السؤال : هل كل شيء في هذا العالم قد كتبه الله ؟ إن كان الأمر كذلك ، فلماذا نحن مخيرون ؟ ما الفائدة من ذلك إن كنا لا نستطيع تغيير القدر؟ هل يشمل ذلك الحالة الجسدية والموت ؟ هناك شخص عزيز علي أريد أن أقول له شيئًا لن يتقبله ، فأنا أظن أنه ما أن يسمع الخبر ، إما سيموت ، أو يصاب بنوبة قلبية ، أو سيجعلني بلا مأوى ، ولا طعام ، أو شراب ، أو نقود ، وسيدمر حياتي بالكامل ، وحياة الكثير ممن أحب ، هذا الشخص مع العديد من العوامل هو السبب في ضياع كل شيء أحبه ، بما ذلك ديني ، وصلاتي ، وهي الخسارة الكبرى ، ويجب علي أن أخبره للتوقف عن هذا الجنون ، والسبب الوحيد الذي يمنعني من إخباره هو : خشيتي أن أكون السبب في موته ، وأنا أريد أحدا أن يخبرني أن أجله مكتوب في قضاء الله وقدره ؛ حتى أخبره ، ولكن الجميع يخبرونني أننا مسيرون ، ويمكننا تغيير قدرنا من خلال قراراتنا في الحياة ، ولكن ألا يعني ذلك أن الله ليس عظيمًا ؟ أنا لا استطيع تصديق ذلك ، فإما أن يكون الله عظيمًا ، وأن القضاء لا يمكن تغييره ، وإما أن ما يخبرني به الناس من بعض الأشياء المذكورة في صحيحي البخاري ومسلم كذب ، أو أن يكون الله مجرد كذبة ، وأنا أرفض أن أعتقد الخيار الثاني.

تم النشر بتاريخ: 2017-03-29

الجواب :

الحمد لله
أولا:
كل شيء في هذا العالم، ما كان وما سيكون، قد كتبه الله تعالى في كتاب عنده، وقد علمه، وشاءه، وهذا هو "القدر" بمراتبه الأربعة: الكتابة، والعلم، والمشيئة، إضافة للخلق والإيجاد.
قال تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) القمر/49، وقوله سبحانه : ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الأنعام / 59 وقوله : ( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ) الحديد / 22 وقوله : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير/ 29 ، وروى مسلم (2653) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. قال : وعرشه على الماء ).

ثانيا:
هذا القدر لا يمكن تغييره، بمعنى أنه لو كان الله قد قدر أن فلانا يموت مؤمنا أو كافرا، أو يحيى سعيدا أو شقيا، أو يرزق بعشرة من الولد مثلا، فلا يمكن تغيير ذلك؛ لأنه لو أمكن تغييره لكان قدحا في علم الله ، وإرادته ، وعظمته، بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : ( يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ ) رواه الترمذي (2516)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

لكن هنا مرتبة أخرى من مراتب القدر ، وهي كتابة مقادير الخلق ، في الصحف التي في أيدي الملائكة .
ففي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ) رواه البخاري (3208) ومسلم (2643).

وهنا أمر قد يعبر عنه بأنه تغيير للقدر، وهو تغيير لهذا القدر المكتوب في صحف الملائكة فقط، كأن يكون فيها أن فلانا سيمرض، فيدعو بدعاء ، فيعافيه الله ولا يمرض .
أو يكون فيها أن عمره ستون سنة، فيصل رحمه، فيزيد عمره إلى سبعين سنة .
فهذا تغيير لما في صحف الملائكة، وهو ممكن ، لا مانع منه .
وليس هذا تغييرا لما في اللوح المحفوظ ، ولا تغييرا لما في علم الله، فقد علم الله تعالى أن سيفعل ذلك، فيعافى أو يزيد عمره. وهذان ـ يعني : ما في اللوح المحفوظ ، وما في علم الله ـ : لا تغيير لما فيهما ، كما سبق بيانه .
وأما تغيير ما كتب في الصحف التي في أيدي الملائكة ، فهو ثابت ، لا مانع منه ، دل عليه حديث سَلْمَانَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» رواه الترمذي (2139) وحسنه الألباني. وهو عند أحمد (22386) وابن ماجه (90) من حديث ثوبان بلفظ: (لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ) وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه.
وانظر: جواب السؤال رقم (43021).
ثالثا:
لا تعارض بين كون الأشياء مقدرة ومكتوبة، وكوننا مخيرين عند فعلها، فنحن لا نعرف ما الذي كتب، ونشعر بتمام الحرية والاختيار في الفعل، ونميز بين الحركة الاضطرارية كحركة القلب والأمعاء، وبين الحركة الاختيارية التي نؤديها بالأيدي أو الأرجل أو الأعين أو غير ذلك.
ولهذا فإن الإنسان يحاسب على فعله، لأنه يفعله باختياره، فيمكنه فعل الخير كما يمكنه فعل الشر، وليس له أن يحتج بأنه مكتوب عليه كذا؛ لأنه لا يعلم بالمكتوب إلا بعد وقوعه، ولا يعلم نهاية الأمر، فقد يكون مكتوبا أنه بعد وقوع المعصية مثلا يدعو ويستغفر فيتوب الله عليه ، ويستقيم ويصلح، وهكذا، ولهذا لما سأل الصحابة رضي الله عنهم : "أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟"
أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ ثُمَّ قَرَأَ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الْآيَةَ) رواه البخاري (4949) ومسلم (2647).

فما على الإنسان في هذه الحياة إلا أن يجدّ ويعمل، دون بحث ونظر: هل كتب علي كذا أم لا؟ فإنه لن يصل إلى ذلك، لكن يكفيه ، من أجل أن يكد ويعمل بالحسنى ، ويعمل بعمل أهل الجنة : أن الحسنى إنما تنال بالعمل ، وأن منازل أهل الجنة : إنما تنال بالعمل لا بالأماني .
وإذا كان أمر الكتابة يشغل باله : فليعلم أن الله قد كتب عليه : أن يعمل بالطاعات ، وألا يعمل بعمل أهل النار ، بمعنى : أنه قد فرض عليه ذلك ، وشرعه له ، وأمره به ، وهذا يكفيه دافعا للعمل.
وأما العلم بأن كل شيء بقدر ، فهذا يطمئن قلبه عند حدوث المصيبة، فلا يأسى، ولا يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا معنى قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد/ 22، 23
رابعا:
ما سألت عنه بشأن صاحبك، جوابه أن أجله مكتوب، معلوم لله تعالى، لا يتغير، لكن الأمور تكتب مع أسبابها، فقد يكون مكتوبا أنه يموت بسماع خبر من فلان، أو يموت بمرض، أو يموت بالقتل، أو بالحرق الخ، فيقع الأمر كما هو مكتوب.
وهنا نعود فنقول: لا جدوى في البحث عما هو مكتوب. فلا يكون بحثك في القدر، بل في الشرع، فتسأل: هل يجوز أن أخبره خبرا قد يؤدي إلى موته، أو إلى حصول ضرر له، أو ضرر لي؟
وهذا لا يمكن الجواب عنه إلا بمعرفة طبيعة الخبر، وتعلقه بهذا الشخص، فربما كان السؤال عن معصية يجب أن يحذّر منها، أو عن أمر لا يمكن السكوت عنه، فهب أن رجلا متزوجا من سنوات من امرأة يحبها غاية الحب، وإذا هي لا تحل له ، لأنها أخته من الرضاع أو خالته، فليس أمامنا إلا إخباره بذلك، لأن بقاءه معها يعنى الوقوع في الزنا .
إلا إن كان إخباره يغلب على الظن موته به، فلو أمكن تلافي المحرم دون إخباره في الحال، خوفا عليه، فلا بأس، كأن تسافر المرأة، أو غير ذلك من الوسائل.
والمقصود : أنه ينبغي عرض كل قضية ، مما ذكرت ، بعينها ، على أهل العلم لينظروا فيها، ويروا هل يجب الإخبار، أم يجوز التأجيل، أم لا يجب مطلقا.
نسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد والرشاد.
والله أعلم.


https://islamqa.info/ar/264354