مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل
النتائج 1 إلى 15 من 15

الموضوع: مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل

    المنهج القرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين


    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد :

    فإن الفتن العظيمة التي تموج اليوم في واقعنا المعاصر لتفرض على المسلم أن يكون حذراً يقظاً متأنياً في أقواله وأفعاله ومواقفه سائلاً ربه عز وجل الهداية للحق والثبات عليه. ومن أسباب الهداية للحق البصيرة في الدين وتدبر كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والاستضاءة بهما في خضم هذه الفتن التي تموج كموج البحر.

    ومن هذه الفتن التي ظهرت في الآونة الأخيرة تلك المواقف المتباينة إزاء أخطاء بعض المجاهدين في الثغور ما بين مبرر لها ومدافع عنها وكأنه يدعي العصمة للمجاهدين، وما بين مواقف مستعجلة من بعض الدعاة إزاء هذه الأخطاء لم يراعوا فيها التثبت أو لم يراعوا فيها مآلات أقوالهم وما يترتب عليها من المفاسد ودون انتباه لما يقوم به العدو المتربص من كافر ومنافق من توظيف لأقوالهم هذه في تبرير ضربهم للمجاهدين أو الشماتة بهم.

    ولذا يتعين على كل من أراد لنفسه السلامة من الزلل والسقوط في الفتن أن يترسم القرآن الكريم ويتدبره ويجعله منطلق مواقفه كلها.

    ولقد وقفت في كتاب الله عز وجل على آيات كريمة عظيمه ترسم لنا المنهج الحق العدل في التعامل مع أخطاء المجاهدين ووضعها في حجمها الطبيعي دون أن يوظفها العدو في صالحه وهذه الآيات هي قوله عز وجل:

    {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}{إِنّ َ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ] 217-218 سورة البقرة [ .

    *اقصد بالمجاهدين هنا أولائك الذين قاموا بأداء فريضة العين وذلك بجهاد الدفع عن بلاد المسلمين التي غزاها الكفرة واحتلوها كما هو الحال في أفغانستان والعراق والشيشان وفلسطين.

    وقبل أن نقف عند الدروس من هذه الآية وما فيها من منهج حاسم في التعامل مع أخطاء المجاهدين وأعداء المجاهدين يحسن بنا أن نقف على سبب نزول هذه الآيات كما جاءت في كتب التفسير .

    قد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبدالله بن جحش-رضي الله عنه-وكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم احد من الأنصار ومعه كتاب مغلق وأمره ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين. فلما فتحه وجد به: ((إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل بطن نخله-بين مكة والطائف- ترصد لنا قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم.. ولا تكرهن أحداً على السير معك من أصحابك)) - وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى. فلما نظر عبدا لله بن جحش في الكتاب قال : سمعاً وطاعة. ثم قال لأصحابه قد أمرني رسول الله –صلى الله عليه وسلم - أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريشاً حتى آتيه منها بخبر. وقد نهى أن استكره أحداً منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع، فأنا ماض لأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف أحد منهم : فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ظل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان -رضي الله عنهما- فتخلفا عن رهط عبد الله بن جحش ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمراً ابن الحضرمي وأسرت أثنين وفر الرابع وغنمت العير. وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة. فإذا هي في اليوم الأول من رجب -وقد دخلت الأشهر الحرم- التي تعظمها العرب. وقد عظمها الإسلام وأقر حرمتها .. فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام )).فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً. فلما قال ذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم – سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا؛ وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا وقالت قريش :قد أستحل محمد وأصحابه الشهر الحرام،وسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال)أ. هـ]أنظر كتب التفسير عن هذه الآية[

    يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عند هذه الآية:

    (ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أموالهم وكان ذلك –على ما قيل في شهر رجب –عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين إذ فيهم من القبائح، ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، قال تعالى في بيان ما فيهم.

    ]وصد عن سبيل الله[ أي: صد المشركين من يريد الإيمان بالله وبرسوله، وفتنتهم من امن به، وسعيهم في ردهم عن دينهم، وكفرهم الحاصل في الشهر الحرام، والبلد الحرام، الذي هو بمجرده،كاف في الشر.فكيف،وقد كان في شهر حرام وبلد حرام؟!! .

    ]وإخراج أهله[أي :أهل المسجد الحرام وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ،لأنهم أحق به من المشركين ،وهم عماره على الحقيقة،فأخرجوه م ]منه[ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت،سواء العاكف والباد .

    فهذه الأمور كل واحد منها :]أكبر من القتل [في الشهر الحرام، فكيف وقد اجتمعت فيهم؟! فعلم أنهم فسقه ظلمة في تعييرهم المؤمنين. ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين. وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفاراً بعد إيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير)أ.هـ

    ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية أيضاً:

    (نزلت هذه النصوص القرآنية فقطعت كل قول وفصلت في الموقف بالحق فقبض الرسول – صلى الله عليه وسلم- الأسيرين والغنيمة.

    ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ))...

    نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة، نعم !ولكن:

    (( وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ))..

    إن المسلمين لم يبدأوا القتال ، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله والكفر به وبالمسجد الحرام لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله . ولقد كفروا بالله وجعلوا الناس يكفرون . ولقد كفروا بالمسجد الحرام .انتهكوا حرمته؛ فآذوا المسلمين فيه وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاماً قبل الهجرة. وأخرجوا أهله منه ، وهو الحرم الذي جعله آمناً،فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته ...

    وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام ..وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل. وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام. ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات ؛ الذين يتخذون منها ستاراً حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون !وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أنى وجدوهم، لأنهم عادون باغون أشرار، لا يراقبون حرمة ، ولا يتحرجون أمام قداسة . وكان على المسلمين ألا يدعوهم يحتمون بستار زائف من المحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة !

    لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل. وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه ، لتشويه موقف الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي.. وهم المعتدون ابتداء. وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء...

    هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون .لا يقيمون للمقدسات وزناً، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة .يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام !.. ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم المحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم : انظروا هاهو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام!) ا.هـ.

    نلخص من سبب نزول الآية والتوجيه الرباني فيها إلى الموقف السليم في التعامل مع أخطاء المجاهدين المجتهدين والمتمثل فينا يلي:

    أولاً : عدم إدعاء العصمة للمجاهدين بل هم بشر يخطئون ويصيبون والخطأ لا يدافع عنه بل يقال إنه خطأ ومخالفة وهذا ما ذكره الله عز وجل في الآية المذكورة وذلك بقوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ } فذكر سبحانه أن قتال المجاهدين في الشهر الحرام خطأ كبير ولكن هذا الخطأ لا يهدر به جهاد المجاهدين وبلاؤهم الحسن ومقصدهم الحسن في جهادهم وهو ابتغاء مغفرة الله ورحمته بل يوضع في حجمه الطبيعي ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الله عز وجل طيب قلوب هؤلاء المجاهدين المخطئين بعد ذلك بقوله سبحانه بعد ذلك في نفس السياق {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهكذا يكون التعامل مع أخطاء المجاهدين بحيث ينكر عليهم خطؤهم ولا يقرون عليه وفي نفس الوقت لا ينسى لهم بلاؤهم وجهادهم وتنكيلهم في عدوهم وهجرهم لأهلهم وأوطانهم، وهذا ما يتضح بجلاء في هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أخطاء بعض الصحابة رضي الله عنهم أثناء جهادهم في سبيل الله تعالى.

    فهذا أسامة بن زيد رضي الله عنه عندما قتل المشرك الذي شهد أن لا إله إلا الله بحجة أنه قالها متعوذاً وخوفاً من السيف فعاتبه الرسول صلى الله عليه وسلم عتاباً شديدا ًوأوقف أسامة على خطئه ومع ذلك بقي هو حب رسول الله وبقيت مكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تتغير حتى أنه أمره قبل وفاته على الجيش المعروف بجيش أسامة ومعه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

    وهذا خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما عنفه النبي صلى الله عليه وسلم وتبرأ من فعله وقتله لمن أظهر الإسلام من بني جذيمة لم يمنعه ذلك من إبقائه في قيادة العمليات الجهادية المتتالية في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

    فهل بعد هذا الهدي النبوي في تعامله مع أخطاء المجاهدين من عذر لبعض الدعاة هداهم الله الذين ينسون جهاد المجاهدين وبلاءهم الحسن ويسعون إلى إقصائه بمجرد أن يصدر منه خطأ ومخالفة شرعية في قوله أو فعله إن هذا ليس من العدل.

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تعليقه على قصة عبدالله بن جحش وما نزل فيها من الآيات القرآنية: (والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام ، بل أخبر أنه كبير ، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام ،فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة ولاسيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله وإيثار ما عند الله فهم كما قيل

    وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع

    فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفيع واحد من المحاسن)]زاد المعاد3/170[

    وفي ختام هذه الفقرة أوصي إخواني المجاهدين بأن يتقوا الله عز وجل في جهادهم وأن يبذلوا الوسع في توقي الذنوب وما يسخط الله عز وجل فإن الذنوب أخطر على المجاهدين من عدوهم وهي سبب الهزائم والخذلان ويكفينا تذكر ما حصل للمسلمين في غزوة أحد. وإن من أخطر وأكبر الذنوب التي تهدم الجهاد وأهله التنازع والتفرق المؤديان إلى الاستهانة بالدماء المعصومة والتعلق بأدنى شبهة لاستحلالها. فإذا كان الله عز وجل سمى قتل المشركين المحاربين في الشهر الحرام كبير(قل قتال فيه كبير) ولم يجامل فيه المجاهدين فكيف يقتل مسلم لأدنى شبهة إن مثل هذه المخالفات الكبيرة لهي من أسباب فشل المشرع الجهادي وهزيمته من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يصب في مصلحة الكافر المعتدي والمنافق المتربص حيث يفرحون بها ويشمتون بأهلها ويوظفونها أحسن توظيف في حربهم على الإسلام والمسلمين.

    فاتقوا الله أيها المجاهدون في جهادكم وفي أمتكم {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

    ثانياً: ومن المواقف المهمة المستوحاة من الآية الكريمة في الحدث عن أخطاء المجاهدين الحذر الشديد من توظيف الكفرة والمنافقين الكلام عن أخطاء المجاهدين في الشماتة بهم وبالمسلمين وبالتنفير من الجهاد وأهله.

    ولقطع الطريق على الكفرة والمنافقين من توظيف الحديث في صالحهم والتنفير من المسلمين و المجاهدين نرى في الآية الكريمة أن الله سبحانه عندما ذكر بأن القتال في الشهر الحرام :كبيرة أتبعه في نفس الآية وفي نفس الوقت بالتشنيع على الكفار وما يقومون به من العدوان والصد عن سبيل الله تعالى مما هو في جرمه وشناعته اكبر و أشد من خطأ المجاهدين ويوضح الله عز وجل ذلك في قوله تعالى { وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ..}أي أن ما يقوم به الكفار من صد الناس عن سبيل الله وكفرهم بالله وإخراج المسلمين من المسجد الحرام والشرك بالله (أكبر عند الله من القتل).

    وبهذا يقطع الطريق على الكفرة والمنافقين من أن تتم فرحتهم بأخطاء المجاهدين بأن تذكر فضائح الكفار وعدوانهم وصدهم عن سبيل الله عز وجل وعند إذ لا يستطيعون استغلال الحديث في صالحهم ضد المسلمين فياليت إخواننا الدعاة الذين يتحدثون اليوم عن أخطاء المجاهدين ينهجون هذا المنهج الرباني فيصدرون حديثهم ونقدهم لأخطاء المجاهدين بذكر ما هوا أكبر من ذلك وأشنع وذلك بما يقوم به اليوم الكفرة الغزاة وأولياؤهم المنافقون من قتل وتشريد وسجن وتجويع وحصار خانق على المسلمين وصد عن سبيل الله عز وجل وقبل ذلك كفرهم بالله ومحادتهم للإسلام وأهله في بلاد العراق وأفغانستان والشيشان وفلسطين والصومال، وبلدان المسلمين بعامة، هذا هو المنهج القرآني المستوحى من آية البقرة الأنفة الذكر.

    أما أن يفرد المجاهدون بالنقد ويترك الكفرة المعتدون والمنافقون الخائنون لا تذكر فضائحهم ولا يذكر عدوانهم وإرهابهم وصدهم عن سبيل الله فهو من جانب منهج جائر ينظر بعين واحدة ومن جانب أخر يسهل الطريق على الكفرة الغزاة والمنافقين معهم في الشماتة بالمجاهدين وتوظيف ذلك في مصالحهم وأهدافهم وخططهم.

    أسأل الله عز وجل ان ينصر المجاهدين في كل مكان وأن يجنبهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم وأن يؤلف بين قلوبهم ويكبت عدوهم من الكفرة والمنافقين والحمد لله رب العالمين.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{تذكير المصاب بسنن الحكيم الوهاب }

    تذكير المصاب بسنن الحكيم الوهاب


    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
    فيقول الله عز وجل :

    {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ }البقرة214
    ويقول سبحانه : {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }آل عمران142.
    ويقول تعالى : {وَلَنَبْلُوَنّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ }محمد31
    وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : ( قلت يا رسول الله : أي الناس أشد بلاء ؟ قال الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقه ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ).
    ومصداق ذلك جلي في ما قصه الله عز وجل علينا في كتابه الكريم من البلاء العظيم الذي تعرض له أنبياؤه عليهم الصلاة والسلام في أنفسهم ومع أقوامهم .

    والآيات والأحاديث الواردة في حتمية الابتلاء كثيرة تفيد بمجموعها أن الابتلاء سنة إلهية مطردة لا تتخلف ولكن الابتلاء تختلف صوره فمن الناس من يبتلى بالخير ومنهم من يبتلى بالشر حسب علم الله عز وجل وحكمته . قال سبحانه : { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }الأنبياء35.

    والابتلاء بالمصائب والمكروهات على نوعين :

    1 – ابتلاء تكفير وتنبيه على ذنوب وأخطاء وقد يكون أجراً ورفعة في الدرجات كما هو شأن الأنبياء والصديقين، وهذا في الغالب يكون على مستوى الأفراد .
    2 – ابتلاء اختبار وتمييز للخبيث من الطيب ، وهذا يكون في الغالب على مستوى الجماعة .
    وكلا النوعين فيهما خير ومصلحة للمصابين بها ، فالابتلاء الذي للتكفير والتنبيه على الأخطاء والمخالفات فيه خير للمبتلى حيث تحط عنه خطاياه ويراجع نفسه في المنهج الذي هو سائر عليه ، فلربما كان فيه من المخالفات ما كان سبباً في هذا الابتلاء وفي ذلك خير لأنه لو لم يكن البلاء لتمادي الخطأ بصاحبه ولم ينتبه له .


    والابتلاء الذي فيه اختبار وتمييز الخبيث من الطيب فيه مصلحة عظيمة ، وذلك في تمييز صحيح الإيمان وصادقه من ضعيفه وفيه فضح للمنافقين وتثبيت للمؤمنين الصادقين وزيادة صلابة لإيمانهم ، وفي ذلك خير عظيم ولولا هذا النوع من الابتلاء لادعى كل إنسان صدق الإيمان وقوته واختلط المنافق بالمؤمن الصادق . قال الله عز وجل : {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}آل عمران179
    وقال سبحانه : {الم , أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ, وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }العنكبوت3

    وقد ذكر الله عز وجل هذين النوعين من الابتلاء في آيتين متتاليتين في سورة آل عمران بعد الهزيمة التي حصلت للمسلمين في غزوة أحد حيث قال الله عز وجل : {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }آل عمران165

    وهذا هو النوع الأول من الابتلاء المشار إليه سابقاً ، حيث ذكر الله عز وجل أن هذا القرح الذي أصاب المسلمين في غزوة أحد بسبب ذنوبهم وذلك عندما خالف الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .

    ثم ذكر عز وجل بعد هذه الآية النوع الثاني من الابتلاء الذي هو للاختبار والتمييز فقال سبحانه : {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاك ُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ }آل عمران167.
    وهذا هو النوع الثاني من الابتلاء حيث كان سبباً في اختبار الناس وتمييز المؤمن الصابر من المنافق وفي كلا هذين النوعين من الابتلاء مصلحة عظيمة للمؤمنين حيث يكفر الله عز وجل به سيئاتهم ويوقفهم على أخطائهم وزلاتهم لكي لا يعودوا إليها مرة أخرى . كما أن فيه مصلحة للصف المسلم وذلك بتنقيته من المنافقين وأصحاب القلوب المريضة الذين هم شوكة في حلوق المؤمنين وسبب في الفتنة وتأخير لنصر الله عز وجل . ولا يُعرفون وينكشفون إلا في الشدائد


    ذكر بعض الأسباب التي يثبت الله عز وجل بها أولياءه عند الشدائد :

    السبب الأول : بما أن التوفيق وتثبيت القلوب لا يملكه ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنما هو بيد الله وحده ، فكان حقا على المؤمن أن يلتجأ إلى ربه عز وجل ويستعين به وحده ويتضرع إليه في أوقات الإجابة في طلب الثبات على الحق والنجاة من الفتن وتفريج الكروب وأن يتوكل على الله عز وجل وحده ويتبرأ من الحول والقوة والله سبحانه لا يرد دعوة الصادق المضطر . والمتأمل في أدعية الرسول صلى الله عليه وسلم يرى أمراً عجباً في طلبه الهداية والثبات مع أنه رسول الهداية المعصوم من ربه عز وجل ، ومن هذه الأدعية الجامعة قوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اهدني وسددني) وقوله صلى الله عليه وسلم في استفتاح صلاة التهجد كل ليلة : ( اللهم رب جبرائيل وميكائيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) وقوله صلى الله عليه وسلم يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني أنت الحي الذي لا يموت والجن والأنس يموتون )


    السبب الثاني : العلم الشرعي والبصيرة في الدين . لأن في ذلك باب إلى معرفة الحق والاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم . وكلما كان العبد مطمئناً إلى طريقه وأنه حق مشروع يحبه الله عز وجل كان ذلك من أسباب ثباته وبقائه عليه كما أن في العلم بالشرع سداً لباب الشبهات التي هي من أسباب الفتنة والانحراف لأن الشبهات لا تنطلي على أهل العلم وإنما يروج سوقها في الأوساط الجاهلة أو قليلة البضاعة من العلم الشرعي .

    وهناك ثمرة عظيمة من ثمار العلم والبصيرة في الدين لها أثر كبير في الثبات على الدين والتسلية عند الشدائد ألا وهي ثمرة العلم بأشرف معلوم وأجله وأكرمه ألا وهو العلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته . هذا العلم العظيم الذي نحن في غفلة عنه مع أنه علاج لكثير من أمراض القلوب ومساوئ الأخلاق .
    وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: ( لا سعادة للعباد ، ولا صلاح لهم ، ولا نعيم إلا بأن يعرفوا ربهم ويكون هو وحده غاية مطلوبهم ، والتعرف إليه قرة عيونهم .. ومتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالاً من الأنعام . وكانت الأنعام أطيب عيشاً منهم في العاجل ، وأسلم عاقبة في الآجل .. )

    وقال أيضاً : ( إن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه . ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده والإنابة إليه والطمأنينة بذكره . والأنس بقربه ، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله ولو تعوض عنها بما تعوض في الدنيا )
    وقال العز بن عبد السلام : ( فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من الخوف والرجاء والمهابة والمحبة والتوكل وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات ) .
    وعلى سبيل المثال فعندما يتعبد العبد لربه سبحانه وبخاصة في أوقات الشدائد باسمه سبحانه ( العليم ، الحكيم ) فإن هذا يثمر في القلب طمأنينة وحسن ظن بالله تعالى وتسليماً لأمره القدري والشرعي ، ذلك لأن مقتضى هذين الاسمين الكريمين أن شيئاً في هذا الكون لا يحدث إلى بعلم الله سبحانه وحكمته وعدله وقدره . وعندما يشهد المؤمن أسماءه سبحانه ( اللطيف ) ، ( الرحيم ) ، (البر ) فإن هذا الشهود يثمر في قلب العبد محبة لله تعالى ورجاء ورَوْحاً ، ذلك أن من معاني ( اللطيف ) أنه الرفيق الذي يسوق لعبده الخير من حيث لا يشعر بل من حيث يكره . وهكذا في بقية أسماء الله عز وجل الحسنى التي أمرنا الله سبحانه أن ندعوه بها ونتعبد له بها


    السبب الثالث : الإخلاص لله تعالى في الطريق والأمر الذي دخل فيه لأن الذي يبتغي وجه الله عز وجل والدار الآخرة لا تراه إلا ثابتاًَ على طريقة لا تغريه مطامع الدنيا ولا يغيره ترغيب ولا ترهيب . والإخلاص عمل قلبي يحتاج إلى يقظة ومعاهدة وتربية ليس هنا محل تفصيلها . وإنما المقصود الإشارة إلى أهمية الإخلاص وأثرة في الثبات والعكس من ذلك فإن ضعفه يقود إلى الاضطراب والانحراف وترك الحق عند أدنى شدة وابتلاء .
    وقد أجمل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى الأسباب الثلاثة السابقة في كلام نفيس ينبغي أن يقرأ عدة مرات حتى ينقش في القلب . قال رحمه الله تعالى : ( ... فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولاً ، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء ، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها ، وجعل له فرجاً ومخرجاً ، وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة ، أو في اثنين منها أو في واحد ، فمن كان قيامه في باطل لم يُنصر ، وإن نصر نصراً عارضاً فلا عاقبة له وهو مذموم مخذول .


    وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق أو التوصل إلى غرض دنيوي كان هو المقصود أولاً والقيام في الحق وسيلة إليه فهذا لم تضمن له النصرة ، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله ، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه ، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين ، وإن نصر فبحسب ما معه من الحق ، فإن الله لا ينصر إلا الحق وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر ، والصبر منصور أبداً ، فإن كان صاحبه محقاً كان منصوراً له العاقبة ، وإن كان مبطلاً لم يكن له عاقبه .

    وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته ولم يقم بالله مستعيناً به متوكلاً عليه مفوضاً إليه برياً من الحول والقوة إلا به فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك ، ونكتة المسألة أن تجريد التوحيد في أمر الله لا يقوم له شيء البتة ، وصاحبه مؤيد منصور ولو توالت عليه زمر الأعداء )

    فقول ابن القيم رحمه الله تعالى : ( فإذا قام العبد بالحق ) أي أن يكون مشروعاً مرضياً لله تعالى وهذا لا يكون إلا بالعلم بالشرع وهو المشار إليه في السبب الثاني .
    وقوله ( بالله ) يعني مستعيناً بالله متبرئاً من الحول والقوة وهو المشار إليه في السبب الأول ، وقوله ( لله ) يعني أن يكون مخلصاً لله تعالى في أمره وهو المشار إليه في السبب الثالث .

    السبب الرابع : الإكثار من الأعمال الصالحة بداية من إتقان الفرائض الباطنة والظاهرة والإكثار من النوافل المتنوعة من صلاة وصيام وصدقة وذكر وقراءة قرآن وغيرها من الأعمال الصالحة . فكلما قويت الصلة بالله عز وجل كان ذلك سبباً في محبة الله عز وجل للعبد وهذه المحبة تثمر حفظ الله عز وجل لعبده وتثبيته عند الشدائد . قال الله عز وجل : {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً }النساء66

    وقال الله عز وجل في الحديث القدسي : ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه )
    ولا يخفى ما في هذا الحديث العظيم من دلالة واضحة على أن حفظ الله تعالى للعبد في سمعه وبصره وبطشه ومشيه إنما هو ثمرة للصلة القوية بين العبد وبين ربه بالفرائض والنوافل ، ومن حفظ في هذه الجوارح كلها فهو المعصوم والناجي بإذن الله تعالى .

    السبب الخامس : مجالسة الصالحين الذين يجمعون بين المعتقد الصحيح والتقوى والأخلاق الفاضلة لأن في العيش معهم تقوية للإيمان وثبات على الحق واقتداء بهم في فعل الخير . ومما يلحق بذلك القراءة في سير العلماء العباد من أئمة السلف ومجاهديهم .
    وفي مقابل ذلك الحذر من مجالسة أهل الشبهات والشهوات والحذر من قراءة كتبهم ومقالاتهم لأن القلب ضعيف وقد تعلق به شبهة من شبهاتهم فيكون سبباً في الزيغ والضلال .


    السبب السادس : تذكر المصاب نعمة الله عز وجل عليه بالهداية للإسلام والسنة . وأن المبتلى المصاب بحق من ابتلي في دينه ولم يوفق للهداية لذا كم من مبتلي بفقر أو مرض أو سجن أو تشريد هو افضل عند الله عز وجل وأكرم من غني أو صحيح أو حر طليق ضغيف في إيمانه أو فاقد له ، والمحبوس من حبس قلبه عن ربه يقول الله عز وجل : {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ }الجاثية21. وإن في تذكر ذلك وتذكر أن ساعات البلاء هي من أرجى ما للعبد عند الله عز وجل إذا صبر واحتسب . إن تذكر ذلك كله لمن أعظم أسباب تسلية المصاب وتثبيته _بإذن الله عز وجل_ .
    نسأل الله أن يصلح لنا شأننا كله وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه .
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{احذروا ( حسن نصر الله ) وشيعته }

    احذروا ( حسن نصر الله ) وشيعته


    الصفحة 1 لـ 2

    بسم الله الرحمن الرحيم



    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فيقول الله عز وجل: ((وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (الأنعام: 153) .

    ويقول تبارك وتعالى: ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً )) (النساء : 115) . وحذر سبحانه من كتمان الحق ولبسه بالباطل لتضليل الناس فقال عز وجل: ((وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) (البقرة : 42 ) .

    وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله)) [1]

    وقال أيضاً: ((سيأتي على الناس سنوات خداعات يُصدَّق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة قيل: وما الرويبضة ؟ قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة)) [2]

    وهذه الآيات والأحاديث من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى تعليق.

    والآيات والأحاديث الواردة في وجوب التمسك بما في كتاب الله عز وجل والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفهم الصحابة رضي الله عنهم كثيرة ومتنوعة، تارةً بالأمر بالتمسك بهما والانطلاق منهما في الولاء والبراء والمواقف والموازين، وتارة بالتحذير من إتباع ما سواهما من آراء الرجال وأهل الأهواء والشبهات في الولاء والبراء والمواقف والموازين.

    وإن ما يجري اليوم من أحداث في بلاد الشام، من قتال بين اليهود ومن يسمون أنفسهم حزب الله أو المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان؛ لهو من الفتن والابتلاءات التي يختبر الله عز وجل فيها عقائد المسلمين ومدى ارتباطهم بموازين الكتاب والسنة وبما كان عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

    ولقد سقط في هذه الفتنة فئام كثير من الناس، وغرهم ما يسمعونه أو يرونه من مواجهات عنيفة مع اليهود يتزعمها الرافضي (حسن نصر الله وشيعته) وانخدع بذلك الذين يجهلون أو يتجاهلون حقيقة التوحيد والولاء والبراء في الإسلام وحقيقة عقيدة (حسن نصر الله وشيعته الرافضة) .

    ولأن الفتنة بهذا الحزب الرافضي الصفوي شديدة وكبيرة، كان لا بد لكل قادر من أهل العلم أن يتصدى لها ويكشف اللبس عن الأمة ويبين حقيقة القوم وما يدعون له ويهدفون إليه، ورضي الله عن عمر بن الخطاب حين قال: لست بالخَبِّ ولا يخدعني الخب أي: لست بالمخادع ولا يخدعني المخادع، ويعلق ابن القيم رحمه الله تعالى على هذه المقولة فيقول: ( فكان عمر رضي الله عنه أورع من أن يَخدَع، وأعقل من أن يُخدع) ( الروح: 244) .

    ولكي ندرك خطورة ما يجري في وسائل الإعلام الماكرة من تلبيس وتضليل تجاوز خطره شريحة العوام إلى كثير من المثقفين بل وبعض المتدينين والدعاة؛ نطلع على ما يجري اليوم من قلبٍ للحقائق فيما يتعلق بالجهاد والمجاهدين، حيث نرى من يصف المجاهدين الذين يتصدون للكفرة الغزاة في بلاد الرافدين وأفغانستان والشيشان بأنهم إرهابيون ومفسدون!! بينما يرون القتال في جنوب لبنان بقيادة نصر الله الرافضي مقاومةً مشروعة وجهاداً في سبيل الله تعالى.. سبحانك هذا بهتان عظيم! وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق والذي منه: ((إن وراءكم سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين...)) الحديث.

    ولكشف ما يجري من تلبيس وفتنة على المسلمين بما يسمى حزب الله وأمينه الرافضي حسن نصر الله أسوق الوقفات التالية:

    الوقفة الأولى:

    في ضوء الآيات والأحاديث التي سقتها آنفاً، يتبين لنا ضرورة أن يكون مصدر التلقي في الفهم والعقيدة والمواقف وتقويم الأفكار والرجال هو هذا الميزان والقسطاس المستقيم المستقى من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان من تمسك بهما وجعلهما النور الذي يمشي به في الناس فلن يضل أبداً، ولن تتقاذفه مضلات الفتن ذات اليمين وذات الشمال، وإني لأعجب من قوم معهم كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعمل الصحابة رضي الله عنهم.. كيف يتخلون عن ذلك كله ويستبدلون به العواطف وتلبيس الملبسين وأهواء الرجال؟!..

    كالعيسِ في البيداء يقتلها الظما والمـاءُ فوق ظهورها محمولُ

    والآن لنزن هذا الرجل المفتون وحزبه المغبون بميزان الكتاب والسنة ميزان التوحيد والشرك وميزان الهدى والضلال، لكي نعرفَ حقيقة هذا الرجل وحزبه.. هل هو على الحق الذي يحبه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ أم على الباطل الذي يدعو إليه الشيطان وحزبه؟! وبالتالي نعرف حقيقة جهاد هذا الرجل وحزبه وحقيقة عدائه لليهود.. هل هو في سبيل الله تعالى ؟ أم في سبيل الطاغوت ؟! فأقول وبالله التوفيق :

    إن الله تعالى إنما أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن الكريم والنور المبين ليعبد الله وحده لا شريك له وعقد على ذلك الولاء والبراء.. الولاء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الموحدين، والبراءة من الشرك والمشركين، وشرع الدعوة إلى التوحيد والتحذير والبراءة من الشرك، وأقام من أجل ذلك سوق الجهاد في سبيل الله تعالى، حتى لا تكون فتنة ـ أي شرك ـ ويكون الدين لله وحده لا شريك له .

    فهل واقع ما يسمى (حزب الله) وأمينه (حسن نصر الله) هو ما دعا إليه القرآن وجاهد من أجله الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام؟!

    إن الجواب على هذا السؤال يتطلب معرفة عقيدة هذا الرجل وحزبه وانتمائهم وحقيقة أهدافهم فمن هو حسن نصر الله ؟

    ولد حسن نصر الله في 21/ أغسطس /1960 في لبنان.

    وسافر إلى النجف في العراق عام 1976 لتحصيل العلم الديني الجعفري، وعين مسؤولاً سياسياً في حركة أمل عند إقليم البقاع، وعضواً في المكتب السياسي عام 1982 ثم ما لبث أن انفصل عن الحركة وانضم إلى حزب الله وعين مسؤولاً عن بيروت عام 1985 ثم عضواً في القيادة المركزية وفي الهيئة التنفيذية للحرب عام 1987 ثم اختير أميناً عاماً على إثر اغتيال الأمين العام السابق عباس الموسوي عام 1992 مكملاً ولاية سلفه، ثم أعيد انتخابه مرتين عام 1993 و 1995 م.

    (وردت هذه الترجمة في مقدمة حواره مع مجلة الشاهد السياسي العدد 147 في 3/1/1999 م)[3]

    ومن هذه الترجمة المختصرة للرجل يتبين لنا أنه شيعي رافضي محترق، يدين بالمذهب الإثني عشري الجعفري السائد في إيران، ينصره ويدعو إليه، ولذا اشتهر (بخميني العرب) لأنه يريد إقامة دولة الرفض في بلاد العرب كما أقامها الخميني الهالك في بلاد الفرس، يقول مفتي جبل لبنان السني: (حزب الله بوابة إيران إلى البلدان العربية) .

    ويبقى التعريف بالرجل ناقصاً حتى نعرف أصول المذهب الإثني عشري الجعفري الذي يفتخر بالانتماء إليه والجهاد من أجل التبشير به ونشره..

    يقوم هذا المذهب على أصول كفرية شركية لم تعد خافية على من له أدنى متابعة لكتب القوم في القديم والحديث، وكذلك من يتابع مواقعهم وما سجل عليهم من الوثائق المسموعة والمرئية في حسينياتهم ومناسباتهم السنوية[4] ومن أخطر أصول هذه النحلة التي ينتمي إليها حسن نصر الله وحزبه ما يلي :

    1- اعتقادهم العصمة في أئمتهم الإثني عشر، وغلوهم فيهم حتى عبدوهم من دون الله، وصاروا يحجون إلى قبورهم ويطوفون بها ويستغيثون بمن فيها، ويعتقدون أنهم يعلمون الغيب وأن ذرات الكون خاضعة لتصرفهم كما صرح بذلك الخميني في (الحكومة الإسلامية) .

    2- اعتقادهم بتحريف القرآن ونقصانه وأن القرآن الصحيح غائب مع مهديهم المنتظر، وسيخرج مع خروجه وهم اليوم يقرؤون القرآن الذي بين أيدي المسلمين حتى يخرج قرآنهم وذلك بأمر من علمائهم وآياتهم.

    وقد يقول قائل : إنهم ينفون ما ينسب إليهم من القول بتحريف القرآن فنقول: إن هذا مثبت في كتبهم والتي هي مرجعياتهم ككتاب (الكافـي) للكليني وكتاب الطبرسي (فصل الخطاب) وهما إمامان معتبران عند الرافضة فإذا كانوا ينفون ما ينسب إليهم فليصرحوا ببراءتهم ممن يقول بتحريف القرآن الوارد في هذين الكتابين وغيرهما، وليحكموا بكفر من قال بهذا.. وهذا ما لم ولن يقولوه .!

    3- سب الصحابة رضي الله عنهم وتكفيرهم وخاصة سادتهم وشيوخهم كأبي بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما وكذلك زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم الصديقة عائشة رضي الله عنها حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أنهم يكفرونها ويقذفونها بالزنا.. قاتلهم الله أنى يؤفكون!.

    4- توليهم في تاريخهم القديم والحديث لليهود والنصارى ومظاهرتهم لهم على أهل الإسلام، ومساعدة الغزاة لتمهيد الطريق لهم إلى غزو بلاد المسلمين، وما أخبار ابن العلقمي وممالأته للتتار في غزوهم للعرق بخافية على أحد، وكذلك ما قاموا ويقومون به في هذا الزمان من التعاون مع الغزاة الأمريكان في احتلال العراق وأفغانستان، وما زالوا عيوناً للغزاة وحماةً لهم ومظاهرين لهم في قتل أهل السنة وتصفيتهم.

    وهذه الأعمال والمعتقدات الآنفة الذكر لم تعد سراً وفي طي الكتمان كما كانوا يخفون من قبل، بل إنها أصبحت مفضوحةً سواء باعترافهم أنفسهم، أو بما حُصل عليه من الوثائق الدامغة التي تدمغ تقيتهم وتبين كذبهم.. هذا واقع الشيعة الرافضة الإثني عشرية التي ينتمي إليها ( حسن نصر الله وحزبه المخذول ) فهل بقي عذر لمن انخدع واغتر بالشعارات الكاذبة التي يرفعها هذا الرجل وحزبه؟! وأنه يدافع عن الأمة! ويقاتل اليهود نيابة عنها! ويضرب عمق الدولة اليهودية! ويجاهد في سبيل الله!!..

    إن هذا الرجل بهذه المعتقدات الشركية التآمرية لو تمكن ( لا قدّر الله ) فإنه سيقيم دولة الرفض والتشيع التي تقوم على الشرك الأكبر وسب الصحابة رضي الله عنهم وتكفير أهل السنة وبالتالي استئصالهم وإبادتهم كما هو الحاصل في العراق اليوم : ((كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ )) ( التوبة : 8) .

    ومع ذلك يوجد في أبناء المسلمين من يثق به ويعول عليه ويتمنى أن ينتصر!.. فمتى نفيق من غفلتنا يا قوم ؟ ومتى يكون ميزاننا في الولاء والبراء والحب والبغض وفي تقويم المواقف والرجال هو كتاب ربنا عز وجل ؟! ومتى نتخلص من موازين العواطف والشعارات الزائفة والدجل والتلبيس ؟ ..!

    الوقفة الثانية .

    يقول بعض الناس: إن هذا الرجل وحزبه هو الذي ثبت اليوم أمام اليهود بعد أن خنع الجميع دولاً وأحزاباً، وهو الآن يلحق ضرراً شديداً بالعدو باعتراف اليهود أنفسهم، فكيف نعاديه وهو يضرب عدو الأمة ؟! ألا نفرح بإلحاق الضرر باليهود؟!. وهذه شبهة وفتنة لا شك، لكنها لا تنطلي إلا على من ينظر للأمر بنظرة سطحية وعاطفة متسرعة، متجاهلاً أصول القوم وعقائدهم وأهدافهم.

    ولتفصيل الجواب على هذه الشبهة أقول وبالله التوفيق:

    أولاً: إن أي ضرر يلحق باليهود في رجاله وعتاده يفرحنا بلا شك، لكنه لا يغرنا وينسينا ثوابتنا، وننساق مع عواطفنا لنقول: إن من يضرب اليهود فهو أخونا وولينا!.. بل نفرق بين من يجاهد في سبيل الله تعالى ويريد نشر التوحيد والسنة كإخواننا المجاهدين في فلسطين فهذا نتولاه ونفرح بنصره، وأما من كان على غير التوحيد وعنده أهداف مبيتة، فلا نتولاه ولا ننصره، وإن كنا نفرح بضربه للعدو حتى يضعف، كما نفرح بضرب العدو له حتى لا يتمكن وينشر الشرك والرفض في الأرض، ولسان حالنا يقول: اللهم أهلك الظالمين بالظالمين وأخرج الموحدين من بينهم سالمين، وإذا قلنا: إننا نفرح بضرب العدو للرافضة؛ فإننا نقصد رموزهم ومواقعهم ولا نقصد العامة من المسلمين من الأطفال والنساء والأبرياء، فإن هذا يحزننا ولا يفرحنا.

    ثانياً: هناك مؤامرة كبيرة في المنطقة، ولعبة ماكرة تديرها إيران وسوريا اللتان تدعمان (حسن نصر الله وحزبه) وهما اللتان دفعتا به لهذه المواجهة، ومفاد هذه المؤامرة وملخصها: ((أن هناك مشروع صفوي شعوبي كبير يراد تنفيذه في المنطقة، وقد بدأ يأخذ مساراً تنفيذياً متسارعاً منذ بدء اجتياح العراق واحتلاله أمريكياً وصفوياً وصهيونياً، فقبل أشهر عدة أُعلن في دمشق عن انطلاق تحالف استراتيجي إيراني سوري ضم إليه حزب الله وبعض الفصائل الفلسطينية، وتتواطأ معهم الحركات الشيعية العراقية من منطلق طائفي مذهبي، فتحول هذا التحالف المشبوه الجديد إلى مشروع سرطاني شديد الخبث، يفوق خطره على أمتنا الإسلامية خطرَ الكيان اليهودي نفسه، ولكي يكون لهذا المشروع الخبيث غطاء مقبول لدى شعوب المنطقة المسلمة، فلا بد من تسريع خطاه وتمكينه من اللعب بعواطف الجماهير المسلمة، وليس هناك أفضل من قضية فلسطين واللعب بها وعليها وفيها حتى تتوارى خلفه النوايا الحقيقة لأصحاب هذا المشروع الصفوي الخطير الذي مر بنا أهم أصوله الاعتقادية الكفرية العدوانية آنفاً، وخلاصة أهداف هذا المشروع الخطير هو السيطرة على العالمين العربي والإسلامي بدأً من إخضاع منطقة الهلال الخصيب ( بلاد الشام والعراق ) وذلك باجتياحها (ديموغرافياً) ومذهبياً وتبشيرياً صفوياً ..

    ثالثاً: أما لماذا جاءت هذه المواجهة بين (رافضة لبنان) واليهود في هذا الوقت فلعدة اعتبارات عند القوم أهمها:

    1- اشتداد عمليات التطهير الإجرامي العرقي والمذهبي، التي تقوم بها الميليشيات الصفوية العراقية في العراق، بما في ذلك عمليات إبادة وحشية ضد السكان الفلسطينيين، وعمليات تهجير لأهل السنة من جنوبيّ العراق (البصرة لم يبق فيها إلا 7% من أهل السنة بينما كانوا أكثرية منذ عشرات السنين، ونسبتهم كانت 40% قبيل الاحتلال الأمريكي) !.. فضلاً عن انكشاف زيف شعارات الرئيس الإيراني (نجاد) الداعية لإزالة إسرائيل من الوجود !.. وجهاد الشيطان الأكبر (أمريكا) !! في الوقت الذي أثبت أهل السنة أنهم هم المجاهدون الصادقون الذين يقاومون الغزاة في أفغانستان والعراق والشيشان، وكذلك المقاومة الفلسطينية وهي سنية بطبيعة الحال خطفت الأضواء بأنها الوحيدة في ساحة الصدام مع الكيان الصهيوني، وذلك بعد عملية (الوهم المتبدد) وخلال عدوان (أمطار الصيف).. إذ وصل الكيان الصهيوني إلى طريق مسدود لتحقيق أهدافه ضد الشعب الفلسطيني وفصائله المقاومة!.. وهذا كله أدى إلى فضح الرافضة الصفويين وأنهم عملاء للغزاة المحتلين وخطف الأضواء عنهم، فكان لا بد من عمل يعيد لهم اعتبارهم ويغطي على فضائحهم.

    2- انكشاف تواطؤ حزب الله ضمن تواطؤ حليفه الإيراني.. مع الاحتلال الأميركي ضد المقاومة العراقية ودخول الحزب في لعبة تشجيع الميليشيات الصفوية العراقية وتدريبها، وهي نفس الميليشيات التي تقوم بعمليات إبادة الفلسطينيين وأهل السنة في العراق ..!

    3- بداية انتكاسات لحملات التشييع في سورية ولبنان، انعكاساً لانكشاف مواقف أركان الحلف الصفوي الشعوبي الداعم للصهاينة وللاحتلال الأميركي المرفوض شعبياً.. ثم بروز بوادر الاصطدام على النفوذ بين المشروعين: الأميركي، والفارسي الصفوي.. في العراق ..!

    لذا كان لا بد من فعل يحرف الأضواء والأنظار عما يجري في العراق بحق أهل السنة والفلسطينيين على أيدي الصفويين الشعوبيين، ولا بد من خطف الأضواء من المقاومة الفلسطينية السنية التي كشفت عجز الجيش الصهيوني، ولا بد من استعادة الثقة بعمليات التبشير الشيعي في المنطقة، ولا بد من إعادة الاعتبار لأكذوبة ( نجاد ) بدعوته لإزالة إسرائيل ومقاومة الكيان الصهيوني، ولا بد من التغطية على تواطؤ حزب الله بالعمل ضد المقاومة العراقية، ولا بد من خلط الأوراق في لبنان لصالح الفوضى التي هدد بنشرها رئيس النظام السوري بشار الأسد.. لا بد من كل ذلك ولو على حساب لبنان.. كل لبنان. الرسمي والشعبي.. ولو أدى العبث واللعب إلى تدميره ..!

    فلذلك.. ولتحقيق كل هذه الأهداف.. قام حزب الله ـ ثالث ثالوث المشروع الصفوي الفارسي ـ بعمليته أو مغامرته الأخيرة ضد الكيان الصهيوني!..

    هل نحن ضد عملية تنال من العدو الصهيوني؟!.. لا.. مطلقاً، نحن نفرح بكل عمل يؤذي الكيان الصهيوني الغاصب ويضعفه ويضع من هيبته!.. لكننا لا نقبل أن نُخدع ولا نقبل أن تندرج هذه العملية في مسلسل تحقيق أهداف المشروع الأخطر من المشروع الصهيوني في بلادنا، ولا نقبل أن يتاجر القائمون بهذه العملية بقضية فلسطين، في نفس الوقت الذي يذبحون فيه الفلسطينين ويستبيحون أرواحهم ودماءهم وأعراضهم وأموالهم في بغداد.. ولا نقبل مطلقاً أن يعبث الصفويون بأمن سورية ولبنان في سبيل تحقيق أهدافهم الدنيئة.. ولا نقبل أبداً أن يتم تدمير لبنان وتقتيل أبنائه وأطفاله ونسائه، بتحريض واستفزاز يمارسه أصحاب المشروع الصفوي الفارسي وينفذه أصحاب المشروع الصهيوني.. ولا نقبل أن يقوم الصفويون الجدد بالترويج لأنفسهم زوراً وتزييفاً، بأنهم أصحاب مشروع مقاوم، بينما هم يمالئون المشروعين الأميركي والصهيوني على رؤوس الأشهاد وفي وضح النهار.. ولا نقبل في أي وقت من الأوقات أن تنحرف الأنظار عن جرائم الصفويين بحق أهلنا وشعبنا المسلم في العراق.. ولا نقبل أن تستخدم مثل هذه العمليات المشبوهة، في كسب الوقت لبناء القنبلة النووية الإيرانية الصفوية، التي ستستخدم لخدمة المشروع الشرير ضد العرب والمسلمين، وضد أوطانهم وثرواتهم وأموالهم وأعراضهم!..

    فتشوا في أوراق التاريخ كله، فلن تجدوا ما يفيد بأن إيران الفارسية قد دخلت حرباً أو معركة مع الصهاينة.. أو حتى مع (الشيطان الأكبر) أميركة؟!.. لن تجدوا في التاريخ حرفاً واحداً يفيد ذلك، بل سنجد أن إيران التي افتضح أمرها باستيراد السلاح الصهيوني والأميركي أثناء الحرب مع العراق (فضيحة إيران غيت).. هي نفسها إيران التي تقود الحلف الصفوي التوسعي الاستيطاني التبشيري الجديد، وهي نفسها إيران التي تمالئ أميركة وتعينها على استمرار احتلال العراق، وهي نفسها التي تستخدم حزب الله في استجرار تدمير لبنان وتهديد أمنه واستقراره، وهي نفسها التي ما تزال عينها على الخليج العربي، وهي نفسها التي تحتل الجزر الإماراتية العربية الثلاث، وهي نفسها التي تحول الحركات الفلسطينية إلى ورقة ولعبة تلعبها متى أرادت على حساب أمن المنطقة العربية والإسلامية كلها!..[5]

    الوقفة الثالثة :

    وأخصص هذه الوقفة بما ندفع به الإحباط واليأس عن نفوسنا وعن المسلمين، وذلك بالقول بأنه وإن كانت الأحداث موجعة ومدلهمة لكن لعلها مؤذنة بانبلاج الصبح، وذلك لما نشهده من انفضاح مستمر ومتزايد لسبيل المجرمين والمنافقين، وبيان لموقف الموحدين وثباتهم وصدقهم، وهذا أمر حتمي يسبق نزول نصر الله تعالى.. أي أن محق الكافرين وتمكين المؤمنين الصادقين؛ لا بد أن يسبقه فترة ابتلاء وتمحيص يتميز فيها المؤمنون الصادقون عن الكافرين والمنافقين ومن في قلبه مرض، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، وهذا هو الذي يحدث الآن وقبل هذا التميز لا ينزل نصر الله عز وجل.

    وشيء آخر يبث الأمل في النفوس ولا يجعلها في رعب وخوف من المجرمين وكيدهم ألا وهو قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَه َا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ )) (الأنفال : 36) .

    ولعل في هذه الأحداث التي أراد الرافضة أن تخدم مشروعهم الصفوي التوسعي في المنطقة أن ينقلب الأمر عليهم، وتكون بداية النهاية لهم والسحق لمشروعهم الإجرامي الكبير، وسنة الله عز وجل أن البقاء للحق وأهله، والباطل ذاهب زاهق، قال سبحانه: ((بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)) (الأنبياء : 18) .

    وقال سبحانه : ((كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ )) (الرعد : 17) .

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الحق وأنصاره وأن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليه ويذل فيه عدوه ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر والحمد لله رب العالمين .



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1]أخرجه مالك في الموطأ في القدر باب النهي عن القول بالقدر بلاغاً وقال الأرناؤوط في جامع الأصول 1 /277 لكن يشهد له حديث ابن عباس عند الحاكم 1/93 بسند حسن فيتقوى به

    [2] - رواه ابن ماجه ( 4036 ) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (3261 ).

    [3] انظر لمعرفة المزيد عن ( حزب الله ) كتاب: ( حزب الله رؤية مغايرة ) للأستاذ: عبد المنعم شفيق.

    [4] انظر موقع ( البينة ) في الشبكة العنكبوتية لترى الأدلة والوثائق الدامغة على أصولهم الشركية وتكفيرهم وسبهم للصحابة رضي الله عنهم.

    [5] نقلاً عن المقال الرائع (تعانق المشروعين الأمريكي والصفوي في العراق والمنطقة وأهداف حزب الله) د. محمد بسام يوسف باختصار وتصرف يسير في 21/6/1427هـ.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{وسائل فاعلة لمقاومة الفساد }

    وسائل فاعلة لمقاومة الفساد




    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد .

    فإنه لا يخفى ما تمر به بلدان المسلمين من تغيرات خطيرة وسريعة وذلك ضمن مخطط إفسادي كبير على العقيدة، والشريعة، والأخلاق، والمرأة، والاقتصاد ظهرت بعض أثاره اليوم على حياة الناس في بيوتهم، ومدارسهم، ومجتمعاتهم، وأموالهم، وأخلاقهم وبعضها في الطريق إلى التنفيذ .

    ومشاركة مع إخواني الدعاة الذين أقلقهم هذا الخطر وراحوا يبحثون عن كل ما من شأنه مدافعة هذا الخطر وصده عن المسلمين أكتب هذه الخواطر السريعة التي كانت محل تفكير وحوار والتي أحسبها تسهم في إيجاد مشروع تحصيني وقائي لأسرنا ومجتمعاتنا أمام هذا الخطر الداهم أسأل الله عز وجل أن يلهمنا صحة الفهم وحسن القصد : فأقول وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم.

    يقول الله تبارك وتعالى : (( وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ)) (البقرة :251) .

    ويقول عز وجل : ((فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ)) (هود: 116) .

    ويقول سبحانه : ((وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (آل عمران: 104) .

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله بعقاب)) .

    و إنفاذاً لهذه التوجيهات الإلهية والنبوية يجب على أهل الغيرة والإصلاح أن ينفروا لمدافعة هذه المخططات الإفسادية وصدها عن المسلمين قدر المستطاع، وأرى أن تتم هذه المدافعة عبر جبهتين رئيستين :

    الجبهة الأولى: جبهة الاحتساب

    والإنكار المباشر لمظاهر الفساد منذ بدايتها أو السماع بالتخطيط لها وذلك بمناصحة الأشخاص المنظرين أو المنفذين لها، والإنكار عليهم شفاها، ومكاتبة، ومخاطبة أهل الحل والعقد في البلد وإظهار الامتعاض، والإنكار وهذا أمر يجب أن ينفر له طائفة معينه وهم أهل العلم من المشائخ والقضاة وطلبة العلم والوجهاء .

    وذلك يتطلب تعاونا وتشاوراَ بين أهل العلم في كل مدينة وأن يكون هناك مجالس وتوزيع للأدوار والجهود. كما يتطلب جهات مساندة تهيئ لهم المعلومات والوثائق وحصر ما يجد من منكرات ومعلومات وترتيبها وتنظيمها، وأحسب أن هذه الجبهة قائمة الآن ولا تزال في مراحلها الأولى ولكنها بحمد الله تعالى في تطور وتوسع .



    الجبهة الثانية : جبهة التحصين والوقاية للمجتمع من الفساد.

    وأحسب أنه لازال هناك تقصير شديد في هذه الجبهة مع أن الثمار المرجوة منها كثيرة جداً واستجابة الناس لها كبيرة والحمد لله ولا يعني هذا التقليل من جهود القائمين في الجبهة الأولى -حاشا لله- فهم تاج الرؤوس وأعمالهم لن تضيع عند الله عز وجل إن شاء الله تعالى، وحسبهم أن يفوزوا بالإعذار عند الله عز وجل وإبراء الذمة إذا حوسبت الذمم،مع ما تثمره جهودهم من مراغمة أهل الفساد والتخفيف أو التأخير لبعض المنكرات، وإنما المقصود أن لا تنسى جبهة التحصين والوقاية التي قد تكون أكثر ثمرة وآثارا.


    وبخاصة أن المتحركين من المصلحين في الجبهة الثانية يمتلكون وسائل كثيرة ومجالات متعددة في مخاطبة الناس وتحذيرهم وتحصينهم لا يملكها غيرهم. ولو وظفت التوظيف الصحيح و تظافر الغيورون و المصلحون في تنفيذها وتوزعت الأدوار فيها لكان لها نتائج باهرة تحبط على المفسدين أهدافهم وترد كيدهم في نحورهم .

    وفي هذه الورقة بعض المقترحات في تفعيل دور هذه الجبهة وكيفية الاستفادة من الوسائل الكبيرة المتاحة في مخاطبة المجتمع وتوجيه الناس.

    ومن نافلة القول أن نشبه سيل الفساد المسلط على مجتمعات المسلمين وتنوع الناس في مقاومته بسيل جارف ينتهي إلى تغريق أراضي وعمران ودور. وأصحابها يعلمون أنه سيخرب دورهم ومزارعهم وأموالهم فانقسموا إلى فرقتين :


    الأولى: فرقه رأت أن لا خلاص من خطر هذا السيل إلا أن يهب الجميع في قطعه من منبعه وأصله فتعذر ذلك غاية التعذر، وأبت طبيعة السيل وقوته عليهم ذلك فكلما سدوه من موضع نبع من موضع آخر وأنشغل أهل القرية بشأن هذا الوادي عن الزراعات والعمارات وغرس الأشجار و تحصين البيوت. ويمكن أن يكون في عمل هذه الفرقة تخفيف لشدة السيل أو سد لبعض منابعه لكن لا يمنعه عن بيوت الناس وممتلكاتهم.



    الثانية : رأت أن صرف الجهود كلها في عمل الفرقة الأولى قد أضاع عليهم كثير من المصالح ولم يستطيعوا منع السيل فاتجهوا إلى بيوتهم في تقويم أساسها وقواعدها ورفع أسوارها عن مجرى السيل كما اتجهوا إلى صرف سيل الوادي عن مجراه المنتهي إلى البيوت والعمران وذلك بتحذير الناس من شره القادم وبتوجيه الناس إلى أن يحصنوا بيوتهم من هذا السيل و يتضافر الجمع على صرفه عن بيوتهم وعمرانهم إلى الرمال المحيطة بهم أو السبخات أو الحفر التي يجد السيل فيها مصرفا له يضيع فيه ويتفرق.

    والمقصود من إيراد هذا المثال التأكيد على أهمية العمل في جبهة التحصين والوقاية للناس والمجتمعات من سبل الفساد الموجهة إليهم وأن يعطى حقه من الاهتمام مع بذل الجهد من أهل العلم في الجبهة الأولى وذلك بالاحتساب على المفسدين ولو للتخفيف أو التأخير وأهم من ذلك إبراء الذمة و الإعذار الى الله عز وجل، والمقصود توزيع الأدوار وأن لا ينشغل الدعاة بجبهة عن جبهة.

    وأسوق فيما يلي ما يحضرني من الوسائل القوية التي يملكها المصلحون من الدعاة وطلبة العلم ولا يملكها غيرهم من المفسدين. وكيف يمكن تفعيلها وتنشيطها وتوظيفها.



    الوسيلة الأولى : المنابر الدعوية

    ويقصد بها تلك المنابر التي يخاطب فيها فئام من الناس على مختلف شرائحهم ويحصل من خلالها تحذير الناس ووعظهم وبيان خطر المنكرات على الفرد و البيت والمجتمع وبيان ذلك بالفتاوى الشرعية المستندة الى الأدلة الشرعية.

    ويدخل تحت مسمى المنابر الإعلامية ما يلي :

    1- خطبة الجمعة :

    حيث أثرها العظيم على الناس ومما تتميز به دقة الإنصات من السامعين وتركيزهم على ما يقال فيها وهذه المنابر نعمة من نعم الله عز وجل على المسلمين و وسيلة عظيمة الفائدة يمتلكها الدعاة الى الله عز وجل ولا يملكها المفسدون .

    وأقترح لتفعيل دور الخطبة واستثمارها في إصلاح الناس وتبغيض الفساد والمنكرات لهم النقاط التالية :



    أولاً: إيجاد رابطة مستمرة بين الخطباء في كل حي تجتمع في كل أسبوع، وذلك للتنسيق وتبادل الخبرات وتبادل الخطب وتحديد المواضيع المهمة للخطبة وترتيب الأولويات في ذلك. كما يقترح رابطة أوسع للخطباء على مستوى المدينة وذلك في كل شهر مرة وذلك لتوسيع دائرة التشاور وتنسيق الجهود .



    ثانياً: يتفرغ أناس لجمع الخطب الجيدة القديم منها والجديد والتي يحتاج إليها المجتمع وطبعها وجعلها في متناول الخطباء ليرجعوا إليها في كتابة الخطبة .



    ثالثاً: يتفرغ أناس لجمع الفتاوى القديمة والجديدة للعلماء والتي يبين فيها أهل العلم الحكم في المنكرات القديمة والجديدة التي تعشعش بين المسلمين أو هي في بدايتها وذلك لرفضها من الناس ومقاطعتها وتزويد الخطباء بها لقرائتها على الناس.



    رابعاً: التعاون مع القائمين على إذاعة القرآن بالاقتراح عليهم تسجيل بعض الخطب المهمة التي يتفق عليها سلفاً لتذاع على الناس وتكرر عليهم .



    خامساً: طبع الخطب الجيدة والمهمة في رسائل صغيرة وتوزيعها مجاناً أو بيعها بسعر رمزي.

    سادساَ: الحرص من محلات التسجيلات على تسجيل الخطب المهمة ونشرها بين الناس وأن يصاحب ذلك تغطية من الدعاية الجيدة والتسويق القوي.


    سابعاً: يفعل دور أئمة المساجد وحلقات التحفيظ في توزيع أشرطه الخطباء الجيدة على بيوت الحي.



    2- الدروس والمحاضرات والجولات الوعظية:

    وهذه من الوسائل المهمة التي لو رتبت مواضيعها وأماكنها وأوقاتها لظهر لها وقع عظيم في تحصين الناس ووقايتهم من الفساد وهي والحمد لله كثيرة ومنتشرة ولكن يحتاج إلى تفعيل وتنشيط وتنظيم لكي يكون أثرها أكبر مما هي عليه الآن.

    ومن الوسائل المقترحة لتفعيلها ما يلي .

    أولاً : اختيار المواضع المهمة للمحاضرات والدروس أو توظيف الدروس في مخاطبة الناس ووعظهم وتحذيرهم من المنكرات سواء كان ذلك عندما يأتي مناسبة في الدرس أو تخصيص أخر الوقت في الدروس للحديث عن المنكرات والتحذير منها أو تعد أسئلة مهمة تطرح على الشيخ ليجيب عليها في نهاية الدرس ويركز على مظاهر الفساد والموقف منها .

    ثانياً: تحريك بعض طلبة العلم المؤثرين بما عندهم من العلم والديانة والبلاغة في أن يشاركوا وينفروا وأن يعيدوا النظر في سلبيتهم بحجة الورع البارد.

    ثالثاً: التنسيق مع إذاعات القرآن والقنوات الإسلامية بنقل الدروس والمحاضرات المهمة في إذاعة القرآن.

    رابعاً : مساعدة المحاضر في جمع المادة العلمية والفتاوى المهمة التي يستخدمها في إقناع الناس برفض الفساد وتحريمه ومقاطعته .

    خامساً: قيام محلات التسجيل بتسجيل مثل هذه الدروس والمحاضرات المهمة والدعاية له وتسويقها بين الناس .

    سادساً: نشر هذه المحاضرات في بيوت الحي عن طريق مساجد الحي وحلقات التحفيظ ودعمهم مادياً.

    سابعاً: يحسن أن يكون هناك رابط أسبوعي أو شهري بين طلبة العلم الذين يقومون بالدروس والمحاضرات للتنسيق بينهم والتشاور في المواضيع المطروحة.

    ج- الاستفادة من إذاعات القرآن والقنوات الإسلامية :

    وميزة هذه الوسائل الإعلامية أنها تخاطب الفئات الكبيرة من الناس لذا صارت من أهم الوسائل التي ينبغي أن يعتني بها الدعاة الى الله عز وجل واستثمارها في توجيه الناس وتحصينهم وتحذيرهم من الفساد الموجه لهم , ورد شبهات المفسدين ومن أوجه الاستفادة من هذه المنابر ما يلي :

    * مايكون فيها من برامج الإفتاء, ويحسن أن توظف هذه البرامج في تحذير الناس من صور الفساد المسلطة عليهم وبيان الحكم الشرعي فيها والتركيز على هذا النوع من الفتاوى.

    * تقديم الدروس العلمية المبسطة التي توعي الناس بدينهم (في التفسير والعقيدة والفقه والآداب) وترفع عنهم اللبس والتضليل.

    * إجراء المقابلات والندوات والحوارات في القضايا التي تحذر المسلمين مما يراد بهم من الفساد والشر والرد على الشبهات وفضح أهلها .

    * ولتفعيل دور هذه المنابر يحث أهل القدرات الإعلامية من الدعاة للدخول فيها والتعاون مع القائمين عليها في تهيئة البرامج وتقديم المواد التي تحقق الأهداف .

    * نقل الخطب والدروس والدورات الشرعية التي تعقد في المساجد .

    الوسيلة الثانية - إحياء اللقاءات الأسرية ودوريات الأحياء :

    حيث ثبت بالتجربة عظيم فائدتها في تأليف القلوب و التعاون على الخير والتحذير من الفساد والمنكرات. ولو أن أهل الاستقامة في كل أسرة وكل حي -وهم كثير والحمد لله – كونوا هذه الروابط واللقاءات و استثمروها في وقاية الأسر والجيران نساءً ورجالاً من شر الفساد والمنكرات لكان لها الأثر العظيم .

    ومن الأعمال الخيرة التي تقوم به هذه الروابط واللقاءات ما يلي :

    1- توزيع الأشرطة والكتيبات التي تنشر الفضيلة وتحارب الرذيلة.

    2- توزيع الفتاوى التي تبين حرمة ما جد في حياة المسلمين من منكرات البيوت .

    3- إقامة المسابقات الهادفة التي تنبه السامعين إلى أمور شرعية قد يجهلونها أو يغفلون عنها.

    4- استضافة بعض طلبة العلم المؤثرين ليتحدث عن بعض المنكرات وضرورة إنكارها وتحصين البيوت وتربية الأولاد والنشأة على حب الفضيلة وبغض الفساد والرذيلة .

    5- العناية بشؤون المرأة وتوعيتها بأحكام الإسلام وتحذيرها من منكرات اللباس والزينة وما يراد لها من إخراجها واختلاطها بالرجال . ويمكن أن تنشأ روابط نسائية في الأسرة تتولى المستقيمات في كل أسرة تحقيق هذه الأهداف بما سبق من الوسائل .

    6- مراقبة الحي وما فيه من المنكرات والتعاون مع الهيئات لإزالتها .

    الوسيلة الثالثة - أئمة المساجد :

    لا يخفى دور إمام المسجد في نشاط المسجد ونشاط الحي الذي فيه المسجد وهذا ملموس من بعض الأمة الناشطين. فلو أن إمام كل مسجد قام بدوره في جماعة الحي لكان في ذلك خير عظيم وسد منيع ومن أهم الأنشطة التي يقوم بها إمام المسجد ما يلي:

    * القراءة على جماعة المسجد في الكتب والفتاوى التي تحذر من الفساد والمنكرات في البيوت أو الأسواق وغيرها .

    * التعاون مع دورية الحي في دعم أنشطة المسجد وحلقات التحفيظ ومتابعة المنكرات في الحي .

    * استضافة طلاب العلم ليلقوا كلمات و محاضرات وفتاوى تدعو الناس إلى الخير وتحصنهم من الفساد وتحذرهم منه .

    * متابعة المحاضرات والدروس في المساجد الأخرى وتبليغ جماعة المسجد بها مشافهة أو عن طريق الملصقات الإعلانية.

    * التعاون مع حلقات التحفيظ في توزيع الكتيبات والأشرطة على منازل أهل الحي .

    * تفقد الأشخاص الذين لا يصلون مع الجماعة ومناصحتهم بالتعاون مع دورية الحي .

    * إقناع طلاب العلم من جماعة المسجد على فتح دروس في المسجد سواء كانت لعوام المسلمين أو للطلاب الدارسين .

    * ولتفعيل دور الأمام في المسجد يحسن تكوين رابطة لأئمة المساجد في الأحياء المتقاربة والتشاور معهم وتبادل الخبرات في أنشطة المساجد .

    * الاستفادة من المشرفين على حلقات التحفيظ في تقديم الفتاوى و اقتراح الرسائل المهمة التي تقرأ على جماعة المسجد.

    الوسيلة الرابعة- حلقات التحفيظ ومكتبات المساجد :

    لا يخفى دور هذه الحلقات المباركة في حفظ أبناء الحي بحفظهم لكتاب الله عز وجل وتربيتهم وتحصينهم من الفساد . ومع ذلك يمكن أن يستفاد من هذه الحلقات ليظهر أثرها في أهل الحي وذلك بالوسائل التالية :

    * توزيع الأشرطة والكتيبات على بيوت الحي .

    * إعطاء طلاب التحفيظ بعض الأشرطة والفتاوى والكتب لأخذها إلى أهليهم مما من شأنه تحذير البيوت من المنكرات والفساد .

    * الاهتمام بأولياء أمور طلاب التحفيظ والاجتماع بهم في دورية شهرية للعناية بأبنائهم والتناصح معهم في إصلاح البيوت وتطهيرها من الفساد.

    الوسيلة الخامسة- مواقع شبكة المعلومات :

    وقد ظهر أثر هذه المواقع في الآونة الأخيرة لما ظهرت المواقع الإسلامية للمشائخ والمؤسسات الإسلامية والمواقع التي تهتم بالمرأة والحسبة. لذا يجب الاهتمام بها وتفعيلها وتقديم المادة المناسبة التي فيها تحذير المسلمين مما يراد بهم من الفساد و تخصص بعض أهل العلم في تتبع شبهات المفسدين و شهواتهم و الرد عليها.

    الوسيلة السادسة- المعلمون في المدارس :

    المعلم المسلم صاحب الرسالة لا ينظر إلى وظيفته بأنها مصدر للرزق فحسب وإنما هي من أهم المجالات التي يمكن تربية النشأ فيها وتحصينهم من الفساد والمنكرات . كما يمكن التأثير من خلال التعليم على أسر الطلاب وبيوتهم بإيصال بعض الفتاوى والأشرطة عن طريق أبنائهم وكذلك يستفاد من مجالس الآباء في المناصحة مع أولياء الأمور في التخلص من المنكرات والفساد .

    الوسيلة السابعة- الحسبة والاحتساب :

    من خصائص هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . وكلما شاع الاحتساب وانتشر قل الفساد واندحر المفسدون سواء كان ذلك على يد مراكز الهيئات أو عن طريق المحتسبين لذا ينبغي للدعاة وطلاب العلم والمحاضرين أن يحثوا الناس على مختلف طبقاتهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كلاَ فيما يخصه وحسب علمه وقدرته .

    الوسيلة الثامنة- الكتاب والمؤلفون :

    إن الإكثار من الكتب والرسائل و المطويات التي تحذر من الفساد وتكشف خطط المفسدين لتعتبر من أهم الوسائل التي توعي الأمة وتحذرهم من كيد المفسدين وتلبيسهم وتضليلهم وذلك بما يكون في هذه المؤلفات من بيان حكم الله عز وجل في مظاهر الفساد الذي يروج له المفسدون , وكشف سيئاتهم التي يلبسون بها على الناس .

    الوسيلة التاسعة- أماكن الانتظار العامة :

    وذلك مثل الانتظار في عيادات الأطباء وصرف الدواء في الصيدليات الحكومية ومحلات الحلاقة ومكاتب العقار وما شابهها.

    حيث من المفيد تزويد هذه الأماكن بمطويات ورسائل وفتاوى تناسب حاجة الناس وتحذيرهم وتحصينهم من سبل الفساد .

    الوسيلة العاشرة- الدور النسائية لتحفيظ القرآن :

    لم يعد خافياً أثر هذه الدور المباركة إن شاء الله في تحصين المرأة المسلمة من كيد أعدائها وتعليمها دينها وتحذيرها من مظاهر الفساد الموجه لها وللأسر المسلمة. والعناية بالمرأة المسلمة له أثر في نفسها كما أن له أثر كبير في إصلاح الأسر والبيوت حيث تنقل المرأة ما تسمع وترى وتقرأ في هذه الدور وما يوزع فيها من أشرطه وكتيبات وفتاوى إلى أسرتها وأولادها. لذا لزم الأمر العناية الشديدة بهذه الدور.

    الوسيلة الحادي عشر- رسائل الجوال:

    لقد ظهر في الآونة الأخيرة أثر رسائل الجوال في نشر الخير والشر لذا ينبغي توظيفها من قبل المصلحين في نشر الفضيلة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدلالة على الكتب والفتاوى والدروس المفيدة والتحذير من الفساد وتعرية أهله وتبيين المنكرات ودفع الناس لانكارها.



    تنبيهات مهمة

    الأول : لابد في الوسائل السابقة من عمل مرتب ومنظم ترتب فيه الآولويات وتوزع فيه الأدوار ويجند الآلاف المؤلفة من الصالحين في أحيائهم وتنفيذه بتوجيههم واستثمار طاقاتهم ولا يكتفى بالجهود الفردية.

    الثاني : لا يقتصر في مخاطبة الناس ببيان الحكم الشرعي في المنكرات و تحذيرهم منها بل ينبغي أن يتوجه الخطاب إلى القلوب و تقوية العبودية لله عز و جل فيها و الاستسلام لشرعه سبحانه و الإذعان و القبول له وتخويفهم من الله عز وجل ومن عذابه و تقوية محبة الله عز و جل وتعظيمه والخوف من يوم الحساب والوقوف بين يدي الله تعالى.

    الثالث : العناية بالجانب التربوي في أوساط الدعاة وطلبة العلم و أهل الاستقامة من شباب الأمة وفتياتها والعناية بصحة الفهم والتصورات وحسن السلوك والأخلاق وأن لا يكون العمل الإحتسابي والإعلامي سبباً في انشغالنا عن العمل التربوي .

    الرابع : إعداد جيل إعلامي قوي يجمع بين العلم الشرعي والصمود على الثوابت الشرعية والبعد عن الضعف والانهزامية والاستجابة لأهواء الناس وبين الوعي الإعلامي والخبرة الإعلامية التي تخاطب الناس وتؤثر فيهم وتكسبهم .

    أسال الله عز و جل أن يبرم هذه الأمة أمر رشد يعز فيه وليه ويذل فيه عدوه و يؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر إنه سميع الدعاء.

    والحمد لله رب العالمين ..
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{منطلقات شرعية في نصرة خير البرية }

    منطلقات شرعية في نصرة خير البرية




    الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أما بعد:

    فإن ما يشهده العالم الإسلامي هذه الأيام من غضبة عارمة، وحملة مباركة لنصرة سيد البشر نبينا صلى الله عليه وسلم، والدفاع عن عرضه الشريف أمام الهجمة الشرسة القذرة التي يشنها الغرب الصليبي الكافر على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وتتولى كبرها بلاد الدنمارك الحاقدة، إن في هذه القومة المباركة لنصرة نبينا صلى الله عليه وسلم ما يثلج الصدر، ويسر الخاطر، ويبث الأمل في النفوس، ويؤكد أن أمة الإسلام أمة مباركة ومرحومة ولازال فيها الخير والرصيد العظيم في مقاومة أعدائها والنكاية فيهم، حتى ولو كانت ذليلة مستضعفه؛ فكيف لو كانت قوية ومتمكنة.

    ولقد ظهر في هذه الحملة قدرة الأمة على النهوض والتكاتف والتعاون على إلحاق الأذى الشديد بالعدو المتربص، وقد ظهر ذلك في هذه القومة الشاملة لمختلف شرائح الأمة رجالاً ونساءً, صغاراً وكباراً, أغنياء وفقراء, وعوام ومثقفون، وذلك في الكتابات الكثيرة المتنوعة لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم , وكذلك في المقاطعة المباركة التي آتت أكلها وثمارها في إنهاك اقتصاد المعتدين.

    أسأل الله عز وجل أن يبارك في جهود القائمين بهذه النصرة، سواءً من كتب أو خطب أو مقاطعة وهجر منتجات القوم، وليس هذا بكثير في نصرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، والذي هو أولى بنا من أنفسنا، والذي قال لنا ربنا سبحانه عنه (( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِين َ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)) ( التوبة: 128) .

    والذي بلغ الكمال الإنساني في الشمائل والأخلاق وفي عبادة ربه سبحانه وتعالى، وكل هذا يفرض علينا أن يكون أحب إلينا من أنفسنا وأهلنا وأولادنا وأموالنا، وأن نفديه بالنفوس والمهج والأولاد والأموال.

    وبما أن الحديث عن نصرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وعن حقوقه، وحقيقة أعدائه وحقدهم قد قام به المسلمون في شتى بلدان المسلمين بأقوالهم ورسائلهم وكتاباتهم ومقاطعتهم، فلن أكرر ما كتب وقيل، ففيه إن شاء الله الكفاية، غير أن هناك بعض الوصايا التي أنصح بها نفسي وإخواني المسلمين في ضوء هذا الحدث الجلل أرى أنها من حقوق المصطفى عليه الصلاة والسلام، وهي من لوازم نصرته وموجبات محبته، ولكن قد تغيب عن بعضنا وتنسى في زحمة الردود واشتعال المشاعر والعواطف.

    الوصية الأولى:

    قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) (البخاري) .

    وعندما سئل النبي- صلى الله عليه وسلم- (( عن الرجل يقاتل شجاعة, ويقاتل حمية, ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله ؟) فقال:(من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) البخاري (2810),مسلم(1904).

    والمقصود من إيراد هذين الحديثين الشريفين أن يحاسب كل منا نفسه، وهو يشارك في هذه الحملة المباركة للدفاع عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتفقد نيته في قومته هذه، هل هي خالصة لله تعالى؟ أم أن هناك شائبة من شوائب الدنيا قد خالطت نيته، كأن يظهر للناس غيرته وحرصه على الدين وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تكون مجرد حمية وعصبية ومفاخرة، أو إرادة دنياً ومكانة بين الناس، أو غير ذلك من الأغراض، وهذا عمل قلبي لا يعلمه إلا الله عز وجل، ومع إحسان الظن بالقائمين بهذه النصرة وأنهم إن شاء الله تعالى إنما قاموا بذلك حباً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أن محاسبة النفس في هذا الشأن وغيره من العبادات أمر واجب على كل مسلم حتى يبارك الله عز وجل في الأعمال، ويحصل منها الأجر والثواب، وإلا ذهبت هباءً منثوراً؛ إن لم يأثم صاحبها ويعاقب على ذلك.

    الوصية الثانية:

    قال الله تعالى: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) ( آل عمران: 31).

    ويقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) .

    [يقول الأمام أبن كثير- رحمه الله تعالى- عند آية آل عمران، هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) .

    ولهذا قال:((قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)) (عمران:31).

    أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه, وهو محبته إياكم؛ وهو أعظم من الأول, كما قال بعض الحكماء العلماء؛ ليس الشأن أن تُحِبَّ, إنما الشأن أن تُحَبَّ.

    وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية: (( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ)) (آل عمران: 31) .

    ويقول الأمام أبن القيم- رحمه الله تعالى-: ( لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى؛ فلو يعطى الناس بدعواهم لادعي الخلي حرقة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل لا تٌقبل الدعوى إلا ببينة:(( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ))(آل عمران: 31) .

    ( فتأخر الخلق كلهم, وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه)] من مدارج السالكين 3/9[.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: (فكل من ادعى أنه يحب الله ولم يتبع الرسول فقد كذب, ليست محبته لله وحده, بل إن كان يحبه فهي محبة شرك, فإنما يتبع ما يهواه كدعوى اليهود والنصارى محبة الله, فإنهم لو أخلصوا له المحبة لم يحبوا إلا ما أحب, فكانوا يتبعون الرسول, فلما أحبوا ما أبغض الله مع دعواهم حبه كانت محبتهم من جنس محبة المشركين, وهكذا أهل البدع، فمن قال إنه من المريدين لله المحبين له، وهو لا يقصد اتباع الرسول والعمل بما أمر به وترك ما نهى عنه, فمحبته فيها شوب من محبة المشركين واليهود والنصارى, بحسب ما فيه من البدعة، فإن البدع التي ليست مشروعة، وليست مما دعا إليه الرسول لا يحبها الله، فإن الرسول دعا إلي كل ما يحبه الله . فأمر بكل معروف ونهى عن كل منكر)] الفتاوى 8/361,360[.

    والمقصود من إيراد ألآية التي في سورة آل عمران، وكلام أهل العلم عندها, وكذلك الحديث، التنبيه في هذه الحملة المباركة إلى أن يراجع كل منا نفسه، ويختبر صدق محبته لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قومته ونصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أن علامة حبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدقنا في نصرته أن نكون متبعين لشرعه وسنته، وأن لا يكون في حياتنا أمور تسيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وتؤذيه، فنقع في التناقض بين ما نقوم به من النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أحوالنا، فيقع الفصام النكد بين القول والعمل: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ )) (الصف: 2،3 ) .

    * فيا أيها الذي تعبد الله تعالى بغير ما شرع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقام لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: زادك الله غيرة وغضباً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن اعلم أن الذي قمت لنصرته هو القائل: (( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد )) (البخاري:2697) .

    وعليه فإن أي ابتداع في الدين سواء كان ذلك في الأقوال أو الأعمال مما يؤذي نبينا محمداً- صلى الله عليه وسلم- ويسيء إليه، فاحذر أن تكون ممن يدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في نفس الوقت يؤذيه ويعصيه؛ فإن هذا يقدح في صدق المحبة والإتباع, ويتناقض مع نصرته ونصرة سنته، وأشنع من هذا من يدعي محبة الرسول صلى الله عليه وسلم ونصرته ثم هو يقع في الشرك الأكبر ويدعوه أو يدعو علياً والحسين وغيرهم من الأولياء من دون الله ، أو يؤذي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بسب أزواجه أو أصحابه، فإن كل ذلك يدل على كذب أولائك المدعين .

    * ويا أرباب البيوت والأسر الذين قمتم لنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم، إن هذا منكم لعمل طيب مشكور؛ ولكن تفقدوا أنفسكم فلعل عندكم وفي بيوتكم وبين أهليكم ما يغضب الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم من آلات اللهو، وقنوات الإفساد، ومجلات اللهو والمجون، فإن كان كذلك فاعلموا أن إصراركم عليها واستمراءكم لها لمما يسيء إلى الرسول ويؤذيه، ويتناقض مع صدق محبته، إذ أن صدق المحبة له تقتضي طاعته واتباعه، لأن المحب لمن يحب مطيع.

    * ويا أيها التاجر الذي أنعم الله تعالى عليه بالمال والتجارة، إنه لعمل شريف، وكرم نبيل أن تهب لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهجر وتقاطع منتجات القوم، الكفرة الذين أساءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذوه، ولكن تفقد نفسك ومالك عسى أن لا تكون ممن يستمرئ الربا في تنمية أمواله، أو ممن يقع في البيوع المحرمة، أو يبيع السلع المحرمة التي تضر بأخلاق المسلمين وأعراضهم وعقولهم، فإن كنت كذلك فحاسب نفسك وراجع صدق محبتك للرسول صلى الله عليه وسلم الذي قمت لنصرته، ألا تعلم أنك بأكلك الربا تعد محارباً لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وصدق القيام لنصرته، قال الله تعالى:

    (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ )) (البقرة: 278, 279) .

    ألا تعلم أن الأولى بالمقاطعة والهجر هو هجر ما حرم الله عز وجل من الربا والبيوع المحرمة, والسلع المحرمة التي قد استمرأها الكثير من التجار؟ قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (( المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) (البخاري :10) .

    ولا يعني هذا التهوين من مقاطعة منتجات القوم بل أرى الصمود في ذلك، ولكن أردت التنبيه إلى ضرورة تخليص حياتنا من هذه الازدواجية وعدم المصداقية.

    * ويا أيها القائمون على المؤسسات الإعلامية من صحافة وإذاعات، وقنوات فضائيه في بلدان المسلمين، إنه لعمل مشكور هذا الذي تشاركون به في حملة الانتصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ألا يعلم بعضكم أنه يعيش حالة من التناقض، إن لم يكن ضرباً من النفاق، وذلك عندما يدعي محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته ممن أساء إليه من الكفرة، ثم هو في نفس الوقت يبث في صحيفته أو إذاعته، أو تلفازه أو قناته الفضائية ما يسيء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذيه، وذلك مما حرم الله عز وجل وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم من إشاعة الفاحشة، وتحسين الرذيلة، وبث الشبهات والشهوات، والنيل من أولياء الله عز وجل وأولياء رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستهزاء بهم وبسمتهم وهديهم وعقيدتهم، والله عز وجل يقول: (( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) ( البخاري:11/292) .

    فكيف تعرضون أنفسكم لحرب الله عز وجل وأنتم تدعون نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم والذب عنه، إن الذب عن نبينا صلى الله عليه وسلم إنما تكون بالتزام سنته والذب عنها، والتوبة من كل ما يقدح فيها، والتزام طاعته صلى الله عليه وسلم والصدق في محبته, وإلا كان هذا الانتصار مجرد ادعاء، ومفاخرة ونفاق نعوذ بالله من ذلك.

    * ويا أصحاب الحل والعقد في بدان المسلمين، إن أمانتكم لثقيلة، فالحكم والتحاكم بأيديكم, والإعلام والاقتصاد بأيديكم، والتربية والتعليم بأيديكم، وحماية أمن المجتمع، وحماية الثغور بأيديكم، فما أعظم أمانتكم ومسؤوليتكم أمام ربكم عز وجل، وأمام أمتكم, فهل تعلمون أن من رفض منكم الحكم بما أنزل الله عز وجل وأستحل ما حرم الله عز وجل إنما هو من أعظم المسيئين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمناوئين له؟ وأن من أقام اقتصاده على الربا والمعاملات المصرفية المحرمة إنما هو من المؤذين والمحاربين لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وأن من مكن لأهل الشر والإفساد والشبهات والشهوات في إعلام الأمة ليفسدوا عقائد الناس وعقولهم وأعراضهم، إنما هو من أشد المؤذين والمبغضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن من تولى الكفرة ووادهم وقربهم من دون المؤمنين فهو من المحادين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ؟ إذا علمنا جميعاً هذه المسلمات , وعلمنا أن هذه الممارسات المسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في أكثر بلدان المسلمين اليوم، فما قيمة أن يقوم بعض حكام هذه البلدان بإظهار الشجب والغضب لمن أساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلام الغرب الكافر، وهم من أعظم المسيئين إليه عليه الصلاة والسلام، برفض شرعه وموادة أعدائه؟ إن هذا لعمر الله لهوا التناقض والنفاق والتدليس والتلبيس, إذ أن من كان صادقاً في حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصادقاً في غضبه وانتصاره ممن أساء إليه يكون من أول المتبعين لسنته صلى الله عليه وسلم وشريعته، لا من الرافضين والمناوئين لها !!

    وفي ختام هذه الوصية أرجو أن لا يفهم من كلامي أني أهون من هذه الحملة القوية لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والدفاع عن عرضه الشريف، أو أني أدعو إلى تأجيلها حتى تصلح أحوالنا حكاماً ومحكومين، كلا بل إني أدعو إلى مزيد من هذا الانتصار والمقاطعة والتعاون في ذلك، كما هو الحاصل الآن والحمد لله رب العالمين، ولكنني أردت أيضاً الالتفات إلى أحوالنا وتفقد إيماننا، وصدقنا في محبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والانتصار له، بأن نبرهن على ذلك بطاعته عليه الصلاة والسلام، واتباعنا لشريعته والذب عنها، والاستسلام لها باطناً وظاهراً، قال الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ )) ( البقرة: 208) .

    وقال تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)) ( الأحزاب: 36).

    وقال تعالى: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)) (النساء: 6) .

    الوصية الثالثة:

    إن ما حصل من إساءة إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- في الأعلام الدنماركي والنرويجي، جرم عظيم ينم عن حقد متأصل في قلوب القوم، ولكن ينبغي أن لا تنسينا مدافعة هؤلاء القوم من هو أشد منهم خبثاً وحقداً وضرراً على المسلمين، ألا وهي طاغية العصر أمريكا حيث جمعت الشر كله، فوقعت فيما وقع فيه هؤلاء من الإساءة إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وإهانة كتاب ربنا سبحانه وتنجيسه وتمزيقه على مرأى من العالم، وزادت على القوم بقتل أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان والعراق وفلسطين، وسامت الدعاة والمجاهدين سوء العذاب في أبي غريب وأفغانستان، وسجونها السرية في الغرب والشرق، فيجب أن يكون لها الحظ الأكبر من البراءة والانتصار منها لربنا عز وجل ولكتابه سبحانه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن ننبه الناس في هذه الحملة الميمونة إلى هذا العدو الأكبر، وأنه يجب أن يكون في حقه من إظهار العداوة له، والبراءة منه، ومقطاعته كما كان في حق الدنمارك بل أكثر وأشد .

    وأتوجه بهذه المناسبة إلى المنادين بمصطلح (نحن والآخر)، والمطالبين بالتسامح مع الآخر الكافر وعدم إظهار الكراهية له، لأقول لهم: هذا هو الأخر الذي تطلبون وده، وتتحرجون من تسميته بالكافر، إنه يرفض ودكم، ويعلن كراهيته لديننا ونبينا، وكتاب ربنا سبحانه، فماذا أنتم قائلون؟! وهذا من عدونا غيض من فيض، وصدق ربنا سبحانه إذ يقول في وصفهم: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ)) ( آل عمران: 118).

    الوصية الرابعة:

    إن من علامة صدق النصرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نفرق في بغضنا وغضبتنا بين جنس وأخر ممن آذى نبينا عليه الصلاة والسلام، وأساء إليه أو إلى دين الإسلام؛ بل يجب أن تكون غضبتنا لله تعالى، وتكون عداوتنا لكل من أساء إلى ربنا أو ديننا أو نبينا صلى الله عليه وسلم، من أي جنس كان، ولو كان من بني جلدتنا ويتكلم بألسنتنا. كما هو الحاصل من بعض كتاب الصحافة والرواية، وشعراء الحداثة، والذين يلمحون تارة، ويصرحون تارة أخرى بالنيل من أحكام ديننا وعقيدتنا، وإيذاء نبينا صلى الله عليه وسلم، بل وصل أذاهم وسبهم للذات الإلهية العلية، تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا، فأين غضبتنا على هؤلاء، وأين الذين ينتصرون لله تعالى ودينه، ورسوله صلى الله عليه وسلم من فضح هؤلاء والمطالبة بإقامة حكم الله فيهم، ليكونوا عبرة لغيرهم ؟ إن الانتصار من هؤلاء لا يقل شأناً من الانتصار ممن سب ديننا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم في دول الغرب الكافر، يقول الله عز وجل: (( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (المجادلة: 22).

    الوصية الخامسة:

    يقول الله عز وجل: (( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )) ( الإسراء: 36 ).

    يقول الإمام أبن كثير- رحمه الله تعالى-: عند هذه الآية بعد أن ذكر أقوال أهل العلم، (ومضمون ما ذكروه أن الله تعالى نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ )) (الحجرات: 12).

    وفي الحديث: (( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)).

    وفي سنن أبي داوود (( بئس مطية الرجل زعموا )).

    وقوله (( كل أولئك )) أي هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد (كان عنه مسؤولا) : أي سيسأل العبد عنها يوم القيامة، وتسأل عنه وعما عمل فيها ) أ.هـ .

    وفي ضوء هذه الآية الكريمة وما ورد في معناها نخرج بمنهج عادل وقويم في التعامل مع الأحداث، والمواقف ينصحنا الله عز وجل به، حتى لا تزل الأقدام، وتضل الأفهام، وحتى لا يقع المسلم في عاقبة تهوره وعجلته، وذلك بأن لا ينساق وراء عاطفته وحماسته الثائرة دون علم وتثبت مما رأى أو سمع، فيقول بلا علم، أو يتخذ موقفاً دون تثبت وتروي.

    إن المسلم المستسلم لشريعة ربه سبحانه محكوم في جميع أقواله ومواقفه وحبه وبغضه، ورضاه وسخطه بما جاء في الكتاب والسنة من الميزان العدل، والقسطاس المستقيم، فإن لم يضبط المسلم عاطفته وحماسه بالعلم الشرعي، والعقل والتروي، فإن حماسته هذه قد تجره إلى أمور قد يندم على عجلته فيها.

    والمقصود هنا التحذير من العجلة، والجور في الأحكام، والمواقف خاصة عندما تكثر الشائعات، ويخوض فيها الخائضون بلا علم أو عدل، بل لابد من التثبت ومشاورة أهل العلم والشرع، وأهل الفهم بالواقع.

    ومن أمثلة هذه المواقف المتسرعة في هذا الحدث، مما تناقلته بعض المطويات ورسائل الجوال من وجوب المقاطعة لبضائع كثيرة بعضها ليست من منتجات القوم المقصودين بالمقاطعة, ومن ذلك التسرع في الحكم على من لم يقاطع بأنه آثم لا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما جاء في قول القائل: ( قاطع من لم يقاطع )، ومن ذلك الإكثار من الرؤى و المنامات, والاستناد عليها في تصحيح موقف ما أو تخطئته.

    وبعد: فهذا ما يسره الله عز وجل من هذه الوصايا التي أخص بها نفسي وإخواني المسلمين في كل مكان؛ مع التأكيد على ضرورة الصمود والمصابرة في البراءة من القوم، ومقاطعة منتجاتهم، فما كان في هذه الوصايا من صواب فمن الله عز وجل، فهو الأمان بذلكـ وما كان فيها من خطأ فمن نفسي والشيطانـ وأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه، والحمد لله رب العالمين.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{من نحن ومن الآخر؟! }

    من نحن ومن الآخر؟!



    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما- وصلى الله وسلم- وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

    أما بعد :

    فإن القيام بالعبودية الحقة لله عز وجل لا يتم إلا بالإخلاص له سبحانه في عبادته، وأن تكون العبادة على بصيرة واتباع لما جاء به الرسول- صلى الله عليه وسلم-، وإن البصيرة في الدين لا تتحقق مادام الباطل ملتبسا بالحق، وبمعنى أخر، فإن البصيرة في الدين لا تحصل إلا بوضوح الحق وتنقيته من الباطل الملتبس به، قال تعالى: (( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) ( البقرة: 256) .

    وقال سبحانه: (( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) (يونس: 32).

    لذا كان لزاما على العبد أن يعرف الحق بدليله ما أمكن، وأن يزيل عنه الباطل الذي علق به، وذلك حتى يأتي بالعبادة على وجهها المقبول عند الله عز وجل، وإن من أعظم الفتن التي يفتن الشيطان بها العباد فتنة التزيين، ولبس الحق بالباطل، واتباع الهوى في ذلك، ولقد وقع في هذا الشَّرَك العظيم كثير من الناس بعضهم عن علم وبعضهم عن جهل، وقد كثر اللبس والتضليل في عصرنا الحاضر؛ حيث ظهرت وسائل ماكرة ومضللة لبست على الناس دينهم وخلطت الحق بالباطل، بل وصل الأمر لدرجة قلب الحقائق، وإظهار الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وتعاون شياطين الجن والإنس : (( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا )) ( الأنعام: 112) .

    في وضع هذا التلبيس في قوالب من الأقوال مزخرفة وألفاظ خادعة، وتسمية للأسماء بغير مسمياتها، فضلَّ بسبب ذلك كثير من الناس .

    وإننا في زماننا هذا لنرى صوراً كثيرة من لبس الحق بالباطل، وصوراً من ليِّ أعناق النصوص، وصوراً كثيرة من المغالطات والخداع والحيل المحرمة المفتراة على دين الله عز وجل، فكان لزاما على الدعاة والعلماء أن يحذروا بأنفسهم من الوقوع في هذه المزالق وأن لا يسكتوا عليها بل يجب عليهم أن يكشفوها للناس ويحذروهم منها، وأن لا يدعوهم لأهل الأهواء يلبسون عليهم دينهم، ويحرّفون الكلم عن مواضعه وهذا ما أخذه الله عز وجل على أهل العلم بقوله: (( وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّه ُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ )) (آل عمران: 187) .

    وإن كل من لبس على الناس دينهم أو كتم الحق عنهم ففيه شبه ممن زجرهم الله عز وجل بقوله : (( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)) (البقرة: 42) .

    يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: عند هذه الآية ( نهى عن لبس الحق بالباطل وكتمانه ولبسه به: خلطه به حتى يلتبس أحدهما بالأخر، ومنه التلبيس: وهو التدليس والغش الذي يكونه باطنه خلاف ظاهره؛ فكذلك الحق إذا لبس بالباطل يكون فاعله قد أظهر الباطل في صورة الحق، وتكلم بلفظ له معنيان : معنى صحيح، ومعنى باطل، فيتوهم السامع أنه أراد المعنى الصحيح، ومراده الباطل، فهذا من الإجمال في اللفظ ]الصواعق المرسلة 3/926[.

    ويقول في موطن آخر: (وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغبي ينظر إلي ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة يتفقد مقصدها وباطنها، فالأول يروج عليه زغل المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زغل الدراهم ، والثاني يخرج زيفها كما يخرج الناقد زيف النقود، وكم من باطل يخرجه الرجل يحسن لفظه وتنميقه وإبرازه في صورة حق، وكم من حق يخرجه بتهجينه، وسوء تعبيره في صورة باطل؟ ومن له أدنى فطنة وخبره لا يخفى عليه ذلك) ]أعلام الموفقين 4/229[.َ

    وإن ما يطرح اليوم في وسائل الأعلام وبعض الحوارات والندوات من تلاعب بالمصطلحات والمسميات لا يقف خطرها على الألفاظ فحسب بل تجاوزه إلى المضامين والأصول والثوابت، ومع ذلك لم يتصد لخطرها والرد عليها إلا أفراد قلائل لم تبلغ ردودهم حد الكفاية في الإعذار والإنذار، مع أن الأمر من الخطورة بحيث يجب التصدي له من قبل أهل العلم والدعوة وأن يبلغوه للمسلمين في الوسائل المتاحة ليدركوا خطره وليحذروا من الوقوع في زخرف الملبسين وتضليل المضللين وبخاصة أن الأمر يتعلق بأصول هذا الدين وثوابته وليس بفروعه وجزئياته.

    وإن من المصطلحات التي تطرح اليوم طرحاً انهزامياً ًينم عن الشعور بالمهانة والذلة والحرج، من أصول هذا الدين ما يعمل له اليوم من حوارات ولقاءات صحفية ومؤتمرات تدور حول مصطلح (نحن والأخر).

    فما هو المقصود بمصطلح (نحن والأخر) ؟

    إن هذا المصطلح من المصطلحات الغامضة الحمالة لمعاني مختلفة، ولعل ذلك مقصود ممن هم وراء طرحه وإثارته، ولذلك لابد من تحرير هذا المصطلح، وكشف أبعاده ليتعرى الملبسون المضللون الذين يعنون ما يقولون، وليحذر الذين غرر بهم بتبني هذا المصطلح من بعض أهل العلم والدعوة.

    ولتحرير هذا المصطلح والهدف من طرحه نستعرض المعاني المستعملة التي لا يخرج عنها تفسير هذا المصطلح.

    الاستعمال الأول: وهو ما ذكره المجتمعون في اللقاء الوطني الخامس للحوار الفكري المنعقد في أبها في الفترة من 11ـ13/11/26هـ حيث جاء في بيانهم الختامي تعريفهم لهذا المصطلح بقولهم: (وقد أتجه المجتمعون إلى التعبير بأن المقصود بـ(نحن) أي: المواطنين السعوديين الذين يجمعهم دين واحد هو الإسلام، ووطن واحد هو المملكة العربية السعودية، وله أراء وتوجهات متنوعة، (والأخر) هو المجتمعات الإنسانية الأخرى بجميع أديانها وحضاراتها وأوطانها) ولا يخفى ما في هذا الكلام من أبعاد خطيرة تبينها المناقشات التالية.



    أولاً: قولهم بأن المقصود بـ(نحن): المواطنين السعوديين ... الخ، و(الأخر):هو المجتمعات الإنسانية الأخرى ... الخ ) . إن في هذا القول مزلقاً عظيماً وتجاهلاً واضحاً لعقيدة الولاء والبراء في هذا الدين، فالله عز وجل يقول: (( قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )) (الأنعام: 14) .

    ويقول سبحانه عن نبيه نوح عليه السلام مع ابنه (( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)) (هود:46 ) .

    ويقول سبحانه ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)) (الحجرات: 10) .

    ويقول عز وجل ((وَالْمُؤْمِنُو نَ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ )) (التوبة: 71) .

    وفي ضوء هذه الآيات وأمثالها من القرآن الكريم يتبين المزلق الكبير لتعريف ( نحن) و(الأخر) إذ كيف تحصر كلمة( نحن) في المواطنين السعوديين الذين يجمعهم دين واحد ووطن واحد ... الخ، إذن فأين محل إخواننا المسلمين في الأوطان الأخرى، ومن بينهم العلماء والعباد والمجاهدين والدعاة والمصلحين ؟ وهل هؤلاء يخرجون من دائرة (نحن)؟ أين الولاء والموالاة بين المؤمنين إذا ساويناهم بالأخر الكافر أو الملحد والمنافق ممن يعيشون خارج الوطن.

    ثانياً: وقالوا في تعريف من (نحن)؛ بأنهم (الذين ينتسبون إلى الإسلام في الوطن الواحد وإن تنوعوا مذهبياً وفكريا وثقافياً واجتماعيا، فلا يجوز استخدامه لاختراق الوحدة الوطنية) ، إنه لا يخفى ما في ذلك من خرق لعقيدة الولاء والبراء في هذا الدين، فكم في الوطن الواحد من العقائد الباطلة الكفرية التي يخرج صاحبها من الإسلام؛ كمن يعبد غير الله عز وجل ويستغيث به ويدعي أن غير الله تعالى يعلم الغيب كغلاة الشيعة والصوفية، وكم في الوطن الواحد من يكفر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ويعاديهم، ويقذف نساء النبي- صلى الله عليه وسلم- العفيفات الطاهرات، وكم في الوطن الواحد من المنافقين الذين يبطنون العداء للإسلام وأهله ويوالون الغرب وأهله، فهل هؤلاء هم منا ونحن منهم لأننا وإياهم نعيش في وطن واحد ؟ إننا بهذا الفهم نعود إلى صورة من صور الجاهلية الأولى التي جاء هذا الدين للقضاء عليها وجعل رابطة العقيدة والإيمان فوق كل رابطة يعادى من أجلها ويوالى من أجلها ويحب من أجلها ويبغض من أجلها.

    قال صلى الله عليه وسلم: ((من تعزى بعزاء أهل الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا)) .

    فسمع أبي بن كعب رجلاً يقول: يا لفلان ! فقال: أعضض أير أبيك فقال: يا أبا المنذر! ما كنت فاحشاً، فقال بهذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أحمد في مسنده (20728) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (269).

    ويشرح شيخ الإسلام هذا الحديث فيقول: (ومعنى قوله: من تعزى بعزاء الجاهلية) يعني يتعزى بعزؤاهم، وهي الانتساب إليهم في الدعوة، مثل قوله: يا لقيس! يا ليمن! ويا لهلال! ويا لأسد، فمن تعصب لأهل بلدته، أو مذهبه، أو طريقته، أو قرابته، أو لأصدقائه دون غيرهم كانت فيه شعبة من الجاهلية، حتى يكون المؤمنون كما أمرهم الله تعالى معتصمين بحبله وكتابه وسنة رسوله) مجموع الفتاوى 28/422.

    والآيات في كتاب الله عز وجل كثيرة تلك التي تركز على عقيدة الولاء والبراء، وأنها هي الأصل في رابطة الحب والبغض والاجتماع والافتراق، وأكتفي بقوله تعالى: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )) (الممتحنة: 4) .

    هذه هي الملة الإبراهيمية وهذا هوا الدين المحمدي، فهل أصبحت الوحدة الوطنية هي صاحبة السيادة العليا التي يعقد عليها الولاء والبراء، إن مما تعلمناه من كتاب ربنا عز وجل وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأقوال سلفنا الصالح أن الأصل الذي يقوم عليه الولاء والوحدة والإتلاف هوا التوحيد والبراءة من الشرك وأهله.

    وإلا فلا وحدة ولا اجتماع، بل المفاصلة والبراءة، إذاً فكيف يقول القوم هداهم الله عز وجل بأن التنوع المذهبي أو الفكري أو الثقافي لا يجوز استخدامه لاختراق الوحدة الوطنية) ؟ هل يعني هذا أن الوحدة الوطنية فوق عقيدة التوحيد، وعلى حساب عقيدة الولاء والبراء ؟ إن مصطلح التنوع المذهبي أو الفكري أو الثقافي من المصطلحات العائمة الغامضة، لكن اللبيب يعرف ما المقصود منها؛ إنها تعني أن أي مذهب عقدي شركي أو بدعي فما دام أنه داخل الوطن الواحد فينبغي الاعتراف به وعدم الافتراق معه ضماناً للوحدة الوطنية، وهذا مخالف لدين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وللملة الإبراهيمية، حيث لا ولاء ولا محبة لمشرك، وعليه فإن من يعبد علياً أو الحسين رضي الله عنهما) ويسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بأخ لنا، وإن الصوفي الخرافي الذي يطوف بالقبور ويستغيث بأهلها ليس بأخ لنا، وأن الليبرالي المنافق الذي يبطن كره الإسلام وأحكامه، ويدعو إلى محاكاة الغرب الكافر وتشريعاته ليس بأخ لنا، إن الوحدة الوطنية يجب أن تخضع لعقيدة التوحيد وليس العكس الذي تكون فيه الوحدة الوطنية على حساب عقيدة التوحيد، وكما قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام مع ابنه ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكََ)) (هود: 46).

    فنحن نقول كذلك إن أعداء التوحيد ليسوا من أهلنا ولا من قبيلتنا ولا من وطننا، فإما أن يرجعوا إلى توحيد الله ويدخلوا في السلم كافه فيكونوا إخواننا، وتجمعنا بهم وحدة الدين، ويزيدها قوه وحدة الوطن وإلا فلا وحدة ولا وطنية معهم.

    إن الولاء والبراء مع أنه مطلب شرعي عقدي إلا أنه أيضاً مطلب فطري وعقلي فلا نجد جنساً من الأجناس يرتبطون برابطه من الروابط إلا وتظهر عليهم هذه الصفة، حيث يوالون بني جنسهم ويعادون من يعاديهم حتى في عالم الحيوان والطير ، والكفار أنفسهم ينطلقون في ولائهم وبرائهم من هذا المنطلق، وقد أعلنها طاغوتهم بوش حينما قال: (من لم يكن معنا فهو ضدنا)، هذا هو ولاء الكفار وبرائهم، لكن المسلمين يتميزون عن جميع الأجناس بأن عقيدة الولاء والبراء تنطلق من كلمة التوحيد، فمن كان من أهلها فهو ممن يحبه الله تعالى، فنحب من يحبه الله عز وجل، ومن كفر بها أبغضه الله وأصبح عدواً لله فحينئذ نبغضه لأن الله يبغضه، أما بقية الأجناس الأخرى كالحيوان والكفار وأصحاب الروابط الجاهلية من بني آدم، فهم يوالون ويعادون على الماء والتراب والمرعى والمصالح الدنيوية، والمسلمون يوالون ويعادون في الله تعالى. وهذا هو ما يزعج الكفرة والمنافقين، حيث يريدونها روابط جاهليه عصبية عُمّية لا دخل للدين فيها.

    ثالثاً: وهنا مسألة أخرى لا تقل خطراً عن سابقتيها ألا وهي النظر لمصطلح (نحن) والذين عبروا عنه بأبناء الوطن الواحد ممن ينتسب إلى الإسلام بنظرة التساوي والندية بين رؤوس الأطياف والمذاهب الفكرية المجتمعة، وأنهم شئ واحد، أي أنه في مثل هذه الحوارات الوطنية وما يطرح فيها يتساوي التوجه السني السلفي ـ الذي هو السواد الأعظم في هذا البلد، وهو مرجعية أهله ـ بالتوجه الرافضي الحاقد الذي يقوم فكره على الشرك بالله تعالى وسب الصحابة رضي الله عنهم، والذي يمثل أصحابه القلة القليلة في البلد ، كذلك يتساوى مع التوجه الليبرالي التحرري الذي هم أقل القليل، مع ما يحمل من أفكار تحررية تتحلل من أحكام الله تعالى، سواء في مجال السياسة أو المرأة أو الاقتصاد أو الدين بأسره، وهنا مكمن الخطر إذ كيف يتساوى رؤوس الضلال الذين هم قله ونكرات ونبتات غريبة في مجتمعنا مع التوجه السلفي الشرعي الذي هو طابع أهل البلد وسواده الأعظم ، إنهم والله لا يستوون، ولكن هذه المؤتمرات الحوارية الوطنية تسوي بينها وترفع من شأنها كماً وكيفاً سواء علم القائمون بذلك أم جهلوا، وهذا من المخاطر الجسيمة الكثيرة التي تنجم من جعل الوطن والوطنية والمواطنة هي التي يعقد عليها الولاء والبراء.

    وإن مكمن الخطر في هذه المساواة تكون حينما يكون الرافضي والليبرالي اللذان لا يشكلان بعداً في المجتمع ولا قيما ًولا تأثيراً مساوياً لرأي علماء أهل السنة في سن ما يريد من مفاهيم على التربية والتعليم والحياة الاجتماعية والثقافية بحجة التسامح، وقبول الأخر والتعددية وغيرها من المفاهيم الضبابية، التي يراد من خلالها إذابة هوية الأمة وفتحا لأبواب التغريب داخل المجتمع، ومن ثم جعل هذا ( الأخر) واقعاً لامناص منه حتى لو كان في قمة الشطط الفكري، وحتى لو كان داعية إلى الرذيلة أو الإلحاد والكفر، وهذا يصطدم مع أبجديات المفاهيم الإسلامية التي تأمر بحفظ الدين وسياسة الدنيا به والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعل المرجعية الحاكمة لكل شؤون الناس منطلقة من الشريعة الربانية الخالدة ، [انظر تساوي الرؤوس، موقع المختصر] .

    الاستعمال الثاني: وهذا الاستعمال في تعريف مصطلح ( نحن) و(الأخر) هو المشهور عالمياً عند كل من يطرحه من المهزومين من المسلمين في حواراتهم وأعمدتهم الصحفية، وملتقياتهم ، ويفيد هذا المصطلح عندهم بأن (نحن) تعني المسلمين و(الأخر) من سواهم من غير المسلمين من الكفار والمنافقين، وفي هذا الطرح المنهزم من المؤاخذات العقدية ما يلي:

    أولاً: العدول عن الأسماء والمصطلحات الشرعية التي جاءت في كتاب الله عز وجل وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم إلى أسماء ومصطلحات بشريه غامضة، ونحاتات أفكار واهية أفرزتها عقول مهزومة فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتركت ما أسماه الله عز وجل من الأسماء المنطبقة على مسمياتها في كتابه سبحانه وتعالى، حيث قسم الناس إلى حزبين: حزب الله المؤمنين وحزب الشيطان الكافرين، قال الله عز وجل ((اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ )) (البقرة: 257) .

    فليس هناك (نحن والأخر) وإنما هناك (المسلمون والكافرون)، قال تعالى (( هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ ُ)) (الحـج: 78) .

    وقال تعالى ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ )) (التغابن: 2) وقال تعالى: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ)) (المائدة: 72) .

    والآيات في ذكر الكفر والكافرين كثيرة جداً، جاء ذكرها في ما يزيد على 352 موضعاً، فلماذا التحرج من كلام الله عز وجل الذي هو أحسن الحديث وأصدقه وأفصحه (ومن أصدق من الله قيلا) (ومن أصدق من الله حديثاً) .

    إن من يتحرج من كلام الله عز وجل وتسمياته، ويرتاح لكلام البشر ومصطلحاتهم ومسمياتهم يخشى عليه أن يكون تحت طائلة قوله تعالى: ((وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )) (الزمر: 45) .

    لقد نهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم وأتباعه من بعده من أن يكون في الصدور حرج من الصدع بكل ما جاء في القرآن من أسماء وأحكام، وعقائد وقصص وأخبار، بل الواجب اتباعه فقال تعالى: ((المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)) (الأعراف: 2) .

    وعند هذه الآية يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه، وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلما أنزل كتابه؛ أرتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمنوا به، كما قال تعالى: ((فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا )) (الأنعام: 125) (الصواعق المرسلة : 4/1518؟) .

    ويقول أيضاً في موطن أخر: (ولا تجد مبتدعاً في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته، كما أنك لا تجد ظالماَ فاجراَ إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته، فتدبر هذا المعنى ثم أرض لنفسك بما تشاء) ا.هـ ]الفوائد ص90[.

    فهل بعد هذه الآية وقول هذا الإمام الجليل فيها من عذر لمعتذر يجد في نفسه حرجاً أو ضيقاً أو حياءً من الصدع بالحق الذي في كتاب الله عز وجل، أو أن يستبدل به نحاتات الأفكار وزبالات الأذهان من كلام البشر ؟ .

    وأسوق في هذا المقام رداً نفيساً لفضيلة الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى على الذين استبدلوا مصطلح (نحن والأخر) بما في كتاب الله عز وجل ( المسلم والكافر) :

    يقول: وفقه الله تعالى (وقد وضع الله فوارق بين المؤمنين والكفار في الدنيا والآخرة، ونهى عن التسوية بين الفريقين، وجعل لكل فريق جزاء وأحكاماً في الدنيا والآخرة، ووضع لكل فريق اسماً مميزاً كالمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمشرك والموحد، والفاسق والمنافق، والمطيع والعاصي، ونهى عن التسوية بين المختلفين في هذه الأسماء والسلوكيات فقال سبحانه: )) أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (( (الجاثية:21) .

    وقال تعالى (( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِين َ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ )) (ص:28).

    يعني لا نجعلهم سواء، لأن ذلك لا يليق بعدل الله، وأمر المؤمنين بالبراءة من الكفار والمشركين، ولو كانوا من أقاربهم، قال تعالى (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )) (الممتحنة:4) .

    ـ وهذا أصل من أصول الإيمان والدين متقرر في الكتاب والسنة وكتب العقيدة الصحيحة لا يماري فيه مسلم ـ .

    ولكننا في هذه الأيام صرنا نقرأ في بعض الصحف نقلاً عما دار في مؤتمر الحوار الوطني محاولة واقتراحاً من بعض المشاركين ـ نرجو أن تكون تلك المحاولة والاقتراح صادرين عن جهل، وذلك كما نشر في بعض الصحف أن يترك لفظ الكافر ويستبدل بلفظ مسلم وغير مسلم، أو يقال المسلم والآخر، وهل معنى ذلك أن نترك ما ورد في القرآن والسنة وكتب العقيدة الإسلامية من لفظ الكفر والشرك، والكفار والمشركين، فيكون هذا استدراكاً على الكتاب والسنة، فيكون هذا من المحادة لله ولرسوله؟ ومن تغيير الحقائق الشرعية فنكون من الذين حرفوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، ثم ما هو الدافع لذلك ؟، هل هو إرضاء الكفار، فالكفار لن يرضوا عنا حتى نترك ديننا، قال تعالى (( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)) (البقرة: 120) .

    وقال تعالى: ((وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم ْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ)) (البقرة:217) .

    (( وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء )) (النساء89.

    ثم إنه لا يجوز لنا إرضاء الكفار والتماس مودتهم لنا وهم أعداء لله ولرسوله. قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ)) (الممتحنة:1).

    وإن كان مراد هؤلاء المنادين بتغيير هذه المسميات الشرعية التلطف مع الكفار، وحسن التعامل معهم، فهذا لا يكون على حساب تغيير المسميات الشرعية، بل يكون ذلك بما شرعه الله نحوهم [انتهى مختصراَ].

    ثانياً: لو أن الأمر في استبدال ( الآخر) بالكافر توقف عند الاستبدال اللفظي لكان الأمر أهون مع مخالفته لكلام الله عز وجل كما تبين، ولكن الخطورة في هذا الاستبدال يتجاوز اللفظ إلى الهزيمة النفسية أمام الأخر الكافر، وذلك بالدعوة إلى عدم الكراهية له ، وإخفاء ظلمه، وعدوانه، وإرهابه، وكأنه مظلوم قد سلبت حقوقه !! ويشعر السامع من الذين يطرحون مصطلح (الآخر) بأنهم يعيشون تحت ظرف سياسي داخلي أو خارجي صور لهم الأخر، وكأنه مظلوم يريد من ينصره ممن ظلمه!!

    واعتمدوا في ذلك على نصوص في الكتاب والسنة تدعوا إلى التسامح والبر والقسط مع الكفار، وحرفوها عن معانيها، وفصلوها عن مناسباتها التي نزلت فيها، ونسوا أو تناسوا الآيات التي فيها وجوب عداوة الكافر والبراءة منه، وجهاده حتى يكون الدين كله لله.

    فمما ورد في البيان الختامي في اللقاء الوطني الخامس للحوار الفكري، قولهم في تفسيرهم لمعنى (البراء): بأنه ( الابتعاد عما يتناقض مع الإسلام وعدم التعاون مع أهله عليه، ولا يعني ذلك التعدي على حقوقهم أو عدم التعاون معهم في القضايا العادلة).

    اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان، أهذا هوا ما يريده الله عز وجل من معنى البراءة في القرآن؟ أهذا هوا الموقف الذي وقفه إمام الحنفاء إبراهيم- عليه الصلاة والسلام- مع أبيه وقومه حينما قال: (( إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ )) (الزخرف:27،26) .

    وقوله سبحانه عن خليله: (( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )) (الممتحنة: 4) .

    ما هذا التحريف في ثوابت الدين وأصوله، إن البراءة من الكافر في الإسلام تعني بغضه وبغض ما هو عليه من الكفر، وعداوته كما جاء ذلك في الآية السابقة، هذا إذا كان مسالماَ، أما إذا كان حربياً فإنه يضاف إلي المعاني السابقة جهاده وقتاله، ورد عدوانه وإزاحته من طريق الحق والتوحيد ليصل الحق إلي قلوب الناس، ويفرض سلطان الإسلام ودولته عليهم ، إن المسلم حينما يسمع مثل هذه التعاريف والمواقف المتخاذلة ليخرج بنتيجة واحدة مفادها المطالبة بعدم كراهية الكافر، وأن نحترمه ونحافظ على حقوقه، ونشفق عليه، وكأنه هو المظلوم المسلوب الحقوق!! فهلا يعلم قومنا ما فعله الكافر (الأخر) وبخاصة أهل الكتاب في المسلمين في القديم والحديث ليعلموا من هو المعتدي ومن هو المعتدى عليه ؟.

    إن رفع شعار التسامح والصفح مع الكفار اليوم ليوضع في غير موضعه، لأن في ذلك خلط وتلبيس وتضليل، حيث تسمى الموالاة والمداهنة للكفار تسامحاً ومداراة، وفرق كبير بين المداراة والمداهنة التي فيها تصحيح مذاهب الكفار أو السكوت عليها، وإظهار المحبة لهم ونسيان عداوتهم وحربهم للمسلمين في القديم والحديث، (إن الذين كفروا من أهل الكتاب هم الذين ألبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعاً وردءاً، وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية ، وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان، في الحبشة والصومال وأرتيريه، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية في يوغسلافيه والصين والتركستان والهند، وفي كل مكان، وهم الذين قتلوا أهلنا ونسائنا وأطفالنا في أفغانستان والعراق، ثم يظهر بيننا من يظن أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر ندفع به الإلحاد والإرهاب، إن هؤلاء لا يتدبرون القرآن الكريم، وإلا لما اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام بدعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن.

    إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية يخطئون في فهم معنى الأديان، كما يخطئون في فهم معنى التسامح، فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله، والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي، ولا في النظام الاجتماعي.

    إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم، بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام ، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام، ولا يقبل دونه بديلاًَ، ولا يقبل فيه تعديلاً –ولو طفيفاً- هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم، وهو يقرر ((إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ)) (آل عمران: 19) .

    ((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ )) (آل عمران: 85)

    (( وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ )) (المائدة: 49) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ )) (المائدة: 51) .

    وفي القرآن كلمة الفصل، ولا على المسلم من تميّع المتميعين، وتميعيهم لهذا اليقين ) ، ]طريق الدعوة : أحمد فايز ، بتصرف يسير.[

    * ومما ورد في بيانهم الختامي أيضاً قولهم في تعريف الجهاد :( هو بذل الجهد في تحقيق الخير ودفع الشر، علماً أن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هي السلم، والحرب حالة طارئة شرعها الإسلام لدفع ورفع الظلم والعدوان) .

    أهذا هو تعريف الجهاد وبواعثه في الإسلام ؟

    إن المتدبر لكتاب الله عز وجل وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ليتبين له وبوضوح أن الجهاد شعيرة عظيمة من شعائر هذا الدين، وهو إنما شرع رحمة بالبشرية الضالة بعامة، وبالمسلمين بخاصة، فالجهاد غايته كما قال الله تعالى (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه )) (الأنفال: 39) .

    إن المتأمل لهذه الآية ليدرك أن الجهاد لم يشرع لدفع ورفع الظلم والعدوان فحسب، نعم هذا هو جهاد الدفع، وإنما شرع أيضا لإيصال الحق والتوحيد والهداية للناس في بقاع الأرض ليكون الدين كله لله؛ لأن سنن الله عز وجل اقتضت أن يكون الصراع بين الحق والباطل، وأن المسلمين وهم يبلغون دين الله تعالى للبشرية سيواجهون من يقف أمامهم للحيلولة بين الناس من ورائهم، وبين أن يصل إليهم هذا الدين، وحينئذ شرع الجهاد بالسيف لإزالة هذه الحواجز من طواغيت الأرض من طريق الحق، حتى يصل الحق الواضح البين إلي قلوب الناس، ويخضع الجميع لدولة الإسلام، وحينئذ لا إكراه في الدين لأنه قد تبين الرشد من الغي، وحين يكون الدين في البلاد المفتوحة من قبل المسلمين لله عز وجل، يختار أهل هذه البلاد إما الإسلام أو دفع الجزية والعيش بأمان في ظل الدولة المسلمة، وهذا هو جهاد الطلب الذي لولاه لما وصل إلينا الإسلام في بلادنا، ولما انتشر الإسلام في بقاع الأرض، وهذا ما أغفله المجتمعون في حوارهم الوطني وهم يعّرفون الجهاد .

    فهلا سألوا أنفسهم ما لذي جعل المجاهدين الأوائل من الصحابة والتابعين يفتحون البلدان النائية كفارس والروم وخراسان وسمرقند والهند والسند. هل تعرض المسلمون لعدوان من أهل هذه البلاد ؟ أم أن المسلمين كانوا يرون أن من واجبهم إيصال هذا الدين إلي العالمين رحمة بهم، فإذا اعترض أحد يعيقهم عن نشر هذا الدين أزاحوه بالسيف إن لم يزح بغيره، حتى يكون الدين كله لله، ويخضع الجميع للدولة المسلمة .



    وختاماً: أدعوا الذين أقرّوا هذا البيان الختامي للحوار الوطني، أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وأمتهم، وأن يراجعوا ما دونوه من هذا الكلام الخطير في بيانهم، لأن فيه قدح لأصول هذا الدين وثوابته أو على الأقل فيه تلبيس وتدليس، وأخص من شارك في هذا الحوار من المنتسبين للدعوة والعلم والسنة، فإما أن يقولوا كلمة الحق ويواجهوا الباطل وأهله بها فتبرأ ذمتهم بذلك، وإما أن يفارقوا هذه المجالس ويعتزلوا أهلها وما يخوضون فيه، فهذا أعذر لهم عند الله عز وجل وعند الناس ، لأن الله تبارك وتعالى يقول: (( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (الأنعام:68) .

    اسأل الله عز وجل أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وأن يرزقنا الإخلاص له، والمتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم .

    والحمد لله رب العالمين
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{ظلم الزوجة لزوجها }

    ظلم الزوجة لزوجها



    من المعروف أن الظلم في الغالب يصدر من القوي للضعيف ومن الرئيس للمرؤوس، أما أن يصدر من الضعيف إلى القوي ومـن المرؤوس إلى الرئيس فهذا أمر يحتاج إلى إيضاح، وهو مـا نحن بصـدده في هذه الصورة ؛ حيث إن تصور ظلم الزوج لزوجته أمر ميسور كما مر بنا في الصورة السابقة، أما صدوره من الزوجة لزوجها فقد لا يتضح إلا بالأمثلة التالية:

    1- ترك طاعته بالمعروف والنشـوز عليه ؛ ففـي هـذا ظلم للزوج بترك حق من حقـوقه التي أوجبها الله عـز وجـل ورسـوله r على المـرأة؛ قال الله تعـالى : (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً)) (النساء:34).

    وقال صلى الله عليه وسلم : (( إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح )) [1].

    ويلحق بمعصية الزوج ترك خدمته بالمعروف والتعالي عليه وإلجائه إلى خدمة نفسه وإشغال وقته بذلك .

    والحاصل من كل ما سبق أن طاعة الزوجة لزوجها في غير معصية الله تعالى وفيما تقدر عليه واجبة ، وهي حق من حقوق الزوج على زوجته، وتصير المرأة ظالمة لزوجها بتفريطها في ذلك .

    2- الخروج من بيته بدون إذنه , وهذه المسألة فرع عن سابقتها؛ لأن من لوازم طاعة الزوج أن لا تخرج من بيته إلا بإذنه, وفي مخالفة المرأة لذلك تفريط في حق من حقوق الزوج إلا أن تعلم إذنه المسبق لها لبعض الأماكن وأنه لا يمانع في ذلك، فهذا ينوب مناب الإذن لها .

    ويلحق بهذه المخالفة إذن الزوجة لأحد بدخول بيت زوجها مع علمها بكراهيته لذلك ؛ فهذا أيضًا يعد من ظلم الزوجة لزوجها ومنعه حقًا من حقوقه؛ قال صلى الله عليه وسلم : (( فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذَنَّ في بيوتكم لمن تكرهون )) [2].

    3 - سوء العشرة مع الزوج وإساءة الأدب معه بقول أو فعل والتسبب في إيصال الأذى والغموم والهموم إليه .

    كل ذلك مما تعاقب عليه المرأة ، وتصبح بذلك ظالمة معتدية على حق عظيم من حقوق الزوج، ألا وهو الأدب معه، وحسن العشرة، وتوفير السكن النفسي والجسدي للزوج، والذي هو من غايات الزواج وأهدافه .

    4- عدم تمكينه من نفسها دون عذر شرعي لها, وفي هـذا ظلم للزوج من عدة جوانب ؛ من ذلك معصيته وعدم طاعته، وفي هذا ترك لحق من حقوق الزوج ، ألا وهو الطاعة بالمعروف ، وقد سبق ذكر ذلك في النقطة الأولى، وظلـم لـه أيضًا لكونـها تسـببت بذلك في تطلعه

    لغيرها، وعدم غض بصره , وقد يؤدي به الأمر إلى الوقوع في الفاحشة, وبذلك تشترك معه في الإثم لعدم إعانته على غض بصـره وتحصين فرجه.

    5- كمـا تعتبر ظـالمة لـه أيضًا بإحزانه وبث القلق والغم في نفسه, ويلحق بذلك صوم الزوجة تنفلاً دون إذن الزوج ؛ لأن في ذلك تفويتًا لحق الزوج في قضاء وطره من زوجته عند حاجته لذلك .

    وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه)) [3].

    6- إنكار جميل الزوج ومعروفه وعدم شكر أفضاله عليـهـا بمجرد أن ترى في يـوم من الأيام ما تكره ؛ وفي هـذا ظلـم للزوج وهو الذي سـمَّاه الرسول صلى الله عليه وسلم كفران العشـير؛ وذلك لما سُـئل أيكـفرن بالله ؟ قـال: ((يكـفرن العشــير، ويكفـرن الإحسـان؛ لو أحسـنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شـيئًا قالت: والله ما رأيـت منك خـيرًا قط )) [4].

    7- قلة حياء الزوجة ودينها بإطلاق بصرها إلى الرجال الأجانب أو التبرج أمـامهم أو الخضوع بالقول معهم, إن كل ذلك فوق ما فيه من الإثم والمخـالفة فيه الظلم والخيانـة للزوج بتشويـه سمعته وعرضه عند الناس .

    8- إهـمال تربية أولاده في صغرهم ، وعدم الحرص على صحتهم وتغذيتهم ونظافتهم ؛ مما يجعل الـزوج يشـغل باله بهـم ويتحـمل جزءًا كبيرًا من ذلك، مما ينعكس أثره على صحة الزوج وضـياع وقته وتفـويت مصالحه في الخارج مع أن هذه الحقوق يقع أغلبها على الزوجـة, ويلحق بهذا قيام الزوجـة بالوقيعة بين الـزوج وأولاده، وشحـن صـدور الأولاد على أبيهم مما ينشـأ عنه حقد الأولاد وكراهيتهم لـه .

    9- إرهاق الزوج بالنفقات الباهظة من غـير حاجة إليها ؛ مما ينشـأ عنه تحـمل الزوج للديـون الكبـيرة من النـاس . وفي هذا هم الزوج وغمه وتعـريضه لحقـوق الخلق؛ وقد لا يستطيع الوفاء بها مما يـؤدي به إلى السجن وغيره، وكل ذلك بسبب الزوجة الظالمة الحمقاء .

    10- غيبة الزوجة لزوجها عند أهله أو أهلها أو قرابتها, وفي هذا ظلم للزوج لأن الغيبة حرام بين المسلمين وهي بين الأقارب أشـد حرمة وظلمًا .

    11- السعي بالنميمة بين الزوج ووالديه أو إخوانه وأخواته أو غيرهم من الأقارب ؛ مما يكون له أكبر الأثر في تقطيع الأرحام وإفساد أواصـر الـود والمحـبة بين الزوج وأقرب الناس إليه، ويلحـق بذلك غيبة الوالدين أو الأخوة والأخوات عند الزوج، وإيغار صدره بذلك مما ينشـأ عنه ترك الولـد لوالديه وبعده عنهـم؛ كل ذلك بسـبب الزوجة الظالمة البـاغية .

    12- الاعتداء على أموال الزوج الموفي للزوجة حقوقها بسرقة أو احتيال أو ضغوط معينة حتى يذعن للزوجة كارهًا للتنازل عن أمواله؛ كل ذلك يعد ظلمًا وعدوانًا على الزوج وأمواله

    13- السكوت على منكرات الزوج في نفسه أو بيته، وعدم مناصحته وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وأشد ظلمًا من هذه تلك الزوجة التي تعين زوجها على المنكرات أو تحثه وتلح عليه بها . فما أشد ظلمها لنفسها وزوجها وأولادها نعوذ بالله من ذلك .

    14- ومن أشهر المنكرات التي تتسبب فيها الزوجة غالبًا: إدخال آلات اللهو والفساد في البيت وارتداء الألبسة المحرمة لها ولبناته، والسفر إلى بلاد الفساد والرذيلة ودخول السوق بلا محرم والخلوة بالسائق الأجنبي وغير ذلك .

    15- طلب الزوجة الطلاق من زوجها من غير سبب شرعي إلا المضارة للزوج ومسـاومته والتعالي عليه؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (( أيمـا امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة )) [5] .



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] البخاري في بدء الخلق (3237) .

    [2] الترمذي في الرضاع (1163) وقال : حسن صحيح .

    [3] البخاري في النكاح (5195) .

    [4] البخاري في النكاح 9/261 ، مسلم في الكسوف (907) .

    [5] أبو داود في الطلاق 2/268 (2226) ، قال الحافظ في الفتح 9/304 : وصححه ابن خزيمة وابن حبان .
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{الفهم الصحيح للورع والزهد }

    الفهم الصحيح للورع والزهد



    فإن من المفاهيم التي أصابها الخلل عند بعض المتنسكة مفهوم الورع والزهد حتى جاوزوا فيها منهج سلف الأمة المهديين وأتوا بتصورات ومواقف عدوها من الزهد والورع وهي ليست منها في شيء، لأنها إما جانحة إلى الغلو والزيادة أو إلى التقصير والتفريط والتلبيس كما أن الشيطان قد صوَّر لبعضهم بأنه من أهل الورع والزهد بتركه لبعض المباحات أو الشبهات مع أنه متلبس ببعض المحرمات الواضحة أو تاركًا لبعض الواجبات الصريحة وهو يعلم بذلك أو لا يعلم.

    من أجل ذلك جاءت هذه المقالة السريعة في تحديد الفهم الصحيح للورع والزهد كما فهمه السلف الصالح رحمهم الله تعالى مع التحذير من نزغات الشيطان وتلبيسه في هذا الباب.

    جاء عن السلف عدة تعريفات للورع والزهد بعضها ذهـب إلى مظهر أو نوع من أنواع الزهد والورع وبعضها الآخر ذهب إلى مظهر أو نـوع آخر، ولذلك فالاختلاف فيما بينها إنما هو اختلاف تنوع لا اخـتلاف تضـاد، لأنهـا تعـود في جملتها إلى تعريف عام منضبط هو الذي اختاره الإمـام ابن القـيم رحمه الله تعالى حيث يقول:

    سمعت شيخ الإسلام ابن تيميـة قدَّس الله روحه يقول: الزهــد: هـو ترك مالا ينفـع في الآخرة، والورع: ترك ما تخاف ضـرره في الآخرة. وهـذه العبارة من أحسـن ما قيـل في الزهـد والـورع وأجـمعـها)) [1]اهـ.

    وبالتأمل في هذين التعريفين للزهد والورع وبالتدقيق في مدلولهما نخرج بالفوائد التالية:

    * أن مقام الزهد أعلى من مقام الورع، لأن الزاهد لاتراه إلا محـاسبًا لنفسه شحيحًا بوقته لا يضيع عمره في شيء لا يقربه إلى الله عز وجل ولا ينفعه في الآخرة وإنما ينظر إلى ما يقوله ويفعله فإن كان مما ينفـعه عند الله عز وجل أخذ به وعلق همته به وإن كان لا يرجو نفعـه في الآخرة زهد به وتركه ولو لم يكن منه ضرر في الآخرة، ولا يعني هذا أن الزاهـد لا يتمـتع بالمباحات بل إنه يتـمتع بها من غير توسع وينوي بها التقوِّى على طاعة الله عز وجل وبهذا تنفعه في الآخرة.

    أما الورع فصاحبه يتجنب ما يخاف ضرره في الآخرة فإذا خلا من الضرر فقد يأخذ به ولو لم ينتفع به في الآخرة، أي أنه يتجنب الحرام وشبهه ويفعل الواجب وشبهه، وما سوى ذلك فهو متوسع فيه تركًا أو فعلاً من دون استحضار نية التعبد بذلك.

    وهذا مقام رفيع لكنه دون مقام الزهد.

    وبذلك نستطيع القول بأن كل زاهد فهو ورع، وليس كل ورع زاهد.

    * بالفهم الصحيح للزهد والورع حسب التعريفات السابقة نتخلص من الفهم الخاطئ والغلط الذي قد يقع فيه بعض الناس في موضوع الزهد والورع ، ولذلك صور منها :

    أ- قصر الزهد على مظاهر معينة في المأكل والمشرب والملبس والمسكن أو ترك الاكتساب، والتفرغ للذكر والقرآن ونوافل العبادات... الخ، ونسيان ما هو أهم من ذلك وهو زهد القلب وميله إلى الآخرة ومحبته وتوكله على الله عز وجل وترك ما يضره من الآثام الباطنة والظاهرة، ولذلك فأول ما ينبغي أن ينصب إليه اهتمام الزاهد بحق: زهده في ما حرم الله عز وجل وقيامه بما أوجب الله عز وجل ويلي ذلك زهده في مشتبهات الحرام وفعله لمشتبهات الواجب ثم يصل بعد ذلك إلى زهده في المباحات التي لا تنفعه في الآخرة وإن أخذ بها نوى بها التقوى على طاعة الله سبحانه فتتحول المباحات في حقه إلى عبادات ينتفع بها في الآخرة.

    ب- اعتقاد بعض النـاس أن الزهد والورع يختصان بجانب التروك فقط فلا يرون الورع أو الزهد إلا في ترك الحرام أو مشتبهاته لا في أداء الواجبات ومشتبهاتها مع أننا لو أمعنا النظر في مفهوم الترك- الوارد في تعريف الزهد والورع لرأيناه يشمل ترك المحرم ومشتبهاته وفعل الواجب ومشتبهاته ومن قام بذلك فقد ترك ما يخاف ضرره في الآخرة.

    ومن هذا الغلط تنشأ بعض الصور المتناقضة في حياة من يدعي الزهد أو الورع.

    فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يفصل هذه الحالة فيقول : يقع الغلط في الورع على ثلاث جهات:

    منها : اعتقاد كثير من الناس أنه من باب الترك، فلا يرون الورع إلا في ترك الحرام، لا في أداء الواجب، وهذا ما ابتلي به كثير من المتدينة المتورعة، ترى أحدهم يتورع عن الكلمة الكاذبة، وعن الدرهم فيه شبهة لكونه من مال ظالم، أو معاملة فاسدة، ويتورع عن الركون إلى الظلمة من أجل البدع في الدين، وذوي الفجور في الدنيا، ومع هذا يترك أمورًا ، واجبة عليه؛ إما عينًا أو كفـاية وقـد تعينت عليه، من: صلة رحم، وحق جار، ومسكين، وصاحب، ويتيم، وابن سبيل، وحق مسلم، وذي سلطان، وذي علم، وعن أمر بمعروف، ونهي عن منكر، وعن الجهاد في سبيل الله... إلى غير ذلك مما فيه نفع للخلق في دينهم ودنياهم مما وجب عليه. أو يفعل ذلك لا على وجه العبادة لله تعالى ؛ بل من جهة التكليف ونحو ذلك ))[2] أ هـ.

    ج- قيام بعض الناس ببعض الأعمـال التي قـد تكون محـرمة أو بترك بعض الأعمال التي قـد تكون واجبة اعتقادًا منهم أن ذلك من الورع. وهذا يحصل في العادة عند تعارض المصالح والمفاسـد وعـدم المـوازنة لما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية، ويشرح شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذه المسألة فيقول : »وتمام الورع أن يتعلم الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية، والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات، ويفعل محرمات، ويرى ذلك من الورع، كمن يدع الجمعة والجماعات خلف الأئمة الذين فيهم بدعة، أو فجور، ويرى ذلك من الورع، ويمتنع من قبول شهادة الصادق، وأخذ علم العالم لما في صاحبه من بدعة خفيفة، ويرى ترك قبول سـماع هذا الحق الذي يجـب سـماعه من الـورع )) [3].

    د- جهل بعض المتورعة أو المتزهدة بالكتاب والسنة فيفعلون بعض الأفعال ظنًّا منهم أنها واجبة أو شبه واجبة، ويتركون بعض الأعمال ظنًّا منهم أنها محرمة أو شبه محرمة، ودافعهم إلى ذلك الورع والتدين لكن جهلهم ببعض الحلال والحرام قد يؤدي بهم إلى فعل ما لم يدل الدليل على وجوبه أو ترك مالم يدل الدليل على أنه حرام أو مشتبه بالحرام، وإنما قد يكون هذا الورع مبني على الظن أو الميل النفسي فحسب.

    وعن هذا يتحدث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فيقول: ((.. إذا فعل الواجب والمشتبه وترك المحـرم والمشـتبه فينـبغي أن يكون اعتقاد الوجوب والتحريم بأدلة الكـتاب والسنة، وبالعلم لا بالهوى، وإلا فكثير من الناس تنفر نفسه من أشياء لعادة ونحـوها، فيكــون ذلك مما يقـوي تحريمها واشتباهها عنده، ويكون بعضهـم فى أوهام وظنون كاذبة، فتكون تلك الظنون مبناها على الـورع الفاسـد... ومن هـذا الباب الورع الذي ذمه الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي في الصـحيح لما ترخص في أشياء فبلغـه أن أقوامًا تنزهوا عنها، فقـال: ((ما بال رجال يتنزهون عن أشياء أترخـص فيها ؟ والله أني لأرجو أن أكون أعلمهـم بالله وأخشاهم)) [4].

    ولهذا يحتاج المتدين المتورع إلى علم كثير بالكتاب والسنة والفقه في الدين، وإلا فقد يفسد تورعه الفاسد أكثر مما يصلحه، كما فعله الكفار وأهل البدع من الخوارج والروافض وغيرهم« أهـ [5].

    هـ- إرادة الإنسان بورعه وزهده من الدنيا الشهرة أو الصدارة أو ثناء الناس... إلخ.

    وفي ذلك يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : (( ... واعلم أن الورع لا ينفع صاحبه فيكون له ثواب إلا بفعل المأمور به من الإخلاص، أما الورع بفعل المأمور به فظاهر، فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه، وأما ترك المنهي عنه الذي يسميه بعض الناس ورعًا فإنه إذا ترك السيئات لغير وجه الله لم يثب عليها، وإن لم يعاقب عليها، وإن تركها لوجه الله أثيب عليها، ولا يكون ذلك إلا بما يقوم بقلبه من رجاء رحمة الله، أو خشية عذابه« أهـ [6].

    و- إن الزهد في الدنيا قد يكون لطلب الراحة مما يلحق من ضررها. أو لعدم حصول المطلوب منها ، وهذا كله ليس من الزهد في شيء وليس بمحمود عند الله عز وجل.

    وإنما المحمود من ترك الدنيا وذمها ما كان دافعه إرادة وجه الله عز وجل والدار الآخرة ولكون الدنيا تشغل عن ذلك، ولولا كون الدنيا تشغل عن عبادة الله عز وجل والدار الآخرة لم يشرع الزهد فيها، فلينتبه من يدعي الزهد إلى هذا الأمر وليفتش عن نيته ولا يلبـس الحـق بالبـاطل.

    (أن قومًا زهدوا فيما ينفعهم بلا مضرة فوقعوا به في ترك واجبات أو مستحبات كمن ترك النساء وأكل اللحم ونحو ذلك.

    وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني )) [7].

    ز- وقد يوقع زهدًا في فعل محظورات، كمن ترك تناول ما أبيح له من المال والمنفعة، واحتاج إلى ذلك فأخذه من حرام، أو سأل الناس المسألة المحرمة، أو استشرف إليهم، والاستشراف مكروه.

    ومن كان زهده زهد الكسل والبطالة والراحة لا لطلب الدار الآخرة بالعمل الصالح والعلم النافع، فإن العبد إذا كان زاهدًا بطالاً فسد أعظم فساد، فهؤلاء لا يعمرون الدنيا ولا الآخرة، فمن ترك بزهده حسنات مأمور بها كان ما تركه خير من زهده.

    ومن زهد فيما يشغله عن الواجبات أو يوقعه في المحرمات فهو من المقصرين أصحاب اليمين.

    ومن زهد فيما يشغله عن المستحبات والدرجات فهو من المقربين السابقين ) [8].



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] مدارج السالكين 2 / 10 .5

    [2] مجموع الفتاوى 20 / 139 .

    [3] مجموع الفتاوى 10 / 512 .

    [4] البخاري ( 6101 ) ، مسلم ( 2356 ) .

    [5] مجموع الفتاوى : 20 / 141 ، 142 .

    [6] المصدر السابق : 20 / 145 .

    [7] البخاري كتاب النكاح (5063) ، مسلم ( 1401 ) .

    [8] مجموع الفتاوى : 20 / 150 ، 151 (باختصار) .
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{وسائل دفع الشبهات }

    وسائل دفع الشبهات



    الأسباب التي تدفع الشبهات أو ترفعها بعد وقوعها

    في عصر تكاثر فيه الناعقون والمرجفون في المدينة,كثرة وسائلهم وتعددت أهوائهم , أصبح المسلم نهباً لأفكارهم الخبيثة, لا ينفع معهم العزلة والابتعاد لأنهم يلاحقوننا إلى مراقدنا ومواطن رزقنا عبر التلفزيون والانترنت والجوال وما شابه, ولهذا فهناك وسائل علمية ذكرها الشيخ لدفع شبههم والنجاة من كيدهم إدارة الموقع

    : ومن ذلك ما يلي:

    * البصيرة في الدين والعلم بالشريعة المستمدة من الكتاب والسنة بفهم الصحابة رضي الله عنهم .

    وذلك لأن من أسباب الانحراف عن طريق الاستقامة الجهل بالدين وشرائعه ومقاصده فترى المنحرف عن الشريعة يحسب أنه على الحق لجهله بالحلال والحرام، أو لتقليده ومسايرته لمن يبرر المخالفة بشبهة أو تأويل أو غير ذلك. فإذا وجد العلم بالشرع ، والحلال والحرام، والبدعة والسنة، فإن الانحراف بسبب الجهل أو الشبهة سيندفع إن كان صاحبه متجرداً للحق متبعاً له بعد بيانه ، أما إن كان ذا هوىً وشهوة فقد لا يكون العلم بالشرع علاجاً مفيداً، إذ قد يعلم العبد المخالفة ويرتكبها عن ضعف وشهوة وعناد.

    وإذا كان الشخص لا يستطيع البحث بنفسه والقراءة في كتب العلم لأميته أو انشغاله، فليتفقه في دين الله تعالى عن طريق أهل العلم والـذكر

    الذين يجمعون بين العلم والورع، ومعرفة الواقع، وليسألهم عما أشكل عليه في أمر دينه ودنياه، وليتجنب المنتسبين إلى العلم الذين يكتمون الحق ويسيرون مع أهواء الناس، ويتلمسون الرخص والآراء الشاذة المخالفة للنصوص الشرعية، وما عليه سواد أهل السنة والجماعة.

    والعلم بالشرع هو الذي يورث العمل به، والاستقامة عليه، وهو الذي يورث الميزان الثابت الذي توزن به الآراء والأخلاق والمواقف.

    والمقصود بهذا الميزان: ميزان أهل السنة والجماعة: أهل الاستقامة الذي هو الحق والوسط بين الغلو والجفا والذي من حكم به أصاب ومن وزن به عدل.

    ولقد كان السلف رحمهم الله تعالى يوصون طلابهم بطلب العلم، ويرون فيه العصمة- لمن وفقه الله تعالى- من فتنة الشبهات ودفع وساوس شياطين الإنس والجن. فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب العلم قال: "قال ابن وهب: كان أول أمري في العبادة قبل طلب العلم، فولع بي الشيطان في ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام. وكيف خلقه الله تعالى؟ ونحو هذا فشكوت ذلك إلى شيخ فقال لي: ابن وهب قلت: نعم، قال: أطلب العلم. فكان سبب طلبي العلم [1].

    ومن الفقه بالشرع الفقه بمقاصده وقواعده الفقهية لأن الجهل بهذه القواعد أو الغفلة عنها يوقع في الانحراف والشطحات من يفتي للناس دون مراعاة لمآلات الفتوى، والتي هي مرتبطة بقاعدة سد الذرائع، أو من يفتي بالضرورة والمصالح دون الإلمام بضوابط الضرورة والمصلحة. والحاصل أن البصيرة في الدين ومقاصد الشريعة تقي بإذن الله تعالى من مخالفة الاستقامة وأهلها إذا وجد الإخلاص والتجرد عن الهوى.

    * التؤدة والأناة وعدم العجلة

    إن العجلة والتسرع وترك التؤدة والأناة في الأمور لهي من أخطر الأبواب التي تدخل منها الشبهات إلى القلوب، وبالتالي يقع الانحراف ومخالفة طريق أهل الاستقامة سواء في المعتقد أو العمل، بينما لو حصل التأني وعدم التسرع في قبول ما يطرح من أفكار، لكان في ذلك فرصة لمزيد من البحث والمشورة وعرض كل ما يطرح على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم الصحابة رضي الله عنهم .

    وقد مدح الرسول صلى الله عليه وسلم التؤدة في الأمور بقوله: ((التؤدة في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة)) [2].

    ومن ذلك عدم التسرع والعجلة في إفتاء الناس قبل معرفة حكم الله

    عز وجل، ومعرفة الواقعة التي يستفتون عنها من جميع جوانبها وما يترتب عليها.

    ومن ذلك عدم التسرع في إفتاء الناس في قضايا لم تقع بعد، لأن الواقعة تختلف في وصفها قبل وقوعهـا عنها بعد وقوعها، وقد يكون فيه

    من الملابسات والأحوال مالا تظهر إلا بعد الوقوع.

    فعن عامر الشعبي قال: (( سئل عمار رضي الله عنه عن مسألة فقال : كان هذا بعد ؟ قالوا: لا، قال: دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناه لكم))[3]

    وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال : (( لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها ، فإنكم إن لم تفعلوا لم ينفك المسلمون أن يكون منهم من إذا قال وفق، أو قال: سدد. وإنكم إن استعجلتم بالبلية قبل نزولها ذهب بكم السبل ها هنا، وها هنا)) [4].

    وإن من فوائد الأناة وعدم العجلة أن يكون هناك فرصة لمشاورة أهل العلم والعقل والتجربة.

    ومن فوائد التؤدة وعدم التسرع وبخاصة لأهل العلم والفتوى أيام الفتن أن يكون لديهم وقت ليسبروا فيه حال المستفتين ومقصدهم من سؤالهم، فقد يظهر بعد التأني والتفكر أن منهم من يزخرف سؤاله ويظهره في قالب يستل به الفتيا التي يريد .

    وهذا مكر منه وخداع . فإذا تسرع المفتي وأفتى أمثال هؤلاء فإنه بذلك قد يضل ويضل وهو لا يشعر.

    * مصاحبة أهل العلم الصادقين وتجنب أهل الشبهات والبدع

    وهذا مما يتقى به الشبهات التي هي من أسباب الانحراف والجنوح عن طريق أهل الاستقامة، لأن في مصاحبة أهل العلم الذين يجمعون صحة العلم وحسن القصد عاصماً بإذن الله تعالى من الشبهات ورافعاً لها إذا وجدت، لأن الشبهات لا تنتشر إلا في بيئات الجهل وقلة العلم. كما أن في مجانبة مجالس أهل الأهواء والبدع والشبهات وعدم السماع لهم حماية بإذن الله تعالى من المزالق والمخالفات، لأن في مجالسهم تثار الشبهات ويكثر الجدال والمراء فتعلق بقلوب السامعين لها شبهاتهم، ويصعب التخلص منها بعد ذلك. ولذلك شدد السلف رحمهم الله تعالى في ذلك ونهوا عن مناظرة أهل الأهواء والشبهات، وعن حضور مجالسهم أو السماع منهم. وقد نقلت طائفة من هذه الأقوال في مبحث أسباب الانحراف فليرجع إلى ذلك.

    وإذا كان هذا موقف السلف من أهل الشبهات وتشديدهم في النهي

    عن حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم، فكيف بمن يفتح لهم اليوم مجلته أو قناته أو موقعه في شبكة المعلومات ليبث شبهاته بحجة حرية الفكر والنقاش وفتح المجال لطرح الأفكار والرد عليها؟!

    إني لأحسب أن في هذا مخالفة شديدة لمنهج السلف وباباً من أبواب نشر الأفكار المنحرفة، ويخشى على من يفتح منبره لأهل الأهواء والبدع أن يتحمل وزره ووزر من تتسبب هذه الأفكار في تضليله.

    ويلحق بمصاحبة أهل العلم والاستقامة مصاحبة كتبهم ومقالاتهم وسماع أشرطتهم المسجلة. وفي مقابل ذلك هجر كتب أهل الأهواء والبدع والتنفير منها ومن سماع أشرطتهم إلا للمتمكن من أهل العلم الذين يقرأون أو يسمعون لأهل البدع بغرض الرد على شبههم وبيان ضلالاتهم.

    * التواصي بالحق والدعوة إليه

    وهذا من أعظم ما تدفع به الشبهات التي تحرف الناس عن طريق الاستقامة وبخاصة في عصور الغربة وانتشار الفتن.

    فكلما وجد في زمان أو مكان دعاة إلى الحق يوصي بعضهم بعضاً بلزومه وينشرونه بين الناس كلما قلت البدع والشبهات، والعكس بالعكس فعندما تضعف الدعوة إلى المنهج الحق ويقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأهواء والشبهات حينها تفشو وينشأ من جراء ذلك التضليل والتلبيس والانحراف الذي يقوم به أهل الباطل حيث يزخرفون كلامهم لضعاف العلم والعقول من الناس فيصغون إليه، ويرضون به، ويحسبونه حقا لما كسوه من زخرف القول غر ور اً.

    ويلحق بالتواصي بالحق: المناصحة بين الدعاة وطلبة العلم بعضهم مع بعض لأنه قد يتأثر أحد الدعاة بشبهة ما ويتعلق بها، فإذا وجدت المناصحة والمناظرة الصادقة في إزالة الشبهة فإنها تزول بإذن الله تعالى، أما إذا رأى أحدنا على أخيه موقفاً أو سلوكاً مشيناً سببه شبهة ثم تركه وجامله فإن هذا من أسباب رسوخ الانحرافات وانتشارها.

    * لزوم الجماعة ونبذ الفرقة

    إن لزوم جماعة المسلمين الملتزمة بما كان عليه الرسول صلى الله عليه سلم وأصحابه لمن أعظم الأسباب في الوقاية من الانحراف، والمقصود بالجماعة هنا جماعة العقيدة والمنهج الحق، مع لزوم جماعة المسلمين التي لها إمام موافق للشرع، فإذا تحقق هذان الوصفان وجب الالتزام بهما جميعاً، والمفارق لهما أو لأحدهما مفارق للجماعة ومعرض نفسه للشبهات والانحرافات.

    أما إذا لم يوجد الإمام الشرعي. فيبقى لزوم الجماعة بالمعنى العلمي العقدي هو الأصل ولا يمكن أن يخلو منه زمان.

    ولو تتبعنا نشوء الفتن والانحرافات في التاريخ الإسلامي لرأيناها إنما نمت وترعرعت في أرض الفرقة والاختلاف.

    وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة قال: (( ...عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن)) [5].

    وفي عصور الغربة والفتن كعصرنا اليوم لا يكفي مجرد الانتماء العلمي لأهل الاستقامة، بل لا بد من العيش الجماعي والتواصي بالحق معهم. وعدم الانفراد أو العزلة عنهم لأن شياطين الإنس والجن يكونون مع الواحد، وهم مع الأثنين أبعد كما جاء في الحديث الآنف الذكر.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] سير أعلام النبلاء10/ 31.

    [2] أبو داود في الأدب (4810) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1794 ) .

    [3] المطالب العالية 3/ 106.

    [4] المصدر نفسه 3 / 106، وقال البوصيري: رواه إسحاق بإسناد حسن لابن أبي شيبة.


    [5] جزء من حديث رواه الترمذي في الفقه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1758) .
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناضر الجليل{فتنة النساء}

    فتنة النساء



    الحمد لله رب العالمين،- والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم- تسليماً كثيراً.

    مربنا في أول سورة آل عمران قوله تعالى: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ)) .

    والميل إلى النساء أمر طبعي ركبه الله- عز وجل في غريزة الإنسان، وما دام أنه في الحلال كالزوجة وما ملكت اليمين، وأنه لم يصد عن طاعة الله- عز وجل-، ولم يدفع إلى فعل محرم؛ فإنه أمر لا يعاب عليه الإنسان، بل هو من الأمور المطلوبة في غض البصر وتحصين الفرج وبقاء النسل، والتقوي بذلك على طاعة الله عز وجل، وقد قال r: (( حبب إلي من الدنيا: النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)) [1].

    وقد فصل الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:

    الفرق بين الحب في الله والحب مع الله تفصيلاً يكشف حقيقة المحبة، ومتى تكون فتنة؟ ومتى لا تكون؟! قال- رحمه الله تعالى-: (والفرق بين الحب في الله والحب مع الله، وهذا من أهم الفروق، وكل أحد محتاج بل مضطر إلى الفرق بين هذا وهذا، فالحب في الله هو من كمال الإيمان، والحب مع الله هو عين الشرك، والفرق بينهما: أن المحب في الحب تابع لمحبة الله، فإذا تمكنت محبته من قلب العبد أوجبت تلك المحبة أن يحب ما يحبه الله، فإذا أحب ما أحبه ربه ووليه كان ذلك الحب له وفيه؛ كما يحب رســله وأنبياءه وملائكته وأوليائه لكونه- تعالى- يحبهم، ويبغض من يبغضهم لكونه- تعالى- يبغضهم.

    وعلامة هذا الحب والبغض في الله: أنه لا ينقلب بغضه لبغيض الله حباً، لإحسانه إليه، وخدمته له، وقضاء حوائجه، ولا ينقلب حبه لحبيب الله بغضاً إذا وصل إليه من جهته ما يكره ويؤلمه، إما خطأً وإما عمداً، مطيعاً لله فيه أو متأولاً، أو مجتهداً أو باغياً نازعاً تائباً.

    والدين كله يدور على أربع قواعد : حب، وبغض، ويترتب عليهما: فعلٌ وترك، فمن كان حبه، وبغضه، وفعله،وتركه لله، فقد استكمل الإيمان؛ بحيث إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله،وإذا فعل فعل لله، وإذا ترك ترك لله، وما نقص من أصنافه هذه الأربعة نقص من إيمانه ودينه بحسبه، وهذا بخلاف الحب مع الله فهو نوعان: [نوع] يقدح في أصل التوحيد: وهو شرك، ونوع يقدح في كمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج من ا لإسلام.

    فالأول :

    كمحبة المشركين لأوثانهم وأنداد هم قال تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ)) [البقرة:165] .

    وهؤلاء المشركون يحبون أوثانهم وأصنامهم آلهتهم مع الله كما يحبون الله، وهذه محبة تأله وموالاة، يتبعها الخوف والرجاء، والعبادة والدعاء، وهذه المحبة هي محض الشرك الذي لا يغفره الله.

    ولا يتم الإيمان إلا بمعاداة هذه الأنداد وشدة بغضها، وبغض أهلها ومعاداتهم ومحاربتهم؛ وبذلك أرسل الله جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وخلق النار لأهل هذه المحبة الشركية، وخلق الجنة لمن حارب أهلها وعاداهم فيه وفي مرضاته؛ فكل من عبد شيئاً من لدن عرشه إلى قرار أرضه فقد اتخذ من دون الله إلهاً وولياً، وأشرك به كائناً ذلك المعبود ما كان، ولا بد أن يتبرأ منه أحوج ما كان إليه.

    والنوع الثاني :

    محبة ما زينه الله للنفوس من النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيحبها محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، فهذه المحبة ثلاثة أنواع: فإن أحبها لله توصلاً بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته أثيب عليها، وكانت من قسم الحب لله توصلاً بها إليه، ويتلذذ بالتمتع بها، وهذا حال أكمل الخلق الذي حبب إليه من الدنيا النساء والطيب، وكانت محبته لهما عوناً له على محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره.

    وإن أحبها لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها بحكم الميل الطبيعي، كانت من قسم المباحات؛ ولم يعاقب على ذلك، ولكن ينقص من كمال محبته لله والمحبة فيه.

    وإن كانت هي مقصودة ومراده، وسعيه في تحصيلها والظفر بها، وقدمها على ما يحبه الله ويرضاه منه، كان ظالماً لنفسه متبعاً لهواه.

    فالأولى: محبة السابقين.

    والثانية: محبة المقتصد ين.

    والثالثة: محبة الظالمين.

    فتأمل هذا الموضع وما فيه من الجمع والفرق؛ فإنه معترك النفس الأمارة والمطمئنة، (( والمهدي من هداه الله )) [2].أ.هـ

    والحاصل : أن فتنة النساء فتنة عظيمة حذر منها الرسول r بقوله: (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء)) [3]

    وكذلك ما رواه أبو سعيد الخدري- رضي الله عنه- عن النبي r قال: (( إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء )) [4].

    والآثار عن السلف في التحذير من فتنة النساء كثيرة منها ما يلي:

    عن أشعث بن سليم قال: سمعت رجاء بن حيوة، عن معاذ بن جبل قال: ابتليتم بفتنة الضراء فصبرتم، وستبتلون بفتنة السراء، وأخوف ما أخاف عليكم: فتنة النساء إذا تسورن الذهب، ولبسن رباط الشام، وعصب اليمن، فأتعبن الغني، وكلفن الفقير ما لا يجد [5] .

    وعن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قتل النساء، وقال لنا سعيد وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعش بالأخرى: ما من شيء أخوف عندي من النساء [6].

    وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا إبراهيم بن الحسن الباهلي، حدثنا حماد بن زيد قال: قال يونس بن عبيد: ثلاثة احفظوهن عني: لا يدخل أحدكم على سلطان يقرأ عليه القرآن، ولا يخلون أحدكم مع امرأة يقرأ عليها القرآن، ولا يمكن أحدكم سمعه من أصحاب الأهواء [7] .

    وقال عباس الدوري: كان بعض أصحابنا يقول: كان سفيان الثوري كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين:

    تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الوزر والعار

    تبقى عواقب سوء في مغبتها لا خير في لذة من بعـدها النار

    والفتنة بالنساء تأخذ صوراً مختلفة أهمها ما يلي:

    1- إطلاق النظر إلى الأجنبيات من النساء، وما يعقب ذلك من السقوط في حبائلهن والإصابة منهن بسهام إبليس اللعين، وعندئذ تكون الفتنة والعشق المحرم والمحبة المحرمة التي تملا قلب المفتون، ولا يكون فيه بعد ذلك محل لمحبة الله- عز وجل- ومرضاته وأعظم بها من فتنة.

    2- النظر إلى صورهن الجميلة، سواء في تلفاز، أو فيديو، أو مجلة، أو كتاب، وما يعقب ذلك من الافتتان بهذه الصور وانشغال القلب بها، ولقد ظهر في عصرنا اليوم من وسائل عرض النساء وصورهن الخليعة، وشبه العارية، ما لم يظهر في أي عصر مضى، وأصبحت الفتنة بهن عظيمة وشديدة؛ لذا وجب على أهل الغيرة والإيمان أن يحموا أنفسهم وأولادهم وبيوتهم من شر هذه الوسائل المفسدة، وأن لا يفتنهم الشيطان بها مهما كان المسوغ لذلك، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ.. . الآية)) [التحريم:6] .

    3- وقد تكون الفتنة ممن يجوز النظر إليها كالزوجة وما ملكت اليمين، وذلك بشدة التعلق بها، والافتتان بصورتها، مما يجعل الزوج أسيراً لها بل عبداً، عياذاً بالله. وهنا تقع الفتنة- وبخاصة إذا كانت المرأة قليلة دين وحياء- فتطلب من زوجها الأسير ما يوقعه في المحرمات، أو يترك به الواجبات الدينية إرضاءً لهواها.

    ولا يقع في ذلك إلا من ضعفت محبة الله في قلبه، واستولت عليه محبة الشهوات؛ فقدم مرادها على مراد الله- عز وجل-، ومثل هذا يخشى عليه من الوقوع في المحبة الشركية، التي قال الله عز وجل في أهلها: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ...الآية)) [البقرة:165] [8].

    4- الافتتان بقراءة القصص الغرامية، وقصص الحب والعشق والجنس؛ مما يؤدي إلى إثارة الغرائز وثوران الشهوة، التي تؤدي بدورها إلى الوقوع في المحرم ومقارفة النجاسات، كل هذا من الفتن التي يجب على المسلم أن يفر منها، ويعتقد حرمتها، فإن ما أوصل إلى الحرام فهو حرام.

    5- ما يتعرض له إخواننا الأطباء أو نحوهم من مخالطة النساء- الطبيبات، أو الممرضات أو المريضات- كل هذا من الفتن التي يجب على المسلم الحذر منها والفرار منها، وأن لا يسمح المسلم لنفسه مهما كان دينه وتقواه أن يخلو بهن، أو يلين الكلام معهن، أو ينظر إليهن من غير حاجة.

    6- ومن الفتن بهن اليوم ما ابتلي به كثير من بيوت المسلمين من الخادمات الأجنبيات، اللاتي جئن بلا محارم- الكافرات منهن والمسلمات- وما نشأ عن ذلك من مصائب وجرائم، كل ذلك بسبب التساهل في جلبهن إلى البيوت، والترخص في التعامل معهن وكأنهن من ملك اليمين؛ سواءً في حجابهن أو اختلاطهن بالرجال الأجانب، أو خروجهن من البيوت مع أنهن أجنبيات حرائر!

    7- التساهل في السفر إلى بلا الكفر والفحش والنجاسة من غير حاجة أو ضرورة، ومعلوم ما يتعرض له المسلم في تلك الديار من الفتن العظيمة، ومنها فتنة النساء وعريهن، وتهتكهن وإغرائهن، والمطلوب من المسلم أن يفر بدينه من الفتن لا أن يفر إليها.

    8- التباغض والتشاحن بل وتقاطع الأرحام من أجل النساء، كما هو الحال في الشقاق بين زوجة الرجل وأمه أو أبيه، وميل الرجل مع زوجته لفتنته بها.

    9- ومن صور الافتتان بالنساء في عصرنا الحاضر ما ينادي به علمانيو زماننا ممن يدعون تحرير المرأة، وتبني حقوقها، وذلك بالمطالبة بمساواتها بالرجل، والعمل جنبا إلى جنب مع الرجل، وإخراجها من منزلها، وممارستها لجميع الأعمال بدون استثناء، كقيادة السيارة وأعمال الجيش والشرطة، والقضاء... إلخ.

    وقد تمت هذه الفتنة في كثير من بلدان المسلمين، وما زال أهل الفتنة والفساد يسعون في إخضاع بقية بلدان المسلمين لهذه الفتنة العمياء.(( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال:30].

    كما يطرح هؤلاء المفتونون الدعوة إلى السفور وترك الحجاب كلما سنحت لهم الفرصة.

    ومن المجالات التي يتبناها أهل الفتنة لإفساد المرأة وفق الناس بها: إقامة ما يسمى بالجمعيات النسائية، والنوادي النسائية، والحفلات العائلية المختلطة، والمطاعم المختلطة، والحدائق المختلطة، وغير ذلك مما يغري المرأة بهجر بيتها، وإهمال حقوق زوجها وأولادها، واختلاطها بجليسات السوء، بل وجلساء السوء أيضاً.

    10- ومن صور الافتتان بالنساء أيضاً تلك الأزياء الغريبة على ديننا وعاداتنا، مما تلقفه كثير من نساء المسلمين، وقلدن فيها الغرب الكافر، والشرق الملحد، هذه الأزياء التي تخالف الشرع وتخرم المروءة، وتخدش الحياء، وتفتن الرجال: من ثوب قصير، أو مشقوق، أو شفاف، أو بنطال يحجم العورة، والمرأة بطبيعتها ناقصة عقل ودين.

    وقد لا يستغرب خضوعها لبيوت الأزياء وأربابها، وبخاصة تلك المرأة التي لم تنل حظاً من التربية والتقوى، ولكن المستغرب أن يرضى زوج المرأة أو والدها، أو أخوها، بوقوع موالياتهم في هذه الفتنة فيفتن ويفتن .

    11- فتنة الهاتف، وما يجر من الفتنة بالنساء وخضوعهن في القول، وما يعقب ذلك من فساد في الأعراض، وخراب للبيوت، وكم من هتكٍ للأعراض كانت بدايته من فتنة الهاتف.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] النسائي. ك. العشرة 17 61 وصححه الألباني في صحيح النسائي (3680).

    [2] الروح لابن القيم: ص 253، 254.

    [3] البخاري ك النكاح (5096) (فتح 19 41) مسلم في الذكر والدعاء (2740).

    [4] مسلم ك. الذكر والدعاء (2742).

    [5] صفة الصفوة 1/ 497 .

    [6] صفة الصفوة 2/80.

    [7] سير أعلام النبلاء6/ 293.

    [8] انظر كلاماً نفيساً لشيخ الإسلام في كتاب العبودية حول استعباد المرأة لزوجها : ص ه 4. مكتبة المدني.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{فتنة الدنيا وزخرفها }

    فتنة الدنيا وزخرفها



    والمقصود بفتنة الدنيا: هي كل ما ألهى عن الآخرة من متاع الأرض الزائل، مما تميل إليه النفوس وتحبه، وقد أجمله الله عز وجل في قوله سبحانه: (( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)) [آل عمران:14] .

    وسيكون الحديث هنا- إن شاء الله تعالى– عن أشد مظاهر الدنيا فتنة ؛ فيما يلي :

    أ- فتنة الأموال والأولاد: وقد ذكرها في الآية السابقة في قوله تعالى: ((وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ )) .

    ب- فتنة النساء: وقد ورد ذكرها عند قوله تعالى : (( حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ)) .

    ج – فتنة الجاه والشهرة وحب الرئاسة .

    أ – فتنة الأموال والأهل والأولاد:

    وقد ورد التحذير من هذه الفتنة في أكثر من آية من كتاب الله – عز وجل ومن ذلك قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.إِنَّمَ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [التغابن:14-15]

    وقوله تعالى: (( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)) [الأنفال:28]

    وقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) (سورة المنافقون :9) .

    وقوله تعالى: (( فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)) [التوبة:55]

    يقول الإمام البغوي عند تفسير آية التغابن: وقال عطاء بن يسار: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي: كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه، وقالوا: إلى من تدعنا؟ فيرق لهم ويقيم، فأنزل الله: (( إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ)) بحملهم إياكم على ترك الطاعة، فاحذروهم أن تقبلوا منهم.

    ((وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا )) .

    فلا تعاقبوهم على خلافهم إياكم فإن الله غفور رحيم.

    (( إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )) ، بلاء واختبار وشغل عن الآخرة، يقع بسببهما الإنسان في العظائم، ومنع الحق وتناول الحرام ، ((وَاللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ )) .

    قال بعضهم: لما ذكر الله العداوة أدخل فيه " من " للتبعيض، فقال: ((إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ )) ، لأن كلهم ليسوا (بأعداء)، ولم يذكر "من " في قوله: ((إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )) لأنها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب) [1] أ.هـ.

    وعن بريدة- رضي الله عنه- قال: (( كان رسول الله r يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران ، فنزل رسول الله r من المنبر، فحملها، فوضعها بين يديه، ثم قال: صدق الله: ((إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَة)) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما)) [2].

    ويعلق سيد قطب- رحمه الله تعالى-: على آية التغابن هذه أيضاً فيقول : (ولكن النص القرآني أشمل من الحادث الجزئي، وأبعد مدى وأطول أمداً؛ فهذا التحذير من الأزواج والأولاد كالتحذير الذي في الآية التالية من الأموال والأولاد معاً: (( إَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ )) .

    والتنبيه إلى أن من الأزواج والأولاد من يكون عدواً، إن هذا يشير إلى حقيقة عميقة في الحياة البشرية؛ ويمس وشائج متشابكة ودقيقة في التركيب العاطفي، وفي ملابسات الحياة سواء، فالأزواج والأولاد قد يكونون مشغلة وملهاة عن ذكر الله، كما أنهم قد يكونون دافعاً للتقصير في تبعات الإيمان، اتقاء للمتاعب التي تحيط بهم لو قام المؤمن بواجبه، فلقي ما يلقاه المجاهد في سبيل الله! والمجاهد في سبيل الله يتعرض لخسارة الكثير، وتضحية الكثير.

    كما يتعرض هو وأهله للعنت، وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده، فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار، أو المتاع والمال، فيكونون عدواً له؛ لأنهم صدوه عن الخير، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا.

    كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه؛ اتقاء لما يصيبهم من جرائه، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله، وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات، وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن، ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة، التحذير من الله، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا، والحذر من تسلل هذه المشاعر، وضغط هذه المؤثرات، ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد، وكلمة فتنة تحتمل معنيين:

    الأول : أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم، فانتبهوا لهذا، وحاذروا وكونوا أبداً يقظين لتنجحوا في الابتلاء، وتخلصوا وتتجردوا لله، كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!

    والثاني: أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله) [3] أ.هـ

    أما الأحاديث الواردة في التحذير من انفتاح الدنيا وكثرة الأموال والفتنة بها فكثيرة من أصحها وأشهرها:

    قوله r: ((كيف أنتم إذا فتحت عليكم خزائن فارس والروم. أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله،قال:" أو غير ذلك ؟ تتنافسون، ثم تتحاسد ون، ثم تتدابرون)) [4].

    وقوله r: (( والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم)) [5].

    وقوله r: (( بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا )) [6].

    وقوله r: (( يأتين على الناس زمان لا يبالي المرء مما أخذ المال أمن الحلال؟ أم من حرام؟ )) [7].

    ومن أجل ذلك خاف السلف- رحمهم الله تعالى- من الافتتان بزهرة الدنيا وأموالها وزخرفها، والنماذج التالية تشهد بذلك:

    عن إبراهيم بن عبد الرحمن : أن عبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- أتي بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة: إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وأراه قال: وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا- أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام) [8].

    وعن أبي حازم قال: جعل عروة بن الزبير لعائشة طعاماً فجعل يرفع قصعة ويضع قصعة، قال: فحولت وجهها إلى الحائط تبكي، فقال لها عروة: كدرت علينا، فقالت: (والذي بعثه بالحق! ما رأى المناخل من حين بعثه الله حتى قبض) [9].

    وعن ميمون بن أبي شبيب قال: كان معاذ بن جبل في ركب من أصحاب رسول الله r فمر بهم رجل فسألهم فأجابوه، ثم انتهى إلى معاذ بن جبل وهو واضع رأسه على رجله يحدث نفسه فقال: عم سألتهم؟ فقال:سألتهم عن كذا،فقالوا: كذا، وسألتهم عن كذا فقالوا: كذا، فقال معاذ- رضي الله عنه-: " كلمتان إن أنت أخذت بهما أخذت بصالح ما قالوا، وإن أنت كنت تركتهما تركت صالح ما قالوا: إن أنت ابتدأت بنصيبك من الدنيا يفتك نصيبك من الآخرة، وعسى أن لا تدرك منها الذي تريد،وإن أنت ابتدأت بنصيبك من الآخرة يمر بك على نصيبك من الدنيا فينتظم لك انتظاماً، ثم يدور معك حيثما تدور [10].

    وكان عبد الواحد بن زيد: يحلف بالله لحرص المرء على الدنيا أخوف علي عندي من أعدى أعدائه، وكان يقول: يا إخوتاه لا تغبطوا حريصاً على ثروته وسعته في مكسب ولا مال، وانظروا له بعين المقت له في اشتغاله اليوم بما يرديه غداً في المعاد ثم يتكبر. وكان يقول: الحرص حرصان: حرص فاجع، وحرص نافع. فأما النافع: فحرص المرء على طاعة الله، وأما الحرص الفاجع: فحرص المرء على الدنيا) [11].

    والآن يمكننا إجمال أهم مظاهر الفتنة بالأموال والأولاد فيما يلي:

    1- الانشغال بها عن الآخرة والاستعداد لها والتفريط في الصالحات.

    2- الحرص على المال والأولاد والمحبة الشديدة لهما تدفع إلى الوقوع في المحرمات وأخذ المال من حله ومن غير حله؛ ذلك حتى يوفر الراحة والسعادة له ولأهله وأولاده، كمن يحضر أجهزة التلفاز والفيديو والبث المباشر والمجلات الخليعة ليسعد بها أهله بزعمه.

    قال الزجاج - رحمه الله تعالى-:عند آية التغابن السابقة: (أعلمهم الله- عز وجل- أن الأموال والأولاد مما يفتنون به؛ وهذا عام في جميع الأولاد،فإن الإنسان مفتون بولده؛لأنه ربما عصى الله تعالى بسببه،وتناول الحرام لأجله ، ووقع في العظائم إلا من عصمه الله تعالى ) [12].

    3- التحاسد والتدابر والتباغض، بل والتقاتل على الدنيا وأموالها.

    يقول الإمام ابن رجب- رحمه الله تعالى-: في تعليقه على حديث "ما الفقر أخشى عليكم " السابق ذكره:

    فلما دخل أكثر الناس في هاتين الفتنتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخواناً متحابين متواصلين؛ فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدنيا وزهرتها ،وصارت غاية قصدهم : لها يطلبون ، وبها يرضون، ولها يغضبون، ولها يوالون، وعليها يعادون، فتقطعوا لذلك أرحامهم، وسفكوا دماءهم، وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك [13].

    4- الوقوع في صفتين ذميمتين بسبب الأموال والأولاد هما : البخل والجبن، وقد نبه الرسول r عليهما بقوله : ((إن الولد مبخلة مجبنة)) [14].

    والبخل يدفع للوقوع في المال الحرام، وإلى أن تمنع الحقوق الواجبة، وهذا هو الشح المذموم الذي قال الله عز وجل عنه: (( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) [التغابن:16].

    وهو الذي حذر منه الرسول rبقوله :" اتقوا الشح ؛ فإن الشح أهلك من كان قبلكم : أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا [15].

    كما أن من الفتنة بالأولاد الوقوع في الجبن والخوف والذي بدوره يصد عن القيام بواجب الدعوة والجهاد والهجرة كما مر بنا في آية التغابن السابقة؛ ذلك لما يصيبهم من العنت والمشقة بغيابه عنهم، وقد يحتمل الداعية الأذى والعنت على نفسه في سبيل الله- عز وجل- لكن القليل من يحتمله في أهله وأولاده؛ خاصة إذا تعرض لما يبعده عنهم كالسجن والتشريد.

    يقول سيد قطب رحمه الله تعالى: (هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً وقد يهتفون به ليسالم أو ليستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك)[16].

    وفي هذا فتنة واختبار للداعية؛ ولا يثبت إلا من ثبته الله- عز وجل- وعصمه بصدق التوكل عليه وحسن الظن به،والوثوق برحمته وحفظه له ولأولاده.

    وأسوق بهذه المناسبة رواية ذكرها الإمام الذهبي- رحمه الله تعالى- في السير تكشف لنا أثر الأولاد في تثبيت الداعية على عقيدته.

    عن الهيثم بن خلف الدوري : أن محمد بن سويد الطحان حـدثه قال: كنا عند عاصم بن علي ومعنا أبو عبيد، وإبراهيم بن أبي الليث وجماعة، وأحمد بن حنبل يضرب، فجعل عاصم يقول: ألا رجل يقوم معي، فنأتي هذا الرجل، فنكلمه؟ قال: فما يجيبه أحد، ثم قال ابن أبي الليث: أنا أقوم معك يا أبا الحسين، فقال: يا غلام: خفي. فقال ابن أبي الليث: يا أبا الحسين أبلغ إلى بناتي، فأوصيهم. فظننا أنه ذهب يتكفن ويتحنط، ثم جاء، فقال: إني ذهبت إليهن، فبكين، قال: وجاء كتاب ابنتي عاصم من واسط: يا أبانا! إنه بلغنا أن هذا الرجل أخذ أحمد بن حنبل، فضربه على أن يقول: القرآن مخلوق، فاتق الله، ولا تجبه، فو الله لأن يأتينا نعيك أحب إلينا من أن يأتينا أنك أجبت [17].

    5- البغي والتكبر على الناس:

    قال الله عز وجل: ((وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)) (سورة الشورى: 27) .

    وقال تعالى: (( كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى)) [العلق:6-7].

    والآيات في هذا كثيرة، والتجارب شاهدة بذلك، فإن أغلب من ينعم الله عز وجل عليهم بكثرة الأموال والأولاد يظهر عليهم البطر والتعالي على الناس إلا من رحم الله- عز وجل- وهذه من أعظم الفتن بالأموال والأولاد.

    6- هناك من الناس من يعذب بماله وولده في الدنيا قبل الآخرة، وتتحول عنده هذه الأمور التي يحبها الناس ويحرصون على تكثيرها من كونها مصدر نعمة وسعادة إلى أن تكون مصدر نقمة وشقاء وعذاب. وكم صرح كثير من أرباب الأموال والأولاد بهذه الحال، واعترفوا بما يعانونه من النكد والشقاء والعذاب بسبب أموالهم وأولادهم حتى أصبح لا يقر لهم قرار، ولا يهنأ لهم بال، ولا يخشعون في صلاة، ولا تطيب أنفسهم بإخراج الزكوات والصدقات، فهل بعد هذا من فتنة ؟

    نعوذ بالله من هذه الحال. وصدق الله العظيم: ((وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ))(سور التوبة :85).

    وهذه الآية وإن كانت في المنافقين الكافرين إلا أنه يمكن الاستشهاد بها في هذا المقام للحذر من هذه النهاية.

    اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] تفسير البغوى عند الآيتين (14، 15) من سورة التغابن.

    [2] أبو داود في الصلاة (9 0 1 1) والترمذى في المناقب (3776) وقال: حسن غريب وصححه الألباني في صحيح الجامع (3757).

    [3] في ظلال القرآن عند الآية (14، 15) من سورة التغابن.

    [4] مسلم. ك . الزهد (2962).

    [5] البخا ري 6/ 258، ومسلم 4/ 3274.

    [6] مسلم. ك. الإيمان (118) والترمذى في الفتن (2196).

    [7] البخا ري . ك .البيوع (2083).

    [8] البخارى في الجنائز (1274) (1275).

    [9] المطالب العالية 3/ 160.

    [10] المطالب العالية 3/ 204.

    [11] أورد هذه الأقوال الإمام ابن رجب- رحمه الله تعالى- في شرحه لحديث (ما ذئبان جائعان) ت. محمد حلاق ص 26.

    [12] إغاثة اللهفان 1/160 .

    [13] كشف الكربة ت .بدر البدر ص23 .

    [14] ابن ماجه . ك. الأدب (3660) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (2957) .

    [15] أبو داود 2/ 324 (1698).

    [16] في ظلال القرآن. عند الآية (1) من سورة العنكبوت.

    [17] سير أعلام النبلاء9 / 244.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{فتنة المعاصي وفشوا المنكرات وترك إنكارها }

    فتنة المعاصي وفشوا المنكرات وترك إنكارها



    والمقصود هنا بالمعاصي والمنكرات : تلك المخالفات التي يقع فيها الناس من ترك للواجبات، أو فعل للمحرمات، إتباعاً للهوى والشهوات، أو هي مزيج من الشبهات والشهوات، يسوغ فيه المخالفات والتنازلات، ويمكن حصر الحديث عن هذه الفتنة فيما يلي:

    1- فتنة انتشار الفساد وفشو المنكرات وترك إنكارها.

    2- فتنة إنكارها بلا ضوابط شرعية، ودون مراعاة للمصالح والمفاسد.

    أولاً: فتنة فشو المنكرات وانتشار الفساد وعدم إنكار ذلك:

    ورد في كتاب الله عزوجل آيات عديدة، تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحذر من خطر المعاصي وتركها بلا إنكار، فمن ذلك:

    قوله تعالى: (( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )) [آل عمران:104] .

    وقوله تعالى: (( فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ.وَم ا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)) [هود:116- 117]

    وقوله تعالى: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)) [الأعراف:165].

    وقوله تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُون َ وَالْمُؤْمِنَات ُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [التوبة:71] .

    وأما الأحاديث فكثيرة ومتنوعة، من أشهرها:

    * قوله r: (( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان )) [1] .

    * وعن أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- أنَّهُ خطب على منبر رسول الله r، فقال: ((يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية (( يأيها الذين آمنوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )) وتضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله r يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده )) [2].

    ولشيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- كلام نفيس على الآية الكريمة يقول فيه :

    وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدي الواجب من الأمـر والنهي وغيرهما، ولكن في الآية فوائد عظيمة:

    أحدها: أن لا يخاف المؤمن من الكفار والمنافقين؛ فإنهم لن يضروه إذا كان مهتدياً.

    الثاني: أن لا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم؛ فإن معاصيهم لا تضره إذا اهتدى، والحزن على ما لا يضر عبث، وهذان المعنيان مذكوران في قوله: (( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)) [النحل:127] .

    الثالث: أن لا يركن إليهم، ولا يمد عينه إلى ما أتوه من السلطان والمال والشهوات، كقوله: (( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ)) [الحجر:88] .

    فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندهم في آية، ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم في آية، فإن الإنسان قد يتألم عليهم ومنهم، إما راغباً وإما راهباً.

    الرابع: أن لا يتعدى على أهل المعاصي بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمهم، أو نهيهم أو هجرهم، أو عقوبتهم؛ بل يقال لمن اعتدى عليهم: عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت، كما قال: (( وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ )) [المائدة:2]الآية.

    وقال: (( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُم ْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [البقرة:190] .

    وقال: (( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)) [ البقرة:193] .

    فإن كثيراً من الآمرين والناهين قد يتعدى حدود الله إما بجهل وإمـا بظلم، وهذا بابٌ يجب التثبت فيه، وسواءً في ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين أو الفاسقين أو العاصين.

    الخامس : أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع، من العلم والرفق، والصبر، وحسن القصد، وسلوك السبيل القصد؛ فإن ذلك داخل في قوله: ((عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ)) وفي قوله (( إِذَا اهْتَدَيْتُمْ )) [المائدة:105].

    فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمورٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها المعنى الآخر، وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علماً وعملاً، وإعراضه عما لا يعنيه، كما قال صاحب الشريعة: (( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) [3].

    ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة) [4] ا. هـ.

    وعن أبي موسى- رضي الله عنه- عن النبي r قال:

    (( إنه كان من قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل فيهم العامل الخطيئة، فنهاه الناهي تعذيراً، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه،كأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله تعالى ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على أيدي المسيء، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم)) [5].

    وعن عبد الله بن عمرو- رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله r يقول: (( إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت الظالم؛ فقد تودع منهم)) [6].

    وعن زينب بنت جحش- رضي الله عنها- أن النبي r دخل عليها فزعاً يقول: (( لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه- وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها- فقالت زينب بنت جحش: قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث)) [7] .

    وعن العرس بن عميرة قال: قال رسول الله r: (( إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تعمل الخاصة بعمل تقدر العامة أن تغيره ولا تغيره، فذاك حين يأذن الله في هلاك العامة والخاصة )) [8].

    أما عن مواقف السلف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحذيرهم من تركه فكثيرة نقتبس منها مايلي:

    عن ابن أبي أويس، عن أبيه : عن الوليد بن داود بن محمد بن عبادة ابن الصامت عن ابن عمه عبادة بن الوليد، قال: كان عبادة بن الصامت مع معاوية، فأذن يوماً، فقام خطيب يمدح معاوية، ويثني عليه، فقام عبادة بتراب في يده، فحشاه في فم الخطيب، فغضب معاوية، فقال له عبادة: إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله r بالعقبة، على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومكسبنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لائم، وقال رسول الله r: (( إذا رأيتم المداحين، فاحثوا في أفواههم التراب )) [9].

    عن شريك عمن أخبره: أن علياً- رضي الله عنه- قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم) [10].

    وعن عبد الملك بن الربيع قال: قال ابن مسعود- رضي الله عنه-: (إنها ستكون هنات وهنات؛ بحسب امرئ إذا رأى أمراً لا يستطيع له تغييراً أن يعلم الله أن قلبه له كاره) [11] .

    وعن خالد بن سعد مولى أبي مسعود قال: دخل أبو مسعود على حذيفة- رضي الله عنه- وهو مريض، فأسنده إليه فقال له أبو مسعود: أوصنا قال: (إن الضلال حق الضلالة، أن تعرف ما كنت تنكره، وتنكر ما كنت تعرفه، وإياك والتلون في دين الله) [12].

    وعن طارق بن شهاب قال: جلد خالد بن الوليد رجلاً حداً، فلما كان من الغد جلد رجلاً آخر حداً، فقال رجل: هذه والله الفتنة، جلد أمس رجلاً في حد، وجلد اليوم رجلاً في حد، فقال خالد : (ليس هذه بفتنة، إنما الفتنة أن تكون في أرض يعمل فيها بالمعاصي، فتريد أن تخرج منها إلى أرض لا يعمل فيها بالمعاصي فلا تجدها) [13].

    وعن عبد العزيز بن أبي بكرة : أن أبا بكرة تزوج امرأة من بني علاثة، وأنها هلكت، فحملها إلى المقابر، فحال إخوتها بينه وبين الصلاة عليها، فقال لهم: لا تفعلوا فإني أحق بالصلاة منكم، قالوا: صدق صاحب رسول الله r فصلى عليها، ثم إنه دخل القبر، فدفعوه دفعاً عنيفاً، فوقع فغشي عليه، فحمل إلى أهله، فصرخ عليه يومئذ عشرون من ابن وبنت له.

    قال عبد العزيز: وأنا يومئذ من أصغرهم، فأفاق إفاقة فقال لهم: لا تصرخوا علي، فو الله مـا مـن نفس تخرج أحب إلي من نفس أبي بكرة، ففزع القوم، فقالوا له: لما يا أبانا ؟ فقال: (إني أخشى أن أدرك زماناً لا أستطيع أن آمر بمعروف ولا أنهى عن منكر، ولا خير يومئذ) [14].

    وعن الأوزاعي : حد ثني أبو كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه، فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؟ فرفع رأسه، ثم قال: أرقيب أنت علي! لو وضعتم الصمصامة على هذه- وأشار بيده إلى قفاه- ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله r قبل أن تجيزوا علي لأنفذتها [15].

    وهذا غيض من فيض من مواقف السلف- رحمهم الله تعالى- في إنكار المنكر وقول كلمة الحق، فيا ليتنا حين نتكلم عن صبر السلف على ولاة الجور وتحذ يرهم من الخروج عليهم- وهذا حق ومن أصول السلف- ليتنا إذا تكلمنا عن هذا الجانب الحق في مواقف السلف أضفنا إليه مواقفهم الصلبة في قول الحق، وإنكار المنكر، لا يخافون في الله لومة لائم، وهذا من الوفاء لهم، وحجب هذه الجوانب المشرقة عن الناس فيها عقوق للسلف وتضليل للناس.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] مسلم 6911. ك. الإيمان (باب كون النهي عن المنكر من الإيمان).

    [2] سنن أبي داود 17314 ك الملاحم. باب الأمر والنهي.

    [3] الترمذي في الزهد (2317) (2318) وابن ماجة في الفتن (3976).

    [4] مجموع الفتاوى 14 / 480- 482.

    [5] أورده الهيثمي في مجمع الزوائد7/531 وعزاه إلى الطبراني وقال: رجاله رجال الصحيح.

    [6] أورده الهيثمي في مجمع الزوائد7/531 وعزاه إلى أحمد والطبراني والبزار وقال: أحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح.

    [7] متفق عليه: البخاري- كتاب أحاديث الأنبياء، (7) باب: قصة يأجوج ومأجوج (ح 3346) [فتح (6/ 0 44)]، ومسلم- كتاب الفتن (ح. 288) (4/ 57 22).

    [8] أورده الهيثمي في مجمع الزوائد7/528وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

    [9] سير أعلام النبلاء712. وحد يث (إذا رأ يتم المداحين...) رواه مسلم (3002).

    [10] المطالب العالية 3/210.

    [11] المطالب العالية 3/211.

    [12] المصدر السابق 3/ 211.

    [13] كنز العمال 11 / 235.

    [14] مجمع الزوائد 7/ 550 وقال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

    [15] سير أعلام النبلاء2/ 64.
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العويو بن ناصر الجليل{خطر فتنة المنافقين وظهورهم }

    خطر فتنة المنافقين وظهورهم



    عندما يتمكن الكفار الصرحاء ويظهرون على المسلمين، فإنَّ في هذا فتنة ومصيبة ولا شك، ولكن أعظم منها فتنة عندما يتمكن المنافقون المبطنون للكفر والزندقة والمظهرون للإسلام والانتساب إليه، كما هو الحال في تمكن العلمانيين في أكثر بلدان المسلمين، أو تمكن دولة الرفض الخمينية التي تخدعُ الناس الجهلاء بحبِ آل البيت وحب الإسلام، وهي تبطن كره الإسلام الحق، وتبغض السنة وأهلها، وتتمنى ذلك اليوم الذي تظهر فيه على أهل الإسلام؛ فلا ترقب فيهم إلاً ولا ذمة، وأوضح مثال لذلك ما قصهُ التاريخ الموثق علينا عن دور الرافضة في دخول التتار إلى ديار المسلمين، والأفاعيل الشنيعة التي فُعلت بالمسلمين في بغداد وغيرها؛ وكان من أسباب ذلك ممالأة ابن العلقمي الرافضي وطائفته لرئيس التتار، وخيانته للخليفة العباسي الذي كان قد استوزره وقربه.

    والسبب في كون فتنة المنافقين أشدُّ من الكفار، هو أنَّ الكافر يعرفه الناس ويأخذون الحذر منه، ويبقى في النفوس بغضه وترقب اليوم الذي يزول فيه. أما المنافق الخادع للناس باسم الإسلام فقد يحبُهُ أكثر الناس وينخدعون به، فلا يبقى في النفوس بغضه وتمني زواله، فينشأ من ذلك فتنة وفساد كبير.

    ومن أخطر صور الفتنة بالمنافقين، صورة رئيسية واحدة، تنبثق منها كل أشكال الفتنة بالمنافقين ألا وهي:

    فتنة الخداع والتلبيس [1]

    وهي من أشد أنواع الفتن وبخاصة في عصرنا الحاضر، الذي تسلط فيه المنافقون على أكثر ديار المسلمين، وتمكنوا من وسائل التأثير والإعلام، التي تعمل ليل نهار في خداع الناس باسم الإسلام والاحتفالات بمناسباته، وهم الذين أقصوا الإسلام عن الحكم والتحاكم، وهم الذين يسعون لتشويهه وإظهاره للناس بأنَّه صلةً بين العبد وربه، ولا دخل له بعد ذلك في شئون الحياة الأخرى.

    ومن صور فتنة الخداع والتلبيس ما يلي :

    ا- تسويغهم عزل الإسلام عن الحياة الاقتصادية والسياسية وغيرها من شئون الحياة، بقولهم: إنَّ دين الإسلام دين الصدق والنظافة والتقوى،

    وكل هذا لا يتفق مع ألاعيب السياسة، ومهاترات السياسيين وأكاذيبهم؛ فلهذا ينبغي أن يترفع بالإسلام عن دهاليز السياسة المتلوثة؛ كل ذلك بزعمهم حمايةً للإسلام ومحافظة عليه من هذه اللوثات، ومع ذلك فقد يوجد من ينخدع بمثل هذا الكلام الفارغ الفاجر، وبالتالي يسقط في فتنةِ التضليل والتلبيس.

    2- ومن صور الخداع والتلبيس التي قد ينخدع بها بعض السذج من الناس ويسقطون في فتنتها: ما يرفعهُ المنافقون في أكثر بلدان المسلمين، في وجه أهل الخير والإصلاح من أنهم دعاة شرٍ وإرهاب وفساد، وما تجلبه وسائل الإعلام المختلفة، وتدندن به على وصفهم ورميهم بهذه الأوصاف الظالمة، حتى تأثرت بذلك بعض الأدمغة المخدوعة، فسقطت في فتنتهم، ورددت معهم هذا الظلم والخداع، وبالتالي تعرض أهل الخير للأذى والنكال، باسم المصلحة الشرعية ومكافحة الإرهاب والفساد؛ وذلك بعد أن تهيأت أذهان المخدوعين من المسلمين لهذا الخداع والتلبيس.

    وصور التلبيس والتضليل من المنافقين كثيرة جداً؛ والمقصود الحذر من فتنتها والسقوط في شباكها، والتفطن إلى أنَّ المنافقين يستخدمون الإسلام دائماً ويتترسون به في تمرير ما يُريدون من أغراضهم الخبيثة؛ فهذا شأنهم دائماً: التحريف، والتلبيس، وإثارة الشبهات، مستخدمين وسائل الإعلام الرهيبة في خداع الناس وتضليلهم، ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث قال: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني) ويعلق ابن القيم- رحمه الله تعالى- على هذه المقالة فيقول: (فكان عمر- رضي الله عنه- أورع من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع) [2] .

    3- اهتمام الحكومات العلمانية ببعض المناسبات الإسلامية، كالاحتفال بمولد الرسول e وهجرته، أو ليلة النصف من شعبان، أو الإسراء والمعراج، إلى آخر هذه المناسبات التي لا أصل للاحتفال بها شرعاً، وإنَّما هي من البدع المحرمة؛ ومع ذلك ينخدع بهذا التلبيس كثيرٌ من دهماء المسلمين، وتتحسن صورة أولئك المنافقين الذين يُضللون الناس بهذا الخداع، ويبدون في أعين المخدُوعين أنَّهم يحبون الإسلام ويغارون عليه، وهم أبعد ما يكونون عن الإسلام وأهله، وهل يحب الإسلام ويعتز بالانتماء إليه من يرفض الحكم به والتحاكم إليه، ويبدل شرع الله المطهر بنحاتات الأفكار، وزبالات الأذهان الجاهلة الظالمة؟ لا، والله إنَّ مثل هذا يكذب في ادعائه حب دين الإسلام؛ قال تعالى: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [آل عمران:31].

    فهل يعي هذا المخدوعون المضللون؟

    * ومما يدخل في هذه الصورة أيضاً من صور التلبيس، ما يقوم به بعض المنافقين المحادِّين لشرع الله عز وجل، من إقامةِ بعض المؤتمرات أو الندوات الإسلامية، ويدعون إليها بعض العلماءِ والدعاة، فيستجيب من يستجيب، ويرفض من يرفض، وكل هذا من ذر الرماد في العيون، وتخدير دعاة المسلمين بمثل هذه الصروح الخبيثة، التي هي أشبه ما تكون بمسجد الضرار، الذي بناه المنافقون في عهد الرسول e، وادعوا أنــَّه للصلاة وإيواء المسافرين في الليلة الشاتية المطيرة، فأكذبهم الله- عز وجل- وفضح نياتهم بقرآن يتلى إلى قيام الساعة، نهي فيه الرسول e عن دخوله والقيام فيه، بل أمر بتحريقه قال تعالى: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين َ)) [التوبة:107- 108]

    فهل آن الأوان أن نعي مثل هذه الفتنة والخداع، فلا نستجيب لمثل هذه الدعوات، ولا نقوم في مثل هذه المؤتمرات أبداً؟ بل قد آن الأوان إلى أن تفضح مثل هذه اللافتات، ويحذر الناس من شرها والوقوع في فتنتها؛ ويبين لهم أنَّها ضربٌ من الخداع، وصورةً من صور النفاق الماكر الخبيث.

    4- إظهارهم لفسادهم بمظهر الإصلاح وإرادة الخير بالأمة، كما قال الله عز وجل عنهم: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ)) [البقرة:11] .

    يقول سيد قطب- رحمه الله تعالى- عن هذه الآية:

    (إنَّهم لا يقفون عند حد الكذب والخداع، بل يضيفون إليهما السفه والادعاء : (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ))

    لم يكتفوا بأن ينفوا عن أنفسهم الإفساد، بل تجاوزوهُ إلى التبجح والتبرير: (( قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ )) .

    والذين يفسدون أشنع الفساد، ويقولون: إنَّهم مصلحون، كثيرون جـداً في كل زمـان، يقولونها؛ لأنَّ الموازين مختلة في أيديهم؛ ومتى ا ختل ميزان الإخلاص والتجرد في النفس، اختلت سائر الموازين والقيم، والذين لا يُخلصون سريرتهم لله يتعذر أن يشعروا بفساد أعمالهم؛ لأنَّ ميزان الخير والشر والصلاح والفساد في نفوسهم يتأرجحُ مع الأهواءِ الذاتية، ولا يثوبُ إلى قاعدة ربانية) [3] ا. هـ.

    * ومما يدخل في هذه الصورة من صور الخداع والتلبيس ما يستخدمه منافقو زماننا من تحريف لنصوص الشريعة، وتأويلات باطلة لها في تسويغ فسادهم ومواقفهم الجائرة؛ فهم مع جهلهم بأحوال الشريعة نراهم يخوضُون فيها بلا علم، إلا ما أشربوا من هواهم؛ فنراهم يسوغون الترخص بل التحلل من الشريعة بقواعد التيسير ورفع الحرج، وتغير الفتوى بتغير الحال والزمان، إلى آخر هذه القواعد التي هي حق في ذاتها، لكنهم خاضوا فيها بجهلٍ وهوى، فاستخدموها في غير محلها، فهي حقٌّ أريد بها باطل، ومع جهلهم بالشريعة وظهور القرائن التي تدل على خبث طويتهم، إلاَّ أنَّ هناك من ينخدع بهذه الشبه والتحريفات الباطلة، ومن عجيبِ أمر القوم أنَّهم يرفضون الحكم بما أنزل الله- عز وجل- والتحاكم إليه، ولا يذعنون له، ومع ذلك نراهم في أحيانٍ قليلة يرجعون إلى بعض الأدلة الشرعية ليمرروا ويبرروا من خلالها بعض فسادهم، أو مواقفهم الباطلة، فما حاجتهم إلى الشرع في هذه المرة وهم كانوا يكفرون به من قبل؟ إنَّهُ الهوى والخداع والتلبيس على الناس، قال تعـالى في فضـح هـذا الصنف مـن الناس: (( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ . أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) [النور:48-50] .

    فينبغي لكل مسلمٍ أن يحذرَ من شبه المنافقين وخداعهم، وأن يقول لهؤلاء الذين يسوغُون فسادهم بتحريف الأدلة الشرعية: ادخلوا في السلم كافة، وحكموا في الناس شرع الله- عز وجل- ورفضوا ما سواه؛ أما أن تنحوا شرع الله- عز وجل- عن الحكم، حتى إذا كان لكم هوى في تمرير فسادكم بشبهةِ دليل رجعتم إليه؛ فهذا الذي قال الله- عز وجل- عن أهله: (( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)) [البقرة: 85].

    5- موالاة المنافقين للكفار، وبخاصةٍ اليهود والنصارى، والإعجاب بنظم الغرب وتقاليده، وفتح الباب لفسادهم وأفكارهم، وهذه من أعظم فتن المنافقين التي طمت وعمت في أكثر بلدان المسلمين، مستخدمين في ذلك الخداعَ والتلبيس على الناس في ذلك، بدعوى المداراة وتحقيق المصلحة ودرء المفاسد، إلى آخر هذه التأويلات التي يُخادعون بها الناس لتسويغ توليهم للكفار؛ وقد ذكر الله- عز وجل- في كتابه الكريم أنَّ هذه صفة لازمه للمنافقين، قال تعالى: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُ مْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)) [الحشر:11].

    وقال عز وجل: (( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً.الَّذِ نَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)) [النساء:138-139] . فهل بقي بعد كلام الله- عز وجل- عذر لأحد في انخداعه بالمنافقين، الذين يتولون الذين كفروا من أهل الكتاب أو غيرهم؟ إنَّ خطر المنافقين على الأمة في القديم والحديث كبير، وفتنتهم شديدة؛ فما تمكن الكفار من بلدان المسلمين سواءً من الناحية العسكرية أو الفكرية إلا عن طريق المنافقين، الخادعين الخائنين لدينهم وأمتهم، فالواجب فضحهم والتحذير من شر فتنتهم.

    6- خداعهم لبعض المتحمسين لشرع الله وتطبيقه؛ وذلك بدعوتهم إلى مشاركات وطنية، ومجالس نيابية، يتعاون الجميع فيها على ما فيه صالح الوطن والمواطن كما زعموا، فيستجيب بعض الدعاة لهذا، وتجمعهم مع المنافقين الرافضين لشرع الله عز وجل مظلةً واحدة، فيعرض الإسلاميون فيها مطالبهم كما يعرض العلمانيون والرافضة والشيوعيون مطالبهم الكفرية؛ ومعلومٌ ما في ذلك من مداهنة وتعاون على الإثم والعدوان، واستجابةً لداعي الخداع والتلبيس الذي يتولى كبرهُ المنافقون الذين يُريدون من استجابة الإسلاميين لهم إضفاءَ صفةٍ الشرعية على مجالسهم ونظمهم التي يحكمون بها؛ وبالتالي يتخدر الناس ويستنيم المطالبون بتحكيم شرع الله- عز وجل- ما دام أنَّ للمسلمين صوتاً في هذه المجالس النفاقية الماكرة، ويا ليت أنَّ هُناك مصلحةً قطعيةً يمكنُ تحقيقها للمسلمين، تربو على المفاسد التي تنشأ من المشاركة، إذن لهان الخطب؛ لكن الحاصل من هذه التجارب هو العكس؛ حيث إنَّ المستفيد الأول والأخير هم العلمانيون المنافقون، وقد لا يكونُ المشارك من المسلمين غافلاً عن هذا الخداع، ولكنهُ يدخلُ بغرض إقامة الحجة والدعوة إلى تطبيق الشريعة ومعارضة كل ما يخالفها، ولكن هل هذا ممكن؟ وهل يسمح أهل الكفر والنفاق بذلك؟! الذي يغلبُ على الظن أنَّ أعداء الشريعة لن يسمحوا إلا بالكلام فقط؛ وإذا تجاوز الإسلاميون ذلك إلى العمل، وتجاوزوا الخطوط الحمراء المرسومة لهم، جاء دور الحديد والنار، وما تجربةُ الجزائر وتركيا عنَّا ببعيدتين.

    7- فتنة المنافقين داخل الصف الإسلامي:

    وهذا شأنُ المنافقين في كل زمان؛ فعندما تخفقُ جهودهم في الوقوف في وجه أهل الخير والصلاح، وعندما ينشط الدعاة، ويظهر أثرهم في الأمة؛ فإنَّ المنافقين يلجئون إلى وسيلةٍ ماكرةٍ، وفتنةٍ شديدة، ألا وهي التظاهر بالحماس للدعوة، والدخول في أوساط الدعاة مُظهرين التنسك والغيرة على الدين، والحرص على العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى ينخدع بكلامهم المعسول بعض الطيبين من الدعاة، فتحصل الثقة بهم، حتى إذا تمكنوا من مراكز التوجيه والدعوة بدءوا فتنتهم الكبرى على الدعوة وأهلها؛ مع استمرارهم في إظهار الخير والحماس لهذا الدين، وتسويغ ما يقومون به من الممارسات بالحرص على مصلحة الدعوة وتميزها وصلابتها.

    ومن أخطر صور الفتن التي تنشأ من هذا الصنيع ما يلي:

    أ- فتنة التفريق وإثارة العداوات بين دعاة الإسلام :

    وهذه من أعظم فتن المنافقين داخل الصف الإسلامي، وفي أوساط الدعوة إلى الله- عز وجل- وقد فضح الله- عز وجل- المنافقين الذين بنوا مسجد الضرار، وأظهر أهدافهم الخبيثة بقوله سبحانه: (( وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْل)) [التوبة:107].

    قال " المفسرون لهذه الآية:ا لأنَّهُم كانوا جميعأ يصلون في مسجد قباء؛ فبنوا مسجد الضرار ليُصلي فيه بعضهم، فيؤدى ذلك إلى الخلاف وافتراق الكلمة) [4] ا. هـ.

    وهذا الضرب من الفتن لا يحتاج إلى تدليل، فالواقع المر شاهدٌ بذلك، ومع أنَّ للافتراق أسباباً كثيرة كالجهل والهوى... إلخ؛ إلاَّ أنَّ أثر المنافقين الذين يدخُلون في صفوف الدعاة لا يجوز إغفاله والتهوين من شأنه، وكون الفرقة تحصل بين أهل طريقتين مختلفتين في الأصول، فإنَّ هذا الأمر واضحٌ ومعقولٌ ومقبول، أما أن يفترق أهل الطريقة الواحدة- طريقة أهل السنة والجماعة، وطريقة سلف الأمة- فهذا أمرٌ لا يعقل ولا يقبل، ولا يكونُ، وهناك يد خبيثة خفية وراء هذا الافتراق؛ فينبغي على الدعاة الحذر من هذه الأيدي والتفتيش عنها، وفضحها، وتطهير الصف المسلم منها. (وسيأتي الكلام عن فتنة التفرق والاختلاف في بحثٍ قادم، وبشكلٍ مفصل- إن شاء الله تعالى-).

    ب- فتنة التخذيل والتشكيك :

    وهذه أيضاً من أعمال المنافقين المندسين في الصف المسلم، حيث يسعون إلى بث فتنة التخذيل وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك بدعاوى وشبه شرعية خادعة، مؤداها توهينُ عزائم الدعاة وإضعاف هممهم، وبث الخوف في النفوس من الباطل وأهله، وتهويل قوة الأعداء وخططهم بصورةٍ تَبثُ اليأس في النفوس الضعيفة.

    ج- فتنة الإيقاع بالدعوة والدعاة:

    لا تقف مساعي المنافقين في إيصال الشر والأذى للدعوة وأهلها عند حد، فمن هذه المساعي الخبيثة التي يقُومُون بها داخل صفوف الدعاة بعد إظهار الحماس، وبعد كسب الثقة والسماع لأقوالهم كما قال تعالى: (( وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)) [المنافقون:4] .

    وتحت ستار الغيرةِ على الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله- عز وجل- فإنهم يبدءون في دفع بعض الدعاة إلى مواجهات مع الباطل وأهله، والزج بالدعوة في أعمالٍ خطيرةٍ تفتقد المستند الشرعي من جهة، وتؤدي بالدعوة وأهلها إلى الضمور والانكماش من جهةٍ أخرى، إن لم يقض عليها قضاءً مبرماً، وهذا هو ما يريده المنافقون الخادعون الذين قال الله- عز وجل- عن أمثالهم: (( لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )) [التوبة:47] .

    يقول الإمام البغوي- رحمه الله تعالى- عند تفسير هذه الآية:

    (( لَوْ خَرَجُوا)) يعني المنافقين ((فِيكُمْ)) أي معكم ((مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً)) ،أي: فساداً وشراً. ومعنى الفساد: إيقاع الجبن والفشل بين المؤمنين، بتهويل الأمر،((وَلَأَوْ ضَعُوا)) ، أسرعوا،((خِلالَك ُمْ )) ، وسطكم بإيقاع العداوة والبغضاء بينكم بالنميمة، ونقل الحديث من البعض إلى البعض، وقيل: (( وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ )) أي: أسرعوا فيما يخل بكم . ((يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)) , أي: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جمع لكم كذا وكذا، وإنَّكم مهزومون، وسيظهر عليكم عدُ وكم ونحو ذلك.

    وقال الكلبي: يبغونكم الفتنة يعني: العيب و الشر. وقال الضحاك: الفتنة الشرك، ويقال: بغيته الشر والخير أبغيهِ بغاءً إذا التمسته له، يعني: بغيت له.

    ((وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)).

    قال مجاهد : معناه وفيكم مُحبُون لهم، يُؤدون إليهم ما يسمعون منكم، وهم الجواسيس. وقال قتادة: معناه وفيكم مطيعون لهم، أي: يسمعون كلامهم ويطيعونهم. ((وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ )) [5]. ا. هـ.



    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] انظر لمزيد من الفائدة رسالة: (ولا تلبسوا الحق بالباطل) للمؤلف.

    [2] الرو ح ص 244.

    [3] في ظلال القرآن عند الآية (11) من سورة البقرة.

    [4] تفسير البغوى 4/ 93 ط. دار طيبة.

    [5] تفسير البغوى 4/ 56 ط. دار طيبة
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Apr 2008
    المشاركات
    224

    افتراضي مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل{ضع نفسك مكانه }

    ضع نفسك مكانه



    روى الذهبي رحمه الله في السير عن عقيل ، ومعمر ، عن الزهري ، حدثني أن المسور بن مخرمة أخبره أنه وفد على معاوية ، فقضى حاجته ، ثم خلا به ، فقال : يا مسور ! ما فعل طعنك على الأئمة ؟ قال : دعنا من هذا وأحسن . قال: لا والله ، لتكلمني بذات نفسك بالذي تعيب عليَّ. قال مسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا بينت له . فقال : لا أبرأ من الذنب . فهل تعُدُّ لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة فإن الحسنة بعشر أمثالها ، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان؟ قال : ما تذكر إلا الذنوب . قال معاوية : فإننا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه ، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر ؟ قال : نعم ، قال : فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني ، فو الله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي ، ولكن والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على ما سواه ، وإني لعلى دين يقبل فيه العمل ويجزى فيه بالحسنات ، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها قال: فخصمني قال عروة فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه([1]) .

    من هذا الحوار الجميل المؤدب بين صحابيين جليلين من أصحاب النبي e قد كان في نفس كل منهما شيء على الآخر نستنبط أمراً مهماً في التربية ومعالجة الأخطاء لو سرنا عليه في عتاب بعضنا لبعض لاختفت كثير من مفسدات الأخوة وذات البين ولسلمت القلوب المخلصة من الإحن والأحقاد والشحناء والأهواء .

    وهذا الأسلوب التربوي المعني هنا مأخوذ من الحوار السابق وذلك لما ذكر المسور بن مخرمة لمعاوية رضي الله عنه كل ما يعرفه من أخطاء معاوية . قال له معاوية 콴 : فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر ؟ قال : نعم، فقال معاوية : فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق مني فو الله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي .. إلخ .

    فهذا هو الشاهد من هذا الحوار المناسب لهذه المقالة المعنون لها بـ(ضع نفسك مكانه ) .

    وعندما يمارس الواحد منا هذا الأسلوب التربوي في عتابه للناس ومعالجة أخطائهم [2] .

    فإن الوئام والألفة ستحل محل الفرقة والشحناء والبغضاء وهذا الأسلوب ينفع مع مختلف طبقات الناس وشرائحهم كما يتضح ذلك من الصور التالية :

    - ما يكثر من الخلافات العائلية في كثير من البيوت وذلك بين الزوج وزوجته ، أو بين الوالد وولده ، أو بين الأخ وأخيه ، أو بين الرجل وقرابته ، حيث تؤدي كثير من هذه الخلافات بفعل الممارسات الخاطئة لعلاج الخطأ والأسلوب الغالظ للعتاب إلى نهايات مؤسفة قد تكون طلاقاً أو قطيعة وهجراناً أو ظلماً وعدواناً .

    بينما لو أخذ بالأساليب الشرعية لمعالجة الخطأ ومن بينها هذا الذي طبقه معاوية 콴 وعبرت عنه بمصطلح (ضع نفسك مكانه) .

    أقول : لو طبق هذا الأسلوب مع الأساليب الشرعية الأخرى واختفت حظوظ النفس لساد الوئام ووضع الخطأ في حجمه الطبيعي وأمكن محاصرته وعلاجه .

    فمثلاً لو أن الزوجة أخطأت على زوجها أو في بيتها خطأً معيناً وتأكد الزوج من ذلك فإن مما يخفف غضب الزوج وشدة عتابه لزوجته أن يبحث عن الملابسات التي أحاطت بالزوجة حتى وقعت فيما وقعت فيه من الخطأ ثم يضع نفسه مكان زوجته عندما أحاطت بها هذه الملابسات فماذا عساه أن يعمل.

    ثم ينظر إلى ضعف عقل المرأة وطبيعتها ، ثم يحاسب نفسه فيما لو وقع في نفس الخطأ الذي وقعت

    فيه زوجته هل محاسبته ومعاتبته لنفسه بنفس القوة والنقد الذي يوجهه إلى زوجته، إن كل هذه التساؤلات ستقلل من حجم الخطأ وتدفع الزوج إلى معالجته معالجة شرعية تتسم بالعدل والتأني والرغبة في الإصلاح وليس مجرد التشفي وتنفيس الغيظ.

    ولا يعمي هذا التغاضي عن الأخطاء وتبريرها وعدم إصلاحها كلا. ولكن المقصود معالجتها بعدل وإنصاف ووضع النفس مكان من صدر منه الخطأ والملابسات التي أحاطت بصاحب الخطأ حتى توضع الأمور في حجمها الطبيعي من غير تهويل وتضخيم .

    ومثل هذا يقال للزوجة في معالجتها لخطأ زوجها، وللوالد مع ولده والقريب مع قريبه وكذلك ما يحصل بين عامة الناس وأصحاب المهن المشتركة من خلافات وأخطاء.

    - ما يحصل من بعض الأخطاء التي يقع فيها بعض العلماء أو طلبة العلم أو الدعاة والتي ينجم عنها لغياب المعالجة الشرعية العادلة كثير من العدوان والشحناء والغيبة والأحقاد .

    ولو أننا طبقنا هذا الأسلوب المشار إليه آنفاً في معالجة الخطأ ، ووضع الناقد نفسه مكان صاحب الخطأ وبحث عن الملابسات التي أحاطت به في خطئه لتطامن النقد وعذر صاحب الخطأ إن وجد له عذراً أو أنه يضع خطأه في حجمه الطبيعي من غير تضخيم وتهويل ،

    وكذلك لو حاسب الناقد نفسه فيما لو صدر منه الخطأ الذي صدر من العالم أو الداعية الفلاني فهل مؤاخذته لنفسه بنفس القوة التي يوجهها لغيره ؟ لأن مثل هذه المحاسبة تعد من أسباب التطامن والإنصاف .

    وكما قال معاوية للمسور رضي الله عنهما عندما عرفه ببعض أخطائه قال له : فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تغفر ؟ قال : نعم .

    فكذلك الدعاة وأهل العلم في معالجتهم لأخطاء بعضهم ، فلو أن الناقد انتبه لنفسه وما هي عليه من الأخطاء والذنوب لكان في ذلك من التطامن والتواضع مع صاحب الخطأ ما يجعل الناقد يضع الخطأ في حجمه المعقول ويعامل صاحب الخطأ بالعدل والمحبة والإصلاح بعيداً عن حظوظ النفس والأهواء ، فإذا أضيف إلى ذلك وجود الخير الكثير والإصلاح عند الشخص المتقد صار أيضاً من دواعي اضمحلال خطئه في بحر حسناته .

    وهذا ما أشار إليه معاوية 콴 بقوله للمسور 콴 : فو الله ما ألي من الصلاح أكثر مما تلي .

    ولا يعني هذا تمرير الأخطاء وتبريرها وإنما يعني معالجتها معالجة عادلة تضع الخطأ في مكانه الطبيعي ولا تنسى حسنات المخطئ كما لا ينسى الناصح أن له عليه ذنوباً كما على غيره، والسعيد من لم تشغله

    عيوب الناس عن عيوب نفسه .

    - ما يصدر من أهل الابتلاء كالمرضى والفقراء والمسجونين والمهمومين والمحزونين وغيرهم من المواقف التي يعدها أهل الرخاء والعافية مواقف خاطئة لكن ما إن تطبق القاعدة المشار إليها آنفاً في معالجة الخطأ وهي قاعدة ( ضع نفسك مكانه ) فيضع من هو معافى في دينه ودنياه نفسه مكان المبتلى ويحاول أن يتصور الظروف التي تحيط بصاحب المصيبة إلا ولا بد أن يكون لذلك أثر على النظرة إلى هذه المواقف التي يعتبرها خاطئة فإما أن يظهر لـه أنه معذور بسبب الملابسات التي أحاطت به فكما قيل ويل للشجي من الخلي ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، أو أنه يظهر له الخطأ في حجمه الطبيعي فيعالجه معالجة من يعرف ملابساته وأسبابه التي أدت إلى ضعف المصاب وقيامه بمواقف خاطئة تقدر بقدرها وتعالج معالجة من يعرف ضعف الإنسان أمام الأقدار المؤلمة إلا من رحم الله تعالى ، ولا يدري المعافى لو كان مكان المصاب ماذا عساه أن يفعل .

    نسأل الله عز وجل الثبات والعافية .

    - كما تنفع هذه القاعدة في مساعدة المحتاجين والملهوفين ممن تعوزهم الحاجة إلى المال أو الجاه أو تفريج هم أو إغاثة ملهوف قد انقطعت به السـبل أو جائع أو عطشان أو غريب تائه عن الطريق أو

    مسافر قد تعطلت دابته... الخ.

    ذلك أن الإنسان عندما يضع نفسه مكان أصحاب هذه الحاجات ويتصور حجم المعاناة التي يعانيها الملهوف والمكروب والجائع والمنقطع.. إلخ . كما يتصور أيضاً وقع الإعانة لهؤلاء في نفوسهم وأثرها عليهم وأجرها عند الله عز وجل ، كل ذلك مما يجعل الإنسان يهب لقضاء حاجات الملهوفين والمحتاجين .

    ولا يظهر التفاعل مع حاجات المحتاجين كما يظهر عند من مرت به حاجة من الحاجات في حياته كمرض احتاج فيه إلى من يواسيه ويقوم برعايته فيه أو فقير احتاج فيه من يساعده ويهتم بحاله فيه أو انقطعت به دابته أو سيارته فاحتاج من يصلحها له ويساعده على مواصلة الطريق .. الخ .

    إن كل من مرت به حاجة من الحاجات ثم عافاه الله منها ورأى بعد ذلك من وقع فيما وقع فيه من الحاجة فإن هذا من أكبر الدوافع التي تدفع إلى مساعدة المحتاج وإغاثة الملهوف لأنه قد وضع نفسه مكان المحتاج وتصور الظرف الذي يمر به المحتاج وأنه قد مر عليه مثله .

    وإن هذه القاعدة تنفع مع كل ذي كبد رطبة وليست مع الإنسان وحده ، وإذا أخلص العبد في إعانته للمحتاج وأراد وجه الله عز وجل فإن الله سبـحانه يشكر لـه صنيعه ويجـازيه عليه الجنة ،

    فعن أبي هريرة 콴 أن رسول الله e قال : (( بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش ، فوجد بئراً فنزل فيه فشرب ، ثم خرج ، فإذا كلب يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، فقال الرجل : لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني ، فنزل البئر فملأ خفه ماءً ثم أمسكه بفيه حتى رقي ، فسقى الكلب ، فشكر الله له فغفر له ، قالوا : يا رسول الله إن لنا في البهائم أجراً ؟ قال : في كل كبد رطبة أجر ))[3] .

    وكما يظهر من هذا الحديث نلاحظ أن الرجل الذي سقى الكلب قد طبق القاعدة التي نحن بصددها وهي (ضع نفسك مكانه) .

    فهل يعي هذا الأمر أولئك الذين لا يبالون بحاجات المحتاجين ولا بإغاثة الملهوفين المكروبين ؟ وهلا حمدوا الله عز وجل وشكروه على العافية ووضعوا أنفسهم مكان المحتاجين ومعاناتهم ؟ فإن الله عز وجل قادر على أن يعافي غيرهم ويبتليهم .

    نسأل الله العافية والسلامة .


    --------------------------------------------------------------------------------

    [1] سير أعلام النبلاء 3 / 151 .

    [2] والمقصود بالأخطاء هنا تلك التي تحصل من الإنسان بحكم ضعفه وتغلب هواه عليه أحياناً وتكون فلتة منه وليست إصراراً ومكابرة وعناداً .

    [3] البخاري : 5 / 31 ، مسلم ( 2244 ) .
    أنـا مسلم جرمي بأني كــافر بشريعة قـد حكّمت كـفارا
    نقموا علـيّ بأنني لم أنحـرف عن شرع ربٍ يحفظ الأبرارا

  15. #15
    تاريخ التسجيل
    Sep 2010
    المشاركات
    171

    افتراضي رد: مقالات الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل

    بارك الله فيك

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •