البيان في تلخيص شرح حديث ما ذئبان جائعان
النتائج 1 إلى 15 من 15

الموضوع: البيان في تلخيص شرح حديث ما ذئبان جائعان

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي البيان في تلخيص شرح حديث ما ذئبان جائعان

    ملخص شرح جديث ما ذئبان جائعان
    الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله صلى عليه وسلم

    وبعد
    فهذا تلخيص اشرح حديث ما ذيبان جائعان ،ولقد بين اابن رجب رحمه الله أمورا بالأهمية بمكان، حيث حذرنا من غرور النفس وحرصها وحثنا على تجنب فتن الدنيا ،وخاصة طالب العلم.ولانها رسالة مهمة اردت تلخيصها مع الحرص على عدم فوات مجملها رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه
    خرَّج الإمامُ أحمدُ والنَّسائي والترمذي بن حبانَ في "صحيحه" من حديث كعب بن مالكٍ الأنصاري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:«مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ المَرْءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ».قال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ.
    فهذا مثلٌ عظيم جدًّا ضربه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لفسادِ دينِ المسلم بالحرص عَلَى المالِ والشَّرفِ في الدُّنْيَا


    فأما الحرصُ عَلَى المالِ فهو عَلَى نوعين:أ
    حدهما: شدةُ محبةِ المال مع شدةِ طلبهِ من وجوهه المباحةِ، والمبالغة في طلبهِ والجدِّ في تحصيلهِ واكتسابهِ من وجوهه مع الجهدِ والمشقةِ
    ولا تحسبن الفقر من فقد الغنى ... ولكن فقد الدين من أعظم الفقر
    قال ابنُ مسعود: اليقينُ أن لا تُرْضي النَّاسَ بسخطِ الله، ولا تحمد أحدًا عَلَى رزق الله، ولا تلوم أحدًا عَلَى ما لم يؤْتِك الله، فإنَّ رزق الله لا يسوقُه حرصُ حريصٍ ولا يردُّه كراهةُ كاره، فإنَّ الله بقسطهِ وعلمه جعلَ الروحَ والفرحَ في اليقين والرضى، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في الشَّكِّ والسخطِ.
    وقال بعضُ السَّلف: إذا كان القدرُ حقَّا فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان الغدرُ في الناس طباعًا فالثقةُ بكلِّ أحدٍ عجزٌ، وإذا كان الموتُ لكلِّ أحد راصدًا فالطمأنينةُ إِلَى الدُّنْيَا حمق
    الحرصُ حرصانِ: حرصٌ فاجعٌ، وحرصٌ نافعٌ؟ فأما النَّافعُ: فحرصُ المرءِ عَلَى طاعةِ اللهِ.وأما الفاجعُ: فحرصُ المرءِ عَلَى الدُّنْيَا مشغولٌ معذبٌ لا يسرُّ ولا يلتذُّ بجمعِهِ لشغله، ولا يفرُغُ من محبته الدُّنْيَا لآخرته، كذلك وغفلتِه عما يدومُ ويبقى
    الحرصُ داءٌ قد أضـ ... رّ بمن ترى إلا قليلاًكم مِنْ عزيز قد ... صَيَّرَه الحرص ذليلاً

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    النَّوعُ الثَّاني من الحرص عَلَى المال:أن يزيدَ عَلَى ما سبق ذكرُه في النوعِ الأول، حتى يطلبَ المال من الوجوه المحرمة ويمنع الحقوقَ الواجبة، فهذا من الشحَّ المذموم.قال الله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}

    عن جابرٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اتَّقُوا الشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ". رواه مسلم
    قال طائفةٌ من العُلَمَاء: الشحُّ هو الحرصُ الشديدُ الَّذِي يحمل صاحبَه عَلَى أن يأخذَ الأشياءَ من غير حلِّها ويمنعها من حقوقها.
    عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يجتمعُ الشحُّ والإيمانُ في مؤمنٍ"
    رواه أحمد

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    وأمَّا حرصُ المرءِ عَلَى الشَّرفِ فهذا أشدُّ هلاكًا من الحرص عَلَى المال فإِنَّ طلبَ شرفِ الدُّنْيَا والرفعةِ فيها، والرياسةِ عَلَى النَّاسِ والعلو في الأرض أضرُّ
    عَلَى العبد من طلب المال، وضررُه أعظمُ، والزهدُ فيه أصعبُ، فإِنَّ المال يبذلُ في طلبِ الرياسةِ والشَّرفِ.والحر ُ عَلَى الشَّرفِ عَلَى قسمين:أحدهما: طلبُ الشَّرفِ بالولايةِ والسُّلطانِ والمال.وهذا خطرٌ جدًّا، وهو الغالبِ، يمنعُ خيرَ الآخرةِ وشَرَفَها وكرامَتها وعزَّها.قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
    قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمنِ بن سمرةَ: "يا عبدَ الرحمنِ، لا تسألِ الإمارةَ، فإِنَّكَ إِن أُعْطيتَهَا عن مَسألةٍ وُكّلتَ إليها، وإنْ أُعْطيتَهَا من غير مسألةٍ أُعنتَ عليها"
    .قال بعضُ السَّلفِ: ما حرصَ أحدٌ عَلَى ولايةٍ فعدل فيها.وكان يزيدُ بنُ عبد الله بن وهبٍ من قضاةِ العدلِ والصَّالحين، وكان يقولُ: من أَحَبَّ المالَ والشَّرفِ وخافَ الدوائِرَ لم يعدلْ فيها.وفي "صحيح البخاري
    ) عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إِنكم سَتحرصونَ عَلَى الإمارة، وستكونُ ندامةً يوم القيامةِ، فنعم المرضعةُ، وبئستِ الفاطمة".

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    والحرصُ عَلَى الشَّرفِ عَلَى قسمين:أحدهما: طلبُ الشَّرفِ بالولايةِ والسُّلطانِ والمال.وهذا خطرٌ جدًّا، وهو الغالبِ، يمنعُ خيرَ الآخرةِ وشَرَفَها وكرامَتها وعزَّها.قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
    قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمنِ بن سمرةَ: "يا عبدَ الرحمنِ، لا تسألِ الإمارةَ، فإِنَّكَ إِن أُعْطيتَهَا عن مَسألةٍ وُكّلتَ إليها، وإنْ أُعْطيتَهَا من غير مسألةٍ أُعنتَ عليها"
    .قال بعضُ السَّلفِ: ما حرصَ أحدٌ عَلَى ولايةٍ فعدل فيها.وكان يزيدُ بنُ عبد الله بن وهبٍ من قضاةِ العدلِ والصَّالحين، وكان يقولُ: من أَحَبَّ المالَ والشَّرفِ وخافَ الدوائِرَ لم يعدلْ فيها.وفي "صحيح البخاري
    ) عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إِنكم سَتحرصونَ عَلَى الإمارة، وستكونُ ندامةً يوم القيامةِ، فنعم المرضعةُ، وبئستِ الفاطمة".

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    من صفات عالم السوء
    لخصها الاجري فقال قد فتنه حبُّ الثناءِ والشَّرفِ والمنزلةِ عند أهل الدُّنْيَا، يتجملُ بالعلم كما يتجمل بالحلةِ الحسناء للدنيا، ولا يجمَّل علمه بالعمل به
    إذ رَغبتْ نفسُه في حبِّ الشَّرفِ والمنزلةِ، فأحبَّ مجالسةَ الملوكِ وأبناءِ الدُّنْيَا، (فأحب) أن يشاركهم فيما هُم فيهِ (من منظرٍ بَهيٍّ، ومَركبٍ هَنِيٍّ، وخادم سَرِيٍّ، ولباسٍ ليّنٍ، وفِراشٍ ناعمٍ، وطعام شَهِيٍّ، وأَحبَّ أَن (يُعتنى به) ، وأن (يسمع) قَولُه، ويُطَاعَ أَمرُه، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلا مِن جهةِ القَضاءِ فَطلبَهُ، فَلم يُمكنْهُ إِلا بِبذلِ دِينِهِ، فَتَذَلَّلَ لِلمُلُوكِ وأتباعِهِم، (فَخدمَهُم
    بِنَفْسِهِ، وأَكرَمَهُم بِمَالِهِ، وسَكتَ عَن قَبيحِ مَا ظَهَرَ (من منازل أبوابهم، وفي منازلهم وفعلهم) ، ثم زيَّنَ لَهم كثيرًا من قَبيحٍ (فِعلهم بتأوُّلِه الخطأ ليحسن
    فَلمَّا فعلَ هذه مُدةً طوِيلةً واسْتحكَمَ فيه الفسادُ وَلَّوْهُ القضاءَ فذبح بغيرِ سِكينٍ، فصارتْ لَهُم عليه ِمِنَّةٌ عَظِيمةٌ، ووجبَ عليه شُكرُهم، (فآلمَ نفسه لئلاَّ (يُغضِبهُم عليه فَيعزِلوهُ عن القضاءِ، ولم يلتفتْ إِلَى غَضبِ مَولاهُ، فاقْتطعَ أموالَ اليتامَى والأَراملِ، والفُقراءِ والمساكين، وأموالَ الوَقفِ الموقوفة عَلَى المجاهدينَ، وأهلِ الشَّرفِ بالحرمينِ، وأموالاً يعودُ نفعُها عَلَى جميعِ المسلمين، فأرضى بها الكاتبَ والحاجب والخادمَ، فأكلَ الحرامَ وأطعمَ الحرامَ وكَثُرَ الداعي عليهِ، فالويلُ لمن أورثَه علمُه هذهِ الأخلاقَ
    قال صلى الله عليه وسلم-: " «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ، عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ»
    .وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ
    .وكان عليه السلام يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ»

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    ومن دَقِيقِ آفاتِ حُبِّ الشَّرفِ
    : طَلَبُ الولاياتِ والحرصُ عليها، وهو بابٌ غامضٌ لا يعرفُه إلا العُلَمَاءُ بالله، العَارِفُونَ بِهِ المُحِبُّونَ لَهُ، الذين يُعادون لهُ من جُهَّالِ خلقهِ المُزَاحمينَ لِرُبُوبيتِهِ وإلهيتهِ، مع حقارتهم وسُقوطِ منزلتهِم عند الله، وعندَ خَواصِّ عبادِهِ العارفين بهِ.كما قال الحسنُ -رحمه الله- فيهم: إِنَّهُمْ وَإِن طقطَقَتْ بهم البغالُ وهملجَت بهمُ البرَاذِينُ فَإِنَّ ذُلِّ المعصيةِ فِي رِقَابهم، أبى الله إلا أن يُذلَّ مَنْ عَصَاهُ.
    واعلْمْ أَنَّ حُبَّ الشَّرفِ بالحرصِ عَلَى نُفوذِ الأمرِ والنهي وتَدبيرِ أَمرِ الناسِ يزاحم ربوبية الله تعالى وإلهيتِهِ، وربما تسبب بعضُ هؤلاءِ إِلَى إيقاع الناس في أمر يحتاجُون فيه إِلَيْهِ؛ ليضطرِّهم بذلك إِلَى رفع حاجاتهم إِلَيْهِ، وظهورِ افتقارهم واحتياجهم إِلَيْهِ، ويتعاظم بذلك ويتكبَّرُ بِهِ، وهذا لا يَصلحُ إلا لله تعالى وحده لا شريكَ لى.
    عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "يَقُولُ الله تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، والْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا عَذَّبْتُهُ"
    أن يُحبُّ ذُو الشَّرفِِ والولايةِ أَن يُحْمَدَ عَلَى أفعالهِ ويُثنْى عليهِ بها، ويطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسَبَّبُ في أَذى من لا يُجيبُه إليهِ، ووهذا يدخلُ في قوله تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ}
    فإنَّ هذه الآيةَ إِنما نزلتْ فيمن هذه صفاتُهُ، وهذا الوصفُ -أَعني طلبَ المدح مِنَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ عَلَى تركهِ -لا يصلحُ إِلَّا لله وحدهُ لا شريكَ لهُ، ومن هنا كان أئمةُ الهدى ينهونَ عن حمدهِم عَلَى أعمالهم وما يصدُرُ منهم من الإحسانِ إِلَى الخلقِ، ويأمرونَ بإِضافةِ الحمدِ عَلَى ذلك إِلَى اللَّه وحدهُ لا شريكَ لهُ، فإِن النِّعم كلَّها منهُ.وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز -رحمه الله- شديد العنايةِ بذلكَ، وكتبَ مرةً إِلَى أهلِ الموسمِ كتابًا يْقرَأُ عليهم،

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    وفيه
    "ولا تحمدُوا عَلَى ذلك كُلِّهِ إلًا اللَّهِ، فَإِنّهُ لوْ وَكَلَني إِلَى نفسِي كنتُ كغيري"فالمُحِبّ نَ للَّه غَايةُ مقاصدهم من الخلقِ أن يحبوا الله ويُطعوهُلا يريدُون من الخلقِ جزاءً ولا شُكُورًا، وإِنما يَرجُون ثوابَ عمله من الله كما قال الله تعالى:
    {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 79] الآيتين
    قال - صلى الله عليه وسلم -: "لَا تُطرُونِي كَمَا أَطرَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبد، فقولُوا: عبدَ الله ورسُولهُ"
    .وكَانَ - صلى الله عليه وسلم - يُنكرُ عَلَى مَن لَا يتأدَّبُ معهُ في الخطاب بهذا الأدب، كما قال: "لَا تقُولُوا: مَا شَاءَ الله وَشَاءَ محمدٌ، بل قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ"
    وقال لمن قال: مَا شاءَ اللَّه وشئتَ: "أجعلتني لله ندًّا؟! بل ما شاءَ الله وَحْدَهُ"
    كما كانَ عبدُ الملكِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز -رضي اللَّه عنهما- يقولُ لأبيهِ في خلافتهِ إذا حرصَ عَلَى تنفيذِ الحقّ وإقامةِ العدلِ: يا أَبَتِ، لوَدِدْتُ أَني غَلتْ بي وبكَ القُدورُ في الله عزَّ وَجَلّ.

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    القسم الثاني:طلبُ الشَّرفِِ والعُلوِّ عَلَى الناس بالأُمور الدينيةِ
    ، كالعلمِ والعملِ والزُّهدِ.فهذا أفحشُ من الأولِ وأقبحُ وأشدُّ فسادًا وخطرًا، فإنَّ العلمَ والعملَ والزهدَ إنَّمَا يُطلبُ بها ما عند الله من الدرجات العُلَى والنعيمِ المقيمِ ويطلب بها ما عند الله والقربِ منهُ والزُّلفى لَديهِ
    قال الثوريُّ: إِنَّما فُضلَ العلمُ؛ لأنَّهُ يُتقى به اللَّه، وإلًا كَانَ كسائر الأشياءِ.فَإِذَ طلبَ بشيء من هذا عَرضَ الدُّنْيَا الفاني فهو -أيضَا- نوعانِ:أحدهما: أن يطلبَ به المالَ، فهذا من نوعِ الحرصِ عَلَى المالِ وطلبهِ بالأَسبابِ المحرَّمةِ.وفي هذا الحديث عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: " «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يعني: رِيحَها.
    ففي الدنيا في الدُّنْيَا جنةً مُعجَّلةً، وهي معرفةُ الله ومحبتُهُ، والأُنسُ به والشَّوقُ إِلَى لقائِهِ، وخشيتُهُ وطاعتُهُ، والعلمُ النافعُ يدلُّ عَلَى ذلك، فمن دلَّهُ علمهُ عَلَى دخول هذه الجنةِ المُعجَّلةِ في الدُّنْيَا دَخَلَ الجنةَ في الآخرةِ، ومن لم يشُم رائحتَها لم يشُم رائحةَ الجنةِ في الآخرةِ.ولهذا كان أشد الناس عذابًا في الآخرة عالمٌ لم ينفعهُ اللَّه بعلمهِ، وهو أشدُّ الناسِ حسرةً يومَ القيامةِ، حيثُ كان معهُ آلةٌ يتوصَّلُ بها إِلَى أعلى الدَّرجاتِ وأَرفعِ المقاماتِ، فلم يستعملها إلا في التوصُّل إِلَى أَخَسِّ الأمورِ وأدناهَا وأحقرِهَا، فهو كمن كان معهُ جواهرُ نفيسةٌ لها قيمةٌ، فباعَها ببعر أو شيءٍ مستقذَرٍ لا يُنتفَعُ بهِ، بل حالُ من يطلبُ الدُّنْيَا بعلمهِ، أقبح وأقبحُ وكذلك من يطلبُها بإظهارِ الزهدِ فيها، فإنَّ ذلكَ خداعٌ قبيحٌ جدًّا.

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    النوع الثاني: مَن يطلبُ بالعمل والعلم والزهد الرياسة عَلَى الخلقِ والتعاظُمَ عليهم، وأن ينقادَ الخلقُ ويخضعونَ لهُ ويصرفُونَ وُجوههُم إليهِ، وأن يُظهرَ للناسِ زيادةَ علمهِ عَلَى العُلماءِ ليَعلوَ بهِ عليهِم ونحو ذلك.
    عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُمَارِيَ بهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يُجَارِي بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يَصْرِفَ وُجُوهَ الناسِ إِلَيهِ أَدْخَلَهُ الله النَّارَ"
    عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه، عن النبيّ-صلى الله عليه وسلم-: "إِن أَوّلَ خلق تُسَعَّرُ بهمُ النَّارُ يومَ القيامةِ ثلاثة ... " منهُمُ العَالمُ الَّذِي قرأَالقُرْآنَ ليُقَالَ: قَارئ، وتعلَّمَ الْعلمَ ليقَالَ عَالمٌ، وأنَهُ يُقالُ لهُ: قدْ قِيلَ ذَلكَ، وأُمرِ بهِ فسُحبَ عَلَى وجهِهِ حتَّى أُلْقِيَ في النَّارِ. وذكر مثلَ ذلك في المتُصدِّق ليقال إِنَّهُ جَوادٌ، وفي المجاهدِ ليُقالَ إِنَهُ شُجاعٌ.
    وقال الحسنُ: لا يكونُ حظُّ أحدِكُم من العِلْم أن يقال عالمٌ.وفي بعض الآثارِ أنَّ عيسى عليه السلامُ قال: "كيفَ يكونُ من أهلِ العلمِ من يطلبُ العِلْم ليُحَدِّثَ بهِ ولا يطلبُهُ ليعملَ به؟! "

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    كراهة السلف الفتجرؤ على الفتيا
    عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أجْرَؤُكُم عَلَى الْفُتْيَا أَجرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ
    .وقال علقمة: كانوا يَقُولُونَ: أَجرؤُكُم عَلَى الفتيا أَقلُّكُم علمًا.وعن البراءِ قال: "أَدركتُ مائة وعشرين من الأنصارِ من أصحابِ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يُسأَلُ أحدُهُم عن المسأَلةِ مَا منهُم من أحد إِلَّا وَدَّ أن أخاهُ كَفاهُ".وفي روايةٍ: "فيرُدُّها هذا إِلَى هذا، وهذا إِلَى هذا حتى ترجع إِلَى الأوَّلِ".وعن ابنِ مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قال: "إِن الَّذِي يُفتي الناسَ فى كُل ما يَسْتَفْتُونَهُ لمجنون
    ".وسُئِلِ عمرُ بنُ عبد العزيزِ عن مسألةٍ، فَقَالَ: ما أَنا عَلى الفُتيا بِجَريءٍ.وكتبَ إِلَى بعضِ عُمَّالِهِ: إِني واللَّه مَا أَنا بِحَريصٍ عَلَى الفُتيا، ما وَجدتُ منها بُدًّا.
    أَعلمُ الناسِ بالفتوى أَسكَتُهُم، وأجهلُهُم بها أَنطقُهُم.
    وعن محمدِ بن واسعٍ قال: أَولُ من يُدعى إِلَى الحسابِ الفُقهاءُ. وعن ابن المنُكدرِ قال: إِنَّ العالمَ داخل بينَ اللَّه وبينَ خلقهِ، فلينظُرْ كيفَ يدخلُ عليهم.وكان ابنُ سيرينَ إذا سُئلَ عن الشيءِ من الحلالِ والحرامِ تغيرَ لونُهُ وتبدَّلَ، حتى كأنَّه ليسَ بالذي كانَ.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    كراهةُ الدّخولِ عَلَى الملُوكِ والدُّنُوِّ منهُم،
    وهُوَ البَابُ الَّذِي يدخُلُ منهُ عُلماءُ الدُّنْيَا إِلَى نيلِ الشَّرفِِ والرياساتِ فيها
    عن ابن عباس، عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَن ِاتّبَعَ الصَّيدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السَّلاَطين افتُتِن".وخرج أحمد، وأبو داود نحوه من حديث أبي هريرة "، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي حديثه: "وَمَا ازْدَادَ أَحَدٌ منَ السَّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ منَ اللَّه بُعْدًا".
    عن أبي هريرة، عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحَزَنِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا جُبُّ الحَزَنِ؟ قَالَ: «وَادٍ فِي جَهَنَّمَ تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهُ؟ قَالَ: «الْقَرَّاءُونَ الْمُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ »
    ومِنْ أَعظمِ ما يُخشى عَلى من يَدخلُ عَلَى الملُوكِ الظلمة أَن يُصدِّقَهم بِكَذِبهم، ويُعينَهُم عَلَى ظُلمهم ولو بالسكوتِ عن الإنكارِ عليهم، فإنَّ من يرُيدُ بدُخولهِ عليهم الشَّرفَ والرّياسةَ -وهو حريصٌ عليهم- لَا يقدمُ عَلَى الإنكارِ عليهم؛ بل رُبَّمَا حَسَّن لهم بعضَ أفعالهم القبيحة تقربًا إليهم لِيحسُنَ موقعُهُ عندهُم، ويُساعدُوه عَلَى غرَضِهِ. وكتبَ سُفيانُ الثوريُّ إِلَى عبَّادِ بن عَبَّادٍ، وكانَ في كتابهِ:"إِيَّاكَ وَالأُمراءَ أن تدنُو منهم أو تُخالطهم في شيء من الأشياءِ، وإياكَ أن تُخدَعَ ويقالُ لك: لتشفعَ وتدرأَ عن مظلومٍ أو تردَّ مظلمةً؛ فإن ذلك خديعةُ

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    كراهةُ أن يُشهرَ الإنسانُ نفسهُ للناسِ بالعلم والزهدِ والدِّينِ
    ، أو بإظهارِ الأعمالِ والأقوالِ والكراماتِ ليزار وتُلتمَسَ بركتُهُ ودُعاؤُه، وتقبيل يدُهُ وهُو مُحبٌّ لذلكَ ويُقِيمُ عليهِ ويفرحُ به أو يَسعى في أسبابهِ.
    وكان محمدُ بنُ واسعٍ يقولُ: لو أنَّ للذنوبِ رائحةً ما استطاعَ أحد أَن يُجَالِسَني
    .وكان إبراهيمُ النخعيُّ إذا دخلَ عليهِ أحدٌ وهو يقرأُ في المصحفِ غَطَّاهُ.
    قال مُطَرَّفُ بنُ عبدِ الله بن الشِّخِّير: كَفى بالنفس إِطراءً أَن تَذُمَّهَا عَلَى الملأ، كأنك تُريدُ بذمِّها زينتَهَا، وذلك عند الله سَفَهٌ. وأَصلُ محبةِ المال والشَّرفِِ. من حُب الدُّنْيَا، وأصل حُبِّ الدُّنْيَا اتّباعُ الهوى.
    قال وهبُ بنُ مُنبِّه: من اتّباع الهوى الرغبةُ في الدُّنْيَا، ومن الرغبةِ فيها حُبِّ المالِ والشَّرفِِ، ومِن حُبّ المالِ والشَّرفِ استحلالُ المحارمِ.

    قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    واعلمْ أَن النَّفسَ تُحبُّ الرِّفَعَةَ والعُلوَّ عَلَى أَبناءِ جنسِهَا، وَمن هُنا نشأَ الكِبرُ والحسدُ، ولكن العاقلَ يُنافسُ في العُلوِّ الدائم الباقي الَّذِي فيهِ رضوانُ اللَّه وقُربُهُ وجِوارُهُ، ويَرغَبُ عن العُلوِّ الفاني الزَّائلِ، الَّذِي يعقُبُهُ غَضبُ اللَّه وَسخطُه، وانحطاطُ العبدِ وسُفُولُه وبعدُهُ عَن الله وطردُهُ عنه، فهذا العُلوّ الفاني الَّذِي يُذَمًّ، وهو العتُوُّ والتكبرُ في الأرض بغيرِ الحَقِّ.
    وأما العُلوُّ الأوَّلُ والحرصُ عليهِ فهو محمودٌ
    .قال الله تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُو نَ}
    .وقال الحسن: إِذَا رَأَيتَ الرَّجلَ يُنافسكَ في الدُّنْيَا فنافِسْهُ في الآخرةِ.
    وقال وُهَيبُ بنُ الوَرْدِ: إِن استطعتَ أَن لَا يسبقَكَ إِلَى الله أَحدٌ فافعلْ.

    وأما العلوُّ الفاني المنُقطعُ الَّذِي يعقب صاحبَهُ غذا حَسرةً وندامةً وذِلَّةً وهَوانًا وصغارًا، فهو الَّذِي يشرعُ الزهدُ فيه والإِعراضُ عنهُ

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Aug 2014
    المشاركات
    569

    افتراضي

    وللزهدِ فيه أسبابٌ عديدةٌ
    :فمنها: نظرُ العبدِ إِلَى سُوءِ عاقبةِ الشَّرفِِ في الدُّنْيَا بالولايةِ والإمارةِ لمن لا يُؤدِّي حقَّها في الآخرةِ،
    ومنها: نظر العبد إِلَى عُقوبةِ الظَّالمينَ والمكذبين، ومن يُنازعُ اللَّه رِدَاء الكبرياءِ.
    ومِنها: نَظرُ العبدِ إِلَى ثَوابِ المتَواضعينَ للَّه في الدُّنيا بالرِّفعةِ في الآخرةِ؛ فإنه من تواضعَ لله رفَعَهُ
    .ومنها -وَلَيس هُو في قُدرَةِ العبدِ، ولكنَّهُ من فضلِ اللَّه ورَحمتِهِ-: مَا يُعوّضُ الله عِبادهُ العارفين به، الزاهدينَ فيمَا يفنى مِنَ المالِ والشَّرفِِ، ممَّا يُعجِّلُهُ الله لهم في الدُّنْيَا مِن شرفِ التَّقوى وهيبةِ الخلقِ لهم في الظَّاهرِ، ومن حلاوةِ المعرفةِ والإيمان والطَّاعةِ في الباطن.
    وكان حجاج بن أرطاةَ يقولُ: قَتلني حُبُّ الشَّرفِِ. فقالَ لهُ سَوَّارٌ: لَوِ اتقيتَ الله شَرفتَ.وفي هذا المعنى يقول القائل شعرًا:أَلَا إِنمَا التَّقْوَى هِيَ الْعِزُّ والْكَرَمُ ... وَحُبُّكَ لِلدُّنْيا هُوَ الذُّلُّ والسَّقَموَليسَ عَلَى عَبْدٍ تقيٍّ نقيصَة ... إِذَا حَقَّقَ التَّقوَى وَإنْ حَاكَ أَو حَجَم
    وقال ذو النون: مَن أكرمُ وأَعزُّ مِمَّن انقطَعَ إِلَى مَنْ مَلكَ الأَشياءَ بيدهِ؟دَخلَ محمدُ بنُ سُليمانَ أَميرُ البصرةِ عَلَى حمادِ بنِ سلمةَ وقعدَ بين يديهِ يسألُهُ فَقَالَ له: يا أَبا سلمة، مَا لي كلما نظرتُ إليكَ ارتعدتُ فرقًا منكَ؟ قال: لأَنَّ العالِمَ إِذَا أَرادَ بعلمه وجهَ الله خافَهُ كلُّ شيءٍ، وإنْ أَرادَ أن يُكثِّرَ بهِ الكُنوزَ خافَ مِن كلِّ شيءٍ
    وقال محمدُ بنُ واسعٍ: إِذَا أقبلَ العبدُ بقلبهِ عَلَى الله أَقبلَ اللَّه عليهِ بقلوبِ المُؤمنينَ
    وما أَحسنَ ما قال أبو الفتح البُسْتِيُّ
    :أَمْرَانِ مُفْتَرِقَانِ لَسْت تَرَاهُمَا ... يَتَشَوَّقَانِ لخلطة وَتَلَاقِي
    طَلَبُ الْمَعَادِ مَعَ الرِّيَاسَةِ وَالْعُلَى ... فَدَعِ الَّذِي يَفْنَى لِمَا هُوَ بَاقِي
    رحم الله ابن رجب هز القلوب واظهر العيوب ونرجو من الله ستر العيوب ويمن علينا بالتوب انه علام الغيوب
    والحمد لله رب العالمين

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    10,342

    افتراضي

    جزاك الله خيرًا
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •