التاريخ المجهول للموريسكيين المسلمين ونسلهم في أمريكا اللاتينية
بقلم/ سميرة فخر الدين



على الرغم من التطورات البحثية والدراسات التي دُوِّنَت في السنوات الأخيرة بخصوص الوجود «الموريسكي» في أمريكا اللاتنينية إلا أنها تبقى دراسات خجولة جدًا، وغير كافية لاستيعاب هذا الحضور بدقة وشمولية وكلية، وتبقى الأبحاث حول الأمر غير مؤهِلة في قِلَّتِها، للإحاطة بالنظام الطبقي الاستعماري، وفهم تداعياته في مجتمع «العالم الجديد» (الأراضي الأمريكية).

من خلال بعض الأبحاث والمصادر، سنحاول في هذا التقرير دراسة التاريخ الاجتماعي للموريسكيين في أمريكا اللاتينية.

بطرق قانونية وأخرى «غير شرعية»، هاجر عدد كبير من الموريسكيين في القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر من إسبانيا إلى «العالم الجديد». أتى الموريسكيون الأوائل كجنود أسرى كخدم وأحيانًا كحرس مع جيوش الغزاة الإسبان.

لم يحظ الوجود الموريسكي بترحيب، وأبدى التاج الإسباني قلقًا إزاء وصولهم إلى أمريكا، وتماشت هذه المخاوف بشكل وثيق مع العراقيل التي وضعها المُستَعمِر الإسباني لحماية «نقاء الدم»، وضمان الحفاظ على الممارسات الدينية المسيحية ما بين المستوطنين الجدد ومجتمعات الهنود الحمر؛ مما أدى إلى إصدار عدة مراسيم ملكية تحد من قدوم المسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية إلى العالم الجديد.


كيف مُنِع كل من له علاقة بالإسلام من السفر إلى أمريكا اللاتينية؟

يخبرنا التأريخ بأنه مُنع كل شخص تربطه أدنى علاقة بالإسلام من ولوج الأراضي الأمريكية التي وصل إليها «المستكشفون» الإسبان.

بعد معرفته بوجود طائفة تمارس الشعائر الإسلامية بِحُرية تامة، وبشكل صريح وعلني، أصدر الكاردينال الإسباني «فرانسيسكو خيمينيث دي سيسنيروس»، منذ البداية، تعليمات صارمة لأتباعه في «سانتو دومينغو» و«كونسبسيون»، بقمع الممارسات الإسلامية، ومنع كل مسلم من ولوج العالم الجديد.

أوصى الملكان الكاثوليكيان سنة 1501 «نيكولاس دي أوباندو» بعدم السماح بمرور «المور» واليهود والهراطقة والمرتدين عن المسيحية، والمتحولين الجدد للديانة الكاثوليكية، إلى الأراضي الأمريكية.

تؤكد وصية مماثلة أصدرتها الملكة إيزابيل سنة 1530 أن مَأْذونِيَّة وصول العبيد الموريسكيين رهينة بترخيص ملكي خاص. وفي سنة 1539 أخذت المصادقة طابعًا أكثر حدة، فإلى جانب اليهود و«المور» وغيرهم، مُنعت أيضًا ذُريتهم «المتحولة» للمسيحية من إتيان «العالم الجديد»، أما مفهوم «المور» التي سنعتمدها كثيرًا في هذا المقال فيأتي استعمالها رغبةً في تقديم، بدقة متناهية، المعجم الإسباني المستعمل خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر.

لفظ المورو، والجمع مور أو موروس أو موريون، مصطلح ذو استخدام شعبي وعامي يطلق اليوم على كل سكان شمال إفريقيا أي المنطقة المغاربية، كما أنه يمكن أن يشير بالتحديد إلى المغاربة، ويطلق أحيانًا دون تمييز عرقي أو ديني أو ثقافي واضح. حسب الموسوعة البريطانية «بريتانيكا»، فالمور هم السكان المسلمون لشبه الجزيرة اللأيبيرية، أي الأندلس، أو ما بات يعرف اليوم بإسبانيا والبرتغال. بمعنى أن مصطلح المور يشير إلى المزيج العربي والأمازيغي والأوروبي الذي تشكل في البلاد بعد فتح الأندلس، حسب نفس المصدر.

صادق شارل الخامس سنة 1543 وسنة 1550 على المراسيم السابقة. أصدر قرارًا جديدا يقضي بطرد كل «المور» الذين استقروا فعليًا بالمستعمرات الإسبانية في أمريكا، مع فرض غرامات مالية على كل من رَغِبَ بالبقاء، وتأتي كل هذه القرارات من باب «حماية» الساكنة الأصلية من «الطائفة المحمدية».

كما منعت السلطات الإسبانية وصول عبيد كل من سردينيا، ومَيُورَقَة ومنورقة؛ وذلك لكونهم من نسل «المور» ، ناشئين بينهم.

جددت السلطات الإسبانية سنة 1578 المراسيم السابقة، معلنًة عن مدى خطورة تواجد الموريسكيين بين مكونات مجتمع «العالم الجديد» الديمغرافية، خاصة بعد ثورة المورسكيين أو ثورة البشرات (1568ـ1571)، وهي ثورة على تاج قشتالة قام بها مسملو غرناطة الذين أجبروا على التنصر بعد سقوط مملكة غرناطة.

في ظل هذا التصاعد، ألغت السلطات الإسبانية حتى إمكانية تمتيع الموريسكي بحق اللحاق القانوني بمستعمرات إسبانيا في أمريكا، بعد أن كانت تتم بترخيص ملكي خاص، وتوالت الأوامر والتعليمات التي تحرض على طرد الموريسكيين المتواجدين بأمريكا، بتوجيه من سلطات النظام السياسي والسلطات الدينية الكنسية.

كيف وصل الموريسكيون إلى هناك؟

فشلت كل نوايا تغريب الهوية الموريسكية وإقصائها، وعلى الرغم من وضع المجتمع الكاثوليكي والسلطات الإسبانية مخططات للحد من هذا التواجد غير المرغوب، استطاع الموريسكي إثبات حضوره بين ساكنة «العالم الجديد» في الأمريكتين. ويعود ذلك لعدة أسباب نذكر من بينها:

– التمهيد التدريجي للحظر الذي جاء خُطْوَةً خُطْوَةً وَ عَلَى فَتَرَاتٍ.

– حضور الإسلام بأمريكا والإقبال على ممارسة الشعائر الإسلامية بشكل مسبق وعلني وصريح، ولعل التعليمات الصادرة عن الكاردينال ثيثنيروس لقمع هذه الممارسات لخير دليل على ذلك.

– السماح بمرور الموريسكيين بشكل قانوني بعد الحصول على ترخيص خاص من النظام الإسباني، وهي مسطرة لم تُلغ إلا سنة 1578.

– بالإضافة إلى المراسيم القانونية التي سمحت بقدوم الموريسكي إلى أمريكا، كانت هناك طرائق غير قانونية.

كما أن مجرد التطلع إلى طردهم من هناك طرح عدة إشكاليات، مضاعفات وتعقيدات. نذكر من بينها:

– انصهار المكون الموريسكي في باقي المكونات الاجتماعية، ويتجلى ذلك في زيجات ربطت المجتمع الموريسكي بأفراد من السكان الأصليين، وأحيانًا بأفراد من المجتمع الإسباني.

عدد زيجات الموريسكيين و زيجات أبناء الزواج المختلط (الزنوج من الهنود الحمر) حسب حقب مختلفة، استنادا لمعطيات سجلات الزواج في اسبانيا الجديدة.إنشر



– ارتفاع الطلب على اليد العاملة في كل من البيرو والشيلي؛ مما دفع بالمسؤولين إلى تجاهل الأوامر الهادفة إلى إقصاء الموريسكيين.

إن مجرد تكرار السلطات الإسبانية نفس تعليمات الإيقاف والإبطال والحظر في كل مرة، لأكبر دليل على الامتثال الناقص والأبتر للأوامر: يصرح «خوان لوبيث دي بيلاثكو» (1574) أنه بالرغم من قرارات التوقيف، وبالرغم من الحذر الذي استوجب عدم السماح لأحدهم بالقدوم دون ترخيص، كثرٌ هم من مروا للعالم الجديد كبحارة وتجار. كما لم يكن من السهل تمييز الموريسكي عن غيره، فكل ما اعتمدت عليه السلطات لكشف الهوية الموريسكية كان: إدانة لهجته، وتَجْريم ممارساته الدينية، وتَأْثِيم بعض التصرفات المرتبطة بهذه الممارسات، مثل رفض تناول لحم الخنزير وكثرة الاغتسال، وهي كلها أمور لا يعول عليها، بحسبه .

وبشكل عام، بالرغم من حالة التضييق التي تعرض لها الأندلسيون، استطاعوا تأصيل ثقافتهم في الشق الآخر من العالم وراء بحر الظلمات، وذهب إلى هذا الرأي الدكتور علي الكتاني في حديثه عن منع البرتغاليين هجرة الأندلسيين المسلمين إلى البرازيل، عندما احتلوها في القرن السادس عشر «وبالرغم من المنع، وصل الكثير من البحارة الأندلسيين إلى البرازيل لمعرفتهم بالبحار والملاحة فيها، كما هاجر إليها سرًا أندلسيون من منطقة الغرب (جنوب البرتغال)، فأقامت الحكومة محاكم للتفتيش ضدهم، وفي سنة 1594، أخرجت محكمة للتفتيش منشورًا توضح فيه علامات المخفي للإسلام، منها: الغسل والنظافة خاصًة أيام الجمعة، والقيام الباكر و الصيام، ونظافة الملابس».

وحرقت تلك المحاكم الكثير من الضحايا بتهمة الإسلام، وتوجد اليوم في البرازيل عائلات يعتز أفرادها بأصولهم الأندلسية، وقد كوَّن هؤلاء جماعات خاصة في ساو باولو. وهاجر الأندلسيين إلى مناطق أرجنتين اليوم، وبسبب اضطهاد الكنيسة والدولة، لم يبق يبق من إسلامهم إلا ذكرى.


الوجود الموريسكي في أمريكا: وثائق ومعطيات

تمنحنا مؤلفات كل من القس الإسباني «خوان دي كاسطيانوس»، ومؤلفات المؤرخ «بارتولومي أرثانس دي أورسوا إي بيلا» من البيرو، وأرشيف ملفات محاكم التفتيش نبذة عن الحضور الموريسكي في تلك الفترة لأشخاص أثبتوا حضورهم كجند، وحرس، وعبيد وحرفيين. كما تتحدث المصادر عن موريسكي استطاع أن يصبح زعيم قبيلة للهنود الحمر في فنزويلا، وآخرون شغلوا مناصب هامة كمراقبين للأهالي في المستعمرات الأمريكية.

شرع الإسبان في تعميد الأندلسيين ابتداءً من سنة 1500، فاعتنقوا المسيحية بشكل رسمي. يرى الكاتب والباحث الدكتور إيرنان تابوادا أن في ظل عزلتهم وبعدهم عن الممارسات الإسلامية، على الأقل بشكل علني، وفقدوا إحساس الانتماء للثقافة العربية بشكل تدريجي، وعلى الرغم من ذلك لم يحررهم هذا الانسلاخ المتنامي عن الهوية الإسلامية من مضايقات السلطات.

اتُهِمُوا بممارسة الإسلام في السر، وبسب رموز الديانة المسيحية، وبالتآمر ضد المجتمع الكاثوليكي. شكل الأندلسي نموذجًا لذلك الإنسان الذي أدرك حجم خسارته لهويته. وإن كان يعلم أنه خاسر لا محالة، إلا أنه سعى في محاولات أخيرة؛ نُصْرَة ذلك الشيء الذي يراه قيمًا، وحارب من أجل هويته، تلك الهوية التي سُرِقَت منه باسم التعاليم الدينية.

بالرغم من تبني هذا الموقف السلبي إزاء تواجد الموريسكيين في إسبانيا والتحريض على طردهم، إلا أن قرار منعهم من الرحيل «للعالم الجديد» بشكل نهائي جاء متأخرًا. حتى إن هناك من دافع بين صفوف أعداء الموريسكيين عن فكرة ترحيلهم للقارة الأمريكية؛ مخافة تزايدهم الديمغرافي في شبه الجزيرة الإيبيرية. الأمر الذي عبر عنه الروائي الإسباني «ميغيل دي سيربانتيس» في قوله «لا الدعوة الدينية أجهَضَت تكاثُرهم ولا الهجرة».

من بين الحلول الكثيرة التي تم طرحها ومناقشتها للتخلص من الموريسكيين في إسبانيا كَحَلِ، كان إخصاء الذكور، واقترحَت أيضًا مسألة ترحيلهم إلى مناطق أمريكية قاحلة غير عامرة، ولاصالحة للسكن. نصح «برناردينو دي إيسكالانتي» في رسالة بعثها لـ«فيليب الثاني» سنة 1596 بطرد سنويًا عدد معين من الموريسكيين من أسبانيا وتوزيعهم على أراضي أمريكية مختلفة مع تفريقهم بين الساكنة الإسبانية والهنود الحمر و إشراكهم في الحملات الاستعمارية.

لازال التراث الإسباني يخلد في أمثال شعبية، ما يدل على صفة الجدية والكد في العمل المتأصلة في مجتمع «المور»؛ نذكر من بينها: «من لديه مور لديه كنز»، و«البستان كنز إذا كان البستاني مورو».

إن اجتهاد الموريسكيين المعروف وعملهم الجاد دفع ببعض المسؤولين إلى طلب قدومهم لإسبانيا الجديدة، فقد اقترح الأسقف «ثوماراغا» حوالي سنة 1540 مجيئهم لإنجاز مشاريع لنسج الحرير. طلبٌ مشابهٌ قدمه المهندس المعماري الإيطالي «خوان باوتيستا أنطونيلي» إذ التمس استقدام يد عاملة موريسكية للقيام بتحصينات في كوبا.

ابتداءً من سنة 1578 أُوصِدت أبواب «العالم الجديد» بشكل قانوني، ورسمي ونهائي أمام الموريسكيين. وحتى الذين لحقوا بتلك الأراضي بشكل مُسبق، كان عليهم العودة إلى أسبانيا بموجب أمر ملكي، ولكن بالرغم من هذا التوقيف الرسمي يرى الكاتب الدكتور «إيرنان تابوادا» أن الموريسكيين واصلوا اللحاق بـ«العالم الجديد» واستمروا في تأصيل ثقافتهم بالشق الآخر من عالم ما وراء بحر الظلمات، وضج صدى حضورهم إلى غاية نهاية الاستعمار الإسباني للأمريكتين.


شخصيات مسلمة مغامرة في أمريكا اللاتينية

حَلَّ بعض الأندلسيين مع السفن الإسبانية الثلاث التي وصلت إلى أمريكا سنة 1492. هناك أخبار كثيرة عن وصول مغامرين مسلمين أندلسيين اجتهدوا في إخفاء هويتهم الإسلامية إلى «العالم الجديد» بحثًا عن خلاص في تلك الديار البعيدة. وفي ذلك يقول الدكتور الكتاني « بعد سقوط غرناطة (…) هاجر إليها الأندلسيون المسلمون مع الجيوش الغازية هروبًا من محاكم التفتيش، لكنهم وجدوا محاكم مماثلة تنتظرهم في القارة الأمريكية. وأول من وصل إلى شمال أمريكا من الموريسكيين «روديكو دي لوبي»، زميل «كلومب»، الذي أعلن إسلامه بعد رجوعه إلى إسبانيا، و«استبانيكو دي آزمور»، الجنرال الإسباني الذي احتل أريزونا ، وهو في الحقيقة «موريسكي».

هناك حديث عن «ابراهيم بن أحمد المرباس» من فيليث- مالقة، والذي في ظل مغامرات، ودون أن يشك أحد في أصوله الإسلامية، وصل إلى الهند الغربية (وتطلق هذه التسمية على مجموع الأراضي الأمريكية التي وصل إليها المستكشفون الإسبان). وعنه تروى قصة قصيرة جدًا: تصف مدى إعجابه بالسفينة الشراعية التي نقلته، ومغامراته اللاحقة في البحر الأبيض المتوسط.

يرى الكاتب والصحافي البيروفي «نيلسون مانريكي غالبيس» أن الوجود الموريسكي في القارة الأمريكية لم يلقَ نفس حالة الرفض العميق التي تعرض إليها اليهود المنصرون؛ وذلك لكونهم أشخاص لا يتطلعون للاغتناء ولتكديس الثروات. وبالتالي لم تُثِر نشاطاتهم عداوات خاصة، مقارنة باليهود، كما كان الموريسكيون حرفيون مهرة قدموا اسهامات إنتاجية ذات قيمة عالية في مجتمع حاول ابتكار نفس نمط حياة المجتمع الإسباني في القارة الأمريكية.

أما الحالة الوحيدة التي حققت ثروة حسب الكاتب البيروفي «ألبيرتو فلوريس غاليندو» فتتمثل في غريغوريو ساباتا الذي عاش تحت التاج الإسباني بهوية مزورة. استطاع أن يصبح قائدًا، وكون ثروة في بوتوسي، ولم يفصح عن هويته إلا بعد زمن، وبالتأكيد لم يكن ساباتا الوحيد الذي لقي ترحيبًا في ليما التاج الاسباني. يتحدث الكاتب الصحفي البيروفي «خوان خوسيه بيغا» عن كريستوبال من برغش (محتل أمي يضع حلقة أذن)، والذي بالرغم من أصله الإسلامي استطاع أن يصبح نائبًا في ليما، ومراقبًا للأهالي في المستعمرات الأمريكية في كوتوبامبا بالبيرو، وذلك لانخراطه في حروب ضد الإنكا إلى جانب الإسبان، كما أتى على ذكر محارب آخر من أصل موريسكي، يدعى فرانسيسكو دي طالابيرا، والذي كان هو الآخر نائبًا مسؤولًا في ليما وصديقًا لبيسارو، و«لورينزو فارفان دي لوس غودوس»، أول عمدة بمدينة سان ميغيل دي بيورا بالبيرو، وعمدة ليما سنة 1535 دون «نيكولاس دي ريبيرا» ذو الأصول الأمازيغية، وإن نفى ذلك.

اتُهِمَ «دييغو دي ألماغرو»، الذي كان حاكمًا ومارشاًل، في أكثر من مرة بالانتماء لأصول اسلامية. تذكر بعض الروايات أنه عندما خُنِقَ على يد إيرناندو بيسارو أمر بتعرية جسمه للتحقق إذا ما كان خاضعا لعملية ختان أم لا، واكتُشِفَ أنه لم يخضع لها؛ لأنه وُلِدَ مسيحيًا، وإن لاحقته إشاعات بعد ذلك تؤكد أنه من أم موريسكية.


الموريسكيون العبيد

لقد كانت العبودية مؤسسة شرعية سارية، ومعمول بها وقائمة بذاتها ونافذة. ضمت بشكل عام مئات الآلاف من العبيد. معظمهم أسرى حرب، ولعل من بين الوثائق التي تؤرخ لهذا العدد الهائل، هو العدد الكبير من التراخيص التي دونت للسماح بمرور العبيد البيض إلى القارة الأمريكية.

كان من الشائع رفض هؤلاء العبيد السفر البحري. اعتادت السلطات اتخاد إجراءات ضد كل عبد سعى بدلًا من مواجهة رحلة البحر، إلى الفرار للساحل البربري، ومصطلح الساحل البربري كان مستخدمًا من قبل الأوروبيين من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر للإشارة إلى المناطق الساحلية الوسطى والغربية من شمال إفريقيا، والتي هي حاليًا المغرب، والجزائر، وتونس وليبيا. تم اشتقاق الاسم من الأمازيغ في شمالي إفريقيا، كما أن الاسم اقترن لدى الأوروبيين حسب ما قيل بتجارة العبيد بين أوروبا وجنوبي الصحراء وأعمال القرصنة في البحر المتوسط وشمالي الأطلسي.

صدر قرار سنة 1506 يستوجب طرد العبيد المسلمين والسود الوثنيين من أمريكا. بالرغم من الحظر الرسمي، وساد وجود العبيد البيض في حقبة 1540، ثم قل وجودهم بعد ذلك، ثم فُوِض دخولهم أحيانا بشروط ، مثل ضرورة تعميدهم قبل بلوغ الثانية عشر من العمر. لا يوجد سبب للشك في صعوبة تحقيق هذا الشرط، خاصة أن هذا التعميد لم يكن متواترًا في أبرشيات إشبيلية.

هناك عدة أمثلة تؤرخ لحضور العبد الموريسكي في « العالم الجديد». نذكر على سبيل المثال عقد بيع أحدهم في أريكيبا في البيرو سنة 1538 لعبد موريسكي أبيض بعلامة على ذقنه بـ400 بيسو ذهبية، واقتنى «خوان دي روانثا» عبدًا موريسكيًا بعلامة على وجهه بـ600 بيسو، كما اقتنى خوان ليون جارية موريسكية بيضاء بعلامة على الوجه بنفس الثمن.

وبعيدًا عن مسألة المعاملة الوحشية التي تلقاها العبيد بشكل عام، لم تكن نادرة الحالات التي تعكس تعاطفًا مع العبيد الموريسكيين. أعتق خوان دي بانيس سنة 1538 جارية بيضاء تدعى ماريا، وفي السنة الموالية، قام الموثق بيدرو دي كاستانييدا بنفس الأمر مع جاريته إيزابيلا، التي كان قد أنجب منها طفلة.

خول مجلس أريكيبا إمكانية شراء العبيد سنة 1550. في سنة 1702 وعلى إثر وشاية تتهم بالكفر، تم تهجير عبد « مورو» من تاكسكو المكسيك إلى إسبانيا.


موريسكيات في أمريكا اللاتينية.. نقل الحجاب للعالم الجديد

في مقالة «الموريسكيات وتأثيرهنّ في مجتمع البيرو»، توضح الكاتبة نادية ظافر شعبان «أن الغزاة الإسبان، في سنوات الاستعمار الأولى، كانوا يريدون أن يحقّقوا تكوّن مجتمع إسباني في البيرو، وأصرّوا على الفصل بين غالبين ومغلوبين، كما رفضوا بالمطلق فعل التهجين والزواج من هنديات، فذلك يجسّد كما يذكر خايميه أنريكيز، خطر الاختلاط بعرق غريب، لا يعرف عنه الإسبان شيئًا، ولا يتحدثون لغته، وإن كانت الزوجة الهندية الوثنية، معتنقة حديثًا للمسيحية، وابنة سلالة نبيلة».

في البيرو، كان ثمّة حاجة ماسة، لوجود نساء أوروبيات، يصعب وصولهنّ إلى بلاد بعيدة جدًا، احتُلّت حديثًا، ولا تزال الحياة فيها مضطربة وغير مستقرّة، لذا فرض المستعمرون القادة على الأهالي، الارتباط بالموريسكيات، اللاتي يتحدثن الإسبانية، والمباعات كرقيق في إسبانيا، شرط أن تكون واحدتهنّ، معتنقةً للمسيحية منذ عشر سنوات.

كانت المسيحيات الإسبانيات أقلية في البيرو، وشكّل وجودهنّ بعد العام 1550، 10%، ولم يكن في ليما العام 1537، غير 14 إسبانية و380 إسباني. وقد لَقبت دونيا إيزابيل رودريغيز نفسها في العام 1570،بـ (الغازية الأولى) في مملكة البيرو.

قليل من الإسبانيات، باستثناء الموريسكيات، عايشن مرحلة الاستعمار الأولي مابين1532 و 1535. يرى الدكتور «عبد الحميد أمروش» أن عدد الموريسكيات القادمات في القرن الخامس عشر إلى « العالم الجديد» فاق عدد الموريسكيين الذكور. كما أن تسمية الموريسكيين بأسماء مسيحية صعب على المؤرخين معرفة عددهم بشكل دقيق. دخل البيرو وحدها أكثر من ثلاثمائة امرأة موريسكية ما بين 1532 و 1549. ومع تزايد عدد الاسبانيات الوافدات إلى العالم الجديد تراجع عدد الموريسكيات، فانصهرن ضمن الساكنة النسوية الإسبانية، وحظين بالحرية إلى أن توقف التاريخ عن ذكرهن في منتصف القرن السادس عشر. تمتعت الموريسكيات بوضع غامض. ما بين أصلهن الإسلامي غير المرغوب وقِدَم حضورهن في المجتمع الاستعماري الذي شكل نقطة إيجابية رفعت قيمتهن في عين المستعمِر.

انطلاقًا من موقعهنّ كزوجاتٍ لقادة ونافذين من المستعمرين الإسبان، ومن موقعهنّ كمرشدات، ومديرات أعمال ومدبرات منازل، نشرت الموريسكيات سمات عديدة من ثقافتهنّ الإسلامية الأندلسية.

تحدثنا الدكتورة ناديا ظافر شعبان عن أشهر موريسكية في تاريخ أمريكا اللاتينية، ألا وهي «بياتريس دي سالثيدو»، زوجة المفتش الملكي «غارثيا دي سالثيدو»، والتي كان لها من موقعها الاجتماعي المميّز، تأثير كبير في حياة المجتمع الجديد الناشئ.

كانت بياتريس أول امرأة إسبانية موريسكية، تدخل الإمبراطورية المهزومة، وتعايش زوجات وأخوات «أتاهوالبا»، وتؤرّخ في مذكراتها لهذا الحدث التاريخي المهمّ. وقد أدارت بياتريس كلّ الأعمال التجارية لزوجها الذي أورثها ثروة طائلة، ورزقت منه بابنتين، تزوجتا من رجلين مرموقين، وكانتا تحملان الثقافة الإسلامية العربية الأندلسية، وكانت بياتريس أول امرأة تشغل منصب قاضٍ في محاكم مملكة إسبانيا، محقّقةً بذلك ما لم تستطع أيّة امرأة أخرى أن تحقّقه طوال قرون، وهي التي أدخلت زراعة القمح إلى البيرو، مسترجعةً بعض حبّات غير مطحونة جيداً من طحين مصدره إسبانيا.

غير ذلك، يستوقفنا في بانوراما تأثير ثقافة الموريسكية في الحياة الاجتماعية البيروفية، نقل عادة الحجاب، التي شاعت بقوة في العاصمة ليما، وتأثيرها في نظام الأسرة الغذائي، الذي اقتضى زراعة حبوب وفاكهة أندلسية، لم تكن موجودة قبلًا في البيرو، وأصبحت بالتالي جزءً من وجبة العائلة البيروفية.

ومن بين الموريسكيات الشهيرات في أمريكا اللاتينية، نذكر أيضًا فرانسيسكا سواريس، المعروفة بلقب (البلنسية)، والتي كانت واحدة من الشخصيات المعروفة في ليما ما بين 1530 و1550. استطاعت إنشاء فندق ومخبزة، كما حازت خمس منازل إلى جانب منزلها الخاص، وتزوجت أربع مرات. واحدة من الزيجات كانت بأنطونيو دي طوليدو الذي ساعدها في إدارة شؤون الفندق، ولكن سرعان ما تم إلغاء الزيجة من طرف السلطات الإسبانية، وذلك بسبب حدوث حالة لطالما تكررت في المجتمع الاستعماري: لقد كان زوجها متزوجا بأخرى؛ استسلم المستوطنون الجدد لإغراء الارتباط بأخرى، ونسيان الزوجة الأولى في إسبانيا، خاصة إذا ما كانت زوجة فقيرة بعيدة أمام أخرى غنية قريبة.

لقد كان زوجها طوليدو متزوجا في إسبانيا فرفعت الزوجة الشرعية دعوى قضائية ضده، وعلمت محاكم التفتيش بالأمر سنة 1554 فقامت بترحيله بعد أن أبطلت زواجه بالموريسكية البلنسية، كما اشتغلت المرأة الموريسكية كمولدة وصاحبة فندق وخبازة وفي وظائف هامشية كخادمة وغيرها.

تحرر مصطلح موريسكي من قالب التسمية العرقية الدينية؛ ليكتسب تدريجيًا نمطًا ظاهريًا مألوفًا. في القرن الثامن عشر، وبدأت الدلالات الدينية السلبية التي يحملها لقب موريسكي تتراجع.

شكل الموريسكي فئة مفاهيمية هامة في النظام الطبقي الاستعماري. استطاع الاندماج بسهولة في مجتمع العالم الجديد، وكان الموريسكي حرفيًا ماهرًا، تحدث القشتالية بطلاقة، وتلقب بأسماء إسبانية؛ مما أدى إلى صعوبة تمييزه عن الإسباني، وبالتالي سهولة وصوله إلى العالم الجديد، واستطاع الإندماج في المساحات الشاسعة للإمبراطوريات الإسبانية الخاصة بعالم ما وراء البحار، كما ساهم بملكته الإبداعية وعبقريته الفنية المعمارية في بناء الوجه الحديث لأمريكا اللاتينية.