التَّعَدِّي على المَخْطُوْطَاتِ

هُنَاكَ مُظَاهَرَةٌ غَيْرُ سَوِيَّةٍ في التَّعَدِّي على كُتُبِ عُلَمَاءِ الإسْلامِ مِنْ خِلالِ تَحْقِيْقِ مَخْطُوْطَاتِ كُتُبِهِم، وهُوَ مَا كَسِبَتْهُ أيْدِي بَعْضِ أدْعِيَاءِ التَحْقِيْقِ، ممَّنْ تَسَنَّمُوا أدْوَارَ التَّحْقِيْقِ في زَمَنٍ كَسَدَ فِيْهِ العِلْمُ إلَّا عِنْدَ غُبَّارَاتٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ الرَّبَّانِيِّي ْنَ!
وذَلِكَ حِيْنَما يَقُوْمُ بَعْضُ المُحَقِّقِيْنَ هَدَاهُم اللهُ بالتَّعَدِّي على مَخْطُوْطَاتِ أهْلِ العِلْمِ بشَيءٍ مِنَ التَّحْرِيْفِ والتَّصْحِيْفِ والزِّيَادَةِ والنُّقْصَانِ ممَّا لا يَجُوْزُ فِعْلُهُ ولا إقْرَارُهُ، فَكَانَ مِنْ تِلْكُمُ العَوَادِي المُخْجِلَةِ، مَا يَلي باخْتِصَارٍ :
مِنْهُم مَنْ يُغَيِّرُ عِنْوَانَ الكِتَابِ بغَيْرِ حَقٍّ ولا أمَانَةٍ، بدَعْوَى المُتَاجَرَةِ أو المُسَايَرَةِ للاسْمِ الدَّارِجِ بَيْنَ طُلَّابِ أهْلِ زَمَانِنَا هَذِهِ الأيَّامَ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا شَيءٌ مِن خَطَرِ هَذَا التَّعْدِّي على أسْماءِ الكُتُبِ .
ومِنْهُم مَنْ يَتَعَدَّى على المَخْطُوْطَةِ بتَقْدِيْمِ بَعْضِ أجْزَائِهَا، أو بتَأْخِيْرِهَا، بحُجَّةِ دَعْوَى التَّرْتِيْبِ والتَّنْسِيْقِ الَّذِي يَنْسَجِمُ مَعَ مَوْضُوْعَاتِ الكِتَابِ!
وكَثِيْرُ هَذَا؛ يُوْجَدُ في كُتُبِ الإمْلاءَاتِ الَّتِي كَانَ يُملِيْهَا أصْحَابُهَا في مَجَالِسِ السَّماعِ، باسْمِ الأجْزَاءِ الحَدِيْثِيَّةِ وغَيْرِهَا!
ومِنْهُم مَنْ يَتَعَدَّى عَلَيْهَا بوَضْعِ عَنَاوِيْنَ جَدِيْدَةٍ مِنْ كِيْسِهِ ورَأسِهِ، سَوَاءٌ وَضَعَهَا بَيْنَ أقْوَاسٍ أو تَرَكَهَا عَرِيَّةً، كُلَّ ذَلِكَ مِنْهُم بدَعْوَى زِيَادَةِ التَّوْضِيْحِ والبَيَانِ .
قُلْتُ : لا ضَيْرَ ولا بَأسَ أنْ يَضَعَ المُحَقِّقُ بَعْضَ العَنَاوِيْنِ التَّوْضِيْحِيّ َةِ الَّتِي تُفْصِحُ عَنْ مَضَامِيْنِ وفَوَائِدِ الكِتَابِ وفُصُوْلِهِ، لكِنْ والحَالَةُ هَذِهِ كَانَ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَهَا على جَنَبَاتِ الصَّفْحَةِ يَمِيْنًا أو يَسَارًا، لا أنْ يَحْشُرَهَا في أصْلِ الكِتَابِ المُحَقَّقِ!
ولا تَفْرَحْ بِمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُهُم مِنْ وَضْعِ العَنَاوِيْن الجَدِيْدَةِ بَيْنَ الأقْوَاسِ؛ بِدَعْوَى تَمْيِيْزِهَا عَنْ أصْلِ الكِتَابِ، فمِثْلُ هَذَا الاجْتِهَادِ لا يَخْلُو مِنْ مَحَاذِيْرَ، مِنْهَا :
أوَّلًا : أنَّ في كِتَابَتِهَا في أصْلِ الكِتَابِ مُزَاحَمَةٌ في حَشْرِ أحْكَامٍ جَدِيْدَةٍ مِنَ المُحَقِّقِ على صَاحِبِ الكِتَابِ الأصْلِ، لأنَّ العَنَاوِيْنَ في حَقِيْقَتِهَا تُعْتَبَرُ تَفْسِيْرًا وتَوْضِيْحًا وأحْكَامًا لِمَا تَحْتَهَا مِنَ العَنَاوِيْنِ، وهَذَا مَا يَعْلَمُهُ الجَمِيْعُ، والخَطَأُ كُلُّهُ إذَا كَانَتْ هَذِهِ العَنَاوِيْنُ الجَدِيْدَةُ قَدْ جَانَبَتِ الصَّوَابَ، أو خَالَفَتْ مُرادَ المُؤلِّفِ فِيْمَا رَسَمَهُ مِنْ مَوَاضِيْعَ عِلْمِيَّةٍ!
وحَسْبُكَ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ أهْلِ العِلْمِ كَانَتْ لهُم جُهُوْدٌ كَبِيْرَةٌ في اخْتِيَارِ وتَرْسِيْمِ العَنَاوِيْنِ الَّتِي تَدُلُّ على فِقْهِهِم وعِلْمِهِم، وأدَلُّ شَاهِدٍ على ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ في تَبْوِيْبِ «صَحِيْحِهِ»!
ثَانِيًا : أنَّ مِثْلَ هَذِهِ العَنَاوِيْنِ الجَدِيْدَةِ، وإنْ كَانَتْ بَيْنَ الأقْوَاسِ؛ سَوْفُ يَمُرُّ عَلَيْهَا زَمَنٌ لَيْسَ بالبَعِيْدِ، ثُمَّ تُدْرَجُ في أصْلِ الكِتَابِ الأصْلِ، ثُمَّ يَأتي زَمَنٌ آخَرُ فَيَحْكُمُ بنِسْبَتِهَا لصَاحِبِ الأصْلِ!
ولا تَقُلْ هَذَا بَعِيْدٌ، لأنَّ هَذَا المُحَقِّقَ الَّذِي أجَازَ وأبَاحَ لنَفْسِهِ أنْ يُجْرِيَ قَلَمَ الزِّيَادَةِ في أصْلِ الكِتَابِ، جَازَ ضَرُوْرَةً أنْ يَقُوْمَ مُحَقِّقٌ آخَرُ وآخَرُ بالزِّيَادَةِ؛ حَتَّى إذَا مَا تَعَاقَبَ عَلَيْهَا المُحَقِّقُوْنَ سِنِيْنَ عَدَدًا؛ فعِنْدَهَا سَتُدْمَجُ تِلْكَ العَنَاوِيْنُ في صُلْبِ الكِتَابِ، ولا مَحَالَةَ، وقَدْ حَصَلَ!
ومِنْهُم مَنْ يُدْخِلُ على الكِتَابِ بَعْضَ الكَلِمَاتِ والأحْكَامِ الَّتِي قَدْ يَرَاهَا المُحَقِّقُ خَادِمَةً للنَّصِّ المُحَقَّقِ، ومِثْلُ هَذَا كَثِيْرٌ مِنْ كَثِيْرٍ، فاللهُ المُسْتَعَانَ .
ومِنْهُم مَنْ يُكمِلُ نَقْصَ المَخْطُوْطَة ببَعْضِ كَلامِ المُؤلِّفِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ بَعْضِ كُتُبِهِ الأُخْرَى، بدَعْوَى أنَّهُ لم يَزِدْ على المُؤلِّفِ، بَلْ زَادَ لَهُ مِنْ كَلامِهِ هُوَ، ومِثْلُ هَذَا يُعْتَبَرُ تَلاعُبًا بالعِلْمِ وأهْلِهِ!
ومِنْهُم مَنْ يُصَوِّبُ كَلامَ صَاحِبِ المَخْطُوْطَةِ ظَنًّا مِنْهُ أنَّ فِيْهِ خَطَأً، سَوَاءٌ كَانَ خَطَأً نَحْوِيًّا أو فِقْهِيًّا أو غَيْرَهُ، ومَا عَلِمَ هَذَا المُحَقِّقُ أنَّ كَثِيْرًا مِنْ تَصْوِيْبَاتِ أدْعِيَاءِ التَّحْقِيْقِ اليَوْمَ لا تُقَارِبُ الصَّوَابَ، ولاسِيَّما إذَا كَانَ أكْثَرُ هَذِهِ التَّصْوِيْبَات ِ في مُقَابِلِ تَخْطِئَةِ عُلُوْمِ ومَدَارِكِ أصْحَابِ المَخْطُوْطَاتِ العِلْمِيَّةِ الَّذِيْنَ هُمْ مِنْ أهْلِ العِلْمِ والإيْمَانِ!
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ كَثِيْرًا مِنْ تِيْكَ التَّصْوِيْبَات ِ الَّتِي يَدَّعِيْهَا دُعَاةُ التَّحْقِيْقِ كَانَ مِنْ خِلالِ دَعْوَى إقَامَةِ قَاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وذَلِكَ حِيْنَما يَدَّعِي هَذَا المُحَقِّقُ : «بأنَّ كَلامَ هَذَا الإمَامِ جَارٍ على غَيْرِ القَاعِدَةِ المَعْرُوْفَةِ، لِذَا كَانَ صَوَابُهَا : كَذَا وكَذَا»!
ومَا عَلِمَ هَذَا المُحَقِّقُ المِسْكِيْنُ أنَّ القَاعِدَةَ النَّحْوِيَّةَ الَّتِي ادَّعَاهَا لَيْسَتْ حَاكِمَةً على أسْالِيْبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ قَدِ ادَّعَى الإحَاطَةَ بِهَا، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، بقَوْلِهِ : إنَّ اللُّغَةَ لا يُحِيْطُ بِهَا إلَّا نَبِيٌّ، أو نَحْوَهُ!
فَكَمْ قَاعِدَةٍ خَالَفَهَا أُسْلُوْبٌ عَرَبيٌّ صَحِيْحٌ، وكَمْ خَطأٍ ظَنَّهُ المُحَقِّقُ خَالَفَ القَاعِدَةَ النَّحْوِيَّةَ، ولهَا وَجْهٌ عِنْدَ أئِمَّةِ اللُّغَةِ، وهَكَذَا .
ومِنْ بَقَايَا الأخْطَاءِ عِنْدَ بَعْضِ المُحَقِّقِيْنَ ، في تَقْرِيْرِ خَطأ المُؤلِّفِ، هُوَ مَا يَقُوْلُهُ بَعْضُهُم : «وهَذَا خَطَأٌ مِنَ المُؤلِّفِ؛ لكَوْنِهِ جَارٍ على غَيْرِ أُسْلُوْبِ القُرْآنِ»!
ومَا عَلِمَ هَذَا المُحَقِّقُ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أُسْلُوْبٍ خَرَجَ عَنْ نِظَامِ القُرْآنِ اللُّغَوِيِّ أو النَّحْوِيِّ أو البَلاغِي يُعَدُّ خَارِجًا عَنْ جَادَّةِ أَسَالِيْبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لأنَّ الجَمِيْعَ يَعْلَمُ أنَّ لُغَةَ القُرْآنِ هِيَ أفْصَحُ اللُّغَاتِ، كَمَا أنَّهَا قَدْ جَمَعَتْ كَثِيْرًا مِنْ لُغَاتِ العَرَبِ الصَّحِيْحَةِ الفَصِيْحَةِ، كَمَا أنَّهَا عِنْدَ اخْتِلافِ اللُّغَاتِ تَأخُذُ بلُغَةِ قُرَيْشٍ، وهَذَا وغَيْرُهُ لا يَدُلُّ لا لُغَةً ولا شَرْعًا على أنَّ كُلَّ أُسْلُوْبٍ خَرَجَ عَنْ لُغَةِ القُرْآنِ يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنْ صَوَابِ وجَادَّةِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ إنَّهُ في أقَلِّ أحْوَالِهِ لا يَخْرُجُ عَمَّا يَلي :
ـ إمَّا أنَّهُ أُسْلُوْبُ تَعْرِفُهُ العَرَبُ مِنْ لَغَاتِهَا، ومَعَ هَذَا فهُوَ عِنْدَهُم أيْضًا أُسْلُوْبٌ صَحِيْحٌ فَصِيْحٌ .
ـ وإمَّا أنْ يَكُوْنَ هَذَا الأُسْلُوْبُ لُغَةً صَحِيْحَةً غَيْرَ مَشْهُوْرَةِ .
ـ وإمَّا أنْ يَكُوْنَ أيْضًا لُغَةً مَرْجُوْحَةً؛ لكِنَّهُ صَحِيْحٌ، وهَكَذَا، فَتَأمَّلْ!
ومَهْمَا ذُكِرَ هُنَا مِنْ تَجَاوُزَاتٍ عِنْدَ بَعْضِ أدْعِيَاءِ التَّحْقِيْقِ في مِثْلِ هَذِهِ المُزَايَدَاتِ والزِّيَادَاتِ والاسْتِدْرَاكَ اتِ وغَيْرِهَا ممَّا يَظُنُّهُ مَحِلًّا للخَطَأ، إلَّا أنَّهُ لا يَجُوْزُ لهُم أنْ يَمَسُّوا الكِتَابَ الأصْلَ بسُوْءٍ مَهْمَا ظَهَرَ بَيَانُ خَطَأِ صَاحِبِهِ، لِذَا كَانَ مِنْ جَادَّةِ التَّصْحِيْحَات ِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي لا يَخْتَلِفُ عِنْدَهَا اثْنَانِ : أنْ يَقُوْمَ هَذَا المُحَقِّقُ بتَرْكِ النَّقْصِ الَّذِي ظَنَّهُ في المَخْطُوْطَةِ، وأنْ يُشِيْرَ إلى تَصْوِيْبِهِ أو تَقْوِيْمِهِ أو تَحْرِيْرِهِ في الحَاشِيَةِ لَيْسَ غَيْرَ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ .
8ـ ومِنْهُم مَنْ يُغَيِّرُ رَسْمَ الآيَاتِ المَوْجُوْدَةِ في المَخْطُوْطَةِ، ويَسْتَبْدِلُهَ ا بخَطِّ الرَّسْمِ العُثَماني لقِرَاءَةِ حَفْصٍ عَنْ عَاصِمٍ، لكُوْنِهَا الدَّارِجَةَ اليَوْمَ عِنْدَ أهْلِ زَمَانِنَا!
ومَا عَلِمَ هَذَا المُحَقِّقُ بأنَّ القِرَاءَاتِ تَخْتَلِفُ مِنْ مَكَانٍ إلى آخَرَ، فأهْلُ المَغَارِبَةِ لهُم مِنَ القِرَاءَاتِ مَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا عَنْ قِرَاءاتِ أهْلِ المَشْرِقِ، لِذَا كَانَ أهْلُ التَحْقِيْقِ مِنْ أهْلِ العِلْمِ يَقِفُوْنَ كَثِيْرًا مَعَ كُتُبِ التَّفَاسِيْرِ باعْتِبَارِ القِرَاءَةِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا صَاحِبُهَا، لاسِيَّما مَنْ كَانَ مِنْهُم مَشْرِقِيًّا أو مَغْرَبِيًّا!
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ القِرَاءَةَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا ابنُ كَثِيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ في تَفْسِيْرِهِ غَالبًا لا تَخْرُجُ : عَنْ قِرَاءَةِ أبي عَمْرٍو!
وأيْضًا أنَّ ابنَ جَرِيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ لم يَعْتَمِدْ في تَفْسِيْرِهِ على قِرَاءَةِ حفْصِ بنِ سُلَيْمَانَ، وهُوَ مَا ذَكَرَهُ أبُو حَيَّانَ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابنُ الجَزَرِيِّ .
ومِنْ خلالِ هَذَا التِّبْيَانِ يَظْهَرُ لَنَا وُجُوْدُ الخَطَأِ عِنْدَ هَؤلاءِ المُحَقِّقِيْنَ لكُتُبِ التَّفَاسِيْرِ، ولاسِيَّما تَفْسِيْرِ ابنِ كَثِيْرٍ وغَيْرِهِ مِنْ أهْلِ الشَّامِ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أيْضًا أنَّ قِرَاءَةَ أبي عَمْرٍو كَانَتْ هِيَ المَشْهُورَةُ في بِلادِ الشَّامِ، وهَذَا ممَّا يَزِيْدُنَا يَقِيْنًا بَأنَّ كَثِيْرًا مِنَ الآيَاتِ الَّتِي كَانَ يُفَسِّرُهَا ابنُ تَيْمِيَّةَ وابنُ القَيِّمِ وغَيْرُهُمَا مِنْ أهْلِ الشَّامِ كَانَتْ غَالِبًا تَعْتَمِدُ هَذِهِ القِرَاءَةِ، فحِيْنَهَا كَانَ مِنَ الخَطَأ البَيِّنِ أنْ يَسْتَبْدِلَ المُحَقِّقُوْنَ رَسْمَ قِرَاءَةِ أبي عَمْرٍو أو غَيْرِهِ بقِرَاءَةِ حَفْصٍ أو غَيْرِهِ، لاسِيَّما في تَفَاسِيْرِ أهْلِ الشَّامِ، لِذَا كَانَ يَنْبَغِي أنْ يَدْرُسَ البَاحِثُوْنَ والمُحَقِّقُوْن َ مَنْهَجَ المُؤلِّفِ في اعْتِمَادِهِ للقِرَاءَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا تَفْسِيْرَهُ قَبْلَ الوُلُوْجِ في تَحْقِيْقِ المَخْطُوْطَةِ!
ولا أُرِيْدُ أنْ أتَوَسَّعَ في ذِكْرِ مَا هُنَا مِنَ الأخْطَاءِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ برَسْمِ قِراءَاتِ القُرْآنِ عِنْدَ كَثِيْرٍ مِنْ أهْلِ التَّفْسِيْرِ، وهُوَ بَحْثٌ غَايَةٌ في البَحْثِ، فلَعَلَّ اللهُ تَعَالى يَبْعَثُ مَنْ يَقُوْمُ بدِرَاسَتِهِ دِرَاسَةً عِلْمِيَّةً، ولاسِيَّما عِنْدَ أصْحَابِ كُتُبِ التَّفَاسِيْرِ المَشْهُوْرَةِ، واللهُ تَعَالى هُوَ المُوَفِّقُ، والهَادِي إلى سَوَاءِ السَّبِيْلِ .
ومِنْهُم مَنْ يُغَيِّرُ نَصَّ الأحَادِيْثِ الَّتِي ظَنَّهَا خِلافَ الأُصُوْلِ الحَدِيْثِيَّةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ الآنَ، ومَا عَلِمَ هَذَا المُحَقِّقُ أنَّ أكْثَرَ كُتُبِ السُّنَّةِ لهَا نُسَخٌ ورِوَايَاتٌ لا تَسْتَقِيْمُ مَعَ دَعْوَى هَذَا المُحَقِّقِ، ولا أدَلُّ على هَذَا إلَّا دَعْوَى مَا نَجِدُهُ نَحْنُ وغَيْرُنَا مِنَ الأحَادِيْثِ المَوجُوْدَةِ في كِتَابِ : «تُحْفَةِ الأشْرَافِ» للحَافِظِ المِزِّيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى، فَهُنَاكَ أحَادِيْثُ قَدْ لا نَجِدُهَا عِنْدَ غَيْرِهِ، وهُنَاكَ مَا هُوَ لَيْسَ مَوْجُوْدًا عِنْدَهُ!
* * *

لِذَا كَانَ مِنَ الخَطأ أيْضًا أنْ يَظُنَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أو المُحَقِّقِيْنَ بأنَّ ابنَ تَيْمِيَّةَ، وتَلْمِيْذهَ ابنَ القَيِّمِ، أو غَيْرَهُمَا رَحِمَ اللهُ الجَمِيْعَ، أنَّهُم قَدْ غَلِطُوا في نَفِي رِوَايَةِ : «اللُّهُمَّ صَلِّ على إبْرَاهِيْمِ وآلِ إبْرَاهِيْمَ» الحَدِيْثَ، كَمَا جَاءَ في صَحِيْحِ البُخَارِي، وهُوَ مَا ظَنَّهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ والألْبَانيُّ وغَيْرُهُمَا، هَذَا إذَا عِلْمْنَا أنَّ نُسَخَ صَحِيْحِ البُخَارِي مِنَ الكَثْرَةِ مَا هِيَ، فَفِي بَعْضِهَا مَا لَيْسَ في الأُخْرَى، في حِيْنِ أنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي كَانَتْ مُتَدَاوَلَةً في بلادِ الشَّامِ غَيْرُ النُّسْخَةِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا غَيْرُهُم، ممَّا يَشْفَعُ لابنِ تَيْمِيَّةَ وغَيْرِهِ بأنْ يَجْنَحَ إلى نَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا في صَحِيْحِ البُخَارِي، وهَذَا غَايَةُ ظَنِّنَا بابنِ تَيْمِيَّةَ وتَلْمِيْذِهِ .
فعِنْدَهَا؛ كَيْفَ يُظَنُّ بابنِ تَيْمِيَّةَ وابنِ القَيِّمِ أنَّهُما لا يَعْلَمَانِ بمِثْلِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ في صَحِيْحِ البُخَارِي، وأنَّهُما قَدْ فَاتَهُما مَوْضِعُ الشَّاهِدِ فِيْهِ!
هَذَا بَعِيْدٌ, ولاسِيَّما وأنَّهُما ممَّنْ لهم شَغَفٌ بحِفْظِ ودِرَاسَةِ صَحِيْحِ البُخَارِي، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ .
وخُذْ أيْضًا، كِتَابَ : «فَتْحِ البَارِي» لابنِ حَجَرٍ، فَإنَّهُ رَحِمَهُ اللهُ قَدِ اعْتَمَدَ في شَرْحِهِ على رِوَايَةِ أبي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ، وهَذَا قَدْ لا يَعْلَمُهُ بَعْضُ طُلَّابِ العِلْمِ اليَوْمَ، بَلْ إنَّ ابنَ حَجَرٍ لم يُضَمِّنْ نَصَّ البُخَارِي في شَرْحِهِ؛ خَشْيَةَ الإطَالَةَ، لِذَا نَجِدُ طَبْعَةَ بُوْلاق أيْضًا لم تُضَمِّنْ المَتْنَ مَعَ الشَّرْحِ في طَبْعَتِهَا، وهَكَذَا سَارَتِ الطَّبَعَاتُ؛ حَتَّى جَاءَتْ مُؤخَّرًا بَعْضُ الاجْتِهَادَاتِ مِنْ بَعْضِ المَطَابِعِ فَضَمَّنَتْ مَتْنَ البُخَارِي في حَاشِيَةِ الشَّرْحِ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُم مَنْ أدْخَلَ المَتْنَ في الشَّرْحِ، وهُوَ المَوْجُوْدُ الآنَ بَيْنَ أيْدِي النَّاسَ، هَذَا إذَا عَلِمْنَا أيْضًا أنَّ المَتْنَ الَّذِي حُشِرَ مَعَ الشَّرْحِ الآنَ، مَا هُوَ إلَّا مُلَفَّقٌ مِنْ عِدَّةِ رِوَايَاتٍ، فالله المُسْتَعَانُ!
10ـ ومِنْ أسْوَءِ التَّعَدِّيَاتِ ظُلْمًا بالمَخْطُوْطَات ِ، مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ ضِعَافِ النُّفْوِس، وذَلِكَ حِيْنَما يَقُوْمُ المُحَقِّقُ باخْتِلاسِ المَخْطُوْطَةِ وسَرِقَتِهَا، ومِنْ ثَمَّ يَدَّعي هَذَا الصُّعْلُوْكُ نِسْبَتَهَا إلَيْهِ وتَبَنِّيْهَا لَهُ، ولاسِيَّما إذَا كَانَتِ المَخْطُوْطَةُ لَيْسَ عَلَيْهَا اسْمُ المُؤلِّفِ أو النَّاسِخِ، أو كَانَ صَاحِبُهَا خَامِلَ الذِّكْرِ، أو غَيْرَ ذَلِكَ ممَّا سَيَأتي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللهُ في ذِكْرِ خَطَأ السَّرِقَاتِ العِلْمِيَّةِ.
وهُنَاكَ صُوَرٌ مِنَ عَوَادِي بَعْضِ المُحَقِّقِيْنَ على مَخْطُوْطَاتِ أهْلِ العِلْمِ، قَدْ تَجَاوَزْنَا عَنْ ذِكْرِهَا، واللهُ مُحِيْطٌ بالظَّالِمِيْنَ !


فضيلة
الشيخ لدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
صيان الكتاب ص 472