السؤال :
أنا أعيش في السعودية ولدي الآن مبلغ من المال في حسابي المصرفي ، وأريد استثمار هذه الأموال كي لا تضيع ، وسمعت عن بنك ميم ، وأنه يتعامل بما يسمى وديعة مرابحة ، فأرجو منكم تفصيل الحكم في مثل هذه المعاملة ، وهل هذا البنك معروف وموثوق به من قبل علماء الشريعة ؟
تم النشر بتاريخ: 2017-12-11


الجواب :
الحمد لله
أولا:
يجوز للعميل إذا ملك سلعة أن يبيعها مرابحة للبنك أو غيره، والمقصود بالمرابحة: "بيع سلعة بمثل الثمن الذي اشتراها به البائع، مع زيادة ربح معلوم متفق عليه، بنسبة من الثمن، أو بمبلغ مقطوع" انتهى من "المعايير الشرعية"، ص122.
ثانيا:
ما يجري في البنوك فيما يسمى وديعة المرابحة، يقوم على ما يلي:
1-إيداع العميل مبلغا من المال في البنك، ثم توكيل البنك في شراء سلعة للعميل.
2-توكيل البنك في بيع سلعة العميل مرابحة للبنك. فيشتريها البنك بالأقساط لمدة معلومة.
وغالبا ما تكون السلعة معادن في الأسواق الدولية، فلا يراها العميل، ولا يباشر بيعها للبنك، وإنما دور العميل إعطاء المال للبنك، والبنك يتوكل عنه في الشراء له، ثم البيع لنفسه؛ ليحصل العميل في نهاية الأمر على الربح. فيودع العميل 100 ألف مثلا، ليأخذها 103 آلاف مقسطة.
وهذه المعاملة لها أسماء كثيرة، فتسمى المرابحة العكسية؛ لأن الغالب أن البنك هو البائع في المرابحة، أما هنا فالبنك هو المشتري.
وتسمى التورق العكسي؛ لأن الغالب تورق العميل، أما هنا فالبنك هو الذي يتورق؛ لأنه إذا اشترى السلعة من العميل ، باعها ليحصل على الورِق أي النقود.
وتسمى مقلوب التورق، والاستثمار المباشر.
والسلعة إذا اشتراها البنك من العميل، فقد يبيعها لعميل آخر، فإذا اشتراها البنك منه بعد ذلك كان هذا من بيع العينة المحرم.
وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في هذه المرابحة العكسية على قولين:
القول الأول: التحريم.
وإليه ذهب كثير من المعاصرين، وصدر بذلك قرار من المجمع الفقهي الإسلامي، التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، وفتوى ندوة البركة.
وقد استدلوا بأدلة أهمها:
أن هذه المعاملة مماثلة للعينة المحرمة، من جهة كون السلعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها. أن هذه المعاملة تدخل في مفهوم التورق المنظم، وقد مضى ذكر أدلة تحريمه.

القول الثاني: الجواز.
وإليه ذهب بعض المعاصرين، وبه أخذت الهيئة الشرعية لمصرف الراجحي، ووضعت لذلك ضوابط للخروج من العينة المحرمة، منها ألا تكون السلعة في الأصل مملوكة للبنك، أو يملك البنك أكثرها، ومنها أن تتعين السلعة ولا تبقى مشاعة، ومنها أن يبيعها العميل بنفسه للبنك، ولا يتولى البنك الشراء لنفسه.
جاء في قرار الهيئة:
"بعد اطلاعها على مذكرة العرض المعدة من أمانتها بشأن ما ورد من مجموعة الخزينة والمؤسسات المالية، للنظر في "اتفاقية الاستثمار المباشر" ونماذجها الملحقة بها، وهي اتفاقية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين المستثمر وبين شركة الراجحي لشراء بضائع ثم بيعها، فتشتري شركة الراجحي بصفتها وكيلاً عن المستثمر بضاعة- يحدد المستثمر نوعها- نقداً من مورد خارجي، ثم إن رغب المستثمر بيعها على شركة الراجحي، فإنها تشتريها بالأجل، أصالة منه بصفته مالكاً لها، وكل ذلك يتم عن طريق نماذج مجازة من الهيئة الشرعية...
وبعد الدراسة والنظر والمناقشة، وإجراء جملة من التعديلات قررت الهيئة ما يأتي:
أولاً: إجازة "اتفاقية الاستثمار المباشر" والنماذج الملحقة بها بالصيغة المرفقة بالقرار الموقع من الهيئة.
ثانياً: على الشركة أن تلتزم في تعاملها المذكور بالآتي:
1- أن يكون شراء الشركة للسلعة بالوكالة عن العميل وفق الصيغ المجازة من الهيئة الشرعية بضوابطها.
2- أن تتعين السلعة المشتراة للعميل بموجب وثائق تعيينها، وأن يتسلم العميل تلك الوثائق أو تودع بيانات التعيين في حساب باسم العميل يخصص لهذا الغرض، وذلك قبل بيعها على العميل.
3- ألا تشتري الشركة السلعة آجلاً من العميل إذا كانت هي التي باعتها عليه بصفتها مالكة لها أو لأكثرها؛ لأن ذلك من بيع العينة.
4- ألا تتوكل الشركة عن العميل في البيع على نفسها.
5- أن تشترط شركة الراجحي على المورّد بصفتها وكيلاً عن العميل ألا يكون هناك تداول على البضاعة بعد شرائها من المورّد وقبل تصرف العميل فيها، خلال مدة بقائها في ملكه.
6- ألا تكون السلعة المبيعة آجلاً ذهباً أو فضة؛ لأنه لا يجوز بيع بعضهما ببعض ولا بالنقود نسيئة.
7- ألا تكون هناك مواطأة أو حيلة على التمويل بالفائدة الربوية" انتهى من قرارات الهيئة الشرعية بمصرف الراجحي، قرار رقم (651) (2/993).
وهذه الضوابط التي وضعتها الهيئة مما لا يتحقق تطبيقه غالبا إلا إذا كانت السلعة محلية، وباشر العميل بيعها بنفسه للبنك بعد تملكها.
ولهذا فإن الراجح هو تحريم هذه المعاملة، كتحريم التورق المنظم.
ونضع هنا نص القرارين الصادرين عن مجمعي الفقه:
1- قرار المجمع الفقهي الإسلامي بالرابطة:
"الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أما بعد:
فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من: 22ـ27/شوال/1428هـ الذي يوافقه 3ـ8/نوفمبر/2007م قد نظر في موضوع: (المنتج البديل عن الوديعة لأجل)، والذي تجريه بعض المصارف في الوقت الحاضر تحت أسماء عديدة، منها: المرابحة العكسية، والتورق العكسي، أو مقلوب التورق، والاستثمار المباشر، والاستثمار بالمرابحة، ونحوها من الأسماء المحدثة أو التي يمكن إحداثها.
والصورة الشائعة لهذا المنتج تقوم على ما يلي:
1- توكيل العميل (المودِع) المصرفَ في شراء سلعة محددة، وتسليم العميل للمصرف الثمن حاضراً.
2- ثم شراء المصرف للسلعة من العميل بثمن مؤجل، وبهامش ربح يجري الاتفاق عليه.
وبعد الاستماع إلى البحوث والمناقشات المستفيضة حول هذا الموضوع، قرر المجلس عدم جواز هذه المعاملة؛ لما يلي:
1- أن هذه المعاملة مماثلة لمسألة العينة المحرمة شرعاً، من جهة كون السلعة المبيعة ليست مقصودة لذاتها، فتأخذ حكمها، خصوصاً أن المصرف يلتزم للعميل بشراء هذه السلعة منه.
2- أن هذه المعاملة تدخل في مفهوم (التورق المنظم) ، وقد سبق للمجمع أن قرر تحريم التورق المنظم بقراره الثاني في دورته السابعة عشرة، وما علل به منع التورق المصرفي مِنْ عللٍ يوجد في هذه المعاملة.
3- أن هذه المعاملة تنافي الهدف من التمويل الإسلامي، القائم على ربط التمويل بالنشاط الحقيقي، بما يعزز النمو والرخاء الاقتصادي.
والمجلس إذ يقدر جهود المصارف الإسلامية في رفع بلوى الربا عن الأمة الإسلامية، ويؤكد على أهمية التطبيق الصحيح للمعاملات المشروعة ، والابتعاد عن المعاملات المشبوهة أو الصورية التي تؤدي إلى الربا المحرم ، فإنه يوصي بما يلي:
1- أن تحرص المصارف والمؤسسات المالية علــى تجنب الربا بكافة صوره وأشكاله؛ امتثالاً لقوله سبحانه : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/ 278
2- تأكيد دور المجامع الفقهية، والهيئات العلمية المستقلة، في ترشيد وتوجيه مسيرة المصارف الإسلامية؛ لتحقيق مقاصد وأهداف الاقتصادي الإسلامي.
3- إيجاد هيئة عليا في البنك المركزي في كل دولة إسلامية، مستقلة عن المصارف التجارية، تتكون من العلماء الشرعيين والخبراء الماليين؛ لتكون مرجعاً للمصارف الإسلامية، والتأكد من أعمالها وفق الشريعة الإسلامية" انتهى من موقع المجمع الفقهي على الإنترنت
والقرار تحت هذا الرابط :
2- قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
ومما جاء فيه:
"2- التورق المنظم في الاصطلاح المعاصر: هو شراء المستورق سلعة من الأسواق المحلية أو الدولية أو ما شابهها، بثمن مؤجل يتولى البائع (المموّل) ترتيب بيعها، إما بنفسه أو بتوكيل غيره، أو بتواطؤ المستورق مع البائع على ذلك، وذلك بثمن حال أقل غالباً.
3- التورق العكسي: هو صورة التورق المنظم نفسها، مع كون المستورق هو المؤسسة والممول هو العميل.
ثانياً: لا يجوز التورقان (المنظم والعكسي) وذلك لأن فيهما تواطؤاً بين الممول والمستورق، صراحة أو ضمناً أو عرفاً، تحايلاً لتحصيل النقد الحاضر بأكثر منه في الذمة وهو ربا" انتهى من موقع المجمع على الإنترنت:
والحاصل أن "وديعة المرابحة" لا تجوز، ما لم تكن السلعة محلية، يتملكها العميل حقيقة، ثم يبيعها بنفسه للبنك.
والله أعلم.