السؤال : ما ضابط المحرم أو انتفاء الخلوة داخل حدود البلد؟ هل تعتبر بنت في سن ست سنوات أو سبع أن تكون نافية للخلوة مع السائق مثلا أو غيره؟ مع العلم بأنها مميزة وتفهم بشكل قوي الحمد لله تميز بين الصحيح والخاطيء.. أفتونا جزاكم الله خيرا
تم النشر بتاريخ: 2017-09-26


الجواب :
الحمد لله
أولا:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ( لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ ) رواه البخاري (5233) ومسلم (1341).
فقيّد هذا الحديث انتفاء الخلوة المحرمة بوجود المحرم، وزوج المرأة من باب أولى.
وضابط المحرم: " من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد أخت الزوجة وعمتها ، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها ، وبحرمتها الملاعنة " انتهى من "فتح الباري" (4 / 77).

وهل وجود شخص آخر غير المحرم ممن يوثق به تنتفي به الخلوة المحرمة؟
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
" قوله: ( ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم ) فيه منع الخلوة بالأجنبية وهو إجماع، لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا، كالنسوة الثقات؟ والصحيح الجواز لضعف التهمة به " انتهى، من "فتح الباري" (4 / 77).
ويدل لما صححه ابن حجر حديث عَبْدِ اللهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ )، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ( لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ، بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ ) رواه مسلم (2173).
قال النووي رحمه الله تعالى :
" ( لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ، بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ ) : المغيبة بضم الميم وكسر الغين المعجمة وإسكان الياء؛ وهي التي غاب عنها زوجها، والمراد غاب زوجها عن منزلها، سواء غاب عن البلد بأن سافر ، أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد .
هكذا ذكره القاضي وغيره، وهذا ظاهر متعيّن، قال القاضي: ودليله هذا الحديث ، وأن القصة التي قيل الحديث بسببها ، وأبو بكر رضى الله عنه غائب عن منزله ، لا عن البلد والله أعلم.
ثم إن ظاهر هذا الحديث : جواز خلوة الرجلين أو الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيُتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع المواطأة منهم على الفاحشة ، لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك ، وقد أشار القاضي إلى نحو هذا التأويل " انتهى، من "شرح صحيح مسلم" (14 / 155).
وقال رحمه الله تعالى:
" وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما؛ فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره كابن سنتين وثلاث ونحو ذلك؛ فإن وجوده كالعدم " انتهى، من "شرح صحيح مسلم" (9 / 109).

ويتحصّل مما سبق: أن الخلوة المحرمة، هي أن يجتمع الرجل بامرأة ليست من محارمه، في مكان يأمنان فيه من اطلاع من يستحى منه عليهما.
والحكمة من هذا التحريم؛ هو أنّ الخلوة بهذا الوصف مظنة لوقوعهما في فتنة الزنا أو مقدماته.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ: ( ... أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ ... ) رواه الترمذي (2165) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ "، وقال الحاكم في "المستدرك" (1 / 114): " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "ارواء الغليل" (6 / 215).

وراجعي الفتوى رقم (137095).

والطفل الذي يُستحيا منه هو من بلغ سن التمييز ، وهو في الغالب سبع سنوات ، ونحوها .
سئل الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله :
ما حكم جلوسي مع أخو زوجي، وأطفالي في حضرتي؟
فأجاب :
"ليس لك الجلوس مع أخي زوجك مع الأطفال؛ لأن هذه خلوة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن الشيطان ثالثهما) .
أما إذا كانوا مميزين بحيث يُحترمون : تزول الخلوة ، ابن سبع، وابن ثمان، وابن عشر .
أما الصغار دون السبع : فليس لوجودهم فائدة، ولا يمنع من الخلوة، فلا بد يكون الأولاد من سبع فأكثر، يحصل بهم زوال الخلوة" انتهى .
http://www.binbaz.org.sa/noor/2003

وبعض الأطفال يكون مميزا وهو دون سبع سنوات ، فتزول به الخلوة .
وذكر المرداوي رحمه الله في الإنصاف (3/19) اختلاف العلماء في سن التمييز ، فقال بعضهم: سبع سنوات ، وقال آخرون : ست . ثم قال :
"وقال ابنُ أبي الفَتْحِ، في «المُطْلِعِ»: هو الذي يفْهَمُ الخِطابَ، ويرُدُّ الجوابَ، ولا ينْضَبِط بسِنٍّ، بل يخْتلِفُ باخْتِلافِ الأفْهامِ. وقاله الطُّوفِيُّ في «مُخْتَصَرِه» في الأُصولِ. قلتُ: وهو الصَّوابُ، والاشْتِقاقُ يَدُلُّ عليه" انتهى .

وبناء على هذا ، فإذا كانت البنت ذات الست أو السبع سنوات مميزة ، بحيث يُستحيا من وجودها ، فإن الخلوة تنتفي ، فيجوز لأمها أن تركب مع السائق الأجنبي ، بشرط أن تكون الفتنة مأمونة ، لأن انتفاء الخلوة لا يعني جواز الركوب مطلقا وفي جميع الأحوال ، ففي الأحوال التي تخشى فيها الفتنة لا يجوز الركوب مع السائق ، حتى وإن لم تكن هناك خلوة .

وأمن الفتنة في مثل هذا يغلب إذا كان السير في طرق مأهولة ، داخل المدن ، والجلوس في المقعد الخلفي ، بعيدا من السائق ، مع وجود الصبي المميز كما سبق .

وأما خارج المدن ، وحيث لا يوجد من المارة من يمكنه أن يغيث المنادي ، أو يخشى منه : فمثل هذه الحال لا تؤمن مغبتها ، ولا يحصل فيها الأمن من الفتنة ، بل هي مظنة للفساد والعدوان .

ثالثا:
ومما تنصح به المرأة المسلمة، أن تقرّ في بيتها ولا تخرج إلا لحاجة مشروعة؛ حتى تسلم من فتن الطرق؛ وبهذا أمر الله تعالى :
( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) الأحزاب /33.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى :
"وقوله: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة " انتهى، من "تفسير ابن كثير" (6 / 409) .

ثم إذا خرجت لحاجة فلتجتهد أن تركب مع محرم لها فهذا أسلم، والسلامة لا يعدلها شيء .

والله أعلم.
https://islamqa.info/ar/276708