كلب ينهش عقولنا !!
صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 20 من 58

الموضوع: كلب ينهش عقولنا !!

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    717

    افتراضي كلب ينهش عقولنا !!

    (( كلب ينهش عقولنا ))

    مقال للدكتور. سلمان بن فهد العودة 12/5/1429
    17/05/2008



    تداولت المواقع والرسائل والدروس قصة التتري الذي سبّ -الرسول صلى الله عليه وسلم-، فهاج عليه كلب مربوط وخمشه، وخلصه الحاضرون منه بعد جهد جهيد، ثم عاد أخرى فنال من النبي- صلى الله عليه وسلم- فقطع الكلب رباطه ووثب على عنقه، وقلع زوره في الحال، ومات الرجل من فوره.
    ومع كون القصة مروية في بعض المصادر التاريخية، إلا أنني أعتقد أن اختيارها من كم هائل من المرويات العادية وإبرازها وتصديقها ينم عن مأساة في العقل المسلم!
    وقد ذكر الرواية ابن حجر في الدرر الكامنة (4/153) عن علي بن مرزوق، ولم يذكر عنه أكثر من أنه تعاطى التجارة، والظاهر أن القصة مرسلة، ليس لها إسناد، وعادة أصحاب الدواوين الكبيرة والتراجم الموسعة أنهم يذكرون ما في الباب بغض النظر عن صحته، ولم يذكر ابن حجر عن ذلك المترجم إلا هذه القصة فحسب، وكفى بذلك دليلاً على نكارتها وإغرابها.
    هذا التصفيق الحاد لكلب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل، حتى يقول كثيرون: كلب ينتصر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف لا ننتصر له نحن؟، حتى الكلاب تغضب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الكلاب أشد منا حباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضيف آخرون قصة كلبٍ آخر فقيه في السنة (!!) ولكنه عقور مرّ به شاب ذاهب إلى الصلاة بالغلس فوقف الشاب، فقال له الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكرٍ وعمر!
    الكلب أصبح داعية يسلم بسببه أربعون ألفاً في مجلس واحد !
    وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرة لأمم الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
    ويعتذر معلقون بأن هذه مقامات أصحاب الهمم العالية وهم بعيدون عنها.
    وحين يحتج معلق على هذه الأساطير؛ تنهال عليه الكلمات كاللكمات اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً!
    وكأننا أمام نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به، وبين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب، وما أسهل أن ينبري إذاً عدو للإسلام يضع مثل هذه الحكايات وينشرها فيتلقفها الأغبياء والجهلة والأغرار، ويحامون عنها محاماتهم عن أصول الدين، ويجعلونها فيصلاً بينهم وبين مخالفيهم، فعنوان الإيمان عندهم هو أن يكون عقلك مغيباً مخدراً معزولاً عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تسلم بالغرائب والمنكرات من الأخبار!
    ألم يتعرض -صلى الله عليه وسلم- للتكذيب ويُسأل الآيات، فيؤمر أن يقول: "سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ؟" [الإسراء: 93]
    ألم يضعوا السلى على ظهره؟ ويشجوا وجهه ورأسه في المعركة، ويقتلوا أصحابه؟
    وربما احتج بعضهم بالمعجزات والآيات والكرامات.
    والآيات حق، وكذلك الكرامات، ولكنها أمر خارق للسنة، مخالف لجاري العادة، فلا يقبل ادعاء مدعيها حتى يقع التحقق التام منها، وإلا لالتبس الحق بالباطل، واشتبه الأدعياء بالصادقين والأنبياء، ولذا كان السلف يقولون: هاتوا أسانيدكم، وفي التنزيل: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ" [البقرة: 111].
    ولذا كان الأئمة يقولون: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل.
    وقد علمنا يقيناً أن الكلاب خارج دائرة التكليف، وهي لا تسمع إلا نداء، كما قال ربنا سبحانه: "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ"[البقرة:171].، وهي لا تعقل، فالعقل ميزة شرف الله بها الآدمي، وإن كان من الآدميين من يلغي هذه الموهبة أو يجور عليها أو يقتلها بالإهمال والتجاهل، أو يئدها بالاستسلام لكل مسموع، والتشرب لكل موضوع، والركض وراء الأوهام.
    لقد جاء المشركون إلى الصديق يقولون له: ألم تسمع ما قال صاحبك؟
    قال: وما قال؟ قالوا: يزعم أنه أُسري به إلى بيت المقدس، ثم عُرج به إلى السماء في ليلة، قال-رضي الله عنه- : لئن كان قاله فقد صدق، ومن يومئذ سمي"الصديق".
    الصديق إذاً هو من يصدق بالوحي النازل من السماء، وليس من تتراكم على عقله غرائب الأخبار من كل وضاع ودجال؛ فيتجرعها كالسم حتى ينبت عليها جسده، ويمضي عليها عمره، وتصبح أساساً في ثقافته ومعرفته، وتلتبس عنده معالم دينه!
    إن هذا العقل الأسطوري الذي لا يميز بين حق وباطل هو المسؤول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين، وغياب التفكير السليم، وضعف التحليل الموضوعي، وتراكم الأخطاء والسلبيات دون علاج، وكيف لنا أن نصحح أو نخطط أن نبني حضارة أو نؤسس مجداً إذا كانت العقول فاسدة والبصائر كليلة، وطرائق التفكير والنظر متردية، لماذا نهادن تسلل الحكايات الوهمية إلى عقول العامة، بل عقول الشباب والطلاب والمتعلمين، الذين يظنون أحياناً أن التصديق أولى على سبيل الاحتياط، ولا يدرون أن التصديق بالباطل مثل التكذيب بالحق.
    إن العقل الإسلامي عقل واع مدرك، حتى إيمانه بالغيب هو إيمان مبني على العلم والمعرفة والإسناد، وليس في الوحي ما تنكره العقول ولا ما تحيله السنن، ولكن منها ما لا تدركه العقول، فهو عالم فوق العقل وليس تحته، ونقص العقل ثابت بالعقل ذاته، بيد أن الله تعالى أحال إليه، وأمر بتحكيمه فيما يحسنه حينما دعاهم إلى الإيمان به "لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"، "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [يونس: 24]، "أَفَلا يَعْقِلُونَ" [يّـس:68]، "لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى"[طـه: 54]،"لِذِي حِجْرٍ"[الفجر: 5]،"ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا"[سـبأ:46]!
    ومن أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل ، أو أن العلم نقيض الدين.
    لا يحل للمصلحين والدعاة والمرشدين أن يهادنوا عقول البسطاء أو يداهنوها، نعم سيظل في الناس أوباش لا يعقلون، لكن الخطب الفادح أن تكون هذه هي الثقافة المهيمنة التي تضغط على عقول الناشئة، وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطاً بترهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية.
    أمانة الديانة تحتم علينا أن نقدس الإيمان الحق المجرد، وأن نحذر من اللحوقيات والإضافات الأسطورية المتلبسة به، والله أعلم.
    والأئمة قد يترخصون في إيراد حكايات بأسانيدها في مصنفاتهم لأن التبعة على الراوي، ويقولون: من أسند فقد سَلِم، خاصة وهي دواوين علمية متخصصة يتعاطاها الفقهاء والعارفون، أما أن تنشر مثل هذه الروايات وتذاع ويستكثر منها، فهو توهين لجانب التكليف، وإزراء بخصوصية الإنسان، وتسلط لأعداء الملة ، وقد وقفت مراراً على أقصوصات من هذا القبيل ينشرها الوعاظ غافلين، وإذا تتبعت مصدرها وجدتها من وضّاعين أو ساخرين، وقد روى أحدهم قصة الميت الذي نبش قبره فوجد مصروفاً عن القبلة، وبالسؤال عنه تبين أنه مدخن (!!) وتحريت بنفسي عن القصة فوجدتها من وضع عيّار مدخن.
    لا يجوز أن يكون الإيمان بإمكان حدوث الكرامات سبباً في تمرير أي حكاية أو رواية من منطلق أنه يجوز أن تكون من الكرامات، فالكرامات لها أسبابها وطرق إثباتها، وليس يتعين في التكليف الشرعي إلا أن يؤمن المرء بما ثبت في الكتاب والسنة، أما تسارع الناس إلى تصديق الغرائب فهو من جهالات العامة وتسرعهم، وصدق الله إذ يقول: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" [الزمر:9].
    جعلنا الله من العالمين ومن ذوي الألباب.

    http://www.islamtoday.net/pen/show_a...38&artid=12667

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    ~ المــرِّيـْـخ ~
    المشاركات
    1,554

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله العلي مشاهدة المشاركة
    ومع كون القصة مروية في بعض المصادر التاريخية، إلا أنني أعتقد أن اختيارها من كم هائل من المرويات العادية وإبرازها وتصديقها ينم عن مأساة في العقل المسلم!
    وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرة لأمم الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
    ويعتذر معلقون بأن هذه مقامات أصحاب الهمم العالية وهم بعيدون عنها.
    وحين يحتج معلق على هذه الأساطير؛ تنهال عليه الكلمات كاللكمات اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً!
    http://www.islamtoday.net/pen/show_a...38&artid=12667
    مبالغة ممجوجة وتعميم جائر !
    ولا غرابة . . !
    يا ربِّ : إنَّ لكلِّ جُرْحٍ ساحلاً ..
    وأنا جراحاتي بغير سواحِلِ !..
    كُل المَنافي لا تبدد وحشتي ..
    ما دامَ منفايَ الكبيرُ.. بداخلي !

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    717

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الأمل الراحل مشاهدة المشاركة
    مبالغة ممجوجة وتعميم جائر !
    ولا غرابة . . !
    نقد متشنج !!!، يخشى أن يكون دافعه استبطان مواقف سابقة دون القراءة الفاحصة

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Oct 2007
    الدولة
    ~ المــرِّيـْـخ ~
    المشاركات
    1,554

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    نقد متشنج !!!

    سبحان الله

    هلاّ قلتَ في بداية موضوعك : لا أرحب بالمداخلات المخالفة !
    ثم من أين استنتجتَ تشنجَ نقدي ؟
    صارَ كلُّ مَن يخالف العودة في آرائه - عندكم - متشنجًا . . ؟!
    يا ربِّ : إنَّ لكلِّ جُرْحٍ ساحلاً ..
    وأنا جراحاتي بغير سواحِلِ !..
    كُل المَنافي لا تبدد وحشتي ..
    ما دامَ منفايَ الكبيرُ.. بداخلي !

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    72

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    بارك الله فيك وفي شيخنا الحبيب سلمان

    مقالة رائعة
    وسرد جميل
    بعقلية فذة

    فرحم الله الشيخ ابن باز عندما صدق حدسه بالشيخ سلمان ابن الثلاثين ربيعا بوصفه " العلامة "

    العلم يرفع بيتا لاعماد له
    والجهل يهدم بيت العز والشرف

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Jan 2008
    المشاركات
    74

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    شكرا لك أخي الكريم
    جزاك الله خيرا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2006
    المشاركات
    2,541

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    مع تقديري واحترامي لفضيلة الشيخ: سلمان العودة، وفقه الله، إلا أني أخالفه فيما ذهب إليه من إنكاره هذه القصة المرويَّة، في شأن تسخير الله عزوجل الكلب في الانتصار لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم ممَّن سبَّه، وذلك للأسباب التالية:
    (1) رواي القصَّة هو: إبراهيم بن محمد، الطَّيبي، جمال الدِّين، (ت: 706 هـ). قال الصفدي - وتبعه ابن حجر -: (كان ينطوي على: دِين، وكرم، وبِر، واعتقاد في أهل الخير ...).اهـ. وقد تقبَّل ( من: القَبالة: بالفتح. انظر: المصباح المنير: مادة (ق ب ل) ) جمال الدِّين بلادًا بالعراق، فكان يترفَّق بالرَّعيَّة ... .
    وقد رواها عنه: معاصره: علي بن مرزوق، زَين الدِّين، السلامي، أصله من الموصل (ت: 720 هـ).
    مصدر القصَّة: لم أستقص البحث، واكتفيت بـ : "الدرر الكامنة" 3/128_129 ط: دار الجيل، بيروت.

    (2) السؤال: هل في القصة ما يُستنكَر، ويُصادِم أصلا من أصول الشّرع القويم ؟
    الإجابة: ليس في القصة ما يُستنكر، وليس فيها (بحسب ما يظهر) ما يخالف أصول الشّرع القويم ...
    وقد أخرج الحاكم 2/539 ط: المرعشلي، من طريق: أبي نوفل بن أبي عقرب، عن أبيه، قال: (كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه و سلم، فقال النبي صلى الله عليه و سلم: "اللهم سلِّط عليه كلبك"، فخرج في قافلة يريد الشام، فنزل منزلًا، فقال: إنِّي أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا له: كلَّا، فحطُّوا متاعهم حوله، وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد، فانتزعه، فذهب به). قال الحاكم: (صحيح الإسناد، ولم يخرجاه). وقال الذهبي: (صحيح)، وقال الحافظ في "الفتح" (إسناده حسن). قلت: ولينظَر فيه بعد.
    قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله تعالى في "الجواب الصحيح" تعليقًا على الحديث السابق وغيره:
    (ويدخل في هذا الباب: ما لم يزل النَّاس يرونه ويسمعونه مِن انتقام الله ممَّن يسبّه، ويذمّ دينه، بأنواعٍ من العقوبات، وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه، وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه: من انتقام الله ممَّن يؤذيه، بأنواعٍ من العقوبات العجيبة، التي تبيِّن كلاءة الله لعرضه، وقيامه بنصرهِ، وتعظيمه لقدره).اهـ.

    (3) ثم إنَّ هذه القَصص، مثل القصة التي رواها ابن حجر ونحوها، لا يُتعَامل معها بنحو التّعامل مع أحاديث الحلال والحرام والتّشريع، بل هي من باب الرِّقاق والعظات، ولا مخالفة فيها - كما سبق - لأصول الشّرع، ولا لسنن الله عزوجل في كونه، والله عزّ وجل قادر على تسخير مخلوقاته، وفق حكمته البالغة، سبحانه وتعالى.

    (4) لا يضيرنا ما قال الغرب أو الشّرق عنَّا .. وهذا باب يطول .. والله أعلم وأحكم.
    {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس: 12].

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Jan 2007
    المشاركات
    717

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    أشكر لكم ياشيخ أشرف هذا الرد.
    نعم نريد مثل هذا النقد الذي يتحلى بالبحث المتجرد والأدب في الألفاظ .
    وأعتذر للجميع إن كنت أغلظت في القول .

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Jul 2007
    المشاركات
    1,710

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    رأيت بعض الناس هنا يتعمدون غمز الشيخ سلمان بعبارات مهينة ( هداهم الله تعالى ) وأصلح عقولهم المريضة وفطرهم المنتكسة وأبعث لهم نصيحة من الشيخ عائض فى درس التوازن فى حياة الشباب المسلم ولعل ليس لهذه النصيحة كبير مكان اذ من الممكن ان يكون سلمان وعائض عند هؤلاء المرضى ) ضلالا وليسوا على شئ
    ابدأ النقل
    وجربناه حتى إذا جلس معك في المجلس كأنه يتصور أنه مالك بن أنس حتى يقول: لا يا شيخ! أنا طالعت هذه المسألة والذي ظهر لي والله أعلم أن رأي أهل العلم خطأ فيها، قال: وقد قرأت بنفسي وعقبت وعندي بحثٌ قد حققته في تلك المسألة، ولذلك تجده يقول: (قلت، وأنا، وعندي، ولي) وهذا من العجب.

    وقد رأيت رسالة موجودة في الأسواق في بعض تصحيحات الحديث لشباب نعرفهم يقول في أولها: وقد استدركت على الشيخ الألباني هذه المسألة وخطأته من ثلاثة أوجه، قال وَهِمَ ابن حجر وقد وقع لي أن سبب وهم الحافظ كذا وكذا! من أنت؟! يقولون: وقعت البعوضة على النخلة، ثم أرادت أن تطير فقالت للنخلة: تماسكي أنا أريد أن أطير قالت: والله ما أحسست بكِ حين وقعتي فكيف أحس بكِ إذا طرتي؟ أناس يفنون أعمارهم مثل الألباني وابن حجر في علم الحديث، ويأتي شاب في يوم واحد ويدرك خطأً، فيبقى في المجالس يقول: الشيخ الألباني أخطأ في الحديث ونبهت عليه، وقد كتبت في ذلك بحثاً، انتهى

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    367

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    يا شيخ خالد بارك الله فيك ، لماذا لا تعامل خصومك بما تدعو إليه، هل قول من ذكر في المشاركة"مبالغة ممجوجة وتعميم جائر !
    " هل هذا يستدعي منك التعليق بما ذكرته ، مع أن الشيخ سلمان ليته اكتفى بغمز من يخالفهم فقط !!

    ألم تقرأ الأوصاف التي أطلقها الشيخ سلمان على من أورد القصة المذكورة ومن نشرها أو صدقها ؟!!
    أم أنه الحب الذي يجعل المرءكما قيل!!

    عدو لمن عَادَتْ وسِلْمٌ لأهلها ومَنْ قَرّبت ليلى أحبَّ وقَرَّبَ


    وأرجو من جميع الأخوة ممن لا يطيقون نقدا للشيخ سلمان ومن أحبوه ولا يعاملون من خالفهم من إخوانهم بهذه الطريقة أن ينصفوا الحق من أنفسهم وألا يحملهم الحب على عدم رؤية أخطاء من يحبونه، وهذه مقالة كتبتها في الرد على مقال الشيخ سلمان، وقد نشرت أمس أذكرها للفائدة ، مع علمي بأن كثيرين من محبي الشيخ سلمان إلا من رحم الله مبرمجون على الدفاع عن الشيخ والهجوم على من خالفه دون النظر بموضوعية وإنصاف وأترككم مع المقال:

    نقد ينهش عقولنا!!
    الأربعاء 23 من جمادى الأولى 1429هـ 28-5-2008م الساعة 03:38 م مكة المكرمة 12:38 م جرينتش
    الصفحة الرئيسة-> ذاكرة الأمة -> دراسات تاريخية
    كتبه
    أبوعمرو أحمد سلامة
    Abu_amro1@yahoo.com
    مفكرة الإسلام: الحمد لله وبعد، ففي خضم مأساة الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم وتداعياتها ، حرص كل من آتاه الله علمًا على الإدلاء بدلوه في الرد على أراذل الخلق ومن وافقهم في هذه المحنة ، فكان هذا يكتب مقالاً ، وهذا يخطب خطبة ، وذاك يبحث في حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم، وآخر يذكر قصة لعلها توقظ النائم وتنبه الغافل ، وكان من هذه القصص التي ذكرت في كتابات بعض إخواننا الفضلاء ، ما ذكره حافظ الدنيا في وقته وأمير المؤمنين في الحديث ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه القيم:" الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" (3/128 ط. دار الجيل – بيروت) في ترجمة علي بن مرزوق بن أبي الحسن الربعي السلامي زين الدين أصله من الموصل ولد سنة 650 وتعانى التجارة ، ومات في سنة 720 ، ونصها:
    " ذكر عن جمال الدين إبراهيم بن محمد الطيبي أن بعض أمراء المغل تنصر فحضر عنده جماعة من كبار النصارى والمغل فجعل واحد منهم ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم وهناك كلب صيد مربوط فلما أكثر من ذلك وثب عليه الكلب فخمشه فخلصوه منه وقال بعض من حضر هذا بكلامك في محمد صلى الله عليه وسلم فقال كلا بل هذا الكلب عزيز النفس رآني أشير بيدي فظن أني أريد أن أضربه ثم عاد إلى ما كان فيه فأطال فوثب الكلب مرة أخرى فقبض على زردمته فقلعها فمات من حينه فأسلم بسبب ذلك نحو أربعين ألفا من المغل" اهـ
    فتناقلها الفضلاء في دروسهم ومواقعهم ومنتدياتهم وذكروا معها من القرآن والسنة وقصص الصحابة ومن بعدهم ما يؤيد جريان انتقام الجبار سبحانه ممن آذى نبيه على أيدي بعض خلقه من الإنس والجن والحيوانات .
    وحدث هذا منذ زمن ، ثم لما تجددت الإساءة لنبينا صلى الله عليه وسلم على أيدي بعض السفهاء، تجدد معها نشر ما ذكر سابقا مما تقدم ذكره، فثار أحد المشايخ على هذه القصة وعلى من ذكرها وحمل الأمور ما لا تحتمله واتهم من ذكرها أو أشاد بها بما لا يستحقه، وقال فيهم قولا عظيما ، من قرأه يظن أن الشيخ يرد على منافق يكيد للإسلام من داخله، أو تارك لبعض قواعد الدين ، مجاهر بعداوة أهله والكيد لهم ، وما ذنبه إلا أن نقل هذه القصة، والتي توضح صورة من صور كفاية الله عزوجل لنبيه ونصرته على المستهزئين .
    ولا أستطيع أن أخفي عجبي وغضبي مما قرأته ، بداية من عنوان المقال وهو " كلب ينهش عقولنا" ومرورا بما ظنه الشيخ أدلة ومنهجا وطريقة في التفكير السليم ، وعقلية وقادة مبدعة تأتي بما لا يأتي بمثله مشايخنا الذين ذكروا هذه القصة ولم يخطر ببالهم بعضا مما قاله الشيخ لأنهم مخدرون ومغيبون عن الواقع ...إلخ ما ذكره الشيخ عفا الله عنا وعنه من صفات وألقاب نبز بها أهل الفضل ولم نسمعه يوما يقولها في حق من يستحقون أكثر منها معها !!
    فطلب مني بعض الفضلاء التعليق على مقال الشيخ وإبداء الرأي فيه، فاستعنت بالله وذكرت بعض الوقفات مع مقال:" كلب ينهش عقولنا" ، ولو كان هذا المقال يناقش القصة المذكورة مناقشة علمية ويبحث في إسنادها ومتنها ويحكم عليها حكما علميا بما يناسب حالها تبعا لما قرره أهل العلم من قواعد وأصول لما تكلمنا ولا ذكرنا ردا ، ولقلنا هذا رأي الشيخ وما توصل إليه،
    وهي مسألة لن يسئل عنها أحد في قبره – كما كان الشيخ يقول عن بعض مسائل الاجتهاد- وليست من أصول الإيمان ، وليست مما يشنع على المرء بمثلها ولكن الأمر لم يكن هكذا بل – وأقولها بمرارة- سلك الشيخ فيها مسلكا غير مرضي حتى في حكمه هو نفسه وفق آرائه التي عرفتها عنه قديما، فلم يكن الشيخ في مقاله مجادلا أو محاولا للوصول إلى رأي وفق قواعد النقد وأصوله المعروفة ، بل الأمر كان أبعد من ذلك ، وكان حكمه على القصة ومن ذكرها حكما قاطعا لا يسع أحدا أن يخالف فيه، وكأن المسألة مما لا يسوغ الخلاف فيه و( ليست القضية قضية جدل ومناظرة فقط، بل نحن نتكلم باسم الله وباسم الدين وباسم القرآن وباسم السنة وباسم الحديث، ولذلك لا نريد من أحد أن يخالفنا لأننا نزعم أننا نمثل الكلمة المقدسة، وهذا يقع في أذهان الكثيرين نتيجة ضيق الأفق وتحجير المفاهيم وإعجابهم بما عندهم من العلم، كما قال تعالى: { فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ } [غافر:83] وكما قال صلى الله عليه وسلم: { وإعجاب كل ذي رأي برأيه }.
    فنتيجة لذلك لم يعد لدينا إمكانية أن نتحمل وجهة نظر أخرى، فعندنا شيء من الأحادية في الرأي وضيق الفهم، والمشكل أيها الأحبة -وأقولها بمرارة وصراحة- أننا -أحياناً- نظرياً قد نقول خلاف ذلك! وطالما سمعت من بعضهم وهو يقول: من خالفك بمقتضى الدليل عنده فإنه أقرب إليك ممن وافقك بغير دليل؛ لأن هذا الذي خالفك إنما خالفك للدليل، ويجب أن تكون العلاقة بينكم أمتن.
    وهذا كلام نظري جميل، لكن دعنا ننظر في واقعنا العملي، وفي تعاملنا مع من خالفونا، فتجدني أنا ذلك الذي أردد دائماً وأبداً قضية الحوار والنقد البناء، وتقبل وجهات النظر المختلفة، وعدم إلزام الناس بالرأي الواحد، وجعل الناس يعيشون في بحبوحة الشريعة التي فتحها الله سبحانه وتعالى لهم، فأنا لا أحجر واسعاً، وأنا لا أفرض رأيي بثقله وبشريته وخصوصيته على النص الشرعي، أنا ذلك الذي يقول هذا الكلام تجدني أغضب بمجرد أن أرى شخصاً اختلف معي، وترتفع درجة الحرارة عندي، وتختلف نبرة الكلام، ويتغير مجرى الحديث، وتحتد اللهجة، ويبدأ القصف والقصف المضاد.
    فهذا -أحياناً- يرجع إلى نوع من التربية الخاطئة على مستوى المجتمع وعلى مستوى الحلقة العلمية أو الارتباط بالعالم وعلى مستوى الدعوة أو الارتباط بمجموعة من مجموعات الدعوة ... فلماذا لا يكمل بعضها بعضاً؟! وإذا لم اقتنع بشيء فعلي ألا أعمله، لكن ليس شرطاً للعمل المثمر أن يمر عبر قناعتي العقلية، فيمكن أن يكون عملاً مثمراً وأنا لم أقتنع به، وقد أكتشف بعد حين أن قناعتي كانت في غير محلها، أو حتى قد أموت بقناعتي غير عابئ بهذا الموضوع، لكن الناس المنصفين يعلمون أن هذا الأمر له ثمرة وله إيجابية، والعدل قد يدل على ذلك)([1]) اهـ .
    وكم تمنيت أن يكون ما ذكره الشيخ في آخر كلامه هنا هو موقفه تجاه إخوانه، لا أن يكون موقفه هو ما عابه هو في أول كلامه .
    الشيخ لم يكتف بادعاء بطلان هذه القصة ووضعها وأنها من الأساطير والخرافات
    إلا أن الشيخ لم يكتف بادعاء بطلان هذه القصة ووضعها وأنها من الأساطير والخرافات ...إلخ كلامه ، بل سفه من ذكرها وأرجع مصائب الأمة كلها وأمراض المجتمع إلى هؤلأ الصنف من الناس وأمثالهم وأنهم سبب بلاء الأمة ...إلخ كلامه
    وأعود فأذكر الشيخ بما ذكره من قبل حيث يقول:
    (وإذا وجدت مندوحة عن وصف الشخص -مثلاً- بالكفر أو بالفسق أو بالبدعة وهي شرعية بلا تكلف، تعين عليك سلوكها، لأن مهمتي ومهمتك ليست هي نبز الناس بالألقاب وتوزيع المعايير عليهم واتهامهم بشتى التهم، وكأني أريد أن أثبت لنفسي البراءة من خلال الطعن في الآخرين، فهذا من أخطر ما يمكن أن يكون.
    وبدون شك أنه يسرنا جميعاً أن يكون الناس أخياراً، ويسرنا أن يكون الناس صالحين وأهل تقوى وأهل سنة، فأي ضرر عليك وعليه إذا صار الناس على الخير؟! هل من جيبي أعطيتهم شيئاً؟! وإذا دخل الناس الجنة هل هم سيأخذون مالي أو مال أبي أو جدي؟! كلا، بل كما قال الله تعالى: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } [الجمعة:4].
    إذاً: ينبغي أن يكون عندي هذه البحبوحة وهذه السعة وهذه الرحمة للناس، وهذه الفرحة بكل خير يصيبونه، والحزن لكل شر يقعون فيه، والحدب على إصلاحهم والتحري لهم؛ وفرق بين أن تكون مهمتي كأنني مقاتل في ميدان، أريد ألا يدخله أحد غيري أنا ومن يقع عليهم الاختيار، وبين كوني إنساناً يهمه أن يدعو الناس بكل ما أوتي من قوة إلى هذا الباب، كما قال تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [يونس:25].
    فعلى الإنسان أن يحرص -فيما يتعلق بالحكم على الناس- ألا يتسرع بالحكم، وألا يعمم الأحكام، وألا يتكلم على الأشخاص بقدر المستطاع)[2]اهـ.
    هذا مع أن الأمر لا يستحق كل هذا ولا يسوغ أن يكون موقف الشيخ هكذا ممن ذكر قصة تشهد لها أحاديث صحيحة ووقائع ثابتة وهي في باب يتعلق بالترغيب والترهيب ، حتى ولو كانت هذه القصة بلا إسناد أو لا نعلم صحة سندها، ويكفينا أنها لها شواهد ولا تخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا، وليست مستنكرة شرعا ولا عقلا . وسأبين هذا كله إن شاء الله تعالى في مناقشتي لمقال الشيخ .
    كان حريا بالشيخ إذ لم يقتنع بهذه القصة ألا يصنف من ذكرها مثل هذه التصنيفات الجائرة وألا ينبزه بألقاب لا يرضى الشيخ أن يصفه بها أحد
    وكان حريا بالشيخ إذ لم يقتنع بهذه القصة ألا يصنف من ذكرها مثل هذه التصنيفات الجائرة وألا ينبزه بألقاب لا يرضى الشيخ أن يصفه بها أحد مهما كان عند المخالف له من أدلة تؤكد خطأ الشيخ في مسائل كبيرة – ليس هذا موضع بيانها- وأن يتأول لمن ذكرها، وكيف لا يفعل هذا وهو القائل:"بل قد يقع في الكفر ولا يوصف بأنه كافر إلا بعد وجود الشروط وزوال الموانع من هذا الإنسان، فقد يكون جاهلاً ومثله يُجْهل، وقد يكون متأولاً، أو قد يكون قاصداً شيئاً آخر غير ما ظننت؛ أنا ظننت أنه يسخر بالدين، ولما سألته تبين أنه يقصد معنى آخر لا علاقة له بهذا الباب إطلاقاً.
    وقد يكون يسخر ولكن في حالة غياب عقله وإدراكه عنه، أو غلبه نوع من المواجيد عنده جعلته يقول ذلك.
    حتى إني رأيت أن الإمام الذهبي رحمة الله عليه في مواضع كثيرة، يتأول لكلمات واضحة وضوح الشمس، أنها نقض لأصول الشريعة، حتى إنه -أحياناً- يتأول أنه ربما أن الإنسان قال هذه الكلمة في حالة غياب عقله، من أجل ألاَّ يصفه -مثلاً- بالكفر، لماذا؟ لأن أهل السنة هم أرحم الناس بالناس)[3] اهـ.
    ولا أريد أن أطيل وأبدأ مستعينا بالله في مناقشة موقف الشيخ من هذه القصة وممن ذكرها، فأقول مستعينا بالله:
    تداولت المواقع والمنتديات مقالا للشيخ سلمان العودة بعنوان:" كلب ينهش عقولنا "
    ولا أدري لماذا اختار الشيخُ الكلبَ ليتحدث عنه مع أن هناك من هو أشد من الكلب وينهش في عقل وجسد الأمة، وكم كنت أتمنى أن يرتب الشيخ ترتيبا صحيحا من الذي يستحق أن يحظى بوقته الثمين في الرد عليه ومجاهرته بأفعاله القبيحة وبيان خطره على المجتمع ترتيبا صحيحا، مثل ما كان ينصح به قديما ، ولا شك أن هناك في ظل هذه الأزمة ومشاعر المسلمين متأججة، ونفوسهم مقهورة لا شك أن هناك من كان أولى برد الشيخ عليه وتسفيه رأيه وبيان خطره على الأمة من أخيه الذي ذكر هذه القصة ، وأذكره بما نصح به شباب الدعوة قديما حيث قال:
    (القاعدة العاشرة والأخيرة: إن كنت مصراً على أن هناك طائفة من دعاة الإسلام هم أعداء لك، فنحن نقول لك: على أقل تقدير رتب العداوات، هل تعتبر أنهم أشد عداوة لك من اليهود أو من النصارى أو من المشركين أو من المنافقين؟ يقيناً لا تعتقد ذلك، إذاً أجل عداوتهم، وإذا انتهيت من عداوة اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين، وأهل المخالفة الأصلية للدين، وأهل البدع الغليظة المعلنة الظاهرة الذين اجتمعوا وتحالفوا وتآلفوا عليها، وما بقي إلا عداوة أخيك الذي هو أخوك في الدين، وأخوك في المنهج، وأخوك في الطريقة، وأخوك في الكتاب، وأخوك في السنة، وإنما الفرق بينك وبينه في نظرة أو في جزئية أو في موقف أو في اجتهاد، فإذا لم يبق إلا عداوة هذا، فالله يقويك ويثيبك.
    فإذا كنت مصراً على العداوة فعلى أقل تقدير رتب العداوة، واجعل العداوة تتأخر بعض الشيء، واجعل جل همك في محاربة من لا شك في خطرهم على الإسلام، فأخوك هذا قد يوجد من يشك في خطره، وأنا من طبيعة الحال ممن يشك في خطري، لأن المسلم الصادق لا خطر منه على الإسلام -إن شاء الله تعالى- لكن ذلك اليهودي أو النصراني أو المنافق أو الفاجر المحارب المعلن بالعداوة والبدعة والبغضاء لا شك أن خطره على الإسلام كبير، ومتفق على خطورته، فلماذا لا نبدأ بالمتفق عليه ونترك المختلف فيه إلى إشعار آخر؟!)[4].
    لماذا اختار الشيخ هذه القصة ليتعقبها ويحكم على عقول الناس عن طريقها وهو من يتكلم دائما عن فقه الأولويات وعن فقه ترتيب العداوات
    لماذا اختار الشيخ هذه القصة ليتعقبها ويحكم على عقول الناس عن طريقها وهو من يتكلم دائما عن فقه الأولويات وعن فقه ترتيب العداوات، مع أن القصص التي تروى بل والمنكرات التي تقع يضيق الوقت عند محاولة الاختيار: بأيها يبدأ الإنكار؛لكثرتها وعظم فسادها ؟!
    وأين يقع أصحاب الأقلام والمواقع ممن نحسبهم على خير من الذين نشروا هذه القصة ناقلين عن الحافظ ابن حجر رحمه الله من مبدأ الموازنة بين الحسنات والسيئات ، فهلا التمس فضيلته لهم العذر وجعلها على أسوأ تقدير: عملا مباحا مغمورا في بحور حسناتهم ؟!
    قال الشيخ (ومع كون القصة مروية في بعض المصادر التاريخية، إلا أنني أعتقد أن اختيارها من كم هائل من المرويات العادية وإبرازها وتصديقها ينم عن مأساة في العقل المسلم!)
    وإذا كانت هذه القصة (من المرويات العادية) فلماذا كل هذه الضجة والعناوين المثيرة والانشغال بالجزئيات- على حد تعبير الشيخ في بعض المناسبات، مع إقراري بأهمية هذه الجزئيات وعدم إهمالها - وشغل أذهان الناس عن الأحداث الكبار بل وعن المأسأة التي طرحت هذه القصة من أجلها، وهي محنة سب الرسول صلى الله عليه وسلم والإساءة إليه على أعين الجميع دون مبالاة بمشاعر المسلمين؟!
    بل إنني أعتبر كتابة هذه المقال من الشيخ والانشغال بالرد على أمر لا يستطيع أحد أن يخرجه على أسوأ تقدير من دائرة المباح والاجتهاد الذي يعذر صاحبه به ، مع العلم بأن من ساقها لم يسقها كدليل شرعي لإثبات حكم شرعي عن أمر أو نفيه عنه ، بل ساقها للعبرة وإثارة الغيرة، أعتبر ذلك من الشيخ من محن العقل المسلم في هذا الزمن ، وإلا فوسط كل الردود التي كتبت في الرد على من أساء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ووسط كل الصيحات التي رفعها كل من يحب الرسول صلى الله عليه وسلم لإيقاظ مشاعر الانتصار لله ورسوله وإيقاظ الأمة من سباتها، وسط هذا كله لم يلفت نظر الشيخ سلمان إلا هذه القصة ، ولم يغضبه إلا من أوردها متهما إياه بأشنع التهم ، وواصفا إياه بأقذع الأوصاف ، ومتهما إخوانه بتهم وأوصاف لا يتهم هو نفسه بها أهل البدع ولم نسمعها منه من قبل حتى في رده على بعض المبتدعة!
    وأي حاجة هذه التي تسوغ وضع من ينتصر للرسول ويدافع عنه ويوقظ المشاعر بذكر قصة ذكرها حافظ الدنيا في وقته وأمير المؤمنين في الحديث وصاحب علم جم وعقل ناقد وإمام مطلع على الجرح والتعديل ، أي حاجة هذه التي سوغت نشر هذا المقال بهذا الأسلوب بعد تجدد محنة الدانمارك بوقت قصير بل والمواقف السيئة التي قوبلت بها من قبل بعض المتكلمين باسم الدين ممن يحسبون أنهم على شيء وأظهرت وسائل الإعلام لهم بريقا خادعا كالسراب يحسبه الظمآن ماءا حتى إذا أتاه لم يجده شيئا بل وجده غثاء وجهلا ، بعض من هذه صفته هون من أمر الرسوم وطار إلى بلاد من زين لهم الشيطان سوء أعمالهم وصافح من تلطخت عقولهم قبل أيديهم بالدفاع عن أحقر البشر ممن رسم وأساء واتهم سيد البشر ، رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم ،
    ومع هذا لم يتنقص الشيخ إلا على مَنْ ذكر قصة فيها إساءة للنصارى، وانتصار للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يكذب ناقلها ولم يخرف ولم يدّع محالا ولم ينسج القصة من خياله بل نقلها من كتاب قيم ، أليس موقف الشيخ هذا حقا محنة من محن العقل المعاصر .
    يقول:( وقد ذكر الرواية ابن حجر في الدرر الكامنة (4/153) عن علي بن مرزوق، ولم يذكر عنه أكثر من أنه تعاطى التجارة، والظاهر أن القصة مرسلة، ليس لها إسناد، وعادة أصحاب الدواوين الكبيرة والتراجم الموسعة أنهم يذكرون ما في الباب بغض النظر عن صحته، ولم يذكر ابن حجر عن ذلك المترجم إلا هذه القصة فحسب، وكفى بذلك دليلاً على نكارتها وإغرابها).
    كيف يكون ذكر الحافظ لها وسكوته عنها واختيارها من بين أقوال ومواقف في حياة من ترجم له وإبرازها في كتابه الذين يتكلم عن أعيان المائة الثامنة ، كيف يدل هذا على نكارتها؟!
    والشيخ يقصد بالنكارة هنا نكارة المتن وليس الإسناد إذ قد صرح بعدم وقوفه على إسناد القصة، ومعلوم أن من المشهور من معاني المنكر في المصطلح أنه ما رواه الضعيف مخالفا فيه الثقة،
    فمن أين علم أن الراوي هذا ضعيف؟!
    وأي رواية للثقة خالفها هذا الضعيف؟!
    لم يبق إلا أن الشيخ استنكر عقله هذه القصة ، وهذه مشكلة كبيرة إن كان الأمر كذلك، وإلا فماذا يقول الشيخ عن المعجزات والكرامات الثابتة والتي منها ما هو مثلها وثابت في السنة، ومنها ما هو أشد غرابة من هذه القصة، وسيأتي الإشارة إلى بعضها .
    يقول:( هذا التصفيق الحاد لكلب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل)
    هذا الأسلوب الفكاهي أو الساخر في مناقشة محنة وأزمة -في نظر الشيخ- لا يليق أن يستخدمه مع إخوانه، لا سيما وأن شيئا من هذا لم يكن ، فلم نسمع أو نخبر عن تصفيق حاد في المواقع بل كانت القلوب متألمة والأعين دامعة وهي ترى كيف يسيء حثالة من الناس إلى من شرح الله صدره ورفع ذكره ، ومثقفونا مشغولون بالتقارب معهم ومحاولة استيضاح وجهات نظرهم والتعقل ورباطة الجأش وترك التهور والحكمة ...إلخ هذه المنظومة المظلومة .. لم يكن الناس يقرؤون القصة يا فضيلة الشيخ وكأنهم يشاهدون مباراة من التي استنزفت أموال ووقت وجهد الأمة وشبابها وخدرتها ولم نسمع تعليقا على ذلك أو استهجانا له؛ لأن ذلك ليس من الحكمة في هذه المرحلة .
    لم يكن الناس يقرؤون القصة يا فضيلة الشيخ وكأنهم يشاهدون فيلما من الأفلام التي خدرت الأمة بحق واستخفت بعقولها وعبثت بمقدراتها
    لم يكن الناس يقرؤون القصة يا فضيلة الشيخ وكأنهم يشاهدون فيلما من الأفلام التي خدرت الأمة بحق واستخفت بعقولها وعبثت بمقدراتها، ومع هذا .. سلم أهلها منا ولم يُذكروا إذا ذكروا إلا بإشارات دون تعيين لأننا لا نريد أن نحاصر الناس بأخطائهم – كما يقول البعض ! –
    لم يكن الأمر كما ذكر الشيخ ، حتى وإن لم أرهم بعيني ولكنني أحسن بهم الظن وأحب لهم ما أحب لنفسي فلم أصفق حينما قرأت القصة بل حزنت وتألمت وهذا ما ظننته بإخوتي ممن قرأها أو نشرها ، وكيف لا ومن بدهيات الإيمان الاعتقاد والعمل بقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) رواه البخاري (رقم 13) ومسلم(رقم45).
    وفي رواية: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ أَوْ قَالَ لِجَارِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)).
    فهم إخواننا وجيراننا على الأقل في مواقع الانترنت .
    ثم ماذا يكون رد فعل الشيخ لو ذكرنا حديث البقرة التي تكلمت والذئب الذي تكلم ثم صفق فعلا الناس وتعجبوا فهل سينكره نتيجة ردة فعل الناس ؟!
    مع أن التعجب عند سماع خوارق العادات أمر مألوف غير مستنكر ، وإنما المستنكر هو التسرع بالإنكار لمجرد أن هذا الفعل أو تلك القصة غريبة!
    روى البخاري(3471) ومسلم (2388) في صحيحيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ( بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ فَقَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي فَقَالَ النَّاسُ سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ قَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ ).
    وفي هذا الحديث من العبر والدلالات الكثير والكثير .
    قال:( حتى يقول كثيرون: كلب ينتصر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف لا ننتصر له نحن؟، حتى الكلاب تغضب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الكلاب أشد منا حباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-)
    إذن من مقتضى تساؤل كثيرين من الناس كما ذكر الشيخ هنا : (فكيف لا ننتصر له نحن؟) أن هذه القصة لم تخدر الناس بل جعلتهم يتساءلون ويتعجبون من حالهم وتركهم نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا شيء إيجابي ، على عكس ما ذكر الشيخ في أسباب حكمه على القصة بالوضع والبطلان !
    ولا أدري ما سبب التعجب والاستخفاف بكون كلب انتصر للرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل هذه أول مرة ينتصر فيها حيوان لسيد الخلق؟!
    يا شيخ سلمان لقد اعتقد أبولهب أن الكلب يمكن أن ينتصر للرسول صلى الله عليه وسلم - ولا شك أن أبا لهب يعلم أن الكلب لا عقل عنده وليس بمكلف- فما بالنا نستعظم ذلك ونهول الأمر، ونرد الأمر إلى عدم ثبوت ذلك بحجة قطعية ، مع أنه ثبت لدينا ما هو أعظم منه ولعله يأتي ذكر بعضا من ذلك، ومع أننا لم نطلع على تضعيف للقصة مع ذكر الحافظ ابن حجر لها وعدم تعقبها بشيء أو استغرابه منها ولم يكن بحمد الله وحاشاه ممن " نهش الكلب عقله" حينما أوردها، بل أقصى ما يمكن للمتورع فعله هو التوقف في القصة ، واعتبارها على أسوأ تقدير كالحديث عن أهل الكتاب فما دام لا يعارض ثابتا عندنا فإننا لا نصدقه ولا نكذبه ويجوز الاعتبار به وروايته في قول جماهير أهل العلم، فلماذا إذن التهويل ؟!
    وسنعود -قريبا إن شاء الله- إلى أبي لهب واعتقاده أن الكلب يمكن أن ينتصر للرسول صلى الله عليه وسلم ،ولم يكن أبو لهب يعلم أن الأسد من سيأكل ابنه حتى لا يقال لم يأكله كلب بل أسد، مع أنه لا فرق من حيث العبرة !
    وكذلك لم يسخر أبولهب من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم تلك ، ويقول: ما دخل الكلب في توتر العلاقات بيننا؟! وهل الكلب ممن يعقل حتى يعرف ابني ويأكله؟!
    وهذا لأنه يعلم أن الكلب مسخر وإذا حدث هذا فعلا فهو بأمر الله له ، ألم يقل سبحانه: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} (المدثر: من الآية31)
    ثم ألا يمكن أن نعتبر حدوث قصة الكلب وتكررها من استجابة دعوته صلى الله عليه وسلم على من سبه وآذاه بأن يسلط عليه كلبا من كلابه، وتكون العبرة هنا مستمرة لبعض من تحقق فيه الوصف نفسه ، حيث دعا رسولنا صلى الله عليه وسلم على من سبه وآذاه بأن يسلط عليه كلبا من كلابه ، ففي الحديث أنه دعا على ابن لأبي لهب لما سبه : " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِنْ كِلَابك " فَقَتَلَهُ الْأَسَد . وَهُوَ حَدِيث حَسَن وسيأتي.
    يقول الشيخ:( حتى يقول كثيرون: ... حتى الكلاب تغضب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-) .
    لقد ثبت تجاوب الكون والحيوانات والجمادات مع الخير والشر في هذا الكون ولا عجب من تأثر الكائنات بما تسمعه من خير أو شر، ألم يذكر الله عزوجل لنا مدى تأثر السموات والأرض والجبال من سب النصارى لله ونسبة الولد له سبحانه، فقال عز وجل: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً) (مريم:89-91)
    وليرجع من شاء إلى التفاسير الموثوقة ليرى كلام العلماء على تجاوب السموات والأرض والجبال ومدى تأثرها بهذه المقولة الفاجرة الظالمة ، ولا شك ان السموات والجبال والأرض غير مكلفات !
    وفي الحديث الذي رواه البخاري(3584) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَجَرَةٍ أَوْ نَخْلَةٍ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَجْعَلُ لَكَ مِنْبَرًا قَالَ إِنْ شِئْتُمْ فَجَعَلُوا لَهُ مِنْبَرًا فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دُفِعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَصَاحَتْ النَّخْلَةُ صِيَاحَ الصَّبِيِّ ثُمَّ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّنُ قَالَ:" كَانَتْ تَبْكِي عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ الذِّكْرِ عِنْدَهَا"
    قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث:" وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْجَمَادَات قَدْ يَخْلُق اللَّه لَهَا إِدْرَاكًا كَالْحَيَوَانِ بَلْ كَأَشْرَف الْحَيَوَان " .
    فهذا جذع أنّ وحنّ وبكى لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم له عند الخطبة ، فلا عجب إذن من وجود إدراك عند الحيوان يوجهه إلى فعل خير أو انتقام من ظالم إذا أراد الله عزوجل ذلك.
    وقد ثبت إدراك الحيوان وكلامه في جملة أحاديث صحيحة بل ومن علامات الساعة تكلم السباع والجمادات فلا أدري ماذا سيقول عن هذا من يقرأ مقال الشيخ دون علمه بهذه الأشياء الثابتة والتي يجب الإيمان بها؟!
    ثم أين قصة الكلب التي استنكرها الشيخ لمخالفتها العقل من هذه القصة التي فيها من العجائب ما فيها ففي الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ فَأَخَذَهَا فَطَلَبَهُ الرَّاعِي فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ قَالَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ ؟!
    فَقَالَ: يَا عَجَبِي ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ !
    فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَثْرِبَ يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ !
    قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ لِلرَّاعِي أَخْبِرْهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ"[5] .
    فهذا ذئب وتكلم بكلام بليغ بل ودعا إلى الله تعالى ولم يقف الأمر عند هذا الحدحيث لم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بسماعه فقط بل أمر أن ينادى الصلاة جامعة كما ينادى في الأمور العظيمة والنوازل الكبيرة ثم أمر الراعي أن يخبر أصحابه بما حدث ، ثم أخبر بكلام السباع وغيره قبل قيام الساعة، وهذا الحديث لا يدع لأحد مهما أوتي من عقل مقالا إذا حدثه أحد بشيء غريب فليس له إلا طلب البينة فقط ، وإذا أخبرك ثقة بذلك فحسبك ولا يشترط ما اشترطه الشيخ من القطعيات واليقينيات ...إلخ
    ثم هل هذا جعل الأمة الإسلامية – كما يقول الشيخ- " مسخرة لأمم الأرض" ؟!
    لأنه من الواضح أن الشيخ لم يشمر عن ساعد الجد في الرد لأن القصة ضعيفة أو لم تثبت أو طالب من ذكرها إن كان عنده مزيد علم أن يبينه له فقد يوجد في الأنهار ما لا يوجد في البحار، بل من الواضح أن الشيخ يرفض ذكر هذه الأشياء لأن الأمم لا تصدقها وستضحك علينا، وأن هذا من قبيل الخرافات والأساطير التي لا يصدقها إلا الأغبياء ومن ذكرهم، مع أن قصة الذئب أعظم من القصة موضوع رد الشيخ بكثير وفيها من المعاني ما لا تحيط به مجلدات، فلا أدري لماذا يفتح الشيخ سلمان باب التحكم والحكم على الأشياء بالرأي ومصادرة الاجتهادات الأخرى وهو لم يزل يذم من يفعل ذلك !
    ثم إن هذا الأسلوب من الاسترسال في نفي هذه المعاني لاستهجان غير المسلمين لها أو إنكار عقول البعض لها يعود سلبا على نفي ما هو ثابت من معجزات وكرامات ويساعد ما يسمى بالعقلانيين في ردهم ما لا تستسيغه عقولهم أو يخالف توجههم – وإن لم يقصد صاحبه ذلك- .
    ثم حتى لو أخذ من سمع القصة عبرة وقال ما قال لبيان أن المسلم أحق بالانتصار للرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه أشد ممن ينتصر له من الحيوانات ، فهذا دليل على فقهه وليس على ذمه والسخرية منه كما فعل الشيخ،
    وقد روى ابن حبان في صحيحه(14/437) حديث حنين الجذع السابق وزاد في روايته:( وَكَانَ الْحَسَنُ إِِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى ثُمَّ قَالَ يَا عِبَادَ اللَّهِ الْخَشَبَةُ تَحِنُّ إِِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَوْقًا إِِلَيْهِ لِمَكَانِهِ مِنَ اللَّهِ فَأَنْتُمْ أَحَقُّ أَنْ تَشْتَاقُوا إِِلَى لِقَائِهِ !).
    يعني إذا كانت الحيوانات والجمادات تفعل مثل هذا ، فنحن أحق بهذا منها ، وهذا من جنس القول الذي تعجب منه الشيخ سلمان !
    قوله:(ويضيف آخرون قصة كلبٍ آخر فقيه في السنة (!!) ولكنه عقور مرّ به شاب ذاهب إلى الصلاة بالغلس فوقف الشاب، فقال له الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكر وعمر! ) .
    أولا: القصة المذكورة ليست هكذا.
    ثانيا: القصة مذكورة بإسناد فإذا كان مقال الشيخ من أجل بث روح التثبت من الرواية قبل نشرها فلماذا لم يرجع ليعلم من روى هذه القصة ثم ينظر في الإسناد ثم يردها حتى يتعلم من يقرأ للشيخ أن الباعث له على الكلام هو تقرير المنهج العلمي في تلقي الأخبار .
    ثالثا: حتى هذه القصة ذكرها علماء لم ينهش الكلب عقولهم بل ذكرت في بعض كتب الاعتقاد، وإن كان من ذكرها قد أسندها وكما قيل: من أسند فقد أحال ،
    لماذا هذه القصة بالذات يذكرها الشيخ وهو يعلم المتربصين بأهل السنة من الطائفة المذكورة في هذه القصة، وكذبهم على أهل السنة لا يحتاج إلى دليل، وكتبهم مملوءة بالخرافات ولم يذكر الشيخ عنهم قصة هنا
    إلا أنني أتعجب لماذا هذه القصة بالذات يذكرها الشيخ وهو يعلم المتربصين بأهل السنة من الطائفة المذكورة في هذه القصة، وكذبهم على أهل السنة لا يحتاج إلى دليل، وكتبهم مملوءة بالخرافات ولم يذكر الشيخ عنهم قصة هنا، حتى من باب الموازنة بين المصالح والمفاسد ، وبيان أن الكلاب لا تنهش عقول أهل السنة فقط ، بل هناك كلاب أخرى عقورة تنهش بعقول الطوائف المخالفة للسنة وسيساعده النقل والعقل وكل برهان في إثبات صحة كلامه، بدلا من طيرانهم فرحا بمقاله للتنفير عن أهل السنة مع أن المقالة لا تثبت الدعوى التي كتبت من أجلها .
    رابعا: إسناد القصة التي ذكرها الشيخ ولفظها هكذا من باب الفائدة ، وليس إثباتا أو نفيا لها
    قال الإمام اللالكائي رحمه الله:
    2371 أنا علي بن محمد بن يعقوب أنا الحسن بن عثمان قال نا محمد بن عبد الله بن إبراهيم قال نا عثمان بن سعيد الحداد قال حدثني محمد بن يوسف بسمتياط قال نا أبو الصقر الخلاطي عن المعافى بن عمران قال قال سفيان الثوري قال:" كنت امرءا أغدو إلى الصلاة بغلس فغدوت ذات يوم وكان لنا جار كان له كلب عقور فقعدت انظر حتى يتنحا فقال لي الكلب جز يا أبا عبد الله فإنما أمرتبمنيشتمأبابكر وعمر"[6].
    وقد رواه أبو نعيم من وجه آخر عن سفيان الثوري في ترجمته[7].
    وأما قول الشيخ :" كلب آخر فقيه في السنة" !
    فأنا والله أتعجب من الأسلوب ومن التعجب في الوقت ذاته، فعلى فرض صحة هذه القصة فهل هي تعني أن الكلب تفقه في السنة حتى صار فقيها من أهلها ، أم أن دلالتها- إن صحت- واضحة ؟!
    وقد ذكرت فيما سبق أن للحيوان إداركا وقصة الذئب تقدم ما فيها من عجب
    قال الشيخ- غفر الله لنا وله- :( وحين يحتج معلق على هذه الأساطير؛ تنهال عليه الكلمات كاللكمات اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً!
    وكأننا أمام نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به، وبين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب) اهـ
    مرة أخرى لماذا يصر الشيخ على أن هذه القصة أساطير مع أنها لا أساطير فيها؛ وجدنا لها سندا أو لم نجد، فلا يوجد فيها شيء مستنكر ، ثم هي لا تؤصل حكما كما سبق ولها شواهد شرعية كثيرة ، ثم على فرض ضعفها أيضا فليست أسطورة بالمعنى المتعارف عليه إذا أطلقت كلمة أسطورة فقد سبق كلام الذئب وغيره من الحيوانات وبكاء الجمادات بل وكلام الجمادات أيضا، ففي صحيح مسلم (2277) عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ".
    قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث:" فِيهِ مُعْجِزَة لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفِي هَذَا إِثْبَات التَّمْيِيز فِي بَعْض الْجَمَادَات , وَهُوَ مُوَافِق لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْحِجَارَة : { وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } وَقَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } وَفِي هَذِهِ الْآيَة خِلَاف مَشْهُور , وَالصَّحِيح أَنَّهُ يُسَبِّحُ حَقِيقَة , وَيَجْعَلُ اللَّه تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا بِحَسْبِهِ كَمَا ذَكَرْنَا , وَمِنْهُ الْحَجَر الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَلَام الذِّرَاع الْمَسْمُومَة , وَمَشْي إِحْدَى الشَّجَرَتَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى حِين دَعَاهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَشْبَاه ذَلِكَ " اهـ
    وما أشار إليه الإمام النووي من أحاديث كلها صحيحة ، وهي أعجب من القصص التي استنكرها الشيخ سلمان ، فماذا سيقول من يقرأ كلام الشيخ، إذا سمع الأحاديث السابقة؟! هل سيقبلها أم سيستنكرها؟!
    قوله:( تنهال عليه الكلمات كاللكمات اتق الله، ربما تهوي بك هذه الكلمة في جهنم سبعين خريفاً!).
    هذا أعتبره إرهابا فكريا حتى لا يفكر أحد في الرد، وإذا رد يكون لطيفا في رده ، ولا أدري عن من يتكلم الشيخ هنا ، و أي صنف من الناس هؤلأ ، لا سيما وقد عمم ولم يستثن ، أما كون هذه الكلمة تهوي بالشخص في جهنم سبعين خريفا ، فنحن لا نحكم على معين بجنة ولا نار إلا من عينه الشرع ، مع التأكيد على خطورة الكلمة ، ونسأل الله أن يجعلنا من المتقين .
    ثم لماذا ينطلق الشيخ في رده من مفاهيم غير صحيحة وليست موافقة لمنهج أهل السنة والجماعة وذلك بجعل ما يجب التصديق به ما أتى به نص قرآني أو حديث متواتر، وبوضع ما يتداوله الناس ويتلقوه من الأمور بين أمرين لا ثالث لهما:
    ( نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به)أو:(بين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب)
    فهل ما ليس مقطوعا به لا يكون إلا (الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب) ، وأين العلم الظني، وأين منزلة الحديث الصحيح غير المتواتر؟!
    وأين القصص التي فيها بعض الضعف وتروى في الترغيب والترهيب بشروطها التي ذكرها العلماء – كما هو موضح في كتب مصطلح الحديث- ؟!
    هل كل هذا يوضع في خانة(الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب) ؟!
    لماذا هذا التشديد فيما وسع فيه أئمتنا ، وليس في مثل هذه القصص فحسب بل حتى في الأحاديث، ومن المناسب ذكر بعض ما قاله بعض العلماء فيما يتعلق بهذه المسألة: وهي رواية الضعيف من الحديث فضلا عن قصة فيها عبرة ولا خطأ فيها ، ولا تثبت حكما شرعيا بل فيها عبرة وعظة تنتفع بها النفوس ولا ضرر منها،
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :" فَصْلٌ : قَوْلُ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ : إذَا جَاءَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ شَدَّدْنَا فِي الْأَسَانِيدِ ؛ وَإِذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ ؛ وَكَذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ :
    لَيْسَ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ الِاسْتِحْبَابِ بِالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُحْتَجُّ بِهِ ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلِ شَرْعِيٍّ وَمَنْ أَخْبَرَ عَنْ اللَّهِ أَنَّهُ يُحِبُّ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ شَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ كَمَا لَوْ أَثْبَتَ الْإِيجَابَ أَوْ التَّحْرِيمَ ؛ وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا يَخْتَلِفُونَ فِي غَيْرِهِ بَلْ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ .
    وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ : أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مِمَّا قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ أَوْ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ بِنَصِّ أَوْ إجْمَاعٍ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ ؛ وَالتَّسْبِيحِ وَالدُّعَاءِ ؛ الْمُسْتَحَبَّةِ وَثَوَابِهَا وَكَرَاهَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ وَعِقَابِهَا : فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى : أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التِّجَارَةَ تَرْبَحُ لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا فَهَذَا إنْ صَدَقَ نَفَعَهُ وَإِنْ كَذَبَ لَمْ يَضُرَّهُ ؛ وَمِثَالُ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات ؛ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ ؛ وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ؛ لَا اسْتِحْبَابٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ؛ وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ .
    فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يُجَزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ وَأَحْمَد إنَّمَا قَالَ : إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ .
    وَمَعْنَاهُ : أَنَّا نَرْوِي فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثُوهَا مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ . فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِثْلَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : { بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ } فَإِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ وَمَعَ هَذَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْدِيثِ الْمُطْلَقِ عَنْهُمْ فَائِدَةٌ لِمَا رَخَّصَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ وَلَوْ جَازَ تَصْدِيقُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَمَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ ؛ فَالنُّفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تَظُنُّ صِدْقَهُ فِي مَوَاضِعَ ... فَالْحَاصِلُ : أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُرْوَى وَيُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا فِي الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ اعْتِقَادُ مُوجِبِهِ وَهُوَ مَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ ). اهـ من مجموع الفتاوى 18/65 وما بعدها .
    وقال أيضا رحمه الله: (وقال النوفلي: سمعت أحمد يقول: إذا روينا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحلال والحرام والسنن والأحكام شددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضائل الأعمال وما لا يرفع حكما فلا نصعب) انظر: "المستدرك على مجموع الفتاوى" 2/78.
    وقال رحمه الله : (والأئمة كانوا يروون ما في الباب من الأحاديث التي لم يعلم أنها كذب من المرفوع والمسند والموقوف وآثار الصحابة والتابعين لأن ذلك يقوي بعضه بعضا كما تذكر المسألة من أصول الدين ويذكر فيها مذاهب الأئمة والسلف .
    فثم أمور تذكر للإعتماد وأمور تذكر للإعتضاد وأمور تذكر لأنها لم يعلم أنها من نوع الفساد ) اهـ من الصفدية 1/287
    وقال أيضا: (لكن أحمد بن حنبل وغيره من العلماء جوزوا أن يروى في فضائل الأعمال ما لم يُعلم أنه ثابت إذا لم يعلم أنه كذب. وذلك أن العمل إذا علم أنه مشروع بدليل شرعي وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب جاز أن يكون الثواب حقا) اهـ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة 2/176
    والكلام واضح لا يحتاج إلى شرح وهذا في الأحاديث المنسوبة لصاحب الشرع فما بالك بالقصص وغيرها، وقد نص أيضا شيخ الإسلام في كلامه على ذلك ، وعمل السلف في مؤلفاتهم ومواعظهم أكثر من أن يحصى وأشهر من أن يذكر .
    ولقد كان الشيخ يعيب على الغزالي مثل هذا التهويل في الرد على من يخالفهم ، واشتراطه في النصوص المحتج بها ما ليس بشرط كقطعية النص فيما لا يطلب فيه القطع ، ولذا أرى من المناسب تذكير الشيخ وأحبابه بكلام له من كتابه "حوار هاديء مع الغزالي"
    قال الشيخ سلمان في الكتاب المذكور:
    ثم قال- أي الغزالي-: (وأوصي الدعاة الذين يذهبون إلى كوريا ألا يفتوا بتحريم لحم الكلاب فالقوم يأكلونها، وليس لدينا نص يفيد الحرمة، ولا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد! وأصول الإسلام!).
    فرد الشيخ سلمان عليه قائلا:[( ألم يصرح الرسول صلى الله عليه وسلم بنجاسة ريق الكلب كما روى البخاري ومسلم ويقول: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعاً أولاهن بالتراب)، إنه نجس مغلظ النجاسة لا يطهر إلا بسبع غسلات، إحداها مع التراب. . . فهل من معقول أن أهدر النص من أجل سواد عيون الكوريين؟ ومجاملة لأذواقهم وشهواتهم. . . إذاً، كيف سيرد الشيخ على من يقولون: إن الخنزير المحرم في عهد النبوة إنما حرم بسبب سوء تغذيته وعدم العناية به، أما اليوم فالخنازير تطعم طعاماً فاخراً، ويعتنى بها من الناحية الصحية فلا تحريم فيها!
    كيف سيجيب الشيخ؟ خاصة وأنهم سيقولون له: لا نريد أن نضع عوائق أمام كلمة التوحيد!! وهكذا يكون التحاليل على النصوص والتلاعب بها!
    المهم أنه أصبح واضحاً أن الشيخ حين يرجح قولاً ما، لا يرجحه لأن الدليل معه، آية أو حديثاً أو استنباطاً على وفق الأصول المقررة، كلا، وإنما يرجحه لأنه لا يريد أن يوهن دينه أمام القوانين الوضعية.. . أو أنه لا يريد يغير شيئاً درجوا عليه وألفوه.
    •وهو يدرك أنه خسر الاثنتين، فلا القوم أسلموا حين أذنا لهم بأكل لحوم الكلاب، وأعطيناهم فرصة تنصيب المرأة، ولا نحن حفظنا كرامة النصوص، ووقّرنا الإجماع المستقر. . . وهل يمكن أن يصدق أحد أن المانع لهؤلاء القوم من الإسلام هي هذه الجزيئات؟
    إذاً فلن يهتدوا أبداً، لأن ثمت جزيئات ثابتة بالنص القرآني، سوف تصطدم مع قناعتهم وواقعهم وقوانينهم، مثلاً: تحريم الخنزير –وهو نص صريح-، تحريم الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، تعدد الزوجات، نظام الطلاق، نظام الميراث. . . الخ.
    •هل يشترط الشيخ في النص المعارض للقوانين العالمية أن يكون (قاطعاً)؟؟ إنه يقول: (ولست أحب أن أوهن ديني أمام القوانين العلمية بموقف لا يستند استناداً قوياً إلى النصوص القاطعة)!!
    لا مانع أن يختلف اجتهاد أهل العلم في المسائل الفرعية بناء على ثبوت النص أو عدم ثبوته، أو على اختلاف الفهم، أو طريقة الجمع بين النصوص. . . الخ.
    أما أن ينتحل منتحل قولاً غريباً لأنه يوافق القوانين العالمية، أو يوافق أمزجة الكفار المراد دعوتهم. . . فهذا منهج غريب.
    ولا أدري لماذا نحتاج الآن إلى نص قاطع مع أن المسألة من المسائل الفرعية –وليست الأصولية-؟ لماذا غير المؤلف منهجه وخالف أصوله؟ ! ) ]اهـ
    هذا كله كلام الشيخ سلمان ، ولنا أن نطرح السؤال الأخير الذي طرحه الشيخ في نهاية كلامه على الشيخ الغزالي ، و من الطريف أن مثار المسألتين هو الكلب !

    يتبع .............................. .............................. .

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    367

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    تابع .............................. .....................

    أما قول الشيخ سلمان بعد أن مهد بما سبق:( وما أسهل أن ينبري إذاً عدو للإسلام يضع مثل هذه الحكايات وينشرها فيتلقفها الأغبياء والجهلة والأغرار، ويحامون عنها محاماتهم عن أصول الدين، ويجعلونها فيصلاً بينهم وبين مخالفيهم، فعنوان الإيمان عندهم هو أن يكون عقلك مغيباً مخدراً معزولاً عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تسلم بالغرائب والمنكرات من الأخبار!).
    الشيخ يفترض بمقولته هذه أمورا ليست واقعية ولا موجودة بين صفوف من ينتمون لأهل السنة والجماعة:
    فيفترض أننا إذا صدقنا بالقصة المذكورة فسينتج عن ذلك أمور:
    منها: فتح الباب للأعداء لوضع الخرافات ونشرها بيننا، ومع أن كتاب "الدرر الكامنة" لابن حجر ليس لمؤلف معاصر ، فقد ذكر ابن حجر القصة من مئات السنين، ولم نسمع بما افترضه الشيخ !
    وإن كان حدث فليبينه مشكورا مع بيان أن الباعث لكذب العدو هو مثل هذه القصة .
    ومنها: أن كتب دلائل النبوة وكتب الاعتقاد ودواوين السنة حافلة بنقل معجزات وكرامات ثابتة ويتداولها العلماء من مئات السنين ، ولم يفتح هذا بابا للطعن في الإسلام ، ولم يناد أحد بضرورة عدم ذكرها خشية أن يستغلها الكذبة ، وما ذكروه في هذه الأبواب من نصوص منها ما يفيد القطع، ومنها ما يغلب على الظن تصديقه فيجب اعتقاده والعمل به إن كان يترتب عليه عمل، ومنها الضعيف وما يقاربه مما ترخص فيه العلماء لاندراجه في الأصول المقررة شرعا وفق الشروط التي اشترطها العلماء لرواية الضعيف، مع التأكيد على أن هذه القصص لا تعامل معاملة الأحاديث من حيث شروط القبول ، بل هي مما يتساهل العلماء في نقله، وأما اشتراط القطع- كما يقول الشيخ- بله الصحة في كل قصة فيها عبرة أو حدث فهذا ما لا أعلم قائلا به من المتقدمين أو المتأخرين ، وقد سبق كلام الإمام أحمد وشرح شيخ الإسلام ابن تيمية له وهو عكس ما قرره الشيخ سلمان.
    ومنها: أنه -سامحه الله - اتهم من نشر هذه القصة أو تلقاها وأعجب بها فضلا عن من ذكرها في كتابه من باب أولى ، اتهمهم جميعا بأنهم من :( الأغبياء والجهلة والأغرار) .
    وهنا أذكر الشيخ بما ذكره هو بنفسه مما يخالف مسلكه هنا، قال الشيخ:
    (وإذا وجدت مندوحة عن وصف الشخص -مثلاً- بالكفر أو بالفسق أو بالبدعة وهي شرعية بلا تكلف، تعين عليك سلوكها، لأن مهمتي ومهمتك ليست هي نبز الناس بالألقاب وتوزيع المعايير عليهم واتهامهم بشتى التهم، وكأني أريد أن أثبت لنفسي البراءة من خلال الطعن في الآخرين، فهذا من أخطر ما يمكن أن يكون... إذاً: ينبغي أن يكون عندي هذه البحبوحة وهذه السعة وهذه الرحمة للناس، وهذه الفرحة بكل خير يصيبونه، والحزن لكل شر يقعون فيه، والحدب على إصلاحهم والتحري لهم؛ وفرق بين أن تكون مهمتي كأنني مقاتل في ميدان، أريد ألا يدخله أحد غيري أنا ومن يقع عليهم الاختيار، وبين كوني إنساناً يهمه أن يدعو الناس بكل ما أوتي من قوة إلى هذا الباب، كما قال تعالى: { وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [يونس:25].
    فعلى الإنسان أن يحرص -فيما يتعلق بالحكم على الناس- ألا يتسرع بالحكم، وألا يعمم الأحكام، وألا يتكلم على الأشخاص بقدر المستطاع)اهـ من محاضرة "قواعد توحيد الكلمة" للشيخ سلمان.
    ومنها: أنه -سامحه الله - اتهم من نشر هذه القصة أو تلقاها وأعجب بها فضلا عن من ذكرها في كتابه من باب أولى ، اتهمهم جميعا بأنهم ممن يوالون ويعادون على هذه الخرافات !
    ومنها: أنه -سامحه الله - اتهم من نشر هذه القصة أو تلقاها وأعجب بها فضلا عن من ذكرها في كتابه من باب أولى ، اتهمهم جميعا بأنهم ممن يصنفون الناس ويعرفون المؤمن من غيره عن طريق ( أن يكون عقلك مغيباً مخدراً معزولاً عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تسلم بالغرائب والمنكرات من الأخبار)
    ومنها: أنه اتهم من يصدق أو يروي القصة السابقة ونحوها بأن يعتبر ممن يجعلون الأساطير والخرافات في منزلة أصول الدين فقال: (يحامون عنها محاماتهم عن أصول الدين) .
    وأرجو من الشيخ أن يذكر لنا من أهل السنة من جعل هذه القصة بمنزلة أصول الدين ، واحدا فقط من المتقدمين أو المعاصرين ، وإلا فهذا الكلام عبارة عن ظنون وخيالات والظن أكذب الحديث.
    وأنا إلى الآن أتساءل: هل حقا القصة المذكورة هي سبب هذا الشحن النفسي ، والتوتر العصبي ، والحدة في النقد؟!
    ثم قال الشيخ:(ألم يتعرض -صلى الله عليه وسلم- للتكذيب ويُسأل الآيات، فيؤمر أن يقول: "سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً ؟" [الإسراء: 93]
    ألم يضعوا السلى على ظهره؟ ويشجوا وجهه ورأسه في المعركة، ويقتلوا أصحابه؟).
    بلى حدث كل هذا ، ولم يتوقف نصره صلى الله عليه وسلم على الأمور المادية فقط وعلى الجهد البشري – وإن كان هذا هو المطلوب منا- بل مع الصبر والتقوى سخر الله لنبيه من ينتصر له من الحيوانات أيضا ، وقت استضعاف المسلمين بمكة وعدم قدرتهم على الانتصار ، ففي الحديث عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، عن أبيه ، قال : كان ابن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم سلط عليه كلبك " فخرج في قافلة يريد الشام فنزل منزلا ، فقال : إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم قالوا له : كلا ، فحطوا متاعهم حوله وقعدوا يحرسونه فجاء الأسد فانتزعه فذهب به "
    وفي رواية: كان ابن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو عليه قال : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم سلط عليه كلبك "
    قال : وكان أبو لهب يحمل البز إلى الشام ، ويبعث بولده مع غلمانه ، ووكلائه ، ويقول : إن ابني أخاف عليه دعوة محمد فيعاهدوه قال : وكانوا إذا نزل المنزل ألزقوه إلى الحائط ، وغطوا عليه الثياب والمتاع قال : ففعلوا ذلك به زمانا ، فجاء سبع فنشله فقتله ، فبلغ ذلك أبا لهب ، فقال : ألم أقل لكم إني أخاف عليه دعوة محمد[8] .
    وأيضا أرسل من ملائكته من يدافع عنه ، ففي صحيح مسلم(2797) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟
    قَالَ: فَقِيلَ: نَعَمْ فَقَالَ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ قَالَ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ قَالَ فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ قَالَ فَقِيلَ لَهُ مَا لَكَ فَقَالَ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:( لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا ).
    فالإغراق في الماديات من أسباب استنكار مثل هذه الروايات، واستهجان ذكر الكرامات والمعجزات، وكأنها ستصيب الناس بالسلبية وتجعلهم يتواكلون ، وهذه أيضا تعد محنة من محن عقول مثقفي عصرنا ومن تأثر بهم من الدعاة ؟!
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الصارم المسلول :"ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله؛ فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه، كما قدمنا بعض ذلك في قصة الكاتب المفتَري، وكما قال سبحانه: )فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِيَن * إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهزِئِين (.
    والقصة في إهلاك الله واحداً واحداً من هؤلاء المستهزئين معروفة، قد ذكرها أهل السير والتفسير، وهم على ما قيل نفر من رؤوس قريش: منهم الوليد بن المغيرة، و العاص بن وائل، والأسودان بن المطلب وابن عبد يغوث، والحارث بن قيس" اهـ.
    ثم قال الشيخ سلمان:(وربما احتج بعضهم بالمعجزات والآيات والكرامات.
    والآيات حق، وكذلك الكرامات، ولكنها أمر خارق للسنة، مخالف لجاري العادة، فلا يقبل ادعاء مدعيها حتى يقع التحقق التام منها، وإلا لالتبس الحق بالباطل، واشتبه الأدعياء بالصادقين والأنبياء)اهـ
    كأن الشيخ سلمان شعر باعتراض بعض من يسميهم بالبسطاء والسذج عليه بأمر الكرامات فذكر ما ذكر، ولكنني أتساءل: الكرامة في هذه القصة المروية لمن؟
    هل نسبت لأحد الأدعياء الذين يريدون أن يمرروا باطلهم على الأمة بدعوى الكرامة حتى يقول الشيخ ما قاله ويكتب ما كتبه؟!
    أم هي كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمة الإسلام بأكملها ؟!
    وهل مثل هذه القصص التي هي من باب الترغيب والترهيب والرقائق وأخذ العبرة يطلب فيها التحقق التام كما يطلب عند نسبة قول أو فعل أو تقرير إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مما يثبت عقيدة أو حكما شرعيا؟!
    الجواب: لا[9]
    فهذا الجدل في ثبوت المعجزة أو الكرامة ، وإيهام أن القصة المذكورة أجنبية عن هذا الباب فلها حكم آخر وهي مما يستنكر وقوعه ؛ لا محل له هنا وهو تابع للكلام الإنشائي الكثير المذكور في المقالة والذي هو بحق لتخدير القاريء حتى لا يرى مشكلة في نوعية هذا الطرح والنقد الجديد والغريب في الأسلوب وفي التوقيت وفي مخاطبة الأخ لأخيه المسلم !
    ثم أسلوب الشيخ سلمان هنا في كلامه عن المعجزات والكرامات يذكرني بأسلوب الغزالي الذي انتقده الشيخ عليه في حوار هاديء، حيث قال:( وكذلك نجد الشيخ الغزالي في أكثر من موضع من كتبه يعلق على الكرامات وشيوعها وانتشارها ويسخر من أولئك الذين أدخلوا الكرامات والإيمان بها ضمن العقائد، وإن كان يصرح بأنه لا ينكرها جملة وتفصيلاً لكن عباراته في الهجوم على الكرامات والقائلين بها شديدة جداً) اهـ.
    فلله الأمر من قبل ومن بعد .
    ثم قال الشيخ:(ولذا كان السلف يقولون: هاتوا أسانيدكم، وفي التنزيل: "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ" [البقرة:111]. ولذا كان الأئمة يقولون: إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل).اهـ
    كلام لا غبار عليه، ولكن في أي شيء كان السلف يطالبون بالإسناد، هل في كل قصة تذكر للعبرة ولا تخالف كتابا ولا سنة ولا هي منسوبة للوحي كانوا يطالبون بالإسناد؟!
    الجواب قطعا: لا ، بل ما زال السلف والخلف يروون القصص التي فيها عبر من انتقام الله ممن سب دينه أو استهزأ بآياته ، أو سب رسوله وعندهم الكثير من القصص في مؤلفاتهم مرسلة بلا إسناد، ولا يرون في هذا عيبا أو نقصا أو غباء أو جهلا أو تخديرا لعقول البسطاء بل يرون فيها زيادة إيمان وتمسك بالدين يتبعه عمل ونصر لله، فينتصر عندها المسلمون،
    وسبق من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ما يؤيد ما ذكرته .
    وأيضا قد عقد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة فصلا ماتعا في كتابه الفذ " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" وذكر كلامًا هامًا حول الانتصار للنبي صلى الله عليه وسلم بما هو خارج عن العادة والمألوف وشواهد ذلك والقصص التي يرويها الناس في هذا وفائدتها فنذكره لأهميته ثم نعقب بما ييسر الله تعالى:
    قال رحمه الله:( فصل: النوع السابع: في كفاية الله له أعداءه وعصمته له من الناس وهذا فيه آية لنبوته من وجوه:
    منها: أن ذلك تصديق لقوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ) فهذا إخبار الله بأنه يكفيه المشركين المستهزئين ،
    وأخبر أنه يكفيه أهل الكتاب بقوله:( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) .
    فأخبره الله أنه يكفيه هؤلاء الشاقين له من أهل الكتاب وأخبره أنه يعصمه من جميع الناس بقوله تعالى:( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) فهذا خبر عام بأن الله يعصمه من جميع الناس فكل من هذه الأخبار الثلاثة العامة قد وقع كما أخبز وفي هذا عدة آيات:
    منها: أنه كفاه أعداءه بأنواع عجيبة خارجة عن العادة المعروفة)
    ثم ذكر رحمه الله شواهد كثيرة على ذلك فلتراجع فإنها مما يقوي الإيمان وتعصم المسلم من الخزي والهذيان، إلى أن قال رحمه الله:
    (ويدخل في هذا الباب ما لم يزل الناس يرونه ويسمعونه من انتقام الله ممن يسبه ويذم دينه بأنواع من العقوبات وفي ذلك من القصص الكثيرة ما يضيق هذا الموضع عن بسطه وقد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه من انتقام الله ممن يؤذيه بأنواع من العقوبات العجيبة التي تبين كلاءة الله لعرضه وقيامه بنصره وتعظيمه لقدره ورفعه لذكره وما من طائفة من الناس إلا وعندهم من هذا الباب ما فيه عبرة لأولي الألباب ومن المعروف المشهور المجرب عند عساكر المسلمين بالشام إذا حاصروا بعض حصون أهل الكتاب أنه يتعسر عليهم فتح الحصن ويطول الحصار إلى أن يسب العدو الرسول صلى الله عليه وسلم فحينئذ يستبشر المسلمون بفتح الحصن وانتقام الله من العدو فإنه يكون ذلك قريبا كما قد جربه المسلمون غير مرة تحقيقا لقوله تعالى : ( إن شانئك هو الأبتر ) ولما مزق كسرى كتابة مزق الله ملك الأكاسرة كل ممزق ولما أكرم هرقل والمقوقس كتابه بقي لهم لمكهم) اهـ باختصار من الجواب الصحيح 6/273-296 .
    فهذا الكلام واضح لا مزيد عليه، وأنه لم يزل السلف والخلف يذكرون من القصص والحكايات الكثير والكثير .
    ومن ذلكالقصة التي ذكرها الحافظ ابن حجر ونحوها، فلا نتعامل معها كتعاملنا مع الأحاديث، بل هي من باب الرقائق والمواعظ، ولا مخالفة فيها - لأصول الشّرع، ولا لسنن الله عزوجل في كونه، والله عزّ وجل قادر على تسخيرمخلوقاته، وفق حكمته البالغة، سبحانه وتعالى.
    قال الشيخ سلمان:( وقد علمنا يقيناً أن الكلاب خارج دائرة التكليف، وهي لا تسمع إلا نداء، كما قال ربنا سبحانه: "وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ"[البقرة:171].، وهي لا تعقل، فالعقل ميزة شرف الله بها الآدمي، وإن كان من الآدميين من يلغي هذه الموهبة أو يجور عليها أو يقتلها بالإهمال والتجاهل، أو يئدها بالاستسلام لكل مسموع، والتشرب لكل موضوع، والركض وراء الأوهام).
    هل قال أحد بأن الكلاب مكلفة أو تعقل كالإنسان؟!
    وهل من ذكر هذه القصة أشار من قريب أو بعيد إلى أنها مكلفة؟!
    وهل عدم تكليفها وعقلها كالبشر يمنع من أن يعاقب الله بها من شاء ممن سخر بدينه وسب نبيه؟!
    وهل عدم تكليفها ينفي أن يكون لها نوع إدراك يناسبها؟!
    وهل يستقيم هذا الكلام مع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على ابن أبي لهب الذي آذاه بأن يسلط عليه كلبا من كلابه ، فكان ما أراد وأكله أسد في بلاد الشام شم القوم حتى اخترقهم ووصل إليه وأكله- والحديث حسن كما تقدم-.
    وقد ذكرت فيما سبق قصة الذئب الذي تكلم بكلام بليغ بل وأمر بالخير وأخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن قطعا مكلفا ، ولم يدّع أحد ممن أثبت الحديث وآمن به أن له عقلا كعقلنا !!
    مع الجزم بأن للحيوان نوع إدراك بما يضره وينفعه، وبأن الله سبحانه سخر بعض المخلوقات لإعانة باغي الخير والدعاء له كدعاء النملة والحوت لمعلم الناس الخير وهذا مما صح به الحديث عند الترمذي وغيره .
    وكذلك: الانتقام من باغي الشر ومن استهزأ بدينه،
    ونزع من بعضها في حق من أراد الله إكرامهم نزع منها ما يضر في الأحوال العادية ، كالنار مثلا وقصة خليل الرحمن مشهورة معروفة ، بل وقد حدث مثلها في أمة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لأبي مسلم الخولاني رحمه الله في قصة مشهورة قل من لم يذكرها من أصحاب كتب الدلائل والتراجم والتاريخ، وذكرها شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه بمفردها ومع غيرها مما هو من الكرامات الظاهرة ، قال رحمه الله:( فما زال الناس في كل عصر يقع لهم من ذلك شيء كثير ويحكى ذلك بعضهم لبعض، وهذا كثير في كثير من المسلمين ... وهذه جيوش أبي بكر وعمر ورعيتها لهم من ذلك أعظم من ذلك: مثل العلاء ابن الحضرمي وعبوره على الماء كما تقدم ذكره فإن هذا أعظم من نضوب الماء ومثل استقائه ومثل البقر الذي كلم سعد بن أبي وقاص في وقعة القادسية ومثل نداء عمر يا سارية الجبل وهو بالمدينة وسارية بنهاوند ومثل شرب خالد بن الوليد السم ، ومثل إلقاء أبي مسلم الخولاني في النار فصارت عليه النار بردا وسلاما لما ألقاه فيها الأسود العنسى المنتبىء الكذاب وكان قد استولى على اليمن فلما امتنع أبو مسلم من الإيمان به ألقاه في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما فخرج منها يمسح جبينه وغير ذلك مما يطول وصفه .
    ومما ينبغي أن يعلم أن خوارق العادات تكون لأولياء الله بحسب حاجتهم فمن كان بين الكفار أو المنافقين أو الفاسقين احتاج إليها لتقوية اليقين فظهرت عليه كظهور النور في الظلمة ؛ فلهذا يوجد بعضها لكثير من المفضولين أكثر مما يوجد للفاضلين لحاجتهم إلى ذلك وهذه الخوارق لا تراد لنفسها بل لأنها وسيلة إلى طاعة الله ورسوله)[10]
    وقال ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية 6/156 :( قال البيهقي ... ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله عز وجل.
    قال البيهقي: هذا إسناد صحيح .
    قلت – القائل ابن كثير- وستأتي قصة أبي مسلم الخولاني واسمه عبد الله بن ثوب مع الأسود العنسي حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على الخليل إبراهيم عليه السلام، وقصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته بالرسالة لمحمد وبالخلافة لأبي بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان رضي الله عنهم ) ثم ذكر رواية البيهقي لقصة خارجة بن زيد وكلامه بعد الموت وذكر قول البيهقي عن القصة:( هذا إسناد صحيح وله شواهد ) اهـ.
    ثم ذكر ابن كثير رواية البيهقي للغلام الذي كلم النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيها:( جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول الله من أنا قال أنت رسول الله قال صدقت بارك الله فيك ثم قال إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، قال أبي: فكنا نسميه مبارك اليمامة)
    ثم قال ابن كثير – ولنقارن بين موقف الشيخ سلمان من القصة المذكورة وبين موقف ابن كثير هنا- :(قلت هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد بن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه استنطق ابن تلك البغى فقال له يا أبا يونس ابن من أنت قال ابن الراعي فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه) اهـ
    مع أن محمد بن يونس الكديمي هذا متهم ، بل قال الذهبي في ترجمته في المغني في الضعفاء 2/ 646:(محمد بن يونس الكديمي القرشي السامي، الحافظ، هالك ، قال ابن حبان وغيره: كان يضع الحديث على الثقات) اهـ
    ولكن لما كان الكلام في هذا الحديث لاستغرابه عقلا ؛ أو على الأقل سيوهم ذلك؛ رد ابن كثير رحمه الله بما رد به مما ينفي توهم عدم وقوع مثل ذلك أو استنكاره، وهذا من فقهه ، وذكر أن هذا مما لا ينكر عقلا ولا شرعا وذكر شواهد ذلك .
    مع أن الكلام هنا في حديث مرفوع منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، وليس في قصة كقصتنا هذه!
    وهذا ما كان ينبغي أن يفعله الشيخ سلمان حتى لو أراد تضعيف هذه القصة أو ردها من جهة الإسناد، فكان الأولى به ذكر أن القصة ليست مما يستغرب ولا يستنكر عقلا ولا شرعا ثم إن أراد بيان ضعفها فلا بأس، أما أن يهجم هذا الهجوم موهما أن القصة مستنكرة وموهما إستحالة وقوعها وأنها من الأساطير فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن تضعيف القصة واستغرابها خارج عن نطاق المسلك العلمي وإنما هو لشيء آخر !
    ثم ذكر الشيخ قصة الإسراء وتصديق الصديق رضي الله عنه لها واستنبط منها فائدة عجيبة ، فقال:( الصديق إذاً هو من يصدق بالوحي النازل من السماء، وليس من تتراكم على عقله غرائب الأخبار من كل وضاع ودجال؛ فيتجرعها كالسم حتى ينبت عليها جسده، ويمضي عليها عمره، وتصبح أساساً في ثقافته ومعرفته، وتلتبس عنده معالم دينه! ) .
    عدنا إلى حشر المسلم في خيارين لا ثالث لهما عند الشيخ كما ذكر من قبل أنك بين التصديق بالقرآن أو المتواتر أو بين الدجل والخرافة أو نحوا من هذا كما سبق،
    وهنا جعل الناس أحد رجلين وأثبت وصف الصديق لأحدهما ثم صب العذاب على الآخر:
    فالصدّيق هو من يصدق بالوحي ، فهل من صدق بقصة رواها ثقة أو ذكرها من يغلب على ظنه أنها مقبولة عنده ، أو رواها للعبرة مع خفة سندها إن وجد ، أو ذكرها وإن لم يوجد لها إسناد، مع عدم مخالفتها كما قلنا مرارا لكتاب أو سنة أو إجماع ، هل هذا ينفى عنه صفة الصديقية، وينقلب إلى من يتجرع السم ...إلخ ؟
    وما أساس حكمه على هذه القصة بأن راويها وضاع دجال؟!
    وهل هذا الوضاع الدجال سيورده الحافظ ابن حجر في كتاب سماه" الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" ويذكر له حكاية موضوعة ويسكت عنها ؟!
    مع قرب عهد الحافظ ابن حجر برواة القصة، فقد قال رحمه الله في مقدمة كتابه الدرر الكامنة، الذي ذكر فيه هذه القصة ، واصفا إياه ، مبينا شرطه في الكتاب:( أما بعد فهذا تعليق مفيد جمعت فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الهجرة النبوية من ابتداء سنة إحدى وسبعمائة إلى آخر سنة ثمانمائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء والكتاب والوزراء والأدباء والشعراء وعنيت برواة الحديث النبوي فذكرت من اطلعت على حاله وأشرت إلى بعض مروياته إذ الكثير منهم شيوخ شيوخي وبعضهم أدركته ولم ألقه وبعضهم لقيته ولم أسمع منه وبعضهم سمعت منه)[ الدرر الكامنة 1/4 ].
    وسكوت ابن حجر يغلب على الظن تصحيحه للقصة وهذا معروف عنه حتى في الأحاديث النبوية، فقد قال رحمه الله في مقدمة كتابه العظيم فتح الباري:
    (فإذا تحررت هذه الفصول وتقررت هذه الأصول افتتحت شرح الكتاب مستعينا بالفتاح الوهاب فأسوق إن شاء الله الباب وحديثه أولا ثم أذكر وجه المناسبة بينهما أن كانت خفية ثم أستخرج ثانيا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والاسنادية من تتمات وزيادات وكشف غامض وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك منتزعا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك) [هدي الساري مقدمة فتح الباري ص/6 ، بتحقيق وتعليق الشيخ عبد القادر شيبة الحمد] .
    ثم إن القصة مذكورة عن إبراهيم بن محمد بن سعيد الطيبي، جمال الدين السفار المعروف بابن السواملي ، قال الصفدي في الوافي بالوفيات 6/89 ، و تبعه ابن حجر في الدرر الكامنة 1/59-60:" وكان ينطوي على دين وكرم وبر واعتقاد في أهل الخير" . وقد توفي سنة 706 هـ
    ورواها عنه معاصره علي بن مرزوق بن أبي الحسن، زَين الدِّين، السلامي،أصله من الموصل توفي سنة 720 هـ .
    وعهد الحافظ ابن حجر بالقصة قريب فليس بينه وبين الراوي مفاوز بل سبق التصريح عنه في المقدمة بأن معظم من ترجم لهم من شيوخه أو شيوخ شيوخه، فيبعد وجود وضاع فيها، مع اختيار ذكره لها في كتاب يتداوله العلماء وسكوته عليها، هذه كلها قرائن تقوي القصة أو على الأقل تسوغ ذكرها والاستشهاد بها والله أعلم ، مع تأكيدي على أن رد الشيخ لها لا يتعلق بالإسناد وإنما ذكر الإسناد من باب مساعدته على بيان مقصوده من رد القصة،
    ثم أن كان ردها حقا لإسنادها فسؤالي: كيف حكم الشيخ بوضعها ؟!
    لاسيما ولا يوجد في متنها ما يستغرب أو يستنكر بل لها شواهد صحيحة تؤكدها، بل ويوجد من الثابت ما هو أغرب وأعظم مما ذكر فيها !
    بل ولم يطلع الشيخ على سندها كما ذكر !!
    ثم قال الشيخ:( إن هذا العقل الأسطوري الذي لا يميز بين حق وباطل هو المسؤول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين، وغياب التفكير السليم، وضعف التحليل الموضوعي، وتراكم الأخطاء والسلبيات دون علاج، وكيف لنا أن نصحح أو نخطط أن نبني حضارة أو نؤسس مجداً إذا كانت العقول فاسدة والبصائر كليلة، وطرائق التفكير والنظر متردية، لماذا نهادن تسلل الحكايات الوهمية إلى عقول العامة، بل عقول الشباب والطلاب والمتعلمين، الذين يظنون أحياناً أن التصديق أولى على سبيل الاحتياط، ولا يدرون أن التصديق بالباطل مثل التكذيب بالحق).
    أي أسطورة وأي باطل في ذكر مثل هذه القصة ؟!
    وأي خلط بين الحق والباطل في هذا ؟!
    وأي خرافة هذه التي احتوتها هذه القصة وساهمت في نشر مثيلاتها في المجتمع المسلم؟!
    وهل حقا عقل من يذكر مثل هذه القصة وإن كان مثل الحافظ ابن حجر هو المسئول عن انحطاط المجتمع وتخلفه ...إلخ ؟!
    إنا لله وإنا إليه راجعون، لا زلت متعجبا من حشد كل هذه التهم والحط من قدر أفاضل ذكروا مثل هذه القصة، وكأن فيها نوعا من الشرك أو نشرا لزندقة ، بل إنني لم أسمع أو أقرأ للشيخ نقدا لباطل مما يراه أو يسمعه من حوله في واقعنا المعاصر مثل هذا من قبل !!
    وهل حقا من يصدق بهذه القصة يكون مصدقا بالباطل وشبيها لمن كذب بالحق، وفي هذا من الغلو والتحامل ما لا يخفى.
    وهل من نشر هذه القصة ونحوها هم أسباب ما نحن فيه من تخلف وإنحطاط، وهم عوائق التقدم والحضارة ...إلخ ما ذكره الشيخ ؟!
    هل توصيف الشيخ لآفات واقعه هكذا بهذا الأسلوب وبهذا التحامل ومجافاة الحقائق التي هي سبب تخلفنا بحق ، وتمريرها دون نقد أو تعليق ! ، هل هذا مما يساهم في بناء عقل واع ، وجيل متحضر متقدم ، وجيل يؤسس مجدا ويبني حضارة ؟!
    أم أن هذا التوصيف القاصر يؤسس جيلا ساذجا متحاملا على إخوانه متغافلا عن أعدائه الحقيقيين ، وعن أسباب ما نحن فيه من فساد وشيوع للمنكرات ، وكبت لكل صوت لا أقول ينادي بالإصلاح – فالزاعمون للإصلاح كثيرون- ولكن لكل صوت ينادي بإقامة الدين كما أنزله الله ، والتحاكم إليه في كل كبير وصغير ، ونبذ موالاة أعداء الدين الحقيقيين من أهل الشرك والبدع ، وأهل النفاق والشقاق!!
    ألم ينعَ الشيخ قديما على من كانوا ينصحون بالتأني في طرح بعض الموضوعات التي يمكن أن تجر الدعوة إلى ما لاتحمد عقباه – وقد حدث هذا فعلا- ألم يرد عليهم قائلا:( (وأيضاً من أخطائنا في التفكير -وهذا باب آخر لكن لأن له علاقة بالاختلاف الذي يقع أحياناً بسبب اختلاف المواقف الفكرية- من ذلك: المبالغة في النتائج والإلزام بما لم يلزم؛ فتجدنا أحياناً إذا حصل شيء يتعلق بالدعوة رتبنا عليه نتائج عظيمة؛ مثلاً: إذا خطب فلان خطبة معينة، وقد يكون صريحاً في هذه الخطبة، ووضع النقاط على الحروف، تجد أننا هولنا وقلنا: الصحوة وهذا يضر الأمة ويضر الدعوة وستقع فتن ومشاكل وقيل وقال!)
    أليس ما عابه الشيخ هنا على من ذكر القصة أو نشرها أو صدق بها هو نفسه ما ذكره فيما نقلته عنه، وكان ينهى عنه قديما ؟!!
    ثم قال:( ومن أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل ، أو أن العلم نقيض الدين.
    لا يحل للمصلحين والدعاة والمرشدين أن يهادنوا عقول البسطاء أو يداهنوها، نعم سيظل في الناس أوباش لا يعقلون، لكن الخطب الفادح أن تكون هذه هي الثقافة المهيمنة التي تضغط على عقول الناشئة، وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطاً بترهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية.أمانة الديانة تحتم علينا أن نقدس الإيمان الحق المجرد، وأن نحذر من اللحوقيات والإضافات الأسطورية المتلبسة به، والله أعلم ) .
    إن كان الشيخ يقصد أن العقل يحيل مثل هذه القصة وأشباهها فيلزمه نفي المعجزات والكرامات الثابتة لأنها العقل لا يثبتها، وأؤكد على أن المشكلة هنا والاعتراض من الشيخ على هذه القصة وأمثالها يظهر أنه ليس لعدم وجود إسناد لها، بل لأن عقول الأمم الأخرى ستهزأ بنا ، والعلمانيون من بني جلدتنا سيسخرون منا !
    والعلم الذي حشره الشيخ في الموضوع هنا لا أدري ما محله من الكلام ، فلا دخل له في كلامنا، وليس حاكما على شيء من الشرع ، وإلا فإن العلم الذي ذكره لا يثبت شيئا من المعجزات أو الكرامات، ومعلوم تخبطه في أمور الغيبيات والشيخ نفسه كانت له ردود على هذا قديما ، بل ذكر في حواره مع الغزالي مدى انحراف ما يسمى بالمدرسة العقلية وكان مما قاله: ( الميل إلى تضيق نطاق الغيبيات ما أمكن، وذلك تأثرا بالتيار المادي الذي يسود الحضارة المعاصرة، ومن هنا جاء إقحام العقل في المسائل الغيبية، وتأويل الملائكة والجن والشياطين... وعند غلاة العقلانيين نجد تأويل الصلاة والزكاة والصوم والحج).
    ففي رده على الغزالي قديما جعل الحضارة المعاصرة سببا من أسباب إنحراف العقلانيين وأنها لا تجتمع عندهم مع الدين والغيب فاختاروا تأويل الدين مراعاة لها ،
    ثم هو هنا حديثا يقول: (وتجعل الجيل في خيار ما بين الإيمان الموروث مخلوطاً بترهات ما أنزل الله بها من سلطان، وبين العلم الحديث والحقائق المادية) .
    فيجعل الحقائق المادية لا تتعارض إلا مع الإيمان الموروث مخلوطا بترهات ...إلخ
    فهل هذا الجزء من الإيمان بالغيبيات أصبح عند الشيخ من الترهات لأنه يتعارض مع الحقائق المادية؟!
    والجيل فعلا في خيار ولكن بين الإيمان الصحيح النقي الذي تركه العقلانيون إيثارا لماديتهم وبين ما يسمى بالحقائق المادية والتي تنكر الغيبيات والمعجزات وتضيق نطاقها كما سبق في نقد الشيخ للعقلانيين قديما .
    ثم كأن هذا الخطاب في كلام الشيخ ليس لنا نحن بل لمن اطلع على القصة من المفكرين العقلانيين أو من الغربيين، فهو نوع طمئنة لهم بأن منهجنا لا يحمل مثل هذه الموروثات والأساطير كما يسميها الشيخ !
    قال الشيخ:( والأئمة قد يترخصون في إيراد حكايات بأسانيدها في مصنفاتهم لأن التبعة على الراوي، ويقولون: من أسند فقد سَلِم، خاصة وهي دواوين علمية متخصصة يتعاطاها الفقهاء والعارفون، أما أن تنشر مثل هذه الروايات وتذاع ويستكثر منها، فهو توهين لجانب التكليف، وإزراء بخصوصية الإنسان، وتسلط لأعداء الملة ، وقد وقفت مراراً على أقصوصات من هذا القبيل ينشرها الوعاظ غافلين، وإذا تتبعت مصدرها وجدتها من وضّاعين أو ساخرين، وقد روى أحدهم قصة الميت الذي نبش قبره فوجد مصروفاً عن القبلة، وبالسؤال عنه تبين أنه مدخن (!!) وتحريت بنفسي عن القصة فوجدتها من وضع عيّار مدخن).
    أي روايات هذه التي يتكلم عنها الشيخ؟! وأي توهين لجانب التكليف في مثل هذه القصة؟!
    هل يظن الشيخ أن من ذكروا هذه القصة سيخرجون على الناس ويقولون لهم: لستم مكلفين بنصرة دينكم والذب عن نبيكم، وسيرسل الله لكم كلبا بل كلابا تأكل من أساء للنبي صلى الله عليه وسلم ولا بأس عليكم، وهنا تنهال الجموع بالتصفيق والتكبير، مستبشرة منتظرة خروج الكلب ليفعل ما لم تفعله هي !!!
    الشيخ – غفر الله لنا وله- يستخف بغيره أيما استخفاف ، وهذه القصة بالذات التي قال في حق من ذكرها كلاما مستبشعا ، قد ذكرها فضلاء في كتب لهم وفي مواقع لهم وهم من أعقل الناس ولله الحمد ومن أثبتهم على الحق في زمن التلون والتراجعات، ومن أكثرهم ذبا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأعرف منهم من يفديه بنفسه وأهله وماله ، ومن لا يكل ولا يمل في الدعوة إلى الله ليل نهار، بعلم وبفقه وبعدل ، فلا يجدر بالشيخ أن يستخف بإخوانه هكذا، ولا أريد أن أذكر هؤلأ الفضلاء بأسمائهم حتى لا يظن أحد أن هذا من باب التحريش وإثارة النفوس، وهم ذلك لا يحبون الظهور ، وأسأل الله أن يثبتهم، وإن كان الشيخ يتهمهم بالسذاجة والبساطة، و يستضعفهم فأحسبهم ممن ينطبق عليهم ما رواه البخاري في صحيحه(رقم2896) بسنده عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ " .
    وسعد رضي الله عنه هو من هو ، فكيف بغيره ؟!
    ثم هو يقول :( والأئمة قد يترخصون في إيراد حكايات بأسانيدها في مصنفاتهم لأن التبعة على الراوي، ويقولون: من أسند فقد سَلِم)
    فعلى من سيلقي الشيخ بتبعة إيراد القصة المستنكرة عنده إذا كان الحافظ ابن حجر قد ذكرها بدون إسناد؟!
    وهل الحافظ ابن حجر لم يسلم في رأي الشيخ لأنه لم يسند القصة؟!
    وهل الحافظ ابن حجر داخل فيمن ذكرهم هنا بأوصاف بشعة أم لا؟!
    وإذا لم يدخله في ذلك فكيف يخرجه منهم وهو من ذكر القصة ومهد لنشرها ولم ينتقدها بشيء؟!
    أما القصة التي ذكرها عن المدخن ...إلخ فلا فائدة من ذكرها هنا أو التعليق عليها ، فهذه في وادٍ وقصتنا وكلامنا في وادٍ آخر.
    ثم ختم الشيخ قالته بقوله:( لا يجوز أن يكون الإيمان بإمكان حدوث الكرامات سبباً في تمرير أي حكاية أو رواية من منطلق أنه يجوز أن تكون من الكرامات، فالكرامات لها أسبابها وطرق إثباتها، وليس يتعين في التكليف الشرعي إلا أن يؤمن المرء بما ثبت في الكتاب والسنة، أما تسارع الناس إلى تصديق الغرائب فهو من جهالات العامة وتسرعهم، وصدق الله إذ يقول: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ" [الزمر:9]. جعلنا الله من العالمين ومن ذوي الألباب.)
    لم يقل أحد أنه يجب عليكم أن تؤمنوا بهذه القصة ولو صحت، كما أنه لا يجوز أن تقول لأحد: لا يجوز لك أن تصدق بكرامات لم تثبت في الكتاب أو السنة، إذ هذا سد ونفي لكرامات كثيرة ثبتت للصحابة ومن بعدهم وليست مذكورة في كتاب ولا سنة ، وإنما هي تابعة لإيمانهم وتأييد لتمسكهم بالحق .
    ونفي الشيخ لجواز ذكر قصة أو حكاية ليس فيها مخالفة شرعية وإنما تشهد لها الشواهد الشرعية الثابتة لم يقل به أحد من العلماء، وكيف يحرم نقل قصة ولو ضعيفة في باب هو أقرب ما يكون إلى الترغيب والترهيب، ولا محظور شرعي في ذكره ، من قال هذا ؟!
    وأما قول الشيخ:( وليس يتعين في التكليف الشرعي إلا أن يؤمن المرء بما ثبت في الكتاب والسنة) وإنما ذكر يتعين حتى إذا عورض من أحد بأنه يجوز أو يستحب قال: إنما ذكرت الوجوب، مع أن سياق كلامه يدل على تضييق باب الكرامات والاقتصار على القرآن والسنة.
    ثم ليست العبرة بكون الشيء غريبا أو مألوفا حتى نصدقه أو نكذبه بل العبرة بمدى شهادة الشرع له بالقبول أو الرد، وإلا فكل المعجزات والكرامات هي من الغرائب الخارجة عن سنن العادات.
    والحكايات أو الروايات يجب أن تعرض على الشرع قبل روايتها فما لم يكن فيها مخالفة للشرع ، فلا بأس بحكايتها سواء أكانت من باب الكرامات أو من غيرها ، وحتى الاحتياط الذي نفاه الشيخ هنا في قوله (من منطلق أنه يجوز أن تكون من الكرامات) قد أقره العلماء ، كما سبق في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأعيد بعضا منه مرة أخرى لفائدته، قال رحمه الله:
    (فَمَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَأَنْوَاعُهُ إذَا رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ جَازَتْ رِوَايَتُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ بِمَعْنَى : أَنَّ النَّفْسَ تَرْجُو ذَلِكَ الثَّوَابَ أَوْ تَخَافُ ذَلِكَ الْعِقَابَ كَرَجُلِ يَعْلَمُ أَنَّ التِّجَارَةَ تَرْبَحُ لَكِنْ بَلَغَهُ أَنَّهَا تَرْبَحُ رِبْحًا كَثِيرًا فَهَذَا إنْ صَدَقَ نَفَعَهُ وَإِنْ كَذَبَ لَمْ يَضُرَّهُ ؛
    وَمِثَالُ ذَلِكَ: التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ بالإسرائيليات ؛ وَالْمَنَامَاتِ وَكَلِمَاتِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ ؛ وَوَقَائِعِ الْعُلَمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ بِمُجَرَّدِهِ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ؛ لَا اسْتِحْبَابٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُذْكَرَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ ؛ وَالتَّرْجِيَةِ وَالتَّخْوِيفِ .
    فَمَا عُلِمَ حُسْنُهُ أَوْ قُبْحُهُ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ وَسَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا فَمَا عُلِمَ أَنَّهُ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يُجَزْ الِالْتِفَاتُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ أُثْبِتَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ رُوِيَ لِإِمْكَانِ صِدْقِهِ وَلِعَدَمِ الْمَضَرَّةِ فِي كَذِبِهِ وَأَحْمَد إنَّمَا قَالَ : إذَا جَاءَ التَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ تَسَاهَلْنَا فِي الْأَسَانِيدِ .
    وَمَعْنَاهُ : أَنَّا نَرْوِي فِي ذَلِكَ بِالْأَسَانِيدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثُوهَا مِنْ الثِّقَاتِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِهِمْ . فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُعْمَلُ بِهَا فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ إنَّمَا الْعَمَلُ بِهَا الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مِثْلَ التِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالِاجْتِنَابِ لِمَا كُرِهَ فِيهَا مِنْ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : { بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ } فَإِنَّهُ رَخَّصَ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُمْ وَمَعَ هَذَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي التَّحْدِيثِ الْمُطْلَقِ عَنْهُمْ فَائِدَةٌ لِمَا رَخَّصَ فِيهِ وَأَمَرَ بِهِ وَلَوْ جَازَ تَصْدِيقُهُمْ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ لَمَا نَهَى عَنْ تَصْدِيقِهِمْ ؛ فَالنُّفُوسُ تَنْتَفِعُ بِمَا تَظُنُّ صِدْقَهُ فِي مَوَاضِعَ ... فَالْحَاصِلُ : أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُرْوَى وَيُعْمَلُ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَا فِي الِاسْتِحْبَابِ ثُمَّ اعْتِقَادُ مُوجِبِهِ وَهُوَ مَقَادِيرُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ ). اهـ من مجموع الفتاوى 18/65 وما بعدها .
    وقبل أن أختم كلامي أذكر بأمور:
    منها: أن نقدي هذا ليس لإثبات القصة المذكورة أو نفيها وإنما هو لبيان أن الشيخ لم يوفق في نقده لهذه القصة وفيما أرساه من أمور قد يعتبرها معالم لمنهج يرسخه عند الشباب في تلقي الأخبار، وفيه من التلبيس والخطأ ما فيه.
    ومنها: أن نقد الشيخ يتنافى مع أطروحاته التي يؤكد عليها في كل مناسبة يتكلم فيها وهي آداب الحوار وفقه الاختلاف وعدم المسارعة بالإنكار لا سيما في المسائل الاجتهادية ، وعذر المخالف، وسعة الأفق ورحابة الصدر (فأما سعة الأفق العلمي فهي تجعل القارئ والمتلقي قادرا على مناقشة هذه الآراء وأخذ ما يناسب منها وترك ما هو ضد ذلك برحابة صدر وسعة أفق، وأما سعة الأفق الخلقي فهي تضمن للمخالف أن يحترم مخالفه في الرأي فلا تطيش سهامه، فينتقصه أو يحط من قدره أو يرميه بتهم لا يملك دليلا عليها، بل يحفظ له قدره وكرامته وإن خالفه في الرأي ما دامت المسألة مسألة رأي واجتهاد، ولذلك فإن من الوفاء لهذا المنهج الشرعي الصحيح أن تناقش الآراء وفق مسلك صائب) اهـ من كلام الشيخ سلمان.
    وإذا كان الشيخ سلمان قد كتب وناقش ورد واغتم لما أسماه: (كلب ينهش عقولنا) فمن حقنا أننقلق وأن نناقش وأن نرد على (نقد ينهش عقولنا) لاسيما إذا جانب الصواب ، ومارس الوصاية ، وسفه الرأي المخالف لما يظنه صوابا .
    وأسأل الله سبحانه أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
    --------------------------------------------------------------------------------
    ([1]) من محاضرة للشيخ سلمان بعنوان: (قواعد في توحيد الكلمة) .
    ([2]) من المحاضرة السابقة نفسها .
    ([3]) من محاضرة (قواعد في توحيد الكلمة) .
    ([4]) من محاضرة (قواعد في توحيد الكلمة) للشيخ سلمان.
    ([5]) رواه الإمام أحمد(رقم 11383، 11431) وسنده صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم و هو ثقة اتفاقا , و أخرج له مسلم في المقدمة ، وصححه ابن حبان والحاكم ثم الألباني كما في السلسلة الصحيحة (رقم122).
    ([6]) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 7/1257
    ([7]) حلية الأولياء 7 / 74 .
    ([8]) رواه الحاكم في "المستدرك" (كتاب التفسير، تفسير سورة أبي لهب، 2/588)، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة )) (2/585/رقم380)، والبيهقي في ((دلائل النبوة )) (2/338) وقال الحاكم : "صحيح الإسناد"، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وَهُوَ حَدِيث حَسَن. اهـ قلت فلعل لهذا أورد الحافظ القصة المذكورة ولم يستغربها فهي ليست جديدة ولا مستحيلة بل من جنس ما وقع والله أعلم .
    ([9]) راجع كتاب أكرم العمري وكتاب منهج تدوين التاريخ ونحوه .
    ([10]) باختصار يسير من منهاج السنة 8/203 .
    رابط الموضوع:
    http://www.islammemo.cc/zakera/drasa.../28/64648.html

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    1

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    جزاك الله خيرا يا أبا عمرو .. وأرجو من الأخوة قراءة المقال وقراءة الرد عليه بإنصاف وبدون أحكام مسبقة .. والله الهادي إلى سواء السبيل

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Mar 2008
    المشاركات
    670

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    انكار الشيخ سلمان لهذه القصة ليس فيه ما هومنكر كأنه انكر ثابت من ثوابت الاسلام والله المستعان
    نريد نقد علمي لما كتبه الشيخ سلمان
    مسالة الكلب الذي هاج على من سب النبي صلى الله عليه وسلم اين كان المسلمون انذاك؟ يسب النبي فلا يدافع عنه احد الا الكلب ؟
    اما بعض الامور فهناك امور منكرة ذكرها كبار العلماء في بعض التراجم ولا تصح اذكر لكم مثال ذكر احد العلماء ان احدهم حج 100 مرة واعتمر مئة مرة وسن هذا الرجل لم يبلغ مئة سنة فهل اصدق هذه القصة؟ مع ان من ذكرها امام من ائمة المسلمين فانكاري للقصة ليس طعنا في صاحب الكتاب وفي من في السند
    اخواني بارك الله فيكم لا نتسرع في الحكم

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    256

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    الإنكار على الشيخ العودة لا يتناول -فقط- إنكاره للقصة؛ لأن هذا مما يسوغ فيه الخلاف إن كان استنكاره بناءًا على قواعد النقد الحديثية -مع أنه لا يظهر أن في متن القصة ما يُستنكر- .
    ولكن طريقة الشيخ في السخرية والإنكار على مخالفيه أحرى بالاستنكار.
    وفي رابط المقال الأصلي ردٌّ منصف من الشيخ خالد أبا الخيل، فليراجع.
    { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (البقرة: 235)

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    256

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    تعقيباً على مقالة فضيلة الشيخ د/ سلمان العودة المنشور في هذا الموقع المبارك ، وكان عنوانه : (كلب ينهش عقولنا) ، والذي كتبه الشيخ حفظه الله تعليقاً على قصة التتري الذي سبّ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهاج عليه كلب مربوط وخمشه، وخلصه الحاضرون منه بعد جهد جهيد، ثم عاد أخرى فنال من النبي- صلى الله عليه وسلم- فقطع الكلب رباطه ووثب على عنقه، وقلع زوره في الحال، ومات الرجل من فوره. وقد خلص الشيخ في ختام المقال إلى إبطال هذه القصة ، ولي على مقال فضيلته بعض الملاحظات العلمية، أجملها في النقاط التالية :

    1ـ أن الشيخ بدأ مقالته بتضعيف القصة من ناحية الراوية ؛ فقال : إن راويها ـ يقصد راوي القصة ـ لم يذكر ابن حجر عنه إلا أنه كان يتعاطى التجارة ... ثم قال : "ولم يذكر ابن حجر عن ذلك المترجم إلا هذه القصة فحسب، وكفى بذلك دليلاً على نكارتها وإغرابها".

    ويمكن هنا أن أسجل هنا هذه الملاحظة المهمة: وهي أن الشيخ حاول أن يضعف القصة لكنه وقع في (الدور المنطقي)! فهو ضعف القصة لأن راويها ليس له إلا هذه القصة ، والراوي ضعيف لأنه روى هذه القصة ! وهذا من شأنه أن يبطل الحكم الذي انتهى إليه فضيلة الشيخ .

    2ـ ظاهر من بداية المقال أن الشيخ يرفض هذه القصة جملة وتفصيلاً ، وذلك ليس لضعف سندها، وإنما لأنها تنافي العقل، وهي كما أشار داخلة في باب الأساطير والخرافات!! وأنا هنا لم أعرف ماهية هذا العقل المعياري الذي يحاكم الشيخُ الخبرَ إليه؟! فإن كان عقل الشيخ هو المعيار فأنا بعقلي ـ مثلاً ـ أخالفه في هذا ! فالمسألة إذن نسبية ! فما يراه فضيلة الشيخ غير صحيح عقلاً فأنا وآخرون نراه سائغاً عقلاً !!

    3ـ أما بالنسبة لغرابة متن هذه القصة ، فلا أرى أي غرابة في هذا ، ,وإذا كان من مذهب أهل السنة التصديق والقبول بكرامات الأولياء ، فإن هذا ليس بغريب ، والتفكيك العقلي الذي مارسه الشيخ تجاه هذه القصة يلزمه أن يطرده على كثير من الكرامات الثابتة ؛ لأنها تستحيل عقلاً ! وهذه القصة ليست بأعجب من قصة أبي مسلم الخولاني ، لما قال له الأسود العنسي المتنبي : أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع ! قال : أتشهد أن محمداَ رسول الله؟ قال : نعم ، فأمر بنار فأوقدت له وألقي فيها فجاءوا إليه، فوجدوه يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً ، فقدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وأخذه عمر فأجلسه بينه وبين أبي بكر وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم ... وهذه القصة رواها أبو نعيم في الحلية 2 /129 ،وذكرها ابن حبان في صحيحه 2/338 ، وقد أثبتها شيخ الإسلام بن تيمية في عامة كتبه ، كالفتاوى والنبوات، ومنهاج السنة . وغيرها.

    إذن؛فهذه القصة لا تقل غرابة عن قصة الكلب المشار إليها؛ لأن من خاصية النار طبيعة الإحراق فلم تحرق هذا الرجل الصالح! وذلك لأن الله نزع منها هذه الطبيعة. وكذلك قصة هذا الكلب ، فإن الكلب يدرك ـ بما أودع الله فيه من إدراك ـ ما يضره وما ينفعه ، ولكنه ليس عنده من العقل ما يقوم به التكليف ، وليس بمستحيل أن يودع الله فيه عقلاً آنياً يعرف به مقاصد الأمور ومآلاتها ،فلذا فعل هذا الفعل وانتقم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ..

    وأخبار الكرامات التي تحصل لأولياء الله كثيرة ومشهورة ، ومن ذلك مثلاً : قصة البقر الذي كلم سعد بن أبي وقاص في وقعة القادسية ، ومثل نداء عمر يا سارية الجبل وهو بالمدينة وسارية بنهاوند، ومثل شرب خالد بن الوليد السم ، ونحو ذلك ، ولم يزل أهل العلم يتناقلون مثل ذلك، ولم أر أحداً منهم من نفى مثل هذه لكونها لا تستقيم من الناحية العقلية . بل حتى المعتزلة لم ينفوا كرامات الأولياء لأجل استحالتها عقلاً ، وإنما لأنهم يرون أن آية برهان نبوة النبي هو خرق العادة ، فإذا أثبتنا الكرامة للأولياء فإن النبوة تكون مشتبهة وليس عليها دليل واضح ! وطبعاً هذا غير صحيح؛ لأنه مبني على أصل فاسد .

    فإذا كان هذا يسوغ حصوله لغير الأنبياء ، فما الذي يمنع أن يحصل للأنبياء ولو بعد موتهم؟! فلربما كان هذا من تكريم الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد موته.

    4ـ حاول الشيخ أن يوظف القصة لناء مشهد كوميدي مضحك يمكن معه هدم هذه القصة وإثبات بطلانها ، فقال : "هذا التصفيق الحاد لكلب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل، حتى يقول كثيرون: كلب ينتصر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكيف لا ننتصر له نحن؟، حتى الكلاب تغضب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الكلاب أشد منا حباً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويضيف آخرون قصة كلبٍ آخر فقيه في السنة (!!) ولكنه عقور مرّ به شاب ذاهب إلى الصلاة بالغلس فوقف الشاب، فقال له الكلب: جز يا أبا عبد الله، فإنما أمرت بمن يشتم أبا بكرٍ وعمر! الكلب أصبح داعية يسلم بسببه أربعون ألفاً في مجلس واحد ! وأخشى أن يتفاقم الأمر وندخل في دوامة تصنيف الحيوانات إلى أسماء ومجموعات وانتماءات طائفية وحزبية لنمعن في المهزلة ونصبح مسخرة لأمم الأرض، ولا حول ولا قوة إلا بالله!"

    وما ذكره الشيخ هنا لا يقوى على إبطال هذه القصة ، وهي محاولة غير متماسكة علمياً،فكل يستطيع أن يصنع مثل هذا المشهد أو أكثر سخرية منه حول ماثبت صحته باليقين والقطع ، لكن يبقى المنهج العلمي هو الحد الفاصل في ثبوت الأخبار من عدمها .

    5ـ في آخر المقال حاول فضيلة الشيخ أن يحاصر القارئ ، بل خنقه وأخذ بتلابيبه وجعله بين خيارين لا ثالث لهما : فقال " وكأننا أمام نص قرآني، أو حديث متواتر، وكأن هؤلاء الناس غابت عندهم الفوارق بين الغيب المحقق المقطوع به، وبين الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب" .

    فالشيخ هنا جعل كل الأخبار تقع بين فرضيتين : الأولى : تكون من جنس الغيب المقطوع به ، والثانية : الأساطير والخرافات والأوهام والأكاذيب . (وأرجو أن يلاحظ القارئ كثرة المترادفات في الفرضية الثانية ! )

    ولا أدري لم شطب الشيخ هنا المنطقة الوسطى التي تقع بين الغيب المقطوع به ، وبين الخرافات والأكاذيب ؟! أليس هناك بعض الأخبار والقصص الصحيحة التي يسوغ تصديقها، وهي ليست من الغيب المقطوع صحته وليست من الخرافات والأساطير ؟!

    إذن ـ في اعتقادي ـ وإن كانت هذه المحاولة ذكية من الشيخ في الالتفاف على القارئ وإقناعه بقبول الفكرة لكنها تبقى كسابقتها محاولة غير علمية وغير موضوعية .

    6ـ في آخر المقطع السابق وصف الشيخ من يصدق مثل هذه القصص بثلاثة أوصاف:(الغباء والجهل والتغرير) ، وقد جاء ذلك في المقطع التالي حينما قال : "وما أسهل أن ينبري إذاً عدو للإسلام يضع مثل هذه الحكايات وينشرها فيتلقفها الأغبياء والجهلة والأغرار، ويحامون عنها محاماتهم عن أصول الدين، ويجعلونها فيصلاً بينهم وبين مخالفيهم، فعنوان الإيمان عندهم هو أن يكون عقلك مغيباً مخدراً معزولاً عن الفهم والتحقيق والتأمل والنظر، وأن تسلم بالغرائب والمنكرات من الأخبار!" .

    وليسمح لي فضيلته بأن أختلف معه هنا أيضاً ؛ لأني رأيت الكثير ممن صدق هذه القصة ، وهو ليس بغبي ولا جاهل ، ولا أعرف أحداً غرر به ! بل قبلها بناء على معطيات علمية توفرت لديه ولم تتوفر لغيره .

    وهذا المقطع من المقال ـ بالتحديد ـ يكشف لنا المناخ السيكولوجي الذي كتب به الشيخ مقالته!

    7ـ في تقديري أن الشيخ لم ينجح في صياغة منهج علمي صحيح يمكن اعتماده في تلقي الأخبار ، ورغم أن الشيخ حاول أن يؤسس لذلك بقوله : "إن العقل الإسلامي عقل واع مدرك، حتى إيمانه بالغيب هو إيمان مبني على العلم والمعرفة والإسناد، وليس في الوحي ما تنكره العقول ولا ما تحيله السنن، ولكن منها ما لا تدركه العقول، فهو عالم فوق العقل وليس تحته، ونقص العقل ثابت بالعقل ذاته، بيد أن الله تعالى أحال إليه، وأمر بتحكيمه فيما يحسنه حينما دعاهم إلى الإيمان به "لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"، "لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [يونس: 24]، "أَفَلا يَعْقِلُونَ" [يّـس:68]، "لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى"[طـه: 54]،"لِذِي حِجْرٍ"[الفجر: 5]،"ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا"[سـبأ:46]! ومن أفدح الخطأ الاعتقاد بأن الإيمان نقيض العقل ، أو أن العلم نقيض الدين" . وهو كلام حق لكنه لا يعدو أن يكون كلاماً إنشائياً عاماً ، يمكن لمن يختلف معه أن يقابله بكلام مثله أو أكثر منه .

    7 ـ أنا هنا لا أقرر صحة هذا القصة أو بطلانها , فقد تكون القصة ضعيفة أو موضوعة ، وإنما أردت هنا أن أبين أن هذا المنهج العقلي في فحص الأخبار ، وإطلاق مثل هذه الأحكام الوصفية المرسلة على هذا النحو هو منهج غير علمي ولا موضوعي ، وفتح مثل ذلك للناس يفتح باباً من التلبيس والشك لا يكاد يقف عند حد.

    ختاماً : أشكر فضيلة الشيخ ، كما أشكر له سعة صدره مقدماً ، وأتمنى له التوفيق .
    خالد أباالخيل
    محاضر بكلية الشريعة وأصول الدين ، جامعة القصيم .

    رد منشور في مقال الرابط الأصلي، نقلته لمن سأل عن رد علمي على لمقال.
    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى.
    { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (البقرة: 235)

  16. #16
    تاريخ التسجيل
    Dec 2007
    المشاركات
    256

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة خالد المرسى مشاهدة المشاركة
    رأيت بعض الناس هنا يتعمدون غمز الشيخ سلمان بعبارات مهينة ( هداهم الله تعالى ) وأصلح عقولهم المريضة وفطرهم المنتكسة
    !

    أخي خالد نصيحة أخ يحب لك الخير: لا تكتب وأنت غضبان. (ابتسامة)
    { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } (البقرة: 235)

  17. #17
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    367

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو قتادة السلفي مشاهدة المشاركة
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    انكار الشيخ سلمان لهذه القصة ليس فيه ما هومنكر كأنه انكر ثابت من ثوابت الاسلام والله المستعان
    نريد نقد علمي لما كتبه الشيخ سلمان
    مسالة الكلب الذي هاج على من سب النبي صلى الله عليه وسلم اين كان المسلمون انذاك؟ يسب النبي فلا يدافع عنه احد الا الكلب ؟
    اما بعض الامور فهناك امور منكرة ذكرها كبار العلماء في بعض التراجم ولا تصح اذكر لكم مثال ذكر احد العلماء ان احدهم حج 100 مرة واعتمر مئة مرة وسن هذا الرجل لم يبلغ مئة سنة فهل اصدق هذه القصة؟ مع ان من ذكرها امام من ائمة المسلمين فانكاري للقصة ليس طعنا في صاحب الكتاب وفي من في السند
    اخواني بارك الله فيكم لا نتسرع في الحكم
    أخي الكريم رجاء لا تنتقد قبل أن تقرأ فليس هذا من العدل ولا من الإنصاف في شيء!!

    أليس في ردي ما نصه:( ولو كان هذا المقال يناقش القصة المذكورة مناقشة علمية ويبحث في إسنادها ومتنها ويحكم عليها حكما علميا بما يناسب حالها تبعا لما قرره أهل العلم من قواعد وأصول لما تكلمنا ولا ذكرنا ردا ، ولقلنا هذا رأي الشيخ وما توصل إليه ...) أكمل رجاء قراءة الباقي ثم عقب كما تحب.

    ثم هل ممكن تدلني على نقلك:(ذكر احد العلماء ان احدهم حج 100 مرة واعتمر مئة مرة وسن هذا الرجل لم يبلغ مئة سنة فهل اصدق هذه القصة؟)
    أم هو افتراض للتنفير من قراءة الرد كما فعل الشيخ سلمان في مقاله؟!

    ثم يبدو أنك أخي تكتب بلا تأمل هل الاعتمار مائة مرة مما يستنكر؟!
    أعرف من تجاوزت عدد مرات عمراته الخمسين ولم يكن سنه قد تجاوز الثلاثين؟!!

    أكرر رجاء من الفضلاء معرفة أبعاد الموضوع ثم قراءة الرد ثم من شاء أن يرد فليرد .

  18. #18
    تاريخ التسجيل
    Nov 2007
    المشاركات
    85

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    اللهم أصلح قلوبنا يا رب العالمين

  19. #19
    تاريخ التسجيل
    May 2007
    المشاركات
    64

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    آراء أخرى مؤيدة
    ______________________________ ____________

    الإسم: ابو عمار
    البلد: السعودية
    التوقيت: 11:47 PM
    التاريخ: 24/05/2008

    المقال في الجملة مقال جميل ويتحدث عن واقع مرير, وإن كان في أسلوب تناول القضية وطريقة المعالجة ما يوهم القارئ أن الدكتور سلمان ينهج في كتابته منهج المدرسة الإصلاحية في تناول مثل هذه القضايا, ولعل هذا ما دفع الأخوين(أبو حازم,وأبا الخيل)للتعليق على المقال بما كتباه. وأنا أقول أن الشيخ ذكر في ثنايا مقاله هذا ما يدفع هذا الوهم كقوله (والآيات حق، وكذلك الكرامات، ....)وأيضاً له كتابات أخرى شاهدة على ذلك, مما يحمل القارئ إلى رد متشابه كلامه إلى محكمه.
    ولي وقفة سريعة على تعليق الشيخ العزيز الشيخ خالد أبا الخيل ألخصه في النقاط التالية:

    1- يبدو لي يا شيخ خالد أنه لم يتبين لك الدافع الذي دفع الدكتور للكتابة حول هذا الموضوع بدليل أنك ذهبت ألى أن دافع الشيخ هو إنكار القصة, وأنا أقول أن دافع الشيخ للكتابة هوما ذكره في بداية المقال بقوله: (هذا التصفيق الحاد لكلـــب في المواقع الإلكترونية، والانبهار المذهل..ألى قوله:والمنكرات من الأخبار)وهذا دافع صحيح .وهناك دافع آخرفي المقال وهو قوله: (إن هذا العقل الأسطوري الذي لا يميز بين حق وباطل هو المسؤول عن شيوع الخرافة في مجتمع المسلمين) وهذا دافع صحيح وأظنك تتفق معي في هذه الدوافع, وإن كان إنكاره للقصة أتى عرضاًً في ثنايا المقال.
    2- بعد معرفة الدوافع - من وجهة نظري- التي دفعت الدكتور للكتابة حول هذا الموضوع فأقول يجب أن نقرأ المقال في ضوء هذه الدوافع حتى لا نذهب بعيداً في قراءة ما خلف السطور, أو نرتب لوازم على المقال لم يلتزمها. ولا يعني هذا أن الدكتور لا يخطأ أو أنه فوق النقد, لكن هذا من باب التوازن في النظرة والعدل في الحكم.
    3- نقد الدكتور سلمان لهذه القصة - فيما يبدو لي- من جنس نقد المحدثين للأحاديث, فهم ينقدون السند والمتن, فهو بعد أن نقد سند القصة وبيَّن ضعفها نقد متنها وبيّن أنه مخالف للشرع مستدلاً على ذلك بقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ..}, وإعمال عقله هنا من أجل النظر لا من أجل إحالة العقل لهذه القصة. ولهذا نظائر عند المحدثين, فمثلاً نقدهم لحديث: ((درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم ، أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية )) نقدوه سندا ومتناً, وذكروا أنه كما أنه منكر من جهة السند فهو منكر من جهة المتن معللين ذلك من جهة النظر العقلي في مقاصد الشرع بأن الزنا أعظم جرماً وضرراً من هذا الدرهم لتعدي ضرره على الغير. ومثله حديث: ( (الربا سبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه )).يقول ابن الجوزي بعد أن ضعف أسانيد تلك الأحاديث:"قلت: واعلم أن مما يرد صحة هذه الأحاديث أن المعاصي إنما يعلم مقاديرها بتأثيراتها والزنا يفسد الأنساب ويصرف الميراث إلى غير مستحقيه ويؤثر من القبائح ما لا يؤثر أكل لقمة لا تتعدى ارتكاب نهي فلا وجه لصحة هذا"[الموضوعات ج2/ص156]
    وهذا النقد للمرويات كما أعمله المحدثون فقد أعمله المؤرخون( انظر كلام ابن خلدون في المقدمة في سبب تأليف كتاب التاريخ).
    فهل إعمال المحدثين والمؤرخين لمنهج نقد المتون يعني أنهم يسلكون منهجاً عقلياً لرد الأحاديث والحوادث التاريخية؟!.
    4- أن الدكتور في مقاله قد وضع محترزات تمنع الناظر من الذهاب بعيداً في تفسير نقده, كتنبيهه على أثبات الكرامات الثابتة بالكتاب والسنة الصحيحة, وقد التزم ذلك بدليل أن القصة التي نقدها بيَّن أنها لم تأت بطريق صحيح ثابت, فكيف نصور من هذا النقد أنه منهج عقلي يسلكه الدكتور في فحص الأخبار, خصوصاً وأن الدكتور لم يُعهد عنه أنه أنكر شيئاً ثابتاً من المعجزات والكرامات , فيكون كالذي يخالف قوله فعله,وأخشى فيما بعد أن نساوي به أو نجعله في مصاف أصحاب المنهج العقلاني الذي يرد المعجزات والكرامات الثابتة الصحيحة.
    5- أن ما ذكره الشيخ من تهويل الناس لأمر هذه القصة أمر صحيح يشهد له الواقع وهذا كاف في ضرورة النظر في ثبوتها من عدمه, وليس كما ذكرت أخي خالد من أنه مشهد كوميدي مضحك, بل هو واقع مرير تشهد له رسائل الجوال التي أرسلت وذكر فيها هذه القصة.
    هذه بعض الملاحظات التي أحببت التنبيه عليها, والله من وراء القصد, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    ______________________________ _____________

    الأخ خالد يقول:

    بارك الله في الشيخ سلمان وفي جهوده، وأشكر للموقع فتح باب المناقشة بحرية، والتحية للمعقبين على التزامهم الأدب الإسلامي في المحاورة.وهذه بعض الملاحظات من وحي هذه المناقشات: لقد أصاب الشيخ سلمان عين الحقيقة حين أثار هذه القضية وبأسلوب كان فيه قدر كبير من الوضوح والصرامة اللازميْن لمثل هذه المواضيع ولمثل هذه الظروف التي يمر بها المسلمون.
    ولا شك أن مناقشة الليبراليين- وليس مهاجمتهم- مهمة مطلوبة - كما جاء في بعض التعقيبات - لكن ذلك لا يعفينا من مراجعة تصوراتنا في داخل الصف المسلم المتدين، ولعل هذه المراجعة والترشيد والتصويب نحو الداخل الإسلامي يكون مدخلا ضروريا لضمان نجاح مسعانا في التدافع مع الأفكار المخالفة. كما أنه ليس من الضروري أو البديهي أو المفيد أن ينخرط الجميع في نفس المناقشات وفي نفس اللحظة وتجاه نفس الاتجاهات الفكرية، ولعل الشيخ له من الأولويات والتقديرات في هذا المجال ما يحدد له المواضيع والقضايا ذات الجدوى والنفع الأعم. كما أن الشيخ - بارك الله فيه- ليس في موقع الاشتباه حتى يحتاج عند كل نقد لمظهر من مظاهر التدين المنحرف أن يكتب مقدمة في التهجم على الليبراليين أو غيرهم حتى يبرئ نفسه من شبهة غير واردة وغير معقولة ولا توجد إلا في ذهن من لا يعرف عموم أفكار الشيخ وفكره وعلمه.
    والتوجيه والترشيد والنصح لعامة المسلمين والمتدينين منهم خاصة لمراجعة معتقداتهم الخرافية وغير المؤصلة هي مهمة دينية إسلامية أصيلة، بعيدة عن التلميحات بكونها ربما تتم على خلفية الرد على إشكالات يسوقها الغربيون. هذا الترشيد هدفه الأساسي السعي للنهوض بالأمة وتحريك فعاليتها كما أشار الشيخ. على أن مراعاة صورتنا نحن المسلمين عند باقي الأمم لا سيما اليهود والنصارى يبقى أمرا مهما لأنه منهج نبوي ثابت(لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة) الحديث،(أتحبون أن يقول الناس أن محمدا يقتل اصحابه) الحديث.
    والشيخ لم ينف الكرامات، و المقام ليس مقام إثبات او نفي لهذه الأمور، فالاعتقاد في الكرامات والمعجزات من بديهيات معتقد أهل السنة عموما وفي أدبيات الشيخ بصفة خاصة وفي نفس مقاله على وجه الخصوص. بل المسألة هنا هي في التساهل المستشري لدى عامة المسلمين في قبول هذه الادعاءات دون التأكد من صحة وقوعها وعدالة رواتها، والمسألة أيضا في كيفية تفاعل الناس مع هذه المرويات قديمها وحديثها. فالفرق واضح بين الاعتقاد بوجود الكرامات والخوارق وبين قبول أي قصة خارقة ولو كانت مشتهرة بين الناس. نعم إن الله على كل شيء قدير وله جنود السموات والأرض لكن هل وقعت القصة المتداولة فعلا أم لا؟ فالإمكان النظري شيء والوقوع الفعلي شيء آخر. ونحن لا نحتاج للإيمان بقدرة الله تعالى إلى الاعتماد على أخبار غير مؤكدة أو ربما مفتعلة، فهناك من الأدلة والبراهين التي نشاهدها في الكون والإنسان والحياة مشاهدة ظاهرة وساطعة وفي المتناول ما لا يُحتاج معه إلى غيره من الظنيات أوالمرويات المهزوزة، المهم أن نكون من الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض. هذا هو المنهج السليم الذي اعتمده الشيخ سلمان، منهج العقل الإسلامي وليس منهج العقل الشخصي أو العقل المجرد أو العقل الغربي كما صورته بعض التعقيبات.
    وقد راجت في فترة سابقة صورة لما قيل أنه جني أو شيطان وتبين فيما بعد أنها صورة مركبة! ومرة أخرى صورة لفتاة تحولت إلى عنكبوت عقابا إلهيا لها فتبين أنها لوحة زيتية لرسامة أسترالية! وكذلك راجت صورة لأشجار تكتب كلمة التوحيد-والتوحيد على الرأس والعين-لكن الصورة كانت رسما لرسام!وراجت مقالة تحاول أن تثبت أن حادثة 11/9 مذكورة في القرآن اعتمادا على الأرقام وبتعسف ظاهر لا يليق بمن يحترم كلام الله وجلاله، وإن كان من ذكر لهذه الحادثة ففي قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا). وراج تسجيل صوتي لما قيل أنه صوت أموات في المقابر، ولا زالت تروج وصية الشيخ أحمد منذ عقود من الزمان رغم جهود العلماء... بما يعني أن الأمة - مع الأسف- لها قابلية كبيرة لتقبل مثل هذه الأمور المشكوك فيها وفي مصادرها، وبالتالي فإن المطلوب بإلحاح هوالتصدي لهذه العقلية الخرافية المتدثرة بغطاء رقيق من التدين المغشوش والتي تمثل عقبة حقيقية لاسترجاع الأمة لفاعليتها و لقوتها وعزتها.
    وقصة هذا ال*** حتى إن صحت – وهي لاتصح كما بين الشيخ محقا- فإن استخراجها من الكتب وترويجها بهذه الطريقة توضح لنا كيفية تعامل هذه العقلية الضعيفة مع قضايا الحياة ومع واجبات نصرة الدين والنبي. فهذه العقلية تميل إلى الحلول التي تتصف بصفتين هما الحسم والاتكالية. الحسم يظهر في أن ال*** قضى على التتري قضاء فوريا وتاما ، والاتكالية تظهر في أن الذي قام بالنصرة ليس من الحاضرين من المسلمين بل هو جهة أخرى وغير بشرية.
    و في الواقع فإن الحلول الحاسمة ليست هي الحلول الحقيقية لا من ناحية الشرع ولا من ناحية الواقع: فقد اعترض النبي صلى الله عليه وسلم على طلب من جاءه قائلا: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا؟ ذلك أنه يطلب نصرا في غير أوانه، ويريد نصرا قبل تقديم الثمن، ويريد نصرا بدون مقدمات طبيعية سننية، ويريد نصرا سريعا فوريا مستعجلا حاسما. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قوّمه ووجّهه الوجهة الصحيحة بقوله(...ولكنكم قوم تستعجلون) الحديث.وبلغة أهل الرياضة فإن النصر لا يكون بالضرية القاضية بل بالنقاط؛ أي بالأعمال المضنية الجزئية الصغيرة التي تتراكم يوما فيوما نقطة فنقطة فتحدث الأثر المنشود. وهذا الميل إلى الحسم يعد نتيجة لقلة الصبر ولقلة العلم بالدين وبسنن التاريخ والمجتمع، ومن الواضح أن الصبر وقلة العلم أمران مترابطان (وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا).
    وأما الاتكالية فهي انتظار أن تحل المشاكل او ياتي النصر بمعجزة أوبكرامة أو بعامل خارج عن نطاق الاستطاعة، والحقيقة أن النصر لا يأتي إلا من عند الله وبيد المؤمنين(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِ ينَ) وذلك بعد تقديم الثمن. ولذلك كثر في السنوات الأخيرة تداول أحاديث الفتن وآخر الزمان والمهدي، وهي أحاديث وإن ثبت الكثير منها إلا أن الخلل يكمن في طريقة التعامل معها: إذ هي أحاديث عن وقائع قدرية وليست عن أحكام تكليفية، فنحن مأمورون بالإيمان بها ولسنا مكلفين بالقعود وانتظارها أو استعجال وقوعها حلا لمشاكلنا وأزماتنا أو هروبا منها. والمنهج النبوي في ذلك نستخرجه من حديثه صلى الله عليه وسلم لما سأله سائل عن أوان الساعة فكان جوابه: (وماذا أعددت لها)؟: منهج العمل والإعداد وليس منهج التمني والانتظار!! ولذلك فإن طرح هذه القضايا وتوجيه الناس حولها يعد من أولويات الدعوة الإسلامية.

  20. #20
    تاريخ التسجيل
    Feb 2007
    المشاركات
    367

    افتراضي رد: كلب ينهش عقولنا !!

    هذا التعليق من الأخ على مقال الشيخ خالد وفقه الله خارج عن محل النزاع، وفيه مغالطات ومعاملة من أورد القصة التي حدث نزاع حولها على أنه ساذج أو جاهل بالشرع ومقاصده وسنن الله في نصر دينه وعباده المؤمنين.

    ويلزم على كلامه لوازم كثيرة فاسدة لعلي أفصلها إن سمح وقتي بذلك، مع دعوتي للجميع بالقراءة والتفكر ثم الرد وعدم النقل من هنا وهناك بلا تأمل !!

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •