الحكمة من اختلاف بعض الروايات
تابعونا على المجلس العلمي على Facebook المجلس العلمي على Twitter

النتائج 1 إلى 14 من 14
8اعجابات
  • 1 Post By حسن المطروشى الاثرى
  • 2 Post By أحمد القلي
  • 1 Post By أبو مالك المديني
  • 1 Post By أبو مالك المديني
  • 1 Post By سلمان بن محمد
  • 1 Post By محمد طه شعبان
  • 1 Post By أحمد القلي

الموضوع: الحكمة من اختلاف بعض الروايات

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي الحكمة من اختلاف بعض الروايات

    السؤال:
    قرأت عندكم الجمع بين أحاديث خلود المنتحر ، ورحمة الله له بأن أهل الكبائر أمرهم إلى الله ، إن شاء عذبهم على قدر ذنبهم ثم يدخلهم الجنة ، أو يغفر لهم دون عذاب . سؤالي : إذًا لماذا لم يُنهِ رسولُنا الكريم صلى الله عليه وسلم هذه الإشكالية ، بدلا من إخبارنا أن المنتحر " مخلد " يبين لنا أن المنتحر أمره إلى الله ؟ أعني لماذا استخدم رسولنا الكريم لفظ مخلد ؟ وكذلك الحال في أحاديث بيع القطط ، والنهي عن بيعها ، لماذا هذا التعارض ؟ وكذلك حديث ( رجل وجد كلبا فسقاه الماء )، وفي رواية أخرى ( بغي ) ، ما سبب هذا التعارض . حسب علمي لا يوجد منسوخ في نص المنتحر ، والمرأة البغي مع الكلب ؟ أرجو منكم مساعدتي في دحض هذه الشبهات التي في داخلي ، وفرج الله عنكم .


    الجواب :
    الحمد لله
    الجواب عن هذا السؤال هو الجواب ذاته عن الحكمة الإلهية في تنزيل النصوص المتشابهة ظاهريا ، سواء في ذلك نصوص الكتاب الكريم أم السنة النبوية .
    وهي الحكمة ذاتها التي تستكمل حكمة الخلق كله ، في قول الله عز وجل : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) الملك/2.
    ذلك أن الحياة الدنيا جبلت على سنة الابتلاء والاختبار ، في كل تفاصيلها اختبار ، وفي جميع شهواتها وملذاتها ومصاعبها وأفراحها وأحزانها : محنة متوازنة للإنسان ، فقد تميز الإنسان عن سائر الخلق بالروح والإرادة الحرة .
    وقد اختار الله عز وجل أن تكون الشريعة الإسلامية أيضا جزءا من هذا " الابتلاء المعرفي ":
    فأنزل فيها المحكمات والثوابت التي لا تشتبه على أحد ، ولا تحتمل التبديل والتغيير والتأويل ، سواء في أركان الإيمان ، أم أركان الإسلام ، أم مقاصد الشريعة ، ومقاطع الإجماع .
    وأنزل أسباب الاجتهاد في بعض فروع الإسلام ، العلمية أو العملية ، كي يجتهد العلماء والفقهاء والمفسرون في البحث والنظر والتأمل ، وتتنوع آراؤهم وأقوالهم إثراء لهذا الدين ، وفسحة لأتباعه في كل زمان ومكان ، كي يتمكنوا من استخراج كنوزه وتفجير معارفه ، وليتمكنوا أيضا من تحكيمه بينهم ، واستنباط ما يناسب ظرفهم بقوانين الاجتهاد المنضبطة .
    يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
    " الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه : لو كان القرآن كله محكما : لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقا وعملا ؛ لظهور معناه ، وعدم المجال لتحريفه والتمسكِ بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله .
    ولو كان كله متشابها : لفات كونه بيانا ، وهدى للناس ، ولما أمكن العمل به ، وبناء العقيدة السليمة عليه .
    ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات ، يُرجع إليهن عند التشابه ، وأخر متشابهات ، امتحانا للعباد ، ليتبين صادق الإيمان ممن في قلبه زيغ ، فإن صادق الإيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى ، وما كان من عند الله فهو حق ، ولا يمكن أن يكون فيه باطل ، أو تناقض لقوله تعالى : ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصلت/ 42.
    وقوله تعالى : ( لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) النساء/ 82.
    وأما من في قلبه زيغ ، فيتخذ من المتشابه سبيلا إلى تحريف المحكم ، واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار ، والاستكبار عن الأحكام ، ولهذا تجد كثيرا من المنحرفين في العقائد والأعمال، يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة " انتهى من " أصول في التفسير " (ص: 45) .
    ومن هذا التأصيل نفهم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ) رواه البخاري (5778) ، ومسلم (109) صدر على وجه الابتلاء المعرفي ، تماما كما يقع الابتلاء في أوجه الحياة الأخرى ، في الصحة والمال والبدن وفي الطاعة والمعصية وفي كل تفاصيل الحياة ، ليخوض العلماء في تفسير هذا الحديث، فينال بعضهم الأجرين ، وينال آخرون أجرا واحدا لخطئهم في الاجتهاد ، ويصيب فريق ثالث من الإثم بسبب خوضهم بغير علم ولا هدى ، أو اتباعهم أهواءهم في الفهم والتفسير والتقرير ، بعيدا عن ضوابط العلم وقواعده .
    ولا يقف وجه الحكمة عند هذه النتيجة فحسب ، فمثل هذه النصوص ستؤدي إلى ولادة قواعد العلوم الشرعية كلها ، ونشوء أصولها وقيام سوقها ؛ لأن البلوغ إلى فهم هذا النص أو تفسير تلك الكلمة لا بد أن يتم عبر آليات العلم وقواعده ، وحينئذ ينشأ في الإسلام العلماء والفقهاء ، ويبني كل منهم على ما أسسه من قبله ، ويبذل عمره وفهمه وعقله في سبيل التحرير والتطوير والتحقيق ، فتكتب المصنفات ، وتتنوع المدارس ، وينتشر طلاب العلم في الآفاق ، وتدور عجلة المعرفة في العالم الإسلامي ، وفي التاريخ كله ، فتكتب الأجور ، ويقع الابتلاء ، وتتحقق حكم لا يدرك مداها وغورها إلا الله سبحانه وتعالى .
    وهذا لا يعني أن الله عز وجل قد ترك النص الشرعي موهما ملتبسا ، من غير علامات هدى ولا أمارات إرشاد ، وإلا لوقع الضلال في أكثر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولكننا في واقع الأمر نجد السواد الأعظم من هذه الأمة ، والتيار الأعم الأغلب من علمائها قد هدوا إلى طريق الحق والاستقامة ، ولم يتحرف عليهم الدين ، ولم تشتبه عليهم العقيدة ، وهذا من فضل الله عز وجل على أمتنا ، أن أصول الدين وثوابت الملة وأركان العقائد لم يقع فيها تبديل ولا تحريف على مستوى جسد الأمة الكبير ، وهذا أمر ظاهر للعيان ، وإنما دخل على الناس الشبهات بسبب ما يرونه من بعض الاختلافات ، لكن لو تأمل الجميع في المتفق عليه ، وفي أركان الإسلام والإيمان ، لوجدناها كلها محل اتفاق وإجماع والحمد لله .
    فلفظ ( الخلود ) مثلا في الحديث الشريف تفسره عشرات النصوص التي تدل على أن الله يغفر كل ذنب ما عدا الشرك به سبحانه ، وأن نفرا يسيرا قتلوا أنفسهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك لم يحكم عليهم بالكفر والردة ، وغسلوا وكفنوا وصلى عليهم الصحابة الكرام ؛ مما يعني أن معنى ( الخلود ) في الحديث الشريف ، هو: طول المكث ، وليس على وجه التأبيد .
    ينظر في موقعنا الفتوى رقم : (69770) ، (70363) ، (163938) ، (181675) .
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
    " أما قول السائل : ما الحكمة في أنه لم يوجد فيه من الشارع نص يعصم من الوقوع في المهالك ، وقد كان حريصاً على هدي أمته ؟
    فنقول : هذا السؤال مبني علي الأصل الفاسد المتقدم ، المركب من الإعراض عن الكتاب والسنة ، وطلب الهدي في مقالات المختلفين المتقابلين في النفي والإثبات للعبارات المجملات المشتبهات ، الذين قال الله فيهم : (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ) [البقرة/176]، وقال تعالى : ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) [آل عمران: 19] ، وقال تعالى : ( فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) [المؤمنون: 53].
    وبذلك يتبين أن الشارع عليه الصلاة والسلام نص على كل ما يعصم من المهالك نصاً قاطعاً للعذر ، وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ) [التوبة: 115] ، وقال تعالى : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) [المائدة: 3] ، وقال تعالى : ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) [النساء: 165] ، وقال تعالى : ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) [النور: 54] ، وقال : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) [الإسراء: 9] ، وقال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُ مْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) [النساء: 66-68] ، وقال تعالى : (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ) [المائدة: 15-16] .
    وقال أبو ذر : " لقد توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً ".
    وفي صحيح مسلم : " أن بعض المشركين قالوا لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة . قال : أجل ".
    وقال صلى الله عليه وسلم : ( تركتكم على البيضاء ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ) وقال : ( ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ، ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا وقد حدثتكم عنه ) وقال : ( ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيراً لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه شراً لهم )
    وهذه الجملة يعلم تفصيلها بالبحث ، والنظر ، والتتبع ، والاستقراء ، والطلب لعلم هذه المسائل في الكتاب والسنة ، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب والسنة من النصوص القاطعة للعذر في هذه المسائل ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء .
    وذلك يكون بشيئين :
    أحدهما : معرفة معاني الكتاب والسنة .
    والثاني : معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون ، حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني أهل الخوض في أصول الدين ، فحينئذ يتبين له أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ، كما قال تعالى : ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) [البقرة: 213] ، وقال تعالى : ( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) [الشورى: 10] ، وقال : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ) [النساء: 59-61] .
    وأما المختلفون في الكتاب ، المخالفون له ، المتفقون على مفارقته ، فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول دينها الذي ابتدعته هو الإمام الذي يجب اتباعه ، وتجعل ما خالف ذلك من نصوص الكتاب والسنة من المجملات المتشابهات ، التي لا يجوز اتباعها ، بل يتعين حملها على ما وافق أصلهم الذي ابتدعوه ، أو الإعراض عنها ، وترك التدبر لها .
    وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله في قوله : ( أَفَتَطْمَعون أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .. ) [البقرة: 75 - 79] .
    فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة على ما أصله هو من البدع الباطلة ، وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني ، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن ، ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه ، ومتناول لمن كتب كتاباً بيده مخالفاً لكتاب الله لينال به دينا ، وقال : إنه من عند الله ، مثل أن يقول : هذا هو الشرع والدين ، وهذا معنى الكتاب والسنة ، وهذا قول السلف والأئمة ، وهذا هو أصول الدين الذي يجب اعتقاده على الأعيان أو الكفاية ، ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله ، وهذه الأمور كثيرة جداً في أهل الأهواء جملة ، كالرافضة والجهمية ونحوهم من أهل الأهواء والكلام ، وفي أهل الأهواء تفصيلاً ، مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء مع شعبة من حال الأهواء " .
    انتهى باختصار من " درء تعارض العقل والنقل " (1/72-78) .
    وهناك حكمة أخرى من إطلاق أحاديث الوعيد بمثل هذه الصيغة ، وهي أنها تكون أبلغ في الزجر والتخويف ، فيحصل المقصود منها ، وهو اجتناب العباد هذا الفعل المحرم ، فإذا سمع المسلم أن المنتحر (في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا) فلا شك أنه لن يقدم على هذا الفعل أبدا ، بخلاف ما لو قيل له : إنه قد يعفو الله عنه ويدخله الجنة بلا عذاب! فقد يكون في ذلك تشجيع له على هذه المعصية .
    ولأجل ذلك كان من عظيم فقه السلف : أنهم يُمِرون نصوص الوعيد كما جاءت ؛ لأن تأويلها: يذهب فائدتها ، أو يضعفها .
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ، ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد: عن سفيان. وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به.." انتهى "مجموع الفتاوى" (7/674).
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله ، في شرح : "باب : من حمل علينا السلاح فليس منا " : " والأولى عند كثير من السلف إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله ليكون أبلغ في الزجر ، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره فيقول : معناه ليس على طريقتنا ، ويرى أن الإمساك عن تأويله أولى لما ذكرناه .." انتهى من "فتح الباري" (13/24) .
    وأخيرا ننبه إلى أن الأمثلة الأخرى التي وردت في السؤال غير دقيقة ، فليس ثمة أحاديث بجواز بيع القطط ، وما سبق الاستدلال به في الفتوى رقم : (181675) إنما هو تفقه من جمهور الفقهاء في معنى الحديث ، وليس تعارضا صريحا بين الروايات ، وللتوسع ينظر أيضا : (69770)
    وأما حادثة سقاية الكلب وغفران الذنب بسببها فقد وقعت لكل من الرجل ، والمرأة البغي ، ولا تعارض بينهما ، ويتحقق ذلك لكل من سقى حيوانا ، رحمة وشفقة واحتسابا للأجر عند الله ، وما أكثر ما وقع ذلك .
    عن محمد بن سيرين ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ ، كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ ) رواه البخاري (3467) ، ومسلم (2245) .
    وعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ رَجُلًا رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ ، فَجَعَلَ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَرْوَاهُ ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ ، فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ ) رواه البخاري (173) ،ومسلم (2244) .
    يقول الإمام العيني رحمه الله :
    " يقطع بأنه قضيتان ، إحداهما للرجل ، والأخرى للمرأة " انتهى من " عمدة القاري " (16/54) .
    وفي الختام ، نصيحتنا لك أن تحرص على طلب العلم ، والقراءة في كتب العلماء ، والدراسة المتخصصة في الجامعات أو في المساجد ، وحينها ستفسح لك الحقائق بشكل أفضل ، أما الخوض في الشبهات عن غير علم ولا بصيرة ، فذلك طريق خاطئ لا يؤدي بك إلى العلم ، وإنما إلى القلق والاضطراب .
    والله أعلم .
    https://islamqa.info/ar/225967



  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2010
    الدولة
    بلاد دعوة الرسول عليه السلام
    المشاركات
    4,403

    افتراضي

    وفقكم الله
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    آمين ، جزاكم الله خيرا

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jul 2016
    المشاركات
    1,338

    افتراضي

    مما يعني أن معنى ( الخلود ) في الحديث الشريف ، هو: طول المكث ، وليس على وجه التأبيد .
    هذا خلاف ظاهر النص , وما الفرق بينه وبين الخلود المذكور في الكفار ؟
    (مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)
    فالتخليد ثابت من ثلاثة أوجه
    -خالدا , ثم أكد ب
    -مخلدا
    ثم أكد بلفظ التأبيد , وفي القرآن كثير من الآيات في الفريقين بلفظ (خالدين فيها أبدا)
    فما وجه التفريق بين الخلودين المؤبدين ؟
    وقد ثبت في الصحيح في قتل النفس بغير حق عن ابن عمر
    (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما )
    وقرئ (من ذنبه)
    لذلك ثبت عن ابن عباس وغيره أن القاتل لا توبة له , وكان اذا سئل عن ذلك يتلو قوله عزوجل
    (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
    وغضب الله عليه
    ولعنه
    وأعد له عذابا عظيما))
    وعلى فرض أن له توبة كما هو قول الجمهور , فبها يرتفع عنه العذاب والوعيد المذكور في الآية والحديث
    لكن قاتل نفسه لا يمكن أن يتوب , فلا يدخل في الخلاف السابق
    سلمان بن محمد و أبو مالك المديني الأعضاء الذين شكروا.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد القلي مشاهدة المشاركة

    لذلك ثبت عن ابن عباس وغيره أن القاتل لا توبة له , وكان اذا سئل عن ذلك يتلو قوله عزوجل
    (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها
    وغضب الله عليه
    ولعنه
    وأعد له عذابا عظيما))
    وعلى فرض أن له توبة كما هو قول الجمهور , فبها يرتفع عنه العذاب والوعيد المذكور في الآية والحديث
    لكن قاتل نفسه لا يمكن أن يتوب , فلا يدخل في الخلاف السابق
    بارك الله فيكم على هذه المناقشة النافعة .
    ثبت عن ابن عباس رجوعه عن ذلك !
    أخرجه البخاري في الأدب المفرد:
    قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم قال : أخبرنا محمد بن جعفر بن أبي كثير قال : أخبرني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس ، أنه أتاه رجل فقال : إني خطبت امرأة ، فأبت أن تنكحني ، وخطبها غيري ، فأحبت أن تنكحه ، فغرت عليها فقتلتها ، فهل لي من توبة ؟ قال : أمك حية ؟ قال : لا ، قال : تب إلى الله عز وجل ، وتقرب إليه ما استطعت . فذهبت فسألت ابن عباس : لم سألته عن حياة أمه ؟ فقال : إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة .
    وصححه العلامة الألباني رحمه الله .

    وقال رحمه الله في الصحيحة :
    2799 - " لما نزلت هذه الآية التي في ( الفرقان ) : ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ) عجبنا للينها ، فلبثنا ستة أشهر ، ثم نزلت التي في ( النساء ) : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) حتى فرغ " .
    .........
    تنبيهان :
    الأول : كل هذه الروايات المتقدمة صريحة في تأخر نزول آية ( النساء ) عن آية ( الفرقان ) ، إلا رواية مجالد بن عوف عند النسائي فإنها بلفظ : " نزلت ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا .. ) أشفقنا منها ، فنزلت الآية التي في ( الفرقان ) : ( والذين لا يدعون .. ) " الآية . فهي رواية منكرة ، لا أدري الخطأ ممن ، فإنها عند النسائي كما عند أبي داود من طريق واحد : عن مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الرحمن بن إسحاق به ، ولولا ذلك لكان من الواضح القول بأن الخطأ من مجالد بن عوف لما عرفت من جهالته . والله أعلم .
    الثاني : في رواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس أنه قال : لا توبة للقاتل عمدا ، وهذا مشهور عنه ، له طرق كثيرة كما قال ابن كثير وابن حجر ، والجمهور على خلافه ، وهو الصواب الذي لا ريب فيه ، وآية ( الفرقان ) صريحة في ذلك ، ولا تخالفها آية ( النساء ) لأن هذه في عقوبة القاتل وليست في توبته ، وهذا ظاهر جدا ، وكأنه لذلك رجع إليه كما وقفت عليه في بعض الروايات عنه ، رأيت أنه لابد من ذكرها لعزتها ، وإغفال الحافظين لها :
    الأولى : ما رواه عطاء بن يسار عنه :
    أنه أتاه رجل ، فقال : إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني ، و خطبها غيري فأحبت أن تنكحه ، فغرت عليها فقتلتها ، فهل لي من توبة ؟ قال : أمك حية ؟ قال : لا . قال : " تب إلى الله عز وجل ، و تقرب إليه ما استطعت " . فذهبت فسألت ابن عباس : لم سألته عن حياة أمه ؟ فقال : " إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله عز وجل من بر الوالدة " . أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " ( رقم 4 ) بسند صحيح على شرط " الصحيحين " .
    الثانية : ما رواه سعيد عن ابن عباس في قوله : ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) ، قال : ليس لقاتل توبة ، إلا أن يستغفر الله . أخرجه ابن جرير ( 5 / 138 ) بسند جيد ، ولعله يعني أنه لا يغفر له ، على قوله الأول ، ثم استدرك على نفسه فقال : " إلا أن يستغفر الله " . والله أعلم .
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أحمد القلي

  6. #6
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    قال القرطبي - رحمه الله - في تفسيره 5 / 333 :
    روى يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا توبة؟ قال: لا، إلا النار، قال: فلما ذهب. قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة، قال: إني لأحسبه رجلاً مغضبًا يريد أن يقتل مؤمنًا. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك " وهذا مذهب أهل السنة وهو الصحيح ، وإن هذه الآية مخصوصة، ودليل التخصيص آيات وأخبار . اهـ
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أحمد القلي

  7. #7
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى" 34 / 138 :
    "القاتل إذا كثرت حسناته : أُخذ منه بعضُها ما يرضى به المقتول ، أو يعوضه الله من عنده إذا تاب القاتل توبةً نصوحاً" اهــ

    وقال ابن القيم رحمه الله في" الجواب الكافي " ص 102 :
    "والتحقيق في المسألة : أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق : حق لله ، وحق للمظلوم المقتول ، وحق للولي .
    فإذا سلَّم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي ندماً على ما فعل ، وخوفاً من الله ، وتوبة نصوحاً : يسقط حق الله بالتوبة ، وحق الولي بالاستيفاء ، أو الصلح ، أو العفو .
    وبقي حق المقتول : يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ، ويصلح بينه وبينه ، فلا يبطل حقُّ هذا ، ولا تَبطل توبةُ هذا" اهــ

  8. #8
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد القلي مشاهدة المشاركة

    لكن قاتل نفسه لا يمكن أن يتوب , فلا يدخل في الخلاف السابق
    هو داخل في الخلاف السابق .
    وهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له .
    ومن أدلة الجمهور على أن الله قد يغفر لقاتل نفسه ، ما أخرجه مسلم في صحيحه :
    184 - ( 116 ) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن سليمان قال أبو بكر : حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله هل لك في حصن حصين ومنعة ؟ قال ( حصن كان لدوس في الجاهلية ) فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص له فقطع بها براجمه فشخبت يداه حتى مات فرآه الطفيل ابن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له : ما صنع بك ربك ؟ فقال : غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال ما لي أراك مغطيا يديك ؟ قال : قيل لي : لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم وليديه فاغفر

    قال النووي في شرح مسلم :
    أما أحكام الحديث ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو فى حكم المشيئة ، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها وهذا الحديث شرح للاحاديث التى قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر فى النار وفيه اثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصى فان هذا عوقب فى يديه ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصى لا تضر، والله أعلم .اهـ

  9. #9
    تاريخ التسجيل
    Sep 2016
    المشاركات
    160

    افتراضي

    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مالك المديني مشاهدة المشاركة
    ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها ومات من غير توبة فليس بكافر ولا يقطع له بالنار بل هو فى حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها وهذا الحديث شرح للاحاديث التى قبله الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس وغيره من أصحاب الكبائر فى النار وفيه اثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصى فان هذا عوقب فى يديه ففيه رد على المرجئة القائلين بأن المعاصى لا تضر، والله أعلم .اهــ

    باستثناء معصية قاتل المؤمن عمداً
    المعاصي والكبائر ليست سواء.
    راجع اخي ابو مالك كافة النقول أعلاه, الروايات الضعيفة أو الأقل صحة او ماليس له علاقة تستخدم للالتفاف حول النصوص الصحيحة الصريحة وعلى رأسها اية سورة النساء.
    ماذا تريد اخي من الله عز وجل ان يقول بعد كل هذا؟
    اية سورة الفرقان بين الله بعض من حبسهم القرآن ومعناها كما أفهمه انا او تفهمه انت, ان هناك قوم سيغفر الله لهم وهناك قوم لن يغفر لهم (من غير المشركين) وبينت سورة النساء صنف لن يغفر الله له ابداً, بل مصيره نار جهنم خالداً فيها.
    قد تقول ماذا تفعل: بـ من قال لا إله الا الله دخل الجنة؟
    ج: نعم ولكن معناها الصحيح هو: من قال لا اله الا الله-ولم يقتل مؤمنا عمدا-دخل الجنة. أي لم يحبسه القرآن ويحكم عليه بالخلود.
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أحمد القلي

  10. #10
    تاريخ التسجيل
    Oct 2012
    المشاركات
    13,500

    افتراضي

    إزالة الإشكال
    حول معنى ( الخلود) في قوله تعالى :
    عبدالله بن محمد العسكر:
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده ، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه وبعد :
    فإن من الآيات التي قد يستشكل معناها قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، (93) سورة النساء ، فهذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (68) سورة الفرقان - إلى قوله -: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ...} (70) سورة الفرقان ، وغيرها من الآيات التي تدل على مغفرة الذنوب إذا كانت دون الشرك بالله ، ومما لاشك فيه أن قتل النفس دون الشرك .
    وآية النساء السالف ذكرها وهي قوله تعالى :{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا... } من جملة الأدلة التي استدلت بها الوعيدية من الخوارج والمعتزلة على كفر صاحب الكبيرة ([1]) ؛ حيث أخذوا بظاهر هذه الآية فحكموا على الفاسق بالخلود في النار ، وعدم دخول الجنة !!
    ومما هو مسلَّم سلفاً أنه لا تعارضَ بين الآيات ، وإن كان قد يبدو في الظاهر شيء من ذلك . وقد تكلم أهل العلم في هذه المسألة ، وبينوا أوجه الجمع بين هذه الآية وما يظهر أنه معارضٌ لها من الآيات الأخرى ، ولهم في ذلك عدة أقوال نذكرها ثم نبين ما يظهر أنه أصوبها وأقواها والعلم عند الله تعالى .

    القول الأول :
    أن الخلود المذكور في قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} محمولٌ على من استحلّ هذا الفعل ، قاله عكرمة وغيره ([2]) .
    والمستحل لقتل المؤمن كافر ولا شك ؛ لأن تحريم قتل المؤمن مما هو معلوم من الدين بالضرورة.
    وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في شأن رجل بعينه استحل هذا الفعل فكفر وارتد عن دين الإسلام وهو مقيس بن صُبَابة ([3]) .
    أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في مقيس بن صبابة فإنه أسلم هو وأخوه هشام وكانا بالمدينة فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني النجار ، ولم يعرف قاتله فأمر له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدية فأعطتها له الأنصار مائة من الإبل ، وقد أرسل معه النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا من قريش من بني فهر فعمد مقيس إلى الفهري رسولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فقتله وارتد عن الإسلام ، وركب جملا من الدية وساق معه البقية ولحق بمكة مرتدا وهو يقول في شعر له :
    قتلت به فهرا وحملت عقله --- سراة بني النجار أرباب فارع ([4])
    وأدركت ثأري وأضَّجعت موسدا --- وكنت إلى الأوثان أول راجع ([5])
    ومقيس هذا روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال فيه : "لا أؤمنه في حل ولا في حرم " ([6]) . وقد قتل متعلقا بأستار الكعبة يوم الفتح .
    فالآية إذاً – عند هؤلاء – في حق القاتل الذي هو كمقيس بن صبابة ، الذي استحل هذه الفعلة فصار بذلك مرتدا عن الإسلام .
    والحمل على هذا المعنى لا خلاف بين علماء المسلمين على أن صاحبه يكفر كفرا مخرجا من الملة ، ومن كان كذلك فهو في النار قطعا خالدا مخلدا فيها أبد الآباد .

    القول الثاني :
    أن معنى ( جزاؤه ) أي : هذا جزاؤه الذي يستحقه لو جازاه ، بمعنى أنه مستحق للخلود فيها لشناعة فعله ؛ لكن من رحمة الله أنه لا يخلده لأنه مات على التوحيد ، وربما يعفو عنه فلا يدخلها أصلاً ؛ لكونه تحت المشيئة قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء.
    وهو قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح ورجحه ابن جرير الطبري([7]) .
    قال النووي : " ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء ، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم ، وإنما فيها أنها جزاؤه ، أي : يستحق أن يجازى بذلك " ([8]) .

    القول الثالث :
    أن المراد بالخلود طول المكث فيها ، فكأنه صار مخلداً لطول بقائه ([9]) . والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل ومنه قول لبيد:
    فوقفت أسألها وكيف سؤالنا --- صُمّاً خوالدَ ما يبين كلامها ([10])
    ولو أريد الخلود الأبدي لجيء بلفظ ( أبدا ) لبيان أنه لا خروج من النار أبد الدهر .
    يقول الشيخ صالح آل الشيخ : " الخلود في القرآن نوعان: خلود أبدي، وخلود أمدي.
    الخلود في اللغة واستعمال القرآن على ذلك أنَّ الخلود معناه المكث الطويل، إذا مَكَثَ طويلا قيل له خالد، ولذلك العرب تسمي أولادها خالداً تفاؤلاً بطول المكث، بطول العمر، سَمَّوهُ خالداً؛ يعني أنه سيعمر عمراً طويلاً، وليس معنى الخلود يعني أنه خلود ليس معه انقطاع، وإنما هذا يُمَيَّزُ بالأبدية ؛ لهذا في الآيات ثَمَّ آيات فيها {أبدًا}، وثَمَّ آيات ليس فيها الأبدية ، فلما جاء في القتل قال: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}، ] وقد[أجمع أهل السنة على أنَّ الخلود في هذه الآية ليس أبدياً لأنَّ مرتكب الكبيرة يخرج من النار بتوحيده.والآيات التي فيها الخلود الأبدي واضحة كقوله - عز وجل - : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِين َ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ} (6) سورة البينة" ([11]).

    القول الرابع :
    أن ذلك ورد مورد الزجر والتغليظ .وهكذا كل آيات وأحاديث الحرمان من الجنة ودخول النار أو الخلود فيها بسبب بعض الكبائر هي في حق عصاة المؤمنين من باب الزجر والتخويف ([12]) .
    وهذا لا يعني بالطبع عدم حصول العذاب مطلقا ، ولا الجزم بوقوعه مطلقا أيضاً ، بل قد يحصل لكنه لا يعني الخلود ، وقد لا يحصل مطلقا وهو من كرم الله وإحسانه .
    وهذا من أحسن الأجوبة ، وقد كان السلف يمرون آيات وأحاديث الوعيد على ظاهرها ؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر .
    ولما سئل الإمام أحمد – رحمه الله – هل يكفر كفرا مخرجا من الإسلام من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول كان يجيب بهذا الحديث ويسكت ويطلق القول كما جاء في الأحاديث ، وهذا لأجل التهديد والتخويف حتى لا يتجاسر الناس على هذا الأمر ([13]) .
    ولعل هذا – والله أعلم – هو الذي حدا بابن عباس - رضي الله عنهما – وغيره كالضحاك بن مزاحم ([14]) إلى القول بأنه لا توبة للقاتل عمدا ، ليكون ذلك أبلغ في الزجر لمن همّت نفسه بذلك .
    ومما جاء في ذلك أن سائلا سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال : يا أبا العباس هل للقاتل من توبة ؟ فقال ابن عباس كالمعجب من شأنه : ماذا تقول ؟ فأعاد عليه مسألته : فقال ماذا تقول ؟( مرتين أو ثلاثا ) ثم قال ابن عباس بعد ذلك : سمعت نبيكم - صلى الله عليه وسلم -يقول : " يأتي المقتول متعلقا رأسه بإحدى يديه ، متلببا قاتله باليد الأخرى ، تشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش ، فيقول المقتول لرب العالمين : هذا قتلني . فيقول الله - عز وجل - للقاتل : تعستَ ، ويذهب به إلى النار " ([15]) .
    وعن سعيد بن جبير: أن عبد الرحمن بن أبزى أمَره أن يسأل ابن عباس عن هاتين الآيتين التي في"النساء": "ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم" إلى آخر الآية والتي في"الفرقان": ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ) إلى( وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا )، قال ابن عباس: " إذا دخل الرجل في الإسلام وعلم شرائعه وأمره، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبة له. وأما التي في"الفرقان"، فإنها لما أنزلت قال المشركون من أهل مكة : فقد عدَلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله بغير الحق، وأتينا الفواحش، فما ينفعنا الإسلام! قال فنـزلت:( إِلا مَنْ تَابَ ) الآية " ([16]).
    وعن أبي الزناد قال: سمعت رجلا يحدّث خارجة بن زيد بن ثابت، عن زيد بن ثابت قال، سمعت أباك يقول: نزلت الشديدةُ بعد الهيِّنة بستة أشهر، قوله:"ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا"، إلى آخر الآية، بعد قوله:( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) إلى آخر الآية ([17]).

    وجاء عن سفيان الثوري - رحمه الله - أنه قال : " كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا : لا توبة له ، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلا " ، ثم ذكر حديث " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم "([18]) .
    قال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - : " وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد في ذلك على التغليظ ، وصححوا توبة القاتل كغيره ، وقالوا معنى قوله { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } " أي : إن شاء الله أن يجازيه ، تمسكا بقوله تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء...} (48) سورة النساء . ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم تمام المائة فقال : لا توبة ، فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال : ومن يحول بينك وبين التوبة ، الحديث في صحيح مسلم ([19])، فإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة ، فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم "([20] ) .
    حُكي أنه كان في مجلس عمرو بن عبيد - شيخ المعتزلة -رجل من أهل السنة . فقال عمرو : " يؤتى بي يوم القيامة فيقال : يا عمرو ، من أين قلت : إني لا أغفر لقاتل ؟ فأقول : أنت يارب قلتَ : ( ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها ) . فقال ذلك الرجل : فإن قال لك : فإني قلتُ : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء...) ، فمن أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا ؟!!فسكت عمرو بن عبيد ([21]) .
    وبهذا يتبين أن الخلود المذكور في الآية مدفوع معناه الظاهر بما ذكرنا من إجابات لأهل العلم .
    وهذه الأجوبة ما كانت لتقال إلا لوجود نصوص صريحة في دخول العصاة من المسلمين الجنة ؛ ولأنهم غير مشركين ، فهم داخلون تحت مشيئة الله ، إن شاء غفر لهم ، وإن شاء عذبهم بما هم أهله ، ثم يخرجون بعد ذلك من النار ويدخلون الجنة .
    ولعل مما يعضد ما ذكرنا من توجيهات للآية الكريمة أن حديث أبي هريرة -t- : قال - صلى الله عليه وسلم- :" مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ،وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ،وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " ([22]) الذي ظاهره الحكم على من قتل نفسه بالنار ؛ بل والخلود فيها ، نجد أنه جاء في السنة حديث آخر يقضي بمغفرة الله لمن قتل نفسه . فقد ثبت أن رجلاً من دوس هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قدموا المدينة لم يحتمل أجواءها فمرض فجزع ، فأخذ مشاقص له ، فقطع بها براجمه فشخبت يداه ([23]) ، حتى مات ، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئته حسنة ، ورآه مغطياً يديه ، فقال : ما صنع بك ربك ؟ فقال : غفر لي بهجرتي إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : مالي أراك مغطياً يديك ؟! قال : قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت ، فقصّها الطفيل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عليه الصلاة والسلام : " اللهم وليديه فاغفر " ([24]) .
    فهذا الرجل رئي في هيئة حسنة مع أنه ارتكب كبيرة بقتل نفسه ، كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له ، ولو كان دخول النار والخلود فيها حتمٌ على كل من قتل نفسه لم يدعُ له - صلى الله عليه وسلم - .
    وبهذه الإجابات يزول الإشكال ويندفع الإيهام ، فتأتلف النصوص ولا تختلف ، وتتفق ولا تفترق .
    والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ،،،
    ملخص:
    وجه الإشكال :
    الآية الواردة في سورة النساء {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً}، فهذه الآية تدل على أن القاتل عمدا لا توبة له وأنه مخلد في النار، وقد جاءت آيات أخر تدل على خلاف ذلك كقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} (48) سورة النساء ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} (68) سورة الفرقان - إلى قوله -: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ...} (70) سورة الفرقان ، وغيرها من الآيات التي تدل على مغفرة الذنوب إذا كانت دون الشرك بالله ، ومما لاشك فيه أن قتل النفس دون الشرك . فكيف يممكن الجمعغ بين هذه الآيات ؟
    دفع الإشكال : يمكن أن يدفع الإشكال بأحد الأجوبة التالية :
    1- أن الخلود المذكور في قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} محمولٌ على من استحلّ هذا الفعل ، قاله عكرمة وغيره ، والمستحل لقتل المؤمن كافر ولا شك ؛ لأن تحريم قتل المؤمن مما هو معلوم من الدين بالضرورة. وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في شأن رجل بعينه استحل هذا الفعل فكفر وارتد عن دين الإسلام وهو مقيس بن صُبَابة .
    2- أن معنى ( جزاؤه ) أي : هذا جزاؤه الذي يستحقه لو جازاه ، بمعنى أنه مستحق للخلود فيها لشناعة فعله ؛ لكن من رحمة الله أنه لا يخلده لأنه مات على التوحيد ، وربما يعفو عنه فلا يدخلها أصلاً ؛ لكونه تحت المشيئة قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...} وهو قول أبي هريرة وأبي مجلز وأبي صالح ورجحه ابن جرير الطبري .
    3- أن المراد بالخلود طول المكث فيها ، فكأنه صار مخلداً لطول بقائه . والعرب ربما تطلق اسم الخلود على المكث الطويل . كما تسمي الولد خالداً تفاؤلاً بطول عمره لا أنه سيخلد .
    4- أن ذلك ورد مورد الزجر والتغليظ .وهكذا كل آيات وأحاديث الحرمان من الجنة ودخول النار أو الخلود فيها بسبب بعض الكبائر هي في حق عصاة المؤمنين من باب الزجر والتخويف .وهذا لا يعني بالطبع عدم حصول العذاب مطلقا ، ولا الجزم بوقوعه مطلقا أيضاً ، بل قد يحصل لكنه لا يعني الخلود ،وقد لا يحصل مطلقا وهو من كرم الله وإحسانه .وهذا من أحسن الأجوبة ، وقد كان السلف يمرون آيات وأحاديث الوعيد على ظاهرها ؛ لأن ذلك أبلغ في الزجر . ولعل هذا – والله أعلم – هو الذي حدا بابن عباس - رضي الله عنهما – وغيره كالضحاك بن مزاحم إلى القول بأنه لا توبة للقاتل عمدا ، ليكون ذلك أبلغ في الزجر لمن همّت نفسه بذلك .
    ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ
    ([1]) ينظر في بقية أدلتهم إلى كتاب التوحيد لابن خزيمة ( 2/857-879 )، فقد جمع في كتابه فصولاً من الأدلة والمرويات التي يستدل بها الوعيدية لإقرار مذهبهم المنحرف .
    ( [2] ) تفسير الطبري ( 9 / 61) .
    ( [3] ) فتح الباري لابن حجر ( 12 / 475) .
    ( [4] ) فارع : أُطُمٌ بالمدينة لبني النجار . معم البلدان لياقوت الحموي ( 3 / 304) .
    ([5]) تفسير ابن أبي حاتم ( 4 / 305) .
    ([6]) رواه أبو داود حديث رقم (2686) والطبراني في الكبير حديث رقم (5529 )،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 6/ 253) : " رجاله ثقات " ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود ( 6 / 184).
    ([7] ) تفسير الطبري ( 9 / 61) ، وينظر إلى : شرح النووي على مسلم ( 9 / 143).
    ([8]) شرح مسلم 17/83 .
    ([9]) تفسير ابن كثير 1/538 .
    ([10]) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي ص 26 ، التحرير والتنوير لابن عاشور ( 2 / 484) .
    ([11]) شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ ( 1 / 383) .
    ([12]) ينظر إلى فتح الباري 10/491 .
    ([13]) ينظر إلى التمهيد لشرح كتاب التوحيد لصالح آل الشيخ ص 453.
    ([14]) نقل ذلك عنهم الطبري في تفسيره ( 9 / 61) .
    ([15]) رواه الإمام أحمد في المسند حديث رقم (2178 ) والطبراني في الأوسط حديث رقم (10594) ، ورواته رواة الصحيح ، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ( 2 / 317) .
    ([16]) الدر المنثور للسيوطي ( 3 / 194) .
    ([17]) تفسير الطبري ( 9 / 69) ، المحرر الوجيز لابن عطية ( 2 / 175) .
    ([18]) نيل الأوطار ( 7 / 124) ، والحديث الذي ذكره رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو حديث رقم (3449) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 5077 ) .
    ([19] ) من حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ حديث رقم ( 7184 ) .
    ([20] )كتاب الكبائر ص 209 .
    ([21])تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ( 1/ 33)، مجموع فتاوى ابن تيمية ( 34/137 ).
    ([22]) رواه مسلم حديث رقم ( 313) .
    ([23]) المشاقص : مع مِشقص ، وهو : السهم العريض النصل ، البرام : العُقد المتشنّة في ظاهر الأصابع ، شخبت : سالت . ينظر : تاج العروس للزبيدي 1/4466 ، لسان العرب لابن منظور1/411 ، النهاية في غريب الأثر لابن الأثير 2/1114 .
    ([24]) رواه مسلم (116) باب : الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر .
    http://www.saaid.net/Doat/alaskar/18.htm
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني
    لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله
    الرد على الشبهات المثارة حول الإسلام

  11. #11
    تاريخ التسجيل
    Jul 2016
    المشاركات
    1,338

    افتراضي

    هذه المسألة محيرة
    فقد نسبوا الى الجمهور القول بصحة توبة القاتل
    ولكن الصحيح عن الصحابة خلاف ما صححوا
    قال ابن بطال (اختلف العلماء فى القاتل هل له توبة لاختلافهم فى تأويل هذه الآية، فروى عن زيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر أنه لا توبة له، وأن قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنًا) غير منسوخة، وإنما نزلت بعد الآية البينة التى فى سورة الفرقان التى فيها توبة القاتل بستة أشهر، ونزلت آية الفرقان فى أهل الشرك، ونزلت آية النساء فى المؤمنين.)) انتهى

    وهو مذهب مالك
    قال ابن رشد (وإلى هذا ذهب مالك فيما روي عنه من أن إمامة القاتل لا تجوز وإن تاب، ويؤيد هذا المذهب ما روى من أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ قال: «كل ذنب عسى الله أن يعفو عنه إلا من مات كافرا أو قتل مؤمنا متعمدا»)) انتهى
    وكذلك هي احدى الروايتين عن أحمد
    قال شيخ الاسلام في الفتاوى
    (وَعَنْ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ رِوَايَتَانِ أَيْضًا) انتهى
    فمن هم هؤلاء لجمهور الذين خالفوا جمهور الصحابة ؟
    ان كان علماء الكوفة من التابعين قد اختلفوا فيها , فلم يجد سعيد بن جبير بدا من السفر الى حبر الأمة وترجمان القرآن ليسمع منه القول الفصل في المسألة
    عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} فَرَحَلْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ آخِرَ مَا أُنْزِلَ، ثُمَّ مَا نَسَخَهَا شَيْءٌ»،))
    وماورد فيها هو خبر ولا نسخ في الأخبار


    وروى ابن المنذر عن ابن عمر أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَتَلَ عَامِدًا بِغَيْرِ حَقٍّ تَزَوَّدْ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ فَإِنَّكَ لَا تَدْخُلُ الجنة أبدا )
    قال الحافظ أن اسناده ثابث
    و روى سعيد بن منصور وابن المنذر
    سَعِيدُ بْنُ مِيْنَا ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كنت جالسًا بِجَنْبه، إذ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا تَقُولُ فِي قَاتِلِ الْمُؤْمِنِ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَل فِي سَمِّ الخِيَاط))
    وأيضا روى اين منصور والخلال
    عَنْ كَرْدَمٍ، أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، فَقَالَ: " يَسْتَطِيعُ أَنْ لَا يَمُوتَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: يَسْتَطِيعُ أَنْ يُحْيِيَهُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ. قَالَ: لَا ". قَالَ: فَأَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عُمَرَ، فَقَالَا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ))
    وكذلك روي عن زيد مثل قول ابن عباس , أن آية النساء نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر

    المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد طه شعبان
    أن معنى ( جزاؤه ) أي : هذا جزاؤه الذي يستحقه لو جازاه ، بمعنى أنه مستحق للخلود فيها لشناعة فعله ؛ لكن من رحمة الله أنه لا يخلده لأنه مات على التوحيد ، وربما يعفو عنه فلا يدخلها أصلاً ؛ لكونه تحت المشيئة قال تعالى : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ...}
    هذا القول الثاني في توجيه الآية بعيد جدا
    وهو تأويل أراد به صاحبه صرف معنى الآية الى المذهب الذي اختاره
    وقوله هذا جزاؤه لو جازاه , يرده ما بعده في الآية
    فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عظيما)
    فيكون معناها حسب هذا المتأول
    وغضب الله عليه لو غضب
    ولعنه لو لعن
    وأعد له عذابا عظيما ان أعده ؟
    وهذا لا يخفى بعده واستحالته , فهذه العقوبات وقعت بصيغة الفعل الماضي الدال على تحقق الفعل وكأنه مضى وقضي.
    وهذا العذاب الذي أعده الله لهذا القاتل , كيف ينجو منه ؟
    اما استدلالهم بالآية (ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء )
    مع زعهم أنه تحت المشيئة
    فيجيبهم الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي
    (كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مَنْ قَتَلَ مؤمنا متعمدا))
    فالآية عامة والحديث مخصص لها كما هو بين , فالله لا يغفر لمن مات مشركا , ولمن تعمد القتل
    ومن قال انه تحت المشيئة فقد صدق , لأن مشيئة الله قضت بأن لا يغفر له
    وترجم ابن حبان على هذا الحديث بقوله

    ذِكْرُ إِيجَابِ دُخُولِ النَّارِ لِلْقَاتِلِ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُتَعَمِّدًا
    5980 ـ أَخْبَرَنَا الْقَطَّانُ بِالرَّقَّةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ:
    سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم يَقُولُ: "كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا، أَوْ مَنْ قَتَلَ مؤمنا متعمدا")) انتهى
    - أن الخلود المذكور في قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} محمولٌ على من استحلّ هذا الفعل ، قاله عكرمة وغيره ، والمستحل لقتل المؤمن كافر ولا شك ؛ لأن تحريم قتل المؤمن مما هو معلوم من الدين بالضرورة. وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت في شأن رجل بعينه استحل هذا الفعل فكفر وارتد عن دين الإسلام وهو مقيس بن صُبَابة .
    وهذا القول الأول أيضا ليس بصحيح في توجيه الآية وان كان صحيحا في نفسه
    لأن المستحل لدم المسلم مستحق لهذا الاثم وان لم يقتل
    والآية نصت على وجود القتل , فهو سبب الوعيد وليس استحلال القتل
    - أن ذلك ورد مورد الزجر والتغليظ .وهكذا كل آيات وأحاديث الحرمان من الجنة ودخول النار أو الخلود فيها بسبب بعض الكبائر هي في حق عصاة المؤمنين من باب الزجر والتخويف .وهذا لا يعني بالطبع عدم حصول العذاب مطلقا ، ولا الجزم بوقوعه مطلقا أيضاً ، بل قد يحصل لكنه لا يعني الخلود ،وقد لا يحصل مطلقا وهو من كرم الله وإحسانه
    هذا الكرم ليس له محل ههنا
    لأن الله قد غضب على القاتل , ولا يجتمع كرمه وعفوه مع غضبه ولعنه
    لا سيما اذا أخبرنا أنه قد أعد العذاب , ولا مبدل لكلمات الله
    الاعضاء الذين شكروا صاحب المشاركة أبو مالك المديني

  12. #12
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    بارك الله فيك ونفع بك أخانا الحبيب .
    قوله : ( عن ابن عباس رضى الله عنهما ان القاتل متعمدا لا توبة له ) واحتج بقوله تعالى: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) هذا هو المشهور عن ابن عباس رضى الله عنهما ، و
    روى عنه أن له توبة وجواز المغفرة له .... وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السنة والصحابة والتابعين ومن بعدهم وما روى عن بعض السلف مما يخالف هذا محمول على التغليظ والتحذير من القتل والتورية فى المنع منه وليس فى هذه الآية التى احتج بها بن عباس تصريح بأنه يخلد وانما فيها أنه جزاؤه ولايلزم منه أنه يجازى وقد سبق تقرير هذه المسألة وبيان معنى الآية فى كتاب التوبة والله أعلم .اهــ

  13. #13
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    أقوال السلف وعلماء السنة في توبة قاتل النفس عمدا بغير حق .


    السؤال:
    هل القاتل المتعمد له توبة ، أو ليس له توبة ؟ ، وماهي أقوال السلف وعلماء السنة في ذلك ؟


    الجواب :
    الحمد لله
    " اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُول تَوْبَةِ قَاتِل النَّفْسِ عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ :
    فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ لِلْقَاتِل عَمْدًا ظُلْمًا تَوْبَةً كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ ؛ لِلنُّصُوصِ الْخَاصَّةِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَالنُّصُوصِ الْعَامَّةِ الْوَارِدَةِ فِي قَبُول تَوْبَةِ كُل النَّاسِ ، مِنْهَا قَوْل اللَّهِ تَعَالَى ( وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِل عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا )الفرقان/68-70 .
    وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء /93 ، فَيُحْمَل مُطْلَقُ هَذِهِ الآْيَةِ عَلَى مُقَيَّدِ آيَةِ الْفُرْقَانِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ، إِلاَّ مَنْ تَابَ .
    وَلأِنَّ تَوْبَةَ الْكَافِرِ بِدُخُولِهِ إِلَى الإْسْلاَمِ تُقْبَل بِالإْجْمَاعِ ، فَتَوْبَةُ الْقَاتِل أَوْلَى .
    وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَبُول هَذِهِ التَّوْبَةِ وَمَا يَسْقُطُ بِهَا :
    فَقَال الْحَنَفِيَّةُ : لاَ تَصِحُّ تَوْبَةُ الْقَاتِل بِالاِسْتِغْفَا رِ وَالنَّدَامَةِ فَقَطْ ، بَل تَتَوَقَّفُ عَلَى إِرْضَاءِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُول ، فَإِنْ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا فَلاَ بُدَّ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْقَصَاصِ مِنْهُ فَإِنْ أَرَادُوا قَتَلُوهُ ، وَإِنْ أَرَادُوا عَفَوْا عَنْهُ ، فَإِنْ عَفَوْا عَنْهُ كَفَتْهُ التَّوْبَةُ وَيَبْرَأُ فِي الدُّنْيَا .
    وَأَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ الْقَوْل فِي قَبُول تَوْبَةِ الْقَاتِل الْعَمْدِ ، قَال الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْل السُّنَّةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
    وَقَال الشَّافِعِيَّةُ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ الْقَتْل ظُلْمًا ، وَبِالْقَوَدِ أَوِ الْعَفْوِ لاَ تَبْقَى مُطَالَبَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ ، مَعَ بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لاَ يَسْقُطُ إِلاَّ بِتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ ، وَمُجَرَّدُ التَّمْكِينِ مِنَ الْقَوَدِ لاَ يُفِيدُ إِلاَّ إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ نَدَمٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْصِيَةِ ، وَعَزْمٌ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدِ .
    وَقَال الْحَنَابِلَةُ : لاَ يَسْقُطُ حَقُّ الْمَقْتُول فِي الآْخِرَةِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُ الْمَقْتُول مِنْ حَسَنَاتِ الْقَاتِل بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ .
    فَإِنِ اقْتُصَّ لِلْمَقْتُول مِنَ الْقَاتِل أَوْ عَفَى وَلِيُّهُ عَنِ الْقَصَاصِ فَهَل يُطَالِبُهُ الْمَقْتُول فِي الآْخِرَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَأَطْلَقَهُمَا صَاحِبُ الْفُرُوعِ .
    وَخَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْجُمْهُورَ فِي قَبُول تَوْبَةِ الْقَاتِل ، فَذَهَبَا إِلَى أَنَّ تَوْبَةَ الْقَاتِل عَمْدًا ظُلْمًا لاَ تُقْبَل ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَقْتُل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) ، فَقَدْ سُئِل ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : هَل لِمَنْ قَتَل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَال : لاَ إِلاَّ النَّارَ ، فَقَرَأَ الآْيَةَ السَّابِقَةَ وَهِيَ آخِرُ مَا نَزَل فِي هَذَا الشَّأْنِ وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ ، وَلأِنَّ لَفْظَ الآْيَةِ لَفْظُ الْخَبَرِ ، وَالأْخْبَارُ لاَ يَدْخُلُهَا نَسْخٌ وَلاَ تَغْيِيرٌ ؛ لأِنَّ خَبَرَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَكُونُ إِلاَّ صِدْقًا ".
    انتهى من "الموسوعة الفقهية" (41 /30-31) باختصار .

    وقال ابن جرير الطبري رحمه الله :
    " وأما قوله : ( فجزاؤه جهنم خالدًا فيها ) فإن أهل التأويل اختلفوا في معناه :
    1- فقال بعضهم معناه : فجزاؤه جهنم ، إن جازاه .
    وممن قال ذلك أبو مجلز لاحق بن حميد ، وأبو صالح .
    2- وقال آخرون: عُنِي بذلك رجل بعينه ، كان أسلم فارتدّ عن إسلامه، وقتل رجلا مؤمنًا، قالوا: فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا مستحلا قتلَه ، فجزاؤه جهنم خالدًا فيها.
    حكاه عكرمة مولى ابن عباس .
    3- وقال آخرون : معنى ذلك : إلا من تاب .
    وممن قاله مجاهد بن جبر .
    4- وقال آخرون : ذلك إيجاب من الله الوعيدَ لقاتل المؤمن متعمّدًا، كائنًا من كان القاتل ، على ما وصفه في كتابه ، ولم يجعل له توبة من فعله ، قالوا: فكل قاتل مؤمن عمدًا، فله ما أوعده الله من العذاب والخلود في النار، ولا توبة له ، وقالوا: نزلت هذه الآية بعد التي في"سورة الفرقان".
    وممن روي عنه ذلك ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت والضحاك بن مزاحم .
    قال ابن جرير :
    " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته ، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله :( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) الزمر/ 53 " .
    انتهى باختصار من "تفسير الطبري" (9 /61-69) .

    وقال ابن كثير رحمه الله :
    " والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع ، وعمل عملا صالحا ، بدل الله سيئاته حسنات ، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته " انتهى من "تفسير ابن كثير" (2 /380) .
    وانظر : "مدارج السالكين" (1/392-399) ، "تفسير ابن كثير" (6/124-130) .

    وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
    " فإن قلت : ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن القاتل ليس له توبة ؟!
    *فالجواب : من أحد الوجهين:
    إما أن ابن عباس رضي الله عنهما استبعد أن يكون للقاتل عمدا توبة ، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة ، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به.
    وإما أن يقال: إن مراد ابن عباس : أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول " .
    انتهى من "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (8 /222).

    وقد صح عن ابن عباس ـ أيضا ـ أن له توبة ؛ فروى الطبري (9/67) عنه قال : " ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله " .
    قال الشيخ الألباني رحمه الله : " أخرجه ابن جرير بسند جيد ، ولعله يعني أنه لا يغفر له ، على قوله الأول ، ثم استدرك على نفسه فقال : " إلا أن يستغفر الله " انتهى من "السلسلة الصحيحة" (6 /298) .
    وينظر جواب السؤال رقم : (147017) .

    والله أعلم .
    https://islamqa.info/ar/182945



  14. #14
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    14,235

    افتراضي

    سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " في مسلم قتل مسلما متعمدا بغير حق، ثم تاب بعد ذلك : فهل ترجى له التوبة، وينجو من النار، أم لا؟ وهل يجب عليه دية، أم لا؟

    فأجاب :
    " قاتل النفس بغير حق عليه حقان :حق لله بكونه تعدى حدود الله وانتهك حرماته ، فهذا الذنب يغفره الله بالتوبة الصحيحة ، كما قال تعالى : ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) ، أي : لمن تاب . وقال : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) . وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( أن رجلا قتل تسعة وتسعين رجلا، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدُلَّ عليه، فسأله : هل من توبة ؟ فقال : أبعد تسعة وتسعين تكون لك توبة ؟ فقتله، فكمل به مائة! ثم مكث ما شاء الله ، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل عليه ، فسأله هل لي من توبة ؟ قال : ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ولكن ائت قرية كذا ، فإن فيها قوما صالحين فاعبد الله معهم ، فأدركه الموت في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ؛ فبعث الله ملكا يحكم بينهم ، فأمر أن يقاس ؛ فإلى أي القريتين كان أقرب ألحق به ؛ فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة فغفر الله له ).والحق الثاني : حق الآدميين. فعلى القاتل أن يعطي أولياء المقتول حقهم ، فيمكنهم من القصاص ؛ أو يصالحهم بمال، أو يطلب منهم العفو ، فإذا فعل ذلك فقد أدى ما عليه من حقهم، وذلك من تمام التوبة.وهل يبقى للمقتول عليه حق يطالبه به يوم القيامة ؟ على قولين للعلماء في مذهب أحمد وغيره ؛ ومن قال يبقى له ؛ فإنه [ يقول ] : يستكثر القاتل من الحسنات حتى يعطي المقتول من حسناته بقدر حقه، ويبقى له ما يبقى، فإذا استكثر القاتل التائب من الحسنات رجيت له رحمة الله ؛ وأنجاه من النار ( ولا يقنط من رحمة الله إلا القوم الفاسقون ) " انتهى من "الفتاوى الكبرى" (3/ 407)، مجموع الفتاوى (34/ 171).

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •