الهجمة على المسلمين في بلاد الغرب ... مظاهرها و عواقبها



من المسلّم المعروف أن وسائل القضاء على التوجه الديني لدى شعب من الشعوب أو أمة من الأمم تتعدد وتتشكل حسب ظروف العصر وقوة الأمة أو ضعفها وسهولة اختراقها في كافة مناحي الحياة . ومن هذه الوسائل الغزو الثقافي والإقتصادي والعسكري . وقد شهدت بلاد المسلمين خلال القرنين الماضيين الهجمة الغربية[1] الصليبية الصهيونية التي تبنّت كل أشكال الهجوم بدءاً بغزو نابليون العسكريّ لمصر والشام وانتهاء بالغزو العسكري الأمريكيّ للعراق ، وما بين ذلك من غزو استشراقيّ وثقافيّ في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين والذي بلغت أشدها في كتابات من والى المشركين من أمثال طه حسين في "الأدب الجاهليّ" أو على عبد الرازق في "الإسلام وأصول الحكم" و قاسم أمين في "تحرير المرأة" وغيرهم ممن تبع خطاهم في محاولة تلويث وتدنيس الفهم الإسلامي وثقافة أبنائه وحضارتهم بكل رخيص مستورد .

ونحن لا نقصد في هذاالمقام أن نعرض لهذه الممارسات التي أصبحت مؤخرا مما عُـِلم من أمور الواقع بالضرورة ، وأصبح لا يختلف علي حقائقه عاقل سواء من يعارض مثل هذه الممارسات من المسلمين أو من يؤيدها تحت ستار التقدم والتحرر ممن تسمّى بأسماء المسلمين وتحدث بألسنتهم ! وإنما نحن نقصد في هذا المقال أن نكشِف عن تداعيات هذه السياسة ومظاهرها التي استهدفت وتستهدف الوجود المسلم في بلاد الغرب ، متخذة من أولئك الذين قذف بهم قدرهم للحياة في بلاد الغرب نائين عن مواطنيهم من المسلمين وعما بقـــي من حضارة الإسلام في أرضه ، هدفاً وغرضاً . فالسياسة الصليبية الحالية ، والتي تهيمن عليها بالكلية الإدارة الأمريكية الحالية وتوجهها في كافة أنحاء العالم ، ترى في هؤلاء المسلمين طابوراً خامساً يجب القضاء عليه ، حتى أولئك الذين لا علاقة لهم بإرهاب ولا غرض لهم في جهاد !

وقد طابقت هذه السياسة مثيلتها في بلاد المسلمين وأرضهم من حيث هاجمت المسلمين وروعتهم عسكرياً واقتصادياً وثقافياً .

أما الترويع العسكريّ فهو ، وإن لم يكن في شكل الهجوم المسلح بالعتاد والطائرات والغواصات ، والذي يوجّه لإحتلال أراضي الشعوب ومقدراتها ، فإنه يتم بوسائل أقرب ما تكون لذلك الغزو من ترويع الآمنين من أبناء هذه الجاليات ، وملاحقتهم بشكل مستمر دائم ، بالتجسس على هواتفهم وحواسبهم الآلية وإيقافهم في المطارات ومراكز الحدود دون الحاجة بيان أسباب الترويع والتوقيف ، إذ أن ممثلي الديموقراطية الصريعة فيالغرب قد استصدروا قانوناً للطوارئ أسموه "قانون الوطنية[2]" والذي هو يطابق تمام المطابقة لقانون الطوارئ الذي تعيشه جلّ بلاد المسلمين من عشرات السنين ، وإنما كانت الصليبية أكثر ذكاءاً في إلحاق اسم الوطنية بهذا القانون ليتسنى لها إرهاب من يتجرأ بمعارضته من المخلصين الصادقين من أبناء الغرب المسيحي والذين لا يزال يرفع بعضهم رأسه رغم الإرهاب الصليبي من حين لآخر ليقول كلمة الحق ، وآخرهؤلاء الصحفيّ أريك مارجوليس[3] الذي كتب مقالا عن تلك الإتهامات الملفقة بالتجسس والتي وجهتها الإدارة العسكرية الأمريكية للكابتن "جيمس لي" المسلم العقيدة والواعظ الإسلامي للجنود المسلمين في الجيش الأمريكي ، ولمّا لم تقدر على إثباتها بأي شكل من الأشكال ، فافتعلت تهما أخلاقية ملفقة لتدينه على أية حال حفظا لماء الوجه ! وشبـّه مارجوليس هذه القضية بقضية الكابتن "ألفرد درايفوس" من الجيش الفرنسي واليهودي العقيدة ، الذي أتهم بالخيانة العظمى والتجسس بلا دليل ، ولم يخرجه من هذا الإتهام إلا تصدى الكاتب المعروف إميل زولا في حينها لبيان مهزلة التعصب العدائي غير القائم على برهان أو تبرير. كذلك تلك الإعتقالات التى لا مبرر لها لمئات من المسلمين ، من بينهم أطفالا لا يتعدون الشهور التسع من أعمارهم! في معتقل جوانتانيمو الأمريكي بكوبا ، والتي دامت حتى الآن أكثر من سنتين دون تقديم أي دليل على الإدانة أو حتى بيان بالتهم الموجه إليهم! إنما هو قانون البطش وتغلب القوي على الضعيف ، تمارسه السلطات المعتدية ، وهي تلقى بتهم الإرهاب في وجه الشعوب الضعيفة المغلوبة على أمرها! ثم ما يتم مؤخراً من اعتقال السملمين فور مغادرتهم لبلاد المهجر إلى دول أخرى لزيارة أهل أو إتمام عمل ، فيقع عبئ الإعتقال على عاتق الدول الأخرى التي تبيع مواطنيها الأصليين لقاء رضا الأسياد وما يعرف "بالعلاقات الخاصة" مع الحكومات الصليبية .

أما على الصعيد الإقتصادي ، فإن من الممارسات الحالية ما تتعرض له المؤسسات الخيرية الإسلامية من مصادرة صريحة مباشرة للأموال وتجميد الأرصدة ، ومنع تقبل التبرعات مهما كان دافعها ، وكأن فعل الخيرات وبذل الصدقات قد تحول حكمه من المندوب إلى المحرّم بقدرة قادر!! كذلك فإن هؤلاء قد وجهوا سهام ادارات الضرائب لتضيق الخناق على المواطنين المسلمين ، تحت ستار شرعي بمراجعة ملفاتهم الشخصية والتي ترتبط بأعمالهم لتجد ثغرات لا يخلوا منها ملف أحد من الناس ، تقيض بها أمن حياتهم وتفدحهم في ممتلكاتهم وأرزاقهم .

ثم الصعيد الثقافي والحضاريّ ، وهو أخطر الجبهات وأشدها مكراً ودهاءا ، وهو ما قصدنا في هذا المقال إلى إلقاء الضوء على بعض مخاطره. ذلك أن التخريب والهدم في هذا المجال لا يعتمد فيه الغرب الصليبي[4] على رجاله خاصة ، بل يعتمد على مجموعة من المسلمين الذين لا يفقهون في الإسلام شيئاً ثم هم يروجون لمفاهيم أخطر من السمّ الناقع على الإسلام ، وهذا ما يحتاج إلى مزيد بيان في هذا المقام. وسنحتاج في هذا إلى أن نعرض للتكوين الإسلامي للجاليات الإسلامية في بلاد الغرب كي نتعرف على الوجهة التى يؤتون منها في هذه الحملة الصليبية الحديثة .

تكوّن مزيج من المسلمين المهاجرين إلى البلاد الغربية ، واختلط في هذا المزيج من قويت أواصره بوطنه الأم ، ومن ضعفت رابطته به ، لسبب أو لآخر ، من هاجر وهو علي قدر من الدين والتمسك بفرائضـه والبعد عن محرماته ، ومن أتي إلى هذه البلاد وهو لا يعرف من الدين ‎إلا اسمه ، ولا يتقيّد بأوامره أو نواهيه ، منهم من أخذ من العلم الشرعيّ بنصيب وإن قـلّ ، ومن لم يتعلق في عقله من الشرع إلا قدر ما يتعلق بالإصبع من ماء البحر .

وبدأت رحلة الدعوة في هذه النواحي من الأرض والتي تمثلت في إنشـاء مساجد ومراكز إسـلامية في كل مكان بالقارة الأمريكية. وكذلك تمثلت في تكوين مجموعات إسـلامية للعمل الجماعي مثل ISNA و MSA و MAYA و مؤخرا منظمة IANA وغيرهم مما عمل علي تجميع القوى العاملة من أجل تقديم خدمات للمسلمين في مجال الشعائر والعلاقات الاجتماعية وغيرها .

ولكن ، كأي طلائع للتواجد المادي والتغلغل الفكري لحضارة في كيان حضارة أخرى ، قد قـلّ ، بل نـدر ، من كان علي علم ودراية بالشرع ، إذ أن هجرة ذوى القدرات العلمية الشرعية كانت غير مألوفة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ، فوقع المحذور الذي حذر منه رسـول الله صلى الله عليه وسلم واضطر من رأى نفسه ، أو رآه الناس ، أصـلحهم أو أكثرهم علما ، أن يتبوأ مقعد القيادة للحاجة إلى قيادات توجه الناس وتقيم الصلوات وتجمع الزكوات وتقوم علي حاجات المسلمين بشـكل عام ، فإن التجمع حول زعامة أمر مقرر في طبيعة البـشر كما قال الشاعر :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

وما أصدق الشاعر في شطري البيت !

وبطبيعة الحال ، كانت الاختيارات محدودة ، واعتلي المنابر من اعتلى ممن حسنت نيته ، علي الجملة ، ولكن قـلّ علمه ، وانصرف جهده إلى "التنظـيم" دون "التنظـير" ، والي دفع "الحركة" قبل إحياء "الفكرة" ، تماما كما حدث في الشرق مع بعض الاتجاهات الإسـلامية . ولجأ الناس إلى قادتهم يسألونهم الفتوى والإرشاد في أمور معاشهم ومعادهم. ونتج عن هذا الأمر أن ترقّـى كثير من هؤلاء إلى مناصب ذات بريق أخاذ ، كما استعانت بهم بعض الهيئات الإسلامية في العالم الإسلامي لمتابعة شؤونهم وتوسيع دائرة أتباعهم ، لما أصبح لهم من نفوذ وسط العامة ، فأصبح منهم رئيس كذا أو مدير هيئة كذا ، وغير ذلك من المسميات الضخمة المبجلة مما كان له الأثر كل الأثر علي مسـار الوجود الإسلامي في هذه البلاد .

أملت الظروف أن يعتلى المنابر في بلاد الغرب ، قوم ممن حسنت نياتهم على الجملة ، وإن خالطت هذه النية الحسنة المصالح الشخصية ، وإن قلّ علمهم بالشريعة نتيجة نشأتهم في هذه البلاد بعيداً عن مصادر العلم ، سواءا في ذلك مصادره الحية من علماء ومشايخ ، أو مصادره المخطوطة من كتب ومراجع قديمها وحديثها على حد سواء ، مع ضعف أو انعدام قدرتهم على قراءة العربية ، بله تذوقها ، ومما لا شك فيه أن هؤلاء الدعاة والخطباء قد أفادوا أبناء الجالية في نواحي عديدة ولكن الأمر أن الخطر كل الخطر في أنصاف المتعلمين الذين تسلم لهم قيادة الناس فيصدق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو: "... إتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا"[5] . وكان من جراء هذا الخليط أن ظهر من يرى أن إختلاط الفتيات بالفتيان والرجال بالنساء في الحفلات العامة هو من الأمور التي ترتبط بالعادات لا الدين ، وأنه في بلادالغرب ، هذه الحفلات المختلطة هي الوسيلة الوحيدة للفتيات للقاء براغبي الزواج! بل بلغت الفتنة بأحدهم – وهو مسؤول مقدم في إحدى الجمعيات الإسلامية المرموقة - أن صرّح بأنه قد حصر الهدف من حياته الدعوية في تكريس فكرة الإختلاط بين الرجال والنساء! ولا حول ولا قوة إلا بالله .

والأدهى من ذلك ما دها الجالية بعيد أزمة الحادى عشر من سبتمبر ، هو ذلك الإختلاط الفكريّ والتيه العقائدي الذي أعقب هذه الأزمة ، إذ عجزت تلك العقول التي لم تتشرب العقيدة في صفائها وبهائها أو إجمالها وتفصيلها أن تجد مخرجا من تلك الأزمات التي افتعلتها الإدارة الصليبية ، مع الإحتفاظ بكيانها الإسلامي فكان أن اتخذت طرقاً أبعد ما تكون عن الشرعية ، وجعلت تتلمس لها فتاوى في بعض ما جاء عن فقهاء مخلصين أفتوا في مناطات مختلفة أو اضطربت بهم الحال فأخطئوا في فتواهم مما فتح الباب على مصراعيه لهدم كيان الهوية الإسلامية في هذه البلاد وتدمير ذاتها .

درج المسلمون ، إذن ، في هذه البلاد على أن يتلقوا علمهم الشرعيّ وأن يلتمسوا الإجابة على ما قد يعنّ لهم من مسائل أو يعتري حياتهم الاجتماعية من مشاكل لدى "مشايخهم" و"أئمتهم" في المسجد أو المركز ، أو في حلقة الأخ فلان أو جلسة الأخت فلانة. وقد نشأ نتيجة هذا الوضع ، أمران غاية في الخطورة ، هما من لوازم اجترار الحديث في دين الله بهذه الطريقة المنغلقة دون مرشد عالم أو معلم راشد ، أولهما ؛ تولد أفكار وآراء لا تمت للشريعة بنسب ، وإن اعتقد أصحابها ، ومروّجوها من أتباع مٌحدِثيها ، أنهـا صحيحة ثابتة ، وكأي آراء نبغت بها نابغة ممن قالوا بغير علم ، استدلوا عليها بغير دليل واستشهدوا لها بمنطق زائف محيل ، واجتمعـوا عليها كأنها درّ منضود وكأن لواء الحق إلى يوم القيامة بها معقود !. سواء كانت هذه الآراء مما استوردها قائلها من محدثات "الشرق" كأقوال الصوفية وأفعالهم ، أو من تمحّكات أهل الظاهر! ، أو كانت مما اخترعه العقل الذي نشأ النشأة التي رأينا من قبل ، والأمر الثاني هو التحزب والتشرذم حيث تكونت حول هذه الآراء حلقات ، وتحزبت أحزاب وجمعيات عملية لا تمت للعلم بصلة .

والشاهد في هذا أن هذه الهجمة الصليبية قد أدت في الوقت الحاليّ إلى ظواهر في غاية الخطورة ، قامت على ايديولوجية محددة تعرف بفكر "الإندماج"[6] ثم تنبني عليها ممارسات عملية معينة تولى كبرها من هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ، ثم منهم من ولد ونشأ في أحضان الفكر الصليبي وتخرج في جامعاتهم ، فاختلطت عليه هويته الإسلامية وانتماؤه الغربي ولم يميز بينهما ، بل حمل هذا الإضطراب العقائدي إلى تجمعات المسلمين السذج بالكتابة والمحاضرة ، ثم دقت له طبول الغرب الإستشراقي منبهة إلى مكانته بالهجوم عليه تارة ثم الدعم له والإشادة بدوره تارات. وفكر الإندماج ، أو العصرنة كما يحلو للبعض تسميته[7] خلاصته أن يندمج المسلم في المجتمع الذي يعيش فيه بكل ما تعنيه كلمة الإندماج ، وكما عبّر بعضهم ، فإنه يجب أن تصبح مشكلاتهم مشكلاتنا وآمالهم آمالنا وآلامهم آلامنا ! فيصبح المسلم المقيم في أمريكا أمريكيا ثم مسلما ، ويصبح المسلم في كندا كنديا ثم مسلما ، إن كان هناك بد من التفرقة بين الإسلام والجنسية الأمريكية فإن الجنسية تأخذ المقام الأول. ثم كان من جراء هذا الفكر أن نشطت القوى ذات المصالح الشخصية في إقناع المسلمين أن من أهم ملامح الإندماج هذا هو أن يندج المسلمون في العملية السياسية الغربية بكامل أبعادها ، وأن لا يقتصر ذلك على مجرد إنتخاب من يرونه أصلح للمسلمين وأجلب لمنفعتهم![8] بل يتعداه إلى ترشيح بعض ممن يتسمى بأسماء المسلمين للمناصب السياسية التشريعية! والسؤال المطروح هنا هو: هل منطلق هؤلاء إسلامي ؟ أم أنها المصلحة الشخصية التي تعمى أصحابها عن الحق ، وتزين لهم طريق الضلال هي الدافع الرئيس وراء مثل هذهالتجمعات ؟ سؤال تحتاج إجابته إلى شجاعة وإخلاص قد ينجيان صاحبهما من النار. ثم إن أحسنا النية في مثل أصحاب هذه الدعوات ، أفلا يرى أمثال هؤلاء ما يعانيه المسلمون من خطر الإختلاط بالمجتمع الغربي اللاديني ابتداءاً وما يتعرض له الأبناء والبنات من مسخ للشخصية الإسلامية وضعف الإرتباط بالدين واللغة حتى تكون دعوتهم إلى مزيد من الإندماج ؟ أهذا ما يحتاجه المسلم في الغرب ، مزيد من فقد الهوية وقلة العلم ومزيد من تقوية الروابط مع هذا المجتمع المؤسس على غير هداية الله. ألا يستحى هؤلاء الذين يصفون أنفسهم بالدعاة أن يدنسوا هذا الوصف بضحالة العلم أولا وفساد النية ثانيا ً؟ ألا يتقون الله في هؤلاء الشباب المضلل المغرر الذي يتبعهم على غير علم ؟ ألا ينظرون ينظرون إلى مقاصد الشريعة من حفظ الدين وتقديمه على حفظ بقية المقاصد الأصلية من نفس ومال وعرض وعقل ؟ وهل حفظ الدين يكون بأن يهاجر المء أولا إلى بلاد اللادينية ثم يقرر أنه في وضع اضطرار للتعامل مع الواقع ثم يقرر أم الإندماج ضروري لإستمرار الحياة وجلبالمصالح ، فما هذا المنطق المعكوس ، إذ تفتعل الأزمة ثم يتبنى الحل المغلوط للتغلب عليها؟ أليس هناك من وسائل أخرى مثل إنشاء جماعات ضغط اقتصادية للتأثير في العملية السياسية في هذه البلاد ، دون الإنخراط في صفوف الأحزاب العلمانية التي أسست على اللادينية البحتة والإلتزام بأهدافها وتحقيق مبادئها؟ أيتمشى هذا مع مفهوم الولاء والبراء ، أم أن هذا المفهوم هو من المفاهيم التي يجب أن تتقلص في هذه الأيام نظراً للفهم العصريّ التجديدي الإندماجيّ للإسلام الذي لا تسمح بغيره الهجمة الصليبية الغربية؟ والذي يروج له "الدعاة" ممن هم من جلدة المسلمين ويتكلم بألسنتهم! ومن المعروف أن من ينتخب عضوا بمجلس الممثلين أو الكونجرس فإنه يحصل على راتب شهري محترم ، ثم ، بعد أربع سنوات ، يتحدد له معاشاً فخماً لا يحتاج إلى أن يعمل بعده !

وقد يتذرع بعض هؤلاء بأن من الفقهاء العلماء الذين هم فوق الشبهات في إخلاصهم من أفتى بصحة الإدلاء بالأصوات في الإنتخابات ، مثل الدكتور صلاح الصاوى[9] والشيخ بن جبرين ، ومع تقديري لكليهما إلا أنهما قد أخطئا خطأً بيناً في هذه الفتوى ، ولم يراعيا فيها مآلات هذا القول ، إذ أنه أصبح باباً يلج منه كل من يحمل جرثومة الإندماج في المجتمع الغربي ، وكان من الأحرى أن يصدرا ، خاصة في هذا الجو الملبد بالدسيسة للإسلام ، من واقعية انعدام الهوية الإسلامية من أن يصدرا عن موائد الفقه النظري الذى ، في مثل هذه الحال ، إثمه أكبر من نفعه. إلا إننا نقول أن المسلم إنما يتعلق بالحكم الشرعي لا بآراء الرجال مهما كانت أسماؤهم أو مناصبهم. ثم نقرر أن ليس من هؤلاء من أباح الترشيح للمناصب السياسية ، بل رؤوا أنه لا بأس بالإدلاء بالأصوات الإنتخابية حين تحقق المصلحة ، وكان أن انفتح باب من أبواب جهنم وصار الإندماج في الحياة السياسية بشكل كامل والترشيح للمناصب السياسية من تداعيات الخطأ في الإفتاء وعدم تقدير حال من تُقدم له الفتوى وكيف سيتعامل معها ، ورحم الله بن عباس حين أفتى لمن ظن أنه مقدم على قتل خصمه حين سأله: أللقاتل توبة؟ قال: لا ، فسأله أصحابه بعد أن غادر الرجل: كنت تقول أن القاتل يتوب ، قال رضى الله عنه: هذا رجل جاء يريد أن يأخذ فتيا لقتل صاحبه" ، فاعتبر بن عباس مآلات الفعل وأفتى بغير الحكم الأصليّ ، وسبحان من له العلم كله .

ثم نبغت طائفة أخرى كان لها مصلحة عليا في أن ترتبط مقدراتها برؤوس تلك الهجمة الغربية ، وهى طائفة المتصوفة ، فعمل العديد من دعاتها علىأن ينشروا ، إلى جانب بدعهم العقائدية ، فكرة الإندماج والذوبان في المجتمع الغربيّ ، بل إن منهم من ظهر بصحبة الرئيس الأمريكي في جلسة من جلسات الكونجرس ، واشار عليه في كيفية التعامل مع المتطرفين من المسلمين! وأطلق القول بأن السياسة الأمريكية الحالية هي خير وبركة وأمر لابد منه للتخلص من الإرهاب! وهو صحيح إذ أن فيه التخلص ممن اتبع السنة وهجر بدع التصوف وخرافات أصحابها ، ثم إن من هؤلاء من هم ممن انتحل الإسلام حديثاً من نصارى الغرب واستقر في ضميره رهبانيات النصارى وضلالاتها ، فكسا بها عقائد الإسلام ، تماما كما حدث في بدء نشأة التصوف[10] .

وقد توجت جهود هذه الطوائف مؤخراً بعقد مؤتمر حاشد في مدينة تورونتو ، تحت اسم "مؤتمر بعث الروح الإسلامية"[11] . وقد استضاف المؤتمر الذي حضره ما يقرب من عشرة آلاف مسلم "مضلل" عديد من أصحاب الأسماء اللامعة في سماء الدعوة التي لم يعد لها قيود ولا ضوابط تذود عنها إبطال المبطلين وخداع المخادعين ، ومن هذه الأسماء من ينتمون إلى حركات دخلت عليها شبهات الإرجاء من قديم ، ومنهم من يبطن التصوف وعلنه في منتديات الإستشراق ، وينكره ظاهرا في منتديات المسلمينً[12] ومنهم من نشأ وربى في أحضان العلمانية واختلطت عليه الشخصية الإسلامية بالإنتماء الغربي اللاديني فحاول التلفيق بينهما! ومنهم من قامت دعوته على أن الإسلام دين يعنى بالقلب ، ولا يجب فيه التعرض للسياسة وأصول الحكم ، وكان من مضحكات فتاوى هذا الأخ الداعية في هذا المؤتمر أن قدّم النصيحة لفتيات فرنسا بشأن القانون الحالي لمنع الحجاب "أن تظل الفتيات على مداومتهن للدراسة ، على أم يستبدلن الحجاب على باب المدرسة بالطاقية الفرنسية"! والرجل جادٌ في تلك الفتوى!! وقد كان تركيز المؤتمرين بشكل كليّ على أمرين: أولهما : أن يجتمع فيه "مسلمون" مهما اختلفت مشاربهم وتباينت اتجاهاتهم وتضاربت بدعهم وأصولهم ، والثاني : أن تصل الرسالة الأصلية إلى الشباب المسلم أن اندمج في هذا المجتمع دون تحفظ إذ أنت من أبنائه ولا مانع في الإسلام من أن تكون وليا للكفر معينا عليه مصححا له في بعض الأحيان ، فإن من ينتخب لمجلس من مجالس التشريع مثلا لن ينجو من هذا الموقف في يوم من الأيام رضي بذلك أم كره .

لم تقتصرالهجمة الصليبية الصهيونية على غزو بلاد المسلمين وتعبيد كبرائهم ونهب ثرواتهم في عقر دارهم ، بل إنها تتبعت من هم من ذرياتهم ممن يعيش في أطراف الدنيا لتقضي على هويتهم وتذيبهم في حضارتها وتخلع عنهم ذواتهم ليكونا مسخاً لا إلى إسلام ولا إلى كفر . واستخدموا في هذا المخطط من هم من جلدة المسلمين ومن يتحدثون بألسنتهم ، ليتم البلاء وتعم الفتنة .

اللهم مالك الملك اكتب لنا النجاة من كل فتنة واكشف للمخلصين عن خداع المخادعين وافضح عوار المبطلين ، إنك سميع بصير .

[مجلة المنار الجديد 2004]


--------------------------------------------------------------------------------

[1] تختلف قوة الهجمة وحدتها حسب العلاقة التي تربط الإدارة الأمريكية بالحكومات المعنية، فهي على أشدها في الولايات المتحدة ولكنها أخف حدة بكثير في بعض بلاد الغرب مثل كندا

[2] Patriotic Act

[3] The Dreyfus Affair, Eric Margolis, The Toronto Sun, Canada, January 19th, 2004

[4] وأفرق بين الغرب الصليبي الذي يسير على نهج الإدارة الأمريكية الحالية، والغرب المسيحي الذي عايش المسلمين قرونا دون أن يصل أمر العداء فيه إلى هذا المستوى من السفور.

[5] البخاري، كتاب العلم

[6] Integration with the Western Civilization

[7] إقرأ إن شئت ما كتب طارق رمضان في هذا الشأن مثل كتابه : Islam, the West and the Challenge of Modernity

[8] إن كان هذا ممكنا أصلا إذ أن الله سبحانه قد قرر أن "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" وهؤلاء يقلون بل سيرضون عنّا دون ذلك، والشواهد كلها تؤكد صدق القرآن إذ أن من والوهم لم يتقدموا مثقال خطوة، بل رفض الغرب المشروع الإندماجيّ الذي قدّمه هؤلاء وقرروا أن يجب على المسلن أن يذوب ذوبانا كاملا فيالمجتمع الغربي دون تحديد لهوية.

[9] انظر ردي في عدد المنار الثالث عشر على فتوى الدكتور صلاح الصاوى الصادرة في العدد الخامس للمنار الجديد بهذا الشأن.

[10] راجع كتابنا "التصوف نشأته وتطوره" طارق عبد الحليم ومحمد العبدة .

[11] Reviving Islamic Spirit, Toronto, January 2nd to January 4th, 2004

[12] راجع محاضرة حمزة يوسف التي ألقاها في جامعة برنستون، مهد الإستشراق، تحت عنوان "التصوف في الإسلام" وأن الإسلام هو التصوف بتاريخ 4 مايو 1997، تحت إشراف جمعية "كير" الإسلامية CAIR !!