-مقتطفات- من كتاب (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) - الصفحة 2
صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12
النتائج 21 إلى 36 من 36
33اعجابات

الموضوع: -مقتطفات- من كتاب (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)

  1. #21
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    والمقصود: ذكر علاج مرض القلب باستيلاء النفس الأمارة عليه، وله علاجان:
    محاسبتها، ومخالفتها، وهلاك القلب من إهمال محاسبتها، ومن موافقتها واتباع هواها.

    وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية").

    وقال الحسن: (إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همّته).

    وذكر الإمام أحمد عن وهب قال: (مكتوب في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عونا على تلك الساعات، وإجماما للقلوب).

    وقال الحسن: (المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، إن المؤمن يفاجئه الشيء ويعجبه، فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما من صلة إليك، هيهات هيهات، حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت إلى هذا؟ ما لي ولهذا؟ والله لا أعود إلى هذا أبدا، إن المؤمنين قوم أوقفهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره، وفي لسانه، وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله).

    قال مالك بن دينار: (رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدا).
    أم رفيدة المسلمة و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  2. #22
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/
    ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل، ونوع بعد.
    فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.

    قال الحسن -رحمه الله-: "رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".

    وشرح هذا بعضهم فقال:
    إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهمّ به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدم عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك. ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شىء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى ونظر هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه، كما أمسك النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار، وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح.

    فهذه أربعة مقامات يحتاج إلى محاسبة نفسه عليها قبل الفعل، فما كل ما يريد العبد فعله يكون مقدورا له، ولا كل ما يكون مقدورا له يكون فعله خيرا له من تركه، ولا كل ما يكون فعله خيرا له من تركه يفعله لله، ولا كل ما يفعله لله يكون معانا عليه، فإذا حاسب نفسه على ذلك تبين له ما يقدم عليه، وما يحجم عنه.
    أم رفيدة المسلمة و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  3. #23
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/
    النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:

    أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى، فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي.
    وحق الله تعالى فى الطاعة ستة أمور قد تقدمت، وهي: الإخلاص فى العمل، والنصيحة لله فيه، ومتابعة الرسول فيه، وشهود مشهد الإحسان فيه، وشهود منة الله عليه فيه، وشهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
    فيحاسب نفسه: هل وَفَّى هذه المقامات حقها؟ وهل أتى بها في هذه الطاعة؟

    الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيرا له من فعله.

    الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.
    أم رفيدة المسلمة و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  4. #24
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/

    وأضر ما عليه الإهمال، وترك المحاسبة والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها، فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذه حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمُشِّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر فى العاقبة. وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب، وأنس بها، وعسر عليها فطامها، ولو حضره رشده لعلم أن الحمية أسهل من الفطام وترك المألوف والمعتاد.

    وجماع ذلك: أن يحاسب نفسه أولا على الفرائض، فإن تذكر فيها نقصا تداركه، إما بقضاء أو إصلاح. ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب منها شيئا تداركه بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. ثم يحاسب نفسه على الغفلة، فإن كان قد غفل عما خلق له تداركه بالذكر والإقبال على الله تعالى. ثم يحاسبها بما تكلم به، أو مشت إليه رجلاه، أو بطشت يداه، أو سمعته أذناه: ماذا أرادت بهذا؟ ولم فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟ ويعلم أنه لابد أن ينشر لكل حركة وكلمة منه ديوانان: ديوان لم فعلته؟ وكيف فعلته؟ فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة،
    قال تعالى:
    {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلنّهُمْ أَجْمعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهمْ}،
    فإذا سئل الصادقون وحوسبوا على صدقهم فما الظن بالكاذبين؟

    وقال تعالى:
    {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}، قال محمد بن جرير: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه؟ من أين دخلتم إليه؟ وفيم أصبتموه؟ وماذا عملتم به؟
    وقال قتادة: "إن الله سائل كل عبد عما استودعه من نعمته وحقه".

    فإذا كان العبد مسئولا ومحاسبا على كل شيء، حتى على سمعه وبصره وقلبه، كما قال تعالى:
    {إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا}، فهو حقيق أن يحاسب نفسه قبل أن يُناقش الحساب.

    والمقصود: أن صلاح القلب بمحاسبة النفس، وفساده بإهمالها والاسترسال معها.
    أم علي طويلبة علم و أم رفيدة المسلمة الأعضاء الذين شكروا.

  5. #25
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/ وفي محاسبة النفس عدة مصالح
    منها الاطلاع على عيوبها، ومن لم يطّلع على عيب لم يمكنه إزالته، فإذا اطلع على عيبها مقتها في ذات الله تعالى.

    وقال أبو حفص: "من لم يتهم نفسه على دوام الأوقات ولم يخالفها في جميع الأحوال، ولم يجرها إلى مكروهها في سائر أوقاته، كان مغرورا، ومن نظر إليها باستحسان شيء منها فقد أهلكها".

    ومقت النفس في ذات الله من صفات الصديقين، ويدنو العبد به من الله تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل.

    وذكر عن عمران بن موسى القصير قال: قال موسى عليه السلام: "يا رب أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم، فإني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك انهدموا".

    ومن فوائد محاسبة النفس: أنه يعرف بذلك حق الله تعالى عليه. ومن لم يعرف حق الله تعالى عليه فإن عبادته لا تكاد تجدي عليه، وهي قليلة المنفعة جدا.
    وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير بن حازم عن وهب قال: "بلغني أن نبي الله موسى عليه السلام مر برجل يدعو ويتضرع، فقال: يا رب ارحمه، فإني قد رحمته، فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه ما استجيب له حتى ينظر في حقي عليه".
    فمن أنفع ما للقلب النظر في حق الله على العبد. فإن ذلك يورثه مقت نفسه، والإزراء عليها، ويخلصه من العجب ورؤية العمل، ويفتح له باب الخضوع والذل والانكسار بين يدي الله، واليأس من نفسه، وأن النجاة لا تحصل له إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته،فإن من حقه أن يطاع ولا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.
    فمن نظر في هذا الحق الذي لربه عليه علِم علْم اليقين أنه غير مؤد له كما ينبغي، وأنه لا يسعه إلا العفو والمغفرة، وأنه إن أحيل على عمله هلك.
    فهذا محل نظر أهل المعرفة بالله تعالى وبنفوسهم، وهذا الذي أيأسهم من أنفسهم، وعلق رجاءهم كله بعفو الله ورحمته.
    وإذا تأملت حال أكثر الناس وجدتهم بضد ذلك، ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم. ومن هاهنا انقطعوا عن الله، وحجبت قلوبهم عن معرفته، ومحبته، والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره، وهذا غاية جهل الإنسان بربه وبنفسه.

    فمحاسبة النفس هو نظر العبد في حق الله عليه أولا، ثم نظره هل قام به كما ينبغي ثانيا؟ وأفضل الفكر الفكر في ذلك؛ فإنه يُسَيِّر القلبَ إلى الله ويطرحه بين يديه ذليلا خاضعًا منكسراً كسراً فيه جبره، ومفتقرًا فقراً فيه غناه. وذليلاً ذلاً فيه عزه، ولو عمل من الأعمال ما عساه أن يعمل؛ فإذا فاته هذا فالذي فاته من البر أفضل من الذي أتى.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن القاسم حدثنا صالح المدني عن أبي عمران الجوني عن أبي الخلد أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: "إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك من وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك فهي أولى بالذم، وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق".
    أم رفيدة المسلمة و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  6. #26
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه

    أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بعمل أصلا، كائنا ما كان، ومن أدلَّ بعمله لم يصعد إلى الله تعالى كما ذكر الإمام أحمد عن بعض أهل العلم بالله أنه قال له رجل: "إني لأقوم في صلاتي؛ فأبكي حتى يكاد ينبت البقل من دموعي؛ فقال له: إنك إن تضحك وأنت تعترف لله بخطيئتك خير من أن تبكي وأنت مدل بعملك. فإن صلاة المُدلِّ لا تصعد فوقه. فقال له: أوصني، قال: عليك بالزهد في الدنيا، وأن لا تنازعها أهلها، وأن تكون كالنحلة إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن وقعت على عود لم تضره ولم تكسره، وأوصيك بالنصح لله عز وجل نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم، وينصحهم".
    ومن هاهنا أخذ الشاطبي قوله:
    وَقَدْ قِيلَ: كُنْ كالْكَلْبِ يُقْصِيهِ أَهْلُهُ * * * وَلا يَأْتلي في نُصْحِهِمْ مُتَبَذِّلا

    وقال الإمام أحمد: حدثنا سيار: حدثنا جعفر: حدثنا الجريري قال: "بلغني أن رجلاً من بني إسرائيل كانت له إلى الله عز وجل حاجة. فتعبد واجتهد، ثم طلب إلى الله تعالى حاجته، فلم ير نجاحا، فبات ليلته مزريا على نفسه. وقال: يا نفس، مالك لا تُقضى حاجتك؟ فبات محزونا قد أزرى على نفسه وألزم الملامة نفسه، فقال: أما والله ما من قِبَل ربي أتيت ولكن من قِبَل نفسي أتِيت، فبات ليلته مزرياً، وألزم نفسه الملامة، فقُضيت حاجته".

  7. #27
    تاريخ التسجيل
    Nov 2015
    المشاركات
    574

    افتراضي

    بارك الله فيك أختي الغالية .
    أمة الحليم و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  8. #28
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم رفيدة المسلمة مشاهدة المشاركة
    بارك الله فيك أختي الغالية .
    وفيكِ بارك الرحمن، وجزاكِ خير الجزاء.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  9. #29
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    الباب الثاني عشر/ في علاج مرض القلب بالشيطان

    من تأمّل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت في قوله: {إِن النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِواللوامة في قوله: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوَّامَةِ}، وذكرت النفس المذمومة في قوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}.
    وأما الشيطان فذكر في عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذي لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهي مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس في موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها في خطبة الحاجة في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا".

    وقد جمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الاستعاذة من الأمرين في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه:
    "أَنّ أَبَا بكرٍ الصِّديقَ رَضي الله عنه قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شْيئاً أَقولُهُ إِذا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ قُلِ: اللهُمَّ عَالمَ الْغَيَبِ وَالشّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجرهُ إِلَى مُسْلِمٍ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ".

    فقد تضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته، فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان، وغايته: إما أن تعود على العامل. أو على أخيه المسلم، فتضمن الحديث مصدري الشر اللذين يصدر عنهما وغايتيه اللتين يصل إليهما.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  10. #30
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/

    قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنّهُ لَيْسَ لَهُ سَلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّما سُلطَانُهُ عَلَى الّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالّذِينَ هُمْ بِه مُشْرِكُونَ}.
    ومعنى "استعذ بالله" امتنع به واعتصم به والجأ إليه.

    فأمر سبحانه بالاستعاذة به من الشيطان عند قراءة القرآن. وفي ذلك وجوه:
    منها: أن القرآن شفاء لما في الصدور، يُذهب ما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات الفاسدة، فهو دواء لما أمَرَّهُ فيها الشيطان، فأمر أن يطرد مادة الداء ويخلي منه القلب ليصادف الدواء محلا خاليا، فيتمكن منه، ويؤثر فيه، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف قلبا خاليا فتمكنا
    فيجيء هذا الدواء الشافي إلى قلب قد خلا من مزاحم ومضتد له فينجع فيه.
    ومنها: أن القرآن مادة الهدى والعلم والخير في القلب، كما أن الماء مادة النبات، والشيطان نار يحرق النبات أولا فأولا، فكلما أحس بنبات الخير من القلب سعى في إفساده وإحراقه، فأمر أن يستعيذ بالله عز وجل منه لئلا يُفسد عليه ما يحصل له بالقرآن.
    والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله، أن الاستعاذة في الوجه الأول لأجل حصول فائدة القرآن، وفي الوجه الثاني لأجل بقائها وحفظها وثباتها.
    ومنها: أن الشيطان يجلب على القارئ بخيله ورجله، حتى يشغله عن المقصود بالقرآن، وهو تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد به المتكلم به سبحانه، فيحرص بجهده على أن يحول بين قلبه وبين مقصود القرآن، فلا يكمل انتفاع القارئ به، فأمر عند الشروع أن يستعيذ بالله عز وجل منه.ومنها:أن الله سبحانه أخبر أنه ما أرسل من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته.
    فإذا كان هذا فعله مع الرسل -عليهم الصلاة والسلام- فكيف بغيرهم؟ ولهذا يغلط القارئ تارة ويخلط عليه القراءة، ويشوشها عليه، فيخبط عليه لسانه، أو يشوش عليه ذهنه وقلبه، فإذا حضر عند القراءة لم يعدم منه القارئ هذا أو هذا، وربما جمعهما له، فكان من أهم الأمور: الاستعاذة بالله تعالى منه عند القراءة.
    ومنها:
    أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير، أو يدخل فيه فهو يشتد عليه حينئذ ليقطعه عنه، وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنّ الشّيْطَانَ قَعَدَ لابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وآبَاءِ آبَائِكَ؟ فعصاهُ، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: أَتُهاجِرُ وَتَذَرُ أَرْضَكَ وَسَماءَكَ؟ وَإِنَما مَثَلُ المهَاجِرِ كالفَرَسِ في الطول فَعَصَاهُ وَهاجَر، ثُمَّ قعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، وَهُوَ جِهَادُ النَّفْسِ وَالمَال فقال: تقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ المَرْأَةُ وَيُقْسَمُ المَالُ؟ قَالَ: فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ".
    فالشيطان بالرصد للإنسان على طريق كل خير، وكلما كان الفعل أنفع للعبد وأحب إلى الله تعالى كان اعتراض الشيطان له أكثر، فأمر سبحانه العبد أن يحارب عدوه الذي يقطع عليه الطريق ويستعيذ بالله تعالى منه أولا، ثم يأخذ في السير، كما أن المسافر إذا عرض له قاطع طريق اشتغل بدفعه، ثم اندفع في سيره.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أم علي طويلبة علم

  11. #31
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    قال تعالى: {ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيَئةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بمَا يصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ هَمَزاتِ الشّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ}، فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.

    كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه".
    أم رفيدة المسلمة و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  12. #32
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    فصل/

    ولما كان الغضب مركب الشيطان، فتتعاون النفس الغاضبة والشيطان على النفس المطمئنة التي تأمر بدفع الإساءة بالإحسان، أمر أن يعاونها بالاستعاذة منه، فتمد الاستعاذة النفس المطمئنة فتقوى على مقاومة جيش النفس الغضيبة، ويأتي مدد الصبر الذي يكون النصر معه، وجاء مدد الإيمان والتوكل، فأبطل سلطان الشيطان، "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون".

    السلطان المنفي في قوله: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي"، هو الحجة والبرهان، كما قال ابن عباس: "ما كان لي من حجة أحتج بها عليكم"، أي: ما أظهرت لكم حجة إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، وصدقتم مقالتي، واتبعتموني بلا برهان ولا حجة، وأما السلطان الذي أثبته في قوله: "إنما سلطانه على الذين يتولونه"، فهو تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال، وتمكنه منهم، بحيث يؤزهم إلى الكفر والشرك ويزعجهم إليه، ولا يدعهم يتركونه كما قال تعالى: "ألم ترَ أنّا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّا"، قال ابن عباس: "تغريهم إغراء" وفي لفظ "تحرضهم تحريضا" وفي آخر "تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا".

    وحقيقة ذلك أن "الأزّ" هو التحريك والتهييج، فله معنيان: أحدهما: التحريك، والثاني: الإيقاد والإلهاب، وهما متقاربان، فإنه تحريك خاص بإزعاج وإلهاب.

    فهذا من السلطان الذي له على أوليائه وأهل الشرك، ولكن ليس له على ذلك سلطان حجة وبرهان، وإنما استجابوا له بمجرد دعوته إياهم، لما وافقت أهواءهم وأغراضهم، فهم الذين أعانوا على أنفسهم ومكنوا عدوهم من سلطانه عليهم، بموافقته ومتابعته فلما أعطوا بأيديهم واستأسروا له سُلِّط عليهم؛ عقوبة لهم. وبهذا يظهر معنى قوله سبحانه: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}.
    فالآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون تصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسببوا إلى جعل السبيل عليهم كما تسببوا إليه يوم أُحُد بمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا، حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

    فالتوحيد والتوكل والإخلاص يمنع سلطانه، والشرك وفروعه يوجب سلطانه، والجميع بقضاء مَنْ أزِمَّة الأمور بيده، ومَردها إليه، وله الحجة البالغة، فلو شاء لجعل الناس أمة واحدة، لكن أبت حكمته وحمده وملكه إلا ذلك. {فَلِله الحمْدُ رَبِّ السَّموَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْريَاء في السَّمواتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيمُ}.

  13. #33
    تاريخ التسجيل
    Nov 2015
    المشاركات
    574

    افتراضي

    الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله .
    أم أروى المكية و أم علي طويلبة علم الأعضاء الذين شكروا.

  14. #34
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    97

    افتراضي

    بفضل الله نفعني الله بما قرأت وبما نقلت هنا، فعُدت لمراجعة القرآن وإكمال حفظه لأول مرة بعد توقف عن الحفظ حوالي ستة أشهر، وذلك عندما علمّنا الله أن الشيطان ليس له سلطان علينا إلا إن خالفنا أمر الله ولو بأمر مكروه.

    ما تبقى من الكتاب عبارة عن تعداد مفصّل لمكائد الشيطان، ثم مكائده مع أنواع من المشركين، ويصعب عليَّ نقلها باختصار إلى هنا لأن وقت الفراغ الطويل قد امتلأ بالقرآن، أمّا ما نقلته إلى هذا الموضوع فكانت لَفَتَات شعرت بقيمتِها وأنها تحتاج إلى فهم وتدبّر وتطبيق، عسى الله أن ينفع بها، دمتم في حفظ الله ورعايته.

    للفائدة:
    http://up.tafsir.net/do.php?id=1148
    كتاب رسوخ تأليف د.سعيد أبو العلا حمزة
    أم علي طويلبة علم و أم أروى المكية الأعضاء الذين شكروا.

  15. #35
    تاريخ التسجيل
    Mar 2010
    الدولة
    خليج عمر الفاروق رضي الله عنه
    المشاركات
    5,738

    افتراضي

    نفع الله بكِ أمة الحليم وجزاكِ الله خيرا،، مقتطفات قيمة...
    {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين* لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين}





  16. #36
    تاريخ التسجيل
    Sep 2014
    المشاركات
    1,331

    افتراضي

    بارك الله فيك أخيتي أمة الحليم ، ونفع بك وجعله في ميزان حسناتك .

صفحة 2 من 2 الأولىالأولى 12

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •