إنَّ المُجاهرَ بالكبائرِ مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، عاصٍ بمعصيته، داخلٌ تحت مشيئة الله تَعَالَى إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفر له!
فمرتكبُ الكبيرةِ لا يُكَفَّر؛ ولكنَّه يُفسَّق بِتَعمُّدِها، ويَتَرتَّبُ عَلَيْهِ كلُّ آثارِ الفِسقِ عياذًا بالله.
وهذا اعتقادُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ كافَّةً، وقد ذَكرَ إجماعَهم غيرُ واحدٍ من أهْل العِلْمِ، وبيان ذَلِكَ ما قاله ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ: " أنَّ أئمةَ المُسْلِمِيْنَ، وأهلَ المذاهبِ الأربعةِ، وغيرَهم مَعَ جميع الصَّحابةِ، والتَّابعين لهم بإحسانٍ مُتَّفقُون على: أنَّ المؤمنَ لا يُكفَّرُ بمُجرَّدِ الذَّنبِ كما تقول الخوارج ".
فإنَّه ثبتَ بالكتابِ، والسُّنةِ، وإجماعِ السَّلفِ: أنَّ الزَّانيَ غيرَ المُحْصَنِ يُجْلدُ ولا يُقتَلُ، والشَّاربَ يُجلدُ، والقَاذفَ يُجلدُ، والسَّارقَ يُقطعُ؛ ولو كانوا كُفَّارًا لكانوا مُرتدِّين، ووجبَ قتلُهم؛ وهذا خلافُ الكتابِ، والسنةِ، وإجماعِ السَّلفِ".
وممَّا ينبغي التَّنبِيهُ له أنَّنا: " إذا قُلنا: أهلُ السُّنةِ مُتَّفقون على أنَّهُ لا يكفرُ بالذَّنبِ، فإنَّما نُريدُ به المعاصي كالزِّنا، والشُّربِ، أمَّا مباني الإسلامِ: كالصلاةِ، والزَّكاةِ، والصَّومِ؛ ففي تَكْفيرِ تاركِها نزِاَعٌ مَشْهورٌ ".
وهذا ما ذكره الطَّحَاويُّ رَحِمَهُ اللهُ: " وأهلُ الكبائرِ من أُمَّةِ محمدٍ ﷺ في النَّار لا يُخَلَّدون؛ إذا ماتوا وهم مُوَحِّدون، وإنْ لم يكونوا تائبين! ".
وهذه المسألةُ محلُّ إجماعِ السَّلفِ الصَّالحِ، ومن سَارَ على طَريقِهم من علماءِ أهلِ السُّنةِ إلى اليوم، ولم يُخالفْ فيها إلاَّ بعضُ أهلِ البدع: كالخوارجِ، والمعتزلةِ، ومن وافقَهم من فِرقِ الشيعة.
ومن السُّنةِ حديث أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: إنَّني ساببتُ رجلًا فعيَّرْتُه بأُمِّه، فَقَالَ لي النبيُّ ﷺ: " يا أبا ذرٍ، أعيَّرتَه بأُمِّه؟، إنَّك امرؤٌ فيك جاهليةٌ..." مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وهذا الحديثُ يدلُّ على عدمِ التَّكفيرِ بالذُّنوبِ وإن كانت من أمرِ الجاهلية، ولقد أوردَه البخاريُّ رَحِمَهُ اللهُ تحت التَّرجمةِ الآتيةِ: " بابُ المعاصي من أمرِ الجاهليةِ، ولا يُكفَّرُ صاحبُها بارتكابِها إلاَّ بالشِّرك ".
قال ابنُ حجر رَحِمَهُ اللهُ في شرحِ الترجمة: " أي: أنَّ كلَّ معصيةٍ تُؤخذُ من تركِ واجبٍ، أو فعلِ مُحرَّمٍ؛ فهي من أخلاقِ الجاهلية، والشِّركُ أكبرُ المعاصي، ولهذا استثناه، ومحلُّ التَّرجمةِ: أنَّهُ لمَّا قَدَّمَ أنَّ المعاصيَ يُطلَقُ عليها (الكفرُ) مجازًا على إرادةِ كفرِ النِّعمةِ لا الجَحْد أراد أن يُبيِّن أنَّهُ كُفرٌ لا يُخرجُ عن الملَّةِ خلافًا للخوارجِ الذين يُكفِّرونَ بالذِّنُوبِ".
وقد نَصَّ العلماءُ كذلك على: إنَّ من أُصولِ أهلِ السُّنةِ عدمَ التَّكفيرِ بكلِّ ذَنبٍ.
قال الإمامُ أبو حنيفة رَحِمَهُ اللهُ: " ولا نُكفِّرُ مُسلمًا بذنْبٍ من الذنوبِ، وإن كانت كبيرةً إذا لم يستحلها، ولا نُزِيل عَنْهُ اسم الإيمان، ونُسمِّيه مؤمنًا حقيقةً، فيجوزُ أن يكون مؤمنًا فاسقًا غيرَ كافرٍ".
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رَحِمَهُ اللهُ: " وإنَّ الَّذِي عندنا في هَذَا الباب: أنَّ المعاصيَ والذُّنوبَ لا تُزيلُ إيمانًا، ولا تُوجبُ كُفرًا؛ ولكنَّها إنَّما تُنفي من الإيمانِ حقيقتَه، وإخلاصَه الَّذِي نَعَتَ الله به أهلَه".
وقال الإمام الطَّحاوي رَحِمَهُ اللهُ: " ولا نُكفِّرُ أحدًا من أهلِ القبلةِ بذنبٍ ما لم يَستحِلُّه، ولا نَقُولُ لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذنبٌ لمن عملَه".
وقد نقل الإجماعَ على هَذَا جمعٌ من أهْل العِلْمِ لا يُحصون؛ نذكُرُ منهم الإمام ابن بطة رَحِمَهُ اللهُ: " وقد أجمعت العلماءُ لا خلافَ بينهم: أنَّهُ لا يكفَّرُ أحدٌ من أهلِ القبلةِ بذنبٍ، ولا نُخرجُه من الإسلامِ بمعصيةٍ، نَرْجُو للمُحسِنِ، ونحافُ على المُسيء".
وكذا الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: " واعلم أنَّ مذهبَ أهلِ الحقِّ أنَّهُ لا يُكفَّرُ أحدٌ من أهلِ القبلة بذنبٍ، ولا يكفرُ أهلُ الأهواءِ والبدعِ".
وهذا ما قرَّرَهُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية رَحِمَهُ اللهُ في "الواسطية" عن سلفِ الأمة بقوله: " وهم مَعَ ذَلِكَ (أي: أهل السنة والجماعة) لا يُكفِّرونَ أهلَ القبلةِ بِمُطلقِ المعاصي، والكبائر كما يفعلُه الخوارجُ؛ بل الأخوةُ الإيمانيةُ ثابتةُ مَعَ المعاصي، كما قَالَ سبحانه في آية القَصَاص: ﴿فمن عُفيَ له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة:187]، وقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حَتَّى تفي إلى أمرِ الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إنَّ الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: 9ـ10].
وأهلُ السنة مَعَ هذا: " لا يَسلبون الفاسقَ الملِّيَّ الإسلامَ بالكُلِّيةِ، ولا يُخلِّدونه في النَّار، كما تقولُ المعتزلةُ؛ بل الفاسقُ يدخلُ في اسم الإيمان، كما في قوله: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: 92]".
وبيانُ ذَلِكَ أنَّ القولَ الوسطَ (قول أهل السنة والجماعة) في الفاسقِ من أهلِ الملَّةِ مثل الزَّاني، والسَّارقِ، والشَّاربِ، ونحوِهم... ممَّن له طاعاتٌ ومعاصٍ، وحسناتٌ وسيئاتٌ ومعه من الإيمانِ ما لا يُخلَّد معه في النَّار، وله من الكبائرِ ما يَسْتوجِبُ دخول النَّار ـ أنَّهُم لا يَسْلُبُونَه الاسم على الإطلاق، ولا يعطونَه على الإطلاق؛ بل يقولون: هو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، أو مؤمنٌ عاصٍ، أو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته. ويقال: ليس بمؤمنٍ حقًا، أو ليس بصادقٍ حقًا.
فأهل السنة متفقُون على أنَّهُ سُلبَ كمالُ الإيمانِ الواجبِ فزال بعضُ إيمانه الواجب لكنَّه من أهلِ الوعيد.
* * *

والخلافُ في هَذِهِ المسالة (مسألة الأسماء، والأحكامِ) هو: " أوَّلُ خلافٍ حدث في مسائل الأصولِ حيث كَفَّرتْ الخوارجُ بالذَّنبِ فجعلوا صاحبَ الكبيرةِ كافرًا ".
" وقالت المعتزلةُ: بل يُنَزَّلُ مَنزِلةً بين المنزلتين، فَنُسمِّيه فاسقًا لا مسلمًا، ولا كافرًا"، " فهو ليس بمؤمنٍ بوجهٍ من الوجوهِ، ولا يدخلُ في عمومِ الأحكامِ المتعلقةِ باسم الإيمان". هَذَا من حيث الاسم.
أمَّا بالنسبة للحكم: " فأهلُ السنةِ، والحديثِ، وأئمةِ الإسلامِ المُتَّبعونَ للصحابة لا يقولون بتخليدِ أحدٍ من أهلِ القبلة في النار كما تقولُه الخوارجُ، والمعتزلةُ، لما ثبت عن النبيِّ ﷺ في الأحاديثِ الصحيحةِ: " أنَّهُ يخرج منها من كَانَ في قلبِه مثقالُ ذَرَّةٍ من إيمان " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإخراجه من النَّارِ من يخرُجُ بشفاعةِ نبيِّنا ﷺ فيمن يشفعُ له من أهلِ الكبائر من أُمَّتِه، وهذه أحاديثُ كثيرةٌ مُستفيضةٌ متواترةٌ عند أهْل العِلْمِ بالحديث ".
والخوارجُ والمعتزلةُ يقولون: صاحبُ الكبائرِ الَّذِي لم يَتُبْ منها مُخلَّدٌ في النارِ ليس معه شيء من الإيمانِ، ثمَّ الخوارجُ تقول: هو كافرٌ، والمعتزلةُ توافِقُهم على الحكمِ لا على الاسمِ"، فإنَّهم " نازعوا غيرَهم في الاسم.
وهذا التَّفصيلُ في إطلاقِ اسم الإيمانِ على الفاسقِ هو الصحيحُ " فإذا سُئِلَ عن أحكامِ الدُّنيا كعتقِه في الكفارةِ، قيل: هو مؤمنٌ، وكذلك إذا سُئلَ عن دخولِه في خطابِ المؤمنين.
وأمَّا إذا سُئلَ عن حكمِه في الآخرةِ، قيل: ليس هَذَا النوعُ من المؤمنين المَوْعُودِينَ بالجنَّةِ؛ بل معه إيمانٌ يمنعُهُ الخلودَ في النارِ، ويَدخُلُ به الجنةَ بعد أن يُعذَّبَ في النارِ، إن لم يغفرِ الله له ذنوبَه، ولهذا قَالَ من قَالَ: هو مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرتِه، أو مؤمنٌ ناقصٌ الإيمان.
وأمَّا إعطاءُ الفاسقِ اسمَ الإيمانِ المطلقِ فهي طريقةُ المرجئةِ، والجهميةِ، فصاحبُ الكبيرةِ عندَهم مؤمنٌ تامُ الإيمان.
وأصلُ نزاعِ هَذِهِ الفرق في الإيمانِ من الخوارجِ، والمرجئةِ، والمعتزلةِ، والجهميةِ، وغيرِهم أنَّهُم جعلوا الإيمانَ شيئًا واحدًا إذا زال بعضُه زال جميعُه، وإذا ثبت بعضُه ثبت جميعُه، فلم يقولوا بذهابِ بعضه، وبقاءِ بعضِه.
وخالفوا بذلك ما دلتْ عَلَيْهِ النُّصوصُ فإنَّ " نصوصَ الرسولِ، وأصحابِه تَدُلُّ على ذهابِ بعضِه، وبقاءِ بعضِه، كقوله: " يخرج من النار من كَانَ في قلبِه مثقال ذرة من إيمان".
فأهلُ السنةِ، وأئمتُها مُتَّفقون على أنَّ الفُسَّاقَ الذين ليسوا منافقين معهم شيءٌ من الإيمانِ يَخْرجُون به من النَّارِ. هو الفارقُ بينهم وبين الكفارِ، والمنافقين، وبهذا تجتَمِعُ النُّصوصُ، ولله الحمد.
ولمزيدِ التَّحريرِ في ما ذكرناه يُنظر ما كَتَبَه شُرَّاح الواسطية؛ لا سيما ما ذكره شيخُنا العثيمين (8/580ـ586)، وشيخُنا عَبْد اللهِ الجبرين (2/180196).
* * *

وما ذكرناه آنفًا من تقرير مسألة " إيمان أهل الكبائر" هو ما عَلَيْهِ سلفُ الأمةِ وخلفُها، ولم يخالفهم في ذَلِكَ إلاَّ أهلُ البدعِ والأهواءِ من أهل المقالات الفاسدة!
ـ المرجئةُ؛ يقولون: أنَّهُ مؤمنٌ كاملُ الإيمان.
ـ الخوارجُ؛ يقولون: أنَّهُ كافرٌ.
ـ المعتزلةُ؛ يقولون: أنَّهُ في منزلةٍ بين منزلتين، أي: لا يُطلق عَلَيْهِ مؤمنٌ، ولا كافرٌ في الدُّنيا، أمَّا في الآخرةِ فهو كافرٌ مُخلَّدٌ في النَّارِ، وبهذا نعلم أنَّ المعتزلةَ لم يُخالِفُوا الخوارجَ في حقيقةِ الأمرِ، ولم يأتوا أيْضًا بجديدٍ إلاَّ سفسطة من القولِ وزورًا.
وكلُّ ما ذكرناه هنا؛ من الحكمِ على الناسِ في الدُّنيا إنَّما هو بحسبِ الظَّاهرِ، وهذه المسألةُ من أصولِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ.


فضيلة الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي
أحكام المجاهرين بالكبائر
ص 201