حركة الفكر.. وفكر الحركة



لعل من مواضع الاتفاق بين العديد من المهتمين بشؤون العالم الإسالمي اليوم أن الأزمة المعاصرة التي يمر بها العالم الاسلامي هي أزمة فكر بالدرجة الأولى ، قبل أن تكون أي صنف آخر من الأزمات التي تعتور حياة الناس ومجتمعاتهم وحضاراتهم ، فتلقي بهم خارج دائرة التاريخ تارة ، أو تجعلهم ذنباً في مؤخرة الركب تارة أخرى. فحياة الحضارة – إن صح التعبير – مرهونة بحياة الفكر فيها ، ومدى حيوية وجديته ، وملاءمته للواقع ، ومواكبته للمتغيرات ، مع احتفاظه بكينونته وهويته التي تميزه عن غيره من أنماط الفكر.

وأين المسلمون – ويا حسرة على العباد! – قد خفُت فيهم ضياء الفكر ، وخبا شعاعه منذ فترة ، قد يختلف على تحديدها المؤرخون ، من زاعم أنها بدأت منذ عصر اضمحلال الخلافة العثمانية ، وممن يمتد بها إلى العصر الحديث ، الذي انهارت فيه دولة الخلافة انهياراً قاضياً ، وتفتت شمل الأمة المسلمة إلى أمم تعرف من الإسلام ما تعرف ، وينكر منها الإسلام ما ينكر ، ولكن لا يختلف المؤرخون - في النتيجة النهائية – أن العالم الإسلامي قد ضحّى بما أُرثه من قدرة على إنماء الفكر وصياغته في صورة حركة دافقة دافعة ، وركن إلى التقليد و "الاستيراد" ، تقليد الأفكار واستيراد المنتجات!. وكلنا يعرف أن هذا المناخ لا يتولد إلا عن مناخ تغيب فيه الحريات ، ويكبل فيه العقل ، فيركن إلى التقليد والاستيراد.

من هذا المنطلق ، فإن أية "حركة" إصلاحية تقصد إلى إعادة الأمور إلى نصابها – ورد الحقوق إلى أهلها – يجب أن تدرك أن حركة الفكر هي المنطلق الحقيقي والوحيد لبلوغ الغاية المقصودة.

حين تنعزل الحركة عن الفكر فإنها تصبح شبيهة بالتشنج العصبي ، الذي لا يحكمه عقل ، ولا يوجهه منطق ، وحين ينعزل الفكر عن الحركة فإنه يصبح أشبه ما يكون بأماني الأسير في الحرية ، وجود خيالي لا يدعمه واقع ، ولا يتجواز عقل صاحبه ، فالفكر والحركة – إذن – هما وجهان لعملة واحدة ، نتاجها الإنجاز الإيجابي.

إن الفكر هو حركة العقل التي ينبني عليها تفاعل الأحداث وحركة المشخصات لتحقيق أهداف مرسومة. والحركة هي تجسيد الفكر في وقائع وأحداث تجري على ما رسمه الفكر وحدده.

والحركة بلا فكر لا ينشأ عنها إلا الفوضى ، التي لا تقضي أمراً ، ولا تصيب نجاحاً ، بُلَهَ مجافاتها للمقاصد الشرعية التي تبني اجتهادات المسلم على غالب الظن ، وما هو إلا نتيجة النظر الفاحص الذي يدرك أن غالب الظن متحقق في نفس الأمر.

والفكر بلا حركة لا ينشأ عنه مجتمع حقيقي واقعي ، يعالج مشاكل الناس ، ويدفعهم لحيازة نصيبهم من الدنيا ، وابتغاء الدار الآخرة ، بل هو أقرب إلى "اليوتوبيا" – أو هكذا سموها – حيث يتخفف المفكرون من عبء الواقع ومعالجته ، ويركنون إلى وهم الخيال ووهنه.

فالفكر والحركة متلازمان ، لا ينفك أحدهما عن الآخر إلا في فترات الهبوط الحضاريّ ، حين يغشى على أعين المخلصين ما يغشى ، فتتوه عنهم تلك العلاقة الوثيقة التي تجعل الانفصال بينهما بداية الانحطاط ووسطه ونهايته.

والغرب قد احتفظ بهذا الوقود الحضاري الذي يذكِّي القوة الدافعة البناءة ، فأنتج تقدماً فاق به المسلمين ، وتغلب عليهم على الرغم مما هو فيه من خراب عقائدي ، وانهيار خلقي. ولعله من الجدير بالذكر هنا – مما يعين على تقدير أهمية ما نرمي إليه – هو ما نلاحظه من أن نسبة منْ تفوق في مجال الإنتاج الإسلامي من مجموع المسلمين الجدد من أهل أوروبا أو أمريكا هي أعلى بشكل واضح من نسبة من برز من أهل العلم والفكر من أهل الإسلام الناشئين في الشرق ، بل ومستوى الفرد العاميّ المسلم الذي تحول حديثاً إلى اعتناق الإسلام من أهل الغرب أعلى من نظيره من عوام مسلمي الشرق ، ممن ينتسب إلى أهل السنة والجماعة في الحالين. و ما هو – كما نرى – إلا نتيجة للمناخ الفكري الأساسي الذي يتمتع به الغربيون ، فيحملونه معهم حين التحول إلى الدين الجديد. وصحيح أن الآفاق التي يحلق فيها من تحقق بالعلم من أهل الشرق لا تزال أعلى بكثير من نظرائهم من إخواننا من المسليمن الجدد ، ولكن النسبة العددية هي ما نرمي إليه لإثبات تأثير المناخ الذي يتحرك فيه الفكر على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع.

كذلك لا يظن ظان أن ما نقصد إليه بالفكر هو بالضرورة مذهب أهل السنة والجماعة بذاته – أي الأسس العقائدية لمذهب الحق الذي ندين به – إنما هذا المذهب هو من خيوط الفكر ومن جزئيات مادته ، فإن مذهب أهل السنة والجماعة – في معناه الواسع – يقدم القالب الإجمالي الذي يجب أن تدور من حوله عملية الفكر الجماعي والفردي ، بحيث يكون ضابطاً لهما ، ومانعاً من انحرافهما ، ومن ثم ما يترتب عليهما من نتائج في حياة الفرد والجماعة على السواء. وهذا القالب إنما نعني به منهج النظر والاستدلال الذي ينبني على معطيات أصول الفقه ، وعلى مقررات القواعد العامة الكلية في الشريعة. هذا المنهج الذي لم نر– حتى يومنا هذا – من تناوله بالدرس والتمحيص ليخلص منه بأصول للمنهج تشابه – على سبيل المثال لا المقارنة – ما وضعه ديكارت إبَّان حركة التنوير الأوروبية تحت عنوان "مقال في المنهج". وقد أشار كاتب هذه السطور إلى هذا الأمر من قبل – في مقال نُشر في منتصف الثمانينيات بمجلة "البيان" اللندنية تحت عنوان "حديث عن المنهج" - توجه فيه إلى مفكري المسلمين بشكل عام ، ومنظّري الحركات الإسلامية بشكل خاص ، إلى أن يولوا هذا الأمر انتباههم ، وأن يهيئوا المناخ لمثل هذه الإفرازت الفكرية أن تنشأ ، وتترعرع ، فينشأ بها جيل من المفكرين ، يوجه الحركة ، ويصحح مسارها من حين إلى حين.

فإذا فرغنا من تحقيق هذه الأولية ، ووجهنا النظر إلى الحركات الإسلامية المعاصرة – التي هي نتاج المجتمع الإسلامي المعاصر – رأينا فيها ما نرى فيه من سلبيات وإيجابيات ، إذ نشأ رجاله في أحضانه ، وتربوا على أفكاره ، فكانت صورة منه. فلا غَرْوَ إن انعكس في هذه الحركات نفس الداء الذي أوقف نمو الحضارة ، وعاق تقدمها في القرون الماضية ، ونقصد به داء الركود الفكري.

فالحركات الإسلامية المعاصرة إذن تعاني ضعفاً فكرياً يعوقها عن تكوين قاعدة فكر أصيل ، تبني عليه اتجاهها ، وتوجه – من خلال حركته – حركتها ، فيكون عملها منتجاً. ولا نحتاج إلى أن ندلل على ما نقول ، إذ إنه منذ أن سقطت الخلافة إلى يوم الناس هذا – أي منذ أكثر من خمس وسبعين سنة – لم نر لهذه الحركات نتاجاً عملياً مثمراً ، يشار إليه بالبنان ، ويظهر أمام أعين الناس كالعنوان. وما هذا – فيما نحسب – إلا لغياب الفكر المحقق المدقق الذي يعقبه عمل متقن محكم. ونحن لا ننكر ما قدّمه الرعيل الأول من أبناء هذه الأمة في هذا القرن من فكر راقٍ أصيل ، نتج عنه وجود الحركة الإسلامية ذاتها ، من أمثال حسن البنا وسيد قطب ومالك بن نبي والمودودي – رحمة الله عليهم جميعاً – إلا أن هذا الفكر لم يتابع بما يسمح له بالنمو من ناحية ، وبالتغيير والتعديل إن لزم الأمر من ناحية أخرى.

إن الفكر الذي نقصده ليس هو ما عبر عنه بعض كُتّابنا الأفاضل "بفقه الدعوة" أو "فقه الحركة" أو "فقه الاقلاع" ، إذ هو يتعلق بمرحلة ما بعد الفكر البنائي الأساسي. فقه الدعوة أو فقه الحركة هو أقرب ما يكون إلى التنظيم والترتيب لا التأسيس والتنظير ، ما نقصد بالفكر هنا إلا ذلك العمل العقلي الأساسي الذي تبني عليه الحركة ، فكر التحليل ثم التركيب ، فكر الجزئيات ثم الكليات ، الفكر الذي يرى المشكلات في مبادئها الأولية ، وما تنشأ عنه قبل أن يبدأ العلاج ، ويقترح الحلول. عن هذا الفكر نتحدث ، وهو ما نقصد إلى تحريكه من سكونه وركوده ، وهو العمل الأول الذي يجب أن تضطلع به الحركات الإسلامية. هذه القدرة الفكرية هي ما يجب أن تربي عليها الحركات الإسلامية أبناءها ومنتسبيها ، حتى يكون صفة عامة لهم ، ينشأ عنها حسن التحليل والتوجيه ودقة الفهم والتأصيل ، وهو ما يُنتج – بالضرورة – قيادات تتسم بدقة التخطيط ، وأتباعاً يتصفون بحسن الأداء. حين ينتظم هذا الفكر ، ويصبح صفة ملازمة لأبنائها ، ينشأ حينئذ فكر الحركة ، وفكر الحياة كلها. ففكر الحركة هو المبررات التي تجعل اتجاه الحركة في طريق معين اتجاهاً سائغاً له ما يبرره.

وإذا نظرنا إلى كبرى الحركات الإسلامية في هذا العصر – ونقصد بها حركة "الشهيد" البنا (رحمة الله عليه) – فإننا نجد مصداقاً لما قرّرنا من أن الفكر الحركي يعاني أزمة حادة نتجت عن الأزمة الأعم في جمود الحركة الفكرية في الأمة بشكل عام. فإن "الإخوان المسلمون" بعد أن فقدوا زعيم الحركة ومنظرها في نهاية الأربعينيات قد فشلوا في إعمال الفكر التحليلي ، وردّ جزئيات الواقع المحيك بما تجدد فيه بعد عصر البنا – رحمة الله عليه – إلى أصولها ، بحيث ينشأ عن هذه الحركة الفكرية الواعية فكر حركي يلائم معطيات الواقع الجديد ، فيثمر العمل ، وتتوج الجهود بالنجاح – أليس غريباً أن تظفر دعوة البنا بهذا النجاح الهائل في فترة حياتها الأولى ، وحتى وفاة مؤسسها ، ثم إذا بها تضمحل من بعده ، ويقل حصادها ، حتى يصبح جُل ما تعيش عليه هو ذكريات الماضي؟. ولو كانت الحركة الفكرية شابة فتية – تسري في أبناء هذه الدعوة من خلال ما تربى عليه أفرادها في مجتمعهم الكبير ، ثم في جماعتهم – لاستطاعت أن تواجه الواقع الجديد بما يناسبه من فكر حركي ، يوحد الجهود ، وينظّم الصفوف. وحتى لا نتجاوز حد الإنصاف ، فإننا يجب أن نذكر أن التحدي الجديد – الذي واجه الدعوة بعد فقد مؤسسها – كان تحدياً تاريخياً هائلاً ، إذ انتقلت فيه المواجهة إلى آفاق جديدة لم تكن بهذا السفور والوضوح في العصر الأول من حياتها ، ولكن أليس هذا هو دور المفكرين من أبنائها ومن أبناء الأمة كلها أن يتحرك فيهم الفكر ، ويعمل العقل لإيجاد ما يلائم الواقع من أشكال عملية منتجة؟ّّ!

وحتى لا نظلم حركة "الإخوان المسلمين" – في مرحلة ما بعد البنا – فإن سائر الحركات الإسلامية قد عانى مثل ما عنته هذه الحركة – بشكل أو بآخر – على درجات متفاوتة ، وإن اشتركت كلها في أنها لم تغذّ هذه القدرة لدى أبنائها ، ولم تنمّها بالقدر الكافي ، بل إننا نحسب أنه في غالب الأحوال عملت قيادات العديد من هذه الجماعات على كبت ما يظهر من براعم فكرية ، وذلك حرساً على مكانتها القيادية ، وتبنت مبدأ "الولاء قبل الكفاءة"ّ ، فأبعدت من يستحق لحساب من يوالي. فانزوت البراعم الفكرية ، ورضي القادة من الغنيمة بالاتباع! ، ثم ما نراه حاصلاً في واقع بعض الحركات الإسلامية الأخرى من أنها تربي أبناءها على منهاج يدفع إلى تحقير الفكر لحساب العمل ، فإن لم يكن ما تقدمه للدعوة عملاً حركياً في التو واللحظة كنت من المخذلين المتقاعدين. وما ينشأ هذا الاتجاه إلا حين تضعف القدرة الجماعية على التوجيه الفكري الذي يسبق الحركة ، ويوجّه عملها ، أو نتيجة الرغبة الشخصية في دخول معترك العمل الإسلامي من أي باب كان ، حين تجتمع في الفرد الرغبة المخلصة في العمل مع العجز عن التوجه الصحيح المبني على الفكر الواعي.

والمحزن في هذا الأمر أن نرى الحركات الإسلامية – التي تنعي على الأنظمة السياسية الكثير من ممارساتها مع مواطنيها – تكاد تتبع نفس سنن هذه الأنظمة في ممارساتها مع أتباعها من ناحية ، ومع مخالفيها من ناحية أخرى ، حتى أننا سمعنا من يردد القول: أن يتعامل أفراد حركته مع الأنظمة السياسية القائمة أفضل من أن تتعامل مع الحركات الإسلامية الأخرىّ ، وحين نحلل هذا الموقف إلى عناصره الأولية نجد فيه مصداق ما ذهبنا إليه من أن أبناء هذه الحركات الإسلامية وموجهيها ليسوا إلا نتاج هذا المناخ الفكري الراكد ، وأن جرثومة الإحباظ الفكري قد سرت في الجسد كله ، بما فيه من انتمى إلى الحركات الإسلامية.

ولسنا – يعلم الله سبحانه – بذاهبين إلى هذا القول ، وآخذين بهذا التحليل تقليلاً لقيمة العمل الإسلامي المعاصر ، فإنه – على ما يحتاجه من توجيه وتقويم – أملُ الأمة الذي تعيش عليه ، لعل الله – سبحانه - يُحدث من خلاله أمراً. وإنما قصدنا توجيه النظر إلى حقيقة أن الحركة الفكرية التي تباطأت في أبناء الأمة بوجه عام قد أحدثت آثارها التلقائية في أبناء الحركات الإسلامية بشكل خاص ، وأن تصحيح الفكر الحركي لا بد أن يبدأ بإذكاء حركة الفكر بشكل عام ، إذ هما صنوان لا يفترقان.

و حتى نسبغ على دعوانا هذه شرعية البرهان وقوة الحجة والدليل ، فسنتناول بعض ما كان من نتاج الحركة الفكرية من جهة ، ومن خراج الفكر الحركي من جهة أخرى ، لنرى بأنفسنا مدى ما نعانيه من نقص لا يسده إلا جهد مخلص جبار واع.

وأول – بل خير – ما نبدأ به ذلك العمل الفذ الذي أخرجته قريحة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيما عُرف بكتاب التوحيد ، فإن الأثر الذي تركه هذا العمل الفكري الديني التجديدي قد فاق أثر كل ما تركه عمل أجيال قبله أو بعده منذ تدهور الخلافة العثمانية ، وبداية تفكك عُرى دولتها. والكتاب على أنه لم يقدم جديداً من ناحية ما طرح من العقيدة – إذ هو مجرد جمع لما تفرق في شرح عقيدة أهل السنة والجماعة – ولكن مصدر قوته يرجع إلى مساق ذلك الجمع ، وتلك القوة التي تضاعفت بحشد دلائل التوحيد وعلامات قيامه أو سقوطه ، كما قررها رب العالمين ، وكما بيّنها المصطفى – صلى الله عليه وسلم – صافية نقية قوية ، لا مداهنة فيها ولا مجاملة. هذا العمل الفكري الفذ قد أفرز طاقة حركية هائلة تمثلت في حرة الإخوان (إخوان نجد) ، ثم استمر أثرها في كثير من الأعمال التي أصدرها عدد عديد من العلماء والدعاة ، وعلى رأسهم السيد أبو الأعلى المودودي ، و"الشهيد" سيد قطب ، ثم ما كان من أثر هذا العمل في الحركات الإسلامية المعاصرة ، خلاف حركة "الإخوان المسلمين".

ثم ما كتبه العلامة السيد محمد رشيد رضا – في العدد الأول من مجلة "المنار" في مطلع هذ القرن – حين تناول بالتحليل قوة الحضارة الغربية ، وسبب تفوقها. فقد استطاع هذا العالم الجهبذ أن يرى – بنور عقله وبهداية الله سبحانه له – ما لم ترهُ أجيال من بعده ، أو لنقُل ما فشلت أجيال من بعده أن تستفيد منه في حركتها. فقد قرر السيد رشيد رضا – حين تناول البحث في "منافع الأوروبيين ومضّارهم" – أن ما ساد الغرب من قوة تنظيمية أفرزت ما عُرف "بالمؤسسات" (Organizations) – أو "الجمعيات" كما سماها – وعزا تفوق الغرب على الشرق إلى أن الشرق لا يزال يعمل بروح الفرد لا بروح الجماعة. وما ذكره السيد رشيد رضا هو أمر في غاية الدقة في التحليل وصواب النظر ، فإن الغرب قد عرف نظام المؤسسات في منتصف القرن التاسع عشر ، ثم استفاض استعمال هذا الشكل من التنظيم في بداية القرن العشرين ، وأفردت له دراسات عديدة في مجال الأبحث الإدارية ونفسية الجمعيات وتصرفاتها (Organizational Behavior & Human Performance System) ، وصار استعمال كلمة "النظام" (System) سائداً في كل مجالات العلم سواء الطبيعي أو الاجتماعي. وما أردناه في هذه الإشارة إنما هو التدليل على أن فكر السيد رشيد رضا قد ضرب في أعماق الحضارة الغربية وسبب تقدمها ما سبق به حتى فلاسفة الغرب في إرجاع تقدمهم إلى هذا الشكل من العمل ، وعلى أن حركة الفكر التي قادها السيد رضا – رحمة الله عليه – كان يمكن أن تفرز نتاجاً عملياً حركياً لو قُيّض لها من يحملها ، ويحول طاقتها من الفكر إلى الحركة.

وحين نتحدث عن الأعمال الفكرية المؤثرة في الحركة ، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز السيد أبا الأعلى المودودي ، وما كتبه في بيان ما أحاط بعدد من المصطلحات من غبش في المعنى ، قد أدى بدوره إلى اضطراب في الحركة المبنية عليها ، وذلك في كتابه العظيم "المصطلحات الأربعة في القرآن" ، حيث نتاول بالتحليل مصطلحات "الدين" و"الرب" و"العبادة" و"الإله" ، ثم ما قدمه من فكر راق في تحليل النظام الإسلامي وبناء الدولة والدستور الإسلامي ، وقد كان السيد المودودي مواكباً لحركة بناء دولة باكستان ، فكان فكره ونتظيره لأبناء حركته – "الجماعة الإسلامية" – مصدر إشعاع فكري لغيرها من الحركات التي اهتدت بما خطّه أبو الأعلى (رحمة الله عليه ).

ثم نصل إلى معلم من معالم الفكر في هذا العصر ، تعدى آثره موطن صاحبه ، وجيل صاحبه ليكون مصدر فكر حركيّ دائم متجدد ، وهو كتاب "معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب ، والكتاب – على صغر حجمه – استطاع صاحبه أن يمهد الطريق إلى طلائع مباركة تأتي من بعده ، تهتدي بكتاب الله – سبحانه – وبهدي سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – ويتمثل فيهم بعضاً من شمائل ذلك الجيل الفريد من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن مادة القرآن لا تزال حية كما أُنزلت ، وسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لا تزال محفوظة في الصدور وفي السطور ، فحري بمن يتبعهما أن يرقى إلى قريب مما رقي إليه ذلك الجيل الفريد. وقد هلك في هذا الكتاب أُناس ترجموه إلى التكفير والعزلة الشعورية وغير الشعورية ، وما إلى ذلك مما لم يقصد إليه الكاتب ، ومن الناس من رماه بالغلو والخروج ، بل وبالكفر والمروق ، ثم إن بعض فضلاء الدعاة اعترض على بعض ما كتب الأستاذ سيد من أن جيل الصحابة لا تكرر ، وهو صحيح ، وإن كنا لا نذهب مع هؤلاء الفضلاء إلى ما ذهبوا إليه من تحليل لغرض سيد ومقصده ، فليس هذا موضع الخوض فيه على أي حال. ومحصل القول أن الحركة الإسلامية المعاصرة في جيل الستينيات والسبعينيات ترجع – بشكل أو بآخر – إلى هذا العمل الفذ الذي قُتل صاحبه دونه ، لتحيا كلماته من بعده.

أمثلة مضيئة من حركة الفكر التي توجه وتبني فكر الحركة ، وتقود خطواته. وذلك ما نقصد إليه من أن الحركة بلا فكر لن تؤدي إلا إلى إنتاج أمثال من يلقي بنفسه في معترك الحركة الجهادية دون أن يمر بمرحلة الفكر لعجز فكري أو لسهولة الحل المطروح. والفكر بلا حركة لن ينتج إلا أمثال أولئك القاعدين ممن يحترفون الكتابة ، ثم لا ترى لهم أثراً في واقع حيّ أو عمل قائم.

إن التحدي الذي تواجهه الأمة الإسلامية – في عصرنا هذا – هو تحدٍ عام شامل يهدد كيانها ووجودها ، يأتيها من بين أيديها ومن خلفها ، تتكالب على تغذيتة القوى الشيطانية في الداخل والخارج. وهو تحدٍ يضرب قوى الأمة في الصميم ، إذ ليس أضر على امة من أن تفقد قدرتها على الإنتاج الفكري. هو تحدٍ نفذ من نطاق العامة إلى نطاق الخاصة ، وظهرت آثاره في اللعثمة الفكرية التي تتسم بها الحركة – فهو – من ثم – تحدّ يستحق أن يواجه مواجهة عامة شاملة ، تشحذ لها القلوب والعقول ، ثم تبسط لها الأيدي ، تشمر السواعد حتى تخرج الأمة من المأزق التاريخي الذي يهدد كيانها ووجودها كأمة مستقلة ، لها تاريخ وحضارة وفكر حكم العالم ، وتفاعل معه قروناً متطاولة. وما نحسب هذا متحققاً إلا بتحريك الفكر ودعمه وتقويته ، وتهيئة مناخ يتربى فيه الفرد على "إعمال العقل" ، واحترام الفكر وتقدير دوره في توجيه الحركة.

[مجلة المنار الجديد ، 2000]