مباحث أصولية من شرح العمدة لابن دقيق العيد
النتائج 1 إلى 13 من 13
6اعجابات
  • 1 Post By أبو محمد المأربي
  • 1 Post By أبو البراء محمد علاوة
  • 1 Post By أبو هاشم الأحمد
  • 2 Post By أبو محمد المأربي
  • 1 Post By أبو محمد المأربي

الموضوع: مباحث أصولية من شرح العمدة لابن دقيق العيد

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي مباحث أصولية من شرح العمدة لابن دقيق العيد

    المنهج: انتقائي على ترتيب الأحاديث مع الاستعانة بكلامه في كتبه الأخرى وكلام غيره فيما أشكل أو احتاج للتوضيح.

    للفائدة:
    من أشكل عليه شيء من كلام الإمام ابن دقيق العيد فليستعن بكلام من أخذ عنه من الشرّاح للأحاديث إن كان متعلقا بفقه الحديث كابن الملقن وأبي زرعة العراقي والحافظ ابن حجر وابن العطار والفاكهاني وغيرهم.
    وإن كان بحثاً أصوليا فليستعن بكلام الأصولين لا سيما أبحاث القرافي في الأصول فإني رأيت ابن دقيق العيد كثير المتابعة له من غير عزو في كثير من الأحيان.

    المبحث الأول: كلمة(إنّما) للحصر...
    قال رحمه الله في شرح حديث" إنما الأعمال بالنيات"[ الكلام على الحديث من وجوه:...
    الثاني:كلمة إنما للحصر، على ما تقرر في الأصول، فإن ابن عباس - رضي الله عنهما - فهم الحصر من قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الربا في النسيئة» وعورض بدليل آخر يقتضي تحريم ربا الفضل، ولم يُعارَض في فهمه للحصر وفي ذلك اتفاق على أنها للحصر.
    ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه.

    وهل نفيه عما عداه: بمقتضى موضوع اللفظ، أو هو من طريق المفهوم؟ فيه بحث.

    الثالث: إذا ثبت أنها للحصر: فتارة تقتضي الحصر المطلق، وتارة تقتضي حصرا مخصوصا. ويفهم ذلك بالقرائن والسياق.

    كقوله تعالى {إنما أنت منذر} وظاهر ذلك: الحصر للرسول - صلى الله عليه وسلم - في النذارة. والرسول لا ينحصر في النذارة، بل له أوصاف جميلة كثيرة، كالبشارة وغيرها.

    ولكن مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن، ونفي كونه قادرا على إنزال ما شاء الكفار من الآيات.

    وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي» معناه: حصره في البشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء؛ فإن للرسول - صلى الله عليه وسلم - أوصافا أخر كثيرة.

    وكذلك قوله تعالى {إنما الحياة الدنيا لعب} يقتضي - والله أعلم - الحصر باعتبار من آثرها. وأما بالنسبة إلى ما هو في نفس الأمر: فقد تكون سبيلا إلى الخيرات، أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل.

    فإذا وردت لفظة " إنما " فاعتبرها، فإن دل السياق والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص: فقل به.

    وإن لم يكن في شيء مخصوص: فاحمل الحصر على الإطلاق.ومن هذا: قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الأعمال بالنيات» والله أعلم].

    وقال رحمه الله في شرح الإلمام بأحاديث الأحكام (5/ 35- 37): [قد تبيّن في علم الأصول أن كلمة (إنَّما) للحصر، والحصرُ فيها على وجهين:
    أحدهما: أن لا يكون فيما دخلت عليه تخصيصٌ، ولا تقييد {إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}.

    الثاني: أن يقعَ التقييدُ فيما دخلت عليه: إما في جانب الإثبات: بأن يكون هو المقصود.

    أو في جانب النفي: بأن يكون هو المقصود، والقرائنُ ترشد إلى المراد، وهي من العُمَد الكبرى في فهمه {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ}، فإن جميع هذه الأوصاف التي دخلت عليها (إنما) ليست على العموم، بل يختصّ كونها لعباً ولهواً بمنْ لا يريدُ بعمله فيها الآخرةَ والتزودَ إليها، والرسولُ - صلى الله عليه وسلم - لا ينحصر في النذارة ولا البشريَّة، بل له أوصاف أخرى جليلة زائدة على البشرية والنذارة، ولكن فُهِم منه: أنه ليس على صفة تقتضي العلم بالغيب لذاتها، في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي"، وفي {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} في الآية الكريمة، نفهم منه: أنه ليس قادراً على خَلْقِ الإيمان، قهراً لِسَبْقِ قوله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ}، {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} أي - واللهُ أعلمُ -: لا أقدر على إجبارِكم على الإيمانِ، وكذلك أمرُ النذارةِ لا ينحصرُ فيها - صلى الله عليه وسلم - {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.

    إذا عرفتَ هذا فنقولُ: إن دلت القرائنُ والسياقُ على التخصيصِ، فاحملْه على العموم فيما دخلَتْ عليه، وعلى هذا حَمَل ابنُ عباس: "إنما الرِّبا في النَّسيئة" على العموم، حتى نفى ربا الفضل، وقيل: إنه رجعَ عنه، وحملَ غيرُهْ "إنما الماء من الماء" على ذلك، ولم يوجِبِ الغسلَ بالتقاء الختانَيْن، ومن خالفَ في الأمرين فبِدليلٍ مِنْ خارج].
    وقال في شرح الأربعين:[ولفظة: "إنما" للحصر: تثبت المذكور وتنفي ما عداه وهي تارة تقتضي الحصر المطلق وتارة تقتضي حصراً مخصوصاً ويفهم ذلك بالقرائن كقوله تعالى: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ} 2. فظاهره الحصر في النذارة والرسول لا ينحصر في ذلك بل له أوصاف كثيرة جميلة: كالبشارة وغيرها وكذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} 3 فظاهره والله أعلم الحصر باعتبار من آثرها وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سبباً إلى الخيرات ويكون ذلك من باب التغليب فإذا وردت هذه اللفظة فاعتبرها فإن دل السياق والمقصود من الكلام الحصر في شيءٍ مخصوص: فقل به وإلا فاحمل الحصر على الإطلاق ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" والمراد بالأعمال: الأعمال الشرعية. ومعناه: لا يعتد بالأعمال بدون النية مثل الوضوء والغسل والتيمم وكذلك الصلاة والزكاة والصوم والحج والاعتكاف وسائر العبادات، فأما إزالة النجاسة فلا تحتاج إلى نية لأنها من باب الترك والترك لا يحتاج إلى نية، وذهب جماعة إلى صحة الوضوء والغسل بغير نية]

    تعليق...

    - يراجع للفائدة كلام الأصوليين واختلافهم في إفادة (إنما) للحصر رسالة:" النفي والإثبات عند الأصوليين" ص409 وما بعدها.

    - قوله:" ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه" أحسن منه قول ابن تيمية رحمه الله:(وصيغة الحصر يُنفَى بها ما كان من جنس المثبت، لا يُنفى بها كلّ ما سوى المثبت؛ كقوله{إنما أنت منذر ولكل قوم هاد}{فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر} فهو لم ينف جميع الصفات سوى الإنذار؛ فإنه مبشر مع كونه منذر، وهو شاهد وادع إلى الله تعالى... وإنما مقصوده: نفي كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء؛ ولهذا قال:{ولكل قوم هاد} فاخبر عما طلبه المشركون حيث قال:{ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه} فقال تعالى:{ إنما أنت منذر} لست الذي ينزل الآيات، بل هذا إلى الله) الرد على السبكي (1/ 465)

    - قوله رحمه الله:(وهل نفيه عما عداه بمقتضى موضوع اللفظ، أو هو من طريق المفهوم؟) يراجع من شرح ألفية البرماوي في أصول الفقه (3/ 1029- ) ورفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب (4/ 14) وسلاسل الذهب (ص286).

    - فائدة الخلاف في ما لو قال: إنما قام زيد، ثم قال: وعمرو مثلا...
    فمن قال: إنما تفيد الحصر بالمفهوم جعلَه تخصيصا لعموم المفهوم.
    ومن قال: إنها تفيد الحصر بالمنطوق جعله نسخاً.

    - قال ابن تيمية رحمه الله:(والقول بأن مثل هذا يفيد الحصر والعموم قول جماهير أهل العلم، وهو معروف من قول أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما، لكن تنازعوا: هل يفيده بطريق المنطوق أو بطريق المفهوم؟ على قولين، ومن قال: إنه بطريق المفهوم جعله أعلى مراتب المفهوم، أعلى من مفهوم الغاية وغيره، وجعل الخلاف في ذلك شاذاً ليس كالخلاف في مفهوم الصفة والعدد.
    والصحيح: أنه يفيده بطريق المنطوق لا بطريق المفهوم الذي هو دليل الخطاب، فإن ذلك إنما يكون فيما سكت عنه المتكلم، فيدل المنطوق على المسكوت أما لتخصيصه بالذكر مع تمام المقتضي للتعميم، وقصد التخصيص بالحكم يتضمن نفي حكم المنطوق عن المسكوت، سواء انتفى عن جميع أفراده أو كان في نفيه عن بعضها تفصيل وتقييد، فقصد تخصيص المذكور بالحكم = يبين أنه ليس حكم المسكوت كحكم المنطوق، ويكفي في ذلك الخلاف من بعض الوجوه)
    وأطال البحث إلى أن قال:
    (فدلالة (إنما) على النفي والإثبات بطريق اللفظ، وكذلك الدلالة بأدلة التعريف مع حذف إنما إذا قيل:" الماء من الماء" و" تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" فإن اسم الجنس المعرّف بلام الجنس يقتضي الاستغراق عند جماهير السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولا يعرف في ذلك نزاع بين القرون الثلاثة....).

    - المشهور أن أدوات الحصر خمسة:

    الأول: (إنما) وقد سبق.
    الثاني: النفي قبل إلا، مثل: ما قام إلا زيد، ولم يقم إلا زيد، ليس في الدار إلا زيد.
    الثالث:
    المبتدأ مع الخبر، لأن المبتدأ ينحصر في الخبر مثل "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم".
    الرابع:
    تقديم المعمولات على عواملها مثل:{إياك نعبد وإياك نستعين}{وهم بأمره يعملون}
    الخامس:
    لام التعريف (الألف واللام) كقولك: زيد القائم، أبو بكر الصديق الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كأنك تقول: القيام منحصر في زيد، والخلافة بعد رسول الله منحصرة في الصديق.




    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    9,736

    افتراضي

    تبارك الله، موفق مسدد
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو محمد المأربي
    صفحتنا على الفيس بوك:
    https://www.facebook.com/albraaibnazep

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    خلاصة ما سبق في القاعدة الأولى: إفادة (إنما) للحصر- ومعنى الحصر فيها: إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه- وينقسم إلى حصر مطلق (الحقيقي) وهو الأكثر والغالب، وإلى حصر مخصوص (الإضافي) ويفهم ذلك بالقرائن والسياق- وهل نفي الحكم عن المسكوت بمقتضى اللفظ، أو هو من طريق المفهوم؟ فيه خلاف، والراجح أنه من طريق اللفظ. وتظهر فائدة الخلاف: في التخصيص والنسخ، أو الترجيح بين المفاهيم عند التعارض.
    .............................. .............................. .....
    المبحث الثاني في القاعدة الثانية:(نفي القبول عن العبادة أو عن الفعل ماذا يدل في الأصول والفقه؟) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ". الحديث الثاني من العمدة.
    قال رحمه الله:(الكلام عليه من وجوه:
    أحدها: " القبول " وتفسير معناه.
    قد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، كما قالوا في قوله - صلى الله عليه وسلم - «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» أي من بلغت سن المحيض. والمقصود بهذا الحديث: الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في
    صحة الصلاة.
    ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلا على انتفاء الصحة.
    وقد حرّك المتأخرون في هذا بحثا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة، كالعبد إذا أبق لا تقبل له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافا. وفي شارب الخمر.
    فإذا أريد تقرير الدليل على انتفاء الصحة من انتفاء القبول.
    فلا بد من تفسير معنى القبول، وقد فسر بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء. يقال: قبل فلان عذر فلان: إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه.وهو محو الجناية والذنب. فإذا ثبت ذلك فيقال، مثلا في هذا المكان: الغرض من الصلاة: وقوعها مجزئة بمطابقتها للأمر. فإذا حصل هذا الغرض: ثبت القبول، على ما ذكر من التفسير.
    وإذا ثبت القبول على هذا التفسير: ثبتت الصحة.وإذا انتفى القبول على هذا التفسير: انتفت الصحة.
    وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن " القبول " كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها. و " الإجزاء " كونها مطابقة للأمر والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما
    أخص من الآخر: لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.

    و" القبول " على هذا التفسير: أخص من الصحة، فإن كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولا.
    وهذا - إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة فإنه يضرّ في الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، كما حكينا عن الأقدمين.اللهم إلا أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة.فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة حينئذ.
    ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفي عنها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل، أو تخريج جواب.
    على أنه يرد على من فسر " القبول " بكون العبادة مثابا عليها، أو مرضية، أو ما أشبه ذلك - إذا كان مقصوده بذلك: ألا يلزم من نفي القبول نفي الصحة: أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي: أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببا للثواب والدرجات والإجزاء. والظواهر في ذلك لا تنحصر).

    تعليق:

    1- لخّص كلامَ الإمام من جاء بعده ممن تكلّم في فقه الحديث كابن العطار في العدة في شرح العمدة (جـ1 ص52) وابن سيد الناس في شرح الترمذي (جــ1 ص48) و(جـ 2 ص 211)، والفاكهاني في رياض الأفهام (جـ 1 ص 42) وابن رجب الحنبلي في شرح الحديث العاشر من الأربعين، وابن الملقن في شرح صحيح البخاري (جـ 4 ص17).

    2- استدل العلماء بالحديث على اشتراط الطهارة للصلاة ووجه الاستدلال: أن نفي القبول يدل على نفي الصحة، وقد نُفِي القبول عن صلاة غير المتطهر فدلّ على أن الصلاة بغير وضوء باطلة.
    فعلى هذا يفسّر القبول بمعنى الصحة، والصحة بمعنى القبول، والصحيح من العبادات لا يكون إلا مقبولا، ولا يكون مردودا إلا ويكون باطلا. انظر: الواضح في أصول الفقه لابن عقيل (جـ3ص245).

    3- أستشكل تفسير القبول بهذا المعنى لأنه قد جاء نفي القبول عن العبادة مع ثبوت الصحة في مواضع؛ كالعبد الآبق كما في قوله عليه السلام:" إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة".
    وفي من أتى عرافا كما في قوله:" من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة".
    وفي شارب الخمر:" لم تقبل له صلاة أربعين يوما".
    فهذه الأحاديث فيها نفي القبول عن صلاة هؤلاء مع ثبوت الصحة بالإجماع كما حُكِي.
    ولهذا لم يؤمروا بإعادة الصلاة، والقول بأن نفي القبول يعني نفي الصحة معارَض بهذه الأحاديث ونحوها.
    قال الصنعاني في حاشية العدّة:(وحمل لفظ واحد على معنى في محلّ، وعلى معنى آخر في غيره، من دون دليل تحكّم، فلا بدّ من القول بأنه لا صحة في الكل، أو أنها تصحّ في الكل، أو إقامة دليل على الفرق].

    ونظراً لدلالة هذه الأحاديث وما نقل من الإجماع يقال: القبول أخصّ من الصحة، والصحة أعم من القبول، فكل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولا: [والمعنيان إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص من الآخر لم يلزم من نفي الأخص نفيُ الأعم].
    وإذا كان الأمر كذلك [يُحتاج في تلك الأحاديث التي أتى فيها نفي القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج جواب].

    4-استفاد كثير من الأصوليين من هذا البحث الذي حرّره ابن دقيق العيد في تفسير القبول واختلاف الناس فيه، والإشارة إلى الإشكال الذي يرد على كلا التفسيرين.
    انظر على سبيل المثال: تشنيف المسامع بجمع الجوامع (جـ2 ص639) والغيث الهامع شرح جمع الجوامع (جـ1 ص285)، والتحبير شرح التحرير في أصول الفقه (جـ3ص1100-)، وشرح الكوكب المنير (جـ1 ص469- 472).

    5- حرّر بعض المحققين جوابا تجتمع به الأحاديث فقال ابن العراقي رحمه الله في طرح التثريب (جـ2 ص214):
    [والذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها وكونها مستوية في نفي القبول فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض أنّه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة لكنا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول فإن كان ذلك العمل قد اقترنت به معصية علمنا أنّ عدم قبول ذلك العمل إنما هو لوجود تلك المعصية فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضيلكنه صحيح في نفسه لاجتماع الشروط والأركان فيه، وهذا كصلاة العبد الآبق وشارب الخمر وآتي العراف فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم، وإن لم يقترن بذلك العمل معصية فعدم قبوله إنما هو لفقد شرط من شروطه فهو حينئذ غير صحيح؛ لأنّ الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وهذا كصلاة المحدّث والمرأة مكشوفة الرأس فإنّ الحدث وكشف المرأة رأسها حيث لا يراها الرجال الأجانب ليس معصية فعدم قبول هذه العبادة إنّما هو لأنّ ضدّ الحدث الّذي هو الطّهارة شرط في صحة الصّلاة، وكذلك ضدّ الكشف وهو الستر شرط في صحة الصلاة ففقدت الصحة لفقد شرطها. فاعتبر ما ذكرته تجد جميع الأحاديث ماشية عليه من غير خلل ولا اضطراب].

    وقال أيضا:[الذي ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول، ولم تنتف معه الصحة - كصلاة شارب الخمر ونحوه - أنا ننظر فيما نفي فيه القبول، فإن قارنت ذلك الفعل معصية - كحديث شارب الخمر ونحوه - أجزأ، فانتفاء القبول، أي: الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه، وإن لم يقارنه معصية - كحديث " لا صلاة إلا بطهور " ونحوه - فانتفاء القبول سببه انتفاء الشرط، وهو الطهارة ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط] الغيث الهامع (جـ1ص286) والتحبير شرح التحرير (جـ3 ص1104).

    قلت: وذكر هذا التحقيق أيضا الإمام ابن القيم باختصار في تهذيب السنن (جـ 1 ص20): (إن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه، وقد يكون لمقارنة محرّم يمنعُ من القبول، كالإباق، وتصديق العرّاف، وشرب الخمر، وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة ونحوه).

    وهذا تحرير حسن ولهذا استحسنه الشيخ صالح آل الشيخ في شرح الورقات بعد نقله عن ابن العراقي قائلا: [
    وهذا ضابط عندي حسن، لأنه يمكن ضبط كثير من المسائل به]


    الخلاصة
    : إذا اقترن نفي القبول بذكر معصية في النص فنفي القبول بمعنى عدم الثواب والعبادة صحيحة، وكأن إثم المعصية غلب على ثواب الطاعة.

    وإن لم يقترن نفيُ القبول بذكر معصية في النص فنفي القبول يعني: عدم صحة العبادة إما لفوات ركن أو شرط لها.

    6- قوله رحمه الله:[وقد حرّك المتأخرون في هذا بحثا] يشير - والله أعلم - إلى بحث عصريّه شهاب القرافي فإنه قد حرّك هذا البحث كما ذكر ابن دقيق في الفروق (جـ2ص98-) طبعة دار القلم، وفي نفائس الأصول شرح المحصول (جـ1ص329).

    تنبيه: كلام ابن دقيق العيد السابق في إفادة (إنما) للحصر المطلق والمخصوص بحسب القرائن صادر عن كلام القرافي، وبعضه منقول بالحرف من نفائس الأصول شرح المحصول (جـ3ص1082).



  4. #4
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث الثالث
    القاعدة الثالثة [جمع طرق الحديث قبل الحكم عليه والاستدلال به]

    ذكر الشيخ ابن دقيق العيد في شرح حديث رقم (3)" ويل للأعقاب من النار" بعض القواعد الأصولية، منها هذه القاعدة: [والصواب- إذا جُمعت طرق الحديث-: أن يستدل بعضها على بعضٍ، ويجمع ما يمكن جمعه، فبه يظهر المراد].
    وقال أيضًا في شرح حديث (38): [
    والحديث إذا اجتمعت طرقه فسَّر بعضُها بعضًا].

    تعليق
    هذه القاعدة من قواعد الاستنباط والفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب على الفقيه والمحدّث على حدّ سواء: جمع طرق الحديث وتفسير بعضها ببعض كحديث واحد قبل الحكم عليه أو الاستنباط؛ لأنها من مشكاة واحدة بشرط السلامة والثبوت.

    وهذه القاعدة يعتبرها أهل الحديث والنقاد في الحكم على الحديث وفي فهمه واكتشاف العلل كما يعتبرها الفقهاء.
    قال الإمام أحمد رحمه الله:(الحديث إذا لم تَجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا) الجامع لأخلاق الراوي (جـ2 ص315).
    وقال العلامة ابن القيم رحمه الله:(ألفاظ الحديث يبيّنُ بعضُها بعضًا، وهي تبيِّنُ مراده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يتعلّق بلفظ منها ويترك بقيّـتها)كتاب الصلاة (ص278).

    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (إن المتعيّن على مَنْ يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها، ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحَّت الطرق، ويشرحها على أنها حديث واحد؛ فإن الحديث أولى ما فسّر بالحديث) فتح الباري (جـ 6 ص475).

    هذا، وقد اعتنى الإمام ابن خزيمة رحمه الله بهذه القاعدة في كتاب التوحيد له وفي صحيحه أيضا، ومما قال في هذا السياق:(فأصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم ربما اختصروا أخبار النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا حدّثوا بها، وربما اقتصّوا الحديث بتمامه، وربما كَانَ اختصار بعض الأخبار، أو بعض السامعين يحفظ بعض الخبر، ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن،فإذا جمعت الأخبار كلها علم حينئذ جميع المتن والسند دل بعض المتن عَلَى بعض؛ كذكرنا أخبار النّبيّ صلى الله عليه وسلم فِي كتبنا نذكر المختصر منها والمقتصى منها والمجمل والمفسر، فمن لم يفهم هذا الباب لم يحل لَهُ تعاطي علم الأخبار ولا ادعاءها).

    [وهذه الأخبار تدل على صحة مذهبنا: أن الأخبار رويت على ما كان يحفظها رواتها، منهم من كان يحفظ بعض الخبر، ومنهم من كان يحفظ الكلّ، فبعض الأخبار رويت مختصرة، وبعضها متقصّاة؛ فإذا جمع بين المتقصّي من الأخبار، وبين المختصر منها بان حينئذ العلم والحكم]

    وقال في حديث إخراج شاهد أن لا إله إلا الله من النار:

    [أفْرَقُ أن يسمع به بعض الجهال؛ فيتوّهم أنّ قائله بلسانه من غير تصديق قلب يخرج من النار جهلاً وقلّة معرفة بدين الله وأحكامه، ولجهله بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم مختصرها ومتقصاها.
    وإنا لتوّهم بعض الجهال أن شاهد لا إله إلا الله من غير أن يشهد أن لله رسلاً وكتبًا وجنة ونارا وبعثا وحسابا يدخل الجنة أشد فَرَقًا؛ إذ أكثر أهل زماننا لا يفهمون هذه الصناعة ولا يميزون بين الخبر المتقصى وغيره، وربما خفي عليهم الخبر المتقصى؛ فيحتجون بالخبر المختصر! يترأسون قبل التعلّم قد حرموا الصبر على طلب العلم، ولا يصبروا حتى يستحقوا الرئاسة فيبلغوا منازل العلماء].
    ويقول الإمام أبو عمرو بن الصلاح في حديث "الإيمان يمان" (لو جمع أبو عبيد ومن سلك مسلكه طرق الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره، وتأمّلوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر، ولقضوا بأن المراد بذلك: اليمن وأهل اليمن على ما هو مفهوم من إطلاق ذلك) صيانة صحيح مسلم (ص212).

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث الرابع
    القاعدة الرابعة: [
    الأمر ظاهر في الوجوب ولا يحمل على الندب إلا لقرينة ودليل].

    ذكر الإمام ابن دقيق العيد في شرح حديث رقم (4)" إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً، ثم لينثر...، وإذا استيقظ أحدكم فليغسل يديه قبل أن يدخلها في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" عدّة قواعد، منها هذه القاعدة:[وظاهر الأمر الوجوب] [إن الأمر وإن كان ظاهره الوجوب إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل]
    وسياتي للشيخ تقرير للقاعدة بأبسط من هذا في الأحاديث الآتية إن شاء الله.

    تعليق

    تكلّم الشيخ في حكم الاستنشاق في الوضوء وغسل اليدين قبل إدخالها في الإناء واختلاف الفقهاء في الوجوب وعدمه.


    وذكر مستند مالك والشافعي في عدم إيجاب الاستنشاق وقال:(وحَمَلا الأمر على الندب، بدلالة ما جاء في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي" توضّأ كما أمرك الله" فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق).
    والمعنى: أنّ الحوالة على آية الوضوء التي لم يُذكر فيها الاستنشاق والمضمضة قرينة صارفة للأمر عن الوجوب إلى الندب، فترجّح بهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة على مذهب أحمد وإسحاق وداود وأبي ثور.

    وظاهر التقرير في (شرح العمدة): الميل إلى عدم الوجوب، لكن بالرجوع إلى (شرح الإلمام) تبيّن أنه يميل إلى الوجوب وعدم تأويل ظاهر الأمر.

    وهذا كلام الشيخ الدالّ لما ذكرتُ:(والطائفة الذين قالوا: إنَّهما سُنَتَّانِ، في مذهبِهِم مُخالفَةٌ لظاهرِ هذا الأمرِ. وقد كَثُرَ الاعتذارُ عن ذلِكَ بما جاءَ في الحديثِ من الحوالةِ في الوضوءِ علَى ما أمرَ الله بهِ؛ كالقولِ للأعرابيِّ: "توضَّأَ كَمَا أَمَرَكَ الله"، فحَمَلوهُ علَى الحوالةِ علَى ما في القرآنِ، وليسَ فيهِ ذكرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ، والموضعُ موضعُ بيانٍ لا يجوزُ تأخيرُ ذكرِ شيءٍ منَ الواجباتِ عنهُ.وقد يُنازعونَ في أنَّ المرادَ الحوالةُ علَى ما في القرآنِ، فإنَّ أمرَ الله أعمُّ من ذلكَ، وبهذا الدليلِ حملوا الأمرَ علَى الاستحبابِ. ورُبَّما أُخرِجَ عن ظاهرهِ بأقيسَةٍ شَبهيةٍ تدُلُّ علَى عدَمِ الوجوبِ، ولسنا ننَشطُ لذكرِ مثلَ ذلكَ).
    وقال أيضا:(فيه الأمرُ بالمضمضَةِ، وظاهِرُهُ الوجوبُ، فلِمَنْ يقولُ بذلكَ الاستدلالُ، وعلَى من يُخرجُهُ عن ظاهِرِه الدليلُ. وكثيراً ما يخرجونَهُ عن الظاهرِ بما في الحديثِ: "توضأ كَمَا أمَرَكَ الله"، فجعلوه إحالةً علَى ما في الكتابِ العزيزِ، وليسَ فيهِ ذِكرُ المضمَضَةِ والاستنشاقِ.
    وعليهِم فيهِ تشغيبٌ من وجوه:
    أحدها: منعُ الحوالةِ علَى ما في الكتابِ العزيزِ، فإنَّ أمرَ اللهِ أعمُّ من ذلِكَ.
    وثانيها: أنَّ الأمرَ بالمضمضَةِ والاستنشاقِ زائدٌ في الدلالةِ علَى ما دلَّ عليهِ الكتابُ العزيزُ، والأخذُ بالزائدِ مُتعيِّنٌ.
    وثالثها: مُنازعةُ مَن نازعَ في أنهما لا يدخُلانِ في اسمِ الوجهِ، وادعاءُ أنَّهما منهُ، والاتكالُ علَى الأخذِ من المواجهةِ ضعيفٌ. ويتبينُ من هذهِ الروايةِ بُطلانُ قولِ من فرَّقَ بينَ الاستنشاقِ والمضمضَةِ، حيثُ أوجَبَ الاستنشاقَ دونها مُعَلِّلاً بورودِ الأمرِ بالاستنشاقِ، فقد وردَ هاهُنا الأمرُ بالمضمضةِ أيضاً، ولعلَّهُ لم يبلغْ مَن فَعَلَ ذلكَ، والله أعلمُ)

    وظاهر هذا التقرير:أنه لا يرى الإحالة قرينة للاستحباب بخلاف سكوته في شرح العمدة.

    وبما أن هذه المسألة من مسارح الأنظار ومسالك الاجتهاد العالي فلنذكر شيئا من حجاج الفريقين لإمتاع الإخوة، وللتدرّب على الإيراد والإصدار.

    (1) حجج القائلين بالوجوب في وجوه:

    الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما توضّأ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ أنه أخلّ به مرّة واحدة، مع اقتصاره في بعض الأحيان على أقلّ ما يجزئ من الوضوء حين توضّأ مرة مرة، ولو كان مستحبا لأخلّ به ولو مرّة لبيان جواز الترك كما ترك المرة الثانية والثالثة.

    الوجه الثاني: إن قيل: الفعل أو الاستمرار لا يدل على الوجوب، فقد أُمِر بهما في أحاديث مشهورة، والأمر للوجوب، وليس لها معارض يعتدّ به.

    الوجه الثالث: الإحالة على ما أمر الله به ليس صريحا في آية الوضوء؛ لأن أمر الله أعمّ من ذلك فيشمل أمرَ الرسول وفعله عليه السلام. وكأنه قيل للأعرابي: توضّأ كما يجب، ولا ينحصر الأمر في القرآن. ومن أين لنا أن ذلك الأعرابي كان يقرأ القرآن؟ وحينئذ فالرجوع إلى القرآن والسنة عنده سيّان،والاحتمال إذا دخل الدليلَ بطل به الاستدلال.

    الوجه الرابع: أنّ الله أمر بغسل الوجه مجملاً، وفسّره النبي عليه السلام بأمره وفعله وتعليمه.

    ولو سلّمنا بأنّ فعله لا يقتضي الوجوب، فهاهنا أمرُه وتعليمه للناس. على أنّ الفعل إذا خرج امتثالاً لأمرٍ، كان حكمُ الفعل حكمَ ذلك الأمر في اقتضاء الوجوب، فتعاضد الفعل والأمر في الدلالة على الوجوب، ولا أبين من هذا في الوجوب.

    (2) مناقشة الجمهور لحجج الموجبين وذكر حجتهم على الاستحباب.

    أجاب الجمهور عن هذا بأن قالوا: هذه الحجج ترجع إلى أمور ثلاثة:
    الأول: حمل الأمر في المضمضة والاستنشاق على الوجوب.

    الثاني:
    دلالة الاستمرار وعدم الإخلال بهما ولو مرة.


    الثالث:
    عدم تعيّن آية الوضوء للإحالة للاحتمال في أمر الله.


    والجواب من وجوه:

    الوجه الأول: لو حُمِل الأمر على الوجوب لكان وجوب الاستنشاق والمضمضة زيادةً تمنع إجزاءَ المزيد عليه من دونهما. وآية الوضوء تقتضي إجزاء الأعضاء الأربعة من دونهما، والأمر بالاستنشاق والمضمضة على وجه الوجوب يقتضي عدم الإجزاء. فيتعارض الدليلان (الآية والحديث) ويلزم النسخ،والقطعي لا يُنسخ بالظني، فيجب حمل الأمر فيهما على الندب.

    الوجه الثاني: بيان التعيين وبطلان الاحتمال في قوله: "توضّأ كما أمرك الله" فنقول: الأمر المحال عليه هو: أمر الله في آية الوضوء؛ بدليل حديث المسيء صلاته:" لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين". بيّنت هذه الرواية: أن المراد بما أمره الله هو أمر الله في الآية فبطل الاحتمال ولزم التعيّن.

    الوجه الثالث: لا نسلّم الاستمرار وعدم الإخلال بهما ولو مرة؛ لما قد جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:" أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السبّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسبّاحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وظلم أو ظلم وأساء".
    والمقام مقام بيان وتعليم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو كانا واجبين لما تركهما النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المقام.

    (3) جواب الموجبين عن الاعتراضات من وجهين:
    الوجه الأول: النسخ بيان انتهاء الحكم الشرعي، والإجزاء اختلف في كونه حكماً عقليّا أو شرعيا. فإن قلنا: الإجزاء (إجزاء الوجه واليدين...) من دون الاستنشاق والمضمضة حكم عقليّ، فلا يُسمّى رفعه بالحديث نسخاً. وإن قلنا: الإجزاء حكم شرعي فلا ريب أن رفعه نسخ.

    الوجه الثاني: استدلالكم بعدم الذكر على عدم الوقوع لا نسلّم لأن عدم ذكر المضمضة... لا يستلزم عدم الوقوع في وضوئه عليه السلام؛ لأنّه يحتمل أن الراوي اختصر الحديث فلم يذكرهما؛ ولأنّ كلّ من روى صفة وضوئه عليه السلام قد ذكرهما في وضوئه كعثمان بن عفان وعبد الله بن زيد رضي الله عنهما.

    (4) اعتراض القائلين بالندب على هذا من وجهين:

    الوجه الأول: عدم الذكر ظاهر في عدم الوقوع، والأصل عدم الاختصار في الرواية.

    الوجه الثاني: الإجزاء بمعنى الصحة حكم شرعيّ، وهو موافقة أمر الشارع أو سقوط القضاء.. فإذا لم يجز الاكتفاء بالوجه واليدين والرأس والرجلين بدون الزيادة (المضمضة والاستنشاق) فليس هو الواجب الأوّل ويلزم النسخ. وإن صحّ الاكتفاء بالمزيد عليه من دون الزيادة تعيّن الاستحباب. فأنتم بين أمرين لا ثالث لهما. إما القول بالنسخ، وهو باطل عندنا وعندكم. وإما الاستحباب وهو قولنا، ويبطل قولكم على كل تقدير.

    (5) أجاب الموجبون عن هذا الاعتراض من وجهين:

    الوجه الأول: لا نسلّم بأن الأصل عدم الاختصار، وعدم الذكر وإن كان ظاهراً في عدم الوقوع إلا أننا تركنا الظاهر لوجود احتمالٍ في الاختصار، ولوجود أوامرَ صريحة في المضمضة والاستنشاق ظاهرة في الوجوب، ولكثرة من ذكرهما في صفة وضوئه عليه السلام؛ ولكلام في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه.
    من أجل هذه الدلائل تركناه لأنها أقوى منه وأرجح فبطل القول بالاستحباب ولزم الوجوب إذ لا واسطة بينهما في القرب والعبادات.

    الوجه الثاني: أما الإلزام بالنسخ فليس بشيء؛ لأنه إنما يلزم إذا قلنا: إن الآية غير مجملة، ونحن نقول بالإجمال.والقاعدة في الأصول: أن بيان المجمل يعتبر مُراداً من المُجمل، وإلا لم يكن بيانا لمدلول المجمل، فأمر النبي بالمضمضة والاستنشاق وفعله مرادٌ من قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} لكون فعله وقوله بياناً للآية، فتكون الزيادة على هذا ثابتة بالكتاب والسنة.

    هذا منتهى حجج الفريقين في الإيجاب والاستحباب، ولعلي لم أترك حجة تذكر للطائفتين، وقد تعبت في الجمع من كلام العلماء والتقريب للأفهام فلا تبخلوني من صالح دعائكم. والله المستعان.





  6. #6
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث الخامس...
    القاعدة الخامسة: [
    الأمر إذا علّل بالشّك لا يقتضي الوجوب إذا كان خلاف الأصل].

    قال رحمه الله في فوائد الحديث الرابع: [الخامسة: ذهب بعضهم إلى وجوب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء، عند الاستيقاظ من النوم، لظاهر الأمر... وذهب غيرهم إلى عدم الوجوب مطلقا. وهو مذهب مالك والشافعي. والأمر محمول على الندب.
    واستدل على ذلك بوجهين.
    أحدهما: ما ذكرناه من حديث الأعرابي.
    والثاني: أن الأمر - وإن كان ظاهره الوجوب - إلا أنه يصرف عن الظاهر لقرينة ودليل، وقد دل الدليل، وقامت القرينة ههنا. فإنه صلى الله عليه وسلم علّل بأمر يقتضي الشك. وهو قوله «فإنه لا يدري أين باتت يده؟» والقواعد تقتضي: أن الشك لا يقتضي وجوبا في الحكم، إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجودا. والأصل: الطهارة في اليد، فلتستصحب. وفيه احتراز عن مسألة الصيد].

    التعليق...

    1- أقرّ كلام الشارح المحقّق أكثر من جاء بعده كالإمام ابن العطار في العدّة في شرح العمدة، والحافظ ابن سيد الناس في النفح الشذي في شرح الترمذي، والإمام الفاكهاني في رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام، والحافظ ابن حجر في فتح الباري، والمناوي في فيض القدير، والشيخ حسين المغربي في البدر التمام شرح بلوغ المرام في آخرين.

    2- أوّل من عَلِمتَه ذكر هذه القاعدة قبل ابن دقيق العيد هو: الإمام الخطابي رحمه الله في شرح البخاري، وفي شرح سنن أبي داود.
    قال في شرح البخاري (ج1 ص253):
    [
    أمره بغسل يده قبل أن يُدخلها الماء الذي يريد أن يتوضّأ منه، أمر استحباب لا أمر إيجاب وإلزام، وذلك لأنه علّقه بالشك والارتياب، والأمر المضمَّن بالشك والارتياب لا يكون واجبا، وأصل الماء الطهارة، وبدن الإنسان على حكم الطهارة كذلك أيضا، وإذا ثبتت الطهارة يقينا لم تزل بأمرٍ مشكوك فيه].

    وفي شرح السنن (ج1ص47): [وذهب عامة أهل العلم إلى أنه إن غمس يده في الإناء قبل غسلها فإن الماء طاهر ما لم يتيقن نجاسة بدنه، وذلك لقوله:" فإنه لا يدري أين بابت يده" فعلّقه بشك وارتياب، والأمر المضمّن بالشك والارتياب لا يكون واجبا، وأصل الماء الطهارة، وبدن الإنسان على حكم الطهارة كذلك، وإذا ثبتت الطهارة يقيناً لم تزل بأمر مشكوك فيه].

    3- القاعدة مختلف فيها، وقد تعرض لها بعضهم في مسألة ورود صيغة الأمر لغير الإيجاب، وأن الأمر المقرون بالاحتياط يقتضي الندب ومثّلوا بهذا الحديث كما في البحر المحيط (ج3ص280).

    وذهب بعضهم إلى أن الأمر المقرون بالاحتياط أو التعليل بالمتوقّع لا ينفي الوجوب إذ لا يُنكر أن يكون الاحتياطُ علّة الإيجاب كما قال تعالى: ﴿ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها﴾ ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ ﴿وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾. ومثّلوا أيضا بالحديث" فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده منه".
    وبقوله عليه السلام في سجود السهود:" ثم يسجد بعد ذلك سجدتين، فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى أربعا كانتا ترغيما للشيطان". انظر: تهذيب الأجوبة (ص138- 139).

    4- أكثر الفقهاء أخرجوا الأمر عن الوجوب والنهي عن التحريم، واستدلوا على عدم الوجوب بأن الحكم معلّل بالشك "فإنه لا يدري أين باتت يده" والشك لا يوجب حكما في الشرع إذا كان الأصل المستصحب على خلافه موجوداً.
    وظاهر التقرير في شرح العمدة الموافقة على رأي الجمهور لكن في شرح الإلمام (ج4 ص93- 95) ما يحالف ظاهرَ التقرير لأنه اعترض على استدلال الجمهور بقوله:

    [واعترض عليه بوجهين:

    أحدهما: منعُ كون الشك لا يوجب حكما في الشرع؛ فإن النائم يجب عليه الوضوء، والأصل عدم خروج الخارج منه، وليس الظاهر خروج الحدث، ولا الغالب، حتى يحكم به على الأصل، فليس إلا مجرّد الاحتمال المخالفِ للأصل، فليكن كذلك في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناءَ؛ لتساويهما في أن الأصل عدم الموجِبِ، وأن المخالفة له غير متيقّنة، بل ربما يُدَّعى ترجُّحُ هذه المسألة على مسألة النوم، لأن جولان اليد أغلب من خروج الحدث عند النوم...

    الوجه الثاني من الاعتراض: أن مرسل السهم والكلب على الصيد، إذا وُجِد مع ذلك أمرٌ يمكن أن يكون له مدخل في الموت حَرُم الصيد، وإرسال السهم والكلب سبب ظاهر في الموت، وقد أزيل باحتمال إحالة الموت على ما طرأ، مع مخالفته الظاهر]

    فأجاب الجمهور عن الاعتراضين بجوابين ذكرهما ابن دقيق العيد لكنه قال عن الأول: [غير مسلّم]، وعن الثاني: [وفيه نظر].

    وهذا يدلّ على أن ما في شرح العمدة بيان لمستند الجمهور في حمل الأمر على الندب لا ترجيحا له، إن لم نقل بتغيّر الاجتهاد في الترجيح عند ابن دقيق العيد.

    5- خلاصة أدلة الجمهور في صرف النهي والأمر عن أصلهما من التحريم والوجوب:

    (1) أن غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء لم يذكر في آية الوضوء، وقد قيل للأعرابي "توضّأ كما أمرك الله". لكن مرّ في المبحث الرابع ما في هذه الحوالة من الكلام فلا أعيده.

    (2) أن الشك لا يوجب حكما في الشرع إذا كان الأصل المخالف موجوداً.

    6- جواب القائلين بالوجوب عن هذا كالآتي باختصار

    1- الإحالة على أمر الله لا يتعيّن في القرآن، وإن سلّمناه فلا نسلّم أن وجوب غسل اليدين للوضوء بل نقول: إن الوجوب للاستيقاظ من النوم لأن الشارع علّقه بالاستيقاظ من النوم.

    2- أنّ التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم المجزوم بنصّ الشارع، فالحكم مجزوم بنصٍ لا شك فيه، وإنما الشكّ في علة الحكم فقط. ألا ترى قوله عليه السلام:" إذا حاصرت قوما فأنزلهم على حكمك ولا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟" [فعلّل بأمر يقتضي الشك، والأصل المستصحب على خلافه، مع أنه يجب إنزالهم على حكم من حاصرهم] حاشية العدة للصنعاني (ج1ص77).

    بل الحكم [الموقوف على الشكّك قد يكون قطعيا فضلا عن الظن.
    يدل على ذلك صور...
    ثالثها: قوله عليه السلام: "إذا أشكل أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثا، أو أربعا؟ فليجعلها ثلاثا، وليضف إليها ركعة أخرى) قطعنا عند الشك بوجوب الركعة علينا.
    وكذلك إذا شككنا هل طلع هلال شوال أم لا؟ وجب علينا الصوم، لأجل هذا الشك، وإن كنا في نفس الأمر قد أكملنا الشهر.
    وكذلك إذا اختلطت أخته من الرضاع بأجنبية، أو طعام نجس بطاهر، أو ميتة بمذكاة فرنا نقطع بتحريم ذلك عند الشك].

    وعلى هذا فلا مفرّ من حمل الأمر على الوجوب، والنهي على التحريم.

    (7) قوله رحمه الله: [وفيه احتراز عن مسألة الصيد]
    يعني قول النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم رضي الله عنه في الصيد:(
    فإن وجدتَه غريقا في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري: الماء قتله، أو سهمك).
    وأشار بهذا أنه لا يقال في مسألة الصيد: الشك لا يقتضي تحريما في الحكم؛ لأن التحريم موافق للأصل بخلاف مسألة غسل اليدين.
    وهو أن الأصل في الميتة واللحوم التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح للصيد، أو شككنا في تحقق الذكاة للميتة رجعنا إلى التحريم الذي هو الأصل في الصيد واللحوم....
    فنحن هنا لم نرتّب تحريما على مشكوك، بل رجعنا إلى أصل معلوم في اللحوم والصيد.. بخلاف غسل اليدين فإن الأصل طهارة البدن واليدين حتى يتيقّن الخلاف؛ ولهذا إيجاب غسل اليدين قبل الإدخال والتعليل بـ(
    أنه لا يدري أين باتت يده منه) تعليق وجوب بمشكوك مع مخالفة الأصل.
    هذا هو المقصود من الاحتراز.


    وهذا نصّ الإمام المحقق في مسألة الصيد في شرح حديث (391):
    (
    فيجاب عن هذا: بأن الأصل التحريم في الميتة، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا إلى الأصل، وكذلك إذا شككنا في أن الصيد مات بالرمي، أو لوجود سبب آخر يجوز أن يحال عليه الموت لم يحلّ، كالوقوع في الماء مثلا).

    الخلاصة:
    الشك في السبب يوجب الشك في المسبب فلا يثبت الحكم لأن الأصل عدم السبب.

    والشك في تحقق الشرط يقتضي الشك في المشروط فلا يثبت الحكم بالشك لأن الأصل عدم الشرط حتى يحصل.

    والشك في عدم المانع أو جوده لا يمنع الحكم ولا يؤثر، بل يُعمَل بالسبب، أو يُرجع إلى الأصل السابق...



  7. #7
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    المبحث السادس:

    القاعدة السادسة، والسابعة، والثامنة، والتاسعة، والعاشرة، والحادية عشرة.

    ذكر الشارح المحقق رحمه الله في شرح الحديث الخامس: [لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه] جملة من القواعد الأصولية، ومنها:


    القاعدة السادسة:اسم الجنس المعرّف باللام يفيد العمومكما في الحديث: "الماء الدائم" فيشمل عموم الحديث الماء القليل والكثير، ولهذا قال الشيخ:(فإن الصيغة صيغة عموم).

    القاعدة السابعة:تخصيص عموم النص بمفهوم نص آخر، وهي قاعدة (التخصيص بالمفهوم).
    ذكر الشيخ هذه القاعدة في بيانه تخصيص الشافعية عموم هذا الحديث (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) بمفهوم حديث القلّتين (إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل الخبث).
    قال الشيخ:(وأصحاب الشافعي يخصّون هذا العموم، ويحملون النهي على ما دون القلّتين... فيُحمَل هذا الحديث العام في النهي على ما دون القلّتين؛ جمعا بين الحديثين؛ فإنّ حديث القلتين يقتضي: عدم تنجيس القلتين فما فوقها، وذلك أخصّ من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدّم على العام). وفي شرح الإلمام زيادة بيان وتوضيح أكثر.

    وذكر أيضا بقوله:(والخاص مقدّم على العام)القاعدة الثامنة، لأن تخصيص العام بالمفهوم فرع عن القاعدة الكلية في تقديم الخصوص على العموم.

    ونبّه الشيخ أيضا على القاعدة التاسعة وهي: تخصيص عموم النص وتقييد المطلق بالإجماع. وهي قاعدة أصولية شريفة.
    وهذا في قول الشارح المحقق:(واعلم أن هذا الحديث لا بد من إخراجه ظاهره بالتخصيص أو التقييد؛ لأنّ الاتفاق واقع على أن الماء المستبحر الكثير جدا لا تؤثر فيه النجاسة، والاتفاق واقع على أن الماء: إذا غيّرته النجاسة امتنع استعماله).

    ثم أفاض في بيان مسالك التخصيص والتقييد للحديث عند أصحاب المذاهب.
    وذكر أيضا رحمه الله في أثناء بيان مسالك التأويل لظاهر النص:
    القاعدة العاشرة وهي: حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين.

    قال:(وهي مسألة أصولية؛ فإن جعلنا النهي للتحريم كان استعماله في الكراهة والتحريم استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، والأكثرون على منعه).

    وأضاف رحمه الله في شرح الإلمام (ج1ص174) إلى القواعد الخمس قاعدة أخرى وهي
    القاعدة الحادية عشرة: النهي المتعلِّق بشيئين تارة يكون نهيا عن الجمع وتارة نهيا على الجمع.

    والمراد بالنهي عن الجمع هو: المنع عن الهيئة الاجتماعية لا عن المفردات كالنهي عن نكاح الأختين، لأن نكاح كل واحدة منهما منفردةً جائز، لا الجمع بينهما بعقدٍ.
    فهذا نهي عن الجمع؛ إذ يمكن لك نكاح إحداهما دون الأخرى.

    وأما معنى النهي على الجمع أو على الجميع فهو المنع من كل واحد بانفراده سواء كان مع غيره، أولا؛ كالنهي عن الزنا والسرقة والخيانة والكذب، فالنهي معناه هنا: المنع من كل واحد بانفراده، كقولك: لا تفعل وهذا ولا ذاك، فالهيئة الاجتماعية زيادة في المعاصي، إذ كلٌّ بانفراده منهي عنه فكيف مع الاجتماع؟

    وذكر الإمام المحقق فرقا جوهريا بين النهي عن الجمع وبين النهي على الجمع فقال:(والنهي عن الجمع مشروط بإمكان الانفكاك بين الشيئين، والنهي على الجمع مشروط بإمكان الخلوّ عن الشيئين. والنهي على الجمع منشؤه أن يكون في كل واحد منهما مفسدة تستقل بالمنع، والنهي عن الجمع حين تكون المفسدة ناشئة عن اجتماعهما).

    ثم النهي الذي في حديث الباب (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه) هل هو من باب النهي عن الجمع؟ أو النهي على الجمع؟ بمعنى: هل كلّ من البول في الماء والاغتسال فيه منهي عنه بانفراده، أو الممنوع الجمع بينهما؟ يراجع الجواب من شرح الإلمام.

    وممن ذكر القاعدة وأفاد من ابن دقيق العيد الزركشي في البحر المحيط (3/379) والفاكهاني، وابن العطار في شرح حديث الباب، وابن سيد الناس في شرح الترمذي

    وانظر كلام الأصوليين عن القاعدة:
    المعتمد في أصول الفقه (ج1ص170)، المحصول في علم الأصول (ج2ص305)، شرح تنقيح الفصول (ص172)، نفائس الأصول في شرح المحصول (ج4ص1719)، نهاية الوصول في دراية الأصول (ج3ص1217)، وشرح الكوكب المنير (ج3ص98).

    قال العلماء: مطالعة شرح ابن دقيق العيد لعمدة الأحكام يُعلّمك الاستنباط!

    فما أحوج الدارس لأصول الفقه إلى ربط الفروع على الأصول، والتمرّس في استخراج الأحكام من الأدلة بالقواعد الأصولية.

    وهذه خلاصة القواعد التي جاءت انتقاءً في شرح خمسة أحاديث من العمدة والباقي أكثر وأطيب إن شاء الله.

    خلاصة القواعد
    القاعدة الأولى: (إنما) تفيد الحصر وهو إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه- وينقسم إلى حصر مطلق (الحقيقي) وهو الأكثر والغالب، وإلى حصر مخصوص (الإضافي) ويفهم ذلك بالقرائن والسياق.

    القاعدة الثانية: نفي القبول عن العبادة إن اقترن بمعصية دلّ على الصحة وعدم الثواب، وإن لم يقترن بمعصية دلّ على البطلان لانتفاء ركن أو شرط.

    القاعدة الثالثة
    : وجوب جمع روايات الحديث قبل الحكم والاستدلال.


    القاعدة الرابعة
    :الأمر حقيقة في الوجوب ولا يُحمل على الندب إلا بدليل.


    القاعدة الخامسة:
    الأمر إذا علّل بالشك لا يقتضي الوجوب إذا كان الأصل على خلافه موجوداً.


    القاعدة السادسة:
    اسم الجنس المعرّف باللام يفيد العموم.


    القاعدة السابعة:
    المفهوم حجة يخصصّ العام.


    القاعدة الثامنة:
    الخاص مقدّم على العام عند التعارض.


    القاعدة التاسعة:
    الإجماع حجة يخصص بها العموم


    القاعدة العاشرة:
    حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين منعه أكثر الأصوليين.


    القاعدة الحادية عشرة:
    النهي المتعلِّق بشيئين تارة يكون نهيا عن الجمع وتارة نهيا على الجمع.





  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Aug 2017
    المشاركات
    6

    افتراضي

    حيَّاك الله يا شيخ أبا محمَّد، طبت وطابت جهودك.
    متابع مستفيد.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو محمد المأربي

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    سلمت يداك، وسلمت من سوء الدارين، وزادك الله حرصا وعلماً.
    (على تحفظّ من كلمة الشيخ)!!

    .

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث السابع ....
    الحديث السادس:(إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبعا) الحديث.


    ذكر الإمام رحمه الله أثناء شرح الحديث وبيان مذاهب العلماء في طهارة الكلب وعدمها جملة من القواعد منها:


    القاعدة الثانية عشرة:
    الدال على المشترك لا يدلّ على أحد الخاصين.

    مثال القاعدة أن يقال: الحديث دلّ على نجاسة سؤر الكلب، ونجاسة الكلب قد تكون لنجاسة عين الكلب وذاته، وقد تكون لتنجّس فم الكلب باستعمال النجاسات، وإذا كانت النجاسة أعمّ لم يدلّ التنجيس على أحد الخاصّين (وهما: نجاسة ذات الكلب، ونجاسة فمه باستعمال النجاسات)، وإذا كان الأمر كذلك فلا بدّ من دليل آخر يوجب الحمل على نجاسة العين أو على نجاسة الفم. والقصد المثال للتوضيح فقط.

    القاعدة الثالثة عشرة: تخصيص العام على خلاف الأصل فلا بد له من دليل.

    مثال القاعدة: إذا قلنا مثلا: نجاسة الكلب ليست من ذاته، بل طارئة عليه ناشئة من استعمال النجاسة، وقدّرنا تطهيرَ فم كلب أو ولوغَ كلبٍ لم يأكل نجاسة كجروٍ صغير؛ فإنه يلزم أن نقول: لا يجب غسل الإناء من الولوغ في هذه الصورة فيلزم التخصيص لأن لفظ الكلب عام، والتخصيص خلاف الأصل.

    القاعدة الرابعة عشرة: ثبوت الحكم بدون علّته خلاف الأصل فلا بد له من دليل.

    إذا قلنا مثلا: نجاسة الكلب طارئة وليست عينية وفرضنا تطهير فم الكلب أو ولوغ كلب لم يأكل النجاسة قبل الولوغ كالكلب الصغير فإننا بين أمرين: إما أن نقول: لا يلزم الغسل في هذه الصورة فيحصل تخصيص العام وهو خلاف الأصل.
    أو نقول: يجب غسل الإناء في هذه الصورة فيلزم ثبوت الحكم (وجوب الغسل) بدون علّته (النجاسة) وهو خلاف الأصل، ويكون الحاصل: أنك تقول: يجب غسل الإناء للنجاسة مع عدم النجاسة.

    القاعدة الخامسة عشرة: الحكم منوط بالغالب فلا يلتفت إلى النادر إلا بدليل.
    مثال القاعدة: أن يقول القائل بطريان نجاسة الكلب: هذا الحكم (وجوب الغسل) مبني على الغالب في الكلاب من استعمال النجاسات، وما ذكرتموه من تطهير فم الكلب أو الجرو الصغير نادر فلا يلتفت إليه.

    القاعدة السادسة عشرة: الألف واللام إذا لم تكن للمعهود فهي ظاهرة في العموم.

    القاعدة مرّت في تعريف عموم اسم الجنس المعرّف بـ (أل) في (الماء الدائم)...
    وذكرها هنا في عموم لفظة (الكلب) في الحديث، والرّد على من قال من المالكية: هذا الحكم (غسل الإناء) خاصّ بلوغ الكلب المنهي عن اتخاذه بخلاف المأذون فيه حملا لــ(أل) على العهد لا على استغراق الجنس.


    وذكر الشارح في شرح الإلمام بأن المالكي يحتاج في هذا التأويل إلى أمرين:
    أحدهما: أن يثبت تقدّم النهي عن اتخاذ الكلاب على الأمر بالغسل من الولوغ.


    والثاني: أن يأتي بقرينة تدل على أن المراد بالكلب هو المنهي عن اتخاذه مع إثباته بالدليل تقدّم النهي عن الاتخاذ على الأمر بالغسل؛ لأنه لا يكفي مجرّد تقدم النهي.

    القاعدة السابعة عشرة:
    النص إذا ورد بشيء معيّن واحتمل معنى يختصّ بذلك الشيء لم يجز إلغاء النص، واطراح خصوص المعيّن فيه إلا بدليل منفصل.

    مثال: ذكر الإمام المحقّق القاعدة في الرد على وجهٍ للشافعية في: أن الصابون والأشنان...يقوم مقام التراب بناء على أن المقصود من التراب زيادة التنظيف، فقال: (وهذا عندنا ضعيف لأن النص...) فذكرها.
    وهذه قاعدة عظيمة جليلة شريفة في الحفاظ على حرمة النصوص واتباع الألفاظ مع مراعاة المعاني الظاهرة من النصوص والمقاصد العامة.

    وللإمام ابن دقيق عناية خاصة بها واحتفال بالقاعدة لم أره لغيره، ومن أقواله فيها: [إن القاعدة في الأوصاف التي يشتمل عليها محلّ الحكم أن تكون معتبرة، إلا ما يُعلم عدمُ اعتباره، ومهما كان في محل الحكم ما يمكن أن يكون معتبراً لم يجز إلغاؤه، ومحلّ النص قد اشتمل على التراب، وله وصف التطهير، وهو وصف يمكن أن يكون معتبرا في معنى التغليظ للنجاسة المزالة فلا يُلغى] شرح الإلمام (ج1ص430).

    القاعدة الثامنة عشرة:
    المعنى المستنبط من النص إذا عاد على النصّ بإبطال فهو مردود بالإجماع عند الأصوليين.

    مثال: في الرد على الشافعية في جواز الاكتفاء بالصابون والأشنان بدل التراب بناء على أن التراب ذكر لزيادة التنظيف، والصابون ونحوه يقوم مقام التراب: يقال لهم: هذا استنباط معنى (زيادة التنظيف) من النص يعود عليه بالإبطال وهو مردود بالإجماع؛ لأننا إذا اكتفينا بما لا يُسمّى تراباً وهو الصابون ونحوه لم يجب التراب أصلاً. وللشافعية أن ينازعوا في حصول الإبطال وعدم وجوب التراب.
    المقصود ضرب الأمثلة للإيضاح.


    الطيبوني و أبو خالد السلفى الأعضاء الذين شكروا.

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث الثامن ما بقي من قواعد (الحديث السادس) من شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد.

    القاعدة التاسعة عشرة:
    المعاني المستنبطة من النصوص إذا لم يكن فيها سوى مجرّد المناسبة فليست بالقوية، وإذا وقع فيها الاحتمالات فالصواب اتباع النصّ.

    مثال: خصّص بعض المالكية وجوب الغسل من الولوغ بالكلب المنهي عن اتخاذه، وقال: هذا التطهير الغليظ مناسب لمن ارتكب المعصية وخالف النهي، فينصرف الكلب في النص إلى الكلب المنهي عن اتخاذه لأجل هذه المناسبة التي ذكرناها.
    انعطف الإمام على هذه التأويل بالرد قائلا: إن هذه المعاني المستنبطة بمجرّد المناسبة لا بإشارة النص ولا ما يشابهه فليست بذلك الأمر القوي الذي يثمر الظن للناظر، إذ غايتها التخمين والتبخيت، ولا يكتفى في إثبات الأمور التي يُدّعى وقوعها في الماضي بالمناسبة؛ لأن طريق ذلك إنما هو النقل، فإذا وقعت في المعنى الذي يُدار عليه الحكم الاحتمالات فالصواب اتباع النصوص.


    ومن نصوصه الصريحة في هذا قوله:(والصواب - إن شاء الله تعالى – إجراء اللفظ على العموم، وعدم تخصيصه بالمعاني التي ليس فيها إلا المناسبة، ولا سيما إن كانت المناسبة ليست قويةَ المرتبة، وما كان في معنى المنصوص عليه قطعا، أو بظن غالب قوي الإلحاق به، لا بمجرّد المناسبة المزاحَمة بغيرها).شرح العمدة مع حاشية العدة (1/120) وشرح الإلمام (1/376، 389، 390).

    القاعدة العشرون:اللفظ العام هل يُستنبط منه معنى يعود عليه بالتخصيص؟

    والقاعدة خلافية في الأصول، ويظهر من كلام الإمام المحقّق في مواضع أنه يميل إلى عدم التخصيص به، وإن كنت لا أجزم، وقد بيّن الإمام وجه المنع من التخصيص بالمعنى المستنبط من اللفظ العام بقوله:(استنباط معنى من النص يعود على النص بالتخصيص، قد يُمنع منه ويقال: إنَّ العموم لا يخصّ بعلّة مستنبطة منه؛ لأنّ العلل إنما تستنبط من الألفاظ بعد تحصيل مضمونها، وكمالِ فائدتها، وما يقتضيه لفظُها، فإذا استقرّت فائدتُها فبَحَثَ الباحثُ عن سبب القول بعد تحصيله، فتحصَّلَ من هذا أنّ العلةَ تابعةٌ لتحصيل معنى اللفظ، وما يفيده، وهذا يمنع من تخصيص العموم بعلةٍ مستنبطة منه؛ لأنَّا قد نقدم قبل النظر في علته إفادتَه للاستيعاب، فإذا كان مفيدًا للاستيعاب نظرنا في علة إفادته الاستيعابَ منه.
    قلت: وبهذه القاعدة اعترضوا على مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - في مسائلَ منها: تعليلُهُ تحريمَ الربا في الأصناف الأربعة بالكيل، فإنه يخرج اليسيرَ الَّذي لا يُكالُ ليَسَارته، مع أنه داخل تحت: "البُرُّ بالبُرِّ"، ويكون تخصيصًا للعام بعلة مستنبطة منه). شرح العمدة (1/120) وشرح الإلمام (1/178، 194، 376) (2/402، 406).

    مثال آخر:قول بعض المالكية: وجوب الغسل من ولوغ الكلب خاصّ بالكلب المنهي عن اتخاذه استناط معنى (علّة) من النص يعود عليه بالتخصيص؛ لأنّ لفظ الكلب عام؛ فإذا قصرنا الحكم على الكلب المنهي عن اتخاذه خرجت الكلاب الأخرى من عموم النص.

    القاعدة الحادية والعشرون:
    لا يلزم من كون المعنى معقولا في الأصل أن يُطرَح ما تعلّق به الأمر في التفصيل، ولا يمتنع حملُه على التعبّد، وإن عُقِل المعنى في الأصل.

    هذه القاعدة فرع عن قاعدة أخرى عامة نبّه عليها الإمام المحقق في عدة مواضع من كتبه وهي:متى دار الحكم بين كونه تعبداً أو معقول المعنى كان حمله على المعقولية أولى لندرة التعبد بالنسبة إلى الأحكام المعقولة المعنى.

    ولنترك الإمام لإيضاح القاعدة بالتقسيم وضرب الأمثلة فيها.

    قال رحمه الله:(الحكم إذا عُلِّقَ بشيءٍ معيَّنٍ على أقسامٍ:
    منها: ما لا يُعقَل معناه في أصلِهِ وتفصيلِهِ.
    ومنها: ما يُعقل فيهما.
    ومنها ما يُعقَل معناه في أصله، ويتعلَّقُ الأمرُ بشيء من تفصيله لمْ تتحقَّقْ فيهِ التَّعبّديةُ ولا عدمُها.
    فأمَّا ما عُقِلَ المعنى فيهِ مطلقاً: فيتبع ويُقَاس على المنصوص عليه ما هو في معناه عند القائلين بالقياس إلا لمعارض، وهذا مثلُ تعيين الأحجار في الاستجمار؛ فإنَّهُ فُهِمَ مِنهُ أنَّ المقصودَ إزالةُ النَّجاسَة جزما، فلم يقتصروا فيهِ على الأحجار، وعَدُّوهُ إلى ما في معناها بالنسبة إلى الإزالة من الخَزَف والخِرَق.
    وأمَّا ما لمْ يُعقَل فيهِ المعنى أصلاً وتفصيلاً: فيُمثَّلُ بالحكم المعلَّقِ بالأحجار في رمي الجمار على ما هو المشهورُ من أنَّ ذلك تعبُّدٌ لا يعقَلُ معناه، فلم يُعدُّوه إلى غيره، واقتصروا على ما يُسَمَّى حجراً؛ لأنَّ شرطَ القياس معقوليةُ المعنى، وتعيينُ العِلِّة لتعدي الحكم بسببها إلى ما وُجِدَت فيه.
    وأمَّا ما عُقِل أصلُ معناه، وورد أمرٌ في تفصيلِهِ: فيمثَّلُ بإزالة النَّجاسَة بالماء؛ فإنهُ عُيِّنَ الماءُ فيها على مُقتضَى ما رَووه من الحديث، وأصلُ المعنى معقولٌ جزماً، وهو طلب إزالة النَّجاسَة، لكنْ تعلَّقَ الأمرُ بالماء، فَهلْ يقال: الأصلُ اتِّباع اللفظ وما عُلِّق به الحكمُ إلى أنْ يتبيَّنَ أنَّ التعيينَ لِمَا عُيّن غيرُ مُراد، أو يقال: لمَّا فهمنا أصلَ المعنى لمْ يخرج عنه، حتى يتبيَّن التَّعبُّد؟
    هذا محلُّ نظرٍ، والَّذِي نحن فيهِ من هذا القَبيل، فإنَّ السبع، إن لمْ يظهرْ فيها بعينها معنى، فقد ظهر عند القائلين بالتنجيس أصلُ المعنى، وهو إزالة النَّجاسَة، فإذا قالوا بالتَّعبُّد في هذا التفصيل؛ أعني: في السبع، لمْ يلزم مِنهُ اطِّراحُ أصل المعنى الَّذِي ثبت عندهم، وأصلُ هذا: أنَّ القولَ بالتَّعبُّد على خلاف الغالب، فيكون على خلاف الأصل، فيُقتَصَرُ فيهِ على محل النَّصِّ؛ لأنَّ ما كان على خلاف الأصل يتقيَّدُ بقدر الضرورة).(وإذا كان التعبّد قليلا في الأحكام بالنسبة إلى ما عُقِل معناه، كان القول به على خلاف الغالب والأصل).شرح العمدة (1/106) وشرح الإلمام (ج1ص307، 390- 392، 428).

    الخلاصة:
    اختلف العلماء في هل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب تعبدي لا يُعقل معناه أو معلّل؟ والذين قالوا: معلّل، اختلفوا في العلة هل هي النجاسة أو القذارة لاستعمال الكلب النجاسات، وقيل: العلة أنهم نُهوا عن اتخاذه فلم ينتهوا فغلّظ عليهم... وعلى هذا فالأمر بالغسل معلّل بالنخاسة أو بالقذارة، أو بمخالفة النهي عن الاتخاذ، والأمر بالتسبيع (الغسل سبع مرات) تعبّد لا يُعقل معناه، فيقال: الأصل معقول المعنى، والتعبد في التفصيل؛ لأن التعبد خلاف الأصل، وما كان خلاف الأصل يتقيّد بقدر الضرورة، ولا ضرورة في جعل أصل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب تعبديّاً، فوجب أن يخصّ التعبد في التفصيل لا في أصل الأمر.



  12. #12
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث التاسع
    الحديث السابع حديث عثمان رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.


    القاعدة الثانية والعشرون:أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان الواجب المجمل محمولة على الوجوب.
    .............................. .............................. .....................
    القاعدة الثالثة والعشرون:لا إجمال في لفظ بعد تبيّن حقيقته.
    مثال: قيل: إن (إلى) في قوله" وغسل يديه إلى المرفقين ثلاثا" مجمل لأن (إلى) يحتمل أن تكون للغاية، ويحتمل أن تكون بمعنى (مع) فجاء فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مبيّنا لذلك؛ فقال الشارح المحقق:(هذا عندنا ضعيف لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية، مجاز بمعنى (مع) ولا إجمال في اللفظ بعد تبين حقيقته. ويدل على أنها حقيقة في انتهاء الغاية: كثرة نصوص أهل العربية على ذلك. ومن قال: إنها بمعنى (مع) فلم ينص على أنها حقيقة في ذلك، فيجوز أن يريد المجاز).
    .............................. .............................. .....
    للفائدة: قال الرضى في شرح الكافية (ج 4 ص 271): (اعلم أن (إلى) تستعمل في انتهاء غاية الزمان والمكان بلا خلاف، نحو: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}، والأكثر عدم دخول حدي الابتداء، والانتهاء في المحدود، فإذا قلت: اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضعان لا يدخلان ظاهرا في الشراء، ويجوز دخولهما فيه مع القرينة.
    وقال بعضهم: ما بعد (إلى) ظاهره الدخول فيما قبلها، فلا تستعمل في غيره إلا مجازا.
    وقيل: إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، فالظاهر الدخول، وإلا، فالظاهر عدم الدخول، نحو: {ثم أتموا الصيام إلى الليل}. والمذهب هو الأول).
    .............................. .............................. ...........................

    القاعدة الرابعة والعشرون:المرتّب على مجموع أمرين لا يلزم ترتّبه على أحدهما إلا بدليل من خارج.
    مثال: قال صلى الله عليه وسلم في الحديث:" من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه"
    فهذا الثواب الموعود به يحصل بمجموع أمرين لا بأحدهما، وهما الوضوء على الصفة المذكورة في الحديث، والثاني: صلاة ركعتين بعد الوضوء على الصفة المذكورة في الحديث أيضا.

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    May 2011
    المشاركات
    347

    افتراضي

    المبحث العاشر ...
    في حديث (11) عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مرفوعا:(
    إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بولٍ، ولا تستدبروها، ولكن شرّقوا أو غرّبوا. قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيتْ نحو الكعبة فننحرف عنها، ونستغفر الله، عز وجلّ).

    القاعدة الخامسة والعشرون: العام في الأشخاص يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة والأحوال

    هذه القاعدة ذكرها الإمام المحقق في عدّة مواضع من (شرح الإلمام) و(شرح العمدة).
    ومن أنفس تلك المواضع هذا الموضع من شرح حديث أبي أيوب الأنصاري حين قال ابن دقيق العيد في الوجه التاسع في الكلام على الحديث: (
    أَوْلَعَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَصْرِ - وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ - بِأَنْ قَالُوا: إنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الذَّوَاتِ مَثَلًا أَوْ عَلَى الْأَفْعَالِ كَانَتْ عَامَّةً فِي ذَلِكَ، مُطْلَقَةً فِي الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَالْأَحْوَالِ وَالْمُتَعَلِّق َات. ثُمَّ يَقُولُونَ: الْمُطْلَقُ يَكْفِي فِي الْعَمَلِ بِهِ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ. فَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِيمَا عَدَاهُ.

    وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا السُّؤَالِ فِيمَا لَا يُحْصَى مِنْ أَلْفَاظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَصَارَ ذَلِكَ دَيْدَنًا لَهُمْ فِي الْجِدَالِ. وَهَذَا عِنْدَنَا بَاطِلٌ، بَلْ الْوَاجِبُ: أَنَّ مَا دَلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الذَّوَاتِ - مَثَلًا - يَكُونُ دَالًا عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ ذَاتٍ تَنَاوَلَهَا اللَّفْظُ، وَلَا تَخْرُجُ عَنْهَا ذَاتٌ إلَّا بِدَلِيلٍ يَخُصُّهُ؛ فَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الذَّوَاتِ، فَقَدْ خَالَفَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ.
    نَعَمْ الْمُطْلَقُ يَكْفِي الْعَمَلُ بِهِ مَرَّةً، كَمَا قَالُوهُ. وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مِنْ حَيْثُ الْإِطْلَاقُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ.
    فَإِنْ كَانَ الْمُطْلَقُ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الْعَمَلَ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً مُخَالِفَةً لِمُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ: اكْتَفَيْنَا فِي الْعَمَلِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.
    وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ مُقْتَضَى صِيغَةِ الْعُمُومِ. قُلْنَا بِالْعُمُومِ مُحَافَظَةً عَلَى مُقْتَضَى صِيغَتِهِ، لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُطْلَقَ يَعُمُّ.
    مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، فَمُقْتَضَى الصِّيغَةِ: الْعُمُومُ فِي كُلِّ ذَاتٍ صَدَقَ عَلَيْهَا أَنَّهَا دَاخِلَةٌ.
    فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ، فَأَعْمَلُ بِهِ فِي الذَّوَاتِ الدَّاخِلَةِ الدَّارَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مَثَلًا، وَلَا أَعْمَلُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ، وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ مَرَّةً، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ.
    قُلْنَا لَهُ: لَمَّا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ ذَاتٍ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَمِنْ جُمْلَتِهَا: الذَّوَاتُ الدَّاخِلَةُ فِي آخِرِ النَّهَارِ. فَإِذَا أَخْرَجْتَ تِلْكَ الذَّوَاتِ فَقَدْ أَخْرَجْتَ مَا دَلَّتْ الصِّيغَةُ عَلَى دُخُولِهِ. وَهِيَ كُلُّ ذَاتٍ.
    وَهَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا قُلْنَا: فَإِنَّ أَبَا أَيُّوبَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَالشَّرْعِ، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ قَوْلَهُ " لَا تَسْتَقْبِلُوا وَلَا تَسْتَدْبِرُوا " عَامًّا فِي الْأَمَاكِنِ. وَهُوَ مُطْلَقٌ فِيهَا.
    وَعَلَى مَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُو نَ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ، وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ: يَعُمُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ عَنْهُ بَعْضُ الْأَمَاكِنِ خَالَفَ صِيغَةَ الْعُمُومِ فِي النَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ وَالِاسْتِدْبَا رِ).

    تحقيق رائع لا يقوم بتقريره إلا ابن دقيق العيد وأمثاله من المحققين، ويزيد القاعدة إيضاحا كلام الإمام في مواضع أخر، ومنها قوله: (قاعدة يُبتنىَ عليها ما لا يُحصى من المباحث فنقول:
    المتأخرون يقولون - أو من قال منهم -: إن اللفظَ العامَّ ينطلقُ باعتبار الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات، وإن كان عاماً في الأشخاص، وقد يستعمل ذلك في دفع كثير من الاستدلالات بالألفاظ من الكتاب والسنة، فيؤْتَى إلى بعض الأحوال التي يُتَّفَقُ عليها بين الخصمين فيقال: إن اللفظَ مطلقٌ في الأحوال، وقد عملنا به في الصُّورة الفلانية، والمطلق يكفي في العمل به مرةً واحدة، فلا يلزم العملُ به في صورة النزاع.
    وأنا أقول: أمَّا كونُ اللفظِ العام في الأشخاص مطلقاً في الأحوال وغيرِها مما ذَكر، فصحيح، وأما الطريقة المذكورة في الاستدلال فنقول فيها: إذا لزم من العمل بالمطلق في صورة دونَ غيرها عَوْدُ التخصيص إلى صيغة العموم، وجبَ القولُ بالعموم في تلك الأحوال، لا من حيثُ إنَّ المطلقَ عامٌ باعتبار الاستغراق، بل من حيث إنَّ المحافظةَ على صيغة العموم في الأشخاص واجبةٌ، فإذا وُجِدَت صورة، وانطلق عليها الاسم، من غير أن يثبتَ فيها الحكمُ، كان ذلك مناقضًا للعموم في الأشخاص.
    فالقولُ بالعموم في مثل هذا، من حيث وجوبُ الوفاء بمقتضى الصيغة العامة، لا من حيث إنَّ المطلقَ عامّ عموما استغراقيا.
    وأما قولهم: إن المطلق يكفي في العمل به مرةً واحدة؟
    فنقول: يُكتفَى فيه بالمرة فعلاً أو حَمْلاً؟ الأول مسلَّمٌ، والثاني ممنوعٌ.
    وبيان ذلك: أنَّ المطلقَ إذا فُعِل مقتضاه مرةً، ووُجِدت الصورةُ الجزئية التي يدخل تحتها الكليّ المطلق، كفى ذلك في العمل به، كما إذا قال: أعتقْ رقبة، ففَعل ذلك مرةً، لا يلزمه إعتاقُ رقبةٍ أخرى؟ لحصول الوفاء بمقتضى الأمر من غير اقتضاءِ اللفظِ العمومَ.
    وكذا إذا قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنت طالق، فدخلتْ مرةً وحنث، لا يحنَثُ بدخولها ثانيا؛ لوجود مقتضى اللفظِ فعلًا من غير اقتضاء اللفظِ للعموم.
    أما إذا عمل به مرةً حَمْلاً؛ أي: في صورة من صور المُطْلق، لا يلزمُ التقييد بها، فلا يكون وفاء بالإطلاق؛ لأن مقتضى تقييد الإطلاق بالصورة المعينة حَمْلاً، أن لا يحصلَ الاكتفاءُ بغيرها، وذلك يناقضُ الإطلاقَ.
    مثاله: إذا قال: أعتقْ رقبةً، فإنَّ مقتضى الإطلاق أنْ يحصلَ الإجزاء بكل ما يُسمَّى رقبةً؛ لوجود المطلَقِ في كل مُعتَق من الرّقاب، وذلك يقتضي الإجزاءَ به، فإذا خصَّصنا الحكمَ بالرقبة المؤمنة، منعنا إجزاءَ الكافرة، ومقتضى الإطلاق إجزاؤها إن وقع العتق لها، فالذي فعلناه خلافَ مقتضاه.
    فتنبَّه لهذه المواضع التي تَرِدُ عليك من ألفاظ الكتاب والسنة، إذا كان الإطلاق في الأحوال أو غيرها، مما يقتضي الحملَ على البعض فيه عَوْدُ التخصيص إلى محلّ العموم - وهي الأشخاص -، أو مخالفةً لمقتضى الإطلاق عند الحمل، فالحكمُ بالتخصيص أو التقييد مع وجوبِ الوفاء بمقتضى العموم أو الإطلاق، لا يكون إلا لدليل مُنفصِل.
    أما إذا كان الإطلاقُ في صورة لا تقتضي مخالفةَ صيغة العموم، ولا ينافي مُقتضَى الإطلاقِ، فالكلامُ صحيحٌ.
    ويتصدَّى النظرُ بعدَ القول بالعموم بالنسبة إلى ما ذكرناه في أمر آخرَ، وهو أن ينظُرَ إلى المعنى المقصود بالعموم، فإن اقتضى إخراجَ بعض الصور، وعدمَ الجري على ظاهر العموم، وجب أن ينظرَ في قاعدة سنذكرها قريبا، وهي: أن اللفظَ العام إذا قُصِدَ به معنىً، فهل يُحتَجُّ به فيما لم يُقصَد به أم لا؟
    فإن قلنا بالأول، فلا حاجةَ بنا بعدَ العمل بمقتضى الصيغة إلى النظر في هذه القاعدةِ، وإن قلنا بالثاني، احتجنا إلى النظرِ في هذه القاعدة الثانية بعدَ الوفاء بمقتضى صيغة العموم. والقولُ بأنَّ الوفاءَ بمقتضاها واجبٌ، فهذا ما عندي في هذا الموضع.
    والذي يُؤكّده ويزيدُه إيضاحاً: أن اللفظَ إذا كان مطلقًا في هذه الأحوال، ولم يلزمْ منه العملُ بمقتضى العموم، يلزم أن لا يصحَّ التمسكُ بشيء من العمومات أو أكثرِها، إذْ ما من عام إلا وله أحوالٌ متعددة بالنسبة إلى الذوات التي يتعلَّقُ بها العمومُ، فإذا اكتفينا في العمل بحالة من الحالات، تعذَّرَ الاستدلالُ به على غيرها، وهذا خلافُ ما دَرَج عليه الناس، و أيضاً: فإن الأصوليين يعتمدون في إثبات العموم على حُسن اللَّوْم فيمن خالف مقتضى العموم.
    ولو قلنا بهذا القول: لزم أن يكون السيدُ إذا قال لعبده: من دخل الدار فأعطه درهمًا، فدخل الدار أقوامٌ لا يُحصَون فلم يعطهم شيئًا: ألا يتوجَّهَ اللومُ على العبد؛ لأن له أن يقول: لفظُك عامٌّ في الذوات، مطلقٌ بالنسبة إلى الأحوال والأزمان، فأنا أعمل بلفظك فيمن دخل من الطِّوال، ولا أعمل به في غيرهم، أو فيمن دخل آخرَ النهار، أو آخرَ العمر، وأكونُ قد عملت بمقتضى اللفظ، لكنَّ ذلك سببُ اللومِ جزماً). شرح الإلمام (1/126 – 131).

    وقال أيضا في فوائد حديث "أسبغ الوضوء وخلّل بين الأصابع":(فيه إطلاق بالنسبة إلى أحوال الأصابع، ونحنُ قد قرّرنا: أنَّ المُطلَقَ إن عادَ علَى صيغةِ العمومِ بالتخصيصِ حَكَمنا بالعُمومِ وفاءَ بمُقتضَى صيغتِهِ، وإلا فلا.
    فلو قالَ قائل: هو مُطلق في الأحوالِ، فأخُصُّهُ بما إذا كانت علَى حالِ كذا.
    قُلنا: هذا يقتضي التخصيصَ في صيغةِ العُمومِ التي تَعلَّقَ الأمرُ منها بالأصابعِ، فإذا خَرجَتْ عنها الأصابعُ في بعضِ أحوالهِا، فلم تُوفِ بصيغةِ العمومِ، أمَّا إذا لم يخرجْ عنها شيءٌ من الأصابعِ؛ بأنْ يقَعَ التخليلُ في جميعها، لكِن يُنظرُ في حالِ من الأحوالِ بعدَ حصولِ العمومِ في الأصابعِ في غيرِ ذلكَ الحالِ، فهذا لا يعودُ علَى صيغةِ العمومِ بالتخصيصِ، فلا يَلزمُ القولُ بدخولِ تلكَ الصورةِ في لفظِ العُمومِ.
    ومثالُهُ: لو قالَ قائِلٌ: يُستحبُّ تخليلُ الأصابعِ عندَ غسلِ الكفَّينِ في ابتداءِ الوضوءِ عمَلاً باللفظِ، لقيل لهُ: ما ذكرناهُ من أنَّ إخراجَ هذهِ الحالةِ، لا يُوجِبُ تخصيصًا فيهِ فيما دلَّ عليهِ العمومُ من الأصابعِ، ولم نقِفْ علَى هذهِ المسألةِ منصوصة). شرح الإلمام (4/202).

    وقال في شرح حديث" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم" الحديث:(الإناءُ عامّ يدخلُ تحته أحوالُ الإناء؛ لِما كنَّا قد قرَّرنا في عموم الحكم في الأحوال إذا كان التخصيصُ ببعضها يخالفُ ما دلَّ عليه اللَّفظُ من العموم في الذوات، على خلاف ما يقوله بعضُ المتأخرين) شرح الإلمام (1/364)
    نقل علاء الدين ابن العطار كلام ابن دقيق العيد بجملته ثم قال: (
    هذا آخر كلامه وهو نفيس).

    وقال الفاكهاني في تمسّك أبي أيوب الأنصاري بعموم الحديث:(فهو يضعف قول بعض المتأخرين من أهل الأصول: إن العموم في الذوات مطلق في الزمان والمكان، والأحوال والمتعلقات، والراجح عند جماعة من المحققين خلافه).

    تعليق موجز

    اشتمل كلام الإمام المحقق على مسائل:


    المسألة الأولى:
    أن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة عقلا إلا بمخصص إذْ ما من عام إلا وله أحوالٌ متعددة بالنسبة إلى الذوات التي يتعلَّقُ بها العمومُ.

    المسألة الثانية: أن القول بإطلاق العام في غير الذوات على وجه الإطلاق يستلزم إبطال ما أقرّ به المتأخرون من عموم الأشخاص وهو باطل بالاتفاق.

    المسألة الثالثة: قاعدة المطلق يكفي في العمل به صورة واحدة صحيحة، ولا يلزم من صحّتها بطلان العموم في الأحوال... لأن عموم الأشخاص لفظي وهو يستلزم عموم الأحوال ضرورة عقلية؛ إذ ما من فرد من أفراد العام إلا وله مكان وزمان وهو في حال من الأحوال، فاستلزم العموم اللفظي العموم العقلي.

    وعلى هذا عموم الأحوال جاء استلزاما ولا يتعارض مع قاعدة المطلق يكفي في العمل به مرة واحدة، فالمطلق المجرّد من عموم الذوات يكفي فيه صورة واحدة عملا، والمطلق في الأحوال المقترن بعموم الأشخاص لا يكفي فيه العمل بصورة واحدة؛ لئلا يخرج فرد من أفراد الأشخاص عن حكم العموم اللفظي.

    المسألة الرابعة: المتحصّل من كلام المحقق: أن الحكم العام في الأشخاص يتعلق بالشخص في أي حال كان، وفي أي مكان وزمان يوجد، وأن العام في الأشخاص مطلق في غير الذوات من جهة اللفظ عام من جهة الضرورة العقلية فلا تنافي بين إقرار الإطلاق في غير الذوات وبين إثبات العموم في نفس الوقت لاختلاف الجهتين.

    المسألة الخامسة: أشار ابن دقيق العيد إلى أن القول بإطلاق العام في غير الذوات إنما جاء من المتأخرين مما يوحي نفي الخلاف عند المتقدمين من أهل الأصول.

    والظاهر أن المُولَع بهذا الرأي الذي ردّ عليه ابن دقيق العيد هو الإمام شهاب الدين القرافي لأني رأيته قد أكثر من ذكرها بخلاف غيره من المتأخرين وقد صرّح أنه هو جماعة من العلماء، ومن نصوصه في ذلك قوله:

    1- (قلت: والذي عندي في هذه المسألة أن الفعل المذكور عام في أفراد المصادر، مطلق في المفاعيل، وقد تقدمت قاعدة وهي: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، والمفاعيل من جملة المتعلقات، فيكون اللفظ مطلقا فيها، وشأن المطلق أن يتأدى حمله بكل فرد منه).

    2- (بناء على قاعدة وهي: أن العام في الأشخاص، مطلق في الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات، وهي أربعة يكون الإطلاق حاصلا فيها، إذا حصل العموم في الذي هي متعلقا به).

    3- (يحصل من هذا التنبيه المتقدم بيان قاعدة أخرى وهي: أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، وهي قاعدة يحتاج إليها كثير في باب التخصيص وغيره. وبيان ذلك: أن العام في الأشخاص لو كان عاما في الأحوال...).

    4- (والقاعدة: أن الأعم المعنوي لا يستلزم الأخص، فلذلك لم يتعين اندراج حالة العقل في مدلول اللفظ فلم يتعين التلغيب، ولا وجد سببه، وهذا برهان قوي على أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال، فتأمل ذلك).

    5- (وتقدم أيضا أن هذه القاعدة تقتضي أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال...).

    6- (وإذا قلنا: لا تكرم بعض أخوة زيد في حالة من الحالات، كان هذا مخصصًا قاعدة العام في الأشخاص، مطلق في أربعة: الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقات.
    فإذا قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين}، كان عامًا في قتل كل مشرك، بحيث لا يبقى مشرك، ولا يدل على أنهم يقتلون في حالة الجوع أو العطش أو غير ذلك من الحالات، ولا إشعار للفظ بركوب ولا جلوس، ولا هيئة من الهيئات التي يمكن أن يعرض المشركين، ومن ادعى أن لفظ المشركين يدل على الجوع أو العطش أو الجلوس أو غير ذلك فقد أبعد، ويبين ذلك أن المطابقة منفية، فإن لفظ المشركين لم يوضع للجوع ولا للجلوس، ولا يدل (عليه) اللفظ أيضًا تضمنًا، فإن الجلوس ليس جزءًا، ومدلول المشركين بل اللفظ لا يدل على وجود المشركين البتة، فضلًا عن هيئاتهم، فإن الله تعالى إذا قال: اجلدوا الزناة المحصنين، قد لا يكون في الوجود زان محصن، وكذلك بقية العمومات...).

    7- (وإذا اتضح ذلك لك في الأحوال، اتضح في الأزمنة والبقاع والمتعلقات، فإن الجميع نسبته واحدة وبحث واحد، فيكون العام في الأشخاص مطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات، ويكون معنى قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين}، اقتلوا كل مشرك ما، في حالة ما، في زمن ما، في مكان ما، ويكون شركه شيء ما).

    8- (وهو مبني على قاعدة وهي: أن العام في الأشخاص مطلق في أربعة أمور غير الأشخاص، التي هي مدلولة ذلك اللفظ العام من غير هذه الأربعة، فإن العموم قد يكون في هذه الأربعة فلا يتصور الإطلاق فيها، وإنما ندعي الإطلاق، وإن كان العموم في غير هذه الأربعة فيدعى الإطلاق فيها حينئذ، وهي الأحوال، والأزمنة، والبقاع، والمتعلقة، وقد تقدمت هذه القاعدة وبيانها في الباب السابع عشر).

    9- (صيغ العموم وإن كانت عامة في الأشخاص فهي مطلقة في الأزمنة والبقاع والأحوال والمتعلقات، فهذه الأربعة لا عموم فيها من جهة ثبوت العموم من غيرها حتى يوجد لفظ يقتضي العموم فيها، نحو لأصومنّ الأيام، ولأصلينّ في جميع البقاع، ولا عصيت الله في جميع الأحوال، ولأشتغلن بتحصيل جميع المعلومات، فإذا قال الله تعالى: {فاقتلوا المشركين} فهذا عام في جميع أفراد المشركين، مطلق في الأزمنة والبقاع والأحوال والمتعلقات، فيقتضي النص قتل كلّ مشرك في زمان ما، وفي مكان ما، وفي حال ما، وقد أشرك بشيء ما، ولا يدل اللفظ على خصوص يوم السبت، ولا مدينة معينة من مدائن المشركين، ولا أن ذلك المشرك طويل أو قصير، ولا أن شركه وقع بالصنم أو بالكوكب، بل اللفظ مطلق في هذه الأربعة).

    العقد المنظوم في الخصوص والعموم (ج 1 ص 344، 344، 380، 381، 474، 523) و ( ج 2 ص94، 98، 161،) في مواضع قرابت العشرين في الكتاب، وفي شرح التنقيح (ص 186، 192، 198) في مواضع أخرى.
    وكذلك في نفائس الأصول (ج 3 ص1297) (ج 4 ص1582، 1676، 1735، 1927) و (ج 5 ص 2098) مع مواضع أخرى من الكتاب.

    المسألة السادسة: إذا انعطفنا على مباحث الأصوليين يتضح أن القاعدة خلافية واشتهر فيها قولان:

    أحدها: أن العام في الأفراد يستلزم العموم في الأحوال. وهو قول جمهور العلماء حيث نسبه ابن اللحام إلى أكثر العلماء في (المختصر في أصول الفقه ص106) وقال ابن مفلح في أصول الفقه (ج 2 ص437) :(هو المعروف عند العلماء).

    القول الثاني: العام في الأفراد لا يستلزم العموم في الأحوال، ومن أشهر القائلين به الإمام القرافي وشيخ الإسلام ابن تيمية، ونسب إلى الآمدي والأصفهاني شارح المحصول، وهو ظاهر كلام الإسنوي والعلائي.

    محلّ الخلاف – كما سبق في كلام القرافي – إذا لم يدل على عموم الأحوال لفظ كما دلّ على عموم الأشخاص.


الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •