رد على فتوى الإخوان في المشاركة السياسية في الغرب



الحمد لله الذي أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجاً ، فأظهر بآياته الكريمة ما اعوج من قول وعمل في عقائد الناس وشرائعهم ، ثم بيّنه بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فقيد مطلقه وخصص عموماته وأنزل أحكامه مناطاتها ليتم به الحق ولو كره المبطلون . وبعد،

فإن ما ورد في هذه الفتوى ، وفرعها الفتوى الصادرة من العالم عبد الرحمن عبد الخالق ، قد جاوز الحق وخالف الصواب إذ أباح للمسلم أن ينزل ساحة السياسة الغربية مشاركا فعّالا ، ومواليا على ما اجتمع عليه القوم من شرعة مخالفة لشرع الله أصولا وفروعاً .

والحق أن الفتوى قد تخبطت في الأسس التي بنيت عليها تخبطاً شديداً ، وأتت بأدلة قد عفى عليها الدهر بعد أن ردّها العديد من الباحثين مبينين زيفها وتوغلها في مسالك الإرجاء ، ولكن الله سبحانه يأبى إلا أن يظل البعض معرضين عن الحق عمدا أو غفلة. والحق أن فتوى الشيخ الجليل عبد الرحمن عبد الخالق قد تعرض فيها اصالة للمشاركة في الحكم في بلاد الشرق ، وإن استخدمها المغرضون من مدّعي العلم في بلاد الغرب لدعم أهوائهم ، وتوطيد أغراضهم إعراضا عن الشرع واستبدالا له بفتوى من أخطأ من مجتهدى المسلمين كعبد الرحمن وغيره .

وسنبين في هذه العجالة ، مرة أخرى ، مواضع الخلل في هذه الفتوى ، ملمحين إلى ما سبق أن نشرناه في هذا الشأن في مجلة المنار الجديد رداً على فتوى مماثلة لأخ عالم صديق أخطأ فيها الطريق وانحرف عن الجادة . وما نشرناه في كتابنا "حقيقة الإيمان" ، ولعل الله سبحانه أن ينفع بهذا من أراد له الهداية .

فنقول وبالله التوفيق :

إن الرد على هذه الفتوى مبني على ثلاث أقسام ، الأول تعليقات عامة ، والثاني الرد المجمل ، ثم ثالثها هو الرد المفصّل .

القسم الأول : تعليقات عامة :


مع إقرارنا أن الخلاف في هذا الأمر لا يصل إلى حد الخلاف في الأصول التي توجب التفرق ، إلا أننا نرى أن الحق واحد لا يتعدد ، وأنه قد جانب من صدرت عنه هذه الفتوى ، وأن الباب قد فتح على مصراعيه لمن هيأت له نفسه العبث بالمصالح الإسلامية وأن ما يصيب المسلمين من ضرر وشرّ من جراء ذلك هو أخطر عليهم من كل ما ادعاه المجيزون لهذه المشاركة من مصالح متوهمة ، ذلك أن خطر الإختلاط وعدم التميز بمن ليسوا على دين الله يغلب الظن أنه يمهد الطريق ويعبّده للعامة الذين يرون مقدَميهم يشاركون هؤلاء في أعمالهم وسياساتهم ويقرون العديد من قوانينهم ، إذ لا محيص من ذلك لمن كان عضوا في حزب من أحزاب الكفر ، فيهون دين الله عليهم ويقل تعظيم شرعه لديهم وهو أخطر وأعظم من أي مصلحة متوهمة غير قطعية يقال بإمكانية جلبها وتحقيقها ، خاصة في بلاد الغرب ، وذلك لأنه يمكن أن يقال أنه في بلاد المسلمين ، وإن كان الحكم بغير ما أنزل الله هو الجارى عليه العمل ، إلا أن أن غالبية الناس من المسلمين المقرين بدين الله والمستشعرين لعظمة شرعه ، فلا بأس من الإختلاط بهؤلاء المشرّعين من دون الله فالخطر أقل والبلاء أهون ، ولكن لعمرك الله ، ما بالنا نحمل هذا المناط إلى الغرب دون تمييز ولا تحقيق ؟


يتبين لقارئ الفتوى أن من أصدرها ، قد أحسن في أولها بأن ذكر أقوال المانعين وأقوال المجيزين ، ثم تخيّر القول بالإجازة دون أن يأتي على أقوال المانعين بردٍ على الإطلاق . فقد جاء في أدلة الأقدمين ، على سبيل المثال ، ممن أباح المشاركة بشروط :

"الأول: يرى أصحابه جواز المشاركة ، ومنهم "ابن عطية" و"الماوردي" و"الهراسي" و"القرطبي" و"ابن تيمية" و"الآلوسي" وغيرهم ، واشترطوا ما يلي:

1ـ أن يكون المتولِّي قادرًا على إقامة العدل ، وإجراء أحكام الشريعة ، ويمكن ذلك في الواقع .
2ـ أن يُفوَّض إليه في فعل لا يعارضه فيه ، فيصلح منه ما شاء .
3ـ أن يعلم المتولِّي ألاَّ سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به . 4ـ أن يترتب عليه إيصال النفع للمستحقين و دفع الضرر عنهم ."

ثم بعد سرد هذه الشروط وأقوال كبار العلماء فيها من أمثال بن تيمية وبن عطية والماوردي ، لم يعنّ لهم أن يأتوا برد عليها !! فما هو قولهم في هذه الشروط ، ولماذا لم تعتبر فيما قرروه في فتواهم ، هل يا ترى يقدر المتولي للسياسة المتعاطى لها في الشرق أن يملي ما أراد من أحكام الشرع في واقع الأمر ، دع عنك قدرته على ذلك في الغرب ؟ هل هذه الآراء لا وزن لها ولا قيمة حتى تترك غفلا لا تعليق عليها ؟ وهل جدّ جديد على مناطاتها حتى يتصدى المحدثون ممن لم تصل رتبتهم إلى ما يقرب من رتب هؤلاء الأعلام حتى يتجاوزوا هذه الأقوال فلا يعيرونها التفاتا إلا حكاية لها من قبيل التأريخ ، وإيهاما للقارئ البسيط أنها الأمانة العلمية وأنها مردود عليها في ثنايا البحث ؟


إن من فقه الفقيه أن يعلم عمن يتناول فتواه وفيما يطبقها ، وقد نقلت الفتوى عن الشاطبي قوله :

"لما كان الغالب صدق الظنون بُنيَت عليها مصالح الدنيا والآخرة؛ لأن كذبها نادر ، ولا يجوز تعطيل مصالح صدقها الغالب ، خوفًا من وقوع مفاسد كذبها النادر ، ولا شكَّ أن مصالح الدنيا والآخرة مبنيَّةٌ على الظنون"

وهو حق لا ريب فيه ، إلا أننا نسأل أهل هذه الفتوى : هل ترائى لهم أن ينظروا أعمق من النظر السطحي إلى هذه الظنون ، وتقديرها قدرها ، وتمييز إن كان غالب الظن أن يقدر المشارك في السياسة الشرقية أن يغير مقدار أنملة بله السياسة والقوانين الغربية ؟ أم هو محض الإختيار المسبّق لغلبة الظن وأنها تقع في جانب تمكّن المشارك من الفعالية والتغيير ؟ ولا يغني عن هؤلاء قولهم أننا قد قيدنا الإباحة بالقدرة ، فإننا نقول : إن فتح باب المشاركة على مصراعيه لعوام "الدعاة" بل وعوام الناس في الغرب كي يتصلوا اتصال المشاركة في مضمار السياسة لا يسده سطر في مقال! فهل نظر هؤلاء إلى أولئك الذين اتخذوا من هذه الفتوى ذريعة لتحصيل مكاسب شخصية ومنافع عينية دون مراعاة لتحقيق المصلحة الشرعية الحقيقية لا المتوهمة ؟ وهل عرفوا وتحققوا من قدرتهم على نحقيقها ولو بغلبة الظن ؟ وهل علموا أن هؤلاء ليسوا على مستوى من الفقه والدراية ، ولا نريد أن نقول أنه في كثير من الأحيان ولا التقوى والورع ، أن يحققوا المناط الخاص الذي تركت لهم الفتوى تحقيقه . ومعلوم أن العامي ليس له أن يحكم في المناط الخاص إلا إن كان من الأمور الفقهية التى لا تتعدى شخصه كمقدار القهقهة في الصلاة التي يصل بها إلى حدّ الفساد ، فكيف يترك لهؤلاء أمر هذا المناط يعيثون فيه ما شاء لهم ؟ لو أن المتصدون للمشاركة هم من أمثال الأشقر أو الصاوي أو غيرهم ممن لهم علم بالشريعة ، لهان الأمر ، ولكن ، ألم يعلم هؤلاء المفتين أن بن عباس قد أفتى رجلا بعدم قبول توبة القاتل لمّا استشف من حديثه أنه يعتزم الإقدام على القتل ، رغم صحة توبة القاتل شرعاً ؟


أن الأدلة الشرعية قد تناولها المفتون بهذه الفتوى على شكل يهيئ لهم ما أرادوه وما سبق لهم الرأي به ، فقد قالوا :

"وشرْع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ما ينسخه ، كما هو مقرر في كتب الأصول."

وهذا الأصل من أصول الفقه هو مما اختلف فيه العلماء ، فقد قرره الأحناف وبعض المالكية والشافعية ، ومنعت منه الحنابلة ومعظم الشافعية والمالكية والحنابلة ، الذين قرروا أن شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ، كما حققه الغزالي الشافعيّ في المنخول من تعليقات الأصول ص 333 ، وكما نصره بن قدامة الحنبلي في روضة الناظر وجنة المناظر ص 82 وبعدها ، وغيرهم كثير ، وقد بينوا حججاً لا تندفع وردوا على ما قدمه الخصم في هذا الصدد ، فليرجع لهذه المواضع من يشاء أن يتحقق بالحق ويهتدي بهديه ويخلع عن نفسه ربقة التقليد المذموم . وقد كاد أولى بمن أصدر هذه الفتوى أن يقرر هذا الخلاف وأن يحققه لتكون فتواه أقرب للحق وأتقى لله من مجرد ما ارتآه موافقاً لمذهبه في هذا الموضع ، والله يعلم إن كان ممن يتبع هذا المذهب " أن شرع من قبلنا هو شرع لنا " في بقية فتواه ؟


حكى أصحاب الفتوى أن من المعاصرين من يرى الإستثناء من الأصل بالمصلحة ؟! فما هي حقيقة هذا الرأي ؟! هل نشتم من هذا رأي الطوفي في أن المصلحة تخصص النص ؟ إن كان ذلك فقد ردّ على الطوفي هذا القول كل من له علم بالشريعة ولم يقبله منه أي من علماء الأمة بل تفرد به غريباً غير متبوع ، وليرجع من شاء في هذا الأمر إلى الشاطبي في الموافقات وغيره ممن رد على الطوفي في هذا الشأن ، وإن كان المقصود هو تخصيص النص بالمصلحة فقد قيد العلماء هذا الأمر بقيود لا ينطبق واحد منها على حالتنا هذه ، وإليك مثال من ذلك ما قرره أبو زهرة في هذا المجال ، فقال : أما إذا كان الحكم ثابتا بنص ظني في سنده أو في دلالته والمصلحة ثابتة ثبوتا قطعيا لا مجال للشك فيه ، وهي من جنس المصالح التي أقرتها الشريعة وملائمة لها فإن المصلحة تخصص النص "أصول الفقه ، أبو زهرة ص 268" . ونسألكم بالله ، أليس الفرض الذي فرضتموه أن المصلحة ليست ثابتة ثبوتا قطعيا بل هي من قبيل المظنونات ؟ ولا يقال أن المظنونات هنا تقوم مقام اليقينيات لأن المعوّل على غلبة الظن ، إذ نقول أن ذلك إن لم يكن هناك نصّ يتحتم مخالفته فتجرى غلبة الظن مجرى اليقين ، ولكن لهذا قيّد أبو زهرة رحمه الله التخصيص بأن "المصلحة ثابتة ثبوتا قطعيا لا مجال للشك فيه" ، فما لكم كيف تحكمون ؟


ثم أمر قد اختلط علينا في خضم هذه الفتوى ، وهو : هل يعتبر مصدرو هذه الفتوى من منظري الإخوان أن الحكومات الإسلامية حكومات جاهلية كافرة ، كما يشتم من ثنايا هذه الفتوى ، أم أنها حكومات إسلامية تحكم بغير ما أنزل الله معصية لله غير كفر به ؟ والرد على هذه الجزئية في غاية الأهمية إذ أن وجه الإستلال على إباحة ممارسة السياسة في الغرب هو فرع عن إباحته في الشرق ، كما في ثنايا الفتوى ، فهل يا ترى يعتبر المفتون هنا حكم هذه الحكومات كحكم حكومات الشرق ؟
القسم الثاني : الردّ المجمل :

يجد القارئ للفتوى أنها عند التحقيق تعود إلى دليلين لا ثالث لهما: قصة النجاشي ، وقصة يوسف عليه السلام ، وهما ما اعتمدته الفتوى في تقرير الجواز ، وهما كذلك ما أورده بعض "الفقهاء المعاصرون" للدلالة على الجواز ، ونضيف كذلك أنهما ما قرره سابقا لهؤلاء كتاب "دعاة لا قضاة" المنسوب لحسن الهضيبي رحمة الله عليه . وفي هذا الرد المجمل نود أن نشير إلى قاعدة هامة من قواعد الأصول ، وهي ما عبر عنه الشاطبي بقوله : "العمومات إذ اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال" ويقول "لأن ما حصل فيه التكرار والتأكيد والإنتشار صار ظاهره باحتفاف القرائن به إلىمنزلة النص القاطع الذي لا احتمال فيه" الموافقات ج ص306-307 .

وهذه العمومات الكلية التي انتشرت وتأكدت في الشريعة حتى صارت بمنزلة النص القاطع لا يصح أن تعارضها الجزئيات ، وما عارضها كان من قبيل "حكايات الأحوال" أو "قضايا الأعيان" التي يجب أن تنزل منزلتها في فهم الكليّ القطعيّ لا في معارضته . يقول الشاطبيّ تحت عنوان "القضايا الجزئية إذا عارضت القواعد العامة القطعية أوّلت أو أهملت" ما نصه : "إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان أو حكايات الأحوال ، والدليل على ذلك ..." ثم يسرد أدلة هذه القاعدة ، الموافقات ج3 ص270 .

ومن تأمل هذه القواعد الأصولية يمكن للناظر أن يرى موضع هاتين الجزئيتين (النجاشي ، وقصة يوسف عليه السلام) التين تعلل بهما المبيحون من القاعدة الأصولية العامة التي لمن يأت بها النص القطعي فحسب ، بل انتشرت في الشريعة وتكررت ةتقررت وتأكدت بأن الحكم بما أنزل الله في أعراض الناس وأبشارهم ليس فرعا بل هو أصل من أصول الإسلام ، وأن تاركه دون عذر صحيح ، والمشرع بغيره للمسلمين ليتبعوه على ذلك هو من الكفر المخرج من الملّة كما بيّن ذلك العديد من علماء الأمة المعتبرين من الطبقة الأولي قديما وحديثاً ، فلا يصح أن يقدح فيها قضية عين أو حكاية حال كما هو الوضع في قصة النجاشي أو يوسف عليه السلام ، إن صح أنهما معارضتين للقاعدة وهو ما لا يسلّم لهؤلاء كما سنرى في الرد المفصّل بعون الله تعالى .

القسم الثالث : الردّ المفصّل :

أولا: قصة النجاشيّ:

يقرر "المفتون" بالإباحة أن النجاشي قد كان مسلماً وأنه كان على رأس نظام التثليث والكفر في الحبشة ، ومع ذلك صلى رسول الله عليه يوم أن مات ! ويعلم الله أن هذا لا يصح البتة وهو محض افتراء على العبد الصالح ، كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأصل الإختلاط في هذا الأمر ما ورد في رواية إرسال الكتب للملوك في عام ست من الهجرة ، كما في رواية بن سعد ، أو سبع من الهجرة كما في رواية الواقدي ، وفيها أنه صلى الله عليه وسلم دعا هؤلاء وكل جبار في الأرض (كما في رواية مسلم التي سنذكرها لاحقا إن شاء الله) إلى كلمة سواء بينه وبينهم . ومن بين هؤلاء النجاشيّ . واضطرب الناس في هذا الأمر ، إذ كيف يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي إلى الإسلام وهو مسلم حقّا ، والأمر بيّن وواضح بحمد الله تعالى ، إذ أنّ النجاشيّ ، الذي صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلم وأسلمت معه أمراؤه ، وهذا نص ما قاله عمرو بن العاص لعبد بن الجلندي ملك عمان حين سأله عن النجاشيّ ، روى بن القيّم في زاد المعاد ج3 ص 62 طبعة دار الفكر ما نصه :

"قال عبد الجلندي لعمرو بن العالص : وما تدعون اليه ؟ قلت : أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه وتشهد أن محمداً عبده و رسوله ، قال : يا عمرو ، انك بن سيد قومك فكيف صنع أبوك فإن لنا فيه قدوة ؟ قلت : مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وودت أنه كان أسلم ، وصدق به ، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام ، قال : فمتى تبعته ؟ قلت : قريبا ، فسألني : أين كان إسلامك ؟ قلت : عند النجاشيّ وأخبرته أن النجاشي قد أسلم . قال : فكيف صنع قومه بملكه ؟ فقلت : أقروه واتبعوه . قال : والأساقفة والرهبان تبعوهظ قلت : نعم . قال : انظر يا عمرو ما تقول انه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب ! قلت : ما كذبت وما نستحله في ديننا . قال : ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشيّ ؟ قلت : بلى ، قال : بأي شيئ علمت ذلك ؟ قلت : كان النجاشيّ يخرج له خرجاً فلما أسلم وصدّق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال لا والله لو سألني درهما واحداً ما أعطيته ، فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه : أتدع عبدك لا يخرج لك خرجاً ويدين بدين غيرك دينا محدثاً ؟! قال هرقل : رجل رغب في دين فاختاره لنفسه ما أصنع به"

أهناك أوضح دلالة على إسلام النجاشي واتباعه لشرع الله من هذا النص ؟ وأن قومه اتبعوه في ذلك ، وعمرو بن العاص هو أعرف الناس بحال النجاشي وقومه ، إذ أنه هو الذي وقعت معه واقعة النجاشي وهو الذي كان مبعوثا لقريش لقتل المهاجرين إلى النجاشي فلا يقال أنه قد وهم في ذلك ! فلماذا بالله عليك لم يعتبر المفتون وبعض "الفقهاء المعاصرون" بهذا النص ، إذ هو إما خفي عليهم ، فوجب عليهم البحث والتنقيب قبل الإفتاء للناس ، أو أنه علموه وأخفوه ، وفيه ما فيه

إن كنت لا تدري فتلك مصيبة أو كنت تدرى فالمصيبة أعظم

ثم ما ورد من إرسال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنجاشي فقد فسر الإمام مسلم هذا الأمر حيث أنه قد ذكر ثلاث روايات في صحيحه عن أنس في كتاب الجهاد والسير عن إرسال الكتب إلى "كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل حبار في الأرض يدعوهم إلى الله تعالى" قال في الرواية الأولى : وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم" . ثم في الروايتين الأخريين ، قال : ولم يذكر أنس وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم . وقد نحا بعض الباحثين المعاصرين إلى اعتبار هذه الزيادة من أنس في الرواية الأولى وهم من الراوى كما ذكر الشيخ عبد المجيد الشاذلي في كتابه "حد الإسلام" إذ أن الكتب قد أرسلت في عام ست من الهجرة ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي عام تسع من الهجرة فدل على أنه كان نفس النجاشي لا يزال على ملكه . والأمر أهون من ذلك إذ لا يمكن دفع زيادة الراوى في حديثه بهذه السهولة ، ولكن الأمر يدور على العام الذى أرسلت فيه رسالة النجاشي ، فإذا صححنا قول أنس أنه ليس النجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم ، و هو ما يتسق مع رواية عمرو من أن النجاشي المقصود كان مسلما موحداً ، فإنه يبقى أن نحقق تاريخ إرسال الكتاب اليه ، وقد ثبت أن هناك اختلاف بين رواة التاريخ بهذا الشأن ، إذ أثبت الطبري عام سبع من الهجرة ، وأثبت بن سعد عام ست من الهجرة ، ويشير الطبري في رواية عن بن اسحاق أن الرسائل توالت ما بين الحديبية و وفاته صلى الله عليه وسلم (انظر الطبري ج2 ص645) ، ورغم أن سنده فيه ضعف إلا أن بن هشام الذي استدرك عليه روى أن إرسال الرسل كان بعد الحديبية وسنده فيه محمد بن اسماعيل بن عياش وهو ضعيف (انظر الطبراني ، ج5 ص305) ، فالأولى الأخذ برواية بن اسحاق إذ يمكن بها الجمع بين المتفرقات في هذاا لشأن ، وهو ما رجحه عدد من الباحثين مثل د. مهدي رزق الله في كتابه السيرة النبوية ص514.

ثانيا: قصة يوسف عليه السلام:

مرة أخرى ، ننوه بأنه لا يصح أن تعارض قاعدة كلية بقضية عين أو حكاية حال ، ومن فعل ذلك كان إما جاهلا أو مغرضاً ، ونحن نعيذ الإخوة المفتون و"الفقهاء المعاصرون" من كلا الصفتين .

فإنه أولا إن صحّ أن يوسف عليه السلام قد فعل هذا فإنه لا يصح في شرعنا أذ أثبتنا أن ذلك من القواعد العامة الكلية ، وأمر الإشتراك في السياسة لدى الحكومات الكافرة أمر فرعيّ كما اتفقنا عليه ، فلم يكن بد من أن يكون مما لا يشرع لنا لمخالفته لأصلنا الثابت .

هذا إن صح أن يوسف قد فعل هذا ، إلا أن هذا الإدعاء لا يصح ، فإن صريح القرآن أنه كان متصرفاً فيما تحت يده من الأمور ، وعلى هذا بنى الإئمة الأعلام من الأقدمين شروطهم التي تقدمت في أول المقال والتي ذكرها أصحاب الفتوى ، فلو أن يوسف لم يمن متمكناً ، كما يرى ذلك بن تيمية وغيره ، لم يضعوا هذه الشروط ابتداءاً. ثم إن قول القائل : ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ وقولهم أن"مِن" في الآية للتبعيض ؛ لأنه لم يكن مستقلاًّ في الحكم ، فهذا من الخطأ بمكان ، إذ إن قصد فيها أن التبعيض هنا يقصد المشاركة في الحكم في نفس الأرض ! ، فإن "من" في قوله تعالى : منها ، تتعلق بالأرض التي ذكرها الله سبحانه أنه قد بوأها يوسف (لا بعضها) ، والتي هي إما كل ما يملكه فرعون على قول بعض المفسرين ، أو أنها الطعام والخراج في مصر على قول آخر ، فليس في "من" تبعيض ولا إشارة لتبعيض ! قال الألوسي : "ومنها : متعلق بما عنده وقيل بمحذوف وقع حالا من حيث" روح المعاني ج7 ص8 ، والأصح أنه كما قال أولا أنها تتعلق بكل ما عنده من "أرض" إذ أن القول الآخر قد استدرك عليه .

لا شك أنه كان للملك نظام موضوع ، إلا أن يوسف عليه السلام كان متمكنا مما يؤديه وما له عليه من سلطة وبهذا تجتمع الايات وتتقارب المفاهيم ، ثم أنه لا شك أن الحكم قد آل اليه بالكلية في النهاية كما في قوله تعالى : ﴿يَآأيُّهَا الْعَزيْز﴾ ، وقوله هو : ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ ، وقول الله تعالى : ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، فهذا يشير إشارة واضحة لأنه كان ممكّنا أولا تمكينا تاما فيما تحت يديه ، ثم آل الأمر اليه في النهاية ، إن كان هناك فارق زمني بينهما ، وهو ما ذكرته الفتوى عن بعض الأفاضل ولم تعن مرة أخرى بالرد عليه ، وإنما انتهت إلى القول "بما يطمئن القلب اليه ..." كما في قول المفتين !!

ثم ما هو وجه التشابه بين المناطين ، مناط يوسف ومناط سياسيّ الغرب من المسلمين ؟ هل يدّعى المجيزون أن يوسف عليه السلام ، وإن اشترك في حكومة كافرة ، كان يحكم بغير شرع الله ولو في جزئية واحدة ، أم أنهم يدّعون أن أولئك الذين يبحرون في خضم السياسة الأمريكية سيتمكنون من أن يطبقواأحكام الشريعة ولو في جزئية واحدة ؟ إن كان جوابهم عن الأولى أن يوسف كان يحكم بغير شرع الله في بعض الجزئيات ، فعليهم مراجعة إيمانهم كلية ، وإن قالوا بل سيقوم هؤلاء المتسيسون من المسلمين بإقامة العدل وتأمين المصالح ، فهم قد قرروا أن الدستور الأمريكي يكفل العدل ويضمن الحرية لكل فرد ، أو كما قالوا نصا: "يسمح لكل من في المجتمع بالمشاركة وِفْق ضوابط معينة ، ويكفل الحرية والحركة المطلقة لكل المواطنين ، وليس هناك تفريق على أساس الدين أو الجنس أو العرق وغير ذلك." !!؟ ونحن وإن كنا نرفع حاجب العجب لهذا التصريح ، إلا أننا نقول : فما هي الحاجة إذن إلى أن يشترك مسلم في السياسة وحاجات المسلمين مكفولة وحرياتهم مأمونة ، ويعرّض نفسه ويفتن غيره ويقع في محاذير التشبه بالكفار وموالاتهم .

لعل الله سبحانه أن يغفر لنا خطايانا ويرفع عنا جهلنا واسرافنا في أمرنا إنه سميع مجيب .