مما استصعب علي فهمه و رده الى اصوله في بابه ؟ بارك الله فيكم
النتائج 1 إلى 13 من 13
12اعجابات
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 2 Post By أحمد القلي
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By الطيبوني
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By الطيبوني
  • 1 Post By الطيبوني
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By الطيبوني
  • 1 Post By محمدعبداللطيف
  • 1 Post By محمدعبداللطيف

الموضوع: مما استصعب علي فهمه و رده الى اصوله في بابه ؟ بارك الله فيكم

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي مما استصعب علي فهمه و رده الى اصوله في بابه ؟ بارك الله فيكم

    و هو في باب القدر الذي هو احد اركان الاسلام العظام
    مع اني اعلم ان طريقة السلف في الباب هي الاسلم و الاحكم
    و قد امروا بالكف عنه و السكوت لعلمهم ان جميع ما يشاؤه الله عز وجل و يقدره انما هو بعلمه و حكمته سبحانه و تعالى
    فلا سلامة للعبد الا بالاستمساك بغرزهم و الاقتداء بهديهم

    لكن كثيرا ما اقرا لمن جاء بعدهم و بسط الكلام في الباب و فرع على ما اصلوه من الاصول العظام
    فيلتبس الامر و يحصل الاشتباه .

    و لربما فهمت من كلامه و ما يلزم منه ما هو من قول القدرية الجبرية و العياذ بالله

    و قد اخترت عبارة للامام ابن القيم رحمه الله ابين فيها و جه الاشتباه
    فقد اشبع هذا الباب تقريرا و تحريرا . و لا تكاد تقرا في كتاب له رحمه الله الا و هو يعرض على هذا بالعبارات المختلفة
    و الاساليب المتنوعة

    يقول رحمه الله في كتابه ( الفوائد )



    ( ... وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو وضع الشيء فى غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه عنه فى غير موضع من كتابه وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعهاللائق به
    كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه
    والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله
    قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل
    كما اذا قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة
    وقد استوفينا الكلام فى هذا فى كتابنا الكبير فى القضاء والقدر )

    و جه الاشكال بارك الله فيكم
    ان العدل في باب الكفر و المعاصي ان يكون ذلك عقوبة على ما هو من كسب العبد و فعله
    فيكون كفره و معصيته من فعله و سببه منه لا من غيره
    اذ لو رددنا سبب الكفر و المعصية الى فعل الله عز وجل المحض
    السابق لكسب العبد و فعله لكان لازم هذا الجبر و لا بد
    اذ سبب الكفر و المعصية هنا و خلق الارادة ليس من فعل العبد

    و كذلك من اصول اهل السنة ان الله عز وجل لا يعذب العباد بعلمه في العباد بل يعذبه بكسبهم و افعالهم
    و الخذلان و الاضلال من اشد العقوبة و العذاب
    فلو قلنا انه خذلهم و اضلهم لعلمه فيهم
    او لصفتهم التي خلقوا عليها و انهم خلقوا محال غير قابلة للهدى
    لرددنا الامر الى فعل الله عز وجل لا لفعلهم وكسبهم
    اذ كونهم خلقوا على هذه الصفة ليس للعبد دخل فيه
    فذلك مسبوق لارادته وفعله ؟









  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطيبوني مشاهدة المشاركة

    يقول رحمه الله في كتابه ( الفوائد )

    ( ... وأما أهل السنة فهم مثبتون للأمرين والظلم عندهم هو وضع الشيء فى غير موضعه كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له وهذا قد نزه الله نفسه عنه فى غير موضع من كتابه وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعه اللائق به كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سدادوصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاءبمزيد عنايةوأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه
    والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله
    قال تعالى وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين وقال ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل
    كما اذا
    قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة
    وقد استوفينا الكلام فى هذا فى كتابنا الكبير فى القضاء والقدر )

    و جه الاشكال بارك الله فيكم
    ان العدل في باب الكفر و المعاصي ان يكون ذلك عقوبة على ما هو من كسب العبد و فعله
    فيكون كفره و معصيته من فعله و سببه منه لا من غيره
    اذ لو رددنا سبب الكفر و المعصية الى فعل الله عز وجل المحض
    السابق لكسب العبد و فعله
    لكان لازم هذا الجبر و لا بد
    اذ سبب الكفر و المعصية هنا و خلق الارادة ليس من فعل العبد

    و كذلك من اصول اهل السنة ان الله عز وجل لا يعذب العباد بعلمه في العباد بل يعذبه بكسبهم و افعالهم
    و الخذلان و الاضلال من اشد العقوبة و العذاب
    فلو قلنا انه خذلهم و اضلهم لعلمه فيهم
    او لصفتهم التي خلقوا عليها و انهم خلقوا محال غير قابلة للهدى
    لرددنا الامر الى فعل الله عز وجل لا لفعلهم وكسبهم
    اذ كونهم خلقوا على هذه الصفة ليس للعبد دخل فيه فذلك مسبوق لارادته وفعله ؟
    نجيبك اخى الكريم الطيبونى انشاء الله على بعض ما صعب عليك فهمه ونرده الى اصوله فى بابه -فقولك
    و جه الاشكال-اذ لو رددنا سبب الكفر و المعصية الى فعل الله عز وجل المحض
    السابق لكسب العبد و فعله
    لكان لازم هذا الجبر و لا بد
    اذ سبب الكفر و المعصية هنا و خلق الارادة ليس من فعل العبد
    سبب الكفر من فعل العبد كمافى كلام بن القيم السابق-بقوله
    جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه--هذا هو سبب الكفر -وكما فى قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم-اى حرصا على تعلم الدين لاسمعهم اى لافهمهم-فالسبب عدم الحرص على تعلم الدين--فالسبب منهم---اما قولك
    خلق الارادة ليس من فعل العبد
    الله سبحانه وتعالى خالق العبد وفعله خلق فيهم صفة الارادة ليكونوا بإرادتهم مخيرين فاما ان يختاروا الايمان واما ان يختاروا الكفر- واراد الله سبحانه منهم الايمان وهذه هى الارادة الشرعية ولم يرد منهم الكفر- فاذا فعلوا الايمان فقد وافقوا الارادة الشرعية التى امر بها ويحبها واذا فعلوا الكفر فقد وافقوا الارادة الكونية وارادتها كونا هنا مع انه نهى عن الكفر وحذر منه وتوعد عليه فلا بد هنا من التفريق بين انواع الارادة حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها-قولك
    فلو قلنا انه خذلهم و اضلهم لعلمه فيهم
    او لصفتهم التي خلقوا عليها و انهم خلقوا
    محال غير قابلة للهدى
    لرددنا الامر الى فعل الله عز وجل لا لفعلهم وكسبهم
    اذ كونهم خلقوا على هذه الصفة ليس للعبد دخل فيه
    قولك اخى الكريم او لصفتهم التي خلقوا عليها و انهم خلقوا محال غير قابلة للهدى--لعلك فهمته من كلام الامام بن القيم بقوله فاذا قضى على هذه النفوس بالضلال والمعصية كان ذلك محض العدل كما اذا قضى على الحية بان تقتل وعلى العقرب وعلى الكلب العقور كان ذلك عدلا فيه وان كان مخلوقا على هذه الصفة---بيانه من كلام بن القيم نفسه يقول--فى معرض ذكره لكلام القدرية -
    قالوا وقد كذب الله سبحانه الذين قالوا قلوبنا غلف وفي أكنة وأنها قد طبع عليها وذمهم على هذا القول فكيف ينسب إليه تعالى ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالألف والطبيعة والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم فلا يخلص إليها الهدى وإنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتهاكالخلقة التي خلق عليها العبد قالوا ولهذا قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا

    يَكْسِبُونَ} وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} وقال: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وقال: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ} ولعمر الله إن الذي قاله هؤلاء حقه أكثر من باطله وصحيحه أكثر من سقيمه ولكن لم يوفوه حقه وعظموا الله من جهة وأخلوا بتعظيمه من جهة فعظموه بتنزيهه عن الظلم وخلاف الحكمة وأخلوا بتعظيمه من جهة التوحيد وكمال القدرة ونفوذ المشيئة والقرآن يدل على صحة ما قالوه في الران والطبع والختم من وجه وبطلانه من وجه وأما صحته فإنه سبحانه جعل ذلك عقوبة لهم وجزاء على كفرهم وأعراضهم عن الحق بعد أن عرفوه كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} وقال: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وقال: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} وقد اعترف بعض القدرية بأن ذلك خلق الله سبحانه ولكنه عقوبة على كفرهم وإعراضهم السابق فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده ويثيب على الهدى بهدى بعده كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب على الحسنة بحسنة مثلها وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّر} ومن الفرقان الهدى الذي يفرق به بين الحق والباطل وقال في ضد ذلك: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا} وقال: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً} وقال: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق والقرآن دل عليه وهو موجب العدل والله سبحانه ماض في العبد حكمه عدل في عبده قضاؤه فإنه إذا دعى عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصده عن الإيمان به وحال بين قلبه وبين قبول الهدى وذلك عدل منه فيه وتكون عقوبته بالختم والطبع والصد عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار كما قال: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ}فحجابه عنهم إضلال لهم وصد عن رؤيته وكمال معرفته كما عاقب قلوبهم في هذه الدار بصدها عن الإيمان وكذلك عقوبته لهم بصدهم عن السجود له يوم القيامة مع الساجدين هو جزاء امتناعهم من السجود له في الدنيا وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا ولكن أسباب هذه الجرايم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة بل قضاء جار عليهم ماض عدل فيهم وقال تعالى: {وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} ومن ههنا ينفتح للعبد باب واسع عظيم النفع جدا في قضاء الله المعصية والكفر والفسوق على العبد وأن ذلك محض عدل فيه---ويقول رحمه الله

    فصل: وههنا عدة أمور عاقب بها الكفار بمنعهم عن الإيمان وهي: الختم والطبع والأكنة والغطاء والغلاف والحجاب والوقر والغشاوة والران والغل والسد والقفل والصمم والبكم والعمى والصد والصرف والشد على القلب والضلال والإغفال والمرض وتقليب الأفئدة والحول بين المرء وقلبه وإزاغة القلوب والخذلان والإركاس والتثبيط والتزيين وعدم إرادة هداهم وتطهيرهم وإماتة قلوبهم بعد خلق الحياة فيها فتبقى على الموت الأصلي وإمساك النور عنها فتبقى في الظلمة الأصلية وجعل القلب قاسيا لا ينطبع فيه مثال الهدى وصورته وجعل الصدر ضيفا حرجا لا يقبل الإيمان وهذه الأمور منها ما يرجع إلى القلب كالختم والطبع والقفل والأكنة والإغفال والمرض ونحوها ومنها ما يرجع إلى رسوله الموصل إليه الهدى كالصمم والوقر ومنها ما يرجع إلى طليعته ورائده كالعمى والغشا ومنها ما يرجع إلى ترجمانه ورسوله المبلغ عنه كالبكم النطقي وهو نتيجة البكم القلبي فإذا بكم القلب بكم اللسان ولا تصغ إلى قول من يقول أن هذه مجازات واستعارات فإنه قال بحسب مبلغه من العلم والفهم عن الله ورسوله وكان هذا القائل حقيقة الفعل عنده أن يكون من حديد والختم أن يكون بشمع أو طين والمرض أن يكون حمى بنافض أو قولنج أو غيرهما من أمراض البدن والموت هو مفارقة الروح للبدن ليس إلا والعمى ذهاب ضوء العين الذي تبصر به وهذه الفرقة من أغلظ الناس حجابا فإن هذه الأمور إذا أضيفت إلى محلها كانت بحسب تلك المحال فنسبة قفل القلب إلى القلب كنسبة قفل الباب إليه وكذلك الختم والطابع الذي عليه هو بالنسبة إليه كالختم والطابع الذي على الباب والصندوق ونحوهما وكذلك نسبة الصمم والعمى إلى الأذن والعين وكذلك موته وحياته نظير موت البدن وحياته بل هذه الأمور ألزم للقلب منها للبدن فلو قيل أنها حقيقة في ذلك مجاز في الأجسام المحسوسة لكان مثل قول هؤلاء وأقوى منه وكلاهما باطل فالعمى في الحقيقة والبكم والموت والقفل للقلب ثم قال تعالى فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور والمعنى أنه معظم العمى وأصله وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الربا في النسيئة"ولم يرد نفي الاسم عن هذه المسميات إنما أراد أن هؤلاء أولى بهذه الأسماء وأحق ممن يسمونه بها فهكذا قوله لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وقريب من هذا قوله: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية وعلى التقديرين فقد أثبت للقلب عمى حقيقة وهكذا جميع ما نسب إليه ولما كان القلب ملك الأعضاء وهي جنوده وهو الذي يحركها ويستعملها والإرادة والقوى والحركة الاختيارية تنبعث كانت هذه الأمثال أصلا وللأعضاء تبعا---فلا تظن اخى الكريم الطيبونى ان معنى وان كان مخلوقا على هذه الصفة- راجعة الى الكفار من بنى آدم هى راجعة الى الحيات والعقارب ثم شبه الكفار بهم بما اوردناه-ونكرره -بما ايده بن القيم بقوله-ولكن القوم لما أعرضوا وتركوا الاهتداء بهداه الذي بعث به رسله حتى صار ذلك الإعراض والنفار كالألف والطبيعة والسجية أشبه حالهم حال من منع عن الشيء وصد عنه وصار هذا وقرا في آذانهم وختما على قلوبهم وغشاوة على أعينهم فلا يخلص إليها الهدى وإنما أضاف الله تعالى ذلك إليه لأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد قالوا ولهذا قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا

    يَكْسِبُونَ} وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}
    - وهذا الذي ذهب إليه هؤلاء حق والقرآن دل عليه وهو موجب العدل والله سبحانه ماض في العبد حكمه عدل في عبده قضاؤه فإنه إذا دعى عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصده عن الإيمان به وحال بين قلبه وبين قبول الهدى وذلك عدل منه فيه وتكون عقوبته بالختم والطبع والصد عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار----- اما قولك
    او لصفتهم التي خلقوا عليها و انهم خلقوا محال غير قابلة للهدى
    ---- الصفة التى خلق الله عباده عليها فهى فى حديث-كل مولود يولد على الفطرة وحديث -انى خلقت عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم--- اماقولك -محال غير قابلة للهدى-- معناهأن هذه الصفة قد صارت في تمكنها وقوة ثباتها كالخلقة التي خلق عليها العبد قالوا ولهذا قال تعالى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا

    يَكْسِبُونَ} وقال: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ}
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jul 2016
    المشاركات
    1,085

    افتراضي

    بارك الله فيكم
    قال الله تعالى (ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخد منكم ويغفر لكم )
    وقال مبينا أنه تعالى قد هدى الناس وبين لهم طريق الشر و طريق الخير
    وهذه هداية الارشاد وهيأ لهم في نفوسهم أسباب ودواعي اتباع الخير والايمان ,
    وضده أسباب الشر والكفر
    ( انا هديناه السبيل اما شاكرا واما كفورا ) فجعل سبحانه الهداية منه , و الشكر أو الكفر من عمل الانسان
    (فألهمها فجورها وتقواها ) فالالهام منه سبحانه
    أما العمل والسعي فهو من كسب الانسان (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها )
    فجعل للانسان ارادة ومشيئة يختار بها سبيل الرشد أو سبيل الغي
    ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ..)
    وقال (لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)
    وقال ( لمن شاء منكم أن يستقيم)
    لكن هذه الارادة ليست الا من عند الله فهو الذي ابتدأها وجعلها في قلوب العباد (وما تشاؤون الا أن يشاء الله رب العالمين ))
    وهو تعالى له الأمر من قبل ومن بعد وله المشيئة المطلقة وكل شيء كان ويكون انما هو من عنده ولا يحدث في ملكه الا ما أراد وله الحكمة البالغة التي تكل عن ادراكها العقول وتعجز عن وصفها الألباب
    وهذا هو سر القدر الذي لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل

    وهو سبحانه ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء )
    ولكن جعل الهداية في هؤلاء (يضل من يشاء ويهدي اليه من أناب )
    وأيضا قيدها بهؤلاء (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ))
    فابتدؤوا هم بالايمان والعمل الصالح فاستحقوا الهداية وزادهم الله هدى
    (والذين اهتدوا زادهم هدى و آتاهم تقواهم )
    ويؤيد هذا المعنى قوله ( ومن يؤمن بالله يهد فلبه))
    و بالمقابل من أعرض عن الايمان فان ( إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))
    وعباد الله المؤمنون المهتدون مقرون بأن الله هو الذي ابتدأهم باحسانه , ومن عليهم بفضله ورضوانه
    و لولاه ما عرفوه ولا عبدوه ولولا رحمته ما استحقوا ايمانا ولا عملا ولا تقوى ولا جنة ولا رضوانا
    ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا)) ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا)
    لكن الله الرحمن الرحيم ذا الفضل العظيم يخبر عباده المتقين أنهم انما دخلوا الجنة بفضل أعمالهم استحقاقا منهم جزاء بما كسبت أيديهم
    ( ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ) ((هل جزاء الاحسان الا الاحسان)
    ( وَالْمَلَائِكَة ُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
    (جزاهم بما صبروا جنة وحريرا))
    لكن مع هذا يعترفون أن كل هذا النعيم والفضل العظيم لا يرجع الا لذي الجلال والاكرام
    ( وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله )
    لذلك فالعبد يحتاج في كل لحظة وحين الى هداية الله , وهو فقير مفتقر الى الغني الحميد
    لو وكله الى نفسه طرفة عين لهلك وخاب وخسر , ولو خلى بينه وبين عدوه ابليس لاجتره معه الى دار العداب والشقاء ولا حول ولا قوة الا بالله
    ولهدا المعنى فرض الله علينا أن نسأله في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم
    و من لم يسأل الله تعالى هاته الهداية فلا تصح له صلاة ولا ترفع له ركعة واحدة
    وهذه هي هداية التوفيق والسداد والثباث والزيادة في البر والخير والأعمال الصالحة والاخلاص فيها
    والله جعل هاته السورة التي تضمنت هدا الدعاء العظيم هي أم القرآن وهي أعظم سورة فيه ولم ينزل مثلها لا في التوراة ولا في الانجيل
    و مهما بلغ العبد درجات الهدى وارتقى مراتب التقى فلن يزداد الا اقرارا بضعفه و اعترافا بفقره وادراكا لقوة ربه وابصارا لغنى معبوده وشهودا لوحدانية خالقه وتقربا وتزلفا لهاديه و محبوبه
    وقد عرف أولياؤه قدر أنفسهم وأبصروا بعين اليقين ما ينتظرهم
    فقال الخليل عليه الصلاة والتسليم
    ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ))
    وأزعج داعي الشوق قلوبهم حتى طرد النوم عن أعينهم فهجروا مضاجعهم وجفوا مراقدهم
    (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا)
    واجتهدوا في الأعمال بالليل والنهار قبل أن يلقوا ربهم
    وهم مع كل ما قدموه من عمل قلوبهم وجلة من ذلك اللقاء العظيم الذي تقطعت له قلوبهم شوقا ووجلا , وهم في أشد الحياء أن يفدموا على الملك بمثل هاته الأعمال التي يختمونها كل ليلة بالاستغفار وهم واضعوا جباههم على الأرض يبكون ويستغفرون ويرجون
    (الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار)
    ( وبالأسحار هم يستغفرون )
    اللهم اجعلنا منهم ومعهم

    محمدعبداللطيف و الطيبوني الأعضاء الذين شكروا.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي

    ( سبب الكفر من فعل العبد جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه )
    و سبب الاعراض و ايثار العدو سببه و جزاء على ماذا ؟
    لذا قلت في المشاركة السابقة ان ذلك يؤدي الى التسلسل في الاسباب و هو باطل
    و ما دام ان العبد مخلوق مربوب له ابتداء
    و ارادته حادثة مخلوقة يفعل بها و يترك عند عدمها
    فخلقها و ايجادها فيه في جانب الهدى فضل و منة من الله عز وجل
    اما في جانب الضلال و الكفر و المعاصي فان كان سببها من العبد
    فهذا عدل منه عز وجل لكن هذا قد يؤدي الى التسلسل في الاسباب المذكور سابقا
    فجزاء السيئة سيئة مثلها
    لكن الكلام في هذا الموطن عن السيئة الاولى و سببها
    فان كان سبب ارادة المعصية التي لاجلها خلقت و احدثت فيه من الله عز وجل
    فهذا الذي لم افهم منه الا الجبر عفانا الله و اياكم من الزيغ و الضلال

    ( قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لاسمعهم-اى حرصا على تعلم الدين لاسمعهم اى لافهمهم-فالسبب عدم الحرص على تعلم الدين--فالسبب منهم--- )

    في الاية ان الله عز وجل نفى عنهم السماع المقصود به في هذا الموطن الفهم
    و نفي ذلك منه عز وجل عنهم انما كان على علمه النافذ
    فيهم
    و عدم اسماع العبد و افهامه لما يصير به مؤمنا ناجيا من اكبر العقوبة له
    و انما كان سبب ذلك راجع الى علم الله فيهم كما هو صريح في الاية
    و الاصل ان الله يعاقب العبد بفعل العبد نفسه و كسبه لا بعلمه فيه عز وجل
    و عدم حرصهم على تعلم الدين انما كان لعدم فهمهم و معرفتهم لمصالح انفسهم
    و هذا مما له علاقة بمسالة ( العذر بالجهل ) فكل كافر جاهل بهذا الاعتبار
    و انه لا يصح ان يعتذر لمن لم يفهم مايصير به مؤمنا ناجيا عند الله
    لان الذي لم يفهم ذلك لم يعلم الله فيه خير لذا لم يسمعه
    فلا يصح ان يعتذر له بعدم الفهم و السماع بعد ان اخبر الله عز وجل عنه انه لا خير فيه
    المهم فيما نحن فيه ان
    عدم العلم و المعرفة للنافع و الضار ان كان منهم و سببه من كسبهم و فعلهم
    فالمسالة ترجع الى ما تكلمت عليه اولا
    فخلق القدرة على الفعل و خلق الارادة له اما ان يرجع سبب ذلك لكسب العبد
    و اما ان يرجع الى ما ليس للعبد دخل فيه
    فان كان راجع الى خلقتهم و انهم خلقوا محال غير قابلة للهدى
    و ان الحكمة وضع الشيء في موضعه
    فذلك ما لم افهم منه غير الجبر

    ( الله سبحانه وتعالى خالق العبد وفعله خلق فيهم صفة الارادة ليكونوا بإرادتهم مخيرين فاما ان يختاروا الايمان واما ان يختاروا الكفر )

    الارادة الحادثة للعبد التي يختار بها الايمان و الكفر هي ارادة حادثة مخلوقة
    فارادة الايمان رحمة و فضل
    و ارادة الضلال و الطغيان هي كذلك مخلوقة مرادة لله عز وجل كونا
    فرجعنا بذلك الى عين ما اشكل و اشتبه
    فخلق ارادة الكفر و الطغيان
    هي من احاد افعال الله عز وجل
    فاما ان يرجع سبب ذلك للعبد و قد ذكرت اني لم افهم من ذلك الا التسلسل
    فما من ارادة مخلوقة للعبد الا ويكون سببها منه و هذا ممتنع ( ان رجعنا الى السبب الاول الذي صار به اهل للضلال و الخذلان )
    و اما ان تكون ارادة الكفر التي بها دخل العبد في الضلال و صار من الكافرين
    ترجع الى ما خلق عليه من انه محل غير قابل للهدى
    و الحكمة ان يوضع كل شيء موضعه


    و لي عودة ان شاء الله تعالى


  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اليك اجابة كل ما استشكلته اخى الكريم الطيبونى فى جواب شيخ الاسلام بن تيمية فراجعه جيدا----------------ما قول أهل الإسلام الراسخين في جذر الكلام الباسقين في فن الأحكام حياكم العلام في صدور دار السلام ; وحباكم القيام بتوضيح ما استبهم على الأفهام في معتقد أهل السنة والجماعة . نضر الله أرواح السلف وكثر أعداد الخلف وأمدهم بأنواع اللطف . بأن الأفعال الاختيارية من العباد تحصل بخلق الله تعالى وبخلق العبد فحقيقة كسب العبد ما هي ؟ وبعد هذا هل هو مؤثر في وجود الفعل ؟ أم غير مؤثر ؟ .

    فإن كان فيصير العبد مشاركا للخالق في خلق الفعل فلا يكون العبد كاسبا ; بل شريكا خالقا - وأهل السنة بررة برآء من هذا القول - وإن لم يكن مؤثرا في وجود الفعل فقد وجد الفعل بكماله بالحق سبحانه وتعالى وليس للعبد في ذلك شيء [ فلزم ] الجبر الذي يطوي بساط الشرع وأهل السنة الغراء والمحجة البيضاء فارون من هذه الكلمة الشنعاء والعقيدة العوراء .

    ولم ينسب إلى العبد الطاعة والعصيان والكفر والإيمان حتى يستحق الغضب والرضوان . فكيف السلوك أيها الهداة الأدلاء على اللحب المستقيم والمنهج القويم ؟ وطرفي قصد الأمور ذميم . فبينوا بيانا يطلق العقول من هذا العقال ويشفي القلوب من هذا الداء العضال . أيدكم بروح القدس من له صفات الكمال .-----------------------------------------------------------------------------------------
    [ ص: 387 ] فأجاب الشيخ الإمام العالم الرباني . المقذوف في قلبه النور الإلهي الجامع أشتات الفضائل . مفتي المسلمين تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قال : رضي الله عنه تلخيص الجواب : أن الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر كما قال تعالى : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } فبين سبحانه أن كسب النفس لها أو عليها والناس يقولون : فلان كسب مالا أو حمدا أو شرفا كما أنه ينتفع بذلك ولما كان العباد يكملون بأفعالهم ويصلحون بها إذ كانوا في أول الخلق خلقوا ناقصين صح إثبات السبب إذ كمالهم وصلاحهم عن أفعالهم والله سبحانه وتعالى فعله وصنعه عن كماله وجلاله فأفعاله عن أسمائه وصفاته ومشتقة منها كما قال سبحانه وتعالى : { أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي } والعبد أسماؤه وصفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم والكامل بعد حدوث العلم والكمال فيه .

    ومن هنا ضلت " القدرية " حيث شبهوا أفعاله - سبحانه وتعالى - عما يقولون علوا كبيرا - بأفعال العباد وكانوا هم المشبهة في الأفعال فاعتقدوا أن ما حسن منهم حسن منه مطلقا وما قبح منهم قبح منه مطلقا بقدر علمهم وعقلهم أو ما علموا ( أنها إنما حسنت منهم لإفضائها إلى ما فيه صلاحهم [ ص: 388 ] وفلاحهم ; وقبحت لإفضائها إلى ما فيه فسادهم والله سبحانه متعال عن أن يلحقه ما لا يليق به سبحانه .

    وأما قوله : هل هو مؤثر في وجود الفعل أو غير مؤثر ؟ فالكلام في مقامين : ( أحدهما ) أن هذا سؤال فاسد إن أخذ على ظاهره ; لأن كسب العبد هو نفس فعله وصنعه فكيف يقال : هل يؤثر كسبه في فعله أو هل يكون الشيء مؤثرا في نفسه ؟ وإن حسب حاسب أن الكسب هو التعاطي والمباشرة وقصد الشيء ومحاولته فهذه كلها أفعال يقال فيها ما يقال في أفعال البدن من قيام وقعود .

    وأظن السائل فهم هذا وتشبث بقول من يقول : إن فعل العبد يحصل بخلق الله عز وجل وكسب العبد . وتحقيق الكلام أن يقال : فعل العبد خلق لله - عز وجل - وكسب للعبد ; إلا أن يراد أن أفعال بدنه تحصل بكسبه : أي بقصده وتأخيه . وكأنه قال : أفعاله الظاهرة تحصل بأفعاله الباطنة ; وغير مستنكر عدم تجديد هذا السؤال فإنه مزلة أقدام ومضلة أفهام . وحسن المسألة نصف العلم . إذا كان السائل قد تصور السؤال . وإنما يطلب إثبات الشيء أو نفيه ولو حصل التصور التام لعلم أحد الطرفين . [ ص: 389 ]

    و ( المقام الثاني ) : في تحرير السؤال وجوابه - وهو أن يقال هل قدرة العبد المخلوقة مؤثرة في وجود فعله فإن كانت مؤثرة لزم الشرك ; وإلا لزم الجبر والمقام مقام معروف ; وقف فيه خلق من الفاحصين والباحثين والبصراء والمكاشفين وعامتهم فهموا صحيحا . ولكن قل منهم من عبر فصيحا . فنقول : التأثير اسم مشترك قد يراد بالتأثير الانفراد بالابتداع والتوحيد بالاختراع فإن أريد بتأثير قدرة العبد هذه القدرة فحاشا لله لم يقله سني وإنما هو المعزو إلى أهل الضلال .

    وإن أريد بالتأثير نوع معاونة إما في صفة من صفات الفعل . أو في وجه من وجوهه كما قاله كثير من متكلمي أهل الإثبات . فهو أيضا باطل بما به بطل التأثير في ذات الفعل ; إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل . وهل هو إلا شرك دون شرك وإن كان قائل هذه المقالة ما نحا إلا نحو الحق . وإن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة . بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب وواسطة في خلق الله - سبحانه وتعالى - الفعل بهذه القدرة .

    كما خلق النبات بالماء وكما خلق الغيث بالسحاب . وكما خلق جميع المسببات والمخلوقات بوسائط وأسباب فهذا حق [ ص: 390 ] وهذا شأن جميع الأسباب والمسببات . وليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا وإلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا . وقد قال الحكيم الخبير : { فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } . { فأنبتنا به حدائق ذات بهجة } وقال تعالى : { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم } . فبين أنه المعذب ، وأن أيدينا أسباب وآلات وأوساط وأدوات في وصول العذاب إليهم وقال صلى الله عليه وسلم { لا يموتن أحد منكم إلا آذنتموني حتى أصلي عليه فإن الله جاعل بصلاتي عليه بركة ورحمة }

    . فالله سبحانه هو الذي يجعل الرحمة وذلك إنما يجعله بصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم وعلى هذا التحرير فنقول : خلق الله سبحانه أعمال الأبدان بأعمال القلوب ويكون لأحد الكسبين تأثير في الكسب الآخر بهذا الاعتبار ويكون ذلك الكسب من جملة القدرة المعتبرة في الكسب الثاني ; فإن القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لا محالة : من قصد وإرادة وسلامة الأعضاء والقوى المخلوقة في الجوارح وغير ذلك ولهذا وجب أن تكون مقارنة للفعل وامتنع تقديمها على الفعل بالزمان .

    وأما القدرة التي هي مناط الأمر والنهي فذاك حديث آخر ليس هذا موضعه . [ ص: 391 ] وبالتمييز بين هاتين القدرتين يظهر لك قول من قال : القدرة مع الفعل ومن قال : قبله ، ومن قال : الأفعال كلها تكليف ما لا يطاق ، ومن منع ذلك ; وتقف على أسرار المقالات وإذا أشكل عليك هذا البيان فخذ مثلا من نفسك : أنت إذا كتبت بالقلم وضربت بالعصا ونجرت بالقدوم هل يكون القلم شريكك أو يضاف إليه شيء من نفس الفعل وصفاته ؟ أم هل يصلح أن تلغي أثره وتقطع خبره ، وتجعل وجوده كعدمه ؟ أم يقال : به فعل وبه صنع - ولله المثل الأعلى - فإن الأسباب بيد العبد ليست من فعله وهو محتاج إليها لا يتمكن إلا بها والله سبحانه خلق الأسباب ومسبباتها وجعل خلق البعض شرطا وسببا في خلق غيره وهو مع ذلك غني عن الاشتراط والتسبب ونظم بعضها ببعض لكن لحكمة تتعلق بالأسباب وتعود إليها والله عزيز حكيم . وأما قوله : إذا نفينا التأثير لزم انفراد الله سبحانه بالفعل . ولزم الجبر . وطي بساط الشرع الأمر والنهي . فنقول : إن أردت بالتأثير المنفي التأثير على سبيل الانفراد في نفس الفعل أو في شيء من صفاته فلقد قلت الحق وإن كان بعض أهل الاستنان يخالفك في القسم الثاني .

    وإن أردت به أن القدرة وجودها كعدمها وأن الفعل لم يكن بها [ ص: 392 ] ولم يصنع بها فهذا باطل كما تقدم بيانه وحينئذ لا يلزم الجبر بل ينبسط بساط الشرع وينشر علم الأمر والنهي ويكون لله الحجة البالغة .

    فقد بان لك أن إطلاق القول بإثبات التأثير أو نفيه دون الاستفصال ، وبيان معنى التأثير ركوب جهالات واعتقاد ضلالات ولقد صدق القائل : أكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء وبأن لك ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة . ارتباط الأسباب بمسبباتها ويدخل في عموم ذلك جميع ما خلقه الله تعالى في السموات والأرض والدنيا والآخرة فإن اعتقاد تأثير الأسباب على الاستقلال دخول في الضلال ، واعتقاد نفي أثرها وإلغاؤه ركوب المحال وإن كان لقدرة الإنسان شأن ليس لغيرها كما سنومئ إليه إن شاء الله تعالى .

    فلعلك أن تقول بعد هذا البيان : أنا لا أفهم الأسباب ولا أخرج عن دائرة التقسيم والمطالبة بأحد القسمين وما أنت إن قلت هذا : إلا مسبوق بخلق من الضلال : { كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم } وموقفك هذا مفرق طرق إما إلى الجنة وإما إلى النار فيعاد عليك البيان بأن لها تأثيرا من حيث هي سبب كتأثير القلم وليس لها تأثير من حيث الابتداع والاختراع ونضرب لك الأمثال لعلك تفهم صورة الحال ويبين لك أن إثبات الأسباب مبتدعات هو الإشراك وإثباتها أسبابا موصولات هو عين تحقيق التوحيد عسى الله أن يقذف بقلبك نورا ترى هذا [ ص: 393 ] البيان { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } فإن قلت : إثبات القدرة سبب نفي للتأثير في الحقيقة فما بال الفعل يضاف إلى العبد ؟ وما باله يؤمر وينهى ؟ ويثاب ويعاقب وهل هذا إلا محض الجبر ؟ وإذا كنت مشبها لقدرة الإنسان بقلم الكاتب وعصا الضارب فهل رأيت القلم يثاب أو العصا تعاقب ؟ وأقول لك الآن إن شاء الله وجب هداك بمعونة مولاك وإن لم تطلع من أسرار القدر إلا على مثل ضرب الأثر وألق السمع وأنت شهيد عسى الله أن يمدك بالتأييد : اعلم أن العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة وله إرادة جازمة وقوة صالحة وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية كقوله : { لمن شاء منكم أن يستقيم } { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } { فمن شاء ذكره } { وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة } ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن : { يعملون } { يفعلون } { يؤمنون } { يكفرون } { يتفكرون } { يحافظون } { يتقون }

    . وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق فارقنا الجبرية بإثبات أن العبد كاسب فاعل صانع عامل والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة [ ص: 394 ] ولا اختيار مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح وحركة بإطباق الأيدي ومثله في الأناسي حركة المحموم والمفلوج والمرتعش فإن كل عاقل يجد تفرقة بديهية بين قيام الإنسان وقعوده وصلاته وجهاده وزناه وسرقته وبين انتعاش المفلوج وانتفاض المحموم ونعلم أن الأول قادر على الفعل مريد له مختار وأن الثاني غير قادر عليه ولا مريد له ولا مختار .

    والمحكي عن جهم وشيعته " الجبرية " أنهم زعموا : أن جميع أفاعيل العباد قسم واحد وهو قول ظاهر الفساد وبما بين القسمين من الفرقان انقسمت الأفعال : إلى اختياري واضطراري واختص المختار منها بإثبات الأمر والنهي عليه ولم يجئ في الشرائع ولا في كلام حكيم أمر الأعمى بنقط المصحف والمقعد بالاشتداد أو المحموم بالسكون وشبه ذلك وإن اختلفوا في تجويزه عقلا أو سمعا فإنما منع وقوعه بإجماع العقلاء أولى العقل من جميع الأصناف .

    فإن قيل : هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى ؟ وإذا خلق الأمر الموجب للفعل .

    فهل يتأتى ترك الفعل معه ؟ أقصى ما في الباب أن الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد وهذا جبر بتوسط الإرادة . [ ص: 395 ] فنقول : الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه وأما إثبات القسم الثاني فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي [ جبرا ] إذا أمن من اللبس وعلم القصد قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها . فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه : من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على الفطرة } وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم - في قوله { الجبار } قال جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه .

    فإن قلت : أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف انبنى الثواب والعقاب [ ص: 396 ] على فعله وصح تسميته فاعلا على حقيقته . وانبنى فعله على قدرته ؟ . فأقول : - والله الهادي إلى سواء الصراط - اعلم أن الله تعالى خلق فعل العبد سببا مقتضيا لآثار محمودة أو مذمومة والعمل الصالح مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه وأخلص فيها وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه وانشراح في صدره وطمأنينة في نفسه ومزيد في علمه وتثبيت في يقينه وقوة في عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه وبهاء وجهه وانتهائه عن الفحشاء والمنكر وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق ودفع البلاء عنه وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه . ثم هذه الآثار التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب مفضية إلى آثار أخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا . ولهذا قيل : إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها وإن من عقوبة السيئة السيئة بعدها وكذلك العمل السيئ مثل الكذب - مثلا - يعاقب صاحبه في الحال بظلمة في القلب وقسوة وضيق في صدره ونفاق واضطراب ونسيان ما تعلمه وانسداد باب علم كان يطلبه ونقص في يقينه وعقله واسوداد وجهه وبغضه في قلوب الخلق واجترائه على ذنب آخر من جنسه أو غير جنسه وهلم جرا .

    إلا أن يتداركه الله برحمته . [ ص: 397 ] فهذه الآثار هي التي تورثها الأعمال هي الثواب والعقاب وإفضاء العمل إليها واقتضاؤه إياها كإفضاء جميع الأسباب التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - [ أسبابا إلى ] مسبباتها والإنسان إذا أكل أو شرب حصل له الري والشبع وقد ربط الله سبحانه وتعالى الري والشبع بالشرب والأكل ربطا محكما ولو شاء أن لا يشبعه ويرويه مع وجود الأكل والشرب فعل إما أن لا يجعل في الطعام قوة أو يجعل في المحل قوة مانعة أو بما يشاء سبحانه وتعالى ولو شاء أن يشبعه ويرويه بلا أكل ولا شرب أو بأكل شيء غير معتاد فعل .

    كذلك في الأعمال : المثوبات والعقوبات حذو القذة بالقذة فإنه إنما سمي الثواب ثوابا ; لأنه يثوب إلى العامل من عمله : أي يرجع والعقاب عقابا لأنه يعقب العمل : أي يكون بعده ولو شاء الله أن لا يثيبه على ذلك العمل إما بأن لا يجعل في العمل خاصة تفضي إلى الثواب أو لوجود أسباب تنفي ذلك الثواب أو غير ذلك لفعل - سبحانه وتعالى - وكذلك في العقوبات .

    وبيان ذلك أن نفس الأكل والشرب باختيار العبد ومشيئته . التي هي من فعل الله سبحانه وتعالى أيضا وحصول الشبع عقب الأكل ليس للعبد فيه صنع ألبتة حتى لو أراد دفع الشبع بعد تعاطي الأسباب الموجبة له لم يطق وكذلك نفس العمل هو بإرادته واختياره فلو شاء أن يدفع أثر ذلك العمل وثوابه بعد وجود موجبه لم يقدر . [ ص: 398 ]

    فهذه حكمة الله تعالى ومشيئته في جميع الأسباب في الدنيا والآخرة لكن العلم بالأعمال النافعة في الدار الآخرة والأعمال الضارة أكثره غيب عن عقول الخلق وكذلك مصير العباد ومنقلبهم بعد فراق هذه الدار . فبعث الله سبحانه وتعالى رسله وأنزل كتبه مبشرين ومنذرين ; لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وحكمته في ذلك تضارع حكمته في جميع خلق الأسباب والمسببات . وما ذاك إلا أن علمه الأزلي ومشيئته النافذة وقدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته وأوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة بأعمال موجبة لذلك منهم .

    وخلق أعمالهم وساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه وكذلك أهل النار كما قال : الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لما قيل : له { ألا ندع العمل ونتكل على الكتاب ؟ فقال : لا اعملوا فكل ميسر لما خلق له . أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة } . فبين صلى الله عليه وسلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة وكذلك الشقي . وتيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل وتهيئة أسبابه وهذا هو تفسير خلق أفعال العباد فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي إلى السعادة أو الشقاوة .

    ولو شاء لفعله بلا عمل بل هو فاعله فإنه ينشئ للجنة خلقا لما يبقى فيها من الفضل . يبقى أن يقال : فالحكمة الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول [ ص: 399 ] وحقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان إلى غير ذلك من كليات القدر التي لا تختص بمسألة خلق أفعال العباد . وليس هذا الاستفتاء معقودا لها وتفسير جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع .

    فضلا عن بعض تفصيله . ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم بهرت الألباب حكمته ووسعت كل شيء رحمته .

    وأحاط بكل شيء علمه وأحصاه لوحه وقلمه وأن لله تعالى في قدره سرا مصونا وعلما مخزونا احترز به دون جميع خلقه واستأثر به على جميع بريته ; وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولايته إلى جمل من ذلك وقد لا يؤذن لهم في ذكر ما وربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا - تبارك وتعالى - عن شيء من سر القدر وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم - سبحانه وتعالى - أن هذا سره .

    وفي هذا المقام تاهت عقول كثير من الخلائق وفيه ضل القائلون [ بقدم العالم ] وأن صانعه موجب بذاته ومقتضي بنفسه اقتضاء العلة للمعلول وأنه ليس في الإمكان أبدع مما صنع ودب بعض هذا الداء إلى بعض أهل الكتاب وأتباع الرسل فقد قرروا انحصار الممكن في الموجود وكل ذلك طلبا للاستراحة من مؤمنة تعليل الأفعال الإلهية ووجود الأسباب الحادثة للأمور الحادثة وعلله أهل القدر بعللهم العائلة في التعديل والتجويز ووجوب رعاية الصالح أو [ ص: 400 ] الأصلح ; ولم يستقم لواحد من الفريقين أصلهم ولم يطرد لهم .

    ومن هنا ذهب أهل التثنية والتمجس إلى الأصلين والقول بقدم النور والظلمة وسلم بعض السلامة - وإن كان فيه نوع من ظن السوء بالله وضرب من الجفاء - أكثر متكلي أهل الإثبات حيث ردوا الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإرادة وأن إنشاءها جميع الجائزات واقتضاءها كل الممكنات على نحو واحد ووتيرة واحدة وأنها بذاتها تخصص وتميز . ولو خلط بهذا الكلام ضرب من وجوه الرحمة وأنواع الحكمة - علمناها أو جهلناها - لكان أقرب إلى القبول .

    وبكل حال فلام التعليل في فعله - سبحانه وتعالى - ليست على ما يعقله أكثر الخلق من لام التعليل في أفعالهم ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون : مما أنار الله - سبحانه وتعالى - به قلوب أوليائه وقذف في أفئدة أصفيائه ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار ، واعتصم فيما يبطن عن الأفهام بحبل أهل الأبصار .

    وفي هذا المقام تعرف أولوا الألباب سر قوله : { سبقت رحمتي غضبي } وقوله : { الشر ليس إليك } وقوله : { بيدك الخير } وقوله : { من شر ما خلق } وقوله : { وإذا مرضت فهو يشفين } . { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } ؟ وما شاكل ذلك من أن الشر إما أن يحذف فاعله أو يضاف إلى الأسباب أو يندرج في العموم وأما إفراده بالذكر مضافا إلى خالق كل شيء فلا يقتضيه كلام حكيم لما توجبه الحقيقة المقتضية للأدب المؤسس لا لمحض متميز .

    وهنا يعرف سبب دخول خلق كثير الجنة بلا عمل وإنشاء خلق لها وأما النار فلا تدخل إلا بعمل ولن يدخلها إلا أهل الدنيا ويعرف حقيقة : { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } مع أن السيئة من القدر ، وقول الصديق وغيره من الصحابة : إن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان إلى غير ذلك مما فيه ما قد لحظ كل ناظر منه شعبة من الحق وتعلق بسبب من الصواب وما يتبع وجوه الحق ويؤمن بالكتاب كله إلا أولو الألباب وقليل ما هم فهذه إشارة يسيرة إلى كلي التقدير .

    وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب . فإن الله - عز وجل - خص الإنسان بأن علمه يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا . وفي الآخرة أيضا أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته والوجوه التي خص [ ص: 402 ] بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا أكثر من أن تحصى وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه .

    وصح إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا مع أنه خلق الله تعالى فإن الله تعالى خلق العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملا قام به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة .

    وأدنى أحوال " الفعل " أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد إذا جعلت مفضية إلى أمور أخر فهل يصح تجريد العبد عنها ؟ كلا ولم ؟ . وأما " الأمر " فإنه في حق المطيعين من الأسباب التي بها يكون الفعل منهم ; فإنه يبعث داعيتهم ثم إنه يوجب لهم الطاعة ومحض الانقياد والاستسلام فهو من جملة القدر السابق لهم إلى السعادة وفي حق العاصين هو السبب الذي يستحقون به العصيان إذ لولا هو لما تميز مطيع من عاص .

    و " أيضا " في حقهم من القدر السابق لهم إلى المعصية ; ليضل به كثيرا ويهدي به كثيرا عن إدخال الأمر والنهي في جملة المقادير يحل عقدة كثيرة هذا سبحانه وتعالى لعلمه بالعواقب .

    وأما أمر العباد فظاهر العدم من المعاصي في علمهم وأن قصدهم نفس صدور الفعل من الجميع فهو في ظاهر الأمر الشرعي على لسان المرسلين بالكتب المنزلة والله [ ص: 403 ] كله مظهر أمر وحكم يمضيه فالإرادة والأمر كل منهما منقسم عام الوقوع جامع للقسمين وإلى شرع وربما بعد وربما وقف القدر له والخير كل الخير في نفوذه وهو خاص الوقوع بفرق إلى القسمين واضع الأشياء في مراتبها .

    وإذا صح نسبة الطاعة والمعصية إلى من خلقت فيه ولو أنه يخلق الصفات . أفيحسن بالإنسان أن يقول : أسود وأحمر وطويل وقصير وذكي وبليد وعربي وعجمي فيضيف إليه جميع الصفات التي ليس للإنسان فيها إرادة أصلا ألبتة لقيامها به ، وتأثيرها فيه تارة بما يلائمه وتارة بما ينافره ثم يستبعد أن يضاف إليه ما خلق فيه من الفعل بواسطة قصده وإرادته المخلوقين أيضا ؟ ثم يقول : ليس للعبد في السيئ شيء فهل الجميع إلا له ؟ بل ليست لأحد غيره ; لكن الله سبحانه وتعالى خلقها له وإضافة الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي إضافته إلى صاحبه ومحله الذي هو فاعله وكاسبه وقد بينا الجبر المذموم ما هو .

    ونختم الكلام بكلام وجيز في سبب الفرق بين الخلق والكسب . فنقول : الخلق يجمع معنيين ( أحدهما ) الإبداع والبرء و ( الثاني ) : التقدير والتصوير . [ ص: 404 ] فإذا قيل : خلق فلا بد أن يكون أبدع إبداعا مقدرا ولما كان - سبحانه وتعالى - أبدع جميع الأشياء من العدم وجعل لكل شيء قدرا صح إضافة الخلق إليه بالقول المطلق . والتقدير في المخلوق لازم إذ هو عبارة عن تحديده والإحاطة به وهذا لازم لجميع الكائنات لا كما زعم من حسب أن الخلق في ذوات المساحة وهي الأجسام مفرقا بين الخلق والأمر بذلك فإنه قول باطل مبتدع والأمر هو كلامه كما فسره الأولون والخلق مفسر يجعل الخلق بإزاء إبداع الصور الذهنية وتقديرها ومنه تسمية اختلافا إذ هو صور ذهنية ليس لها حقيقة خارجة عن الذهن و جعل الخلق بمعنى التقدير فقط مقطوعا عنه النظر إلى الإبداع بما قال : سدى ما خلقت وكما قال علي في تمثال صنعه : أنا خلقته والفرق الأولى من حيث إن تلك الصورة مبتدعة لكان قولا يكون إلا الله سبحانه وتعالى صح وصفه سبحانه بأنه خالق كل شيء .

    وأما الكسب فقد ذكرنا أنه إنما ينظر فيه إلى تأثيره في محله ولو لم يكن له عليه قدرة حتى يقال : الثوب قد اكتسب من ريح المسك ، والمسجد قد اكتسب الحرمة من أفعال العابدين والجلد قد اكتسب الحرمة لمجاورة المصحف والثمرة قد اكتسبت لونا وريحا وطعما فكل محل تأثر عن شيء مؤثرا وملائما ومنافرا صح وصفه بالاكتساب بناء على تأثره وتغيره وتحوله [ ص: 405 ] من حال إلى حال والإنسان يتأثر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثر عن الأفعال الاضطرارية فتورثه أخلاقا وأحوالا على أي حال كان حتى على رأي من يطلق اسم الجبر على مجموع أفعاله فإنه يستيقن تأثير الأفعال الاختيارية في نفسه بخلاف الاضطرارية اللهم إلا من حيث قد توجب الأفعال الاضطرارية أمرا في نفسه فيكون ذلك اختيارا .

    ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه دون قلبه إما بفعل الله تعالى كالأمراض والأسقام وإما بفعل العباد كالقيد والحبس وأما أفعال روحه المنفوخة فيه ; إذا حركت يديه فهي كلها اختيارية ومن وجه قد بيناه كلها اضطرارية فاضطرارها هو عين واختيارها إنما هو بالاضطرار وحقيقة الاضطرار هو أن اضطرار وربما أحبت من وجه وكرهت من وجه آخر وهذا كله لا يمنع ورود التكليف واقتضاء الثواب والعقاب . هذا الذي تيسر كتابته في الحال : { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } والحمد لله وحده
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي

    بارك الله فيك اخي الكريم
    الاشكال و الاشتباه هو في اخص مما نحن فيه
    و قد مرت علي عبارات لابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين
    و هو يتكلم عن شهود الاولية في المعاصي و الذنوب و في الارادة المتعلقة بذلك
    العهد بها قديم نوعا ما
    بحثت عنها في عجالة فلم اهتدي اليها - مع اني كنت اعلم بالقلم في كثير من الاحيان هذه المواطن
    فلعلها تفي بالمقصود و تبين وجه الاشتباه الذي دخل علي بعد الوقوف عليها

    فاصبر علي
    فلي رجعة للمدارج ان شاء الله تعالى
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطيبوني مشاهدة المشاركة

    فاصبر علي
    فلي رجعة للمدارج ان شاء الله تعالى
    جزاك الله خيرا اخى الكريم الطيبونى---ارجو منك اخى الكريم اولا قبل مراجعة مدارج السالكين تأمل الكلام السابق لشيخ الاسلام بن تيمية تأمله جيدا ودقق فيه تجد فيه ما يكفى ويشفى من الاجابة على اسئلتك-- وكأن السائل يسأل عما يدور فى ذهنك-وقد اعدت المحذوف فاكتمل جواب شيخ الاسلام فارجوا منك اعادة قراءته جيدا
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة

    فإن قيل : هب أن فعلي الذي أردته واخترته هو واقع بمشيئتي وإرادتي أليست تلك الإرادة وتلك المشيئة من خلق الله تعالى ؟ وإذا خلق الأمر الموجب للفعل .

    فهل يتأتى ترك الفعل معه ؟ أقصى ما في الباب أن الأول جبر بغير توسط الإرادة من العبد وهذا جبر بتوسط الإرادة

    فنقول : الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه وأما إثبات القسم الثاني فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي [ جبرا ] إذا أمن من اللبس وعلم القصد

    قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها . فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه : من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم { كل مولود يولد على الفطرة } وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي - وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم - في قوله { الجبار } قال جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والاستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضي لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه .

    فإن قلت : أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف انبنى الثواب والعقاب على فعله وصح تسميته فاعلا على حقيقته . وانبنى فعله على قدرته ؟ .

    فأقول : - والله الهادي إلى سواء الصراط - اعلم أن الله تعالى خلق فعل العبد سببا مقتضيا لآثار محمودة أو مذمومة والعمل الصالح مثل صلاة أقبل عليها بقلبه ووجهه وأخلص فيها وراقب وفقه ما بنيت عليه من الكلمات الطيبات والأعمال الصالحات يعقبه في عاجل الأمر نور في قلبه وانشراح في صدره وطمأنينة في نفسه ومزيد في علمه وتثبيت في يقينه وقوة في عقله إلى غير ذلك من قوة بدنه وبهاء وجهه وانتهائه عن الفحشاء والمنكر وإلقاء المحبة له في قلوب الخلق ودفع البلاء عنه وغير ذلك مما يعلمه ولا نعلمه . ثم هذه الآثار التي حصلت له من النور والعلم واليقين وغير ذلك أسباب مفضية إلى آثار أخر من جنسها ومن غير جنسها أرفع منها وهلم جرا .

    الى ان قال /

    يبقى أن يقال : فالحكمة الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول وحقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب والتخصيصات والتمييزات الواقعة في الأشخاص والأعيان إلى غير ذلك من كليات القدر التي لا تختص بمسألة خلق أفعال العباد . وليس هذا الاستفتاء معقودا لها وتفسير جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع .

    فضلا عن بعض تفصيله . ويكفي العاقل أن يعلم أن الله عز وجل عليم حكيم رحيم بهرت الألباب حكمته ووسعت كل شيء رحمته .

    وأحاط بكل شيء علمه وأحصاه لوحه وقلمه وأن لله تعالى في قدره سرا مصونا وعلما مخزونا احترز به دون جميع خلقه واستأثر به على جميع بريته ; وإنما يصل به أهل العلم وأرباب ولايته إلى جمل من ذلك وقد لا يؤذن لهم في ذكر ما وربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم وقد سأل موسى وعيسى وعزير ربنا - تبارك وتعالى - عن شيء من سر القدر وأنه لو شاء أن يطاع لأطيع وأنه مع ذلك يعصى فأخبرهم - سبحانه وتعالى - أن هذا سره .

    الى ان قال /

    وبكل حال فلام التعليل في فعله - سبحانه وتعالى - ليست على ما يعقله أكثر الخلق من لام التعليل في أفعالهم ووراء ما يعلمه هؤلاء ويقولون : مما أنار الله - سبحانه وتعالى - به قلوب أوليائه وقذف في أفئدة أصفيائه ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل أهل الآثار ، واعتصم فيما يبطن عن الأفهام بحبل أهل الأبصار .



    وأما كون قدرة العبد وكسبه له شأن من بين سائر الأسباب . فإن الله - عز وجل - خص الإنسان بأن علمه يورثه في الدنيا أخلاقا وأحوالا وآثارا . وفي الآخرة أيضا أمورا أخر لم يحصل هذا لغيره من مخلوقاته والوجوه التي خص بها الإنسان في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله شخصا ونوعا أكثر من أن تحصى وما من عاقل إلا وعنده منها طرف ولهذا حسن توجيه الأمر والنهي إليه .

    وصح إضافة الفعل إليه حقيقة وكسبا مع أنه خلق الله تعالى فإن الله تعالى خلق العبد وعمله وجعل هذا العمل له عملا قام به وصدر عنه وحدث بقدرته الحادثة .

    وأدنى أحوال " الفعل " أن يكون بمنزلة الصفات والأخلاق المخلوقة في العبد إذا جعلت مفضية إلى أمور أخر فهل يصح تجريد العبد عنها ؟

    كلا ولم ؟ .




    بارك الله فيك اخي الكريم على النقل المبارك
    راح اليوم كله مع شيخ الاسلام رحمه الله
    فقد علقت و صففت جملا مفيدة من كلامه
    ضاعت بنقرة زر
    لكن لي عودة الى كلامه رحمه الله فانه يحتاج الى مزيد عناية و تامل
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمدعبداللطيف مشاهدة المشاركة
    ارجو منك اخى الكريم تأمل الكلام السابق لشيخ الاسلام بن تيمية تأمله جيدا ودقق فيه تجد فيه ما يكفى ويشفى من الاجابة على اسئلتك
    فوائد من النقل السابق عن شيخ الإسلام . مع تصرف يسير في بعض العبارات . و ترتيب لبعضها حسب ما هو مهم لحل الإشكال /

    - الكسب هو الذي يعود على فاعله بنفع أو ضر .
    - كسب العبد هو نفس فعله و صنعه .
    - فعل العبد خلق لله و كسب للعبد .
    - الناس يكملون بأفعالهم و يصلحون بها. فكمالهم و صلاحهم عن أفعالهم

    - خلق الله عز وجل فعل العبد سببا مقتضيا لأثار محمودة أو مذمومة.
    و لهذا قيل " إن من ثواب الحسنة حسنة بعدها . و إن من عقوبة السيئة سيئة بعدها "
    - سمي الثواب ثوابا لأنه يثوب إلى العامل من عمله . أي يرجع .
    و سمي العقاب عقابا لأنه يعقب العمل . أي يكون بعده .

    - العبد أسماؤه و صفاته عن أفعاله فيحدث له اسم العالم و الكامل بعد حدوث العلم و الكمال فيه ( مهم في مسالة الأسماء و الأحكام. و أن من قام بفعل استحق اسمه كالكفر مثلا )

    - فعل الله عز وجل و صنعه عن كماله و جلاله . فأفعاله عن أسمائه و صفاته و مشتقة منها .

    - خلق الله سبحانه و تعالى أعمال الأبدان بأعمال القلوب . و يكون لأحد الكسبين تأثير في الأخر . و يكون ذلك الكسب ( عمل القلب ) من جملة القدرة المعتبرة في الكسب الثاني ( عمل البدن ) فان القدرة هنا ليست إلا عبارة عما يكون الفعل به لا محالة . من قصد و إرادة و ....
    و لذلك وجب أن تكون مقارنة للفعل . و امتنع تقديمها على الفعل بالزمان

    - ارتباط الفعل المخلوق بالقدرة المخلوقة . ارتباط الأسباب بمسبباتها.
    - القدرة لها تأثير من حيث هي سبب كتأثير القلم. و ليس لها تأثير من حيث الابتداع و الاختراع.
    - قدرة العبد و كسبه له شان من بين سائر الاسباب . بما خص الله عز وجل الانسان به في ذاته و صفاته و افعاله شخصا و نوعا اكثر من ان تحصى .
    و ادنى احوال الفعل ان يكون بمنزلة الصفات . و الاخلاق المخلوقة في العبد اذا جعلت مفضية الى امور اخر . فهل يصحح تجريد العبد عنها ؟
    كلا و لما .
    - إثبات الأسباب مبتدعات هو الاشراك . و إثباتها أسبابا موصولات هو من تحقيق التوحيد.
    - الأمر و النهي ثابت على الفعل الاختياري لا الاضطراري .
    - الانسان يتاثر عن الافعال الاختيارية . و لا يتاثر عن الافعال الاضطرارية .
    - الامر في حق المطيعين من الاسباب التي يكون بها الفعل . فهو من جملة القدر السابق لهم الى السعادة
    و في حق العاصين هو السبب الذي يستحقون به العصيان .
    اذ لولا ذلك لما تميز مطيع من عاصي .




    * سؤال أجاب عنه شيخ الإسلام رحمه الله /
    س – هل قدرة العبد المخلوقة مؤثرة في وجود فعله ؟
    ج – التاثير اسم مشترك . و أكثر اختلاف العلماء من جهة اشتراك الأسماء .
    فان أريد به الانفراد بالابتداع و التوحيد بالاختراع ( باطل شرك )
    و إن أريد به نوع معاونة إما في صفة من صفاته أو وجه من وجوهه ( فهذا أيضا باطل و هو شرك )
    إذ لا فرق بين إضافة الانفراد بالتأثير إلى غير الله سبحانه في ذرة أو فيل
    ( فيل – كذا في المجموع و لعله. في ذرة أو في الكل )

    و إن أريد بالتأثير أن خروج الفعل من العدم إلى الوجود كان بتوسط القدرة المحدثة . بمعنى أن القدرة المخلوقة هي سبب و واسطة في خلق الله سبحانه الفعل بهذه القدرة كما خلق جميع المسببات و المخلوقات بوسائط و أسباب فهذا حق . و هذا شان جميع الأسباب و المسببات.
    و ليس إضافة التأثير بهذا التفسير إلى قدرة العبد شركا . و إلا فيكون إثبات جميع الأسباب شركا.

    سؤال مهم لفهم الإشكال وجوابه لشيخ الإسلام
    السائل – هب أن فعلي الذي أردته و اخترته هو واقع بمشيئتي و إرادتي أليست تلك الإرادة و تلك المشيئة من خلق الله تعالى ؟
    و إذا خلق الأمر الموجب للفعل. فهل يتأتى ترك الفعل معه ؟
    أقصى ما في الباب أن الأول جبر بغير توسط إرادة من العبد .
    و هذا جبر بتوسط إرادة .

    من جواب شيخ الإسلام /
    الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه
    ( يعني السابق في قوله أن الجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة و علماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة و لا مشيئة و لا اختيار. فهذا هو الجبر المنفي )
    و أما إثبات القسم الثاني
    ( و هو المذكور في السؤال . أن الفعل و إن كان صادرا بإرادة العبد و مشيئته. و تلك الإرادة و المشيئة من خلق الله تعالى ؟ فإذا خلق الله عز وجل الأمر الموجب للفعل فلا يتأتى ترك الفعل معه. فهو جبر بتوسط إرادة )
    فلا ريب فيه عند أهل الاستنان و الآثار . و أولي الألباب و الأبصار .
    لكن لا يطلق عليه اسم الجبر خشية الالتباس بالقسم الأول. و فرارا من تبادر الافهام إليه . و ربما سمي جبرا إذا امن من اللبس و علم القصد .
    و في الأثر
    جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها .
    فبين انه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو سعادة .
    قال محمد بن كعب القرضي في قوله الجبار
    ( جبر العباد على ما أراد ) و روي ذلك عن غيره

    - علم الله الأزلي و مشيئته النافذة و قدرته القاهرة اقتضت ما اقتضته . و أوجبت ما أوجبته من مصير أقوام إلى الجنة باعمال موجبة لذلك منهم . و خلق أعمالهم و ساقهم بتلك الأعمال إلى رضوانه . و كذلك أهل النار كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم .
    فقد بين صلى الله عليه و سلم أن السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة. و كذلك الشقي.
    و تيسيره له هو نفس إلهامه ذلك العمل و تهيئة أسبابه. و هذا هو تفسير خلق أفعال العباد . فنفس خلق ذلك العمل هو السبب المفضي إلى السعادة و الشقاوة.
    فالحكمة الكلية التي اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأول و حقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب . و التخصيصات و التمييزات الواقعة في الأشخاص و الأعيان إلى غير ذلك من كليات القدر . التي لا تختص بمسالة خلق أفعال العباد . و ليس هذا الاستفتاء معقودا لها . و تفسير جمل ذلك لا يليق بهذا الموضع. فضلا عن بعض تفصيله .

    و يكفي العاقل ان يعلم ان الله عز وجل عليم حكيم رحيم . بهرت الالباب حكمته . وو سعت كل شيء رحمته . و احاط بكل شيء علمه . و احصاه لوحه و قلمه . و ان لله تعالى في قدره سرا مصونا . و علما مخزونا . احترز به دون جميع خلقه . و استاثر به جميع بريته . و انما يصل به اهل العلم و ارباب ولايته الى جمل من ذلك . و قد لا يؤذن لهم في ذكر ما . و ربما كلم الناس في ذلك على قدر عقولهم ...
    و بكل حال فلام التعليل في فعله ليست على ما يعقله أكثر الخلق من لام التعليل في أفعالهم . و وراء ما يعلمه هؤلاء و يقولون مما أنار الله سبحانه وتعالى به قلوب أوليائه . و قذف في افئدة اصفيائه . ممن استمسك فيما يظهر من الكلام بسبيل اهل الاثار . و اعتصم فيما بطن عن الافهام بحبل اهل الابصار .

    هذا ما قيدته من كلام شيخ الاسلام مما قد يهم في الاشكال المطروح

    و يبقى أن نخصص بعض عباراته بالافراد و التامل مع لب الاشكال
    ففي كلامه رحمه الله خير و بركة قل ان تجده لغيره في هذه المضايق


    و الله اعلم
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطيبوني مشاهدة المشاركة
    فوائد من النقل السابق عن شيخ الإسلام . مع تصرف يسير في بعض العبارات . و ترتيب لبعضها حسب ما هو مهم لحل الإشكال

    و الله اعلم
    جزاك الله خيرا أخى الكريم الطيبونى وبارك فيك-على هذه الفوائد المهمة-وصدقت اخى الكريم الطيبونى فى قولك
    فقد علقت و صففت جملا مفيدة من كلامه
    نعم هى تعليقات و جملا مفيدة بحق فجزاك الله خيرا على هذا الجهد المبارك
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Dec 2010
    المشاركات
    287

    افتراضي

    قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد /


    ( وهو سبحانه وان أضل من شاء وقضي بالمعصية والغى على من شاء فذلك محض العدل فيه لانه وضع الاضلال والخذلان فى موضعه اللائق به كيف ومن أسمائه الحسني العدل الذي كل أفعاله وأحكامه سداد وصواب وحق وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل وأنزل الكتب وأزاح العلل ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالاسماع والابصار والعقول وهذا عدله ووفق من شاء بمزيد عناية وأراد من نفسه ان يعينه ويوفقه فهذا فضله وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله وخلي بينه وبين نفسه ولم يرد سبحانه من نفسه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله وهذا نوعان
    أحدهما ما يكون جزاء منه للعبد على اعراضه عنه وايثار عدوه فى الطاعة والموافقة عليه وتناسى ذكره وشكره فهو أهل ان يخذله ويتخلى عنه
    والثاني ان لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعلم منه انه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكره عليه ولا يثنى عليه بها ولا يحبه فلا يشاؤها له لعدم صلاحية محله )

    ( خلق الله عز وجل الأمر الموجب للفعل فلا يتأتى ترك الفعل معه. فهو جبر بتوسط إرادة ) ابن تيمية
    ( الله
    سبحانه و تعالى جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو سعادة ) ابن تيمية
    (
    السعيد قد ييسر للعمل الذي يسوقه الله تعالى به إلى السعادة. و كذلك الشقي ) ابن تيمية
    ( لله حكمة كلية اقتضت ما اقتضته من الأسباب الأولو حقائق ما الأمر صائر إليه في العواقب ) ابن تيمية

    مما سبق من كلام ابن القيم رحمه الله يتبين لنا ان خذلان الله عز وجل للعبد بخلق القدرة التي تكون سببا للفعل
    - منه ما يكون جزاء للعبد على فعله السابق و هذا من عدله سبحانه و تعالى الذي يحمد عليه .
    - و منه ما يكون ابتداء لا جزاء على فعل سابق . و هذا راجع الى علم الله عز وجل بالعبد . يدخل في سر قدره الذي طواه عن خلقه و حجبه عن عباده فله العدل في ذلك و ان لم تدرك الحكمة في اختصاصه بالاعيان و الاشخاص .

    الحاصل ان الخذلان اكبر عقوبة تحل بالعبد يستوجب بها النار و العياذ بالله .

    و من هنا حصل الاشكال المطروح في الموضوع
    فالكل يعلم ان عقوبة الله عز وجل للعبد انما تكون على فعل العبد نفسه . لا على ما يعلم الله ان العبد فاعله ؟
    يبقى في هذه النقطة بالذات ان ينظر في الخذلان و معناه . و كذا الارادة الكونية للمعصية
    هل يكون ذلك بفعل لله عز وجل يتعلق بالعبد
    ام يكون ذلك بالترك و الاذن و تخلية العبد بينه و بين نفسه مما لا يستلزم وجود فعل يتعلق بالعبد
    و هذا يحتاج الى تامل مع ربط المسالة بالاشكال السابق . فلينظر

    و قد كنت احسب من قبل ان اهل السنة ينفون الجبر مطلقا في هذا الباب . و لو بالتفصيل الذي ذكره شيخ الاسلام .
    مع اني كنت ادرك من عباراتهم و من بعض النصوص ان منه ما هو ثابت من بعض الوجوه .
    لكن الاحجام لمن مثله كحالي اولى له من الاقدام .

    و الله اعلم




    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة محمدعبداللطيف

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطيبوني مشاهدة المشاركة

    يبقى في هذه النقطة بالذات ان ينظر في الخذلان و معناه . و كذا الارادة الكونية للمعصية
    هل يكون ذلك بفعل لله عز وجل يتعلق بالعبد
    ام يكون ذلك بالترك و الاذن و تخلية العبد بينه و بين نفسه مما لا يستلزم وجود فعل يتعلق بالعبد
    و هذا يحتاج الى تامل مع ربط المسالة بالاشكال السابق . فلينظر


    يقول ابن القيم رحمه الله الخذلانُ- أَنْ يخلِّي الله تَعَالَى بين العبد وبين نفسه ويكله إليها ،--------والتوفيقُ- ضدُّه أَنْ لاَ يدعَه ونفسَهُ وَلاَ يكله إِلَيْهَا ؛ بل يصنع لَهُ ، ويلطف بِهِ ، ويعينهُ ، ويدفع عَنْهُ ، ويكلؤه ، كلاءةَ الوالد الشفيق للولد العاجز عن نفسه ؛ فمن خُلي بينه وبين نفسه فَقَدْ هلك كلَّ الهلاك .
    فالعبد مطروح بين الله وبين عدوِّه إبليس ، فإن تولاه الله لَمْ يظفر بِهِ عدُّوه ، وإن خذله وأعرض عَنْهُ افترسه الشيطان ، كَمَا يفترسُ الذئبُ الشاةَ .
    -------------------------فإن قِيلَ : فَمَا ذنب الشاة إِذَا خَلَّى الراعي بين الذئب وبينها ، وهل يمكنها أَنْ تقوى عَلَى الذئب وتنجو منه ؟---------------- والجواب : إنَّ الله تَعَالَى لَمْ يجعل لهذا الذئب اللعين عَلَى هَذِهِ الشاة سلطانًا مَعَ ضعفها ، فَإِذَا أعطت بيدها ، وسالمت الذئب ، ودعاها فلبَّتْ دعوتَه ، وأجابت أمرَه ، ولم تتخلّفْ ؛ بل أقبلتْ نحوه سريعةً مطيعة ، وفارقت حِمى الراعي الَّذِي لَيْسَ للذئاب عَلَيهِ سبيل ، ودخلتْ فِي محل الذئاب - الَّذِي مَن دخلَه كَانَ صيدًا لهم ------ فهل الذنبُ كلّ الذنب إِلاَّ عَلَى الشاة ؟! فكيف والراعي يحذِّرُها ويخوِّفها وينذرها ، وَقَدْ أراها مصارعَ الشاة التي انفردت عن الراعي ودخلت وادي الذئاب ؟!
    -وَقَدْ حذَّر الله سُبْحَانَهُ ابن آدم مِن ذئبه مرةً بَعْدَ مرة ، وَهُوَ يأبى إِلاَّ أَنْ يستجيب لَهُ إِذَا دعاه ، ويبيت معه ويصبح :وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُم ْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [ إبراهيم : 22 ].[شفاء العليل]

    --------------ويقول الشيخ صالح آل الشيخ- فىشرح العقيدة الواسطية-التوفيق عندنا يشمل شيئين:
    الأول : إعانة خاصة على الإرادة أو القدرة.
    والثاني :إضعاف أو إبطال أو تعطيل الأسباب المثبطة عن العمل. هذا هو التوفيق عند أهل السنة.
    أما الخذلان فإن الخذلان ترك العبد ونفسه ؛ أن تُتْرَكَ أنت ، تُعامَل بالعدل ، لا تُعان بإرادة ولا قُدرة ولا تُثَبَّطْ عنك الأسباب ، أو تُضْعَف ، أو تُبطَل ، أو تُعَطَّل - الأسباب المانعة - ؛ فإذا خُذِل العبد تسلطت عليه الشياطين - شياطين الإنس والجن - وتسلطت عليه الشهوات وخُذِلَ فوُكِلَ إلى نفسه)-----ويقول
    هذه المسألة ضل فيها الناس ومن أجلها ضلت الجبرية والقدرية، وهي مرتبطة في بيانها بمسألة التوفيق والخذلان، فالله جل وعلا علق الإضلال بمشيئته وعلق الهداية بمشيئته، ونعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فما شاء الله جل وعلا خلقه، الذي يشاؤه سبحانه وتعالى أن يكون فإنه يكون، والذي يشاء الله جل علا ألا يكون فإنه لا يكون.
    إذا كان كذلك فإن حدود الهداية وحدود الضلال نتيجة لأشياء، ولذلك جاء لفظ التوفيق والخذلان في النصوص، جاء لفظ التوفيق في القرآن في قوله تعالى ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بْاللهِ﴾[هود:88]، ونحو ذلك فالله جل وعلا يوفّق من يشاء ويخذل سبحانه وتعالى من يشاء.
    ما معنى وَفَّقَوخَذَلَ؟
    وما صلتها بـ(يهدي الله من يشاء ويضل من يشاء)؟ إذا تبين لك معنى التوفيق والخذلان فإنه سيتبين لك بوضوح معنى أن الله جل وعلا يضل من يشاء ويهدي من يشاء سبحانه وتعالى.
    التوفيق عند أهل السنة والجماعة وإمداد الله جل وعلا بعونه، إمداد الله جل وعلا العبد بعونه؛ يعني بإعانته وتسديده وتيسير الأمر وبذل الأسباب المعينة عليه.
    فإذن التوفيق فضل لأنه إعانة، وأما الخذلان فهو سلب التوفيق هو سلب الإعانة؛ يعني التوفيق إعطاء وكرم، وأما الخذلان فهو عدل وسلب؛ لأن العبد أعطاه الله جل وعلا القُدَر، أعطاه الصفات، أعطاه ما به يحصل الهدى، أعطاه الآلات، يسر له، أنزل عليه الكتب، فلذلك هو بالآلات التي معه قامت عليه الحجة؛ لكن الله جل وعلا ينعم على من يشاء من عباده بالتوفيق فيعينهم ويسدّدهم ويفتح لهم أسباب تحصيل الخير، ويمنع من شاء ذلك فلا يسدده ولا يعينه ولا يفتح له أسباب الخير بل يتركه ونفسه، وهذا معنى أنه جل وعلا يخذل؛ يعني لا يعين يترك العبد وشأنه ونفسه.
    ومعلوم أنّ العبد عنده آلات يحصِّل بها الأشياء لكن هناك أشياء ليست في يده، هناك أشياء لا يمكن له أن يحصلها، فهذه بيد من؟ بيد الله جل وعلا؛ لأنّ الإنسان مرتبط قدرُه بأشياء كثيرة من الأسباب التي تفتح له باب الخير، مثل مثلا أن يكون ذا أصحاب أو أن ييسَّر له أصحاب يعينونه على الخير، مثل أن لا يكون في طبعه الخلقي مزيد شهوة إما شهوة كبر من كبائر القلوب أو من كبائر البدن، هذه الأشياء موجودة فيه خلْقا خارجة عن اختياره وتصرفه، فالله جل وعلا يوفق بعض العباد بمعنى يعينهم، فيعينهم على الأمر الذي يريدونه إذن فتح له باب خير وأراده فيحس العبد أنه أُعين على ذلك، إذا أراد فعل أمر ما من الخير يسر الله جل وعلا له أسبابا تعينه ففتح له طريق الخير.
    وآخر لا، حضرته الشياطين وغلبته على مراده وأطاعها؛ لأنه لم يزوَّد بوقاية بإعانة بتوفيق يمنعه من ذلك.
    فإذن صار عندنا أن مسألة إضلال الله جل وعلا مَن يشاء هو بخذلان الله جل وعلا للعباد.
    وهداية الله جل علا من يشاء بتوفيق الله جل وعلا بعض العباد.
    يعني أعان هذا وترك ذاك ونفسه، كونه جل وعلا أعان هذا هو بمشيئته،
    فإذن من يشأ الله يضلله يعني يسلب عنه التوفيق فيخذله فينتج من ذلك أن الله جل وعلا سلب عنه إعانته، سلب عنه تسديده، سلب عنه الأسباب أسباب الخير، سلب عنه غلق أبواب الشر من الكفر وما دونه فإنه يكون ضالا وضلاله هو بفعل نفسه؛ لأنه وكلّ إلى نفسه لكن الله جل وعلا لم يمن على هذا بمزيد توفيق.---ويقول -إذن فحقيقة إضلال الله جل وعلا من شاء ليست جبرا، وهداية الله جل وعلا من شاء سبحانه وتعالى ليست جبرا، وإنما العبد عنده آلات وأمر بالتكليف وعنده الآلات، ولو كانت جبرا لصارت التكاليف -بعث الرسل، إنزال الكتب، الأمر والنهي، الجهاد- لكان كل ذلك عبثا، والله جل وعلا منزّه عن العبث؛ لأن العبث سلب الحكمة وشر والله جل وعلا الشر ليس إليه، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته جل وعلا ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ(17) بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾[الأنبياء:17-18]، والله سبحانه وتعالى منزه عن العبث يضل جبرا ويسلب العبد الاختيار بالمرة ثم يحاسبه وينزل عليه الكتب ويرسل الرسل ويأمره بالتكاليف كيف يكون ذلك؟ يكون كالغريق الذي يقال له إياك أن تبتل بالماء وهذا العياذ بالله هو حقيقة قول الجبرية الذين قال قائلهم:
    ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له إيّاكَ إيّاك أن تبتلّ بالماء
    وهذا ينزه عنه الحكيم الخبير جل جلاله، فمن عرف صفات الله جل وعلا وعلم حكمته، فإن القول بالجبر في حقيقة الأمر إبطال للتكاليف أو رجوع إلى أفعال الله جل وعلا بأنها لعب ولا حكمة فيها ولا تُوافق الغايات المحمودة، والله جل وعلا منزه عن ذلك. [شرح الطحاوية] ---رابط الموضوع--
    التوفيق والخذلان
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Jan 2012
    المشاركات
    985

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الطيبوني مشاهدة المشاركة

    و كذا الارادة الكونية للمعصية
    يقول شيخ الاسلام بن تيمية-- الارادة في كتاب الله نوعان إرادة تتعلق بالامر وإرادة تتعلق بالخلق فالارادة المتعلقة بالامر ان يريد من العبد فعل ما أمر به ، وأما إرادة الخلق فإن يريد ما يفعله هو فإرادة الامور هي المتضمنة للمجة والرضا وهي الارادة الدينية ، والارادة المتعلقة بالخلق هي المشيئة وهي الارادة الكونية القدرية ، فالاولى كقوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وقوله ( يريد الله ليبين لكم ) إلى وقوله ( يريد الله ان يخفف عنكم ) وقوله ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ) الآية وقوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) الآية الثانية كقوله تعالى ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام من يرد ان يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً ) وقوله ( ولا ينفعكم نصحى أن أردت أن انصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ) ومن هذا النوع قول المسلمين : ما شاء الله وكان وما لم يشاء لم يكن ومن الاول كقولهم لمن يفعل القبائح هذا يفعل ما لا يريده الله منه فإذا كان كذلك فالكفر والفسوق والعصيان ليس مراداً للرب عز وجل بالاعتبار الاول والطاعة موافقة لتلك الارادة وموافقة للامر المستلزم لتلك الارادة فأما موافقة مجرد النوع الثاني فلا يكون به مطيعاً
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة الطيبوني

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •