بشرى ( مقالات الرافعي المجهولة في اللغة والأدب ) - الصفحة 2
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 27 من 27
14اعجابات

الموضوع: بشرى ( مقالات الرافعي المجهولة في اللغة والأدب )

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    لقد راعني ما قرأته في تصدير كتبه الأستاذ رجاء النقاش منذ سنوات لمختاراته من كتاب (وحي القلم) الذي أصدرته الهيئة العامة للكتاب ضمن مشروع مكتبة الأسرة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي حيث كشف حقائق مؤلمة تؤكد ما ذهبنا إليه في هذه المقدمة وما كتبناه سابقًا ، إذ يشير - كان ذلك في عام 1995 - إلى أنَّ الحياة الأدبية العربية بدأت تكتشف الرافعي من جديد بعد أن أهملته ما يقرب من ستين سنة متصلة ، وبعد أن نظرت إليه على أنه أديب تقليدي تصعب قراءته؛ لأن كتابته مليئة بالتعقيد والتكلف كما كان يقال عنه !! الآن فقط ، وبعد وفاة الرافعي بثمانية وخمسين عامًا بدأ الأدباء يعودون إلى الرافعي ويعيدون التفكير فيه ويرون أن نظرتهم إليه كانت خاطئة وأن أسرار الجمال في أدبه كانت أكثر بكثير مما توهَّم المتوهمون الذين حكموا عليه بالغموض واتعقيد". ومما يؤسف له أن دور النشر في مصر قد سارت على نفس الطريق في إهمال الرافعي وإعطاء ظهرها له " فلم تنشر له دار مصرية كلمة واحدة منذ ما يقرب من نصف قرن كامل".

    ورغم الحملات المنظمة التي لا تزال تشن على الرافعي وأدبه ؛ فإن مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة على الشبكة العنكبوتية قد أعادت للرافعي بعض حقه ؛ إذ سرت عباراته وكلماته في هذا العالم الافتراضي وشاعت بشكل ملحوظ، وأسس بعض القراء عشرات الصفحات والمنتديات باسمه تارة ، وتارة أخرى باسم كتبه ؛ فكشفوا عن لآليء أدبه ودرره في الدين والحياة ، وفي كل يوم يكتسب هذا الرجل أرضًا جديدة بين محبي العربية رغم التعتيم المتعمد حول أدب وشخصيته .

    لقد كنت أتوخى مراجعة المقالات وأحرص على تدقيقها وتفسير غوامضها وإضافة بعض ما من شأنه توضيح النص للقاريء الكريم ، وعزو ما ورد فيها من نصوص وأشعار؛ وحاولت جهدي أن أقدم النص كما أراده صاحبه ؛ فصححت مجتهدًا ما تراءى لي من أخطاء ، وضبطت الكلمات في المواضع التي قد تلتبس على القاريء الكريم ، أو في المواطن التي قد تعينه على فهم أفضل مع حرصي على ألا أثقل النص بالحواشي الزائدة التي لا تزيد القاريء إلا خبالاً ، أما الحواشي التي وضعها الرافعي فقد أثبتها كما هي
    ووضعت اسمه في آخرها ين قوسين هكذا : ( الرافعي ) .

    وقد رأيت إيراد المقالات حسب تاريخها من الأقدم إلى الأحدث مع توضيح مناسبتها في الحاشية كلما عنَّ ذلك ؛ وأثبتُّ عددًا من الوثائق والصور النادرة التي تحصلت على كثير منها من ذاكرة مصر المعاصرة بمكتبة الإسكندرية .
    فلهم مني خالص الشكر والتقدير ، وعساي أن أكون قد أصبت الطريق الصحيح في التعامل مع هذه الأعمال التي تقدم للقاريء أول مرة.

    إن تراث الرافعي المجهول الذي لم يصل إلى القاريء ليس محدودًا كما يظن خطأ ، ولا هو قليل الفائدة ، فقد صاحبنا مكثرًا من الكتابة لا يتردد في تلبية أي دعوة للكتابة مهما كان حجم المجلة أو الصحيفة ، ولست أزعم أني قد جمعت كل مجهولاته بحيث لم أترك شاردة ولا واردة ؛ بل هناك أعمال أخرى كثيرة بتوقيعه أو باسم وهمي كما كان شأنه في كثير من المقالات ، فضلا عن خزائن ورثته وورثة أصدقائه وأقربائه وتلاميذه الذين كانت له معهم مراسلات .

    وبعد ؛ فرغم كل العنت الذي لاقيته مذ ولجت سبيل الرافعي الشائكة هذه حتى بلغت معه السعي في هذا الكتاب الذي تقدمه ( المجلة العربية ) للقاريء الكريم مشكورة ؛ فقد كنت حريصًا على ألا أتكاسل أو أتوانى عن تأدية هذا العمل الشاق؛ إذ إن أدب هذا الرجل الصلب جزء أصيل لا يتجزأ من هوية هذه الأمة ، وبعث هذا التراث والمحافظة عليه أمر واجب تحتمه الظروف الراهنة القاسية التي نصارع فيها من أجل البقاء، والغارة على ثوابتنا قائمة ومستعرة ؛ فهل سنفيد من ماضينا لحاضرنا ومستقبلنا ؛ أم سنكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا ؟!


    وليد عبد الماجد كساب
    ثغر الإسكندرية - سيدي بشر
    الأحد 11 ذو القعدة 1437 هـ
    14 أغسطس 2016 م
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عبدُالرَّحمن بنُ القِنويّ

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    حياة الرافعي : تاريخ وأحداث
    1230هـ : وفاة الشيخ عبد القادر الرافعي الكبير عميد الرافعيين بطرابلس الشام.

    1243هـ : / 1827م : هجرة الشيخ محمد طاهر الرافعي إلى مصر وتولى قضاء المذهب الحنفي بقرار من السلطان العثماني محمود الثاني . وبه بدأ أول عهد آل الرافعي بمصر حسب رأي البعض ، ويرجح بعض الباحثين أن أصلهم مصري وليس سوريا ؛ وينتهي إلى قرية (بيسارة) في محافظة أسيوط بصعيد مصر.

    1881 : مولد مصطفى صادق بن عبد الرازق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي بقرية بهتيم بمحافظة القليوبية بمصر في بيت جده لأمه أسماء ابنة الشيخ أحمد الطوخي.

    1314هـ / 1896 أو 1897م : صدور الطبعة الأولى من مسرحيته (حسام الدين الأندلسي) تقديم الشاعر محمود سامي البارودي، وهي المسرحية التي ظلت غائبة عن خريطة الأدب أكثر من قرن من الزمان حتى أعان الله كاتب هذه السطور فأعاد تقديمها إلى القاريء سنة 1436هـ / 2015 م.

    1897 - 1898 : حصوله على شهادة الابتدائية من مدرسة المنصورة الأميرية، ثم إصابته بمرض التيفود الذي أفقده جزءًا من سمعه.

    أبريل 1899 : تعيينه بمحكمة طلخا الشرعية، قبل أن ينتقل إلى محمكمة إيتاي البارود الشرعية ، ثم إلى محكمة كر الزيات فمحكمة شبين الكوم، وأخيرًا محكمة طنطا التي استقر به المقام فيها حتى وفاته .

    1903 : صدور الجزء الأول من ديوان الرافعي بشرح أخيه محمد كامل الرافعي ، وبتقريظ الشاعر محمود سامي البارودي والشاعر العراقي عبد المحسن الكاظمي والشاعر حافظ إبراهيم والكاتب والشاعر مصطفى لطفي المنفلوطي، ثم كتب الشيخ إبراهيم اليازجي تقريظًا له في مجلة (الضياء) بعدد يونيو من العام نفسه .

    1904 : زواجه من شقيقة صديقه الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي أحد أعيان كفر الشيخ وصاحب مجلة (البيان) فيما بعد.

    1904 : صدور الجزء الثاني من ديوان الرافعي.

    1905 : المعتمد البريطاني اللورد كرومر يشير في تقرير رفعه إلى الحكومة البريطانية إلى تعاظم دور عائلة الرافعي في القضاء بشكل لافت.

    1905 : الشاعر العراقي الكبير عبد المحسن الكاظمي يتأهب لمغادرة القاهرة إلى الأندلس ويكتب للرافعي كتابًا جاء فيه : ( ثق أني أسافر مطمئنًا وأنت بقيتي في مصر )
    أبو_جندل و عبدُالرَّحمن بنُ القِنويّ الأعضاء الذين شكروا.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    1905 : الرافعي يبدأ معركة (طبقات شعراء العصر) بمقال كتبه مجهَّلا في (مجلة الثريا) قسَّم فيه شعراء عصره إلى طبقات وجعل نفسه في الطبقة الأولى مع الكاظمي والبارودي وحافظ ، واستمرت المعركة عدة شهور وشهدت ردودًا لاذعة في كثير من الصحف والمجلات ، وتعتبر هذه المعركة هي البداية الحقيقية للرافعي إذ عرف من خلالها بشكل أوسع.

    1324هـ / 1906م : صدور الجزء الثالث من ديوان الرافعي.

    1327هـ / 1908م : صدور الجزء الأول من ديوان ( النظرات).

    1911م : صدور كتابه (تاريخ آداب العرب) الذي انقطع لتأليفه منذ منتصف سنة 1909.

    1911 : معركته مع أحمد لطفي السيد بسبب دعوة الأخير إلى العامية بديلا للغة العربية الفصحى.

    1912: إنشاء كتابه (حديث القمر) وهو أول ما أنشأه الرافعي من أدب الإنشاء، وكان قد شرع في كتابته بعد عودته من رحلة لبنان من العام نفسه.

    1332هـ / 1914م : صدور كتاب ( إعجاز القرآن) أول الأمر كجزء من كتابه السابق (تاريخ آداب العرب) قبل أن يتم فصله بعد ذلك ونشره مستقلا.

    1335هـ / 1917م : الرافعي يصدر كتابه (المساكين) إثر قيام الحرب العالمية الأولى وما جرَّته من ويلات على العالم والإنسانية.

    1920 : الرافعي يفقد السمع نهائيا ويبدأ تعامله مع الناس من خلال الكتاب وقراءة حركة شفاه الآخرين.

    1339هـ / 1920م : صدور كتابه ( النشيد الوطني المصري) عن نشيد (اسلمي يا مصر) أهداه لسعد زغلول باشا.

    1912 : الرافعي يهاجم سعد زغلول في مقال بعنوان (جنود سعد) بجريدة (الأخبار) عقب الاعتداء على ابن عمه أمين بك الرافعي ، فيما قيل: إنه كان بإيعاز من زغلول نفسه.

    1921 : محاولة لنقل الرافعي إلى أسيوط إثر دسيسة من بعض النس وقيل: إن سببها هو مقاله ( جنود سعد)، ثم توسط البعض لإلغاء النقل إلى أسيوط وجعله مخففا لى المنصورة .

    1342هـ / 1923م : اعتماد نشيد الرافعي ( اسلمي يا مصر) نشيدا قوميا لمصر، وقد ظل معمولا به حتى عام 1936.

    1924 : صدور كتابه ( رسائل الأحزان) وانتقاد الدكتور طه حسين له في صحيفة ( السياسة الأسبوعية).

    1924: معركته الصحفية مع الكاتب فكري أباظة ، ونشره مقالا في يناير من نفس العام بصحيفة الأهرام تحت عنوان (إلى الأستاذ فكري أباظة).

    1343هـ / 1925م : إصدار كتاب (السحاب الأحمر).

    1925 : تقدُّمه لجائزة القصة التي أعلنت عنها مجلة (المقتطف) بقصة تحت عنوان (عاصفة القدر) وإخفاقه في الفوز، واتهامه للجنة بالتحيز في التحكيم.

    1926 : اعتماد الرافعي شاعرًا للملك فؤاد الأول بعد ترشيحه من قبل محمد نجيب باشا.

    1926 : نشوب معركة الشعر الجاهلي بين الدكتور طه حسين وكثير من رموز عصره ومنهم الرافعي، وهي المعركة الأشهر في تاريخ الحياة الفكرية والسياسية في مصر؛ إذ رأى فيها الكثيرون خروجًا على ثوابت الدين الإسلامي الحنيف، وقد جمع الرافعي جل هذه المقالات فيما بعد في كتابه (تحت راية القرآن).

    1926 : سعد زغلول باشا يقرِّظ الطبعة الملكية لكتاب (إعجاز القرآن) للرافعي بعد فصله عن كتاب (تاريخ آداب العرب)، ويقول مقولته الشهيرة : " كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم ".

    1926 : الأستاذ عباس محمود العقاد ينتقد كتاب (إعجاز القرآن) بصحيفة (البلاغ الأسبوعي) والرافعي يرد عليه بمقال لاذع.

    1927 : وفاة ابن عمه أمين الرافعي ، وهو أحد رواد الحركة الوطنية المصرية، التحق بـ (الحزب الوطني) مع الزعيم مصطفى كامل، وزامل سعد زغلول قبل أن يختلف معه، وهو علم من أعلام الصحافة العربية.

    1927 أو 1928: انتخاب الرافعي عضوًا بالمجمع العلمي بدمشق، والذي سمي فيما بعد بمجمع اللغة العربية بدمشق.

    1928 : جمعية الشبان المسلمين تختار نشيد الرافعي (ربنا إياك ندعو) نشيدًا رسميًّا لها من بين عدة أناشيد تقدم بها بعض الشعراء.
    أبو_جندل و عبدُالرَّحمن بنُ القِنويّ الأعضاء الذين شكروا.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    1929 - 1930: الرافعي يكتب سلسلة مقالاته (على السفود) بـــــ (مجلة العصور) باسم رمزي هو (إمام من أئمة الأدب العربي)، وهي المقالات التي أثارت جلبةً كثيرةً في الأوساط الفكرية والأدبية، ثم صدور هذه المقالات في كتاب منفرد يحمل ذات العنوان واللقب.

    1930: الشاعر عبد الله عفيفي يحلُّ محل الرافعي شاعرًا للملك بإيعاز من الإبراشي باشا.

    1930: معركته الأدبية مع الدكتور زكي مبارك على صفحات (مجلة المقتطف)، وقد دارت المعركة حول بداية نشأة فن المقامات المعروف في الأدب العربي.

    1930: معركته مع سلامة موسى في مجلة (الفتح) عقب انتقاد موسى له في مجلته (المجلة الجديدة) ورميه بعدة تهم ونقائص.

    1349هـ / 1931م: صدور كتابه (أوراق الورد: رسائلها ورسائله).

    1350هـ/1931م: الرافعي يكتب نقدًا - نشر في مجلة المعرفة - لكتاب (ابن الرومي) الذي ألفه الأستاذ عباس محمود العقاد.

    1932: بداية تعرف الأديب محمد سعيد العريان إليه في طنطا، وإلى العريان يرجع كثير فضل في نشر أدب الرافعي والتعريف به.

    1933: الرافعي ينتقد (ديوان الأربعين) لعباس محمود العقاد في عدة مقالات مسلسلة على صفحات (البلاغ) نقدًا لاذعًا؛ لكنه أقل حدة من السفافيد، ويمكن القول: إن هذه المقالات تفصح عن الرافعي الناقد الحقيقي.

    1934: بداية كتابته في (مجلة الرسالة) بدعوة من صاحبها الأستاذ أحمد حسن الزيات، وكان مقال (فلسفة القصة) أول ما كتب، وقد نشر في العدد الأربعين.

    1355هـ/1936م: صدور الجزء الأول والثاني من كتابه الأشهر (وحي القلم).

    1937: سأله محرر (الدنيا) قبل وفاته بنحو شهرين: بعد الموت ماذا تريد أن يقال عنك؟ فكتب إليه الرافعي مقالًا موجزًا يعتبر من أخريات ما كتب.
    فجر الاثنين 29 صفر 1356هـ/10 مايو 1937م:
    وفاة الرافعي إثر سكتة قلبية مفاجأة ودفنه بمقابر العائلة بطنطا.

    1937: اندلاع بين الرافعيين والعقاديين إثر كتابة العريان سلسلة مقالاته (حياة الرافعي) في مجلة الرسالة، حيث تصدى له سيد قطب - تلميذ العقاد النجيب آنذاك - مما أثار حفيظة العريان وعلي طنطاوي وانضم إليهم كثيرون.

    1360هـ/1941م: العريان يصدر الجزء الثالث من (تاريخ آداب العرب) الذي يحتوي على تاريخ الشعر ومذاهبه والفنون المستحدثة منه.

    1942م: العريان يصدر الجزء الثالث من كتاب الرافعي الأشهر (وحي القلم) ويضم المقالات التي عثر عليها ولم تنشر من قبل في كتب الرافعي.

    1371هـ/1950م: محمود أبو رية يصدر (رسائل الرافعي)، وهو كتاب يضم (218) رسالة كتبها الرافعي إليه في الفترة من 1912 حتى 1934م، وقد أصدر أبو رية طبعة أخرى متأخرة زاد فيها نحو عشرين رسالة أخرى.
    أبو_جندل و عبدُالرَّحمن بنُ القِنويّ الأعضاء الذين شكروا.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    ديوان نسيم السَّحَر

    من كلام الفقير
    مصطفى صادق الرافعي
    كان الابتداء في كتابته يوم الأحد لأربعة عشر يومًا
    خلون من محرم المحرم افتتاح
    سنة ألف وثلاثمائة وثمان عشرة
    من هجرة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم
    آمين

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أجرى سلسال البلاغة من أفواه الشعراء، وهو الله الذي لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة. والصلاة والسلام على منبع الفصاحة العربية سيدنا محمد وآله وأصحابه، أما بعد.
    فإن من الشعر حكمة، ومن البيان سحرًا، وإن أحسن بيت يقال ما جرت به الألسن في ميادين الأمثال، وما عسى أن يلفظ في مدح كلام جعله العرب علة العلل في بلاغة القرآن وإعجازه أم
    (يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)

    ذلك الميدان جرت فيه أفراس الشعراء؛ فمنها السابق واللاحق، والمقصر والواقف، والقوي والضعيف، شأن العامل في كل عمل، أما ما عدا الأول فلا تذكر درجة، ثم هو بعد ذلك درجات ومناصب، والسابقون السابقون أولئك هم المقربون.

    وليس من الشعر إلا ما كان مطبوعًا لا تشوبه نقيصة التكلف، ولا تدنسه وصمة المجاهدة، على أن هذا وإن جاء تارة في لباس ذلك إلا أنه حكى ولكن فاته الشنب، أما وإن مما أنعم ذو الفضل العظيم على كاتب هذه الأسطر أن وهبه تلك الملكة، ولا أقول ذلك افتخارًا، ولكن
    (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).

    وشيءحسبته لتسلية!

    ولا صديق إليه مشتكى حزني
    ولا أنيس إليه منتهى جدلي

    لا يسعني أن يكون طعمة الضباع الضياع؛ بل لا يسعني إلا أنه أعد له المكانة الرابعة من حافظتي بعد كلام الله ورسوله ومن سبق من المتقدمين، ولا غرابة إن قيدت ما سرد منه في هذا الكتاب.

    على أني لم أتحقق أني حللت ذلك المنزل، فإني أضرب الآن في العشرين من العمر، وما كان السابق مدة تذكر، فلا والله ما أعدها إلى سنة أو بضع سنة.

    وهنا أثبت كلمة تذكرني الأمر فيما بعد، يوم يكون لهذا الديوان إن شاء الله من وهب المنزلة الأولى بين أدباء العصر.

    يوم أنزل في اللغوب لجمعه وترتيبه بقواي لا أستئني منها شيئًا
    (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ)

    مجمل من ترجمة الحياة
    نشأت بقرية بهتيم من أعمال مصر في الثامنة والتسعين بعد المائتين والألف، ولست أذكر شهر الميلاد ولا اليوم - من أب شامي، من طرابلس، ووالدة مصرية من بهتيم، تولاها الله برعايته، ثم حملت بعد ذلك إلى المكاتب لحفظ القرآن؛ وكان من توفيق الله أن حفظته مجودًا في الحادية عشرة من سني.

    ثم نقلت بعدها إلى المدارس وبقيت فيها إلى الثامنة عشرة، حتى إذا آن وقت الخروج منها بانتهاء الدراسة، كانت في يدي شهادة تثبت الكفاءة منها، وأنا الآن أكاد أقطع العشرين، وما بين زمن النشوء لهذه المدة أمراض تتناوب هذا الجسد النحيل، نسأل الله أن يقطع دابرها.

    أما العلوم؛ فقد تناولت الأدبيات بنفسي؛ لم يرشدني في ذلك أستاذ، ولا علمني إنسان، ومن آتاه الله من فضله استغنى عن المخلوقين.

    وقد أصبحت - ولله الحمد - مع سني ذلك في منزلة إذا دعوت فيها الكلام ارتجالًا أتتني بوادره عجالًا،
    وأول الغيث قطر ثم ينسكب.

    وما زلت أنمي قواي العقلية بالحكمة وغيرها مما تحصد من زرعه ثمار الفضائل الإنسانية.
    نسأل الله المزيد.
    ربي زدني من الفيوضات علمًا
    وارو روحي بمحكم التنزيل
    إن علمي يقل عند مرادي
    فامح مني شوائب التقليل

    مصطفي صادق الرافعي
    طنطا - في يوم الأحد 14 محرم 1318.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    المقالات المجهولة

    شعراء العصر(1)
    قرأت في بعض أعداد (الثريَّا) كلمة عن الأدب قديمًا وحديثًا؛ فقلت كلمة مألوفة ولم ألبث أن رأيت جملة أخرى لأديب غيور على الشعراء كان رأس الشعر بين أولها وأخرها، كأنما خدش بين حجرين؛ فقلت: إني أنظم الشعر فأُسرّ، وأقرأ عنها فأسرّ، فمالي لا أنفثها والقوم قد أصبحوا يتنافسون في أسماء الشعراء كما يتنافسون في ألقاب الأمراء، وقد استويا في الزُّور فلا أكثر أولئك شاعر، ولا أكثر هؤلاء أمير.
    ثم رأيت بعد أن عزم الله لي كتابة هذا المقال أن أتركه بغير توقيع، وإن كنت أعلم أن أكثر من يقرأونه كذلك سيخرجون من خاتمته كما لو كانوا أمِّيِّين لم يقرأوا فاتحته، فإن الحكمة كلها والمعرفة بجميع طبقاتها أصبحت في أحرف الأسماء، فإن قيل: كتاب لفلان؛ قلنا: أين يباع؟! وإن كان من سقط المتاع، على أن اسمي قد لا يكون في غير بطاقتي، وكتبي إلى أصحابي القليلين، وفي سجل بعض الجرائد والمجلات، فليظنني القاريء ما ضرب على رأسه الظن.
    كان يقال قبل أن تبلى عظام الأدباء: مغرسُّ الشِّعر القلبُ، وزارعه الفكر، وقيِّمه العقل، وزهره الإعراب، وثمره الصواب، وجانيه اللسان، فأنت ترى أن مما يشترط لكنال الشاعر أن يكون ذا قلب قد وسع منه الاختبار فتقلبت فيه المعاني من كل طائفة، وفكر قادر بما اكتسب من القوة أن يكره ما شاء من المعاني على التجلي؛ فيأخذ منها ويدع، ومع ذلك عقل يتعهد الفكر ويسقيه، والقلب فيزيد فيه، فإذا جرى الكلام على إعرابه في لغته، ووقف من غايته عند حد الصواب؛ تناوله اللسان بأَسَلَتِه (2)، ومر به فكان شعرًا، ولذلك لا يكون من الشعر ما إذا نطقت به لا تشعر بقلبك يهتز، وفكرك يتحرك، وعقلك يتنبه، ولسانك برنين معانيه كأنه جرس يدق، وإذا كان الشرط ثقيلًا كما علمت؛ ربما لا يكون عنده في هذه الأمة أكثر من أصابع لكف، فما الذي يحمل الناس على الغرور والدعوى حتى ليمكنك أن تضع معجمًا ضخمًا من أسماء شعراء اليوم؟!
    لعل ذلك لأن أكثرهم يجد السبيل إلى النظم أسهل مما يتصور، فهو يرى أنه إذا كتب كلمات يذكر فيها الخدَّ والورد، والقَدَّ والنَّهْد، ويذيب فيه قلبه، ويشق مرارته، ويلعن الدهر وحكمه، والحظَّ ونجمه، ثم يقول فلان كريم كالبحر، وذلك لئيم كالدهر، ويبكي الدار ومن بنى الدار، أو يرتقي فيذكر بعض المخترعات كيف جاء بها الوزن، واتفقت معها القافية، على شريطة أن يتجنب في ذلك مثل (المنسرح) وضروب بعض الأبحر؛ لئلا تموج في صحيفته، فقد أصبح شاعرًا (تحت التجربة)، ولكن متى اهتدت يداه إلى بعض الدواوين أو اختلفت عينه إليها، وكتبت عنه إحدى الصحف: ( قال يمدح، أو قال يهنيء، أو عثرنا، أو وقفنا ... إلخ إلخ )، فتلك الشهادة الناطقة بأن اسمه قد أضيف إلى الأسماء الخالدة في سجل الدهر، وأصبح لا يقال له إلا (الشاعر المجيد .. ).
    هذه حالة كثيرين من القوم لا يقولون إلا الشعر الفاتر، يستدفئون به في الشتاء، ويخرجون (3) عقول الناس في الصيف، وليتهم يعرفون نصيحة (أبي العبر)، وإن كان أحمق، فقد قالها منذ ألف وأكثر من مائة سنة لمحمد بن مبروك الشيباني، قال له: " بلغني أنك تقول الشعر، إن قدرت أن تقوله جيدا جيدا، وإلا فليكن باردا باردا، وإياك والفاتر فإنه صفع كله".
    وسأذكر في هذه الأسطر كل من عرفته، أو اتصل بي اسمه من الشعراء وأقطع عليه رأيي، فإما وسعه فكمل به، وإما أظهره كما هو في نفسه، لا كما هو عند نفسه، ولذلك فقد ضممتهم إلى ثلاث طبقات وجاريت في تسمية بعضهم بالشعراء عادتنا المألوفة..
    _______________
    (1) مجلة الثريا، الجزء التاسع، السنة السادسة، يناير 1905م.
    (2) الأسلة: مستدق اللسان والذراع.
    (3) يعني يمسحون؛ ففي التهذيب: خرجت السماء خروجا إذا أصحت بعد إغامتها.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة عبدُالرَّحمن بنُ القِنويّ

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    13,400

    افتراضي

    الطبقة الأولى:
    الكاظمي: هو رجل من العراق قدم مصر من بضع سنين، ولم يزل فيها إلى اليوم، ولا أراني مبالغًا إذا قلت: إنه ليس أحدٌ أحقَّ باسم الشاعر منه بيننا. فهو طويل النفس، قوي العارضة، حاضر البديهة، رفيع الخيال، لا يتعاصى عليه معنى، ولا يلوذ عنه فكر.
    ثم هو يمتاز عن غيره بحسن الإنشاد على غير ما نرى من باقي الشعراء الذين تعترض أنفسهم في مجاري أنفاسهم، فلا يُتم أحدهم البيت حتى ينتفض وريده، ولما حل هذا الشاعر في مصر، وسمع به القوم؛ هرع إليه كل الفضلاء، وكلهم أصبح له صديقًا، ولقد لقبه المرحوم محمود باشا البارودي بـ (ماكينة الشعر)؛ لأنه متى شاء نظم، وقلَّ أن تنزل له قصيدة عن سبعين بيتًا نصفها جيد مختار، مع أنك تقرأ لغيره القصيدة في ثلاثين وأربعين وأكثر، لا تختار منها أكثر من خمسة إلى عشرة أبيات.

    وللكاظمي أدب نفس عجيب، فهو الحري بقول أنوشروان: "عجبت لمن يشهره الأدب، كيف تدعوه نفسه إلى مكرمة"، والرجل ضنين بشعره كل الضنِّ، فلا يذيله إنشاءً ولا إنشادًا، ولذلك لم أطلع منه إلا على القليل، ومنه هذه الأبيات قالها من قصيدة يعاتب بها كبيرًا من كبراء مصر ويتهكم عليه، وكان قد وعده وأخلفه:
    ومن عجب لي تعزى البحار
    وأرضى من الماء بالجدول
    وأصبر منه على حالة
    على مثلها الصبر لم يجمل
    برغمي أصبحت أدعو الكريم
    بين البرية بالأبخل
    أعرني وجهًا يقد الصفا
    ويقسم في الناس من جندل
    وقل لي كيف ألاقي الورى
    إذا قلت قولا ولم أفعل
    سألتك فانهج معي غير ذا
    ولولا ودادك لم أسأل
    وإن أنت لم تلو عن خطة
    تعسف في ليلها الأليل
    فعندي من العتب مشبوبة
    وأخشى بجمرتها تصطلي
    فلا تتركني بفصل الخطاب
    أحزُّ بكفي في مِفصلي
    أعيذك من قلم إنْ طغى
    على الطرسِ طوَّح بالمقتل
    فبيناه من عسل ناطف
    إذا هو يقذف بالحنظل
    إذا أنا أرسلته للكفاح
    بجعد من القول أو مرسل
    تهب قوارصُه العاصفاتُ
    وتعصف بالشامخ الأطول
    وكيف أخاف عليه العثارَ
    وهذي قوائمه أنملي
    يتبع بإذن الله..

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •