يسأل: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أن أكثرهم لن يؤمن به؟
النتائج 1 إلى 4 من 4
7اعجابات
  • 1 Post By محمود عبدالراضى
  • 2 Post By محمدعبداللطيف
  • 2 Post By أبو مالك المديني
  • 2 Post By أبو مالك المديني

الموضوع: يسأل: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أن أكثرهم لن يؤمن به؟

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Feb 2016
    المشاركات
    550

    افتراضي يسأل: لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أن أكثرهم لن يؤمن به؟

    السؤال : أرجو منكم إعطائي إجابة وافية وكافية قدر المستطاع عن سؤالي ، راجياً عدم التطرق للأجوب التقليدية التي أكاد أحفظها. أنا شاب في العشرينيات ن أحب القراءة والأطلاع على الثقافات الأخرى ، أحفظ نصف القرآن تقريباً ، وأقرأه باستمرار، واجهتني العديد من الشكوك حول الإسلام فيما مضى ، واستطعت أن أجد الإجابة عنها ، ولكن كلما قرأت أكثر عن الإسلام وعن الأديان بشكل عام وجدت أنها تحوي العديد من الخرافات ، وأن الدين والعلم الحديث خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيا ، فالدين ينفي نظريات علمية مثبتة والمستخدمة في حياتنا اليومية بشكل قاطع ، مما أثار ش**** . سؤالي هو: لماذا خلقنا الله وهو يعلم أن معظمنا لن يؤمن به وأن معظمنا سيذهب إلى جهنم ؟ ولماذا كل هذه الأديان والاختلافات فيما بينها ؟ وإذا كان الله هو خالق كل شيء فمن خلق الله ؟ ألا يتنافى ذلك مع منطقنا البشري ؟ علماً أني قرأت الحديث الذي مفاده أن من أتى خاطره هكذا سؤال فليستعذ بالله ولينته!! كيف لي أن أؤمن والإيمان يمنعي من أن أفكر منطقياً؟ ألم يقل الله في القرآن : ( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ) ؟ ومما يزيد ش**** حول هذا الأمر أن الدول العلمانية هي الدول المتقدمة اقتصادياً وسياسياً وعلمياً ، وأن المسلمين هم أكثر الشعوب تخلفاً ، خصوصاً في بلادنا العربية ، وكيف كان المسلمين يقتلون العلماء ، ويتهمونهم بالإلحاد في العصور الماضية حين يطرح أولئك نظريات جديدة ، كما حصل بالذات مع الفلكي غاليلو غاليليه . أعتذر عن الإطالة ، وأرجو منكم إعطائي الجواب الشافي الذي يبين لي جادة الصواب ، وشكراً.
    تم النشر بتاريخ: 2017-10-02


    الجواب :
    الحمد لله
    أولا :
    لقد آلمتنا رسالتك أشد الألم ، لما وصل إليه الحال ببعض المسلمين إلى الشك في أحقية الإسلام، مع الجهل بحقيقة هذا الدين وعلاقته بالعقل والعلم ، وإلصاق التهم به التي يرددها أعداؤه ، من غير بصيرة ولا تعقل ولا تدبر .
    ونحن نقول لك حقيقة ظاهرة ساطعة ولكنها خفية عمن تعامى عنها وأغلق عينيه فلم يرها :
    لم يطعن أحد في دين الإسلام إلا أحد رجلين :
    إما أن يكون صاحب هوى ، ويعلم الحق ويخالفه عمدا ، وإما أن يكون جاهلا بحقيقة الإسلام ، فينسب إليه ما هو بريء منه ، ثم يطلق عليه الاتهامات !!

    ثانيا :
    يجب أن تعلم أنه مهما بلغ الإنسان من الذكاء وقوة العقل، وحصل على ما حصل عليه من الشهادات والدرجات العلمية ، فإنه إذا لم يهتد بنور الوحي، فإنه سيكون في ضلال ، وسيتناقض، ويأتي بما يخالفه فيه كل العقلاء ، وهو يظن أنه أكمل الناس عقلا وذكاء !!
    واعتبر ذلك بمن مضوا، ممن وصفوا بأنهم من "أذكياء العالم" ، ولكنهم حين اعتمدوا على عقولهم، وتركوا نور الله : ضلوا ، ولم يبلغوا حقيقة العلم ، ولا شفاء الصدور !!
    وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن الفلاسفة : "وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِي نَ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَ ةِ وَغَيْرِهِمْ ، فِي الْغَالِبِ : (لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) ، يَعْلَمُ الذَّكِيُّ مِنْهُمْ وَالْعَاقِلُ: أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا يَقُولُهُ عَلَى بَصِيرَةٍ ، وَأَنَّ حُجَّتَهُ لَيْسَتْ بِبَيِّنَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قِيلَ فِيهَا:
    حُجَجٌ تهافت كَالزَّجَّاجِ تَخَالُهَا * حَقًّا وَكُلُّ كَاسِرٍ مَكْسُورٌ
    وَيَعْلَمُ الْعَلِيمُ الْبَصِيرُ بِهِمْ : أَنَّهُمْ ، مِنْ وَجْهٍ : مُسْتَحِقُّونَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، حَيْثُ قَالَ: حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ ، وَيُطَافُ بِهِمْ فِي الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ ، وَيُقَالُ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ.
    وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ إذَا نَظَرْت إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْقَدَرِ - وَالْحَيْرَةُ مُسْتَوْلِيَةٌ عَلَيْهِمْ ، وَالشَّيْطَانُ مُسْتَحْوِذٌ عَلَيْهِمْ - : رَحِمَتْهُمْ ، وَتَرَّفِّقْت بِهِمْ؛ أُوتُوا ذَكَاءً، وَمَا أُوتُوا زكَاءً، وَأُعْطُوا فُهُومًا ، وَمَا أُعْطُوا عُلُومًا ، وَأُعْطُوا سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ؛ (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) .
    وَمَنْ كَانَ عَلِيمًا بِهَذِهِ الْأُمُورِ: تَبَيَّنَ لَهُ بِذَلِكَ حِذْقُ السَّلَفِ ، وَعِلْمُهُمْ وَخِبْرَتُهُمْ ؛ حَيْثُ حَذَّرُوا عَنْ الْكَلَامِ ، وَنَهَوْا عَنْهُ ، وَذَمُّوا أَهْلَهُ وَعَابُوهُمْ . وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمْ يَزْدَدْ مِنْ اللَّهِ إلَّا بُعْدًا.
    فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَهْدِيَنَا صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ آمِينَ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَصَلَاتُهُ وَسَلَامُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ" انتهى من "مجموع الفتاوى" (5/119) .

    فاحذر يا عبد الله من أن تبتعد عن الكتاب والسنة ، أو تطلب الهدى من غيرهما .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    "فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْخَارِجِينَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ فُرْسَانِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاقَضَ ، فَيُحِيلَ مَا أَوْجَبَ نَظِيرَهُ ، وَيُوجِبُ مَا أَحَالَ نَظِيرَهُ ، إذْ كَلَامُهُمْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)" انتهى من "مجموع الفتاوى" (13/305) .
    وبيان ذلك :
    أنك ذكرت أنك وجدت أن الأديان – بما فيها الإسلام – تحوي العديد من الخرافات .ونحن لا يعنينا الحديث عن سائر الأديان فإننا نوافقك على أن فيها خرافات لأنها ليست من عند الله ، ولكن .. أين هي تلك الخرافات التي تنسبها إلى الإسلام ؟!
    فلعلك قرأت مقالا أو كتابا لأحد أعداء الإسلام ، نسب فيه إلى الإسلام ما هو بريء منه ، حتى يتمكن من الطعن في الإسلام ، فظننت – لنقص علمك بالإسلام – أن هذا هو الإسلام فعلا ، وأنه يحوي على بعض الخرافات ، والأمر في حقيقته ليس كذلك ، ولكنك أُتِيت من عدم علمك بالإسلام حق العلم .
    ولذلك فنحن ننصحك بالقراءة عن الإسلام من كتب الإسلام المعتبرة نفسها ، فهذا القرآن الكريم وتفاسيره المعتمدة ، كابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي .. وغيرهم .
    وهذه كتب السنة الصحيحة وشروحها .
    وهذه كتب الفقه والسيرة والأدب والأخلاق .. التي ألفها علماء معتبرون ، قديما وحديثا .
    أما أن تأخذ الإسلام من أعدائه أو جهاله أو منافقيه – فقطعا – لن يكون هذا هو الإسلام الذي ارتضاه الله لنا دينا .
    ولذلك فنحن نطالبك بأن تبين لنا هذه الخرافات التي تدعي أنها موجودة في الإسلام حتى نتبين أمرها وننظر فيها ، ولكنك لم تذكر ولو خرافة واحدة .

    2- وذكرت تعارض الدين – ومنه الإسلام – والعلم ، وأن الدين ينفي حقائق علمية ثابتة بشكل قاطع ..
    ونحن نتساءل : أين هذا التعارض ؟ وأين تلك الحقائق العلمية الثابتة والتي نفاها الإسلام ؟
    ونحن نجيب بشكل قاطع : لا وجود لذلك في ديننا ، فالإسلام حث على العلم وحض عليه ، وقد كان علماء المسلمين يخترعون ويكتشفون والدنيا كلها من حولهم في ظلام دامس تتخبط في الجهل والتخلف .
    وبحسبك أن تقرأ ما كتبه المنصفون من مؤرخي الغرب وعلمائهم ، عن : تاريخ العلوم في الإسلام ، وتاريخ الحضارة الإسلامية ، وعظمتها .

    3- وأما كون الإيمان يمنعك من أن تفكر تفكيرا منطقيا .. فلا ندري عن أي منطق تتحدث ؟
    عن المنطق الذي يريد أن يجعل الخالق مخلوقا؟
    والذي يريد أن يجعل الأول الذي لا ابتداء له ، ولم يُسبق بعدم ، يريد أن يجعله مخلوقا مسبوقا بعدم ؟
    فهل هذا هو المنطق الذي تريده ؟
    إن المنطق الصحيح هو الذي يؤدي إلى نتائج صحيحة ، عن طريق قضايا عقلية صحيحة .
    أما تركيب قضايا فاسدة ، وبناء النتائج عليها : فهذا شأن المسفسطين ، وأهل الباطل ، لا طلاب الحقائق .
    وما ذكرته من شأن السؤال : فيمن خلق الله ، إنما هو وساوس شيطانية يلقيها الشيطان في نفس ابن آدم ويخدعه حتى يظن أنها هي العقل والمنطق فتستقر في قلبه .
    ومن أجل ذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أشرت إليه أن من عرض له شيء من هذه الوساوس أن يستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم ولينته ، لأن هذه الأفكار هي مجرد وساوس من الشيطان ، لا علاقة لها بالعقل والمنطق .
    فهذا هو ما نهاك عنه الشرع .
    وانظر السؤال رقم (6660) ، (225512) .

    أما التفكير العقلي المنطقي الصحيح فإن الشرع لا ينهاك عنه ، بل يأمرك به ، فانظر إلى نفسك وإلى الكون جميعه من حولك وتأمل ذلك .
    وانظر الحكمة التي خلقت من أجلها .
    والغاية التي تسير إليها ، فاستعد واعمل لذلك .
    هذا الكون من حولك خلقه الله لك ، فتأمل فيه ، وأعمل عقلك واكتشف واخترع وجرب .. حتى تفيد نفسك والمجتمع والناس جميعا . فهل الإسلام منعك من شيء من هذا ؟
    ولكن للأسف !!

    كثير من الناس – أو أكثرهم – تركوا ما خلقوا من أجله وما أمروا به ، وانشغلوا بما لم يخلقوا من أجله ولم يؤمروا به ، بل نهوا عنه .

    إننا نخاطبك هنا بصفتك مسلما تحفظ كثيرا من القرآن وتقرؤه باستمرار .
    مالك ولسؤال الخالق جل وعلا : لماذا خلقك ؟
    فهل هذا هو الأدب مع الله ؟ وهل هذا هو تعظيم الله الواجب على كل مسلم ؟
    إنه ليس لك ولا لغيرك أن يسأل الله تعالى : لماذا فعلتَ كذا ، قال الله تعالى : (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) الأنبياء/23 .
    هل تدري لماذا لا يُسأل الله عما يفعل ؟ ذلك لكمال سلطانه وعلمه وحكمته ، فلا يفعل إلا أحسن الأشياء وأحكم وأتقن الأشياء ، علم ذلك من علمه وجهله من جهله ، فدعك مما لا يحل لك ، ولا شأن لك به ، واهتم بشأنك وما ستُسأل عنه (وَهُمْ يُسْأَلُونَ).
    فإنك تعتقد – بصفتك مسلما – أن الله خلقك وكلفك بشريعة (أوامر ونواهٍ) وجعل مدة الاختبار والعمل هي حياتك ، وبنهايتها تبدأ مرحلة الحساب على ما قدمته من عمل ، حتى ينتهي الأمر إلى البعث والحساب والعرض الأكبر ، ثم إما إلى جنة وإما إلى نار .
    فإن كنت تعتقد ذلك كله ، كما هو شأن المسلم ، وكما هو الواجب عليك : فعليك بما خلقت من أجله ، وأمرت به ، ودع عنك ما وراء ذلك ، فما هي إلا وساوس عدوك الشيطان يريد منك أن تصاحبه في نار جهنم ، (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) فاطر/6 .

    4- وأما تخلف الدول الإسلامية وتقدم الدول العلمانية ، فلا علاقة للإسلام بذلك ، فالإسلام أمر أتباعه بالعلم والعمل والبحث والاستفادة من السنن والقوانين التي جعلها الله في الكون ، ولكنهم لم يفعلوا ذلك فتخلفوا ، فما ذنب الإسلام في هذا ؟
    وهل كل من ترك الإسلام ، أو من لم يدخل فيه أصالة : صار عالما ، غنيا ، قويا .. ؟

    5- وأما كثرة الأديان والاختلاف بينها .
    فالدين عند الله تعالى دين واحد ، وهو دين الإسلام ، وهو دين الانبياء جميعا من آدم إلى خاتمهم نبينا محمد ، عليهم جميعا الصلاة والسلام (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ) آل عمران/19 .
    ولو اتبع الناس الأنبياء لم يقع بينهم اختلاف في الدين ، ولكن أكثر الناس لم يرض باتباع الأنبياء ، وسلم قياده للشيطان والنفس والهوى والعقل القاصر ، فأدى بهم ذلك في النهاية إلى اختراع أديان ومذاهب وملل حسب أمزجتهم وما تهواه أنفسهم ، وقد كان كل أولئك يظنون أو يرون أنهم أعقل الناس وأكثرهم تفكيرا منطقيا ، وهم في الحقيقة يعبدون الشيطان ، الذي أمرهم بالكفر فكفروا وزين لهم أعمالم فاتبعوه .
    قال الله تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)60-62 .
    وانظر السؤال رقم (175339) .

    وسوف يعترف هؤلاء بأنهم لم ينتفعوا من نعمة العقل بشيء ، حين ضلوا عن صراط الله المستقيم في الدنيا ؛ لكن : ساعة لا ينفعهم ذلك الاعتراف بشيء : (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) الملك/10 .
    فاستمسك يا عبد الله بما جاءك من البينات والهدى ، وحبل الله المستقيم .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " وَفِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن الْحَارِث عَن عَليّ ، عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم . وَرَوَاهُ أَبُو نعيم الْأَصْفَهَانِي وَغَيره من طرق عديدة عَن عَليّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ، فِي الْقُرْآن ، الحَدِيث الْمَعْرُوف :
    ( قَالَ : قلت يَا رَسُول الله ، سَتَكُون فتن ؛ فَمَا الْمخْرج مِنْهَا ؟
    قَالَ كتابُ الله ، فِيهِ نبأ مَا قبلكُمْ ، وَخبر مَا بعدكم ، وَحكم مَا بَيْنكُم .
    هُوَ الْفَصْل لَيْسَ بِالْهَزْلِ ، من تَركه من جَبَّار قصمه الله ، وَمن ابْتغى الْهدى فِي غَيره أضلّهُ الله، وَهُوَ حَبل الله المتين ، وَهُوَ الذّكر الْحَكِيم ، وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم ، وَهُوَ الَّذِي لَا تزِيغ بِهِ الْأَهْوَاء، وَلَا تخْتَلف بِهِ الآراء ، وَلَا تَلْتَبِس بِهِ الألسن ، وَلَا يخلق عَن كَثْرَة الرَّد .
    وَلَا تنقضى عجائبه ، وَلَا يشْبع مِنْهُ الْعلمَاء !!
    من قَالَ بِهِ صدق ، وَمن حكم بِهِ عدل ، وَمن عمل بِهِ أُجِر ، وَمن دَعَا إِلَيْهِ ، هُدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم ) .
    فَقَوله : ( من تَركه من جَبَّار قصمه الله ، وَمن ابْتغى الْهدى فِي غَيره أضلّهُ الله ) : يُنَاسب قَوْله تَعَالَى : ( كَذَلِك يضل الله من هُوَ مُسْرِف مرتاب ) [سُورَة غَافِر 34] ، وَكَذَلِكَ قَوْله : ( كَذَلِك يطبع الله على كل قلب متكبر جَبَّار ) سُورَة غَافِر 35 .
    فَذكر ضلال الأول ، وَذكر تجبر الثَّانِي !!
    وَذَلِكَ : لِأَن الاول مرتاب ، ففاته الْعلم ، حَيْثُ ابْتغى الْهدى فِي غَيره .
    وَالثَّانِي : جَبَّار عمل ، بِخِلَاف مَا فِيهِ ، فقصمه الله .
    وَهَذَانِ الوصفان : يجمعان الْعلم ، وَالْعَمَل .
    وَفِي ذَلِك بَيَان : أن كل علمِ دينٍ ، لَا يُطْلب من الْقُرْآن ، فَهُوَ ضلال ، كفاسد كَلَام الفلاسفة والمتكلمة والمتصوفة والمتفقهة .
    وكل عَاقل يتْرك كتاب الله ، مرِيدا للعلو فِي الارض وَالْفساد : فإن الله يقصمه .
    فالضال : لم يَحصل لَهُ الْمَطْلُوب ، بل يُعذب بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا فَائِدَة فِيهِ .
    والجبار : حصل لَذَّة ، فقصمه الله عَلَيْهَا .
    فَهَذَا : عُذِّب بِإِزَاءِ لذاته الَّتِي طلبَهَا بِالْبَاطِلِ .
    وَذَلِكَ : يعذب بسعيه الْبَاطِل ، الَّذِي لم يفده !! " انتهى، من "الاستقامة" (1/20-21) .

    وننصحك بالعناية بقراءة ومدارسة : كتاب "مشكلة الشر" وكتاب " من خلق الله " ، كلاهما للدكتور سامي عامري ، حفظه الله .

    نسأل الله تعالى لك الهداية والتوفيق إلى ما فيه خيركم في الدنيا والآخرة .
    والله أعلم .
    https://islamqa.info/ar/271769

    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    1,125

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمود عبدالراضى مشاهدة المشاركة
    لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم أن أكثرهم لن يؤمن به
    الحكمة من خلقه للكفار وإيجاده لهم مع علمه بأنهم يكفرون، وأنه سبحانه هو الذي قضى عليهم بذلك.. فلأن كثيرا من أنواع العبودية التي يحبها الله تعالى لم تكن لتحصل لولا وجود الكفر والكفار، كعبودية الموالاة في الله والمعاداة فيه، وعبودية الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، أفترى لو لم يكن ثم كفار فكيف كانت تظهر فضيلة الرسل وأتباعهم، ومن كان يتخذ الله شهداء، وكيف كان يتحقق الصبر والمصابرة والمرابطة ونحوها من أنواع العبودية التي يحبها الله تعالى، وأيضا فإنه تعالى ذو الأسماء الحسنى، ولم تكن آثار أسمائه وصفاته لتظهر لولا خلق الكفار، فينتصر لأوليائه منهم ويخزيهم ويعاقبهم ويجعلهم عبرة لعباده ونحو ذلك من آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وأيضا فإنه سبحانه يحب أن يحمده عباده على نعمه وأعظمها نعمة الإيمان، وإنما تظهر هذه النعمة وينجلي حسنها بوجود ضدها وهو الكفر، وثم حكم كثيرة لخلق الكفار وإيجادهم تضيق عن بسطها هذه الفتوى المختصرة، لكننا ننقل هنا للفائدة طرفا صالحا من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله ينجلي به المقام وإن طال بعض الطول لكن لعل فيه ما يكفيك في الجواب عن هذا الإشكال، قال رحمه الله: الله سبحانه يحب أن يشكر، وشكره سبحانه واجب عقلا وشرعا وفطرة، بل وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب، وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب، فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا. وقد خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة، في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم، فإذا رأى المعافى المبتلى، والغني الفقير، والمؤمن الكافر عظم شكره لله وعرف قدر نعمته عليه وما خصه به وفضله به على غيره فازداد شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة، وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد: "أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك؟ قال إني أحببت أن أشكر". فإن قيل فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم ويسوي بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة؟ قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله، وهذه حكمة الرب، ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم وانتقام الرب منهم وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل، وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم. فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم، فالضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتبين الأشياء، ولولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور... وكذلك لو كان العباد كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ. وأيضا فإنه سبحانه يحب أن يعبد بأنواع العبودية ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه، والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية وأعلى مراتبها وهو أحب أنواعها إليه وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به، والأرواح التي تعاديه وتكفر به ويسلط بعضها على بعض لتحصل بذلك محابه على أتم الوجوه. وتقرب أوليائه إليه لجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلي أي شيء كانت كلمته ودعوته تعلو؟ فإن العلو أمر لشيء يستلزم غالبا ما يعلى عليه وعلو الشيء على نفسه محال. وأيضا فلولا الإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ. ولولا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة، فلو سوى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شيء إليه، ولأجلها خلق الجن والإنس، ولأجلها شرع الشرائع وأنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الدنيا والآخرة. وكما أن ذلك من صفات كماله فلو لم يقدر الأسباب التي يحصل بها ذلك لغاب هذا الكمال وتعطلت أحكام تلك الصفات. وهو سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه.مركز الفتوى أعلم أن الله سبحانه وتعالى هدى الإنسان لطريقي الخير والشر لقوله تعالى: "وهديناه النجدين و أعطى له حرية الاختيار ، وأعطى له من الآيات والدلائل على وحدانيته وقدرته فى الآفاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه الحق قال جل وعلا سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، وكذلك أرسل الرسل "لكي لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" -فَمَن شَاءَ بعد ذلك فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا



    أبو مالك المديني و محمود عبدالراضى الأعضاء الذين شكروا.

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,165

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,165

    افتراضي

    سائل يقول : لماذا خلق الله الخلق وهو يعلم مصيرهم في الجنة أو النار ؟!


    لدي سؤال أتمنى منكم الإجابة عليه ، وجزاكم الله خيراً ، إذا كان الله سبحانه يعلم الغيب ، ويعلم ماذا سيفعل الناس ، ويعلم من سيذهب إلى النار ، أو إلى الجنة - حيث إن علم الله سبق كل شيء - فلماذا خلَقَنَا إذن ؟ ولماذا أنزل الله إبليس إلى الأرض مع آدم و حواء ، مع العلم أن التوبة لن تنفعه وأنه حكم عليه بجهنم ؟

    الحمد لله
    أولاً:
    إن معرفة الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق فيها الجواب عن كثير من الإشكالات والشبهات التي يرددها كثير من الملحدين ، وقد يتأثر بها بعض المسلمين ، ومن تلك الشبهات الظن بأن الله تعالى خلق الناس من أجل أن يضع بعضهم في الجنة ، وآخرين في النار ! وهذا ظن خاطئ ، وما من أجل ذلك خلق الله الخلق ، وأوجدهم .
    وليعلم الأخ السائل – ومن رام معرفة الحق – أن الغاية من خلق الإنسان ، وخلق السموات ، والأرض : ليُعرف سبحانه وتعالى ، ويوحَّد ، ويطاع .
    قال تعالى : ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدون ) الذاريات/ 56 .
    قال ابن كثير – رحمه الله -:
    أي : إنما خلقتُهم لآمرهم بعبادتي ، لا لاحتياجي إليهم .
    وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ( إلا ليعبدون ) أي : إلا ليقروا بعبادتي طوعاً ، أو كرهاً .
    وهذا اختيار ابن جرير .
    " تفسير ابن كثير " ( 4 / 239 ) .
    وثمة خلط عند كثيرين بين الغاية المرادة من العباد ، وهي : شرعه الذي أحبه منهم ، وأمرهم به ، والغاية المرادة بالعباد ، وهي إثابة المطيع ، ومعاقبة العاصي ، وهذا من قدره الكائن الذي لا يرد ولا يبدل .
    قال ابن القيم - رحمه الله - :
    وأما الحق الذي هو غاية خلقها – أي : السموات والأرض وما بينهما - : فهو غاية تُراد من العباد ، وغاية تراد بهم .
    فالتي تُراد منهم : أن يعرفوا الله تعالى ، وصفات كماله عز و جل ، وأن يعبدوه لا يشركوا به شيئاً ، فيكون هو وحده إلههم ، ومعبودهم ، ومطاعهم ، ومحبوبهم ، قال تعالى : ( الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) .
    فأخبر أنه خلق العالم ليَعرف عبادُه كمالَ قدرته ، وإحاطة علمه ، وذلك يستلزم معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته وتوحيده .
    وقال تعالى ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ، فهذه الغاية هي المرادة من العباد ، وهي أن يعرفوا ربهم ، ويعبدوه وحده .
    وأما الغاية المرادة بهم : فهي الجزاء بالعدل ، والفضل ، والثواب ، والعقاب ، قال تعالى ( ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) النجم/ 31 ، قال تعالى ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) طه/ 15 ، وقال تعالى ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ) النحل/ 39 ، قال تعالى ( إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) يونس/ 3 ، 4 .
    " بدائع الفوائد " ( 4 / 971 ) .
    وللمزيد من معرفة الحكمة مِن خَلْق البشر : نرجو النظر جواب السؤال رقم ( 45529 ) .
    ثانياً:
    إن الله تعالى لا يُدخل الناس الجنة أو النار ، لمجرد أنه يعلم أنهم يستحقون ذلك ؛ بل يُدخلهم الجنة والنار بأعمالهم التي قاموا بها ـ فعلا ـ في دنياهم ، ولو أن الله تعالى خلق خلّقاً وأدخلهم ناره : لأوشك أن يحتجوا على الله بأنه لم يختبرهم ، ولم يجعل لهم مجالاً للعمل ، وهذه حجة أراد الله تعالى دحضها ؛ فخلقهم في الدنيا ، وركَّب لهم عقولاً ، وأنزل كتبه ، وأرسل رسله ، وكل ذلك لئلا يكون لهؤلاء حجة على الله يوم القيامة .
    قال تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) النساء/ 165 .
    قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – رحمه الله - :
    فصرح في هذه الآية الكريمة : بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحدٍ بإرسال الرسل ، مبشِّرين من أطاعهم بالجنة ، ومنذرين مَن عصاهم النار .
    وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعَها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين : بيَّنها في آخر سورة طه بقوله ( وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى ) ، وأشار لها في سورة القصص بقوله : ( وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ، وقوله جلَّ وعلا : ( ذلِكَ أَن لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ) ، وقوله : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ) ، وكقوله : ( وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ) ، إلى غير ذلك من الآيات .
    ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحداً إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام : تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة : بأنه لم يُدخل أحداً النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل ، فمن ذلك قوله جلَّ وعلا : ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُواْ بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ ) .
    ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا : ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ ) يعم جميع الأفواج الملقين في النار .
    قال أبو حيان في " البحر المحيط " في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه : و ( كُلَّمَا ) تدل على عموم أزمان الإلقاء ، فتعم الملقَيْن .
    ومن ذلك قوله جلَّ وعلا : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُم ْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ، وقوله في هذه الآية : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) عام لجميع الكفار ... .
    فقوله تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ) إلى قوله ( قالُوا بَلَى ) : عام في جميع الكفار ، وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا ، فعصوا أمر ربهم ، كما هو واضح .
    " أضواء البيان " ( 3 / 66 ، 67 ) .
    وفي اعتقادنا أن معرفة الغاية التي خلَق الله الخلق من أجلها ، ومعرفة أن الله تعالى لا يعذِّب أحداً وفق ما يعلم منه سبحانه ، بل جزاء أعماله في الدنيا ، وأن في هذا قطعاً لحجته عند الله : يكون بذلك الجواب عن الإشكال الوارد في السؤال .
    ثالثاً:
    وأما لماذا أنزل إبليس إلى الأرض ، مع آدم وذريته ، ففرق بين نزول آدم ونزول إبليس ؛ آدم عليه السلام نزل إلى الأرض ، وقد تاب إلى ربه جل جلاله ، فتاب عليه وهداه ، وأنزله إلى دار الدنيا ، نبيا مكرما ، مغفورا له ، يبقى في دار الدنيا إلى أجله الذي أجله الله له .
    وأما عدو الله إبليس ، فإنه لم يتب أصلا ، ولا ندم عن ذنبه ، ولا رجع ، ولا رجا التوبة ، ولا سلك لها سبيلا ، بل عاند واستكبر ، وطغى وكفر ، وطلب من الله جل جلاله ، ألا يعجل بهلاكه وعذابه ، بل يؤخر ذلك إلى يوم الوقت المعلوم ، لا يأخذ فرصته في التوبة ، ويتمكن من الإنابة ، بل ليكمل طريق الشقاء ، ويأخذ أهل الغواية معه إلى دار البوار ؛ فنزل إماما لحزبه ، حزب الشيطان الخاسرين ، لتتم حكمة الله في خلقه ، وابتلائه لهم : هل يطيعونه ، أم يطيعون عدوه ؛ ولتتم الشقوة على العدو اللعين : بعناده وفساده ، ويستحق من ربه الخسران المبين .
    والله أعلم .
    https://islamqa.info/ar/123973


    محمدعبداللطيف و محمود عبدالراضى الأعضاء الذين شكروا.

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •