الشّكر و التِّرحاب على مَقْدَم شرطة الآداب




الحمد للّه ربّ العالمين القائل في كتابه: [[ اشْكُرُوا لِي وَ لاَ تَكْفُرُون ]] (البقرة 152)، و القائل سبحانه: [[ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ ]] (إبراهيم 7)، و الصّلاة و السّلام على أشرف المرسلين و خير الشّاكرين؛ محمّد بن عبد اللّه، و على آله و أصحابه و أتباعه إلى يوم الدّين. أمّا بعد.

فقد أَشرقَت علينا جريدة (الشّروق اليومي) الجزائرية بشيرةً بَشَّرَها اللّه بالخير و وفّقها إليه، في عددها الصّادر يوم الأربعاء 08 جمادى الأولى 1429هـ، الموافق ليوم 14/05/2008م؛ بنشر خبر أثلج صدور الغيورين و أقرّ عيون الصّالحين، مفاده: "قرار مصالح الأمن الجزائرية إعادة تنشيط و تعزيز شرطة الآداب في إطار الحرب على الفساد الأخلاقي، مع مراقبة القواعد الخلفيّة لشبكات الدّعارة و التّجارة بالجنس، مع اتّخاذ مصالح وزارة الدّاخلية جملة من الإجراءات لمواجهة انتهاك الآداب العامّة و الجرائم اللاّأخلاقية، مِن خلال اعتماد استراتيجية متعدّدة الاتّجاهات ترتكز على تجنيد السّلطات العمومية وسائل لتعزيز هياكل المصالح الأمنيّة بالمناطق الحضرية و الرّيفية لمكافحة جميع أشكال الإجرام".

و أقول حامدا اللّه المنعِم هذه النّعمة شاكرا له عليها طامعا في المزيد؛ على أهل هذا البلد الغالي الّذي لم يُعدم على مرّ السّنين وجود الغيورين عليه و الصّالحين فيه، و هُم كُثُر و الحمد للّه على شتّى المستويات؛ سلطةً و شعبا حكّاما و محكومين، أقول عليهم جميعا شكر هذه النّعمة العظيمة و المنحة الجليلة، مذكّرا نفسي و إيّاهم قائلا:

إنّ اللّه عزّ و جلّ قد ذكّركم بنعمه كما ذكّر بها بني إسرائيل حين قال: [[ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنّي فَضّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ]] (البقرة 47)، و إنّه سبحانه قد أسبغ عليكم نِعَمَه ظاهرة و باطنة و أمركم بشكره، ثمّ وعدكم إذا شكرتموه أن يزيدكم، و توعّدكم إذا لم تشكروه بالعذاب الشّديد، قال جلّ و علا: [[ وَ اشْكُرُواْ للّهِ إِن كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ ]] (البقرة 172)، و قال: [[ اشْكُرُوا لِي وَ لاَ تَكْفُرُون ]] (البقرة 152)، و قال: [[ وَ إِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَ لَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ]] (إبراهيم 7)، فانظروا موقفكم مع هذه النّعمة متأمّلين أحوال مَن قبلكم و أحوال مَن حولكم ممّن تنكّروا لنعم اللّه و استكبروا في الأرض كيف دهمهم أمر اللّه فبُدِّلوا بالنّعمة نقمة و بالعطاء حِرمانا، قال عزّ مِن قائل: [[ وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ]] (النّحل 112)؛ "أي جعل اللّه هذه القرية مثلا لمن أنعم اللّه عليه فكفر بالنّعمة فأنزل اللّه عليه النّقمة"(1)، و قال تعالى: [[ ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىَ قَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَ أَنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ]] (الأنفال 53)، و أكثر ما يُستوجب الشّكر إذا استجدَّت نعمة قد عُدمت قبل حدوثها.

أيّها الإخوة الكرام إنّ ربّكم سبحانه قد حباكم بهذه النّعمة، فارفعوا أصواتكم بشكرها موجودةً كما رفعتموها بالإنكار عليها مفقودة، و احذروا أنْ يحلّ بكم ما حلّ بأقوام لم يشكروا نعم اللّه، و تذكّروا أنّ منزلة الشّكر مِن منازل [[ إيّاك نعبد و إيّاك نستعين ]] (الفاتحة 4)، بل ذكَر العلماء: "هي فوق منزلة الرّضا و زيادة. فالرّضا مندرج في الشّكر، إذْ يستحيل وجود الشّكر بدونه"(2)، و أبشروا بشُكْرِكُم أنّ اللّه قد أثنى على أهل الشّكر و وصف به خواصّ خلقه حتّى اشتقّ لهم اسما مِن أسمائه؛ فإنّه سبحانه هو (الشّكور) الّذي وصف خليله إبراهيم عليه السّلام بقوله: [[ إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ]] (النّحل 120)، و قال واصفا نوحا عليه السّلام: [[ إِنّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ]] (الإسراء 3)، و قال تعالى في فضل الشّاكرين و ثوابهم: [[ وَ سَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ ]] (آل عمران 144)، و قال: [[ إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لّكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ ]] (لقمان 31)، و قال: [[ وَ إِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ]] (الزّمر 7)، و قال: [[ وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ]] (سبأ 13).

ثمّ إنّ شكر العبد لربّه يدور على أركانٍ مستنبطةٍ مِن نصوصٍ شرعيّة قد فُهمت مِن كلام العلماء، لا يكون العبد شكورا إلاّ بمجموعها، أسأل اللّه عزّ و جلّ لي و لإخواني العون على أدائها و تحقيقها، و هي كما يأتي:

أوّلا: اعتراف العبد بنعمة اللّه عليه في قرارة قلبه بأنْ يعترف بأنّ هذه النّعم واصلة إليه مِن اللّه سبحانه تفضّلا منه و إحسانا لا بحوله و قوّته.

ثانيا: التحدّث بهذه النّعم ظاهرا فيثني على اللّه و يحمده و يشكره فلا ينسب النّعم إلى غير اللّه.

ثالثا: الاستعانة بها على مرضاة اللّه فيستعملها في طاعة اللّه.

رابعا: شكر مَن جعلهم اللّه سببا و واسطة في إسباغ نعمه، ذلك أنّه (( لا يشكر اللّه مَن لا يشكر النّاس )) (رواه أحمد و أبو داود و التّرمذي).

فالحمد للّه وحده و الشّكر له على نِعمة استحداث أو تعزيز هذا القسم -شرطة الآداب-، ضِمن بقيّة أقسام شرطة بلادنا الغالية حرسها اللّه مِن كلّ سوء، و شكرٌ ملؤه قلبٌ عامر بالسّرور و لسانٌ ذاكر بالخير، أزفّه إلى الشّرطة لقاءَ هذا الاتّجاه السّديد و القرار الحكيم؛ باستحداثها أو تعزيزها قسماً معنيّاً و متخصّصاً في مواجهة انتهاك الآداب العامّة و الجرائم اللاّأخلاقية، و الشّكر موصول إلى مديرية الأمن و على رأسها وزارة الدّاخلية و إلى كلّ مَن كان وراء هذا الخير أو ساهم فيه؛ تأديةً أو قراراً أو تنظيماً أو تخطيطاً أو تفكيراً أو دعوةً أو دعاءً أو شكراً أو بشتّى المساهمات و الإعانات.

و أبشّر الجميع خاصّا مِنهم بالذّكر أصحاب الجبهة مِن أفراد و أعوان شرطة الآداب؛ بمدح اللّه عزّ و جلّ لأصحاب هذه المهمّة النّبيلة بقوله: [[ وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمّن دَعَا إِلَى اللّهِ وَ عَمِلَ صَالِحاً وَ قَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ]] (فصّلت 33 )، و ليستحضروا أنّهم بعملهم هذا إنّما ينوبون عن ملايين الأفراد مِن أمّتهم في القيام بالرّكن العظيم و الدّور الكبير؛ ألا و هو شعيرة الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، الّتي هي عنوان الإصلاح و أساسه، و ليتخيّلوا كم سيصلهم مِن أجرٍ مقابل مَن نابوا عنه مِن أمّتهم؛ قال تعالى: [[ وَ لْتَكُن مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولََئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ]] (آل عمران 104)، و لْيتذكّروا أنّ الإصلاح مِن منهج الأنبياء، قال ربّنا سبحانه حكايةً عن شعيب عليه السّلام: [[ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ مَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ]] (هود 88)، و لْيوقنوا أنّ الإصلاح مِن أسباب حِفظ الأمّة مِن الشّرور و اندفاع المصائب عنها و المآسي، قال جلّ و عزّ: [[ وَ مَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىَ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ]] (هود 117)، و قال سبحانه: [[ إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ]] (الرّعد 11).

أيّها الإخوة الفضلاء؛ مِن أعلى هرم جزائر الأبطال و الشّهداء إلى أصغر فرد فيها، شيباً و شباباً ذكراناً و إناثاً، إنّ مجتمعنا مع ما يُنْـزف فيه مِن دماء و يئِنّ أفراده مِن ظروف الغلاء، قد داهمته أمور مِن كلّ جانب مُقْدِمةً عليه بمختلف المآرب، لا تَقلّ خطورة عن قضيّة الدّماء و الغلاء، فالبلاء واحد و الكلّ روافد لطوفان يتهدّد الجميع.

مظاهر مِن الرّذيلة و الانحطاط و سوء الأخلاق لم يعرفها مجتمعنا الطّاهر مِن قبل؛ كفْرٌ صريح بسبِّ ذاتِ الربّ سبحانه جهراً و تفنّناً و تنويعاً...، نوادٍ ليلية و بيوت دعارة يئِـد فيها الوحوش كرامةَ الفتاة و عِرضها مقابل دراهم معدودة...، سحرٌ و شعوذةٌ تُفرِّق بين المرء و زوجه...، فسوقٌ و عقوقٌ يَرفع الخناجر على ذوي الأرحام...، شذوذٌ في أوساط الذّكور و الإناث كان يُقرأ عنه فأصبح يُسمع و يُرى...، إنتحارات لمختلف الأسباب و على شتّى الأعمار و المستويات...، تنصيرٌ نَتِـن ينطلق مِن جحور الزّواحف ليتحدّى أهل جزائر الإسلام في عقر دارهم...، ألبسة عارية خالية مِن أدنى القِيم و الاحتشام مُفسِدَة للصّالحين مُطمِعَة للفاسقين...، خمورٌ و مخدّرات أُغلق بها على العقول لتَصِل بمتعاطيها إلى طَعْن القلوب و خراب البيوت...، نوادي انترنت عديمة الرّقابة يحتسي فيها أبناؤنا و بناتنا سمَّ عنكبوتِ الشّبكة العنكبوتية...، تعسّفات إدارية و تحرّشات جنسيّة أبطالها مديرون و مسؤولون يُساوِمون الأنوفَ و الأعراض....، تُجّار قوارب يعِدون و يُمنّون النّشء الّذي كان رجاء ابن باديس، يدْفعون به إلى المصير المجهول فوق مياه بحريّة تتسعَّر مِن تحتها النّيران،...

و غير هذا مِن البلايا و الرّزايا الّتي تتقطّع منها القلوب و تذرف منها العيون، الواحد منها يتهدّد مجتمعنا فكيف بمجموعها، و ما ذكرته مِن المظاهر إلاّ غيض مِن فيض و قطرة مِن بحر.

حقّا إنّ مهمّتكم معاشر الإخوة في شرطة الآداب لضخمة و إنّ ما ينتظره شعبكم منكم لكبير، لكنّكم الأهل للمهمّة و الجديرون برفع التحدّي بإذن اللّه، ما روعي في صفوفكم الإخلاص للّه في العمل و الصّدق في الأداء و الصّلاح قبل الإصلاح، أمّا دعوات الصّالحين لكم و الخيّرين مِن أمّتكم، فالألسن بذلك لاهجة و الأكفّ لمجيب الدّعاء مرفوعة.

و الحمد اللّه و الشّكر له على ما أنعم مِن النّعم و على ما رفع مِن النّقم، سائلا له توفيق أصحابَ القرار و مَن وراءه و مَن أمامَه و منفّذيه إلى خَيْرَي الدّنيا و الآخرة، و الأخذ بنواصيهم و نواصينا و أيديهم و أيدينا جميعا إلى الصّلاح و الإصلاح، و أنْ يسدّدنا و يثبّتنا و إيّاهم في الحقّ و على الحقّ تسديدا و تثبيتا.

سبحانك اللّهمّ و بحمد، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك و أتوب إليك.

أخوكم محمّد بن حسين حدّاد الجزائري

صبيحة الأحد 13 جمادى الأولى 1429هـ

الموافق لـ: 18 ماي 2008م

http://www.merathdz.com/play.php?catsmktba=1687


---------------------

(1) خطب فضيلة الشّيخ الدّكتور صالح الفوزان.

(2) مدارج السّالكين لابن القيّم.