فقه الاستطاعة

مقدم الحلقة: عثمان عثمان
ضيف الحلقة: سلمان العودة/ المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم
تاريخ الحلقة: 11/5/2008

سلمان العودة

عثمان عثمان: السلام عليكم مشاهدينا الكرام ورحمة الله وبركاته، مرحبا بكم إلى هذه الحلقة الجديدة من برنامج الشريعة والحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..}[البقرة:286] ويقول أيضا {فاتقوا الله ما استطعتم..}[التغابن:16]. فقه الاستطاعة هو فقه المجتمع ومعرفة إمكانات الناس وقدراتهم، وهو فقه يوازي فقه النص فالنص لا بد له من محل ينزل عليه ويشتغل فيه، ومن دون فقه المحل ومعرفة استطاعات الأفراد ستستمر المجازفات والعبث بالأحكام الشرعية والمساهمة السلبية بالإساءة إليها عن حسن نية أحيانا، ففقه أبعاد التكليف وتنزيل النص على الواقع هو المكمل لفقه النص نفسه. قد يولع الكثيرون بإسلام مثالي ربما يتاقلّون معه، من القلة، تعبدات النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وقد حصل هذا بالفعل، لكن الإسلام الحقيقي هو الذي يلامس واقع الناس وإمكاناتهم وحدود قدراتهم وما يحفظ لهم بشريتهم فلا يرتقون إلى مستوى الملائكة ولا يهبطون إلى مستوى الشياطين، وفي نطاق الاستطاعة التي هي مناطق التكليف نشأ الفقه الإسلامي الذي يمكن وصفه بمجموعه بأنه فقه الاستطاعة فالشريعة الإسلامية في مقاصدها النهائية إنما جاءت لتهذيب الإنسان وليس لتعذيبه. فقه الاستطاعة موضوع حلقة اليوم من برنامج الشريعة والحياة مع فضيلة الدكتور سلمان العودة المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم، مرحبا بكم فضيلة الدكتور.

سلمان العودة: مرحبا، أهلا وسهلا.

معنى الاستطاعة وضوابطها

عثمان عثمان: حياكم الله. كما ذكرنا الآيات {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..} وغيرها أيضا آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل تربط التكليف بالاستطاعة. هل هذا هو المقصود بفقه الاستطاعة؟

سلمان العودة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم {..ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين}[البقرة:286].

عثمان عثمان: آمين.

سلمان العودة: وفي كل ذلك كان ربنا سبحانه وتعالى يقول قد فعلت قد فعلت كما في الحديث المتفق عليه. بعد هذه المقدمة ذات العلاقة في الموضوع لأن هذا الدعاء هو خير ما يعبر عن المقصود لأنني أريد أن أقول إن حديثنا الآن عن فقه الاستطاعة بادئ ذي بدء لا يعني بالضرورة أنني أستطيع أن أجيب على أي سؤال حول هذا الموضوع ولكنني أريد أن ننشر أو ندشن ما يسمى بفقه النهوض. الأمة ليست في مرحلة تمكين بحيث تدرس فقه التمكين وقد درس ولكنها في مرحلة ضعف ومع هذا الضعف هناك محاولات للنهوض جزئية أو كلية في جانب من جوانب الحياة أو في موقع من مواقع الأرض، فهي بأمس الحاجة ويوجد من أفرادها من لديهم الهمة والإراد ة والطموح والرغبة ووجود أهداف أن يكون لدى هؤلاء الطامحين للنهوض سواء كانوا أفرادا أو جماعات أو حكومات أو دولا أن يكون عندهم فقه الاستطاعة الذي يقصد به معرفة حدود الممكن وغير الممكن المقدور وغير المقدور وأن يفقهوا مثل النص الشرعي مثلا أنت في مقدمة حديثك ذكرت بعض الأيات القرآنية الكريمة مثلا قول الله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..} إذاً هو فقه الاستطاعة هو فقه الوسع مع القدرة هو فقه الملك {قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا..}[طه:87] الله سبحانه وتعالى لا يكلف الإنسان مالا يملكه لا يكلف الإنسان إلا ما كان في دائرة ملكه يعني قدرته وطوقه أيضا الطاقة هنا فقه الإطاقة، أيضا على الصعيد الفردي الكل يعرف ذلك هي إن الفقهاء والأصوليين مجمعون على أنه لا تكليف مع العجز.

عثمان عثمان: هنا فضيلة الدكتور أسأل لماذا بحث العلماء قديما مسألة التكليف بما لا يطاق مثلا؟

"
الواجبات الشرعية لا تتوجه إلا إلى القادر ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يتعلق بالصلاة "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب"
"
سلمان العودة: قد يكون هذا بحث نظري في أصول الفقه، هو بحث نظري بحت وربما لا يمكن إيجاد أمثلة عملية له إلا أمثلة نظرية ليس لها علاقة أو مساس بواقع الناس ولكن الواجبات الشرعية لا تتوجه إلا على القادر ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما يتعلق بالصلاة "صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب" وفيما يتعلق بالزكاة من المتفق عليه أنها لا تجب إلا على واجد المال وفيما يتعلق بالحج ربنا يقول سبحانه {..ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا..}[آل عمران:97] وفيما يتعلق بالصوم كذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام..}[البقرة:183] {..فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر..}[البقرة:185] إذاً هنا الأمر مرهون بشرط في جيمع الواجبات الشرعية بل أقول حتى الشهادتان اللتان هما المدخل للإسلام وبوابة الجنة لا تجب على الإنسان إلا مع القدرة فالإنسان الذي لا يستطيع النطق الأبكم الأصم الذي لا يستطيع النطق بها يكفي أن يعتقدها بقلبه ويسقط عنه حكم النطق بها الذي يكلف به القادرون.

عثمان عثمان: إذا كان الإسلام لا يكلف الإنسان بما لا يطيق، ألا تجدون اليوم فضيلة الدكتور أن هناك بعض الدعاة بعض المشايخ بعض العلماء يكلفون الناس بما لا يطيقون يضيقون على الناس بدلا أن ييسروا عليهم؟

سلمان العودة: هذا جانب هذا طبعا جزء من الموضوع، أيضا في مقدمة حديثك وتقدمتك لهذه الحلقة تكلمت عن ما تعتبره الجانب المثالي والجانب الواقعي هذا جزء من الموضوع، الجانب المثالي أن نقدم للناس الدين كما أنزله الله سبحانه وتعالى وكما هو في محكم الكتاب والسنة وكأننا بذلك نغفل عن الجانب الآخر، الذي هو الواقعية التطبيقية وما يعتريها من نقص لأن الله سبحانه وتعالى أنزل هذا الدين للبشر والبشر جبلوا على الضعف، بل ليس صدفة أن يكون هبوط آدم أبي البشر عليه السلام من الجنة هو نتيجة خطأ الأكل من الشجرة كما هو معروف. إذاً الحياة البشرية فيها جانب الأزمة وهو جانب عميق وساكن ومستقر فيها وفيها جانب الخطأ وهو جزء من الكينونة البشرية حتى يقول النبي صلى الله عليه وسلم "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم" والحديث في البخاري "وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"، الله تعالى من أسمائه الغفور

توضأ القلب من ظني بأنك غفار

وصلى وكانت قبلتي الأمل

دع الهوى لذويه يهلك شغفا

أو فاقتل النفس فيه مثلما انقتلوا

وهذا معناه أننا حينما ندعو الناس إلى النموذج الإيماني ينبغي أن تكون دعوتنا مخلوطة بقدر من الواقعية التي تقرب للناس إمكانية التطبيق..

عثمان عثمان(مقاطعا): ولا توقعهم في اليأس أيضا ربما.

سلمان العودة: أولا أن لا نجعلهم أمام صورة لا يستطيعون الوصول إليها، يعني أنا أقول لك إنني قرأت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت أن كل من يقرأ هذه السيرة فيما يظهر لي يحس بقرب وإمكانية التطبيق، النبي صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وكان عليه السلام يداعب أهله ويلاعب الأطفال ويضاحكهم ويخرج إلى السوق ويتعاطى مع الناس بعفوية كاملة، ولكن لما تقرأ سير بعض الأئمة والعلماء والمصلحين تحس كأنك أمام جبل تريد أن ترقاه وقد تستطيع أو لا تستطيع، لماذا؟ لأن هنا طبيعتهم البشرية التي قد تنتمي إلى الجدية الصارمة أو الانشغال المفرط تجعل بينهم وبين الناس حاجزا. ولعل من المهم اليوم ونحن نتكلم في الإعلام وسائل الإعلام إمكانية تقريب صورة الدعاة أنفسهم بحيث تكون عن الشباب والبنات والرجال والنساء والمسلم وغير المسلم، صورة قريبة صورة فيها جانب الإنسانية فيها جانب الواقعية حتى فيها جانب الخطأ والصواب. يعني لماذا نفترض مثلا دائما أننا أمام صورة مثالية ينبغي أن لا يخدشها أي شيء؟ حتى ليس فقط جانب الخطأ والصواب الشرعي وإنما هناك بعض الرسوم التي فرضناها نحن وكأننا نريد أن نجعل العلماء والدعاة والفقهاء في أبراج عاجية يشعر الناس أنهم لا يستطيعون الوصول إليها.

عثمان عثمان: طبعا هذا ربما فيه مبالغة بعض الشيء كما ذكرتم بين حياة النبي عليه الصلاة والسلام وتطبيقاته العملية لهذا الدين وبين بعض العلماء كما تفضلتم ولكن هناك حديث الآن عن..

سلمان العودة: (مقاطعا): من الطريف أحد الناس في مجلس قبل فترة وصار يحدث الحضور وأنا كنت موجودا وقال إن الشيخ فلان خرج إلى البر معنا نحن طلابه وكان معه زوجته وقال لنا تقدموا قليلا وبعدما نظرنا إليهم من بعيد وجدناه يركض هو وزوجته كأنهم في سباق، فقال له الحاضرون يعني يبدو أنك تخلق ما تقول، إن هذا الكلام ليس له أصل، فقال نعم ليس له أصل ولكن هذه القصة وقعت مع سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام.



الاستطاعة والتيسير وفقه الأقليات

عثمان عثمان: هناك فقه الاستطاعة هناك فقه التيسير وطبعا هناك خلط بين هذين المفهومين أو هذين المصطلحين، ما هو الفرق حقيقة الفرق بين هذين المفهومين فضيلة الدكتور؟

سلمان العودة: الحق أنني لما أقول فقه الاستطاعة وأؤكد أن المطلوب هنا في موضوع فقه الاستطاعة ليس أن نعالجه من كل جوانبه وهو فقه عظيم وعظيم الأهمية في هذا العصر وفيما يليه والله تعالى أعلم من العصور، لأننا بحاجة إلى فقه الزمان فقه العصر الذي نعيش فيه ولذلك أقول يجب أن يكون فقه الاستطاعة محل بحث طلبة الدكتوراه في الجامعات الإسلامية أن تقام المؤتمرات لهذا الفقه، أن تعقد له الندوات بحيث يعالج من كل جوانبه ويعالجه المختصون والقادرون، فالذي أعنيه على وجه التقريب بفقه الاستطاعة هو أن ما يتعلق في الغالب، في الغالب، بالقضايا العامة التي تمس الناس جميعا أو ما يسميه بعض الفقهاء بالأحكام السلطانية كما كتب الأئمة السابقة كأبي العلا والماوردي وابن القيم وغيرهما، هذه الألوان من الفقه المتعلقة مثلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجد فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه" إذاً هي مراتب مرهونة بالاستطاعة كذلك..

عثمان عثمان(مقاطعا): سأتطرق إلى مراتب هذا الأمر إن شاء الله يعني في مراحل لاحقة..

سلمان العودة: (مقاطعا): نعم كذلك مثلا موضوع السياسة الشرعية بشكل عام موضوع الجهاد موضوع القدرات الممكنة المتاحة للناس هي مرهونة بالاستطاعة، كما أن الفرد حين يكلف بشريعة فإن ذلك مرهون بقدرة المجتمع، الأمة، الدولة، حينما يكون هناك تكليف هي أيضا مرهونة بالاستطاعة والذي لا يفقه الممكن وأنا أعني هنا بالممكن المقدور عليه أن يكون الناس قادرين على ذلك..

عثمان عثمان(مقاطعا): هذا فقه الاستطاعة في..

سلمان العودة: (مقاطعا): لا ليس هذا فقه الاستطاعة هذا جزء من فقه الاستطاعة، لكن قد أكون قادرا على أن أفعل هذا الشيء ولكن قد يترتب على فعلي لهذا الشيء مفاسد أعظم من التي تحققت فأنا هنا أزعم أن هذا ينبغي أن يدخل في فقه الاستطاعة وإن كان داخلا في باب المصلحة..

عثمان عثمان(مقاطعا): يعني من باب "الضرر الذي لا يدفع بضرر مثله فمن باب أولى أن يكون بضرر أكبر"؟

سلمان العودة: (مقاطعا): نعم من باب أن التكليف الشرعي مثلا ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع.." ما المقصود بأن لم يستطع؟ واحد يقول أنا قادر على أن أستخدم يدي هنا نقول ليس المقصود فقط القدرة على استخدام اليد، القدرة على وجود القوة، لا. وإنما مع ذلك معرفة الأثر المترتب على هذا الفعل. فهذا حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لما شعيب يقول إني أريد إلا إصلاح ما استطعت، يريدون الإصلاح، لاحظ أنهم أنبياء وفي مقام الإصلاح يعني الإصلاح العام مربوط أمره بالاستطاعة، بالقدرة. كذلك النبي صلى الله عليه وسلم تجد أنه كان في أمور كثيرة قادرا عليها من حيث الآلة يعني مثلا بناء الكعبة على قواعد إبراهيم كان عليه السلام يقول لعائشة "لولا أن قومك حديثو عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم" إذاً هو قادر صلى الله عليه وسلم من حيث وجود المال والسلطة بالنسبة له واعتبارات كثيرة ولكنه أرجأ تنفيذ هذ الحكم لأنه يعتري الفعل أمر سلبي أو مفسدة أرجح فتركها النبي صلى الله عليه وسلم مع تطلعه وتشوقه لذلك الذي يدل على مشروعيته. وكذلك في قصة المنافقين وهذه من أصول قواعد فقه الاستطاعة التي توضحه بشكل جلي يعني بعض المنافقين ثبت عليهم المؤامرة والغدر بالإسلام والخيانة العظمى حتى نقل بالشهود والإثبات أنهم هددوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا ليخرجن الأعز منها الأذل وسبوه وتآمروا مع اليهود ومع غيرهم، مع ذلك جاء بعض الصحابة يقول يا رسول الله دعني أضرب عنقه فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لا لأنه لا يستحق القتل وهذا حكم جائر..

عثمان عثمان(مقاطعا): لا يريد أن يقال إن محمدا يقتل أصحابنه.

سلمان العودة: نعم في حاطب بن أبي بلتعة لما قال عمر دعني أضرب عنقه، قال ما يدريك أنه شهد بدرا؟ فأنكر أصل الحكم لكن في هذه الحالة لما قال دعني أضرب عنقه، النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. إذاً هذا فقه الاستطاعة، النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على أن يضرب عنقه، السيف موجود والسياف موجود والحماية موجودة والحكم أيضا موجود ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا الحكم من أجل تجنب هجمة أو حملة إعلامية على النبي صلى الله عليه وسلم، والناس هنا لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ما هم الصحابة ولا يعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصحابة بالناس عن أبي بكر وعمر ولن يقولوا محمدا بهذه الفجاجة، وإنما المقصود بالناس هنا غير المسلمين من المنافقين من الكافرين من أعداء الإسلام من المحاربين، فهذا يؤكد أن الاستطاعة هنا ليست فقط هي القدرة المادية أو الجسدية وإنما هي أمر أبعد من ذلك وهو متعلق بأن يكون الظرف والمناخ والوقت مناسبا لهذا الحكم.

عثمان عثمان: هذا فقه الاستطاعة ماذا عن فقه التيسير؟

"
فقه التيسير ما جاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه"
"
سلمان العودة: فقه التيسير يتعلق بيعني كما في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه".

عثمان عثمان: يعني أنا اليوم كمسلم هناك أحكام شرعية تتعلق بالفقه تتعلق بالعبادات بالمعاملات إلى ما هنالك، وهناك أكثر من حكم فقهي فيها أو رأي فقهي، هل يصح لي أنا كمسلم أن أبحث عن الأيسر في هذه الآراء الفقهية والأحكام؟

سلمان العودة: هذا أحد وجوه البحث وليس هو البحث الوحيد، البحث إذا كان الإنسان عنده حكمان متقابلان يعني لا يوجد ترجيح لأحدهما على الآخر فالتيسير هنا مرجح لأن الله سبحانه وتعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم {ونيسرك لليسرى..}[الأعلى:8] وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي هريرة في البخاري "إن هذا الدين يسر" فوصف الدين بأنه يسر ولكن لم يرد بأي نص وصف الدين بأنه مشقة أو عسر أو شدة على سبيل الإطلاق وإنما الوصف باليسر. وحقيقة أقول إن اليسر والعسر أحيانا يختلف بحسب البيئات والمجتمعات، بعض البيئات التي ربما يغلب عليها جانب الانفتاح المطلق قد تستصعب ما هو من الشريعة والدين وبعض البيئات التي يغلب عليها جانب الحزم والأخذ بشدة ربما أنها لا تعطي التيسير إلا بمقدار، وأيضا لاحظ أن التيسير هنا ليس فقط هو في جانب الفتوى كما يظن الناس، لا، التيسير في الحياة تيسير الأب على أبنائه هذا من الدين، تيسير الحاكم على رعيته، التيسير في الجانب الإداري تخفيف ما يسمى بالبيروقراطية وتراكم المعاملات والعلاقات بين الناس، التيسير جزء من الشريعة. يعني عمر رضي الله عنه كان يقول إنني سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلالة وإنني إن أهش أقضي فيها بقضية يعرفها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. هذا من التيسير المعرفي والعلمي تسهيل وصول المعرفة للناس سواء من خلال المدارس والجامعات أو وسائل الإعلام أو غيرها. الخليل بن أحمد كلنا نذكر قصته لما يقال إنه مات وهو كان يفكر لأنه كان يقول أريد أن أصل إلى علم الحساب تذهب به الجارية إلى البقال فلا يظلمها، هذا أيضا من التيسير، إذاً مطلب التيسير الشرعي التيسير الحياتي ليس خاصا بالفتوى وإنما هو في عموم الحياة.

عثمان عثمان: استطرادا فضيلة الدكتور، عندنا ما يسمى بفقه الأقليات، البعض اعتبر أن هذا المصطلح فقه الأقليات هو دين جديد وشن عليه حملة كبيرة، أين تضعون فقه الأقليات هل هو يأتي في إطار فقه التيسير أم يأتي في إطار فقه الاستطاعة، في أي إطار بالضبط تضعونه؟

سلمان العودة: أحسنت. أنا أعتبر أن فقه الأقليات يقوم على ثلاثة أركان، هو من جهة متصل بفقه الشريعة لأن الله سبحانه وتعالى قد بين كل شيء {..وكل شيء فصلناه تفصيلا..}[الإسراء:12] فلا بد من النص الهادي الذي يبين للناس وتجد أن المسلمين أنفسهم كانوا أقلية في مكة وكانوا أقلية في المدينة وصاروا أقلية في الحبشة، إذاً هناك نماذج وهناك ثوابت يمكن أن يستنار بها فيما يتعلق بهذا الجانب. العمود أو الركن الثاني ما يتعلق بفقه الاستطاعة لأن المسلم الذي يعيش ظهران المسلمين يستطيع أشياء كثيرة جدا من أجل تيسير من وجود المساجد والاعتبارات والأنظمة والحلال في الطعام والشراب واعتبارات كثيرة جدا، هذه الأشياء لا توجد في كثير من المجتمعات الغربية التي تعيش فيها أقليات إسلامية، إذاً فقه الاستطاعة وثيق الصلة في فقه الأقليات. الركن الثالث هو جانب التيسير إذاً حقيقة أن الإنسان الذي يعيش في بيئة غير إسلامية هو أحوج إلى التيسير من الإنسان الذي يجد كما جاء في الأثر أنهم لا يجدون على الخير أعوانا وأنتم تجدون على الخير أعوانا.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني من مهمات النبي عليه الصلاة والسلام أنه على صفة {..ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم..}[الأعراف:157] عن أي أصار عن أي أغلال نتحدث هنا التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم أو جاء ليضعها عن عاتق الأمة؟ أسمع منكم الإجابة إن شاء الله بعد وقفة قصيرة. فاصل قصير مشاهدينا الكرام ثم نعود وإياكم لمتابعة هذه الحلقة فابقوا معنا.



[فاصل إعلاني]

فقه الاستطاعة ودور الحكام والعلماء

عثمان عثمان: أهلا وسهلا بكم مشاهدينا الكرام من جديد إلى حلقة هذا الأسبوع من برنامج الشريعة والحياة والتي نتحدث فيها عن فقه الاستطاعة في الشريعة الإسلامية مع فضيلة العلامة الدكتور سلمان العودة. فضيلة الدكتور يعني {..ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم..} ما هي هذه الأغلال والأصار التي وضعها النبي صلى الله عليه وسلم عن عاتق هذه الأمة؟ وهل نحن في أيامنا نضع على أنفسنا أصارا وأغلالا أخرى أو وضعها لنقل بعض دعاة التشديد؟

سلمان العودة: هو لا شك أولا أن هذا من أعظم ما وصف به النبي عليه الصلاة والسلام أنه جاء ليضع الأصر والأغلال التي كانت على الأمة من قبلنا وهذا له تفاصيل كثيرة جدا في العبادات في الطهارة في الصلاة في المعاملات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن التشديد حتى إنه عليه الصلاة والسلام لما رأى امرأة تصلي وهي عندها حبل قال ما هذا؟ قالوا إذا فترت تعلقت بالحبل. يروى هذا عن زينب والحولاء بنت تويت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "حلوه ليصلي أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد أو فليرقد" ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال وشدد على أصحابه حتى أنه تغلظ عليهم وقال "وددت أن نمد في الشهر لواصلت بهم وصالا يدع المتنطعون تنطعهم" يعني يريد أن يربي أصحابه على العفوية وعلى عدم التكلف وقال لمعاذ بن جبل هنا طبعا على الصعيد الفردي لكن لما يكون الأمر متعلقا بالإمامة بالقيادة بالفقه بالتعليم بالدعوة يكون الأمر فيه غضب مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان موصوفا بالحلم، فلما جاء الناس يشتكون معاذا وتطويله بالصلاة دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول الراوي ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غضب في موعظة أشد من غضبه يومئذ، وقال "أفتان أنت يا معاذ؟ إذا صليت بالناس فاقرأ والليل إذا يغشى والشمس وضحاها، ألم نشرح لك صدرك، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء" فهذا أؤكد على ضرورة السلوك الفردي، بعض الناس قد يكون عنده عزيمة وهذا له علاقة وثيقة جدا بموضوع فقه الاستطاعة. بالمناسبة يعني بعض الناس عنده عزيمة عزيمتك الفردية احملها على نفسك لكن حتى زوجتك وأولادك يصعب أن تحملهم على عزائمك فضلا عن عامة الناس فيما يتعلق بالبيان والدعوة، علاقة هذا الموضوع بفقه الاستطاعة وهو موضوع العزيمة أن بعض الدعاة اليوم وبعض القيادات العلمية والدعوية عندها عزيمة وعندنا طموح وعندنا ربما أهداف راقية ولكنها لا تستطيع أن توجد صلة رابطة بين هذه العزيمة الذاتية من الداخل وبين إمكانية تطبيق هذه العزائم في واقع الحياة فكأنها تحمل الناس حينئذ على أمر فيه عسر وفيه مشقة، وأنا أعتقد أن الإخفاقات إن شئت قل معظم الإخفاقات السياسية والحضارية في تاريخ الأمة وفي واقعها هي مرتبطة بهذا المعنى بالغفلة عن قراءة الواقع قراءة صحيحة. يعني من القصص التي تروى عن ابن تيمية رحمه الله وهو إمام من أئمة المدرسة السلفية يحتذى في هذا الجانب أنه لما غزا التتر البلاد الإسلامية مر هو وبعض طلابه بتتر وهم يشربون الخمر فهموا أن ينهوهم عن شرب الخمر فقال دعوهم وما هم فيه لأنهم لو صحوا ربما دخلوا المدينة واجتاحوها وانتهكوا حرماتها وأعراضها ونساءها فدعوهم وما هم.. هذا أهون من أن يقعوا فيما هو شر من ذلك. فهنا تلاحظ قضية الاستطاعة، هو مقدور على وجود النهي بحد ذاته ولكن ما يترتب على هذا النهي هو أيضا أمر معتبر فالأحلام التي في نفوسها والتطلعات، حتى أني أفكر في قضية من أحدث القضايا التي حصلت وهي ما يتعلق بالانهيارات التي حصلت في دولة العراق وبغض النظر عن الوضع السابق يعني حقه وباطله ولا شك أن فيه قدر كبير من الظلم والاستبداد والعنفوان الذي دمر الشعب العراقي وأوصله إلى ما أوصله إليه، لكن أيضا أنت هنا تلاحظ أن هناك عمى يترتب عليه عدم قراءة خريطة الواقع بشكل صحيح. ربما يكون عند الإنسان طموح ليوجد قوة إقليمية أو ممانعة أو مقاومة لكن لا بد أن يكون الإنسان عارفا بمجمل الأحداث. اليوم نحن نعيش في ما يسمى بعصر العولمة، لست أنت لوحدك أنت مرتبط بالعالم مرتبط سياسيا واقتصاديا وإعلاميا ولذلك الأهداف والطموحات التي عندك يعني حتى لو كانت أهدافا فردية فضلا عن أن تكون أهدافا لجماعة أو لدولة ينبغي أن تستحضر في ضمن إمكانياتها وقدراتها الواقعية أن تستحضر الواقع الدولي والقدر الذي يسمح به من دون أن نكون موسوسين نشعر بأن المؤامرات تحاك علينا في كل مكان ومن دون أن نكون مصابين بعمى الألوان فلا نعرف اللون الأحمر من الأصفر من غيرها.

عثمان عثمان: وفي هذا الإطار فضيلة الدكتور يعني هناك اليوم الأمة تتعرض في كثير من مواقعها إلى هجمات شرسة إلى اعتداءات، ما يجري في فلسطين ما يجري في العراق ما يجري في شتى أنحاء العالم، نجد بعض الحكومات ربما تمالئ الغربيين تمالئ من يحتل هذه الأراضي على حساب نصرة هذه القضايا وإذا ما سئل أحدهم عن السبب كان الجواب بعدم القدرة وعدم الاستطاعة. من الذي يحدد ضابط الاستطاعة في هذا الإطار؟

سلمان العودة: والله هذا سؤال مشكل يعني ممكن أن أقول لك إنه لا أستطيع أن أجيب على السؤال بدقة هذه الأمانة، لأنه فعلا الأمة اليوم أصبحت مشتتة وهذا يدخل في باب الاستطاعة أنني لا أستطيع أنا فعلا هذا مثال أنه لا أستطيع أن أجيب لسبب هو أن الأمة أصبحت تنظر إليها كحكومات في جهة وكشعوب في جهة أخرى وكعلماء أحيانا في جهة ثالثة، أين الرابط الذي يربط؟ يجب أن يكون هناك رابط مهما كان وضع الأمة لن تعدم أن يكون هناك وعاء يمكن أن ترتبط أو تجتمع عليه وأعتقد أن دور الفقهاء والعلماء الربانيين المخلصين الذين لا ينساقون لمصالح السياسة لطمع أو لدنيا ولا يساقون أيضا لأهواء العامة وتطلعات الشارع التي قد تكون غير واعية في كثير من الأحيان. أنا رأيت أن هذه مشكلة عويصة يعني قضية الأهداف كما أنت أشرت في سؤالك في أي بلد من البلدان هل المطلوب مثلا لما نقاوم في بلد من البلدان هل المطلوب أن نلحق الأذى بالمحتل؟ هذا احتمال وهذا له لون وله باب وله جواب. هل المطلوب أن ينطرد المحتل؟ هذا لون آخر وله باب وله جواب. هل المطلوب أن يكون هناك كيان يقوم في هذا البلد ويحدث النقلة ويحقق العدالة ويطبق الشريعة؟ هذا أيضا له لون وله باب وله جواب. يعني مما يدلك على خطورة هذا الفقه وضرورة الدندنة حوله وأن يكون يعني يكفينا في هذه الحلقة يا أخي عثمان أن نقول للناس ابحثوا هذا الموضوع ليس أكثر.

عثمان عثمان: إذا كنتم لا تستطيعون يعني فقه الاستطاعة نتحدث به في موضوع الحكومات والحكام، ماذا بشأن العلماء؟ يعني التاريخ حدثنا عن سلطان العلماء وعن غيره كيف ساق المماليك إلى سوق العبيد وباعهم عن مواقفهم القوية في مواجهة ما يجري على الساحة. هل ترون أن هذا الوضع قائم الآن أم أنه بفقه الاستطاعة قد تراجع الكثير من العلماء عن أخذ دورهم في مواجهة الحقائق؟

سلمان العودة: هو فقه الاستطاعة أنا في تقديري أنه ليس هو كما قد يبدو أن فقه الاستطاعة يمكن أن يكون تكأة أو حجة أو مهربا، هذه ترى قضية خطيرة جدا. فقه الاستطاعة ليس مهربا أن الإنسان يترك الأشياء ويقول أنا لا أستطيع أو والله فقه الاستطاعة يأذن. فقه الاستطاعة هو أنه بدلا من أن تكون تجاربنا ومحاولاتنا محاولات متعسفة أو يائسة أو أننا نضرب رؤوسنا في الجدران أحيانا أو أننا نتصرف بردود أفعال وكما يقال إدمان الطواري أن الناس يعني دائما يعيشون في مرحلة يعني توهج ردة الفعل لكنهم لا يفعلون، أن ننتقل من ذلك إلى دائرة الفعل وليس رد الفعل. دائرة الفعل طبعا هنا لا بد يكون عندنا خارطة واضحة إلى أين نتجه، ماذا سوف نصنع، ما هي الأهداف المرسومة، ما هي الأشياء المقدور عليها منها، الله سبحانه وتعالى في عليائه لم يكلفنا إلا بما هو بمقدور كما قال سبحانه {فاتقوا الله ما استطعتم..}، يعني إذا كان قوله سبحانه {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها..} هو خطاب للفرد فإن قوله سبحانه {فاتقوا الله ما استطعتم..} هو خطاب للجماعة للأمة، إذاً هناك مطلوب منا التقوى. التقوى في السياسة كيف تكون؟ تكون بالعدل بين الناس وإيصال الحقوق وتوصيل الخدمات ترفيه المواطن بقدر المستطاع العدالة المساواة الحرية المنضبطة، هذه من أصول السياسة. في الاقتصاد هناك تقوى، في الدعوة هناك تقوى، في العلاقة الأسرية، في العلاقة الدولية هناك قدر من التقوى. لكن هنا التقوى المطلوبة منا هي مربوطة بالاستطاعة لأن هناك درجة من التقوى مثالية قد لا نكون قادرين على الوصول إليها.

عثمان عثمان: من المعلوم فضيلة الدكتور يعني أن أحكام التشريع نزلت بالتدرج وطبعا كان لذلك حكمة ربانية، هل لهذا التدرج وظيفة اليوم؟ هل له علاقة بالاستطاعة، أم لا بد من تطبيق الإسلام جملة واحدة كما يقول البعض؟

سلمان العودة: أنا أذكر لما قال ربنا سبحانه في محكم التنزيل {..خلق السماوات والأرض في ستة أيام..}[الأعراف:54]، كان بعض المفسرين والعلماء يقول إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلق السماوات والأرض بقوله كن فيكون ولكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا التريث، فلا بأس هذا نوع من التفسير الإشاري. كذلك ما يتعلق بالتدرج في الأحكام التدرج في الخمر مثلا التدرج في كثير من الأشياء التي نزلت شيئا فشيئا، هذا لا شك أن من شأنه أن يعلمنا أن الأحكام مرهونة بالقدرة وأن الأحكام لها أسرار ولها شروط بل لم يوجد فيه هذا الشرط فإن الحكم لا يتوجب عليه، لعل الحديث عن الجهاد هناك مئات الآيات القرآنية المتعلقة بالجهاد، طيب هذه الآيات التي تأمر بالجهاد هل هي آيات منسوخة كما يقول البعض؟ هل هي آيات محكمة؟ طيب آيات الصبر في المقام الآخر {..كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ..}[النساء:77] وما يتعلق بذلك، هل هي آية منسوخة نسخا مطلقا؟ كان أعدل وأجمل أقوال العلماء أن قالوا إنه ليس هناك نسخ وينبغي ألا يقال أو يصار إلى القول بالنسخ لأن النسخ إبطال بعض الأحكام الشرعية وبعض الآيات القرآنية أو النصوص النبوية ولكن يقال إن كل أمر منها مرتبط بمرحلة معينة مرتبط بظرف من الظروف ينبغي أن يضبط ويحكم فيه. مثلا قضية الخلافة يعني كثير من الأحكام مربوطة بوجود السلطة الإسلامية الجامعة التي توحد المسلمين وتقوم بهذا العمل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" هذا حديث صحيح، إذاً هذا الحديث يومئ ويشير إلى أن قضية الخلافة هي فترة معينة ثلاثين سنة ثم زالت الخلافة. أحيانا مثلا دعنا نعطي مثالا أقرب إلى الواقع يا أخي عثمان، أنا أذكر لما غزا الأميركان أفغانستان بعد أحداث سبتمبر كنا نجلس مع كثير من الشباب فكنت أقول لهم إن هذه الحرب في تقديري محسومة النتائج، كانوا يقولون لماذا تقول هذا؟ ما يدريك يمكن نفاجأ أو تفاجأ أنت بأن تكون الأمور خلاف ما تتوقع؟ قلت أنا يعني لا أظن أن هناك مفاجآت لأن النواميس الإلهية موضوعة إلا إذا كان الله سبحانه وتعالى أراد أن يتغير نظام الكون فهذا إليه جل وعز ولا أحد يتدخل في حكمه تبارك وتعالى، لسبب بسيط وهو أن الخلافة الراشدة ثلاثون سنة لما انتهت الخلافة الراشدة هناك أناس كثيرون عاشوا فترة طويلة وهم يحلمون أن تعود إليهم قد تكون عادت إليهم ومضة في عهد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من حيث العدل والإنصاف ورد الحقوق وما هو معروف في سيرته كما يسميه بعضهم خامس الخلفاء الراشدين ومجدد من مجددي هذه الأمة كما نص على ذلك الأئمة كابن حجر وسواه والسيوطي وغيرهم، المهم بعد ذلك جاءت دولة بني أمية، دولة بني أمية سقط جاءت بعد ذلك دولة العباسيين ثم جاءت دولة المماليك، العثمانيين، إلى آخر ذلك، إذاً هي فكرة أن نتصور أن اسما أو رمزا أو لافتة معينة أو مشروعا أو مؤسسة أن هذا سرمدي وأبدي هذا ليس ضروريا، حتى الخلافة التي هي نظام يعني إسلامي رباني جاء فيها مثل هذا الوضع يعني.

عثمان عثمان: إذاً التدرج كما كان في عهد النبي عليه السلام له دور وله وظيفة يجب أن يأخذ دوره ووظيفته في حياتنا وفي واقعنا اليوم. فضيلة الدكتور يعني البعض يرى أن التشديد فضيلة من باب الأخذ..

سلمان العودة: التجديد أو التشديد؟

عثمان عثمان: التشديد هو فضيلة من باب الأخذ بالعزائم. كيف ترون الأمر؟

"
التشديد حقيقة ليس بفضيلة حتى مع النفس والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث حنظلة "يا حنظلة ساعة وساعة"
"
سلمان العودة: والله التشديد حقيقة هو ليس بفضيلة حتى مع النفس أنا أقول لأن النفوس إذا كلت عميت، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث حنظلة "يا حنظلة ساعة وساعة" ويقول "لو تكونون عندي كما تكونون في كل حال لصافحتكم الملائكة" ولا أظن أن هذا الحديث قوله "لصافحتكم الملائكة على طرقكم" أنه تحفيز إلى هذا الفعل لأن فيه إشارة إلى الانتقال من المرحلة الإنسانية إلى المرحلة الملائكية وهذا لم يخلق الإنسان له، الإنسان خلق بشرا يعني يخطئ ويصيب وتعتمل في نفسه حتى أن عمر رضي الله عنه كان يقول إن الذين تتحرك في نفوسهم الشهوة ثم يدافعونها {..أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم}[الحجرات:3]. إذاً هنا الإنسانية في كون الإنسان مرة ينجح ومرة يخفق ويخطئ يذنب فسيتغفر ويجتهد أيضا فيصيب مرة ويخطئ ويتعلم من الخطأ ويحاول فلا شك أن التشديد أنا أقول على الناس هو فتنة لا شك فيه، ولكن حتى على النفس قد يجعل الإنسان في كثير من الأحيان يجور في حق نفسه ثم يجور في حق الناس يعني مثلا الذين كفروا الناس أو يكفرون الناس أو يعتدون على الناس في دمائهم ربما تكون البداية أنهم شددوا على أنفسهم، الخوارج مثلا أخذوا أنفسهم بعزائم شديدة في القيام والصيام وكانت جباههم تثفنت وصيامهم ثم آل بهم الأمر إلى سفك الدم الحرام وانتهاك الحدود وما وقع في التاريخ الإسلامي على ما هو معروف.



قواعد وملامح فقه الاستطاعة

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور، يعني هناك قواعد فقهية تتعلق بفقه الاستطاعة منها إذا ضاق الأمر اتسع، كيف ذلك؟

سلمان العودة: نعم هذه القواعد التي ذكرها الإمام الشافعي رحمه الله وأصّل لها في الرسالة وفي غيرها وهو ممن أصّلوا فقه الاستطاعة، طبعا هذا له علاقة بالاستطاعة وله علاقة بالتيسير يعني مما يجمع بين هذين اللونين من الفقه أن الأمر إذا ضاق اتسع، وبعضهم يقول إذا اتسع ضاق بمعنى هذا يؤكد فعلا أن الأحكام الشرعية ليست عبارة عن قوالب كما يظن البعض، حتى الاستدلال بالنصوص هنا لا يكون استدلالا غير واعي وإنما يكون الاستدلال بالنص مع إدراك أن هذا النص لا بد من تحقيق للمناط ولا بد من ربطه بالواقع بشكل معين بحيث يستنطق هذا النص استنطاق النص الشرعي. فهنا إذا ضاق الأمر اتسع وبعضهم يقول إذا اتسع الأمر ضاق، يعني مثلا إذا كان هناك ضيق على الإنسان مشقة يوسع له في الأحكام وهذا واضح مثلا في التوسعة مثلا في السفر التوسعة على المريض التوسعة على الصغار التوسعة فيما يتعلق بالمرأة في اعتبارات معينة التوسعة في حال الحرب في حال الفقر، حتى أباح الله سبحانه وتعالى ما هو حرام مثل أكل الميتة وغيرها في حالة {..وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ..}[الأنعام:119] في حالة الضرورة. وإذا اتسع الأمر ضاق يعني إذا عاد الأمر إلى سعته وإلى بحبوحته وأصبح الناس في خيارات عديدة هنا يعود الأمر إلى ما كان عليه فيصبح ما هو محرم حراما. إذاً هنا هذا يؤكد لنا نقطة وأني رأيت في بعض البحوث المعاصرة أن بعض الناس الذين لم يدركوا فقه الاستطاعة آل بهم الأمر إما إلى اعتساف الناس ومحاولة يعني حمل النصوص على غير ما يمكن وإما إلى إبطال النصوص وهذه مشكلة أخرى فإن بعض الناس آل بهم الأمر إلى إبطال النصوص الشرعية لأنهم كأنهم رؤوا أنها لا يمكن تطبيقها على بعض الأوضاع المعاصرة فقالوا بإبطالها وقال بعضهم إنها تكون مرتبطة بمرحلة معينة ولا شك أنه خطأ بعيد بل هو ضلال بعيد مثلا أن يقول قائل على سبيل المثال إنه والله الحدود الشرعية فرضت لأنه ما كان هناك سجون ما كان هناك مؤسسة للسجون موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان لا بد من حكم عاجل وسريع وهذا حكم مؤقت لوقت معين، فهذا من توقيت ما لم يوقته الله ورسوله.

عثمان عثمان: وماذا عن القاعدة الفقهية أيضا في فقه الاستطاعة المشقة تجلب التيسير، كيف ذلك؟

سلمان العودة: هذا أيضا مثل القاعدة الأولى يعني وجود مشقة على المكلفين تستدعي التيسير والتوسعة عليهم، المشقة على الفرد والمشقة على الجماعة، ولذلك من العلماء من نصوا على أن حاجة الناس العامة تنزل منزلة الضرورة يعني إذا كانت حاجة يحتاجها الناس كلهم في المجتمع فإنها تنزل منزلة الضرورة بمعنى أنه تزداد أهميتها لأنه ليست الحاجة هنا أو المشقة مرتبطة بفرد يقال عليه أن يتحمل ويصبر ويحتسب وإنما هي مرتبطة بالأمة كلها.

عثمان عثمان: ما وجه العلاقة بين الرخصة والاستطاعة؟

سلمان العودة: الرخصة طبعا أنواع، هناك رخص يعني عامة هذه الرخص مفتوحة لنا مقابل ما هو عزائم أو ما يظن بأنه عزائم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي رواه أحمد "إن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى محارمه" فهذا نوع، هناك الرخصة التي هي مرهونة بحال مثل قضية القصر في السفر قصر الصلاة أو جمع الصلاتين أو المسح ثلاثة أيام بلياليها للمسافر أو التيمم أيضا لمن لم يجد الماء. هذه أيضا تسمى رخصا باعتبار أنها في مواجهة عزائم قبلها لمن توفرت له الأسباب والله سبحانه وتعالى قال في شأن قصر الصلاة في قوله سبحانه {..فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا}[النساء:101] ، فهنا الله سبحانه وتعالى نفى الجناح على الناس أن يقصروا الصلاة إذا كانوا في سفر إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا، ولما سئل عمر رضي الله عنه عن الخوف هنا قال إني سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" إذاً هي صدقة أو رخصة، هذه رخصة لأي أحد. هناك نوع ثالث من الرخصة بالمناسبة البعض يثيره أحيانا وهي ما يعتبر رخص العلماء يعني أن هذا الفقيه رخص في مسألة استثناء يعني خالف فيها الجمهور وهذا رخص في مسألة، فالبعض يبحث عن رخص الفقهاء يعني يأتي لكل فقيه فيأخذ ما تسامح أو ترخص فيه ويأتي للآخر ولهذا كان بعضهم يقول لو أن أحدا أخذ برخص العلماء كلهم لاجتمع فيه الشر كله. هذا ليس مطلوبا طبعا أن يكون الأمر بالتشهي أن يأخذ الإنسان بشهوته ما يعجبه من هذا أو ذاك لأن الشريعة مبناها على التكليف وعلى احترام النص.

عثمان عثمان: إنما العلم رخصة من ثقة.

سلمان العودة: (مقاطعا): رخصة من ثقة، هذا كلام سفيان رضي الله عنه أما التشديد فكل أحد يحسنه يقول رضي الله عنه هنا الرخصة من ثقة.

عثمان عثمان: فضيلة الدكتور يعني كما ذكرتم هناك بعض الناس يشددون على أنفسهم، ربما يشددون على الناس يرهقون أنفسهم ويرهقون غيرهم. كيف لفقه الاستطاعة أن يعيد التوازن في هذا الإطار؟

سلمان العودة: والله يجب على الدعاة والفقهاء والمفتين وأيضا المعنيين بتوجيه الرأي العام أن يديروا للناس أمرا رشدا في هذا الخصوص يحفظ للناس دينهم وانتماءهم وفي الوقت ذاته لا يجعل حياة الناس تتحول إلى كبد ونكد ويصبح كثير من الناس مترددين حتى في أقل الأشياء. ربما ذكرت يوما أن أحد الشباب سألني هل يجوز أن نبتسم لكافر إذا لقيته وهو مسافر إلى بلد أجنبي، فكنت أقول له والله إن كان الابتسامة تحتاج إلى فتوى فالأمر عندنا عظيم. يعني الصحابة رضي الله عنهم انطلقوا على سجيتهم في أشياء كثيرة وكان الرجل جاء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما قعد قال له النبي عليه الصلاة والسلام "يا فلان جئت تسأل عن البر؟" فقال نعم يا رسول الله، قال له "استفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك"، فقوله استفت قلبك وإن أفتاك الناس دليل على أن الأمر هذا ليس مقصورا على العلماء الذين يستفتون قلوبهم بل حتى العامة قد يستفتون قلوبهم في مسائل معينة لأنهم أعرف بنياتهم ومقاصدهم ماذا أراد بهذا الفعل والله سبحانه وتعالى تعبدنا أصلا بالمسؤولية الفردية {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا}[مريم:95]، فهنا المسؤولية خاصة وفردية أن تعرف ماذا أردت بهذه النظرة وما أردت بهذه الكلمة وما أردت بهذه الابتسامة، حتى الابتسامة ممكن تكون فعلا ابتسامة حرام لأنها ابتسامة خبيثة لأنها مغرضة لأنها مصيدة ولكن من الذي يقرر هذا ويحكم فيه؟ ليس هو المفتي وإنما..

عثمان عثمان (مقاطعا): "إنما الأعمال بالنيات".

سلمان العودة: (متابعا): نعم، و "إنما الأعمال بالنيات".

عثمان عثمان: دكتور لو أردنا أن نلخص ملامح فقه الاستطاعة الذي نتحدث عنه.

سلمان العودة: ملامح فقه الاستطاعة هذا سؤال مهم لأنه ممكن يلملم أطراف الموضوع. أنا أقول إن فقه الاستطاعة أولا يتعلق بالفرد، ثانيا يتعلق بشكل أكبر بالأحكام السلطانية بأوضاع الأمة والدولة، الجانب الآخر أنها تعني أولا القدرة على فعل شيء من الناحية المادية من ناحية الآلة، تعني ثانيا الأثر المترتب على هذا الأمر وأنه أثر إيجابي أو ما يتعلق بموضوع المصلحة، أزعم أن النصوص الشرعية ترشد إلى إدخال موضوع اعتبار المصلحة والمفسدة بالنظر المعتدل ضمن الاستطاعة كما يرشد إليها أحاديث عدة مثل حديث بناء الكعبة وحديث ترك قتل المنافقين وتطبيقات العلماء في الأحكام السلطانية وفي موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أشياء كثيرة أن الاستطاعة لا تعني فقط أنني قادر على فعل شيء، الاستطاعة لا تعني أن عندي همة وطموح وعزيمة وأظن أنني ممكن أن أحرك وأهد جبلا ولكن لو أريد أن أحرك هذه الطاولة التي أمامي ما استطعت، مجرد وجود الرغبة أو الإحساس بالعزة كما يقع للبعض هذا لا يعني الاستطاعة.

عثمان عثمان: يعني لو كما ذكرتم هناك أمر يتعلق بالحكام هناك ما يتعلق بالعلماء هناك ما يتعلق برب الأسرة. بالنسبة لرب الأسرة وما يتعلق بفقه الاستطاعة ما دوره تجاه أسرته؟ هل يحملهم على الطاعة هل يحملهم على العبادة؟ هل يتعامل معهم بالاستطاعة المطلوبة؟ ما دوره بالضبط في هذا الإطار؟

سلمان العودة: ممتاز. يعني فعله في الاستطاعة بالنسبة لرب الأسرة هل يستطيع رب الأسرة اليوم كما كان يستطيع قبل مائة سنة أو مائتي سنة أن يتصرف مع أسرته بشكل معين؟ الجواب يقينا لا، لأن هناك متغيرات في الواقع إذا لم نفقه هذه المتغيرات ونتقنها بشكل جيد سوف نقع في مزالق عظيمة حتى هي مناكفة للشريعة ذاتها، يعني أصبحت الآن المرأة مشاركة في مصروف البيت كمثال، أصبحت وسائل الإعلام موجودة في كل بيت، أصبح الأبناء متصلين ومرتبطين بالمدرسة مرتبطين بالأصدقاء، كل بيت فيه أجهزة إعلام يوجد في سوني، الغامبويا، ألعاب الكمبيوتر، الإنترنت الآن، قنوات فضائية، فهل الاستطاعة التي كانت موجودة قبل مائة سنة هي الموجودة الآن؟ أبدا. عندك خمسة أطفال ومع ذلك ربما أنهم يهدون حيلك أحيانا لأن إدارة هؤلاء الآن في ظل الظروف المعاصرة لم تكن مثل ذي قبل ولذلك بعض الناس قبل أن يتزوج عنده صورة مثالية سأفعل بزوجتي كذا وسأقدم لها كذا، بينما إذا واجه الواقع أصبح أكثر إدراكا أنه محتاج إلى أن يتعامل بصورة مثالية من جانب ولكن تلامس الواقع من جانب آخر.

عثمان عثمان: طبعا يعني الحديث في هذا الموضوع ربما يطول فضيلة الدكتور ولا تكفي حلقة واحدة لسبر أغواره كلها. لا يسعني في ختام هذه الحلقة إلا أن أشكركم فضيلة الشيخ الدكتور سلمان العودة المشرف على مؤسسة الإسلام اليوم، كما أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، لكم تحية من معد البرنامج معتز الخطيب ومن المخرج منصور الطلافيح ومن سائر فريق العمل، إلى اللقاء في الأسبوع القادم بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

http://www.aljazeera.net/NR/exeres/0...7D0418A656.htm