين » . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين!
وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين!
إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها؟
إن هذا الجهل قد [ يكون بامتحان من لم تبلغه الحجة فى الاخرة]؛
إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . أنه ليس دين الله قطعاً . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في « دين لله » . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في « دين الملك » . ولا جدال في هذا .
والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلاً وواقعاً أن يكون معتقداً به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . .
وخير لنا من أن ندافع عن الناس وهم في غير دين الله ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده! . .
خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول « دين الله » ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .
هذا خير لنا وللناس أيضاً . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه وأنهم في دين الملك لا في دين الله قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين الله!
كذلك فعل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان
[فى ظلال القرآن بتصرف لما بين المعكوفين] اسلام ويب