التفنيد لشبهات أيلال رشيد حول صحيح البخاري * متجدد*
النتائج 1 إلى 17 من 17
4اعجابات
  • 1 Post By نبيل أحمد الطيب الجزائري
  • 2 Post By نبيل أحمد الطيب الجزائري
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة

الموضوع: التفنيد لشبهات أيلال رشيد حول صحيح البخاري * متجدد*

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي التفنيد لشبهات أيلال رشيد حول صحيح البخاري * متجدد*

    أبتدأ بعون الله في هذه الصفحة مناقشة كتاب أيلال رشيد، صحيح البخاري نهاية أسطورة...كما هي صورته في المرفقات
    الصور المرفقة الصور المرفقة

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    مقدمة: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد: فبين الفينة والأخرى تطالعنا الأخبار عن بعض الناس الذي يسوِّدون الصفحات من أجل الطعن والتشكيك في المسلَّمات، وكان من آخر ما سمعت به، أنَّ كاتبا مغربيا جمع وريقات سماها : (صحيح البخاري نهاية أسطورة) ... فلما بحثت عن اسم المؤلف في الشبكة العالمية إذا به صحفي عقلاني ينتمي إلى طائفة القرآنيين (منكرِي السنَّة) ركب موجة تنوير العقول، فأوصلته إلى رفض المنقول. فمؤلِّف هذا الكتاب ما هو إلا شبعان آخر متكأٌ على أريكَتِهِ، يتكبَّرُ على النبي صلى الله عليه وسلم وسنَّتِهِ، ويتستَّرُ خلف القرآن الذي لا يحسن حتى النطق به نطقًا صحيحا- كما سمعته في بعض تسجيلاته المرئية- ، ويقول: بيننا وبينكم كتاب الله، لا حلال إلا ما أحلَّه ولا حرام إلا ما حرَّمه...وهو في الحقيقة من أبعد الناس عن هدي القرآن ومنهج القرآن في كلامه وسمْتِهِ، فتمثَلْتُ في ذهني قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ».[1]
    والقرآنيون ( منكرو السنة) هم : (فرقة معاصرة تنادي باتخاذ القرآن الكريم مصدرا وحيدا للتشريع الإسلامي، ونبذ السنة النبوية واعتبارها سبب وقوع الخلاف والفرقة بين الأمة).[2]
    ظهرتْ هذه الطائفة نهاية القرن التاسع عشر في الهند، بتخطيط وإيعاز من الاستعمار الانجليزي، قصد تفريق جمع المسلمين هناك وإضعافهم عن مواجهة المستعمر الغربي، تزعَّمَها (سيد أحمد خان) و(عبد الله بن عبد الله الجَكْرَالْوِي) ، ثم انتقل هذا الفكر إلى البلاد العربية، فتبنَّاه الدكتور المصري (رشاد خليفة) الذي ادعَّى النبوة بأخرة، وخلفه تلميذه وخرِّيجُهُ في مسجد (توسان) الدكتور الأزهري (أحمد صبحي منصور)، المطرود من جامعة الأزهر، والذي يقيم الآن في الولايات المتحدة الأمريكية ويقتات من فتاتها، ويدير عبر موقع (أهل القرآن) شبكة من المتاجرين بالأفكار الشاذة، وها هو الصحفي المغربي ( أيلال رشيد) ينحو نحوهم، ويسلك سبيلهم. والناظر في عنوان الكتاب يرى أن الباحث تشبَّع بما لم يْعُطَ ونفخ نفسه، وتجرأ على تخطئة الأمة الإسلامية حين اتخذت صحيح البخاري مرجعا لها، وهو في نظره أسطورة لا حقيقة لها، ولا غرابة في هذا إذا علمنا أن الكاتب ينتمي إلى طائفة القرآنيين، الذين لا يقيمون لسنة النبي e وزنا، ويضلِّلُون علماء الإسلام الذين جعلوا السنة مصدرا لتشريع الأحكام، وإنما قصد صحيح البخاري بالطعن والشَّين، لأنَّه بمثابة الرأس من جسد السنة النبوية، فإذا قُطِعَ الرأس، هوى الجسد، ثم يتفرغون لتأويل القرآن بما يتناسب مع معطيات الحضارة الغربية، ومبادئ الليبرالية، فالقرآنيون في الحقيقة: عقلانيون ليبراليون في ثوب شرعي. ولما كان الذبُّ عن حياض الدين، ومسلَّمات الشريعة من الواجبات أردتُ أن أضرب بسهم في الدفاع عن صحيح البخاري، والأمَّة التي ارتَضَتْهُ كتابًا موثوقًا لدينها، وأردَّ على هذا الكاتب المغمور الذي لم يأت فيه بما يستحقُّ الذكر، فكلامه مكرور، وشبهاته اجترار لأقوال المستشرقين ومن تبعهم من القرآنيين، والشيعة الروافض، لكن حتى لا يدَّعي (رشيد أيلال) أنَّه قام بإسقاط صحيح البخاري، وأعجز أهل السنة أن يردُّوا عليه، أقفُ وقفات علمية مع ما سطَّره مفنِّدًا شبهاته بالطريقة والمنهج العلمي الذي يحتكم إليه الباحثون، حتى يعلم القاصي والداني أن (رشيد أيلال) ليس من المتخصصين الذين يؤخذ بقولهم في نقد صحيح البخاري، فمثله كرجل جاهلٍ بصنعة الذهب والجواهر غير خابرٍ لها، ادَّعى على جوهرة نفيسة اتَّفق الصيارفة أنها من أنفس ما يكون وأن عيارها من النوع العالي، فقال: هي زيفٌ وبهرجٌ لا قيمة لها، وأنَّ الصيارفة الذين ادَّعوا نفاسَتَها قوم يردِّدُون خرافات وأساطير لا صحَّة لها !! وسمَّيت هذه الوريقات في الرد عليه (التفنيد لشبهات أيلال رشيد حول صحيح البخاري)، لعلَّها تكون كاشفة لظلمات القرآنيين منكري السنة، لمن كان له قلبُّ أو ألقى السمع وهو شهيد.
    وكتبه: نبيل أحمد بلهي
    Nabil.belhi@gmail.com


    [1]أخرجه أبو داود (4604) والترمذي (2664) وابن ماجه (12) من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرْبٍ عن النبيe. وإسناده صحيح كما في السلسلة الصحيحة (882).

    [2]انظر: القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، محمود بن محمد مزروعة: ص 433- 454.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابو مريم الجزائري

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة الأولى:
    اختار الكاتب لمصنَّفِهِ عنوانا هو:(صحيح البخاري نهاية أسطورة)، وحين قرأت العنوان لأول وهلة، انقدح في ذهني قول الله تعالى، عن الكفار المعاندين للوحي الرباني -بادِيَ الرأيِ- :﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً[الفرقان: ٥]. وقوله تعالى:﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ[النحل: ٢٤]...فقلت في نفسي الطيور على أشكالها تقع، فكما قال معاندو القرآن بالأمس هو أسطورة لا غير، فهذا معاند عصرنا يقول عن الوحي المحمَّدي الذي جُمِعتْ زبدتُهُ في صحيح البخاري أسطورة، فما أشبه الليلة بالبارحة؟!. والأسطورة في اللغة: الأكذوبة الباطلة، جمعها أساطير، وهي الأَباطِيلُ والأَكاذِيبُ و الأَحادِيثُ لا نِظَامَ لَهَا .[1] قال الفراء: واحدتها أسطورة، يعنون ما سَطَّرَه الأوَلُونَ من الأكاذيب.[2] فكأن الكاتب يشبِّهُ صحيح البخاري بأحاديث الأولين التي لا أساس لها من الصحَّة فهي باطلة، تلك الأحاديث التي مازالت الأمة تعتمدُها في عقائدها وأحكامها وأخلاقِها، ولم يتفطَّن العلماء لوضعها، وغفل المؤمنون عن ضعفها،حتى جاء رشيد ليضع حدًّا لهذه الأكذوبة التي استمرتْ اثنا عشر قرنا!! ويكفي في ردِّ هذه الفرية قول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا[النساء: ١١٥]، فسبيل المؤمنين الإيمان بالوحي الثاني، واتباع أحاديث الرسول e، والاقتداء بهديه، وقد أجمع العلماء على صحَّة ما في صحيح البخاري، يقول ابن تيمية:"جمهور ما في البخاري ومسلم مما يقطع بأن النبي e قاله؛ لأنَّ غالبه من هذا النحو؛ ولأنه قد تلقاه أهل العلم بالقبول والتصديق والأمة لا تجتمع على خطأ؛ فلو كان الحديث كذبًا في نفس الأمر؛ والأمَّة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذبٌ، وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع".[3] فإمَّا أن تكون الأمة قد ضَلَّتْ حين اتفقت على صحَّة أحاديث البخاري، أو أن يكون رشيد ومن معه من القرآنيين، قد ضلُّوا حين زعموا أحاديث البخاري أكاذيب الأولين...ثم ليعلم القارئ أنَّ صحيح البخاري قد حوى عشرات من أحاديث (موطأ الإمام مالك) يرويها البخاري عن شيخه (عبدالله بن مسلمة القعنبي) تلميذ إمامنا مالك بن أنس، فعلى مذهب (رشيد أيلال) موطأ مالك الذي قال فيه الشافعي في وقته: "ما على ظهر الأرض كتاب بعد كتاب الله أصحُّ من كتاب مالك- وفي رواية أخرى- ما على الأرض كتاب هو أقرب إلى القرآن من كتاب مالك".[4]ما هو إلا أسطورة أخرى أقدم من أسطورة صحيح البخاري!

    [1] تاج العروس، الزبيدي: 12/ 25

    [2] معاني القرآن، الفراء: 2/ 411.

    [3] مجموع الفتاوى، ابن تيمية: 13/ 351.

    [4]شرح الموطأ، الزرقاني: 1/ 63.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة الثانية:
    قال رشيد أيلال: " ومن الكتب التراثية التي لقيت انتقادا كبيرا منذ تأليفها كتاب :«الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله e وسننه وأيامه» الشهير بالجامع الصحيح أو صحيح البخاري، حيث أنجزت العديد من الدراسات والبحوث والتحقيقات التي تناولته بالانتقاد، لإبراز الأحاديث والآثار الواردة فيه، سيما الأحاديث المناقضة للعقل والعلم والقرآن، والأحاديث المنحولة والمأخوذة من الاسرائيليات، وغيرها من البحوث التي صار معها «صحيح البخاري » من أكثر الكتب إثارةً للجدل على مرِّ التاريخ الإسلامي".[1] قلتُ: هذا تهويل من الكاتب لا أساس له من الصحَّة، فمنذ أن صنَّف البخاري كتابه والعلماء ينوِّهُون به ويُعْلُونَ من شأنه حتى صار يقال: ما تحت أديم السماء كتاب أصحُّ من صحيح البخاري، ولم يكن هذا الكتاب في يوم من الأيام مثارًا للجدل إلا عند أهل الأهواء والبدع، فأما أهل العلم أصحاب الصنعة الحديثية إنَّما انتقدوا أحرفًا يسيرة كالدارقطني في (الإلزامات والتتبع)، وجزئه في (أحاديث أودعها البخاري في كتابه الصحيح) جلُّها في الصناعة الإسنادية، ولم يقل الدارقطني عن حديث واحد أنه منكر أو مكذوب أو أنه مخالف للقرآن أو العقل. وأنا أتحدَّى الكاتب أن يأتي بعنوان كتاب واحد أُلِّفَ في الطعن في صحيح البخاري قبل القرن العاشر الهجري، وعجبي لا يكاد ينقضي من هذا التضخيم الذي يشبه تضخيم الإعلاميين المعاصرين وهو منهم- حيث يقول: إنَّه كان مثارًا للجدل عبر التاريخ، وكأنَّه استقرأ كتب التاريخ واستخرج منها عشرات الكتب في نقض صحيح البخاري، بينما أطالبه بكتاب واحد ولن يجد إلى ذلك سبيلا، وإنما يريد من وراء هذا التهويل، نفي الشذوذ عن طرحه وفكرته، ولكن هيهات فهي أفكار ظهرت بظهور الاستعمار. وأما الدراسات الحديثة التي في نقد صحيح البخاري، فقد بدأَتْ في الظهور زمن الانحطاط وسقوط الخلافة العثمانية وتسلُّط الكفار على رقاب المسلمين، وسعي المستشرقين لتجنيد من يؤلِّف في نقد المسلَّمات الشرعية بزعم حرية الفكر والجرأة في الطرح، فمثلا: كتب أبو رية (أضواء على السنة المحمدية)، وقد ردَّ عليه العلماء بما يكفي لمريد الحقِّ والصواب. ثم ظهرت كتب أخرى من تصنيف أناس معروفين بعدائهم للسنة، وكتبهم عبارة عن ردود متهافتة على أحاديث لم يُحْكِمُوا فهمها في ضوء الأحاديث الأخرى. من ذلك كتاب: (أضواء على الصحيحين) لمحمد صادق النجمي،(القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع) فتح الله بن محمد جواد الأصبهاني و(كتاب القرآن وكفى) لأحمد صبحي منصور زعيم القرآنيين في مصر، وكتاب (الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها). لصالح بابكر، كتاب (جناية البخاري ، إنقاد الدين من إمام المحدثين) ، لزكرياء أوزون...ونحوها من الكتب المعاصرة التي ينقل بعضها من بعض. فالأمر دائر بين شيعي رافضي لا يؤمن بعدالة الصحابة أصلًا، وبين قرآني مطرودٍ من ديار المسلمين يقيم بين ظهراني الكافرين ويحتقر سنة سيد المرسلين، وبين حداثي لا يؤمن بقداسة الوحي قرءانا وسنَّة، ولا يوجد بينهم عالم متخصصٌ في الحديث، فيكف يكون البخاري مثارا للجدل على مرِّ التاريخ الإسلامي، وأقوال العلماء مسجَّلة بالثناء العطر والتفضيل والتبجيل لهذا الكتاب، من ذلك الأبيات الشعرية لأبي عامر الفضل بن إسماعيل الجرجاني في مدحه لصحيح البخاري، يقول فيها[2]:
    (صَحِيح البُخَارِيّ لَو أنصفوه ... لما خُطّ إِلَّا بِمَاء الذَّهَب)
    (هُوَ الْفرق بَين الْهدى والعمى ... هُوَ السد دون العنا والعطب)
    (أَسَانِيد مثل نُجُوم السَّمَاء ... أَمَام متون كَمثل الشهب)
    (بِهِ قَامَ ميزَان دين النَّبِي ... ودان لَهُ الْعَجم بعد الْعَرَب)
    بل أكثر من ذلك جعل أهل العلم صحيح البخاري مضربًا للمثل في عدم وقوع الطلاق لمن حلف بالطلاق على صحَّتِه، قالالحافظ أبو نصر السجزي (444هـ): "أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم على أنَّ رجلًا لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي e قد صحَّ عنه، ورسول الله e قاله لا شكَّ فيه، أنَّه لا يحنثْ والمرأة بحالها في حبالته".[3]

    [1]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 08.

    [2] انظر، توجيه النظر، طاهر الجزائري: 1/ 306.

    [3] انظر، معرفة أنواع علوم الحديث لابن الصلاح: ص 26.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    * تفنيد شبهات الفصل الأول:( آفة تدوين الحديث).
    الوقفة الثالثة
    قال رشيد أيلال، تحت عنوان:(منع الرسول للصحابة من تدوين كلامه)
    " لا يمكن أن نناقش كتاب الجامع الصحيح قبل أن نقف جميعا من خلال هذا الفصل على ظروف تدوين الحديث بشكل عام، ونشأة ما أُطْلِق عليه من بعدُ «علم » الحديث، حيث يظنُّ عوام الناس أن الحديث وحي كان مرادفا للقرآن من حيث النزول، وأنَّ الرسول أمر بتدوينه إلى جانب القرآن، غير أن الحقيقة غير ذلك، فقد حكى العديد من رواة الحديث أنفسهم منع رسول الله صحابته الكرام من تدوين كلامه، ونحن بعجالة سنورد بعض الأحاديث التي يعتبرها المحدثون صحيحة، والتي تمنع تدوين الأحاديث، كما سنورد بعض الآثار عن صحابته الكرام والخلفاء الراشدين من بعده، تبرز كيف حافظوا على طاعة أمره صلى الله عليه وآله وسلم في منع كتابة الحديث، فقد روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي والدارمي (شيخ البخاري) من حديث عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فَلْيَمْحُهُ»".[1]
    قلتُ: إثارة مسألة تدوين السنة وكتابتها هي سبيلُ كلِّ طاعن في حجِّية السنة النبوية منذ القديم، فالكاتب لم يأت بجديد في تكراره طرح هذه الشبهة، بل هو على خطى المستشرقين ومحمود أبو رية يسير، وإنما يريد من وراء إثارتها تهيئة الأرضية لبناء رأيه في إنكار السنة النبوية، فمادام الرسول e نهى عن كتابة سنَّتِهِ، فهو لا يريد أن تُتَّخَذَ دينًا، وبالتالي الأحاديث المروية في الكتب بما فيها صحيح البخاري ليست من الدِّين، بل هل موروث ثقافي ليستْ لها صبغة التشريع- على حدِّ زعمه-، وجواب هذا الطرح أختصره في وجوه: الوجه الأول: إنَّ الطعن في مصداقية الآثار بسبب عدم تدوينها هو قول الجهمية الذين أجمع العلماء على ضلالهم، فقد ذكر عثمان بن سعيد الدارمي أن بشر المريسي الجهمي، ومن معه احتجوا عليه بأن السنة لم تكتب، قال الدارمي: "واحتججت أيضا في ردِّ آثار رسول الله eالتي رويت عن أبي يوسف، أنها رأس الآثار وألزمها للناس بكذ ادعيته، زعمتَ أنه صحَّ عندك أنه لم تكتب الآثار، وأحاديث النبي e في زمن النبي e والخلفاء بعده إلى أن قتل عثمان رضي الله عنه، فكثرت الأحاديث وكثر الطعن على من رواها. فيقال لهذا المعارض: دعواك هذه كذب، لا يشوبه شيء من الصدق، فمن أين صحَّ عندك أن الأحاديث لم تكن تكتب عن رسول الله e والخلفاء بعده إلى أن قتل عثمان؟ ومن أنبأك بهذا؟ فهلم إسناده، وإلا فإنَّك من المسرفين على نفسك، القائلين فيما لا يعلم، فقد صحَّ عندنا أنها كتبت في عهد رسول الله e والخلفاءبعده".[2] ثم ساق الدارمي الأحاديث والأثار المتكاثرة في إذن النبي e بكتابة حديثه، وتداعي الصحابة والتابعين لفعل ذلك من غير نكير من أحدهم. الوجه الثاني: من تناقضات المصنف كفره بالمرويات وزعمه أنها موضوعة منحولة، ثم هو يعتمد على حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن كتابة غير القرآن، وغيرها من الآثار، فعلى مذهبه يلزمه عدم الإيمان بهذا الحديث ومضمونه لأنه مروي بالأسانيد التي تروى به أحاديث البخاري، فلا حجة له فيما أورده من الأخبار، فلا يبقى إلا القرآن الذي فيه إشارة إلى وجوب العناية بحديث الرسول e، حفظا وكتابة، يقول لله تعالى:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: ٧ ]، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[ الممتحنة: ٦]. ومعلوم أنه لا تتم طاعة الرسول والأخذ بأوامره، وترك نواهيه، واقتداء بهديه، إلا بتدوين أقواله وأفعاله، حتى تعمل بها الأمة من بعده، فالقرآن يدل بدلالة الالتزام، على وجوب الاعتناء بالحديث وتبليغه للأمة حتَّى تعمل به. الوجه الثالث: اعتماد المصنف على حديث أبي سعيد دون غيره من الأحاديث الواردة في الموضوع، من الفهم الجزئي المذموم للسنة النبوية، الذي ينبأ عن قصور علمي في الإحاطة بأطراف المسألة المطروحة، فالرسول e الذي قال: «لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن»، هو الذي قال كذلك: «اكتبوا لأبي شاه».[3] وقال لعبد الله بن عمرو: «اكتُبْ، فو الذي نفسي بيدِه، ما يَخرُجُ منه إلا حقٌّ».[4] فمن العجيب ادعاء الكاتب أن الرسول e لم يُرِدْ أن تكون أحاديثه سنة تشريعية اعتمادا على حديث أبي سعيد، ويدعُ الأحاديث الأخرى التي أمر فيها الرسول بتبليغ سنته للأجيال، كقوله e في خطبته الشهيرة -التي كانت من أواخر خطبه-: «أَلاَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلَّغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ ».[5] وقوله e: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ».[6] يقول الشافعي:" فلما نَدَب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظِها وأدائها امرأً يؤديها، والامْرُءُ واحدٌ: دلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنَّه إنما يُؤدَّى عنه حلال وحرام يُجتَنَب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دينٍ ودنيا.؟".[7] قلت: الجمع بين هذه الأحاديث سهل لمن كانت له بصيرة، وطلب الحق، فالرسول e نهى في أول الأمر عن كتابة أقواله لمصلحة رآها، ثم أذن بالكتابة ثانيا لمصلحة أخرى أعلى منها، يؤكِّد ذلك فهم الصحابة وهم أقرب الناس للنبي e، وأحسنهم فهمًا لمقاصد كلامه، حيث كتب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو، وغيرهما...ثم تتابعت الأمة على كتابة الحديث وتصنيفه وتدوينه فصنف الإمام مالك الموطأ جمع فيه السنن حتى قيل في كتابه: أصح كتاب بعد كتاب الله في ذلك الوقت، فهل الإمام مالك عصى ربه حين دون الحديث، وخالف أمر نبيِّه حين كتب سننه وأحواله e...وهل أتباعه من المالكية إلى يوم الناس هذا سكتوا عن باطل إمامهم خاصة وأنه أضفى القدسية الشرعية على مرويات مخترعة؟! أقول: ينبغي للمحافظين على المرجعية المالكيةمن ولاة الأمور في المغرب أن يحتسبوا على هذا الرجل، الذي ينسب الضلالة لإمام المذهب المالكي وأتباعه. الوجه الرابع: كيف نطمئِن لأمانة (أيلال رشيد) العلمية وهو ينقل كلام غيره من غير عزو لقائله ، فقد نقل الأحاديث والأثار في منع تدوين السنَّة من كتاب (أضواء على السنة النبوية) بنفس الترتيب من غير تصريح[8]، وهذا غير سائغ في العرف العلمي، فمن بركة العلم عزوه إلى قائله، لكن يظهر أن الكاتب شأنه (القص واللصق)، فمن دلائل سقوط الأمانة العلمية عنده عزوه لصحيح مسلم حديثا ليس هو فيه، فلا أدري أنقله بالواسطة ولم يكلف نفسه الرجوع إلى المصدر الأصلي أم ماذا؟ وعلى كل حال فهذا قصور علمي واضح. يقول رشيد: " وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: "جهدنا بالنبي e أن يأذن لنا في الكتابة فأبى" (4/2298) كتاب الزهد والرقائق باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم، من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخذري، عن رسول الله e به".[9] قلتُ: هذه نسخ صحيح مسلم قد ملأت الدنيا ولا يوجد في واحدة منها هذا الحديث، فقد رجعتُ للكتاب والباب والصفحة المذكورة، فوجدت الحديث كما يلي: حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ e قَالَ: "لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسِبُهُ قَالَ - مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".[10] فمن أين جاء المؤلف بلفظ «جهدنا بالنبي e أن يأذن لنا في الكتابة فأبى»[11]؟ أقرب تفسير لهذه الإحالة أن الكاتب لا يرجع للمصادر الأصلية وهو يزعم أنه تعب سنين في هذا الكتاب، بل اقتصَّ الحديث من كتاب وألصقه في ورقاته من كتاب آخر ينقل منه من غير تثبُّتٍ، فإذا وضعتَ هذا اللفظ في محرك البحث (جوجل) وجدت أن أقرب مصدر لهذا اللفظ من الحديث مقالة في موقع (إسلام ويب)، بعنوان: كتابة الحديث بين النهي والإباحة، بتاريخ 26-07-2003م، فإن ارتفعنا قليلا قلنا نقله بلفظه من كتاب (عصر الخلافة الراشدة) لأكرم ضياء العمري[12]. وأما اللفظ التامُّ الذي أعرض عنه الكاتب، ففيه نسف نظريته حول السنة النبوية، لذلك لم يورده بلفظه، فقد جاء في آخر الحديث «وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ» فهذا إذن واضح بالتحديث وتبليغ السنة للأمة، والكاتب يريد التمسك بمنع الكتابة ليصل إلى نسف حجية الأحاديث، وإذن النبي e بالتحديث دليل على أنها حجة. الوجه الخامس: الآثار عن الصحابة في منع كتابة السنة كلها ضعيفة لا تصح، والضعيف عند المحدثين ليس بحجة، ويؤكد نكارتها أن الذين روي عنهم النهي كأبي سعيد الخدري، وأبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب، ثبت عنهم من وجه آخر كتابة الأحاديث وروايتها لناس ليتعبَّدوا بها، تجد ذلك مفصلا في كتاب الأنوار الكاشفة للعلامة عبد الرحمن المعلمي.[13] فمثلا أثر أبي بكر الصديق: «إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا» فهو أثر مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف الذي لا يؤخذ به، وقد جاء عن أبي بكر ما يخالفه حيث حدَّث عن النبي e بأن ميراث الجدة السدس.[14] وهكذا أثر عمر: أنه أراد أن يكتب الأحاديث أو كتبها ثم قال: «لا كتاب مع كتاب الله». إسناده معضل لا تقوم به الحجة.[15] ومن تناقض الكتاب إزاء الاستدلال بالسنة، أنه يعتمد على الروايات الضعيفة في تقعيد مذهبه، ولا يعتمد الروايات الصحيحة التي تخالف مذهبه على صحتها وقوتها عند أهل الاختصاص، ومع هذا نجد (رشيد إيلال) يواصل ادعاءاته العريضة، فيقول: "غير أن أحاديث منع التدوين والكتابة، تبقى هي الأقوى والأكثر حضورا، وهذا ما يفسر إعراض الخلفاء الراشدين، ومعهم جمع غفير من الصحابة عن تدوين الحديث؟!".[16]

    [1]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 17.

    [2] نقض الدارمي عثمان بن سعيد على بشر بن الحارث المريسي: ص 2/ 605.

    [3]أخرجه البخاري في صحيحه (2434).

    [4]أخرجه أبو داود في السنن (3646) وإسناده صحيح.

    [5]أخرجه البخاري (4406).

    [6]أخرجه الترمذي في سننه (2658) وإسناده صحيح.

    [7]الرسالة، الشافعي: ص401.

    [8]قارن بين كاتبه ص 17- 18. وبين كتاب أضواء على السنة المحمدية، أبو رية: ص 19- 20.

    [9]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 17.

    [10] صحيح مسلم: 4/ 2298.

    [11]أخرج القاضي عياض بإسناده في كتاب الإلماع، (ص149) عن أبي سعيد الخدري" اسْتَأْذَنَّا النَّبِيَّ e فِي الْكِتَابَةِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا". وإسناده ضعيف لضعف (سفيان بن وكيع) شيخ الترمذي.

    [12]عصر الخلافة الراشدة، أكرم ضياء العمري: ص 309.

    [13]انظر، الأنوار الكاشفة، المعلمي: ص 54- 60.

    [14] المصدر السابق: ص54.

    [15] المصدر السابق: ص41

    [16]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 19.

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة الرابعة:
    قال رشيد: "الأحاديث التي تم الاختلاف فيها اختلافا كبيرا، وتسربت إليها خرافات وطوام، مازالت أمتنا تدفع ثمنها غاليا إلى يومنا هذا، وما «داعش»، التي نبتت بين ظهرانينا إلا نتاج هاته المرويات المنسوبة لرسول الله زورا وبهتانا، حيث تم سحب القرآن من الساحة لصالح تلك المرويات، ولم يكفهم كتاب الله، يقول الله تعالى في محكم كتابه ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [العنكبوت: ٥١]".[1] قلتُ: ليعلم القارئ المحب للنبي e المبعوث رحمة للعاملين، أن هذا الكلام دغدغة للعواطف، ودعوة صريحة إلى بغض السنة النبوية ونبذها، لكونها سبب الاختلاف في كل العصور حتى العصر الحاضر، وأنها زاحمت القرآن على حدِّ زعمه، والردُّ على هذا من وجوه: الوجه الأول: ما ضرَّ السنَّة النبوية شيءٌ إذْ استعملها بعض الفرق الضالة في استباحة دماء الناس وأموالهم، فقد استعمل الخوارج قديمًا الآيات القرآنية لقتل المسلمين وسفك دمائهم، كقوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ[المائدة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ[يوسف: ٤٠]، فهل يردُّ (رشيد أيلال) هذه الآيات القرآنية لأنها استعْمِلَتْ في سفك الدماء أم يفهمها فهمًا سليما؟ إن أختار ردَّها فقد هلك، وإن أحسن فهمها فهو مُلْزَمٌ بحسن فهم الأحاديث التي استدلَّ بها الخوارج، وقطع صلتهم بها، وذلك بردِّ مُتَشَابِهِهَا إلى مُحْكَمِهَا، فإن ادَّعى الفرق فهذا تحكُّمٌ. ومن باب الإلزام كذلك أقول لرشيد أيلال هل تعلم أن إنكار السنة والتَّدَين بالقرآن وحده، هو مذهب الخوارج القدامى، الذين يقتلون المسلمين ويبقرون بطون نسائهم، ويَسْبُون ذراريهم؟، يقو ابن تيمية : "والخوارج جوَّزوا على الرسول نفسه أن يجور ويَضِلَّ في سنته، ولم يوجبوا طاعتَه ومتابعته، وإنما صدَّقوه فيما بلَّغه من القرآن دون ما شرعه من السنَّة التي تخالف - بزعمهم - ظاهر القرآن".[2] وإذا كانت (داعش) نابتة شرٍّ معاصرة من فرقة الخوارج القديمة، فأقرب الناس إليها هم منكرو السنة فهم يلتقون معها في الأصول، وأمَّا أهل السنة فهم أبعد الناس عن أفكار(داعش) وأصول الخوارج؛ لأنهم يَرْوُون في كتبهم الأحاديث التي تحذِّر منهم وتذُّم مذهبهم، ويكفي في ذلك أنَّ البخاري بَوَّبَ في صحيحه: (باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم) ثم ساق الأحاديث التي تفضحُ مذهبهم.[3] الوجه الثاني: ليس الغاية من إزاحة السنَّة عند (رشيد أيلال) وأمثاله من القرآنيين والحداثيين، هي تعظيم كتاب الله وتطبيق شرائعه فهم أبعد الناس عن ذلك، إنَّما يريدون إزاحة السنة النبوية؛ لأنها تبيِّنُ باطلهم وتقضي على فهمهم المنكوس لدين الإسلام، وتقطع الطريق أمام كلِّ فهمٍ سقيم للقرآن، فهم يريدون التخلُّص من السنة كمرحلة أولى، ثم يتفرغون لتأويل القرآن على مرادهم، فيتأوَّلون- مثلا- قول الله تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[البقرة: ٢٥٦]، على أنَّه تقرير لحرية الاعتقاد المطلقة، فالقرآن عندهم يدلُّ على أن الإنسان حرٌّ في عبادة المسيح أو الملائكة أو الشيطان أو الشجر والبقر، فلا يجوز لأحد أن يكره هؤلاء على الإيمان بالله وحده. وقد تفطَّن سلفنا الصالح لغرض منكري السنة المعارضين لها بالقرآن، وبيَّنُوا أن السنة تمثل الفهم الصحيح للقرآن، لذلك يسعى أعداؤها لتجاوزها ومن ثم الانفراد بتأويل القرآن، فعن سعيد بن جبير أنه حدَّث يوما بحديث عن النبي e، فقال رجل: في كتاب الله ما يخالف هذا، قال: «لا أُرَاني أحدِّثُك عن رسول الله e وتعرض فيه بكتاب الله، كان رسول الله e أعلم بكتاب الله تعالى منك» .[4] وعنأيوب السختياني: " أن رجلا قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال له مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن مِنَّا ".[5] وورد عن أيوب السختياني أيضا أنه قال: "إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنَّه ضالٌّ".[6] الوجه الثالث: استأنس الكاتب بشبهة القرآنيينالمعروفة في دعواهم وجوب الاكتفاء بالقرآن الكريم، والاعراض عمَّا سواه، مستدلًا بقوله تعالى:﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[العنكبوت: ٥١]. وهذه الشبهة طالما ردَّدها القرآنيون المنكرون لسنة النبي e جملةً وتفصيلًا، فقد ذكرها زعيم القرآنيين أحمد صبحي منصور في كتابه: (القرآن وكفى مصدرا للتشريع الإسلامي)[7] والجواب عن هذه الشبهة كما يلي: سياقُ الآية وهو قوله تعالى﴿ وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (50) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ[العنكبوت: ٥٠ - ٥١]. يدلُّ على أنَّ الكلام يتعلَّق بالردِّ على المشركين الذين طلبوا من النبي e الآيات المعجزات، فأمر الله نبيه أن يَرُدَّ عليهم بأن الآيات بيد الله هو الذي ينزلها، وأن الآية العظمى التي هي إنزال القرآن المعجز على رجل أمي لا يقرأ ولا يكتب، كافية لمن استبصر وطلب الحق.[8] فالمقصود بالكفاية: كفاية إنزال القرآن كآية تدلُّ على صدق النُّبوة، وليس كفاية القرآن في تشريع الأحكام. وكيف يكتفي المسلم بالقرآن فقط، والله أمره في هذا القرآن بردِّ ما تنازع فيه الناس إلى الله وإلى الرسول، قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء: ٥٩]. فمن مقتضيات الإيمان ردُّ الأمور إلى الكتاب والسنة، ذلك هو الخير وذلك هو الفهم الصحيح، على هذا النحو فهم العلماء آية الاكتفاء، يقول ابن عبد البر: "ولسنا على يقينٍ مما يدَّعِيه اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل...فكيف يُؤَمَّن من خان الله وكذَبَ عليه وجحد واستكبر؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، وقد اكتفينا والحمد لله بما أنزل الله على نبينا e من القرآن، وما سنَّه لنا عليه السلام".[9]

    [1]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 24.

    [2]مجموع الفتاوى، ابن تيمية: 19/ 41.

    [3]انظر: صحيح البخاري: 9/ 16- 17.

    [4]أخرجه الدارمي في سننه (601) بسند صحيح.

    [5]جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: 2/ 1193.

    [6]انظر: مفتاح الجنة للاحتجاج بالسنة، السيوطي: ص35.

    [7] انظر: القرآن وكفى، لأحمد صبحي منصور: ص 07.

    [8] انظر، جامع البيان للطبري: 18/ 429. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير: 1/ 60.

    [9] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر: 2/ 789.

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة الخامسة:
    قال رشيد تحت عنوان: (عذرٌ أقبح من ذنب) "حاولتُ البحثَ عن الأسباب التي جعلتْ هؤلاء يدوِّنون الأحاديث، ضدًّا على أمر الرسول الكريم، ويرفعونها إلى المكان العليِّ السَنِيِّ، فوق كلِّ شيء، حتى فوق كلام الله، فوجدت لديهم أعذارا واهية أقلَّ ما يقال عنها، أنها عذر أقبح من زلَّة، كما ستقفون معي خلال مناقشة أعذار هؤلاء".[1] قلتُ: يريد الكاتب بهذا الكلام الحطَّ من قيمة السنة النبوية، وجعلها مجرَّد تراث تاريخي لا قداسة له، متسترًا خلف تعظيم كلام الله ، والغيرة على القرآن الكريم، لِيُلَبِّسَ على عامة الناس الذين يعظمون القرآن ولا يبغون به بدلا، لذلك تجده يوكِّد على نظريته التي بنى عليها كتابه وهي أن الرسول e نهى عن كتابة أقواله لأنها ليست دينا، وليس لها صفة التشريع، فالمسلمون بلازم قوله عَصوا أمر رسولهم حين دوَّنوا أقواله وجعلوهًا دينا، واعتذروا لذلك بأعذار واهية على حدِّ زعمه، وجواب هذا الكلام من وجوه: الوجه الأول: إنَّ إهدار حجية السنة النبوية واعتبارها تراثا تاريخيًا لا قداسة له، هو قول المستشرقين أعداء الإسلام، والقرآنيين صنيعة الاستعمار، فهذا المستشرق اليهودي (جولد تسيهر) يقول عن أحاديث الرسول e: "ونحن في هذا المقام لا يمكننا الوثوق في هذه الأحاديث...ولكن- إلى حد بعيد- يمكن أن نعد الجزء الأكبر من تلك الأحاديث على أنه نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والاجتماعي خلال القرنين الأول والثاني الهجريين".[2] ويقول زعيم القرآنيين أحمد صبحي منصور: "ونحن وإنْ كنَّا نعتبر القرآن هو المصدر الوحيد لسنة النبي، وشريعة الرحمن، ودين الله الأعلى، فإنَّنَا نضع تلك الروايات الحديثية موضعها الصحيح، وهي أنَّها تاريخٌ بشريٌّ للنبي وللمسلمين، وصدى لثقافتهم وأفكارهم سواء اتفقت أم لم تتفق مع القرآن".[3] فالكاتب يتغافل عن إجماع الأمة على حجيَّة السنة النبوية، ويتَّبع أراء قوم معروفين بعدائهم للإسلام، وطعنهم في القرآن، فالقول بعدم اتخاذ الأحاديث دينا قول ليس برشيد، وليس عليه نور الإيمان، بل تنبعث منه رائحة الكيد للإسلام. الوجه الثاني: إن السنة النبوية كانت ولا تزال دينا، لأن الله تعالى أمرنا بطاعة رسوله، وجعل طاعة رسوله من طاعة الله، فقال: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا [النساء: ٨٠]، وأمر بالأخذ بكل ما جاء به الرسول فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا [الحشر: ٧]، ولأن النبي e أخبر أنه أوتي القرآن ومثله معه فقال:« أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ».[4] بل حذر النبي e من مخالفة سنته وهديه فقال: e: «من رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».[5] ولما أراد عثمان بن مظعون أن يختصي بَعَثَ إليه رسول الله e فَجَاءَهُ، فَقَالَ: "«يَا عُثْمَانُ، أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي»، قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ سُنَّتَكَ أَطْلُبُ".[6] وهكذا التابعي حسَّان بن عطية يقول: «كان جبريل ينزل بالسنة على رسول الله e كما ينزل عليه بالقرآن».[7] فهذه الآثار تدلُّ أن السنة بمعناها الشرعي معروفة في عهد النبي e والصحابة والتابعين، ولو كانت السنة النبوية موروثا ثقافيا لا قداسة له، لكان أمر الله بطاعة نبيه والاقتداء بهديه عبثًا من القول- تعالى الله عن ذلك-،إذ يأمر الله بطاعة رسوله فيقول﴿ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ[آل عمران: ١٣٢]،ويضمن الهداية لمن فعل ذلك فيقول: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ[النور: ٥٤]، ويشرِّعُ لعباده الاقتداء بالنبي e فيقول:﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾[الأحزاب: ٢١]. فنخلص من هذا أن رشيد أيلال يريد أن يقنع قارئ كتابه أن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام كمالك والشافعي، وسائر الأئمة كانوا في ضلال مبين حين أعطوا أحاديث الرسول e الصبغة التشريعية، وأن أول من اكتشف هذا الضلال هم أعداء الإسلام من المستشرقين، فينبغي أن نتبع قولهم وننبذ قول جميع علماء المسلمين، هذه هي حقيقة منكري السنة، فمن أجل هذا أجمع العلماء على ضلالهم، قال ابن حزم الأندلسي: "لو أن امرأً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو أقلّ ما يقع عليه اسم صلاة ولا حدَّ للأكثر في ذلك".[8] وقال السيوطي: "إن من أنكر كون حديث النبي e قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة كفر، وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة ".[9] الوجه الثالث: إن اعتذار العلماء لأحاديث النهي عن الكتابة، ومحاولة تفسيرها تفسيرا لائقا مع الأحاديث التي فيها الاذن بالكتابة، هو عين المنهج العلمي المتوازن، الذي يحتكم إليه الباحثون، فإن انكار بعض الأحاديث والتمسك بما يخالفها تحكم في الاستدلال، خاصة وأنَّ أحاديث الإذن بالكتابة أقوى وأشهر، ويؤيدها عمل الصحابة ومن بعدهم، والطريقة الصواب هي إحسان الظن وإنزال كل حديث منزله، قال الإمام أحمد بن حنبل: "ولا تُضْرَبُ الأحاديث بعضها ببعض، يعطى كلُّ حديث وجهه".[10] فحديث أبي سعيد الخدري في النهي عن الكتابة من المتشابه الذي يشكل معناه على بعض الناس، وقد أمرنا القرآن برد المتشابه إلى المحكم، ففعل ذلك العلماء فردوه إلى الأحاديث الصحيحة في الإذن بالكتابة، كحديث عبد الله بن عمرو: قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعُه من رسولِ الله e أُريدُ حفْظَه، فنهتْني قريشٌ، وقالوا: أتكْتبُ كلَّ شيءٍ تَسمَعُه من رسول الله e، ورسولُ الله e بَشَرٌ يتكلَّمُ في الغضَبِ والرِّضا، فأمسَكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله e، فأومأ بإصبَعِه إلى فيه، فقال: «اكتُبْ، فو الذي نفسي بيدِه، ما يَخرُجُ منه إلا حقٌّ».[11] واعتذروا لحديث أبي سعيد بأعذار معقول هي: 1- أنه منسوخ بالأحاديث التي ورد فيها الإذن بالكتابة، وهو احتمال قريب، فالنسخ ثابت في القرآن قال تعالى:﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة: ١٠٦]. 2- خشية اختلاط الحديث بالقرآن زمن نزل الوحي، وهذا قول وجيه، ولا ينسف بلاغة القرآن كما زعم المؤلف، فهناك من الأحاديث القدسية والنبوية ما البلاغة فيه عالية، ويذوق الناس للكلام مختلف، فقد يحسب الجاهل بعض الأدعية النبوية دعاء قرآنيا. 3- أن ذلك لمن كان يكتب القرآن مع الحديث في النفس الصحيفة، خاصة وأن وسائل الكتابة في ذلك العصر غير متوفر، يكتبون على العسب واللخاف وجرائد النخل، فإذا كان الصحابة لا يجدون للقرآن إلا هذا، فما عساهم يجدون لكتابة السنة خاصة ما كان منها مفسرا للقرآن.

    [1]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 25.

    [2] دراسات محمدية، جولد تسيهر (الترجمة العربية): 2/ 18.

    [3] القرآن وكفى، أحمد صبحي منصور: ص 75.

    [4] أخرجه أبو داود (4604) والترمذي (2664) وابن ماجه (12) من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرْبٍ عن النبيe. وإسناده صحيح كما في السلسلة الصحيحة (882).

    [5] أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401).

    [6] أخرجه أبو داود في سننه (1369) من حديث عائشة رضي الله عنها، وصححه ابن حبان، انظر صحيح سنن أبي داود (1239).

    [7] الإبانة الكبرى، ابن بطة: 1/ 346.

    [8] الأحكام لأصول الأحكام، ابن حزم: 2/80.

    [9] مفتاح الجنة، للاحتجاج بالسنة: ص 14.

    [10] مسائل الإمام أحمد، أحمد بن حنبل(رواية ابنه صالح): 2/ 267.


    [11] أخرجه أبو داود في سننه (3646) بإسناد صحيح.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة السادسة:
    قال رشيد، تحت عنوان: (قاضية على القرآن): " من يقرأ هذا العنوان سيصابُ بالدهشة في أول وهلة حيثُ أن المنطق يقول: إذا كان القرآن هو أوَّل أصلٍ من أصول التشريع بالاتفاق، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف ساغ لهؤلاء القول بأن السنَّة قاضية على الكتاب ؟!".[1] قلت: يريد (رشيد أيلال) من خلال كلامه هذا نصب الخلاف بين كتابه الله وسنة رسوله، مدَّعيا أنَّه لا يمكن التسليم التام لكتاب الله إلا بردِّ السنن، ثم يشنُّ حملة وهمية على من يرفع السنة إلى مقام القرآن، ويضع الأحاديث في درجة فوق القرآن الكريم، ومن المعلوم أنَّه لا يوجد من أهل السنة من يقول بهذا الكلام، الظاهر في البطلان؛ لكن الكاتب يحاول بلزومياته واستنتاجاته أن يجعل من أَخَذ بالسنة مهونًا من شأن القرآن، ولكن هيهات أن يثبت له هذا الادعاء، وأهل السنة قاطبة يفتتحون خطبهم ومقالاتهم وحديثهم بقول الرسولeأَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».[2] وفي رواية أخرى «إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا».[3] والجواب على مقالته يكون من وجوه: الوجه الأول: قائل تلك العبارة التي ذكرها الكاتب، هو يحيى بن أبي كثير من صغار التابعين، فقد أخرج الدارمي في سُنَنِهِ بسنده إلى يحيى بن أبي كثير أنَّه قال «السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، وَلَيْسَ الْقُرْآنُ بِقَاضٍ عَلَى السُّنَّةِ».[4] وليس معنى قضاء السنة على القرآن، أنه تنقض حكمه، أو تسقط شرائعه، فهذا فهم سقيم لكلام أهل العلم، بل المقصود أنها تفسره وتوضح مجمله كما ذكر الحازمي في كتابه الاعتبار: "عَنْ يَحْيَى، قَالَ: السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ، أَيْ: تُفَسِّرُهُ".[5] وقال ابن عبد البر: "يريد أنها تقضي عليه وتبيِّن المراد منه وهذا نحو قولهم: ترك الكتاب موضعا للسنة، وتركت السنة موضعا للرأي".[6] وهذا التعبير معروف مفهوم عند أهل العلم يستعملونه حتى في القرآن، فيقولون هذه الآية قاضية على الآيات الأخرى في معناها، أي تفسرها وتوضح معناها، وقد استعمل هذا التعبير الصحاب الكرام- رضي الله عنهم- فقد جاء في كتاب الدرر المنثور للسيوطي ما نصُّهُ: "أخرج عبد الرزاق وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر والطبراني والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أو عن أبي سعيد الخدري أو رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُقال: هذه الآية قاضية على القرآن كلِّه يقول: حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه".[7] فمعنى القضاء هنا أن الآيات التي ورد فيها خلود العصاة في نار جهنم بسبب معاصٍ اقترفوها دون الكفر، فخلودهم مقيد بإرادة الله ومشيئته، وهذا يدل أن له حدٌّ محدود ، بعكس خلود الكفار في النار لا نهاية له. فإذا عُلِمَ ذلك المعنى فعلى الكاتب أن يربأ بنفسه، ويحْسِنَ الفهم قبل أن يتَّهِمَ أهل العلم في عقلهم وإيمانهم فيقول: "فمن تجرَّأَ على هذا القول بهذا الشكل بدون أن يرفَّ له جفنٌ ، سأشكُّ في عقله إن لم أشكّ في إيمانه".[8] الوجه الثاني: زعم الكاتب أن من مظاهر رفع مقام السنة على مقام القرآن، أخذ العلماء بأحاديث تخالف آي القرآن، بناء على قاعدة السنة تقضي على القرآن فقال: " ولا زال في عصرنا هذا من يرفع الحديث إلى مرتبة أعلى من القرآن، وإن كان يردد، كالببغاء مقولة أن القرآن هو الأصل الأول للتشريع، لأنه عمليا يكذبها بجعله السنة قاضية على القرآن، بمعنى أنه إذا وجدت نصا في الحديث يتعارض جملة وتفصيلا، مع القرآن فالحديث هنا قاض على القرآن، وهذا ما يفسر اتباع العديد من الشيوخ ما ورد في الأحاديث، ضاربين بعرض الحائط كل الآيات".[9] قلتُ: هذا الكلام لا أساس له من الصحَّة، فعلماء الإسلام يعلمون أن السنة شقيقة القرآن في الاحتجاج والتشريع، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3-4 ]ولقوله عليه السلام: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ، وَمِثْلَهُ مَعَهُ ». مع عدم إغفال النظر: أنَّ القرآن أشرف وأقدس من السنَّة باعتبار المتكلِّم ، فكلام الخالق أعلى من كلام المخلوق ولو كان رسول الله عليه السلام، لذلك يرتل المسلمون القرآن ولا يرتلون السنة، ويشترطون الطهارة للمس المصحف ولا يشترطون ذلك في لمس صحيح البخاري. و الكاتب بنى رأيه هذا قاعدة خاطئة اتفق العلماء على بطلانها، وهي : وجود أحاديث صحيحة تناقض القرآن، والحقُّ أنَّ التناقض بين القرآن وصحيح السنة لا يوجد إلا ذهن من لم يحكم آليات فهم النصوص، وأما أهل الصنعة الأصولية فيقولون مثل ما يقول الشافعي: "ويَعْلمون أن اتِّباعَ أمْره طاعةُ الله، وأنَّ سُنَّتَه تَبَعٌ لكتاب الله فيما أنْزَلَ، وأنها لا تخالف كتاب الله أبداً".[10] وقال أبو المظفر السمعاني: "فإنَّا بحمد الله تعالى لم نجد خبرًا صحيحاً يخالف الكتاب، بل الكتاب والسنة متوافقان متعاضدان، وإن عرض سؤالُ سائلٍ في كتاب أو خبر، فقد أجاب عنه علماء السنَّة...ولكن غرض القوم ومرماهم ردُّ السنَّة، وَطَيِّ الأحاديث جملة ".[11]

    [1]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 25.

    [2] رواه مسلم (867).

    [3] أخرجه النسائي في سننه (1578) وإسناده صحيح.

    [4] أخرجه الدارمي في سننه (607) بإسناد جيد.

    [5] الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في القرآن، الحازمي: ص 25.

    [6]جامع بيان العلم، ابن عبد البر: 2/ 1193.

    [7] الدر المنثور، السيوطي: 4/ 476.

    [8]

    [9]صحيح البخاري نهاية أسطورة، رشيد أيلال: ص 27.

    [10] الرسالة، الشافعي: ص 145.

    [11] قواطع الأدلة، أبو المظفر السمعاني: 2/ 413- 414.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    الوقفة السابعة:
    ضرب المؤلف مثالا لحديث أخرجه البخاري، زعم أن أهل العلم قضوا به على ثلاث آيات من القرآن الكريم، فقال: " ويمكن أن نضرب العديد من الأمثلة لذلك: عن ابن عمر رضي الله تعالى عنها أن رسول الله e قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» رواه البخاري ومسلم.
    هذا الحديث يخالف جملة وتفصيلا قول الله تعالى: ﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[البقرة:256]
    وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29]
    وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ[يونس:99].
    لكن هؤلاء يضربون بهاته الآيات عرض الحائط ويقولون بكل وقاحة وجرأة على الله، السنة قاضية على الكتاب، ويبقى حكم الحديث هو النافذ، ويتجلى في قتال الناس حتى أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله... الحديث، أما أنا فأقول وقلبي مطمئن بأن هذا الكلام لم يفه به رسول الله الذي كان خلقه القرآن، والذي قال عنه الله تعالى في محكم تنزيله:﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:107]".[1]
    قلتُ: هذا تهافت وضرب للأدلة بعضها ببعض، وسوء فهم لمقاصد القرآن، و عدم ربطها بسيرة النبي عليه السلام، وقد سبقك لهذا الطرح جماعة من القرآنيين والعقلانيين، منهم: (سامر اسلامبولي، في كتابه تحرير العقل من النقل، وابن قرناس في كتابه الحديث والقرآن، ومحمد سعيد حوى في بعض مقالاته).[2] والجواب على هذا من وجوه: الوجه الأول: المقصود بكلمة الناس في حديث «أمرت أن أقاتل الناس»، هم المشركون دون أهل الكتاب الذين يُقْبَلُ منهم الجزية، قال العيني: "قال الكرماني: «والناس» قالوا أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب؛ لأنَّ القتال يسقط عنهم بقبول الجزية، قلت: فعلى هذا تكون اللام للعهد ولا عهد إلا في الخارج ".[3] وعلى هذا فحديث الباب القاضي بقتال الناس حتى يسلموا لا يمكن بأي حال أن يخالف قوله تعالى:﴿ لا إكراه في الدين ﴾، كيف يكون ذلك والحديث ثابتٌ ثبوتاً قطعياً عن المعصوم e؟ وهو أعلم الناس بمعاني كتاب الله ودلالاته، فلا يمكن أن نتصور أن يقع التناقض بين كلام الله والوحي المنزَّل على رسوله، فلم يبق إلا أن يُتَّهَمَ الفهم القاصر بإحداث هذا التعارض، ونحن إذا تدبَّرنا الآية في ضوء ما قاله المفسرون في تأويلها، تبيَّن لنا جليا بطلان ذلك الزعم، وموافقة الحديث لما دَلًتْ عليه الآية، فقد ذكر المفسرون في تفسيرها ثلاثة أقوال كلُّها لا تتعارض مع مضمون الحديث: القول الأول: أن الآية خاصَّة في قوم من الأنصار كان لهم أولاد قد هَوَّدُوهُمْ أو نَصَّرُوهُمْ، فلما جاء الإسلام أرادوا إكراههم عليه، فنهاهم الله حتى يكونوا هم من يختارون الإسلام، وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير.[4] القول الثاني: أن الآية خاصَّة بأهل الكتاب لا يكرهون على الدين، بشرط أن يَدْفَعُوا الجزية ويُقَرُّون على دينهم، وهو قول: الضحاك و عطاء و الشعبي والحسن وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري.[5] القول الثالث: الآية منسوخة نزلت قبل أن يفرض القتال، وهو قول زيد بن أسلم و عبد الله بن مسعود.[6] فعلى القول بأن الآية منسوخة فلا إشكال أصلا، لأنه يُعْمَلُ بالحكم الناسخ ويترك الحكم المنسوخ، وهذا بيِّنٌ واضحٌ، وعلى القول الأول والثاني: فإن الآية خصَّصت بعض الناس بالنهي عن إكراههم على الدين وهم قوم من الأنصار أو أهل الكتاب؛ ولا يُفْهَمُ منها نفي عموم الإكراه على الدين في الإسلام مطلقاً، فهذا العموم باطل ليس مراد، لأنه ثبت باتفاق العلماء وجود الإكراه علىالدين في بعض الأحكام والتشريعات الإسلامية المتفق عليها، فالاحتجاج بهذه الآية التي وردت في موردٍ خاص على تثبيت حكمٍ عام مخالف لقواعد الشريعة، لا تقِّرُهُ الأدلَّة العَمَلِيَة الأخرى، يقول ابن حزم: "وقالوا: قال الله تعالى :﴿ لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فقلنا: أنتم أول من يقول: إنَّ العرب الوثنيين يُكرَهون على الإسلام، وإن المرتدَّ يُكْرَه على الإسلام، وقد صحَّ أنَّ النبيe أكره مشركي العرب على الإسلام، فصحَّ أنَّ هذه الآية ليست على ظاهرها وإنَّما هي فيمن نهانا الله تعالى أن نكرهه، وهم أهل الكتاب خاصَّة".[7] وقال الخطابي: "وأما قوله سبحانه: :﴿ لا إكراه في الدين﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فإن حكم الآية مقصورٌ على ما نزلت فيه من قصَّة اليهود، فأما إكراه الكفار على دين الحق فواجب ولهذا قاتلناهم على أن يسلموا أو يؤدُّوا الجزية ويرضوا بحكم الدين عليهم".[8] فإذا اتَّضح هذا المقام، علمنا أن إكراه المشركين و عبدة الأوثان على الإسلام الذي جاء في حديث الباب، لا يعارض آية الإكراه في الدين، فإن الحديث خاص في قوم والآية خاصة بقوم آخرين، ومعلوم من علم الأصول أن النصَّ الخاص لا يتعارض مع النص الخاص، بل يعمل بكل نصٍ في مجاله، وبهذا يُجْمَعُ بين الآية والحديث وتَسْلَمْ النصوص الأخرى القاضية بإكراه الناس على الإسلام من التناقض والاختلاف، لذلك قال الطبري-بعد أن رجح كون الآية خاصة بأهل الكتاب-: "وإذ كان ذلك كذلك، وكان غير مستحيل أن يقال لا إكراه لأحد ممن أخذت منه الجزية في الدين، ولم يكن في الآية دليل على أن تأويلها بخلاف ذلك، وكان المسلمون جميعا قد نقلوا عن نبيهم e أنه أكره على الإسلام قوماً فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم إن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم، كان بينّاً بذلك أن معنى قوله: ﴿ لا إكراه في الدين ﴾، إنما هو لا إكراه في الدين لأحدٍ ممن حلَّ قَبول الجزية منه بأدائه الجزية ورضاه بحكم الإسلام".[9] الوجه الثاني: إذا نظرنا في هذا الحديث من جهة المعنى، نجد له شواهد من القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [التوبة: 05] قال ابن العربي المالكي: "قوله تعالى:﴿ لا إكراه ﴾ عموم في نفي إكراه الباطل، فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين؛ وهل يقتل الكافر إلا على الدين، قال e: « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله »، وهو مأخوذ من قوله تعالى:﴿وَقَاتِلُوهُم

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    ** إلى هنا تنتهي الحلقة الأولى من (التفنيد لشبهات أيلال رشد حول صحيح البخاري)، والموعد مع الحلقة الثانية إن شاء الله**
    وفي المرفقات تجدون الحلقة الأولى كاملة بصيغة بدف pdf
    الملفات المرفقة الملفات المرفقة
    أبو مالك المديني و ابن الصديق الأعضاء الذين شكروا.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,677

    افتراضي

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة ابن الصديق
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Feb 2010
    المشاركات
    65

    افتراضي

    بارك الله فيكم... فضائح القص واللصق، وادعاء السبق.

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,368

    افتراضي

    سلمت يداك التي خطت أخانا نبيل الجزائري.
    وما تزال الأمة ترزأ بهؤلاء المتغربين التغريبيين.

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    148

    افتراضي

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    بارك الله فيك يا أستاذ نبيل...
    في ميزان حسناتك يا اخي في الدين والوطن.

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    24

    افتراضي

    عون ومساندة ومختارات مستفادة
    إنَّ إنكار حُجِيَّة السُنَّة والادعاء بأن الإسلام هو القرآن وحده قولٌ لا يقول به مسلم يعرف دين الله وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو قولٌ يصادم الواقع، فإنَّ أحكام الشريعة إنما ثبت أكثرها بِالسُنَّةِ، وما في القرآن من أحكام إنما هي مجملة وقواعد كلية في الغالب، وإلَا فأين نجد في القرآن أَنَّ الصلوات خمسة، وأين نجد ركعات الصلاة، ومقادير الزكاة، وتفاصيل شعائر الحج وسائر أحكام المعاملات والعبادات؟
    قال ابن حزم /: «وَنَسْأَلُ قَائِلَ هَذَا القَوْلِ الفَاسِدِ: فِي أَيِّ قُرْآنٍ وَجَدَ أَنَّ الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَنَّ المَغْرِبَ ثَلاَثَ رَكَعَاتٍ، وَأَنَّ الرُّكُوعَ عَلَىَ صِفَةِ كَذَا، وَالسُّجُودَ عَلَىَ صِفَةِ كَذَا، وَصِفَةِ القِرَاءَةِ وَالسَّلاَمِ، وَبَيَانِ مَا يُجْتَنَبُ فِي الصَّوْمِ، وَبَيَانِ كَيْفِيَّةِ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالغَنَمِ وَالإِبِلِ وَالبَقَرِ، وَمِقْدَارُ الأَعْدَادِ الْمَأْخُوْذَةِ مِنْهَا الزَّكَاةُ، وَمِقْدَارُ الزَّكَاةِ المَأْخُوذَةَ، وَبَيَانِ أَعْمَالِ الحَجِّ مِنْ وَقْتِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَصِفَةَ الصَّلاَةِ بِهَا وَبِمُزْدَلِفَة َ، وَرَمِيَ الجِمَارِ، وَصِفَةَ الإِحْرَامِ، وَمَا يُجْتَنِبُ فِيهِ، وَقَطْعِ السَّارِقِ، وَصِفَةَ الرَّضَاعِ المُحَرَّمِ، وَمَا يَحْرُمُ مِنَ المَأْكَلِ وَصِفَتَا الذَّبَائِحِ وَالضَّحَايَا، وَأَحْكَامَ الحُدُودِ، وَصِفَةَ وُقُوعِ الطَلاَقِ، وَأَحْكَامَ البُيُوعِ، وَبَيَانِ الربَا، والأقضية والتداعي، والأيمان والأحباس، والعمرى، والصدقات، وسائر أنواع الفقه، وإنما في القرآن جُمَلٌ لو تُركنا وإياها لم ندر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك، النقل عَنْ النَّبِيِّ ص، وكذلك الإجماع إنما هو على مسائل يسيرة، فلا بُدَّ من الرجوع إلى الحديث ضرورة.
    ولو أَنَّ امْرءًا قال: لا نأخذ إلّا ما وجدنا في القرآن، لكان كافرًا بإجماع الأمر، ولكان لا يلزمه إلَا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأنَّ ذلك هو أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غَالِيَةِ الرَّافِضَة مِمَّنْ قد اجتمعت الأُمَّةُ على كفرهم، ولو أنَّ امْرُءًا لا يأخذ إلا بما اجتمعت عليه الأُمَّةُ فقط، ويترك كل ما اختلفوا فيه مِمَّا قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقًا بإجماع الأُمَّةِ، فهاتان المُقَدَّمَتَان ِ توجب بالضرورة الأخذ بالنقل» ( ).
    وشبهات أعداء السُّنة تذكرنا بالمثل المشهور: "الغريق يتعلق بالقشة" والقشة جزء صغير من حطام النبات، وهي تمثل منتهى الضعف، ولذلك كان العرب يصفون الأمر الهيِّن الذي يكون سببًا في هلاك صاحبه بالقشة، ويقول: "القشة التي قصمت ظهر البعير" أي تسببت في تحطيم كائن عظيم، هو "البعير".
    ومنكرو السنة في تصيُّدهم الشبهات لإنكارها، ذكَّرونا بالمثل الأول:"الغريق يتعلق بالقشة" والقشة لا تنقذ الغريق من الغرق، بل سيجذبها معه الغريق إلى قاع البحر، والمراد من هذا المثل عند مُرَدِّديه، أن الغريق لما فقَد كل وسيلة لإنقاذه، ولم يبصر إلا قشة حمَلَه اليأسُ على التمسك بها. ولعل، وعسى. كذلك منكرو السنة تراهم يتهافتون وراء اقتناص الشبهات لإنكار السنة، مهما كانت تافهة، ضعيفة ولسان حالهم يقول: لعلَّ، وعسى.
    قواعد كلية ينبغي للمسلم معرفتها أثناء دفاعه عن السنة:
    أولًا: ينبغي أن يتوقَّر في نفس كل مسلم أنه متى صح الحديث وجب العمل به: فالواجب على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الأخر أن يقبل كل ما ورد عن النبي ص بشرط صحة اتصاله إليه ص ولا يرُدّه , ولا يجعل العقل مانعًا من قبول هذا الذي قد ورد بحجة أنه لا يقبله، لأنه إن فعل ذلك فقد وقع في جرم عظيم، وخطر كبير.
    ثانيًا: اختلاف العلماء في صحة الحديث أمر مقبول، ولكن هذا خاصٌ بالأئمة المجتهدين، أما غير أهل الاختصاص فعليهم أن يستمعوا لعلمائهم، وأن يتوجهوا لأهل الاختصاص بذلك.
    ثالثًا: لا يوجد أصل شرعي يتصادم مع أصول شرعية أخرى، فلا يمكن أن يتناقض حديث مع حديث ولا مع آية قرآنية. فمصدر الوحي واحد، القرآن والسنة كلاهما جاء من عند الله ـ، ﭧ ﭨ (ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ) (النساء: 113) فكيف يتعارض ما جاءنا من مشكاة واحدة، كيف يتعارض بعضه مع بعض؟!!! لا يمكن، هذا مستحيل.
    رابعًا: ما وُجِدَ مما يبدو من ظاهره التعارض فقد اجتهد العلماء في رَدّ هذا التعارض ودفْعه، والجمع بين النصوص المتعارضة: سواء من القرآن مع القرآن، أو من السنة مع السنة، أو من القرآن مع السنة ( ).
    خامسًا: ينبغي أن نرجع إلى أهل الاختصاص في أي فن من الفنون، فالمختصون في الحديث هم الذين يتكلمون في السُّنة، من حيث صحة الأحاديث وفهمها، ومن حيث استنباط الأحكام منها، وهذه قاعدة قرآنية:( ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ) (النحل: 43).
    سادسًا: الغيبيات لا تُؤخَذ إلا من القرآن ومن السنة الصحيحة، فلا مجالَ للعقل فيها، فميدان عمل العقل هو الأشياء المادية، على أي أساس يتكلم العقل في الغيبيات، هل رآها؟!! هل أجرى عليها التجارب؟!! إن كل ما لدينا من معلومات حولها إنما هو مما جاء في القرآن الكريم، وما في السنة الصحيحة المطهرة؛ فلا يحق لأحد أن يقول: إن هذا الأمر يتعارض مع العقل، أو يتعارض مع كذا، إنما تُناقِش صحتَه، ومتى ثبتت صحته تُعْمِل عقلك في فهمه ليس أكثر، وليس في أن تتصادم معه.

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    24

    افتراضي

    الشبهة الأولى
    نهْيُ النبي G عن كتابة السنة

    خلاصة هذه الشبهة قولهم:
    إن السنة لم تكن شرعًا عند النبي ص ولم يقصد النبي ص أن تكون سنته مصدرًا تشريعيًّا للدين وما قال شيئًا أو فعله بقصد التشريع ولم يُرِد النبي ص في حياته أن يكون ثمة مصدر تشريعي سوى القرآن المجيد، بل كان مصدر التشريع عند رسول الله ص هو القرآن وحده، وكذلك فهم الصحابة ي.
    وجاء عهد التابعين الذي بدأت فيه فتنة القول بالسنة وأنها مصدر من مصادر التشريع وكانت تلك قاصمة الظهر بالنسبة للدين حيث دخل فيه ما ليس منه واختلط بالوحي الصحيح الخالص الذي هو القرآن ما ليس من الوحي بل هو كلام البشر التي هي السنة النبوية.
    وقولهم في الحديث الذي يقول فيه النبي ص: «أَلَا إِنِّى أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ([1]): «لو كان هذا الحديث صحيحًا لَـمَا نهى النبي ص عن كتابة السنة، ولأمر بتدوينها كما دون القرآن، ولا يمكن أن يدَع نصف ما أوحِي إليه بين الناس بغير كتابة، ولا يكون حينئذ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها، ولماذا ترك الصحابة نصف الوحي ولم يدوِّنوه، فبإهمالهم له يصبحون جميعًا من الآثمين».

    وهم يزعمون أن لهم أدلة على ذلك وهي:
    1- أن النبي ص قد أمر أصحابه بكتابة القرآن الكريم وحضَّهم على ذلك ونهى أصحابه عن كتابة شيء من السنة قولًا كانت أو فعلا وذلك قوله ص: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّى وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
    2- أن الصحابة ي عرفوا من النبي ص أن السنة ليست شرعًا فأهملوا كتابتها وحفظها رغم اهتمامهم الشديد بكتابة القرآن المجيد على كل ما يصلح أن يُكْتب عليه.
    3- أن كبار الصحابة ي ومنهم الخلفاء الراشدون كانوا يكرهون رواية الأحاديث ويحذرون منها وكان عمر ت يهدد رواة الحديث ويتوعدهم وقد حبس عمر بن الخطاب عددًا من الصحابة بسبب روايتهم للحديث تنفيذًا لوعيده وتهديده إياهم بعدم رواية الحديث.
    الرد على هذه الشبهة وتفنيدها:
    يمكن الرد على هذه الشبهة في عدة نقاط:
    أولًا: أما قولهم بأن الرسول ص نهى عن كتابة الحديث بينما حضَّ على كتابة القرآن وحفظه وكان له ص كَتَبَة للقرآن، فقولٌ مبالَغٌ فيه ويقوم على التدليس وذِكْر بعض الحق وإخفاء البعض، وليس من شك في أن القرآن المجيد قد لقي من العناية بكتابته وحفظه ما لم يكن للسنة النبوية؛ فهو مصدر الدين الأول وهو أعلى من السنة منزلةً وقداسةً، وهو أحق بالعناية والاهتمام بكتابته وحفظه؛ لذلك حظي القرآن من العناية بما لم تحظَ به السنة، وبخاصـــــــة تدوينها وكتابتها، والأسـباب التي جعلت الصحابة ي يهتمون بكتابة القرآن فوق اهتمامهم بكتابة السنة كثيرة:
    · منها أن القرآن الكريم محدود بحدود ما ينزل به جبريل على قلب النبي ص فكتابته والإحاطة به أيسر وهم على ذلك أقدر أما السنة النبوية من أقوال الرسول ص وأفعاله فكثيرةٌ ومتشعبة تتضمن أقواله ص وأفعاله اليومية وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة عاشها ص بينهم وهذا أمر يشق كتابته وتدوينه وبخاصة إذا أخذنا في الاعتبار ندرة أو قلة الكاتبين بين الصحابة ي.
    · ومنها: أن كتابة القرآن ضرورة يفرضها ويحتمها كَوْن القرآن العظيم وحي الله تعالى إلى النبي ص بلفظه ومعناه ولا تجوز روايته بالمعنى أما السنة فتجوز روايتها بالمعنى ويجوز في السنة أن يقول القائل: «أو كما قال»، وما هو من قبيلها وليس ذلك جائزًا في القرآن.
    · ومنها: أن الكاتبين بين الصحابة ي كانوا قلة وليس في مقدورهم أن يكتبوا السنة والقرآن معًا وإذا كان ثمة اختيار بين أيهما يكتب الصحابة العارفون الكتابة فليكن المكتوب هو القرآن وذلك حتى يسلموه لمن بعدهم محررًا مضبوطًا تامًا لم يزد فيه ولم ينقص منه حرف.
    ثانيًا: وأما احتجاجهم بأن الرسول ص نهى عن كتابة غير القرآن، وغير القرآن هو السنة فهو احتجاج باطل لأن هذا الحديث فيه الإذن للصحابة ي برواية ما سمعوه وحفظوه من سُنّة النبي ص وتحريم الكذب عليه ص فهذا هو نصّ الحديث كاملًا كما في صحيح مسلم: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّى وَمَنْ كَتَبَ عَنِّى غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
    لقد أذِنَ لهم ص في التحديث فقال: «وَحَدِّثُوا عَنِّى وَلَا حَرَجَ»، وليس النقل عن طريق الحفظ بأقل صحةً وضبطًا من الكتابة، خصوصًا من قوم كالعرب عُرِفوا بقوة الحافظة، وأتوا من ذلك بالعجائب، فقد كان الرجل منهم يحفظ القصيدة كلها من مَرَّةٍ واحدة، ومنهم من يحفظ ما يُلْقَى من الحديث في المجلس الواحد لا يخرم منه حَرْفًا، فاعتمادهم على ذاكرتهم كان أساسًا لما ينقلونه من حديث رسول اللهِ ص ويتدارسونه.
    والاعتماد على الذاكرة يسعف الطالب أكثر من الاعتماد على الكتاب، ومن هنا يُحمَل ما رُوِيَ عن بعض أهل العلم من كراهية كتابة العلم حتى لا تضعف فيهم هذه المَلَكَةِ العجيبة ولَا يَتَّكِلَ على الكتاب.
    ثالثًا: إن رسول الله ص كما نهى عن الكتابة، فقد ورد عنه ص الإذن بها بل الأمر بها في أحاديث أخَر، ولذلك استدلالهم فيه تدليس حيث ذكروا حديث النهي ولم يشيروا إلى أحاديث الإذن وهي كثيرة منها:
    · أمَر رسول الله ص بالكتابة لرجل مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ عام الفتح سمع النبي ص يخطب فَقَالَ: «اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
    · وأيضًا كتابه ص فى الصدقات والديات والفرائض والسنن، الذى أرسله إلى عمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وصحّحه الألباني).
    · قوله ص: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (رواه الطبراني والحاكم وصححه الألباني).
    · عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ب قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَىْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِى قُرَيْشٌ وَقَالُوا: «أَتَكْتُبُ كُلَّ شَىْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ص بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِى الْغَضَبِ وَالرِّضَا». فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ». (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وصحّحه الألباني). (فِيهِ): فَمِهِ.
    وقد اجتهد العلماء في الجمع بين أحاديث الإذن وأحاديث المنع، فنتج عن ذلك آراء أهمها:
    · أن ذلك من منسوخ السنة بالسنة أي أن المنع جاء أولًا ثم نسخ بالإذن في الكتابة بعد ذلك وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء، وقد قالوا إن النهي جاء أولًا خشية التباس القرآن بالسنة فلما أمن الالتباس جاء الإذن.
    · أن النهي لم يكن مطلقًا، بل كان عن كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة أما في صحيفتين فمأذون به.
    · أن الإذن جاء لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون لأنفسهم، ويؤمَن عليهم الخلط بين القرآن والسنة.
    وهناك آراء غير ذلك لكن الذي يتضح من روايات المنع وروايات الإذن أن الإذن جاء آخرًا فإن كان نسخ فهو الناسخ للمنع وهذا الذي رواه الجمهور.
    قال الإمام النووي: «قَالَ الْقَاضِي كَانَ بَيْنَ السَّلَفِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي كِتَابَةِ الْعِلْمِ فَكَرِهَهَا كَثِيرُونَ مِنْهُمْ وَأَجَازَهَا أَكْثَرُهُمْ، ثُمَّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِهَا وَزَالَ ذَلِكَ الْخِلَافُ.
    وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ، فَقِيلَ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ يُوْثَقُ بِحِفْظِهِ وَيُخَافُ اتِّكَالُهِ عَلَى الْكِتَابَةِ إِذَا كتب ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بِحِفْظِهِ ... وَقِيلَ إِنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَكَانَ النَّهْيُ حِينَ خيف اختلاطه بالقرآن فلما أمِنَ ذَلِكَ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ وَقِيلَ إِنَّمَا نَهَى عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ مَعَ الْقُرْآنِ فِي صَحِيفَةٍ واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارىء فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ»([2]).
    رابعًا: أما قولهم إن الصحابة ي قد فهموا من النبي ص أن السنة ليست شرعًا فانصرفوا عنها، ولم يهتموا بكتابتها أو الالتزام بها فهذا من الكذب والمكابرة، فالُمطّلِع على المدونات في كتب السنة وتاريخ العلوم وما كتب العلماء في مواقف الأمة المسلمة من سنة رسول الله ص - وبخاصة موقف الصحابة ي من سنة رسول الله ص - يقطع بكذب هؤلاء ويعجب من مدى تبجحهم وافترائهم على الحق إلى حد قلب الأوضاع وعكس الأمور.
    فقد كان أصحاب رسول الله ص أحرص الخلق على ملاحظة أقوال رسول الله ص وأفعاله وحفظها والعمل بها بل بلغ من حرصهم على تتبع كل صغيرة وكبيرة وحفظها ووعيها والعمل بها أن كانوا يتناوبون ملازمة رسول الله ص فهذا عمر بن الخطاب ت يقول: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). وما كان ذلك إلا لحرصهم الشديد على معرفة سنة رسول الله ص واتباعها والالتزام بها.
    وقد كان الصحابة ي يقطعون المسافات الطويلة ليسألوا رسول الله ص عن حكم الله في بعض ما يعرض لهم، وكانوا ي حريصين على أن يسألوا أزواج النبي ص عن سيرته وسنته في بيته، وكانت النساء يذهبن إلى بيوت أزواج النبي يسألنهن عما يعرض لهن وهذا معروف مشتهر غني عن ذكر شاهد أو مثال.
    بل لقد بلغ من حرص الصحابة ي على الالتزام بسنة النبي ص أنهم كانوا يلتزمون ما يفعل ويتركون ما يترك دون أن يعرفوا لذلك حكمة، ودون أن يسألوا عن ذلك ثقة منهم بأن فعله ص وحْيٌ.
    فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ت قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ص ذَاتَ يَوْمٍ, فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ, فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ص صَلَاتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟», قَالُوا: «رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا».
    فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ص: «إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا فَأَلْقَيْتُهُم َا, فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ, فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُم َا بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» (رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وأَبُو دَاوُدَ، وابنُ حِبَّانَ، وصحّحه الألباني).
    إلى هذا الحد بلغ حرص الصحابة ي على معرفة سنة النبي ص في جميع أحواله والالتزام بها والاستجابة لأمره ونهيه من فورهم ومن غير أن يدركوا حكمة الفعل كما في إلقائهم نعالهم في الصلاة ولم يكن ذلك إلا استجابة لله ـ في أمره بطاعة رسوله ص والاقتداء به.
    ويتبين مدى كذب أعداء السنة وأعداء الله ورسوله ص في ادعائهم الذي سلف ذِكْره أنّ صحابة النبي ص قد كتبوا السنة وسمحوا بكتابتها وحَثّوا على تدوينها:
    · فقد كَتَبَ أبو بكر الصديق ت لأنس بن مالك ت فرائض الصدقة، الذى سنه رسول الله ص لما وجهه إلى البحرين. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
    · وعمر بن الخطاب ت هو الجامع للوثائق الخاصة بالزكاة والخراج والمسائل المالية الأخرى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وصحّحه الألباني).
    · وكتب عمر بن الخطاب ت إلى عتبة بن فرقد بأذربيجان كتابًا فيه أن رسول الله ص نهى عن الحرير. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
    · وقال عمر بن الخطاب ت: «قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ» (رواه الحاكم وصححه،ووافقه الذهبي).
    · وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ت قَالَ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ص أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّى، إِلّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ». (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
    · وعن أَبي قَبِيلٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ت وَسُئِلَ:«أَيُّ الْمَدِينَتَيْن ِ تُفْتَحُ أَوَّلًا الْقُسْطَنْطِين ِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟».فَ

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Mar 2009
    المشاركات
    24

    افتراضي

    ادّعــــــــــا ء أن الحديث
    بقي مائتي سنة غير مكتوب

    من الشبهات التي ادعاها بعض المستشرقين من قديم، وأقاموا بناءها على وهم فاسد هي أن الحديث بقي مائتي سنة غير مكتوب، ثم بعد هذه المدة الطويلة قرر المحدثون جمع الحديث، وأن السنة انتقلت بطريق المشافهة فقط.
    وقد أراد المستشرقون من وراء هذه المزاعم إضعاف الثقة في استظهار السُّنّة وحِفْظها في الصدور، والتشكيك في صحة الحديث واتهامه بالاختلاق والوضع على ألسنة المدوِّنين، وأنهم لم يجمعوا من الأحاديث إلا ما يوافق أهواءهم، وصاروا يأخذون عمن سمعوا الأحاديث، فصار هؤلاء يقول الواحد منهم: سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا عن النبي ص، وبما أن الفتنة أدت إلى ظهور الانقسامات والفرق السياسية، فقد قامت بعض الفرق بوضع أحاديث مزورة حتى تثبت أنها على الحق، وقد قام علماء السنة بدراسة أقسام الحديث ونوعوه إلى أقسام كثيرة جدًا، وعلى هذا يصعب الحكم بأن هذا الحديث صحيح، أو هذا الحديث موضوع.
    والرد هذه الشبهة من عدة وجوه:
    أولًا: ليس صحيحًا أن عصر صدر الإسلام خلا تمامًا من تدوين السنة، إذ من المعلوم أن أجزاء من السنة كُتِبَت في حياة الرسول نفسه، وبتوجيهٍ مباشر منه ص كما سبق بيانه في جواب الشبهة الأولى.
    فقد ثبت بالأدلة القطعية أن كتابة الأحاديث وقعت في عهد النبي ص وفي حياته، وأن الذي تأخر هو جمْعُها كلها في كتاب واحد، وترتيبها على الأبواب، والعناية بتأليفها وتصنيفها، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، لا يُنكِرها إلا جاحد معاند يبتغي تشكيك المسلمين في دينهم، أو جاهـــلٌ لا يعــرف أن كتـــــــــــــ ـابة السنة وقعت في حيـــــــــــاة النبي ص، ولكن تدوينها - بمعنى تأليف الكتب الكبار في جمعها وتصنيفها والعناية بها - هو الذي تأخر بعد وفاة النبي ص.
    ثانيًا: من التهويل الممقوت أن منكري السُّنة يدّعون أن السنة دُوِّنَت في القرن الثالث الهجري، وقصْدُهم التأكيد على طول المدة التي أهمل فيها تدوين السنة توصلًا للتشكيك في صحة الرواية، لبُعد ما بين التدوين وبين حياة الرسول ص التي قيلت أو حدثت فيها السنة القولية والعملية.
    وهذا خطأ فاحش؛ لأن تدوين السنة بدأ مع بداية القرن الثاني الهجري (عام 101هـ) في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ت .فقد رأى هذا الإمام المسارعة إلى جمع السنة وكتابتها وتدوينها، خشية أن يضيع منها شيء، أو يلتبس الحق منها بالباطل من غيرها. فكتب إلى بعض الراسخين من العلماء، في نهاية القرن الأول الهجري، وبداية القرن الثاني، حسب مواقعهم من الأمصار الإسلامية.
    ثالثًا: إن السُنَّةُ قد نُقِلَتْ بالضبط والحفظ غالبًا والكتابة أحيانًا، من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الأول حيث دَوَّنَ الزُّهْرِيُّ السُنَّةَ بأمر عمر بن عبد العزيز، وكانت سلسلة الحفظ والصيانة متصلة لَمْ يَتَطَرَّقْ إليها الانقطاع فلا يصح أن يتطرق إليها الشك، أما ما دُسَّ عَلَى السُنَّةِ مِنْ كَذِبٍ فقد تَصَدَّى له العلماء وَبَيَّنُوهُ بما لا يترك مجالًا للشك، حتى إنَّ النفس لَتَطْمَئِنُّ إلى السُنَّةِ إِلَى حَدٍّ يكاد يصل إلى درجة اليقين.
    لقد بدأ تدوين الحديث منذ العهد الأول في عصر النبي ص، وشمل قسمًا كبيرًا من الحديث، وما يجده المطالع للكتب المؤلفة في رواة الحديث من نصوص تاريخية مبثوثة في تراجم هؤلاء الرواة، تثبت كتابتهم للحديث بصورة واسعة جدًا، تدل على انتشار التدوين وكثرته البالغة.
    أما تصنيف الحديث على الأبواب في المصنفات والجوامع فمرحلة متطورة متقدمة جدًا في كتابة الحديث، وقد تم ذلك قبل سنة 200 للهجرة بكثير، فتم في أوائل القرن الثاني، بين سنة 120- 130 هـ، بدليل الواقع الذي بين لنا ذلك، فهناك جملة من هذه الكتب مات مصنفوها في منتصف المائة الثانية، مثل جامع معمر بن راشد(154هـ)، وجامع سفيان الثوري(161هـ)، وهشام بن حسان(148هـ)، وابن جريج (150 هـ)، وغيرها كثير.
    رابعًا: إن قلة التدوين للحديث النبوي في حياة النبي ص، وما تلاه حتى نهاية القرن الأول الهجري، لها أسباب وجيهة تُعزى إليها. ذلك أن حال القرن الأول كانوا إما من الصحابة، وإما من كبار التابعين (الطبقة الأولى) وكان هذا القرن يتميز بميزتين:
    الأولى: أن سنة رسول الله ص القولية كانت محفوظة في صدور الرجال، حاضرة ماثلة في ذاكرة الأمة. فلم تَدْعُ ضرورةٌ إلى كتابتها وتدوينها.
    الثانية: أن الصحابة ي الذين عاصرهم رجال الطبقة الأولى من كبار التابعين كانوا محيطين إحاطة كاملة بالسنة العملية، يهتدون بها وبالسنة القولية دون الحاجة إلى الرجوع إلى كتاب مكتوب، وربما كان الصحابة ي وكبار التابعين يتذاكرون هذه السنن فيما بينهم أو يسأل من جهل شيئًا مِن السنن مَن هو عالم بها، وكل هذا قام مقام التدوين فلم يُحْتَج إليه.
    ويضاف إلى هاتين الميزتين ميزة ثالثة، لا تقل عنهما قيمة: وهى أن السنة خلال القرن الأول كانت صافية نقية محفوظة في الصدور على الصور التي سُمِعَتْ بها من فَم النبي الطاهر ص صافية نقية من كل دخيل وعليل ومكذوب، لأن هذه الآفات والقوادح ألَّمت بالسُنة في وقت متأخر عن القرن الأول وفي ظروف وملابسات طارئة ما كان لها وجود في القرن الأول الهجري، قرن الصفاء والنقاء.
    هذه هي الأسباب في قلة تدوين السنة في القرن الهجري الأول تدوينًا واسعًا، وليست أسبابها ما يروجه منكرو السنة زورًا وبهتانًا، أن السنة ليست من الدين، فلم يهتم بتدوينها الرسول ص، ولا الخلفاء، ولا جمهور الصحابة؟! إن قولهم هذا تحريف شنيع لدلالات هذه الظاهرة وكما قيل: إن الإصرار على الخطأ مع يُسر الوصول إلى الصواب أمر يدعو إلى الاتهام بسوء النية، أكثر من الدعوة إلى مجرد الخطأ في الاستدلال.
    خامسًا: إن علماء الحديث وضعوا شروطًا لقبول الحديث، تكْفل نقله عبر الأجيال بأمانة وضبط، حتى يُؤدَّى كما سُمِع من رسول الله ص، فهناك شروط اشترطوها في الراوي تضمن فيه غاية الصدق والعدالة والأمانة، مع الإدراك التام لتصرفاته وتحمل المسئولية، كما أنها تضمن فيه قوة الحفظ والضبط بصدره أو بكتابه أو بهما معًا، مما يمكّنه من استحضار الحديث وأدائه كما سمعه، ويتضح ذلك من الشروط التي اشترطها المحدِّثون للصحيح والحسن والتي تكفل ثقة الرواة، ثم سلامة تناقل الحديث بين حلقات الإسناد، وسلامته من القوادح الظاهرة والخفية، ودقة تطبيق المحدثين لهذه الشروط والقواعد في الحكم على الحديث بالضعف لمجرد فَقْد دليلٍ على صحته، من غير أن ينتظروا قيام دليل مضاد له.
    سادسًا: إن علماء الحديث لم يكتفوا بهذا، بل وضعوا شروطًا في الرواية المكتوبة لم يتنبه لها أولئك المتطفلون، فقد اشترط المحدِّثون في الرواية المكتوبة شروط الحديث الصحيح، ولذلك نجد على مخطوطات الحديث تسلسل سند الكتاب من راوٍ إلى آخر حتى يبلغ مؤلفه، ونجد عليها إثبات السماعات، وخط المؤلف أو الشيخ المُسْمِع الذي يروي النسخة عن نسخة المؤلف أو عن فرعها، فكان منهج المحدِّثين بذلك أقوى وأحكم وأعظم حيطة من أي منهج في تمحيص الروايات والمستندات المكتوبة.
    سابعًا: إن البحث عن الإسناد لم ينتظر مائتي سنة كما وقع في كلام الزاعمين، بل فتش الصحابة ي عن الإسناد منذ العهد الأول حين وقعت الفتنة سنة 35 هجرية لصيانة الحديث من الدَّسّ، وضرب المسلمون للعالم المثل الفريد في التفتيش عن الأسانيد، حيث رحلوا إلى شتى الآفاق بحثًا عنها واختبارًا لرواة الحديث.
    ثامنًا: إن المحَدِّثين لم يغفلوا عما اقترفه الوضاعون وأهل البدع والمذاهب السياسية من الاختلاق في الحديث، بل بادروا لمحاربة ذلك باتباع الوسائل العلمية الكافلة لصيانة السُّنّة، فوضعوا القيود والضوابط لرواية المبتدع وبيان أسباب الوضع وعلامات الحديث الموضوع.
    تاسعًا: أن هذا التنوع الكثير للحديث ليس بسبب أحواله من حيث القبول أو الرد فقط، بل إنه يتناول إضافة إلى ذلك أبحاث رواته وأسانيده ومتونه، وهو دليل على عمق نظر المحدِّثين ودقة بحثهم، فإن مما يُستَدَل به على دقةِ العلم وإحكامِ أهلِه له تقاسيمُه وتنويعاتُه، بل لا يُعَدُّ علمًا ما ليس فيه تقسيم أقسام وتنويع أنواع؟!!
    عاشرًا: أن الكثيرين خلطوا بين النهْى عن كتابة السنة، وبين تدوينها حيث فهموا خطأً أن التدوين هو الكتابة، وعليه فإن السنة النبوية ظلت محفوظة فى الصدور لم تُكتَب إلا فى نهاية القرن الأول الهجرى فى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز /، ولو أن المعاصرين فهموا حقيقة الكتابة، وحقيقة التدوين، وأدركوا الفرق بينهما، لَـمَا تعارضت النصوص فى فهمهم، ولما صح تشكيك أعداء الإسلام فى السنة النبوية بدعوى تأخر تدوينها مُدَّعين أنه دخلها الزيف؛ لأن العلم الذى يظل قرنًا دون تسجيل لابد وأن يعتريه تغيير ويدخله التحريف، فإن الذهن يغفل والذاكرة تنسى، أما القلم فهو حصن آمان لما يدون به.
    فالكتابة غير التدوين، فالكتابة مطلق خط الشيء، دون مراعاة لجمع الصحف المكتوبة فى إطار يجمعها، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة فى ديوان يحفظها. أما التصنيف؛ فهو أدق من التدوين، فهو ترتيب ما دون فى فصول محدودة،وأبواب مميزة.
    وعلى ذلك فقوْل الأئمة إن السنة دُوِّنَت فى نهاية القرن الأول لا يفيد أنها لم تكتب طيلة هذا القرن، بل يفيد: أنها كانت مكتوبة لكنها لم تصل لدرجة التدوين وهو: جمع الصحف فى دفتر، وما فهمه المعاصرون من أن التدوين هو الكتابة، فهو خطأ منشأه عدم التمييز بين الكتابة والتدوين.
    وبالتالى فالمقولة "أول من دوَّن العلم ابن شهاب الزهرى" تم ترجمتها خطأ بمعنى: أول من كتب العلم (الحديث) كان ابن شهاب الزهرى، وانطلاقًا من هذا التفسير الخاطئ انبثقت نظرية أن كتابة الحديث بدأت متأخرة للغاية حتى عصر الزهرى فى نهاية القرن الأول، أو بداية القرن، الثانى الهجرى، ولهذا فالمقولة السابقة يجب تفسيرها على أساس أن أول مَن دَوَّن أو صَنَّف المجموعات المكتوبة من الأحاديث كان ابن شهاب الزهرى.
    حادي عشر: أن عمر بن عبد العزيز / حينما أمر بتدوين السنة لم يبدأ ذلك من فراغ، ولكنه اعتمد على أصول مكتوبة كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى كله، من خلال روح علمية نشطة، أشعلها الإسلام فى أتباعه، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن يزدادوا فى كل يوم علما، وخير العلوم- قطعًا - ما كان متعلقًا بالقران والسنة.
    ثاني عشر: أن تدوين السنة قام على أساس المكتوب فى عصر النبى ص، وبإذن منه ص شخصيًا، فالسنة قد بدأت كتابتها منذ عصر النبى ص إلى زمن تدوينها تدوينًا رسميًا، وهذه حقيقة علمية مؤكدة ثبتت بالبراهين القطعية، وتضافرت على إثبات هذه الحقيقة الساطعة أقوال جملة من الباحثين الثقات الأثبات، كالدكتور محمد عجاج الخطيب فى كتابه "السنة قبل التدوين" والدكتور محمد مصطفى الأعظمى فى كتابه: "دراسات فى الحديث النبوى"، والدكتور امتياز أحمد فى كتابه: "دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث"، والدكتور رفعت فوزى عبدالمطلب فى كتابه: "توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى أسسه واتجاهاته" وغيرهم.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •