السؤال:
هناك حديث أن امرأة وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما معنى أن تهب المرأة نفسها لرجل ، هل يعني أن تهب جسدها ، أو أن يكون طلبا لزواج طبيعي ؟ ولماذا رفضها الرسول صلى الله عليه وسلم ، هل لأنها ليست جميلة فقط ، أم لأنه ليس له حاجة فيها أبدا كقضاء شهوة لأنها ليست جميلة ، أو كدينها ، وكعدم وجود صفة في شخصيتها تنفع الرسول ودعوته ؟

تم النشر بتاريخ: 2016-11-07


الجواب :
الحمد لله
أولا:
المراد بهبة المرأة نفسها لرجل: هو أن يتزوجها ، لكن من غير مهر، وهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ليس لأحد من أمته.
قال تعالى: ( وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) الأحزاب/50
قال الباجي رحمه الله : " لا خلاف أنه لا يجوز نكاح بدون مهر لغير النبي صلى الله عليه وسلم ، والأصل في ذلك قوله تعالى: ( وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) [الأحزاب: 50] فأخبر تعالى أن ذلك خالص للنبي صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين فلا يحل ذلك لغيره .
ومن جهة السنة أن «المرأة قالت له يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك» فلم ينكر ذلك عليها فلو كان منكرا لأنكره عليها ولم يقرها عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على الباطل، ثم إنه لما سأل القائم نكاحها لم يجعل له إلى ذلك سبيلا دون صداق ، مع حاجة القائم وفقره وعدم ما يصدقها إياه، حتى أنكحه إياها بما معه من القرآن، ولو جاز أن يخلو نكاح غير النبي صلى الله عليه وسلم من عوض لما منعه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك مع شدة الفقر والحاجة" انتهى من "المنتقى شرح الموطأ"(3/ 275).
ثانيا:
روى البخاري (5030) ، ومسلم (1425) عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ : " أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْتُ لِأَهَبَ لَكَ نَفْسِي ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ ، فَلَمَّا رَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا ، فَقَالَ: ( هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ ؟ ) ، فَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : ( اذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ فَانْظُرْ هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ؟ ) ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ شَيْئًا ، قَالَ: ( انْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ ) ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَكِنْ هَذَا إِزَارِي - قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ - فَلَهَا نِصْفُهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِكَ، إِنْ لَبِسْتَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ ، وَإِنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ ؟ ) ، فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: ( مَاذَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ؟ ) ، قَالَ: مَعِي سُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا، وَسُورَةُ كَذَا - عَدَّهَا – قَالَ : ( أَتَقْرَؤُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ ؟ ) ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ( اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ) ".

وإنما نظر إليها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه في مقام الخاطب الذي يشرع له النظر إلى المخطوبة ، فإن أعجبته تزوجها ، وإن لم تعجبه غض طرفه عنها .
قال ابن الجوزي رحمه الله :" ( فصعد النظر فيها وصوبه ) أي نظر إلى وجهها وحط النظر إلى ما دونه ، وهذا يدل على جواز النظر إلى المرأة التي يراد نكاحها، وإنما فعل ذلك لجواز أن يريدها، فلما لم يُرِدها ، طأطأ رأسه " انتهى من "كشف المشكل" (2/ 270) .

وقال النووي رحمه الله : " أَمَّا صَعَّدَ: فَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ أَيْ رَفَعَ ، وَأَمَّا صَوَّبَ: فَبِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ خَفَضَ " انتهى .
وقال: " فِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ النَّظَرِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَأَمُّلِهِ إِيَّاهَا " .
انتهى من "شرح مسلم" (9/212).

وأما ترك النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يمكن الجزم بسببه ، فكم من خاطب نظر إلى مخطوبة فأعرض عنها مع جمالها، فليست القضية قضية جمال أو شهوة ، وإنما المدار على القبول واطمئنان النفس ، وهذه المرأة ربما لم تعجبه صلى الله عليه وسلم، أو لم تمل نفسه للزواج منها، أو غير ذلك من الأسباب.
والله أعلم.

https://islamqa.info/ar/254065