الوقف على قوله: (وَيَقُولُونَ حِجْراً مّحْجُوراً) الفرقان:22 للشيخ جمال القرش
قال تعالى: ( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىَ يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مّحْجُوراً ) { الفرقان:22 }
التوجيه النحوي:
يوجه الوقف بالنظر إلى إعراب (مّحْجُوراً.) والمشهور فيها قولان:
1. أن تكون نعتا
2. أن تكون مستأنفة
توجيه الأقوال:
القول الأول : وهو قول الفراء، والزجاج، والنحاس، والعكبري، والأنصاري، وغيره.
وتوجيهه أن تكون (محجورًا) صفة مؤكدة للمعنى وبذلك يكون الكلام كله واحد من قول الملائكة، أي حراما محرما أن تكون لهم البشرى، وقيل من قول المجرمين [1].
قال الفراء 207 ت هـ : حَرَامًا محرّمًا أن يكون لَهم البشرى. وَالْحِجْرُ: الحرام، كما تَقُولُ: حَجَر التاجر عَلَى غُلامه، وحجر عَلَى أهل[2]
قال النحاس ت 338هـ: (وَيَقُولُونَ حِجْراً) : مصدر أي منعا [3]
قال العكبري ت 616هـ : (حِجْرًا مَحْجُورًا) : هُوَ مَصْدَرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: حِجْرُنَا حِجْرًا[4]
قال الأنصاري ت 926هـ : مصدر مؤكد أي: حجرنا حجرا، أي: حراما محرَّما. [5]
القول الثاني : وهو قول الحسن وأبي حاتم.
وتوجيهه أن تكون (محجورًا) متعلقة بمستأنف من قول الله ردا عليهم[6].
وبهذا يظهر اختيار عموم أهل اللغة أن (حجرا) صفة مؤكدة لـ محجورا ، ولا يفصل بين الصفة والموصوف.
أقوال أهل الوقف والابتداء:
1. لا وقف
2. تام.
توجيه الأقوال:
الأول لا وقف وهو ظاهر اختيار ابن الأنباري، والنحاس، والداني، والأشموني الأنصاري [7]
وظاهر اختيار السجاوندي فلم يضع علامة وقف
التوجيه : باعتبار أن (حجرا محجورا) كلام واحد من قول الملائكة ردا على المجرمين، أي: تقول لهم الملائكة حراما عليكم محرما أن تكون لكم البشرى اليوم.
ولم يحكم أكثر علماء الوقف على (حجرا) بالوقف بل على ( محجورا) دلالة على اتصال الكلام.
قال ابن الأنباري ت 328هـ : (ويقولون حجرا محجورا) [22] حسن. والمعنى «يقولون: أي وتقول الملائكة: حرامًا محرمًا أن تكون لهم البشرى»[8]
قال النحاس 338هـ: ويقولون حجرا محجورا آية 22 روى عطية عن أبي سعيد الخدري حجرا محجورا قال حراما محرما قال الضحاك: أي تقول لهم الملائكة حراما عليكم محرما أن تكون لكم البشرى اليوم يعني الكفار[9]
قال الداني ت 444هـ: {ويقولون حجراً محجوراً} كاف. وقال ابن عباس: هو من قول الملائكة أي: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن تكون لهم البشرى[10].
وقال الأشموني ت 1100هـ والأنصاري ت 926هـ: (حجرا محورا ) كاف وذكرا نفس التعليل [11].
والثاني تام وهو قول الحسن وابن جريرج وأبي حاتم.
وذلك باعتبار انتهاء كلام المجرمين على (حجرا) وما بعده ( محجورا) من قول الله تعالى ردا عليهم، فقد كانت العرب تقول عند الرعب: حجراً، أي استعاذةً فقال الله عز وجل مججورا غليهم أن يعاذوا أو يجاروا.
وقد عزاه الداني وغيره للحسن ت 110 هـ وابن جريح ت 150 هـ[12]
قال : ويقول الحسن: ((ويقولون حجراً)) وقف تام. وهو من قول المجرمين. وقال ابن جريج: كانت العرب تقول عند الرعب: حجراً، أي استعاذةً فقال الله عز وجل [محجوراً] أي: محجوراً عليهم أن يعاذوا[13]
وبهذا يظهر أن اختيار عموم أهل الوقف والابتداء هو عدم الوقف على ( حجرا)، باعتبارها وما قبلها قولا واحدا من كلام الملائكة، وأن ما ذكروه للوجه الأخر هو وجه احتمال وليس حكما.
أقوال المفسرين: فيها أربعة أقوال:
الأول : أن تكون (حِجْرًا مَحْجُورًا) من قول الملائكة للمجرمين
الثاني : أن تكون (حِجْرًا مَحْجُورًا) من قول الكفار إذا عاينوالملائكة، أو لأنفسهم
الثالث: أن تكون (حِجْرًا) من قول المجرمين و(مَحْجُورًا) من قول الله
الرابع: أن تكون (حِجْرًا) من قول المجرمين و(مَحْجُورًا) من قول الملائكة
مناقشة الأقوال:
الأول : أن تكون (حِجْرًا مَحْجُورًا) من قول الملائكة للمجرمين[14]
والمعنى: أن الملائكة إذا عاينوا المجرمين يقولون لهم (حجرا محجورا) أي: حراما محرّما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم.
وهو قول الفراء ، وابن جرير، والطبري، والزجاج، ومكي ، والعكبري، وابن كثير، وغيرهم [15]
واستدلوا بذلك بما يلي:
1. قول الضحاك بن مزاحم ت 110 هـ ، وسأله رجل عن قول الله (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) قال: تقول الملائكة: حراما محرما أن تكون لكم البُشرى [16].
2. قزل الْحَسَنِ ت 110 هـ , وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حِجْرًا مَحْجُورًا} [الفرقان: 22] , قَالَ: " هِيَ كَلِمَةٌ كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُهَا كَانَ الرَّجُلُ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ , قَالَ: حِجْرًا مَحْجُورًا " قَالَ: " يَقُولُ: حَرَامًا مُحَرَّمًا [17]
وعليه فلا وقف لأن الكلام كله من قول الملائكة ولا يفصل بين القول ومقوله
الثاني : أن تكون (حِجْرًا مَحْجُورًا) من قول الكفار إذا عاينوالملائكة، أو لأنفسهم.
والمعنى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ إِذَا رَأَوُا الْمَلَائِكَةَ يُلْقُونَهُمْ فِي النَّارِ قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكُمْ، أَيْ حَرَامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي ، كمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَنُزُولِ الشِّدَّةِ، فقد َكَانَ في أهل الجاهلية إِذَا لَقِيَ الرَّجُلُ من يخافه قال: حجزا مَحْجُورًا، أَيْ حَرَامًا عَلَيْكَ التَّعَرُّضُ لِي[18].
وهو قول النيسابوي، والبقاعي، والشوكاني، والقرطبي والشنقطي، والسعدي [19].
واستدلوا بذلك ما يلي:
1. ما رواه ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَتِ الْعَرَبُ إِذَا نَزَلَتْ بهم شدة ورأوا مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا حِجْرًا مَحْجُورًا، فَهُمْ يَقُولُونَهُ إِذَا عَايَنُوا الْمَلَائِكَةَ قَالَ مُجَاهِدٌ: (حِجْرًا) يَعْنِي عَوْذًا مُعَاذًا يَسْتَعِيذُونَ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ [20]
2. عود الضمير على أقرب مذكور وهو (للمجرمين) ، ومن الممعلوم توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها [21]
وقد عقب ابن كثير على قول ابن جريج وقال : وهذا القول وإن كان له مأخذ ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد. [22]
وعليه فلا وقف لأن الكلام كله من قول الكفار ولا يفصل بين القول ومقوله.
الثالث: أن تكون (حِجْرًا) من قول المجرمين و(مَحْجُورًا) من قول الله[23]
َوالمعنى : يقول الله محجورا عليكم أن تعاذوا أو تجاروا كما كنتم في الدنيا، أي: لا عياذ لكم من عذابنا فقال: محجورا عليكم أن تعاذوا .
وهو قول الحسن وأبي حاتم [24].
واستدلوا على ذلك بما رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ:" وَيَقُولُونَ حِجْراً" وَقْفٌ مِنْ قَوْلِ الْمُجْرِمِينَ. فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:" مَحْجُوراً" عَلَيْهِمْ أَنْ يُعَاذُوا أَوْ يُجَارُوا، فَحَجَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[25].
وعليه فالوقف تام لأن ( حجرا) نهاية كلام المجرمين، وما بعده من قول الله تعالى.
الرابع: أن تكون (حِجْرًا) من قول المجرمين و(مَحْجُورًا) من قول الملائكة [26]
والمعنى : أن المجرمين إذا رأوا الملائكة وهم في النار قالوا: نعوذ بالله منكم أن تتعرّضوا لنا فتقول
الملائكة: محجورا أن تعاذوا من شرّ هذا اليوم قاله الحسن
وقد ذكره القرطبي في تفسيره [27]
وعليه فالوقف تام لأن ( حجرا) نهاية كلام المجرمين ، وما بعده من قول الملائكة.
القول الراجح:
وبعد استعراض أقوال النحاة والمفسرين وعلماء الوقف يظهر أن الراجح- والله تعالى أعلى وأعلم- هو عدم الوقف على (حجرا) باعتبار أن الكلام كله واحد سواء عاد الضمير في يقولون للمجرمين ، أم للملائكة، فالقولان محتملان إلا أن الأقوى والذي ترجح عندي هو أن الكلام يعود على الملائكة لما يلي:
1. أنه قول أكثر علماء التفسير واللغة والوقف والابتداء
2. أنه قول مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وَقَتَادَةَ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيّ ِ وخُصَيفٍ
3. أنه َاخْتَارَهُ الفراء 207هـ، و ابن جرير الطبري: 310هـ ، والزجاج ت311هـ والعكبري 616هـ، وابن كثير 774هـ،وغيرهم [28]
4. ما أخرجه الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد (يوم يرون الملائكة) قال: يوم القيامة (ويقولون حجراً محجوراً) قال: عوذاً معاذاً. الملائكة تقوله. [29]
5. ما أخرجه البستي في تفسيره بسنده الصحيح عن مجاهد قال: قالت قريش: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً) إلى قوله: (للمجرمين..) تقول لهم الملائكة: لا بشرى لكم اليوم.. حجراً محجوراً.. أن تكون البشرى يومئذ إلا للمؤمنين. [30]
6. أن الحِجْر هو الحرام، ومعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البُشرى عليهم حرام، كما بين الطبري [31]
7. أن الاستعاذة هي الاستجارة، وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
8. قال الإمام الطبري ت 310هـ: (وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) يعني أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا، حراما محرّما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله[32]
9. قال ابن كثير ت774تهـ: وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً أَيْ وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ لِلْكَافِرِينَ: حَرَامٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمُ الْفَلَّاحُ الْيَوْمَ[33]
10. أنه اختيار أكثر علماء الوقف والابتداء ، كابن الأنباري ت 328هـ ، والنحاس 338هـ، والداني 444هـ والأنصاري 926هـ الأشموني 1100هـ.
11. انه اختيار عموم المصاحف فلم تشر بالوقف على ( حجرا)، مما يؤيد ترجيح عدم الوقف.
والله الموفق والهادي إلى صراطه المستقيم وهو سبحانه وتعالى أعلى وأعلم


[1] الجدول في إعراب القرآن (19/ 7)، و المجتبى من مشكل إعراب القرآن (3/ 814)
[2] معاني القرآن للفراء (2/ 266)
[3] إعراب القرآن للنحاس (3/ 109)
[4] التبيان في إعراب القرآن (2/ 984)
[5] المنسوب إعراب القرآن العظيم للأنصاري (ص: 417)
[6] معاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 63)، منار الهدى (ص: 548)، و الجدول في إعراب القرآن (19/ 7)
[7] إيضاح الوقف والابتداء (2/ 804)، و القطع والائتناف / 481 هـ ، المكتفى (ص: 147)، منار الهدى (ص: 548)، و المقصد لتلخيص ما في المرشد (ص: 62) ،
[8] إيضاح الوقف والابتداء (2/ 803)
[9] معاني القرآن للنحاس (5/ 17)
[10] المكتفى (ص: 147)
[11] منار الهدى مع تلخيص ما في المرشد (ص: 548)
[12] المكتفى (ص: 147)
[13] المكتفى (ص: 147)، و إيضاح الوقف والابتداء (2/ 803)
[14] تفسير الطبري (19/ 255)
[15] تفسير ابن أبي حاتم، (8/ 2677) تفسير عبد الرزاق (2/ 452) تفسير الطبري (19/ 255) ، معاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 63)، و و الهداية الى بلوغ النهاية (8/ 5198)، معاني القرآن للنحاس (5/ 17)، تفسير ابن كثير (6/ 93)، تفسير البغوي (3/ 441(
[16] تفسير ابن أبي حاتم، (8/ 2677)
[17] تفسير عبد الرزاق (2/ 452)
[18] تفسير القرطبي (13/ 21)
[19] إيجاز البيان (2/78)، ونظم الدرر (13/370)، وفتح القدير (4/69)، و تيسير الكريم الرحمن (581).
[20] تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2678)، وتفسير الطبري (19/ 256)، والتسهيل لابن جزي (2/ 81)، وتفسير البغوي (3/ 441)،
[21] قواعد الترجيح (2/613).
[22] تفسير ابن كثير (6/ 93)،
[23] تفسير القرطبي (13/ 21)، منار الهدى (ص: 548)،
[24] معاني القرآن وإعرابه للزجاج (4/ 63)، منار الهدى (ص: 548)، و الجدول في إعراب القرآن (19/ 7)
[25] منار الهدى (ص: 548)،
[26] تفسير القرطبي (13/ 21) ، و منار الهدى (ص: 548)،
[27] تفسير القرطبي (13/ 20)
[28] تفسير ابن أبي حاتم، (8/ 2677) تفسير عبد الرزاق (2/ 452) تفسير الطبري (19/ 255) ، و الهداية الى بلوغ النهاية (8/ 5198)، معاني القرآن للنحاس (5/ 17)، تفسير ابن كثير (6/ 93)، تفسير البغوي (3/ 441(
[29] الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (3/ 492)
[30] الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور (3/ 492)
[31] تفسير الطبري (19/ 255)
[32] تفسير الطبري (19/ 255)
[33] تفسير ابن كثير (6/ 93)
البحث من كتاب ( مسك الختام في معرفة الوقف والابتداء ) لـ جمال القرش