قصة عبدالله بن رواحة مع زوجه لما أنشدها شعرا يوهمها أنه من كلام الله !! هل تصح أم لا ؟؟ .

الجواب :


القصة المسؤول عنها رويناها في ( سنن الدارقطني ) :

أنبأني العلامة الأديب عبدالقادر البخاري عن عبدالقادر المجددي عن فضل الرحمن عن الشاه عبدالعزيز عن أبيه الشاه ولي الله عن أبي طاهر الكوراني عن أبيه البرهان عن النجم الغزي عن أبيه البدر عن أبي الفتح السكندري عن عائشة بنت محمد عن الحجار عن القطيعي عن الشهرزوري عن ابن المهتدي عن الحافظ الدراقطني في سننه ( مع المغني 1/120 ) قال :
(( حدثنا محمد بن مخلد نا العباس بن محمد الدوري ، وحدثنا إبراهيم بن دبيس بن أحمد الحداد نا محمد بن سليمان الواسطي قالا : نا أبو نعيم نا زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال :
كان ابن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته ، فقام إلى جارية له في ناحية الحجرة فوقع عليها ، وفزعت امرأته ، فلم تجده في مضجعه ، فقامت وخرجت ، فرأته على جاريته ، فرجعت إلى البيت ، فأخذت الشفرة ثم خرجت ، وفرغ فقام فلقيها تحمل الشفرة ، فقال مهيم ؟! فقالت : مهيم !! ، لو أدركتك حيث رأيتك لوجأت بين كتفيك بهذه الشفرة ، قال : وأين رأيتني ؟ قالت : رأيتك على الجارية ، فقال ما رأيتني ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ أحدنا القرآن وهو جنب ، قالت : فاقرأ ، فقال :

أتانا رسول الله يتلوا كتابه = كما لاح مشهور من الفجر ساطع
أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا = به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه = إذا استثقلت بالمشركين المضاجع

فقالت آمنت بالله وكذبت بصري ، ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فضحك حتى رأيت نواجذه صلى الله عليه وسلم )) اهـ .

وهذه القصة المسؤول عنها ينبغي النظر فيها متنا وسندا ..

أولا : ( بحث سندها ) :

وما وقفت عليه من طرقها ست فقط :

الأولى : ( طريق عكرمة ) :

عند الدارقطني في سننه ج1ص120 وقد رويناها من طريقه كما مضى ، وابن أبي الدنيا في الأشراف ص113 وغيرهما ، وفي السند إلى عكرمة : ( زمعة بن صالح ) و ( سلمة بن وهرام ) وهما ضعيفان ، وقد اختلف فيه على عكرمة فبعضهم يجعله موقوفا على عكرمة وبعضهم يجعله عن عكرمة عن ابن عباس ، فهذا الطريق ضعيف ، والأبيات المروية في هذا الطريق سبق ذكرها .

الثانية : ( طريق نافع ) :

عند ابن أبي الدنيا في الأشراف ص114 قال :
حدثنا وليد بن شجاع قال حدثني ابن وهب قال حدثني أسامة بن زيد الليثي أن نافعا حدثه قال : (( كانت لابن رواحة امرأة وكان يتقيها ، وكانت له جارية فوقع عليها ، فقالت له ـ وفرقت أن يكون قد فعل ـ فقال سبحان الله ، قالت : اقرأ علي إذن فإنك جنب فقال :

شهدت بإذن الله أن محمدا = رسول الذي فوق السماوات من عل
وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما = له عمل في دينه متقبل )) اهـ .

أسامة بن زيد الليثي في الإسناد فيه ضعف خفيف ، والإسناد منقطع بين نافع وعبدالله بن رواحة ، والأبيات فيه رويت في قصة أخرى منسوبة لحسان بن ثابت !! ومع هذا هي مغايرة للأبيات التي في الطريق الأولى !! وأخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه 6/174 عن أبي أسامة عن نافع !! وأبو أسامة حماد بن زيد لم يدرك نافعا وهو مدلس وقد عنعن ، ومن طريق ابن أبي شيبة أخرجها الموفق المقدسي في العلو ص100 ، ونقل هذ الطريق الذهبي في سير أعلام النبلاء 1/238 ، فليس هذا الطريق أيضا بصحيح .

تنبيه:
في الاستيعاب والعلو للموفق وللذهبي أن زوجة ابن رواحة قالت بعد أن فرغ من الأبيات : (( صدق الله .. )) !! قالت هذا وهي تحسب أنه فرغ من التلاوة ، فلو صح هذا لكان شاهدا لختم التلاوة بصدق الله العظيم .

الثالثة : ( طريق ابن الماجشون ) :

رواها اليزيدي في أماليه ص102 قال :
حدثنا أبو حرب قال حدثني محمد بن عباد قال حدثني عبدالعزيز بن أخي الماجشون قال : (( بلغني أنه كانت لعبدالله بن رواحة جارية يستسرها عن أهله فقالت له امرأته : لقد رأيتك دخلت مع جاريتك وإنك الآن جنب منها، فجاحد ذلك، قالت فإن كنت صادقا فاتل علي القرآن فقال :

شهدت بأن وعد الله حق = وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف = وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة شداد = ملائكة الإله مقربينا

قالت آمنت بالله وكذبت البصر !! فأتى ابن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه الحديث فضحك صلى الله عليه وسلم ولم يغير عليه )) اهـ .

ومن طريق اليزيدي أخرجها الذهبي في السير 1/238 مع أخطاء في المطبوعة ففيها : ( الزيدي ) والصواب اليزيدي ، وفيها : محمد بن عياذ ، وهو ( محمد بن عباد ) وأخرجها الإمام تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية 1/139 من وجه آخر عن ابن الماجشون ، وأخرجها الحافظ ابن عساكر في تاريخه ، وابن الماجشون بينه وبين ابن رواحة وسائط فالسند ضعيف بالانقطاع .

الرابعة : ( طريق يزيد بن الهاد ) :

عند ابن ابي الدنيا في الأشراف ص113 قال :
حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني قال : حدثني عبدالله بن وهب عن عبدالرحمن بن سلمان عن ابن الهاد أن أمرأة ابن رواحة .. إلخ وابن الهاد وهو يزيد بن عبدالله الليثي من الطبقة الخامسة لم يدرك ابن رواحة فالسند منقطع ، والأبيات في هذا الطريق كالأبيات في الطريق الثالث ، مع أن الوليد بن شجاع وعبدالله بن وهب في هذا الطريق هم رواة الطريق الثاني طريق نافع والأبيات فيه مختلفة عن هذا الطريق هنا !! .

الخامسة : ( طريق قدامة بن إبراهيم ) :

وهي في كتاب ( الرد على الجهمية ) المنسوب لعثمان بن سعيد الدارمي ص46 قال :
حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري أنبأ يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن غزية عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب أنه حدثه أن عبدالله بن رواحة رضي الله عنه وقع بجارية له … إلخ وهذا السند أيضا فيه انقطاع بين قدامة وعبدالله بن رواحة ، وفيه يحيى بن أيوب كثير الخطأ ، والأبيات في هذا الطريق كالأبيات في الطريق الثالثة .

السادسة : ( طريق أبي هريرة رضي الله عنه ) :

رواها الإمام البخاري في صحيحة في كتاب التهجد ، باب فضل من تعارَّ من الليل فصلى ، قال :
حدثنا يحيى بن بكير قال حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب أخبرني الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ـ وهو يقصص في قصصه ـ وهو يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أخا لكم لا يقول الرفث ، يعني عبدالله بن رواحة :
وفينا رسول الله يتلو كتابه = إذا انشق معروف من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا = به موقنات أن ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه = إذا استثقلت بالمشركين المضاجع )) اهـ .

قال الحافظ في الفتح 3/41 في شرح هذه الرواية :
(( فائدة : وقعت لعبدالله بن رواحة في هذه الأبيات قصة أخرجها الدارقطني من طريق سلمة بن وهرام عن عكرمة قال كان عبدالله بن رواحة مضطجعا إلى جنب امرأته ، فقام إلى جاريته فذكر القصة في رؤيتها إياه على الجارية وجحده ذلك والتماسها منه القراءة لأن الجنب لا يقرأ ، فقال هذه الأبيات ، فقالت : آمنت بالله وكذبت بصري ، فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه )) اهـ .


فالحافظ ابن حجر رحمه الله يرى أن هذه الرواية هنا في الصحيح مرتبطة بالقصة التي رواها الدارقطني بدليل أن الأبيات هي هي سوى اختلاف يسير ..

التفصيل:

لا بد أن نفرق أولا بين القصة وبين الأبيات الشعرية الواردة فيها ، أما القصة فإن الطرق الخمسة الضعيفة تكاد تتفق على أحداثها إلا في قليل منها ، فهل تصلح هذه الطرق لأن يشد بعضها بعضا فترتقي إلى الحسن لغيره أم لا ؟؟؟ هذا متوقف على وجود تعدد يُطمأن إليه ، قال الحافظ السخاوي في فتح المغيث عند كلامه على مبحث الحسن 1/72 :
(( .. وحيث ثبت اختلاف صنيع الأئمة في إطلاقه فلا يسوغ إطلاق القول بالاحتجاج به ، بل لابد من النظر في ذلك ، فما كان منه منطبقا على الحسن لذاته فهو حجة ، أو الحسن لغيره فيفصل بين ما تكثر طرقه فيحتج وما لا فلا )) اهـ كلام السخاوي .
فإذا كان كل طريق من طرق هذه القصة لا يرتقي إلى الحسن لذاته بل غاية ما يصل إليه هو الحسن لغيره فهل يمكننا عد هذه الطرق المتعاضدة كثيرة بحيث يحتج بها أم لا ؟؟ مسألة بحث ونظر ، والذي أميل إليه أن الحكم البات في المسألة ينبغي أن يؤخر إلى بحث مضمون المتن ومدى موافقته لقواعد الشريعة ، فالمتن والإسناد مرتبطان لا ينفصلان .
ما تقدم كان متعلقا بالقصة دون الأبيات الشعرية ، أما الأبيات الشعرية فالضعف فيها أشد والاضطراب فيها أكبر ، فإنك إذا نظرت إلى الطرق المذكورة وجدت الأبيات قد قيلت على ثلاثة أوجه متغايرة بحرا ورويا ومعنى !!! فالأبيات في الطريق الأول من بحر ( الطويل ) ورويها على حرف ( العين ) ، والأبيات في الطريق الثاني من بحر ( الطويل ) ورويها على حرف ( اللام ) ، والأبيات في الطريق الثالث والرابع والخامس من بحر ( الوافر ) ورويها على حرف ( النون ) !!! والمعاني مختلفة في الصور الثلاث !! وهذا اضطراب عجيب لا يمكن الاطمئنان معه إلى صحة هذه الأبيات .
فإن قيل : ألا يعضد الطرق الثالث والرابع والخامس بعضها بعضا من جهة اتحاد الأبيات فيها ؟؟ فالجواب : إن الطريق السادس صحيح لذاته وهو شاهد للطريق الأول !! فإن لم نرجح هذا الطريق لصحته لذاته واعتبرنا الطرق الأخرى وجب الاضطراب .

لكن لا يفوتني هنا أن أشير إلى بعض ما وجدته من أحكام على هذه القصة :

أولا ـ الحافظ ابن عبد البر قال في الاستيعاب عن هذه القصة : (( روينا من وجوه صحاح .. )) !! ومعنى قوله هذا أنه يصحح كل طريق من طرق هذه القصة !! فهذا إما تجوز منه وتوسع وإنما أراد أنها واردة من طرق متعددة يشد بعضها بعضا ، وإما خطأ منه لما مر من أنه لا يصح لهذه القصة طريق بمفرده .

ثانيا ـ وهناك احتمال ثالث رأيته للعلامة محمد زاهد الكوثري ، قال في تكملة النونية ما نصه ص143 :
(( وهذه قصة تذكر في كتب المحاضرات والمسامرات دون كتب الحديث المعتمدة ، ولم ترد في كتب أهل الحديث بسند متصل ولو من وجه واحد وأما ما وقع في الاستيعاب من قول ابن عبدالبر : رويناه من وجوه صحاح ، فسهو واضح من الناسخ ، وأصل الكلام : من وجوه غير صحاح ، فسقط لفظ ( غير ) فتتابعت النسخ على السهو إذ لم يجد أهل الاستقصاء سندا واحدا يحتج بمثله في هذه القصة بل كل ما عندهم في هذا الصدد أخبار منقطعة ، وما يكون في عهد ابن عبدالبر مرويا بطرق صحيحة كيف لا يكون مرويا عند من بعده ولو بطريق واحد صحيح ؟! وهذا يعين ما قلنا من سقوط لفظ ( غير ) في الكتاب ، ولم يتمكن الذهبي بعد بذل جهده من ذكر سند واحد غير منقطع في القصة .. )) اهـ .
وهذا الاحتمال الذي ذكره الأستاذ الكوثري وارد ومعقول .

ثالثا ـ ورأيت الحافظ التاج السبكي قال في طبقات الشافعية 1/139 :
(( قلت : ولم يخرج هذا الأثر في شيء من الكتب الستة )) ثم قال : (( واعلم أن الأثر عن عبدالله بن رواحة روي على وجه آخر وبشعر آخر فرواه الدارقطني من حديث زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام عن عكرمة قال كان عبدالله بن رواحة … كذا رواه الدراقطني مرسلا ورواه من وجه عن زمعة عن عكرمة عن ابن عباس متصلا ، وزمعة وشيخه سلمة بن وهرام متكلم فيهما )) اهـ كلام الإمام السبكي وهو صحيح ، وهو يشير إلى ضعف هذا الطريق ، لكنه لم يستوف ذكر الطرق فيكون كلامه منصبا على طريق الدارقطني فقط وهو طريق عكرمة .

رابعا ـ والمفهوم من صنيع الألباني في مختصر العلو أنه لا يصحح هذه القصة لأنه حذفها من المختصر وهي موجودة في الأصل للذهبي ، وهو لا يفعل ذلك إلا إذا رأى عدم صحتها ، لكن لا أدري ما سبب التضعيف عنده ؟ أهو راجع إلى المتن أم السند ؟؟ أم غليهما معا ؟؟ .

خامسا ـ ورأيت محقق كتاب العلو للمقدسي طبعة الدار ( السلفية ) ص99 بعد أن ذكر طريقين فقط ، وهما طريق الماجشون وقدامة قال : (( والطريقان لا يقوي أحدهما الآخر لشدة ضعفهما .. )) اهـ والمفهوم من كلامه أنه لم يقف على باقي الطرق !! ورأيته قال في تعليقه على ( الرد على الجهمية ) ص47 بعد أن ذكر الطريقين : (( فطرقه ضعيفة ضعفا لا يقوي بعضها بعضا .. )) اهـ فالظاهر أنه لم يتتبع الطرق كلها ، كما يفهم من كلامه أن الضعف الكائن في هذين الطريقين ضعف شديد وبالتالي لا ينجبر !! وهذا خلاف الواقع فليس في هذه الأسانيد من هو في حد المتروك ، فإن قصد الوسائط المجهولة فهذا أيضا غير سديد لأنه مبني على كون المجهول متروك !! وهذا مردود لأن الجهالة لا سيما في المتقدمين من كبار التابعين في حد المقبول ، قال الحافظ الذهبي في ختام كتاب الضعفاء :
(( وأما المجهولون من الرواة فإن كان الرجل من كبار التابعين أو أواسطهم احتمل حديثه ، وتلقي بحسن الظن إذا سلم من مخالفة الأصول ومن ركاكة الألفاظ .. وإن كان الرجل منهم من صغار التابعين فسائغ رواية خبره ، ويختلف ذلك باختلاف جلالة الراوي عنه وتحريه وعدم ذلك ، وإن كان المجهول من أتباع التابعين فمن بعدهم فهو أضعف لخبره سيما إذا انفرد به .. )) اهـ .

وناهيك بمن يروي عنه عكرمة ونافع ويزيد ابن الهاد وأشباههم ، فرد هذا الخبر ـ عند من رده لا يسوغ أن يكون لعلة الترك أي ليس لكونه ضعيفا ضعفا لا ينجبر ـ كما قيل ـ بل لقرائن مجتمعة ، تفهم مما ذكرناه .

فهذه الأحكام منصبة على طرق هذه الرواية ، وسيأتي ما يتعلق بالمتن .

ثانيا : ( بحث متن القصة ) :

قد تقدم ما يتعلق بالإسناد ، ورأينا أنه لا يصح سند واحد لهذه القصة ، وغاية ما يقال أن الأحداث المشتركة في الطرق الست لهذه القصة يشهد بعضها لبعض فيرتقي الإسناد إلى الحسن لغيره ، فلو قال قائل هذا لم يكن قوله عندي ببعيد ، ولكن هناك إشكالات وردت على المتن لا بد من التعرض لها ، فإن عجزنا عن الجواب لم يكن بد من نكارة القصة أو شذوذها :

( الاعتراض الأول ) :

هذه القصة فيها ـ من جهة الظاهر ـ ما يضع من قدر صحابي رفيع المقام ، وذلك أن عبدالله بن رواحة من أجلاء الصحابة ، ومن كبارهم ممن جاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم وقاد المسلمين في مؤتة حتى استشهد ، ومثله لا يليق صدور ذلك منه بحال ، إذ كيف يتصور أن مثله يوهم زوجه بأن شعره من كلام الله تعالى ؟؟!! ، رأيت هذا الاستشكال لفضيلة العلامة محمد زاهد بن الحسن الكوثري إذ قال في تكلمة النونية ص143 :
(( وأفعال الصحابة كلها جد ، وجل مقدار مثل هذا الصحابي عن أن يوهم صحابية أنه يتلو القرآن بإنشاده الشعر لها .. )) اهـ .
كما رأيته لمحقق العلو للمقدسي ـ طبعة الدار السلفية ـ قال : (( ومتن القصة منكر ، إذ كيف يوهم هذا الصحابي الجليل زوجه بأنه قد قرأ عليها قرآنا ؟ فكان عليه أن يجيبها بشيء آخر ، والله أعلم )) اهـ .
ونقل هذا المحقق عن المعلق على العلو طبعة المنار قوله : (( لا شك عندي في أن هذه المسألة موضوعة ، فإن صحابيا جليلا لا يكذب عمدا ، ويلبس القرآن )) اهـ .

الجواب :
يمكن أن يجاب بأنه رضي الله عنه لم يسبق له توجيه من النبي صلى الله عليه وسلم بخصوص هذا الخطأ الذي وقع له ، وإنما يلزم يقبح هذا لو كان النبي قد حذرهم من هذا ونهاهم من قبل ، ولا دليل على هذا ، بل لابد من وقوعهم في الخطأ ليعلمهم النبي الصواب كما حصل في رفع الصوت بحضرته وقصة مهاجر أم قيس وقصة قتل أسامة لمن شهد أن لا إله إلا الله وهكذا ، وقد يجوز أن عبدالله بن رواحة لما علم بإباحة الكذب على الزوج بنية الصلح ظن هذا الجواز على إطلاقه بحيث يتناول مثل هذا الصنيع منه ، ويجاب أيضا بأنه قد يجوز أن يكون أدرك أنه ارتكب محرما ـ وهو غير معصوم قطعا ـ ولهذا أخبر النبي من خوفه ووجله فطمأنه النبي بمغفرة زلته لحسن مقصده .

( الاعتراض الثاني ) :

كيف يرتكب هذا الخداع والتدليس ليفر من الاعتراف بشيء حلال مباح ؟؟!! .


والجواب :
أن الكذب على الزوجة من أجل الإصلاح لا يدخل في الوعيد على الكذب المذموم ، وقدمنا أنه قد يكون معذورا لعدم علمه ، ولهذا ذهب إلى النبي وأخبره بما كان منه .

( الاعتراض الثالث ) :

كيف يتصور أن امرأة عربية من ذلك الجيل لا تفرق بين الشعر والقرآن ؟؟!!.

الجواب :
هذا الإشكال لم أجد جوابا مقنعا عليه ، ولن يخلو الجواب عليه من تكلف وتعسف ، إذ يبعد كل البعد أن يشتبه القرآن على امرأة عربية زوج لشاعر كبير ، والاعتذار بأنها لا تحفظ القرآن لا يصلح ، ومثل هذا الإشكال يصعب دفعه عندي ، ولو تصورنا أن المجتمع العربي ذلك الوقت كان غير قادر على التفريق بين الشعر والقرآن كهذه المرأة لكان ذلك من أعظم حجج أهل الإلحاد والزندقة ، وهذا ما قام الإجماع والأدلة والبراهين على بطلانه .

( الاعتراض الرابع ) :

كيف يعقل أن الله تعالى يقول مثل هذه العبارات : ( أتانا رسول الله ) !! ( كتابه ) !! ( فقلوبنا به موقنات ) !! أفيجوز في عقل عاقل من هذا الجيل أن يكون الله هو قائل هذا ؟؟!! اللهم لا ، فكيف يجوز ذلك في فهم امرأة عربية فصيحة من جيل فجر الإسلام ، وزوج صحابي جليل شاعر من فصحاء العرب ؟؟!! .

الجواب :
أقول : هذا الإشكال أيضا كسابقه يصعب دفعه ، لأن الأبيات في كل صورها تحمل ألفاظا لا يتصور العربي الفصيح صدورها من الله ، لأن الله لا يجوز أن يقول تلك الألفاظ ، فكيف جوزت زوج ابن رواحة أن يكون هذا من كلام الله ؟؟!! ولو جاز اشتباه ذلك على امرأة عربية من ذلك الجيل لجر هذا لنتائج خطيرة ، ولعل هذا مما لا يشتبه على نساء هذا الجيل فكيف بذاك ؟؟!! ولم أجد ما أدفع به هذا الإشكال أيضا ، ويصعب أن نتصور القصة دون الأبيات الشعرية فيها .

( الاعتراض الخامس ) :

إن عبدالله بن رواحة قد قال لها : ما رأيتني !! وهذا كذب لأنها رأته .

الجواب :
هذا يمكن دفعه بما تقدم من أن عبدالله بن رواحة لم يكن يعلم حكم هذا الفعل فمشى على البراءة الأصلية ، أو لعله كان يعلم أن الكذب من أجل الإصلاح سائغ ، أو لعله عنى ما رأيتني من رآه إذا ضربه على رئته لا من الرؤية البصرية تورية ، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب .

( الاعتراض السادس ) :

ثم هي تقول : آمنت بالله وكذبت بصري !! فكيف سكت عنها وقد صدقت أن شعره هو كلام الله !! أم كيف كذبت ما رأته بعينها وهو يقين !! وما نعلم أن مذهبا كذب البصر إلا السوفسطائية الذين لا يدرون إذا نظروا إلى أحدهم أحمار هو أم إنسان أم جماد !!! .

الجواب :

يمكن الجواب بأن سكوته لعله لأنه لم يعرف الحكم كما قدمنا فظن أن مثل هذه الحيلة جائزة ثم علم عدم جوازها من النبي ، أو لعله فرع على جواز الكذب بنية الإصلاح جواز السكوت أيضا على اعتقاد الخطأ ، أما تكذيبها البصر فيمكن حمله على أنها ظنته إياه ولم تتحققه جيدا ، والظن الغالب قد يندفع بمثله أو بما هو أقوى منه فلا تكون رؤيتها رؤية تحقق وإدراك تام ، لا سيما إذا كان ذلك بالليل ، فلا يكون تكذيبها لرؤيتها ورجوعها عن شيء هو متيقن عندها ، بل لما هو مظنون فقط لورود ما هو أقوى منه عندها .

( الاعتراض السادس ) :

كيف يضحك النبي صلى الله عليه وسلم ـ ورضاه إقرار !! ـ من هذا الفعل !! وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه : (( من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار )) !! هذا فيمن كذب عليه هو صلى الله عليه وسلم ، فكيف بمن كذب على الله ؟؟!! والله تعالى يقول في ذم الكفار : (( ويقولون هو من عند الله ، وما هو من عند الله ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ))

ويقول تعالى : (( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب .. )) .. وتلخيص هذا الاعتراض في كلام الأستاذ الكوثري في التكملة حيث قال :
(( وإيهام كون الشعر من القرآن ليس مما يقر عليه النبي صلى الله عليه وسلم فمتن الخبر نفسه يدل على البطلان .. )) اهـ .

الجواب :
هذا الضحك لا يدل على الإقرار بل على استظراف هذه الحيلة الدالة على الذكاء فقط ، ولهذا ذكرها ابن الجوزي في كتاب الأذكياء ، فقد يجتمع الضحك والاستنكار معا ، كما ضحك النبي من اليهودي في خبر الأصابع ، وكما ضحك النبي من الذي أتى امرأته في نهار رمضان وكما ضحك من اعتقاد عائشة لحصان له جناحان ونحو ذلك ، وليس في القصة أن النبي أقره على هذا بل في طريق اليزيدي ـ مثل سير النبلاء ـ أن النبي لم ( يغير عليه ) كذا بالياء المثاة تحت ، ولعله ( لم يغبر عليه ) من الاغبرار وهو تغير اللون ، أي لم يشدد ، ومعناه أنه أنكر عليه هذا وعلمه عدم جوازه غير معنف له ولا ساخط عليه ، لأنه كان حسن النية ، والجاهل يتلطف به ويعلم ، وما كان الرفق في شيء إلا زانه .

( الاعتراض السابع ) :

ورود لفظ ( فوق العرش ) !! .

الجواب :
الأبيات الواردة في القصة مضطربة فهي لم تتفق على هذا اللفظ كما مر ، وعلى فرض صحة ورود هذا اللفظ فلا إشكال أيضا في استعماله لأن الإشكال إنما هو في حمله على ظاهره المحسوس لنا ، وليس هذا مما يحمل على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ، بل يفوض علمه إلى الله ، أو يؤول تأويلا صحيحا ، ومن ألطف تأويلاته ما نقله الإمام تاج الدين السبكي في الطبقات 1/139 عن الإمام الرافعي الفقيه الكبير واستحسنه فقال :
(( ما أحسن قول الإمام الرافعي في كتاب الأمالي وقد أورد هذه الأبيات : هذه الفوقية فوقية العظمة والاستغناء ، في مقابلة صفة الموسومين بصفة العجز والفناء )) اهـ .

الخلاصة :

تبين من خلال ما تقدم أن طرق القصة قد يقال فيها بأنها ترتقي إلى الحسن لغيره ، أو على الأقل ترقى عن الإنكار بذلك التعدد ، ولكن تبقى متقاصرة عن درجة الحجة لا سيما مع ورود الإشكالات على المتن ، ولا يخلو الجواب عن بعضها من تكلف ، وفي الجملة أميل إلى أن هذه القصة قد حصلت على نحو ما ليس بالضرورة أن يتطابق كل التطابق مع سياق هذه المقاطيع هنا ، لكني لا أستطيع أن أقول بأنها صالحة للاحتجاج في شيء من أبواب العقد والحلال والحرام ، هذا والله أعلم ، وصلى والله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .