نعم..أين الحياد وأين الموضوعية!.. تعقيب على مقال الدكتور جابر قميحة



كنت أود أن أصرف جهدي الذي استنفذته في كتابة هذه السطور في أمر أكثر فائدة للمسلمين من هذا الأمر الذي أنا بصدد عرضه ، خاصة والحال التي تدنينا إليها كأمة ، أفرادًا وجماعات ومجتمعات ، أصبحت لا تخفى على أحد ، مفكرًا كان أو غير مفكر، إلا أنه في بعض الأحيان يداهمك أمر من الأمور، وتنزل بساحتك نازلة تجد نفسك أمامها مضطرًا لتجريد القلم أو اللسان لبيان ما قد يخفى أو يختلط على الناس في شأن هذه الواقعة أو أمر هذه النازلة. ولهذا السبب ذاته، سأجعل هذا الحديث أقصر ما يكون دون أن أخل بالمراد منه إن شاء الله تعالى .

وهذا الأمر الذي نحن بصدده هو المقال الذي تفضل فيه الدكتور جابر قميحة بالرد على مقال الأستاذ جمال سلطان بشأن "التيار التجديدي" في جماعة الإخوان المسلمين، في تصدير العدد الحادي والعشرين من مجلة المنار الجديد .

وللدكتور قميحة ، ولغير الدكتور قميحة ، أن يرد على أي مقال، وأن يعرض رأيه فيما يعرض غيره من آراء على الناس، عملاً بمبدأ حرية التعبير أو المبدأ الشرعي المقرر من "أن البيان يقع عند وقت الحاجة". لكن ما ليس للدكتور قميحة، ولا لغير الدكتور قميحة، أن لا يلتزم هذا الرد الحدود المتعارف عليها في أسلوب الحوار الفكري وما استقرت عليه الأعراف في مجال النقد الموضوعي من أن يتعفف عن استخدام ألفاظ أو الإشارة إلى معان فيها مساس بشخص الخصم أو غرضه ونيته فيما قال.

و مقال الدكتور لم يخلو من هذه الهنات التي تنغص على القارئ وتفرض عليه لونًا من الحرص في تقبل المادة المعروضة، خاصة مع ما شاب المقال من نفثات غضب وانفعال لا يخطئها القارئ المتعجل؛ بله القارئ المتأني، قد توحي بالتعصب والتحيز، فيما لا يصح فيه التعصب والتحيز.

ومثال على ذلك قوله في ص 112: ".. وابتكار ما لا وجود له ..." وهو يكاد أن يكون رميا صريحًا بالكذب ! ولو اكتفى الدكتور قميحة بما أورد في شبهة "اضطراب الإسناد" التي تغني عن مثل هذا التعليق المشبوه، لكان خيرًا له ولمصداقية المقال وحياده.

ثم يأتي دور النظر فيما رد به الدكتور قميحة على مقال الأستاذ جمال سلطان. وقد ارتضيت أسلوبًا يسهّل على القارئ معرفة موضوع الدعوى التي وردت في مقال الدكتور قميحة، وما رأيناه من تعقيب عليها، فأوردت مختصرًا أمينًا لأقواله، مبوبة حسب ما بوبها، ثم أتبعتها بما هو لائق من التعقيب عليها.

اضطراب الإسناد:

احتار الدكتور قميحة بعد قراءته للمقال ثلاث مرات أن الكاتب (الأستاذ جمال) لم يُنَسِّب - بشد السين وكسرها - ما ذكره من أقوال بأن يذكر أسماء من قالوها أو عمن أخذها وأين ومتى وكيف، كما أنه (الأستاذ جمال كذلك) قد خلط في كتابته بين ما هو من رؤيته الخاصة وما هو من أقوال الغير. يقول الدكتور "..وليس فيه عبارة واحدة محالة على مرجعها، أو واقعة محددة الزمان والمكان، والاتهامات تلقى على عواهنها دون تحديد ولا أدلة..." ص 113 . كما أنه يقول في نفس الصفحة "فإسناده إلى "تيار" لا أشخاص".

ونرفع حيرة الدكتور بأن نقول أنه ليس من شك في أن إسناد الأقوال إلى أصحابها هو من قبيل السنة المعتمدة، ومما استقر عليه عمل الأوائل في تحقيق الأقوال حتى لا يفسد ما بين الناس بظنيات الأقوال وعواهنها. ولكن لا أظن أنه يخفى على الدكتور قميحة أن هناك مواقف وموضوعات يصعب فيها ذكر الإسناد لاعتبارات عديدة لا محل لذكرها في هذا الموضع، عملاً بأنه ليس كل ما يُعرف يقال. والمهم، إن فهمنا هذه الجزئية، وفهمها معنا الدكتور قميحة، أن ننظر إلى محتوى الأمر المعروض فنحاول أن نرى مصداقيته من أرض الواقع، بدلاً من التعلل في رفضه بعدم وجود الإسناد !

أما إسناد الوقائع إلى تيار، فلا أدري ما الذي أثار الدكتور قميحة في هذا الأمر ؟ والتيار قد يكون قويًا أو ضعيفًا، وما عليه لو قال أن هذه الوقائع التي يرددها البعض، وإن كانوا قلة على حد زعمه، تمثل تيارًا لا يزال في مهده، وأن الإخوان شاكرون لتنبيههم لما يجري في هذا الشأن، وأن قياداتهم ستحقق في هذا الأمر، وأنهم يدعون كاتب المقال إلى أن يسعفهم بوقائع وأسماء بالطريق الذي يراه صائبًا حتى يصححوا المسار، ما عليه لو كان هذا موقفه، فلم يتمسك بشكلية وإن كانت مراعاة في غير هذا الموضع، فإنها لا تستدعي غض البصر عن الدعوى بكاملها، ورفضها شكلاً وموضوعًا. أفيظن ظان أن عمر بن الخطاب كان يثور هذه الثورة إن أبلغه أحد من الناس أن هناك خلل في ثغر من ثغوره ؟ لا والله الذي لا إله إلا هو ؟ ولكن أين نحن من عمر ؟! بل والأدهى من ذلك، مما لم ينتبه إليه الدكتور قميحة، أن هذه الثورة هي في حد ذاتها أدل دليل على صدق ما قرره "التيار التجديدي" من العصبية المغالية التي يتردى فيها بعض منتسبي العمل الإسلامي بشعور أو بغير شعور منهم .

أما عن الاختلاط والاضطراب بين ما هو من قول الأستاذ جمال أو رؤيته ، وما هو من قول "الآخرين" ، فأحيل الدكتور إلى ما كتبه بشأن عدم إيراد الأدلة في المقال ، إذ لا أدري أي المواضع يعني، فلعل الدكتور يورد مثالاً مما اختلط عليه كي نوضحه له ونزيل التباسه . كما أحيله إلى ما ذكره الأستاذ جمال سلطان في مقدمة الجزء (4) من مقاله حين قال: "من خلال الحوارات التي تمت والقراءات التي عرضت ، يمكن أن نوجز - بما يناسب المساحة المحدودة هنا - أهم المحاور التي يطرحها "التيار التجديدي" في الإخوان المسلمين...". ألا يفهم من هذا أن ما سيأتي بعد ذلك هو من قول أو طرح التيار التجديدي ؟ وإن استعار الكاتب لسانه ليدلل على ما أتى على لسان الآخرين، وهو ليس بمستغرب في أسلوب الكتابة وطرق البيان، ولا أظن أن ذلك أمر يفوت مثل الدكتور قميحة. وقد كان من الجلي الواضح أن الأقسام الثلاثة التي سبقت ذلك هي من فكر الأستاذ جمال الذي أثارته مراجعات التيار الجديد.

التحويل غير المبرر :

ينعى الدكتور، في هذا الموضع، على أصحاب التيار التجديدي أنهم قد وجهوا سؤالاً إلى المرشد العام للجماعة بشأن الغلو في تقدير الجماعة، وأن هل الجماعة تعتبر نفسها "جماعة المسلمين" ؟ يقول الدكتور في محاولة تنظير ما يراه: "إذا وجهت سؤالا إلى شخص ما لاستطلع رأيه في مسألة أو مشكلة معينة، وأجابني فيها، فبها ونعمت، أو ظهر أنه عاجز عن الإجابة قاصدًا، فمن حقي أن أقصد الآخرين بالسؤال.." صـ113. ويقول : "ولكن الإجابة جاءت من الشيخ فيصل المولوي فقيه الجماعة (لبنان)، كما جاءت من الأستاذ فتحي يكن" الصفحة السابقة .

والرد على هذا يكمن في أن سؤال المرشد عن هذا الأمر لا يبعد أن يكون سؤالاً لم يلق ردًا مباشرًا لسبب من الأسباب ، كما أنه قد يكون سؤالا معنويًا لإظهار ما يعتري هؤلاء الشباب لم يفهم منه المرشد إرادة الرد عليه بالتحديد، ويمكن أن يكون هذا أو ذاك من الأسباب، ونتساءل: ما الخطأ الذي لا يغتفر في أن يلتمس المرء إجابة عن تساؤلاته من كبار مفكري وفقهاء الجماعة من منتسبي الإخوان، سواء في لبنان أو في سوريا أو في غيرهم ممن أشار إليهم بقوله "الآخرين !!" ؟ وهل الأستاذ فتحي يكن غير مؤتمن على إجابة مثل هذا السؤال ؟ وهل هذه نقطة ينحرف بسببها منتسبو الإخوان عن النظر الموضوعي في مثل هذه الاتهامات الخطيرة ومحاولة رصدها وإصلاحها ؟ وهل عبر الأستاذ فتحي يكن أو الشيخ المولوي عن فلسفة الجماعة بغير ما عبر به مرشدها ؟ إن كانت الإجابة بنعم، فالخلل واضح إذن والخرق متسع عما قرره أصحاب تيار التجديد، وإن كانت بلا، فليخبرني مخبر فيم إذن فائدة هذا التعليق من الدكتور ؟!

وإذا رجعنا إلى مقال الأستاذ جمال سلطان، نجد أن السياق يلمّح - دون تصريح - إلى أنه قد يكون السبب في ذلك أن المرشد قد تباطأ في الرد المباشر على ذلك التساؤل، إذ قال، بعد ما أورد صيغة السؤال الذي وجهه أصحاب "التيار التجديدي" إلى المرشد: "...ولكن الإجابة جاءت من الشيخ فيصل المولوي...كما جاءت من الأستاذ فتحي يكن...". وهو ما يجعل السؤال موجهًا مرة أخرى للدكتور: لماذا لم تأت إجابة مباشرة لذلك التساؤل المباشر حين وروده ؟

إنّ تساؤل الدكتور قميحة "فأين الغلو المتزايد في تقدير الجماعة" مردود عليه من واقع تعقيبه في مقاله ذاك، الذي هو أكبر دليل على صحة ما ينسبه أصحاب تيار التجديد إلى قيادات الجماعة ومريديها من الغلو المتزايد في تقدير الجماعة لدى منتسبيها، والذي نفاه عنها الدكتور نفسه في صـ 114. ونسأل الدكتور: هل هناك أمر من الأمور التي يراها الإخوان من مثالب حركتهم أو حتى من صغائرها أو أخطائها وهناتها، فيذكره لنا ؟ أم هي حركة تجردت من الأخطاء والمعايب، فصارت أشبه ما تكون بزخم الصحابة في مطلع الدعوة، لا خطأ ولا انحراف ؟ وهو ما أراه متضمنًا في دعوى الدكتور، فإنه لا تكفي الإشارة إلى أن هناك أخطاء وهنات ليقنع الناس بأن الحركة ترى ما فيها من زلات وانحرافات، وتنقد نفسها نقدًا ذاتيًا. وأن تساق هذه الكلمات التي أوردها في صـ 118 على استحياء، من أن الجماعة لها أخطاء وهنات، فتُدَسّ في خضم من التمجيد والغلو الحقيقي قبلها وبعدها، لناطق بما يعتقده الكاتب وإن دُسّت هذه الألفاظ دسّـًا بين الكلمات، حتى لو أنه تُـرك لكاتبها أمر طباعة المقال، لأمر بطباعة هذه الكلمات "بفونط 4" !

لعبـة الاستبدال :

استعرض الدكتور القميحي نصًا للدكتور محمد حبيب يشرح فيه طبيعة حركة الإخوان ومفاهيمها وما بنيت عليه وما تراه في مجال العلاقات الأخوية بين أعضائها، وهو نص قام شباب "التيار التجديدي" باستبدال كلمة "الإخوان" فيه بكلمة "الإسلام"، فما وجدوا تغيرًا في المعنى، مما اتخذوه دليلاً إضافيًا على ما يقصدونه من أنه رغم أن التوجيه النظري يؤكد أن جماعة الإخوان هي جماعة من المسلمين، إلا أنها، بتصرفاتها وبلا وعي من قياداتها، تعكس مفهومًا آخر هو أنها جماعة المسلمين. ثم يقرر الدكتور قميحة ضعف وتهافت وعبثية هذه المحاولة، وأنها جاءت تقتطع من سياق الحديث ما يخدم غرضها : "ألست معي - بعد كل أولئك - أن فكرة الاستبدال هذه أقرب إلى العبثية منها إلى المنهج السوي والتفكير السديد" صـ 117 ويسوق للدلالة على عبثية المحاولة نصوصًا من جان بول سارتر عن الوجودية ويستبدل فيها كلمة الإسلام بكلمة الوجودية، كما فعل الفعل ذاته مع نصوص من منشورات الجمعية الشرعية، فوصل إلى نفس النتيجة من عبثية هذا النهج .

وتعليقي على هذه النقطة بسيط ومختصر، فإنه يجب على من يعتقد أن جماعة الإخوان لا تزال تتألف من بشر يصيب ويخطئ، أن يتجاوز سذاجة المحاولة ذاتها - إن صح هذا التعبير - إلى ما هو أخطر من ذلك، أي دلالتها على ما يعتري هؤلاء الشباب من الرغبة في التعبير عن فكرة محددة تؤلمهم وتقض مضاجعهم، وتلجئهم إلى هذا الأسلوب الذي سخر منه الدكتور قميحة ووصفه بالعبث واللعب، بدلاً من أن يردد النظر في مدلوله ويأسف على أن يصل الأمر ببعض الشباب إلى أن يلجأ لهذه الوسيلة ليدلل بها على هواجسه .

ثم إنه فارق كبير بين استخدام مثل هذا الأسلوب لنصل به إلى تطابق الوجودية السارترية مع الإسلام، وأن يستخدمه شباب مخلص مسلم في محاولة إيصال مفهوم معين لعقل من لا يرى بعقله. وهم لا يتهمون الجمعية الشرعية بشئ، ولا أنصار السنة بشئ، بل هم، أحسبهم، رأوا تطبيقًا يجعل من جماعة الإخوان المسلمين "جماعة المسلمين" فاستدلوا بما استدلوا به بعد ما رأوه على أرض الواقع .

ثم إن هؤلاء الشباب لم يقوموا بهذه المحاولة لتكون دليلهم الرئيسي على ما ذهبوا إليه! بل هي إضافة قد عنّت لهم لتضيف قرينة إلى دليل على ما أحسب . ثم ثالثة، هبنا لا نقبل بهذا الأسلوب دليلاً قطعيًا على ثبوت أمر من الأمور الدينية العقائدية، وهو لا شك غير مقبول فيها، فهلا اعتبر في أمر من الأمور الاجتهادية، بقرائن تقويه كما ذكرنا، ثم هل نتغاضى عن هذا الأمر وننفيه كلية ونرفضه بتاتًا لأن من نبه إليه قد استخدم هذا الأسلوب ؟ أليس هذا إمعانا في الشكلية ورغبة في إغلاق النوافذ والأبواب في وجه أي احتمال للنقد والتوجيه ؟

التضخيم الاصطلاحي :

يؤكد الدكتور على ضرورة استخدام المصطلحات في حدودها المرسومة دون تجاوز "ينحرف بالمصطلح انحرافًا خطيرًا" صـ 117 ويقول بعدها: "ولكن المقال ترخص - إلى أبعد حد - فجعل من فرد أو أفراد يعارضون سياسة الإخوان "تيارًا" الصفحة السابقة .

وهو تكرار لما ذكره الكاتب من قبل في بداية حديثه من أن الأمر لا يتعدى حفنة خارجة عن الكل، لا يجب أن يؤبه برأيها أو أن يستمع للهجها، فهي ليست "تيارًا"! ولا أدري، كما ذكرت سابقًا، هل يجب أن تصبح هذه المخالفات الخطيرة التي ذكرتها الحفنة الخارجة عن الشرعية من الوضوح والانتشار بحيث يتكون من المحذرين منها "تيارًا" قبل أن نأبه لها (والدكتور يعني بالتيار هنا أن يكون قويًا عارمًا) ؟ ألا يجب أن نسارع بوأد الفتنة في مهدها وهي لا تزال في حال ضعف قبل قوة ؟ أهذا ما يقصد إليه الدكتور ؟ أن نغض البصر عن هذه الظواهر حتى تقوى ويمثل مناهضوها تيارًا قويًا ؟

ثم، ما هي قيمة أن يكون الناقدون حفنة صغيرة أو أن يكونوا "تيارًا" خضمًا عارمًا، إن كانت الحفنة صادقة، بل لو كان الناقد فردًا صادقًا لاستحق أن يُستمع له وأن يؤخذ كلامه مأخذ الجد، فهو في معرض النقد لا في معرض المدح، فهو أجدر أن لا يحمل على سبيل الهزل أو الاستهزاء .

وأمور أخرى:


يذكر الدكتور قميحة في صـ 116 أن جماعة الإخوان "يباركون جهود كل جماعة تعمل للإسلام بمصداقية ويمدون أيديهم للتعاون معهم"! دعوى بلا دليل.
لم بعلق الدكتور قميحة على ما ذكره الأستاذ جمال على لسان أصحاب "التيار التجديدي"، عن الحساسية المفرطة بشأن المراجعات لدى قيادات الإخوان، وعن الحذر والتحذير الشديد بشأن النقد الذاتي للجماعة، فهل هذا دليل على موافقته لأصحاب "التيار التجديدي" بشأن تلك الظواهر ؟
من الاتهامات التي وُجهت للجماعة "تذرع قادتها بالمحنة والمطاردات الأمنية لتفادي النقد الذاتي والمراجعات ولتخدير الأجيال الجديدة.." و "من حاول الإصلاح من الداخل أحاط به الشك والارتياب وعليه أن يستسلم أو أن يعزل.." صـ 119 يعلق الدكتور قميحة أن مقال الأستاذ جمال: "..لا تقدم دليلا أو شاهدا واحدًا على صحتها، ويجد القارئ نقضها فيما ذكرناه من قبل" .. وأسأل الدكتور قميحة: هل ما ذكرته من قبل في مقالك إلا محاولة نقض لأدلة رأيتها ضعيفة، دون بناء أدلة شاهدة على ضدها إلا من نصوص كتب أو أقوال في خطب ما أسهل أن يستدل بها المستدلون...! هؤلاء الشباب يتحدثون عن أرض الواقع وما يجري فيه يا دكتور قميحة، لا ما هو مسطور أو منشور. وإن تحيّرت في معرفة الفرق بينهما فارجع إلى أية جريدة حكومية في مطلع صباح أي يوم لتدرك ما نقصد ...
يذكرني ما ذكره الدكتور عن "نفي الصراع الداخلي بين الشباب والشيوخ" و أن "الكل منصهر في بوتقة واحدة" بتصريحات رسمية تصدر على الدوام عن مؤسساتنا السياسية الحكومية !
يستدل الدكتور بما كتبه المرشد الحالي و المرشد السابق - رحمة الله عليه - في تنظير فكر الجماعة ، على ما يذهب إليه من آراء مثالية بشأن تطبيقات الجماعة على أرض الواقع، فهل يستلزم جمال النظرية وكمالها صدق التطبيق واعتداله ضرورة ؟ ولو كان ذلك كذلك، لكانت أمة الإسلام اليوم هي أرفع الأمم شأنًا وأعلاها كعبًا، ولما احتاجت الأمة إلى الإخوان المسلمين ولا غير الإخوان المسلمين لتصحيح مسارها، فهل يا ترى هذا هو حالنا ؟ فإن كان حال الأمة التي تحمل فكر الإسلام في فلذات أكبادها هو ما نراه ونلمسه، فما بالك بحال جماعة من المسلمين، ينظّرون ثم يطبقون بكل ما يعتري البشر من خلل في التنظير والتطبيق جميعًا ؟
استدل الدكتور قميحة بعدد ممن تركوا الإخوان وخرجوا من الجماعة على أنهم من أبنائها ومفكريها، كالشيخ الغزالي رحمة الله عليه، والشيخ القرضاوي. فهل غاب عنه أنهم لم يعودوا من منتسبي الإخوان، أم هي عادة تأصلت في الجماعة أن تحيط بردائها من ارتفع شأنه، حين يتعذر تجاهله، فتنسبه لنفسها أمام العامة، كما حدث مع الأستاذ سيد قطب رحمة الله عليه.
ثم نهنئ الدكتور على المتغير في فكر الجماعة، الذي أدى إلى ترشيح أحد الأخوات في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة! ونترقب ما تأتي به المتغيرات في الأيام القادمات .

إذن فإن قضيتنا مع الدكتور قميحة في هذا الموضع هي قضية منهج، كما أنه رأى قضيته مع الأستاذ جمال قضية منهج كذلك. ومنهج الدكتور هو منهج المستمسك بالنظريات والحرفيات، الذي لا يريد أن يفتح عينيه على ما يجري حوله، إذ أن ما يجري حوله قد وصفه مرشدو الإخوان ومنظروهم في تلك الكلمات الساطعة والمفاهيم العالية، فما لنا ولهؤلاء الذين ينغصون علينا هذا الحلم الجميل، وما لنا يراد بنا أن نصرف الجهد في استقصاء ما تقصد إليه هذه الحفنة من الخارجين إن ثبت لدينا ما قد خطّته يراعات قاداتنا في كتبهم المطبوعة وعلى أشرطتهم المسموعة ؟

ونحن لا نختلف كثيرًا مع الدكتور على ما أورده في مقاله من نقولات عن منظري الإخوان الأوائل، ولكننا نريد له أن يتجاوز المسطور ليرى الواقع وما قد يحتويه من شوائب تفسد حسنه وتهدد باغتيال مصلحته القائمة .

إننا، يشهد الله سبحانه، كبقية المسلمين الملتزمين بمنهج الإسلام، نريد للإخوان المسلمين أن يتحقق مطلبهم وأن تنجح مقاصدهم، بل وأن يصبحوا قوة مؤثرة في الواقع، بل أن يصبحوا القوة المؤثرة في الواقع، إذ أن مسعاهم هو مسعى كافة المسلمين الغيورين على الإسلام، وإنما نختلف مع الدكتور قميحة، وعن الدكتور قميحة، في أننا لا نرى النجاح في مساعي أي من الجماعات الإسلامية، سواء كانت هذه الجماعة أقدمها أو أوسطها أو آخرها نشأة، إلا بالأسباب التي جعلها الله وسيلة لتحقيق هذا النجاح، ومن أهمها أن لا ترى نفسها أعلى من النقد أو أنها مبرأة من كل عيب، أو أن مسيرتها هي المسيرة التي لا تخطئ وأن قافلتها هي القافلة التي لا تضل، وإلا فالإخوان على مسرح الأحداث منذ ما يربو على ثلاثة أرباع القرن، فأين الأمة من المنهج الإسلامي الآن ؟ وأين هو النجاح الذي يستدل به على مسيرة لا تخطئ وقافلة لا تضل ؟ إنه من الثابت المستقر أن نجاح المساعي الإسلامية قاطبة لن يتحقق إلا بضمان صحة منهجها وقدرتها على الالتزام بالسنن من ناحية، وبرؤية مناحي ضعفها بمنظار الآخرين من ناحية أخرى ، فالعصر ، يا أحبابنا من أبناء الإخوان، ليس عصر النبوة الذي لا يأتي مرشدَه _ الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه، إنما عصرنا هو عصر اجتهادات إن أصابت فمن الله ، وان أخطأت فمن أصحابها ومن الشيطان .

وكنت قد أصدرت قراءة في ملف الإخوان في العدد الثالث عشر من المنار الجديد، عرضت فيه لبعض تلك السلبيات التي أصبحت من معالم الإخوان، يكاد يجمع عليها من له علم بشأنهم، فليرجع إلي المقال من يشاء، إلا أنني أود أن أؤكد في هذا الموضع أنه لا عيب في أن تعالج الحركة مواضع ضعفها حتى تعود إليها مصادر قوتها، ولكن العيب كل العيب، والخطل كل الخطل في أن تغمض العين عما يجري في دهاليزها وبين أروقة أتباعها لكي تعيش في حلم "الجماعة الأم" وأمنيات "الكلُ منصهِر في بوتقة واحدة" وما إلى ذلك من تصورات تنبأ عن سلامة نية مصحوبة بغفلة عن الواقع وحقائقه .

ثم أمر في مقال الدكتور قميحة لا نختلف فيه معه، وهو أن خلاف الرأي لا يفسد للود قضية. والله من وراء القصد، سبحانه .

[مجلة المنار الجديد ، 2003]