الدليل القائم على أن الحجامة لا تفطر الصائم
النتائج 1 إلى 5 من 5
1اعجابات
  • 1 Post By محمد طه شعبان

الموضوع: الدليل القائم على أن الحجامة لا تفطر الصائم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,182

    افتراضي الدليل القائم على أن الحجامة لا تفطر الصائم

    الفصل الأول
    الأحاديث الواردة في المسألة:

    ورد في هذه المسألة عدة أحاديث ظاهرها التعارض؛ فمنها ما فيه دلالة على إفطار الصائم بالحجامة، ومنها ما فيه دلالة على عدم إفطاره.
    فأما ما يدل على أن الحجامة تفطر الصائم:
    حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ»([1]).
    قال الترمذي: «وَفِي البَابِ عَنْ عَلِيٍّ([2])، وَسَعْدٍ([3])، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ([4])، وَثَوْبَانَ([5])، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ([6])، وَعَائِشَةَ([7])َ، وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ([8])، وَيُقَالُ: ابْنُ يَسَارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ([9])، وَابْنِ عَبَّاسٍ([10])، وَأَبِي مُوسَى([11])، وَبِلَالٍ([12])»اهـ.
    وأما ما يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم:
    فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﭭ، قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ»([13]).
    وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيِّ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﭬ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ»([14]).
    وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﭬ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ([15]).

    وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﭬ, قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ, فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ», ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ, وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ([16]).
    وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَة ِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: «إِنْ أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي»([17]).


    [1])) أخرجه أحمد (15828)، الترمذي (774)، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «الإرواء» (931).

    [2])) أخرجه النسائي في «الكبرى» (3149)، وعبد الرزاق (7524)، وابن أبي شيبة (9305).

    [3])) أخرجه أبو يعلى في «معجمه» (175)، والشاشي في «مسنده» (136)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث» (409).

    [4])) أخرجه أحمد (17112)، وأبو داود (2369)، وابن ماجة (1681)، والنسائي في «الكبرى» (3126)، والطيالسي في «مسنده» (1214)، وعبد الرزاق (7519)، وابن أبي شيبة (9298)، والدارمي (1771).

    [5])) أخرجه أحمد (22371)، وأبو داود (2367)، وابن ماجة (1680)، والنسائي في «الكبرى» (3120)، والطيالسي في «مسنده» (1082)، وعبد الرزاق (7522)، وابن أبي شيبة (9301)، والدارمي (1772).

    [6])) أخرجه أحمد (21826)، والنسائي في «الكبرى» (3153)، والبيهقي في «الكبير» (8277).

    [7])) أخرجه أحمد (25242)، والنسائي في «الكبرى» (3178)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (9310).

    [8])) أخرجه أحمد (15901)، والنسائي في «الكبرى» (3155)، وابن أبي شيبة (748)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3418)، والطبراني في «المعجم الكبير» (547).

    [9])) أخرجه أحمد (8768)، وابن ماجة (1679).

    [10])) أخرجه النسائي في «الكبرى» (3182)، والطبراني في «المعجم الكبير» (11286)، والبيهقي في «الكبير» (8290)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث» (410).

    [11])) أخرجه النسائي في «الكبرى» (3149)، وابن أبي شيبة (9307)، والحاكم في «المستدرك» (1567)، والبيهقي في «الكبير» (8287).

    [12])) أخرجه أحمد (23888)، والنسائي في «الكبرى» (3144)، وابن أبي شيبة (9302)، والطبراني في «المعجم الكبير» (1122).

    [13])) أخرجه البخاري (1939).

    [14])) أخرجه البخاري (1940).

    [15])) أخرجه النسائي في «الكبرى» (3228)، وابن خزيمة (1967) والطبراني في «الأوسط» (7797)، والبيهقي في «الكبير» (8269)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث» (404)، وصححه الألباني في «الإرواء» (4/ 74)، ومحققو المسند (14/ 376).

    [16])) أخرجه الدارقطني في «السنن» (2260)، وقال: «كلهم ثقات ولا أعلم له علة»، والبيهقي في «الكبير» (8302)، وابن شاهين في «ناسخ الحديث» (402)، وصححه الألباني في «الإرواء» (4/ 73)، ومحققو المسند (14/ 377).

    [17])) أخرجه أحمد (18822)، وأبو داود (2374)، وعبد الرزاق (7535)، وابن أبي شيبة (9328)، والبيهقي في «الكبير» (8266)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (7250)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (7/ 137)، وقال الحافظ ابن حجر في «الفتح» (4/ 178): «إسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر».
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,182

    افتراضي

    الفصل الثاني
    أقوال العلماء في المسألة:

    ذهب العلماء في هذه المسألة إلى مذهبين رئيسين:
    المذهب الأول: أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم.
    وهو مذهب جمهور المحدِّثين، وقال به أحمد([1])، وهو من مفردات المذهب، وإسحاق([2])، والأوزاعي([3]).
    ورجح هذا القول الإمام ابن المنذر([4])، والإمام ابن خزيمة([5])، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم([6])، والعلامة ابن عثيمين([7]).
    قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْحِجَامَةِ هُوَ الْمُتَأَخِّرُ؛ فَإِنَّهُ إذَا تَعَارَضَ نَصَّانِ نَاقِلٌ وَبَاقٍ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ فَالنَّاقِلُ هُوَ الرَّاجِحُ فِي أَنَّهُ النَّاسِخُ»اهـ([8]).
    وقال رحمه الله: «يُفْطِرُ بِالْحِجَامَةِ وَالْفِصَادِ وَنَحْوِهِمَا؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَوْجُودَ فِي الْحِجَامَةِ مَوْجُودٌ فِي الْفِصَادِ شَرْعًا وَطَبْعًا، وَحَيْثُ حَضَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحِجَامَةِ وَأَمَرَ بِهَا فَهُوَ حَضٌّ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا مِنَ الْفِصَادِ وَغَيْرِهِ؛ لَكِنَّ الْأَرْضَ الْحَارَّةَ تَجْتَذِبُ الْحَرَارَةُ فِيهَا دَمَ الْبَدَنِ فَيَصْعَدُ إلَى سَطْحِ الْجِلْدِ فَيَخْرُجُ بِالْحِجَامَةِ، وَالْأَرْضُ الْبَارِدَةُ يَغُورُ الدَّمُ فِيهَا إلَى الْعُرُوقِ هَرَبًا مِنَ الْبَرْدِ؛ فَإِنَّ شِبْهَ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ؛ كَمَا تَسْخُنُ الْأَجْوَافُ فِي الشِّتَاءِ وَتَبْرُدُ فِي الصَّيْفِ فَأَهْلُ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ لَهُمُ الْفِصَادُ وَقَطْعُ الْعُرُوقِ كَمَا لِلْبِلَادِ الْحَارَّةِ الْحِجَامَةُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي شَرْعٍ وَلَا عَقْلٍ.
    وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفِطْرَ بِالْحِجَامَةِ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ وَالْقِيَاسِ وَأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْفِطْرِ بِدَمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِقَاءَ ةِ وبالاستمناء، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَرَادَ إخْرَاجَ الدَّمِ أَفْطَرَ؛ كَمَا أَنَّهُ بِأَيِّ وَجْهٍ أَخْرَجَ الْقَيْءَ أَفْطَرَ؛ سَوَاءٌ جَذَبَ الْقَيْءَ بِإِدْخَالِ يَدِهِ، أَوْ بِشَمِّ مَا يُقَيِّئُهُ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجَ الْقَيْءَ، فَتِلْكَ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الْقَيْءِ وَهَذِهِ طُرُقٌ لِإِخْرَاجِ الدَّمِ؛ وَلِهَذَا كَانَ خُرُوجُ الدَّمِ بِهَذَا وَهَذَا سَوَاءً فِي بَابِ الطَّهَارَةِ.
    فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ كَمَالُ الشَّرْعِ وَاعْتِدَالُهُ وَتَنَاسُبُهُ وَأَنَّ مَا وَرَدَ مِنَ النُّصُوصِ وَمَعَانِيهَا فَإِنَّ بَعْضَهُ يُصَدِّقُ بَعْضًا وَيُوَافِقُهُ ﴿ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا﴾ [النساء: 82]»اهـ([9]).
    وأما بالنسبة للحاجم فقد قال رحمه الله: «وَأَمَّا الْحَاجِمُ فَإِنَّهُ يَجْتَذِبُ الْهَوَاءَ الَّذِي فِي الْقَارُورَةِ بِامْتِصَاصِهِ، وَالْهَوَاءُ يَجْتَذِبُ مَا فِيهَا مِنَ الدَّمِ، فَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَ الْهَوَاءِ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ وَدَخَلَ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ؛ وَالْحِكْمَةُ إذَا كَانَتْ خَفِيَّةً أَوْ مُنْتَشِرَةً عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالْمَظِنَّةِ؛ كَمَا أَنَّ النَّائِمَ الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ الرِّيحُ وَلَا يَدْرِي يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ الْحَاجِمُ يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنَ الدَّمِ مَعَ رِيقِهِ إلَى بَطْنِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي.
    وَالدَّمُ مِنْ أَعْظَمِ الْمُفَطِّرَاتِ ؛ فَإِنَّهُ حَرَامٌ فِي نَفْسِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ طُغْيَانِ الشَّهْوَةِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْعَدْلِ، وَالصَّائِمُ أُمِرَ بِحَسْمِ مَادَّتِهِ، فَالدَّمُ يَزِيدُ الدَّمَ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْمَحْظُورِ؛ فَيُفْطِرُ الْحَاجِمُ لِهَذَا؛ كَمَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ النَّائِمِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَيْقِنْ خُرُوجَ الرِّيحِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ وَلَا يَدْرِي، وَكَذَلِكَ الْحَاجِمُ قَدْ يَدْخُلُ الدَّمُ فِي حَلْقِهِ وَهُوَ لَا يَدْرِي.
    وَأَمَّا الشَّارِطُ فَلَيْسَ بِحَاجِمٍ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِيهِ، فَلَا يُفْطِرُ الشَّارِطُ؛ وَكَذَلِكَ لَوْ قُدِّرَ حَاجِمٌ لَا يَمُصُّ الْقَارُورَةَ بَلْ يَمْتَصُّ غَيْرَهَا أَوْ يَأْخُذُ الدَّمَ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، لَمْ يُفْطِرْ؛ وَالنَّبِيُّ ﷺ كَلَامُهُ خَرَجَ عَلَى الْحَاجِمِ الْمَعْرُوفِ الْمُعْتَادِ»اه ـ([10]).
    المذهب الثاني: أن الحجامة لا تفطر الحاجم ولا المحجوم.
    وهو مذهب جمهور الفقهاء، أبي حنيفة، وصاحبيه، ومالك([11])، والشافعي([12])، والظاهرية، وظاهر مذهب البخاري.
    قال الطحاوي رحمه الله: «فَدَلَّ فِعْلُهُ هَذَا ﷺ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ إِذًا لَمَا احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ؛ فَهَذَا وَجْهُ هَذَا الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ تَصْحِيحِ الْآثَارِ، وَأَمَّا وَجْهُهُ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ: فَإِنَّا رَأَيْنَا خُرُوجَ الدَّمِ أَغْلَظَ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا يَنْتَقِضُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ رَأَيْنَا الْغَائِطَ وَالْبَوْلَ خُرُوجُهُمَا حَدَثٌ يُنْتَقَضُ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَلَا يَنْقُضُ الصِّيَامَ، فَالنَّظَرُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الدَّمُ كَذَلِكَ، وَقَدْ رَأَيْنَا الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُهُ فَصْدُ الْعِرْقِ، فَالْحِجَامَةُ فِي النَّظَرِ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى»اهـ([13]).
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُصَنِّفُ حُكْمَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ إِيرَادَهُ لِلْآثَارِ الْمَذْكُورَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يَرَى عَدَمَ الْإِفْطَارِ بِهِمَا؛ وَلِذَلِكَ عَقَّبَ حَدِيثَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» بِحَدِيثِ أَنَّهُ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»اهـ([14]).
    وقال ابن حزم رحمه الله: «صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ طَرِيقِ ثَوْبَانَ، وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُ قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ، إلَّا أَنْ يَصِحَّ نَسْخُهُ»اهـ([15]).
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: صَحَّ حَدِيثُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ بِلَا رَيْبٍ؛ لَكِنْ وَجَدْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَرْخَصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ؛ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْعَزِيمَةِ؛ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِ الْفِطْرِ بِالْحِجَامَةِ؛ سَوَاءٌ كَانَ حَاجِمًا أَوْ مَحْجُومًا»اهـ([16]).
    ورجح هذا القول العلامة الشوكاني، والعلامة الألباني رحمهما الله([17]).
    قال الشوكاني رحمه الله: «حَدِيثُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَنَسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ وَلَا مُوجِبَةٍ لِإِفْطَارِ الْحَاجِمِ وَلَا الْمَحْجُومِ؛ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ يَضْعُفُ بِهَا، وَتَزْدَادُ الْكَرَاهَةُ إذَا كَانَ الضَّعْفُ يَبْلُغُ إلَى حَدٍّ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإِفْطَارِ، وَلَا تُكْرَهُ فِي حَقِّ مَنْ كَانَ لَا يَضْعَفُ بِهَا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَجَنُّبُ الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ أَوْلَى، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» عَلَى الْمَجَازِ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ»ا هـ([18]).
    قلت: يقصد بالمجاز: أي: قَرُبَا مِنَ الْفطر.


    [1])) قال أبو داود رحمه الله في «مسائله» (130): «سألت أحمد عن الحجامة للصائم؟ قال: في رمضان لا يعجبني، قلت: فإن احتجم؟ قال: يقضي يوما مكانه، قلت لأحمد: الحجام إذا حجم في رمضان، أيقضي يومًا مكانه؟ قال: نعم»اهـ.

    [2])) «المغني» (3/ 120).

    [3])) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (2/ 13).

    [4])) «الإشراف على مذاهب العلماء» (3/ 130).

    [5])) «صحيح ابن خزيمة» (3/ 227).

    [6])) «زاد المعاد» (4/ 56).

    [7])) «الشرح الممتع» (6/ 383).

    [8])) «مجموع الفتاوى» (25/ 224).

    [9])) «مجموع الفتاوى» (25/ 256، 257).

    [10])) «مجموع الفتاوى» (25/ 258).

    [11])) قال الإمام مالك رحمه الله في «الموطأ» (3/ 427)، ت الأعظمي: «لا تُكره الحجامة للصائم إلا خشية من أن يَضعف، ولولا ذلك لم تكره، ولو أن رجلًا احتجم في رمضان، ثم سَلِم من أن يفطر، لم أر عليه شيئًا، ولم آمره بالقضاء لذلك اليوم الذي احتجم فيه؛ لأن الحجامة إنما تُكره للصائم لموضع التغرير بالصيام، فمن احتجم وسَلِم من أن يفطر حتى يمسي، فلا أرى عليه شيئًا، وليس عليه قضاء ذلك اليوم»اهـ.

    [12])) قال الإمام الشافعي رحمه الله في «الأم» (2/ 106): «ولو ترك رجل الحجامة صائمًا للتوقي كان أحب إليَّ، ولو احتجم لم أره يفطره»اهـ.

    [13])) «شرح معاني الآثار» (2/ 101).

    [14])) «فتح الباري» (4/ 174).

    [15])) «المحلى» (6/ 204).

    [16])) «فتح الباري» (4/ 178).

    [17])) «الإرواء» (4/ 75).

    [18])) «نيل الأوطار» (4/ 241).
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,182

    افتراضي

    الفصل الثالث
    الراجح في المسألة:

    الراجح في المسألة – والله أعلم – عدم إفطار الصائم بالحجامة؛ لقوة أدلة هذا القول، ومنها ما فيه التصريح بالنسخ؛ كحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﭬ, قَالَ: أَوَّلُ مَا كُرِهَتِ الْحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ, فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ, فَقَالَ: «أَفْطَرَ هَذَانِ», ثُمَّ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ, وَكَانَ أَنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. والله أعلم.
    وكتبه
    أبو يوسف محمد بن طه
    يوم الثلاثاء 20 من شهر شعبان 1438هـ
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,560

    افتراضي

    بحث قيم ، نفع الله بك أبا يوسف .
    وللفائدة :
    ينظر :
    هنا
    وهنا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,560

    افتراضي

    السؤال
    ما هو الراجح في إبطال الحجامة للصيام ؟


    الإجابــة
    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: ‏


    فالحجامة معناها: الشق، أو جرح عضوٍ من الجسد كالظهر، ومص الدم منه بالفم أو بآلة ‏كالكأس على سبيل التداوي.‏
    والتداوي بالحجامة مستحب، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إن كان في شيء من أدويتكم ‏خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي". ‏متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: " خير ما تداويتم به الحجامة" رواه أحمد ‏والبخاري، ‏
    وقد اختلف أهل العلم في الحجامة: هل تفطر الصائم أم لا؟.‏
    فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي، إلى أنها لا تفطر، لما روى البخاري عن ‏ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم، واحتجم وهو ‏صائم. ‏
    وقال ابن عباس وعكرمه: الصوم مما دخل وليس مما خرج. وعن أم علقمة قالت: "كنا ‏نحتجم عند عائشة ونحن صيام، وبنو أخي عائشة فلا تنهاهم".‏
    وذهب أحمد إلى أن الحجامة تفطر، لما في المسند والترمذي من حديث رافع بن خديج أن ‏النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفطر الحاجم والمحجوم".‏
    وما ذهب إليه جمهور أهل العلم هو الراجح. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: في ‏تعليقه على حديث: احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم. قال: (قال ابن عبد البر ‏وغيره: فيه دليل على أن حديث ("أفطر الحاجم والمحجوم"، منسوخ لأنه جاء في بعض ‏طرقه أن ذلك كان في حجة الوداع، وسبق إلى ذلك الشافعي).‏
    ومن أهل العلم من أوَّلَ: "أفطر الحاجم والمحجوم" بأن المراد تسببا في الفطر، هذا بسبب ‏مصه للدم الذي قد يصل منه شيء إلى حلقه، والآخر بسبب إضعاف نفسه إضعافاً ينشأ ‏عنه اضطراره إلى الفطر.‏
    ولعل الصواب في المسألة هو: أن الأولى لمن تضعفه الحجامة أن يؤخر الحجامة إلى الليل، ‏لأنه قد يضطر إلى الفطر بسببها. ففي موطأ مالك عن ابن عمر: "أنه احتجم وهو صائم ثم ‏ترك ذلك، وكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر"، وعن الزهري: "كان ابن عمر يحتجم ‏وهو صائم في رمضان وغيره، ثم تركه لأجل الضعف" والحديث وصله عبد الرزاق عن ‏معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه، هكذا ذكره الحافظ في الفتح.‏
    والله أعلم.


    http://fatwa.islamweb.net/fatwa/inde...atwaId&Id=7754

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •