معالم في الفكر السياسي الإسلامي



كنت قد عزمت على التوسع في بحثٍ خاصٍ بموضوع المصلحة المرسلة، مفهومها وحدّها وتطبيقاتها في زمننا المعاصر، باعتبار أنها من الأدلة الشرعية التي قد أسئ استخدامها في استنباط أحكام شرعية غير صحيحة، لسبب أو لآخر، ثم ما قد يشتبه بها كدليل الإستحسان من ناحية، وما قد يكون مشتركاً بينها وبين "البدعة" من ناحية أخرى، تتمة لبحث كنت قد دوّنتـه في منتصف الثمانينات. ثم إني طالعت مقال أخي الدكتور صلاح الصاوى التي نشرها في العدد الخامس من مجلة "المنار الجديد"، تحت عنوان "رؤية فقهيـة حول المشاركة السياسية للمسلمين في أمريكا". ففكّرت وقدّرت، ثم فكّرت وقدّرت، إمّا أن لا أعلق علي ما في المقـال البتّـة، وهو خارج عن المقدور، بل عن المفروض، وإما أن أخاطب أخي وصديقـي في الموضوع كما تعودنا أن نتباحث فيما يعنّ لأحدنا في أمر من الأمور أو خاطر من الخواطر. لكن المقال قد خرج إلى حيز الفعل وأصبح مِلكاً لمن يقرأ من الناس، و"الفتوى" التي خلص إليها أخي الدكتور الصاوي أصبحت مرجعاً للمقيمين في أمريكا، ومنهم المتلهّفون على أن يضعوا أيديهم على مثل تلك الفتوى التي تفتح لهم باب ممارسة السياسة في الغرب على مصراعيه، إتكالاً على صحة فهمهم للواقع ودقة استنباطهم للمناط الخاص بفتواهم، خاصة حين تأتي "الفتوى" من عالم فاضل كأخي الدكتور، مرتكزة على ما قرره العلماء في باب المقاصد والسياسة الشرعية. فكان أن آثرت أن أناقش المقـال على صفحات المجلة، ليصل إلى قارئيها الرأي الآخر، أو، إن شئت، نقيض الفتوى.

ولمقال الدكتور الصاوى جانبان، أولهما: دراسة خاصة ببعض جوانب "المصلحة" الشرعية، وما يتعلق بها من مباحث في موضوع "مقاصد الشريعة" وما يقدم منها وما يؤخر. وهو بحث طيب، ساقه الدكتور في ترتيب يخدم ما يريد أن يصل إليه من نتائج دون تعسف أو افتعال، وإن كانت هناك بعض نقاط تمس هذا الأمر، لم يتعرض لها البحث بشكل واضح. ثم الجانب الآخر، الذي نزعم أنه لم يُخدم الخدمة التي يستحقها، عن واقع الحياة السياسية في الغرب، وهو ما تستلزمه الدراسة الموضوعية، لتكون مُعيناً للمرء على تعرف ما يجب أن يفعله في مثل تلك النازلة التي يتعرض لها من كتب الله عليه الإقامة في هذه الأنحاء من الدنيا.

وأبدأ بأن ُقدّم لهذا الموضوع بمقدمات أحسبها ضروريـة لفهم ما نخلص إليه من نتائج، منها ما هو من قواعد الفهم في الشريعة واستخلاص أحكامها، ومنها ما هو من مسلمات الواقع وأموره البيّنـة كما عاناها من عاناها ممن أقام في الغرب.

مقدمات ضرورية:

القاعدة الأولى : "الإجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الأمة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله" الشاطبيّ في الموافقات ج4ص90.وشرح هذه الجملة أن أي فتوى شرعية – او رأي شرعيّ كما يسميه بعض من لا يحب أن يقال أنه يصدر فتاوى، تورعاً وتقوى حيناً وتهرباً من مسؤليتها أحيانا – أقول: أي فتوى في أمر من أمور الحياة إنما هي مزيج من أمرين: الحكم الشرعي الأصلي، وهو حكم معلق في الهواء لا تعلق له بواقعـة محددة، بل هو الحكم في الحالة الأصلية دون تعيين، ثم الواقع الذي يُـفتى فيه، أو ما يسميه الأصوليون "مناط الحكم" أي ما يعلق عليه الحكم الشرعي فيصبغ عليه الحياة ويلبسه لباس الحقيقة والواقع. ومثال ذلك أن يقال أن الخمر حرام، فهو حكم شرعيّ أصليّ مجرد لم يتعلق بعد بأي حقيقة أو واقع، فإذا أراد امرئ أن يعرف ما هو حكم شرابٍ بعينه، وجب عليه أن يقوم بأمرين، أن يحلل الشراب حتى يعرف أنه مما يقع بكثيره السكر، ثم، إن ثبت هذا، ضْم إليه الحكم الشرعي بتحريم ما أسكر كثيره، فخلصت الفتوى: أن هذا الشراب بعينه حرامُ. وهذا القدر من الإجتهاد ضروري لا غنى عنه لمن أراد أن يتصدر لفتوى في أيّ من أمور الدنيا.

القاعدة الثانية : "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، وهو ما لم يتعرض لذكره أخي الدكتور في مقاله، ومعنى هذا أن أمراً من الأمور يظهر أن ما يسببه من ضرر على الفرد أو على الجماعة أكبر من نفعه لهما أو لأحدهما، فيكون تركه أولى من فعله. وهذه قاعدة من أهم قواعد النظر في أصول الشريعة إذ يبنى عليها الإقدام والإحجام في كثير من الأمور عن علم لا عن هوى. فلو فرض أن عملا ما قد قدر البعض ان فيه نفع له أو لقومه وعشيرته، ولكنه في نفس الوقت، سيجلب عليه أو عليهم ضرراً أكبر وأعم، قُدم المنع على الإباحة بلا خلاف.

القاعدة الثالثة : أن المصالح تقدر بحسب تحقق وقوعها أو إحتماله، وبحسب عموميتها وخصوصها، وبحسب وقوعها حالاً أو مآلا. ومعنى هذا أن المصلحة إن كانت ظنية غير متحققة الوقوع، قلل ذلك من الدافع لفعلها خاصة إن تعارضت مع محذور، الظن بوقوعه أكبر من تحققها في نفس الأمر. ومثال ذلك، من واقع حياتنا، أن يريد يرى أحد الناس أن يخرج للتريض في الهواء الطلق في يوم بارد، وهو يعلم أنه يعاني من صدر به حساسية للبرد، فمصلحة التريض قد قوبلت بمفسدة المرض، وفرصة تحقق المرض أكبر كما عانى هذا الرجل من قبل، فينصح بالكف عن التريض. كذلك فإن المصلحة إن كانت تخص عدداً أكبر من الناس كان لها تقدير يختلف عما إن كانت تخص فرداً أو أفراد منهم بالتحديد.

القاعدة الرابعة : المصلحة والمفسدة إن كانت أحدهما مما خفـيّ فإن لهما حكماً، فإن خفيت المفسدة وصعب إدراكها أقدمنا على الفعل لتحصيل منفعته، وإن خفيت المصلحة وصعب إدراكها امتنعنا عن الفعل لدرءِ مفسدته " راجع في هذا الباب قواعد الأحكام في مصالح الآنام للعز بن عبد السلام ج1ص50 وبعدها فهي من روائع ما كُتب فيه "

القاعدة الخامسة : "ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره" الموافقات ج4ص190. وهي قاعدة هامة قعّدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري ومسلم عن عمر "قال فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم" ومثله حديث سلمان مع حذيفة وحديث بن عباس عن عبد الرحمن بن عوف.

ومؤدّى هذه الأحاديث أن من الأمور ما لا يستلزم أن يفتي بصحته، وإن كان صحيحا في ذاته فمن العلم ما يكتم ومن العلم ما يفتى بخلافه لمصلحة متحققة، كما فعل بن عباس رضي الله عنه في فتواه بأنه لا توبة لقاتل حين استفتاه من استشعر منه الرغبة في قتل خصمه.

وخلاصة كل ما ذكرنا أن الفتوى الشرعية محكومة بمتغيرات كثيرة يحسب لها المفتي حساباً ويقدّر من خلالها مآل ما يفتي بـه فتأتي فتواه على حسب ما قدّر الشرع في نفس الأمر. فإن صدرت فتوى (أو رأي شرعي لمن يحلو له أن ينجو من أخطار الدخول تحت باب الإفتـاء) دون أن يعتبر فيها كل هذه المتغيرات، جاءت الفتـوى مبتورة ضررها أكبر من نفعها.

معالم العمل السياسيّ في أمريكا:

نأتي الآن إلى مناقشة الجانب الواقعي من هذه المسألة المطروحة. فالحياة في أمريكا، وفي بلاد الغرب بشكل عام تتميز بتقديم ما هو ماديّ على ما هو معنوي أو خلقيّ. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن القوم قد فرّطوا كلية في الجانب الخلقي من حياتهم، إنما يعني أنهم، أو أكثرهم، يتّبعون القواعد الخّلقية ومعاييرها لأنها تؤدي في غالب الأحيان إلى نتائج أفضل من الناحية المادية الحياتية، وهو ما يطلق عليه المتفلسفون مذهب "النفعية" أو "البراجماتية" وقد يندرج في بعض جوانبه تحت مذهب "الوضعية المنطقية". على كل حال، هذا هو مذهب القوم في الحياة العامة. ثم حين يأتي الأمر إلى ممارسة السياسة، فإن هذه النزعة المادية تتضخم بشكل مخيف، فالأمر أمر أمة من الأمم ومصلحتها العليا، ثم، وهو الأهم، هو أمر مرشح حزب من الأحزاب لا يهمه إلا أن يفوز حزبه بالأغلبية ثم أن يفوز هو بترشيح حزبه مرّات أخر.

هناك ثوابت في معالم العمل السياسي في الغرب، لا تتبدل ولا تتغير، منها على سبيل المثال لا الحصر، مراعاة حقوق الطائفة اليهودية إلى أقصى الدرجات، فلا يقال و لا يفعل ما ليس في مصلحتهم، بل لا يقال و لا يفعل ما هو في مصلحة غيرهم وإن لم يضر مصالحهم، إن قدروا على ذلك. ثم الكسب المادي، فممارسة السياسة ليست عملا وطنياً أو دينياً شرعياً يراه هؤلاء كما نراه، بل هو اغتنام موقف واهتبال فرصة لائحة لتحقيق الكسب المادي للمرشح ولمن حوله. والوسيلة إلى ذلك الخوض في أمور يرونها من المباح ونراهـا من الحرام، كشرب الخمر والسهر في حفلات صاخبة والتأنّـس بالنساء والتقرب إليهن للوصول إلى مرضاة أزواجهن وغير ذلك من وسائل تليق بأغراضهم وتناسب عقائدهم. ويخطئ خطأً بيّناً من يعتقد أنه من الممكن أن يدخل امرئ غمار السياسة في هذه البلاد ثم لا يتلوث بدناساتها أو أن ينجوا من خساساتها. هذا أمر لا يَفترض إمكان تحقيقه إلا غافل عن حقائق العمل السياسي في الغرب أو مُغرض يسعى لتخريب الطاقات الإسلامية بدفعها للإنغماس في مثل هذه الدناءات.

وقد قضى الله سبحانه على كاتب هذه السطور، بعد أن قضى زمناً ليس بالقصير في هذه البلاد، أن ينغمس في مجال العمل الحرّ وأن يكون له علاقات بمن بيدهم بعض الأمر. وأشهد الله سبحانه أنني لم أجد منفذاً لمن أراد الترقـي إلا بممارسة أعمال غير مشروعة أو بتمويل حملات دعائية وحضور مناسبات خاصة مع السياسيين للتقرب إليهم وممارسة ألعاب الرياضة "مثل الجولف" معهم في نواديهم ومع نسائهم.. إلى آخر ذلك مما استعفف عنه كاتب هذه السطور في حينها. هذا في مجال العمل، فكيف بالسياسة التي هي مفتاح المُغلقات في مضمار الإقتصاد والتي يتقرب رجال الأعمال إلي رجالاتها بما يخطر لك وبما لا يخطر لك من وسائل ومغريات.

وأذكر أن أخاً مسلماً يعيش في هذه الأنحاء من البلاد قد ركن إلى فتوى مماثلة صدرت من أحد المتبوعين في هذه الأنحاء (من أتباع حسن الترابيّ) دون أن ينتبه إلى مثل ما ذكرنا من محذورات، فدفع بإبنه إلى الإشتراك في حملات إنتخابية خاصة بحزب من الأحزاب ثم عرفتُ أنه قد تعود حضور حفلاتهم التي يمارس فيها ممنوعات شرعية. وقد كتبت في حينها بهذا الشأن (قبيل صدور مقال أخي الدكتور) أقول: "وآخر يدفع بأبناء المسلمين ليلتحقوا بالهيئات السياسية الكافرة ليفيدوا قومهم إن انتُخبوا أعضاء في الوزارة أو في مجلس الشيوخ، وينسى أنّ للاختلاط بهؤلاء السياسيين في هذه البلاد ثمن يجب أن يُدفع من حضور مؤتمراتهم وحفلاتهم والسير على مذاهبهم في النظر إلى الأمور الاجتماعية وغيرها، وكيف، بالله عليكم، ندفع بشباب، منهم من لم يتجاوز العقد الثاني من عمره في خضم هذه المعمعة، مع انعدام العلم الشرعيّ لديه وتكالب المعاصي عليه، مقدّمـين لمصلحة متوقعة متوهمة من الحصول على مقعد في مجلس الشيوخ في المستقبل القريب أو البعيد، على مفسدة حقيقية واقعة من اندماج مثل هذا الشباب في مفاسد الحياة السياسية الغربية التي يشكو السياسيون الغربيون أنفسهم من فسادها وانحلالها؟! هذا إن سلّمنا بصحة الاشتراك في مثل هذه الحكومات الكافرة كفرا أصليا، وهو أمر ليس هذا المقال محلاً للخوض فيه، إذ نحن في هذه المقالات نرصد ولا ننـقد، وإن وجب أن نشير إلى أن الخلط بين ما قد يقع فيه خلاف بين العلماء من جواز الاشتراك في الحكومات التي تطبق الإحكام الوضعية في بلاد الشرق المسلم، وبين جـوازه في هذه البلاد التي تكفر كفرا أصليا، خلط منقوض، فنقل الفتوى إلى هذا الواقع – من الشرق إلى الغرب – أمر يدل علي مسيس الحاجة عند القائل به لمراجعة قواعد الشريعة وأوجه الخلاف في الرأي في هذه المسألة وقواعد الأصول المقررة في تعارض المصالح والمفاسد" راجع مجلة "أمة الإسلام" العدد الرابع/مايو 1998 (مقال"الوجود الإسلامي في بلاد الغرب/3، وكذلك الإفتتاحية لنفس العدد).

الأمر إذن أمر معروف مستقر لا مجال لإفتراض حالات مختلفة بشأنه، كأن يقال إنه إذا حدث كذا وجب كذا وكذا... فإن الصورة الحقيقية والحالة العامة التي تعرّفنـا عليها في هذا الشأن هي ما ذكرنا، وبناءاً عليها، فيما نرى، يجب أن يصدر إجتهاد المجتهدين وتتخرج فتاوى المفتين. والتعبير، أو التكييف الشرعي، لهذه الحالة: أن غلبة الظن هي أن يمارس المسلم الذي ينخرط في مجال السياسة في الغرب ما لا يجوز له شرعاً وأن يخوض غمار الباطل حقيقة وحالاًً طلباً للوصول إلى حق مُتوَهم مآلاً. ثم لنعرج على مقال الدكتور الصاوى لنختبر مدى صحة نتائجه في ضوء ما قررناً.


مقال الدكتور الصاوى:

ومناقشة حجج الدكتور الصاوى، فيما توصل إليه من أن المشاركة في العمل السياسي مباحة بشروط وضّحها في ثنايا مقاله، لها وجهان، عام وخاص أو مجمل ومفصّل. فالمجمل أن قارئ المقال يستشعر أن الأصل في قضية الإشتراك في العمل السياسي مباحُ اصلاً، ولكنها إباحة مشروطة بشروط يجب تحققها، وهو ما لا نوافـق عليه الدكتور إن كان ذلك هو ما قصد إليه. فإن الدكتور الصاوى قد أورد القواعد الشرعية التي رآى أنها تحكم هذا الموضوع، وهي قواعد صحيحة في ذاتها، ثم عرّج على ما قد يُشوّش عليها بأن أسماها "شبهات" ثم أخذ في الرد عليها تحت عنوان "بعض الشبهات التي ترد على القول بمشروعية هذه المشاركة" ! هذا ولا شك يُنشأ إحساساً، بل يضع اساسا،ً في أن صاحب البحث يرى أن المشروعية هي الأصل المباح وأن ليس على المشارك إلا أن يتحوّط في هذه المشاركة. وهو ما لا نوافقه عليه كما ذكرنا، لا من الناحية العملية الواقعيةا، ولا من ناحية الإخلال بقواعد الولاء والبراء إن أصّلنا الإباحة كأصل معتمد ولو بشروط. فإن الأصل في مشاركة المشركين في نظمهم المنع، بل إن المنع ينسحب إلى حرمة انعقاد النية على الإقامة بين ظهرانيهم على وجه التأبيد بشكل عام، فكيف تؤصل إستباحة مشاركتهم في العمل السياسي بشكل خاص؟! فإن كان الأصل هو المنع، كانت الإباحة إذن مشروطة بحالات خاصة تقدر بقدرها وتعامل على أنها قضايا أعيان تُقبل في حدود ما ومن أفتيت له على وجه التخصيص. . بهذا نضع الإحجام مكان الإقدام والمنع محل المنح، فيما يتعلق بهذا الموقف. أمّا أن يؤصل الأمر على فتوى الاباحة الأصلية ويترك أمر التعيين لمن يريد فهو ليس مما دلت عليه دلائل الشرع وحججه.


وهذا التوجه الذي تبنيناه في عرضنا لما سبق قد أقرّه أخي الدكتور الصاوي من قبل، في رده العميق الصادق على فتوى تحليل التعامل بالقروض الربوية التي أصدرها المجلس الأوروبي للإفتاء مؤتمر رابطة علماء اشريعة بأمريكا الشمالية. فقد ذكر في الوقفة السابعة من المرتكز الثاني ما محصله أن القول بإطلاق الترخيص في هذا الأمر لعموم الجاليات خطأ شرعي، وأن القول بالمنع أولى ثم "على الترخيص في ذلك لمن يقع في حالة احتياج ظاهرة من الآحاد بعد عرض نازلته على من يثق في دينه من أهل الفتوى" وقفة هادئة ص61.

ثم نأتي إلى الرد الخاص أو المفصّل، مقتنعين بقدر محدود من التفصيل لضيق المقـام، فإن ما ذكره الدكتور الصاوي من أن المصلحة المطلوبة ظنية، وأن غالب المصالح تبنى على غلبة الظنون! وهو حق لا ريب فيه، ولكن القفز إلى القول بأن غالب الظن هنا أنّ المصلحة متحققة وأن المفسدة خفية أو متوهمة لا مبرر له، ثم راح الدكتور يدلل على أن مسائل الفقه مبناها على مجرد غلبة الظن لا تحققه! والسؤال هنا هو: كيف توصلنا إلى أن غلبة الظن في هذا الأمر هو تحقق المصلحة في المقام الأول؟ وما أورده الدكتور من قول للعز بن عبد السلام حجة للمخالف على الحقيقة، إذ أن غلبة الظن (بل تحققه) هنا هو في وقوع المفسدة للمشارك، وما تحقق المصلحة إلا ظن يسير تشهد بخلافه سوابق الحوادث ومستقرات الخبرة في هذا المجال. وقد رأينا في مقدماتنا ان درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأن المفسدة في هذه الحالة ظاهرة متحققة لا خفية متوهمة، والعكس أن المصلحة هنا هي الخفية المظنونة. وسبحان الله العظيم! إنّ تحقق المصالح بإشتراك المسلمين في العمل السياسي في شرقنـا المسلم لا يزال موضع تتناطح فيه أنظار الكثير من أصحاب النظر والرأي، والمانع منه له حجج لا يشك إمرءٍ في قوتها وضرورة إعتبارها حين مناقشة مثل هذه الأمور، فكيف بمشاركة غير المسلمين في بلاد غالبيتها العظمى من المشركين، وهي ليست كحال المسلمين في لبنان على سبيل المثال.

وإذا دققنا النظر في فتوى شيخ الأزهر التي أوردها الدكتور الصاوي نرى أن شيخ الأزهر قد نحى قريبا من المنحى الذي أوردناه، إذ بدأ بذكر المنع من مشاركة المسلم في العمل السياسي بشكل قوي جازم، ثم عرّج على ذكر شرط الإباحة بما أظن أنه من المقاييس الذاتية التي لا يَعتمد عليها إمرءٍ إلا في حالات الضرورة أو الحاجة الملحّة، مثل شرط قوة الشخصية و الإيمان، ثم شَرَطَ شيخُ الأزهر شرطاً على الشرط، وهو أن يكون في إنضمامه منفعة يوصلها لجماعته مع شرط آخر هو الحذر والحيطة. وما يؤخذ من ذلك أن شيخ الأزهر متحوط في حديثه أشد التحوط، وأنه يرى مثل ما ذكرت من أن المنع هو الأصل، وهو ما لم يظهر البتة في مقال الدكتور الصاوي.

والدكتور الصاوي قد ذكر أموراً من المزالـق التي قد تعترض طريق المشارك في العمل السياسي، وهي كلها أمور صحيحة لا مجال للإعادة فيها أو الإستدراك عليها. إنما الأمر أمر منطلق التصور في مناطها لا أكثر، فهذه المزالـق هي بعينها ما يجعل الأمر ممنوع منعاً أصلياً، لا أنه مباح يُحذر من مزالقه، والفرق كبيرٌ جدّ كبيرٍ بين المنطلقين، مصادراً وموارداً.

ومما أجاد فيه الدكتور الصاوي – حفظه الله تعالى – ما ذكره من أن الترخصات في هذا الموضوع مما يدمر مصداقية المسلم أمام نفسه وأمام جماعته، بل أمام الله سبحانه، فنحن أصحاب دعوة لا أصحاب دنيا نصيبها. وحين ذكر الدكتور – وأحسن في ذلك - أن هذا العمل "مزلة أقدام ومدحضة أفهام" فكان لا بد أن يرى بمنظار الفقـه ذاتـه أن تأصيل المنع هنا هو موقف السلامة والرشاد، وأن ليس كل ما يعرف يقال، وليس كل حق يطلب نشره، وأن على الفقيه أن يعرف ما قد تؤدي اليه فتـواه من إشاعة الفوضى والإجتراء على الله سبحانه، وهو لم يقصد إلى ذلك، فإنه إن كانت الموازنة بين المصالح والمفاسد واضحة بينة له، فهي ليست كذلك لغالب من يتصدى للعمل الإسلامي، بله من هو من عامة الناس الذين يريدون أن يتعلقوا بأقلّ مما ذهب إليه الدكتور ليخوضوا غمار هذا الباطل على حساب ما أُفتيَ لهم به.

مرة أخرى نستدل بما قرر الدكتور الصاوي في كتابه السابق، رداً على التعميم بالإباحة في فتوى المؤتمرين المذكورين – وما صاحبهما من تعضيد الشيخ القرضاوي لهذه الفتوى بعد أن ردها من قبل – يقول الدكتور الصاوي "أن في هذا التعميم من الخطورة والمجازفة ما لا تحمد عواقبه، فإن هذا يفتح الباب واسعاً أمام الجاليات الإسلامية للتفلت من جميع أحكام المعاملات المدنية والمالية والسياسية" وقفة هادئة 68. بهذا المنطق نفسه نقول أنه لا فائدة في التحذير من الخوض في أمر قد فتحنا لهم بابه أصالة، واعتمدنا على فهم آحادهم للشريعة وتقدير عوامهم للعوامل المختلفة المانعة والمرخصة.

ثم أمر آخر، أعياني النظر فيه، يخص النصيحة الطيبة التي بذلها الدكتور الصاوي لكافة فصائل العمل الإسلامي أن لا يحاكموا إخوانهم بناءاً على النظر الأول، وأن يتسامحوا فيما بينهم وأن يعذر بعضهم بعضاً، إلى آخر ما ذكر من طيب القول، وما أعياني هو: هل هناك كتائب أو فصائل من فصائل العمل الإسلامي تتخذ من المشاركة في العمل السياسي في امريكا منهاجاً لها؟ المعروف أن هناك من فصائل العمل الإسلامي من يتخذ الإشتراك في العمل السياسيّ في بلاد المسلمين منهجاً لا يرى فيه الضرر، وهذا أمر معلوم قدر الإختلاف فيه، ولكن هل منهم من نقل هذه القضية الخلافية إلى بلاد الغرب واستخدم نفس الحجج التي إستخدمها من أباحها هناك للمشاركة في العمل السياسيّ في الغرب؟ أم أن الدكتور قد مزج الأمرين معاً، دون قصد إلى ذلك، وقدم النصيحة لهؤلاء وأولئك على حد سواء؟.

الأمر – إذن – أخطرُ شأناً وأبعدُ أثراً في حياة المسلمين من أن يُبتّ فيه برأي في مقالٍ أو مقالين، إنما يحتاج هذا الأمر إلى أن يُدرس دراسة وافية من جميع جوانبه، العملية الواقعية والنظرية الفقهية، ثم يُبت فيه برأي مبنيّ على كافة معطيات الواقع وجوانبه. إن ملايين المسلمين وأبناء المسلمين ممن يعيش في هذه الأنحاء، لهم علينا حق التأنـي في إصدار فتاوى تخص أموراً قد تؤدي إلى إنهيار ذاتيتهم ومسخ شخصياتهم وطمس هويتهم الإسلاميـة فنكون عوناً للشيطان عليهم، وكفاهم ما هم فيه من مغالبة للرذيلة التي تحيط بهم من كل جانب. وأنا على ثقة من أن أخي الدكتور الصاوي يعلم تمام العلم ما يرزح تحته هؤلاء من ضغط وما يحيطهم من رذائل، فليس على الفقيه في هذه الحالة إلا أن ينزع – فيما نرى – إلى الحذر والحيطة، وإلى تقديم المنع على الإباحة درأءاً للمفسدة، ثم أن تترك الحالات الفردية لتقدر بقدرها، فيخاف الناس الإقدام إلا في محله. ولا يكفي في هذا أن تسطّر كلمات التحذير بعد أن تثبت الإباحة، فهيهات هيهات أن يرتدع الناس بهذا القدر. والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

[ مجلة المنار الجديد، 2001]