خطرات بين الألــم والأمـل في حـياتنا المعاصرة



لا يكاد يمر يوم من أيامنا هذه في أعوامنا هذه ، دون أن يطرق السمع خبر يتفطر له القلب وتتقطع منه الحشى ، أن قد احتُلت أرض وانتهُكت أعراض وسُلبت ثروات وقُتل نساء وأطفال تحت وابل الرصاص "الذي كان المقصود به غيرهم" ، وكأن قتل غيرهم مستباح لا غضاضة فيه! في هذه البقاع أو تلك من بلاد المسلمين ، والتي أصبحت أخبار الدنيا لا تحمل إلا أخبارهم دون سواهم . وحين تتزاحم الأحداث الأليمة على واقع الناس ذلك التزاحم الذي نعيشه في هذه المرحلة الحاضرة الحاسمة من تاريخنا ، فإن الخواطر تتزاحم كذلك في عقل معايشها وتتسارع حتى لا يكاد يجد بداً من اخراجها إلى النور تباعا سراعا قبل أن تجور عليها غيرها من الخواطر فتطرحها جانبا ثم لا يكون لها نصيب إلا في طي النسيان . وهذه الخواطر التي أسجلها في السطور التالية ، هي ما جادت به القريحة ، على جفافها وعجفها في الآونة الأخيرة من الزمن لما تمر به أمتنا من محن ، بعد أن ازدحمت بها النفس واستعصت على السكون والكمون . وهي خواطر أحسب أنها مشتركة عامة بين من شغلته هموم الأمة وأدرك ما هي فيه من خطر ماحق .

حزبان لا ثالث لهما!

لعل أصدق ما خرج من حلق زعيم الهجمة الصليبية المعاصرة ، أنّ من ليس معهم فهو عليهم ، وبعبارة أخرى ، من لم يقف في صفهم فهو من أعدائهم . وهى كلمة حق قيلت لتكريس باطل. فإن الزمان قد استدار كما بدأ يوم أن بعث الله سبحانه محمداً ، وأوحى اليه فيما أوحى أن الناس فريقان، فريق في الجنة وفريق في السعير ، وأن الأحزاب حزبان ، حزب الله "ألا إن حزب الله هم المفلحون" (المجادلة 22) ، وحزب الشيطان "ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون" (المجادلة 19) . فالحق أن زعيم الهجمة الصليبية لم يأت بجديد لم يدلنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أوحى به ربه سبحانه، وبما دلنا عليه في حياته وسيرته . فإن الناظر في سيرته ، يجد أنه بعد أن استقر به المقام في المدينة ، وأسس أول دولة للإسلام فيها فإن الناس في المدينة ومن حولها قد انقسموا غلى هذين الفريقين، ولا ثالث لهما ، إما أهل إيمان واتباع، وهم المهاجرين والأنصار ، وإما أهل كفر وضلال، وهم أصناف ، منهم من جاهر بالعداء ككفار مكة ، وكثير من الأعراب من حول المدينة ، أو من يهود الذين كانوا يعايشون رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة ، ولم يخرجهم منها بادئ الأمر حتى استفحل شرهم وخانوا عهدهم ومالئوا المشركين على المسلمين ، وما هذا عليهم بجديد ، ومنهم من استخفى بالعداء وإن عرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه آثر أن يبقي عليهم لمصلحة الدعوة و"حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه" . وهذا التمييز وهذا التعريف هو أمر فيه الخير كل الخير ، فإن إزالة القناع عمّن يتقنع ليلبّس على المسلمين دينهم هو أمر في غاية الضرر عليهم ، ومنهم من ليس له القدرة على صحة الحكم على الأشخاص أو الأحداث لضحالة علم أو لقلة فهم . والتمييز بين الحق والباطل ومعرفة الصحيح من الخبيث هو غرض من أغراض الشريعة قد نسيه أو تناساه الكثير من أتباع هذا الدين بل من دعاته ونصرائه ، يقول الله تعالى "ما كان الله ليذرالمؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" (آل عمران 179) ، بل وكررنفس المعنى في سياق آخر في (الأنفال 37) ، كذلك قال تعالى: "ولتستبين سبيل المجرمين" (الأنعام 55) . فاستبانة طريق المجرمين ، وتمييز الخبيث من الطيب هو من أغراض الشريعة القطعية التى تتبين لمن وهبه الله عقلا راجحاً ونظراً في الشريعة فاحصاً يميز به ويستبين . فهذا الأمر إذن الذي دعا اليه زعيم الصليبية ليس أمرا سيئا بل هو أمر فيه خير لمن فهم عن الله سبحانه ووعى الدرس النبوي الشريف ، وفهم مقاصد الشريعة ، ثم تحلى بالإيمان ومْنح التوفيق والهداية ، وقليل ما هم "لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم" (النور 11) ، وقال تعالى "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم" (البقرة 216) . وأحسب أن الأمر لم يبلغ مداه والتمحيص والتمييز لم يصل إلى غايته بعد، فإن أعداء هذا الدين لن يرضوا من أتباعه إلا أن يَدَعوه جملة وتفصيلا "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" ، وإنما هو استدراج الشيطان الذي يُـزلهم عن هدي الله خطوة خطوة حتى لا يجدوا أنفسهم إلا خارج هذا الدين مطرودين من رحمة الله جزاء وفاقا لعدم الثقة في كلامه سبحانه "وأملى لهم إن كيدي متين" . والأمل كل الأمل في أن يتحسب المؤمنون لما هو آت وليقبضوا على ما آتاهم الله بقوة فلا يفلتوه ، فهم إن افلتوه كان والله عليهم عار الحياة الدنيا وغرام العذاب في الآخرة .

وقــعة الأحــزاب العصــرية

حين تتأمل ما تأتى به الأخبار من حرص زعماء الصليبية المعاصرة على تكتيل الآلة العسكرية العالمية لخدمة أغراضها في القضاء على هذا الدين ، وترى حرصهم وأتباعهم على أن يشترك في هذا الأمر مقاتلة من كافة دول العالم ، حتى إننا سمعنا مؤخراً أن جزر فيجي ، التي لا تْرى بالعين المجردة على خريطة العالم ، قد أرسلت "بقوات" للمشاركة مع قوات "التحالف" ، حين نسمع هذه الأخبار لا يسعنا إلا أن نتذكر الواقع الذي عاشه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من المؤمنين الأوائل حين خرج زعماء اليهود في أواخر السنة الخامسة من الهجرة ، يحرضون قريشاً على المسلمين ويذكرونهم بما لقوا من هزائم على أيدي أتباع النبي وما فقدوا من هيبة وما تعرضت تجارتهم له من أخطار ، وما يجب عليهم من قتال المسلمين ليحافظوا على "ثقافتهم ويحموا طريقتهم المثلى في الحياة" ، تماما كما حذر فرعون قومه من أن يذهب موسى وهارون عليهما السلام "بطريقتهم المثلى" في الحياة ! وهو عين ما قاله زعيم الصليبية لقومه من أن هذا العدوان السافر على الإسلام والمسلمين لا يقصد به إلا الصلاح لهم وأن يحافظ على طريقتهم في الحياة "defending the style of life" فما أشبه اليوم بالبارحة ! إذن فتجمع الأحزاب للقضاء على هذا الدين هو أمر ليس بالجديد، بل هو قديم قدم هذا الدين نفسه ، إلا أن سؤالا يطرح نفسه في هذا السياق ، أنه إن كانت الأحزاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أجمعت أمرها لقتال المسلمين لما رأوا من اشتداد قوتهم وتغلغل خطرهم ، فما الذي دفع بأحزاب هذا العصر إلى أن يفعلوا فعلتهم التي فعلوا وأن يتمالئوا هذا التمالؤ على المسلمين شرقا وغرباً ؟ ما الذي أفزعهم هذا الفزع وأقامهم ثم لم يقعدهم ؟ لا يمكن أن يكون ذلك بسبب من الخوف من الأنظمة القائمة فهي كلها بلا استثناء منها ممالئ مستسلم منبطح ، ينتظر الأوامر صباح مساء من أسياده وصنّاع قراره. وأحسبه والله تعالى أعلم أن تلك الأحداث الذي نزلت بساحتهم في 11 سبتمبر قد وجهت أنظارهم إلى القوة الكامنة المستكنة التي يتمتع بها هذا الدين ، لا بسبب هذه الضربة ذاتها، فإنها ليست ضربة قاسمة بأي مقياس من المقاييس ، ثم إن جدواها هو أمر تتناطح فيه وجهات النظر بين مؤيد لها ومدين ، وما نحن بمن يدلى بدلو في هذا الأمر على كل حال ، ولكن قد كان من آثارها الجانبية أن وجّهت أنظار الأحزاب الجدد إلى ما يتمتع به هذا الدين من قوى كامنة لا يعفّى عليها الزمن ولا تضيع مع توالى المحن ، وهو ما أفقدهم صوابهم وجعلهم يأتون بخيلهم ورجلهم يعسّون أولا عمن هو من أنصار هذا الدين وأوليائه عسّاً في هذا الخضم الهائل من الملايين المتلاطمة من منتسبيه ، فإن المحقق في الأحداث ومجرياتها يرى أن هذه الطغمة تسعى للقضاء على أفراد قبل أن تسعى وراء المجتمعات وإنها قد علمت ان الله يقيد لهذا الدين من يقيمه بأحرفه ومعالمه إلى أن تقوم الساعة ، وأن هؤلاء هم أفراد متميزون إن قضي عليهم لم يعد لهذه الملايين المتلاطمة من كيان أو قوة . أحسب أن هؤلاء قد رأوا قوة في الإسلام لم يتهيأ حتى للعاملين له من أبنائه أن يلحظوها من قبل ، وإدراك هذه القوة الكامنة والإيمان بها مصدر أمل وبصيص رجاء قد يهيأ لمخلصي هذه الأمة يتلمسون به المخرج بعون الله تعالى .

"تركت فيكم أمرين ..." رواه مالك

يعتصرني ألم ممض حين أرى الجبهات المتعددة التي يهاجم منها الإسلام في هذا العصر. فإن الجمع بين ما قدمناه في الفقرتين السابقتين، يظهر لنا أن الأحزاب لم تكن تعمل منفصلة لهدم عرى الإسلام ، بل إن قوى الهدم الداخلي كانت كذلك مما تسلط على المسلمين ممن في قلوبهم مرض ، وممن نافقوا . والفرق الظاهر اليوم أن النفاق لم يعد له محل في المعادلة ، بل هو إما كفر وإما إسلام ، وقوى الهدم الداخلي اليوم تتمثل فيمن أعرض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلق بالإسلام من خلال عقائد بدعية أو أعمال شركية أو أفكار استشراقية مستوردة فكان كلّا على الإسلام وعبئاً . وأمر البدعة ليس كما يظنه البعض أمر يتعلق بممارسة فردية للدين بشكل من الأشكال أو بمنهج أو طريقة من الطرق ، بل هو أخطر من ذلك بكثير إذ هو يضرب في كيان هذه الأمة من حيث يضرب في صحة اتباعها لسنة نبيها وكتاب ربها، وأين الفوز دونهما ؟ وكما أسلفنا فإن هذه الممارسات العملية أو الفكرية تتمثل في العديد من الطوائف أو الأفراد الذين ينصرون بدعة من البدع يحسبونها دينا يقيمونه وشرعا ينصّبونه .

فمن هؤلاء من هم على عقيدة الإعتزال ، يقيمون لأنفسهم معهدا علميا ًعالمياً ويتخذون مقره عاصمة الصليبية ، وينشرون منه كتبا وفتاوى تزلزل للمسلمين ثوابت عقائدهم وراسخات ملتهم تحت زعم احترام العقل "يعلم الله عقل من يقصدون!" ويروجون أفكار المعتزلة القديمة للنيل من الأحاديث الصحيحة الثابتة ليتمكنوا من ضرب السنة وثوابتها نصوصا ومنهاجاً .


ومن هؤلاء من انطلت عليهم خدع المرجئة وضلالاتهم من أن العمل قدر زائد على الإيمان ، وأن التحاكم إلى غير شرع الله وإنشاء شرع مواز يرجع اليه الناس في أمور حياتهم ويتواضعوا على اتباعه دون تجريم للفعل أو تجريح للفاعل إنما أمر يدور في مجال المعصية كمن يشرب خمرا أو يلبس ذهباً! وألقوا في وجوه الناس بتهمة "التكفير" ليفتنوهم عما كان عليه سلفهم في مثل هذه القضايا ، وأعرضوا عن فتاوى كبراء المجتهدين من أمثال الدوسري وأحمد ومحمود شاكر والشيخ محمد بن إبراهيم رحمهم الله جميعا وغيرهم كثير في هذا الصدد. فكان أن شاعت المعصية وتفشّت ، واستبيحت الأعراض والدماء بلا رادع بعد ان استكانت العامة وخُدّرت .


ومنهم من عمل على نشر الصوفية مدعيا أنها معنى الإحسان المقصود في حديث جبريل ، وأن علماء السنة الأكابر لم يفتأووا يشيدون "بالسادة الصوفية" وبطرقهم الراشدة التي تقرب الى الله من غير طريق الرسول ! ثم استشهدوا بأحاديث موضوعة مثل حديث "عدنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر" والذي هو اليوم من مستحسنات المرحلة الحالية ومطلوباتها، حسب تصور المفتين في العاصمة الصليبية . وقد استغل هؤلاء انشغال أهل السنة بالرد على بدعهم وضلالاتهم عن أن يقدموا للناس معنى الإحسان كما بينته السنة وكما عاشه الصحابة رضوان الله عليهم فكانت الساحة النفسية خالية أمام هؤلاء المبتدعة لتقديم إحسان مشوه ممسوخ للعامة الذين لا يكادون يفقهون شيئاً .


ثم من هؤلاء من ارتدى مسوح "العصرية" Modernization ورداء الدعوة إلى "التقدم" Progress ليقدم بديلا لدعوة الإسلام الحق كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكما فهمها عنه أصحابه وتابعيهم وتابعي تابعيهم . وقد نبتت هذه النابتة في بعض البلاد الأوروبية من أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في أحضان العلمانية اللادينية ثم إذ هم يحاولون أن يقدموا للمسلمين في تلك الأنحاء اسلاما مستسلما مروضا يتعامل مع الواقع المفروض عليه بأن يغير من طبيعته ليتواءم مع ما هو من حوله ، ويطلقون على هذا اسم "تطبيع الإسلام" Integration أو "اندماج" الجاليات في المجتمعات الغربية ، ولم ير هؤلاء أن أسياد تلك البلاد لن يقبلوا منهم أنصاف الحلول وأن "يعبدوا الهنا يوما ونعبد الههم يوما" وكانت الصاعقة الضاربة لهذا المنهج ما هو وشيك الوقوع الآن في فرنسا من منع ارتداء الحجاب ، واملاء فهم محدد للإسلام المتطبع لا يرضى بأقل من الذوبان التام للمسلمين في هذه المجتمعات . ثم أتبعهم زراريهم وصغار ممثليهم ممن يروج للإنخراط في الحياة السياسية والإجتماعية بدعوى "المصلحة" ويعلم الله أن أمثال هؤلاء أقل علما وأضحل فقها من أن يتذرعوا بالمصلحة المرسلة كدليل شرعي إذ هم لا يعلمون ما المصلحة المرسلة وما حدودها وضوابطها ، وإنما هي مصلحة فلان وعلان ممن باع نفسه رخيصة في سوق الدنيا .

والحق أن التمسك بكتاب الله على منهج النظر الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباع السنة ورفض البدع هو السبيل الوحيد لهذه الأمة في أن تتحد كلمتها وأن تتجمع صفوفها لمقاومة العدوان والقضاء على الظلم والعودة بهذا الدين غلى مجده السالف ، أما مناهج "امساك العصا من النصف" والإيمان ببعض الكتاب والكفران ببعضه ، فلن تزيد هذه الأمة إلا خسارا، وكما قال صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنّة نبيه" رواه مالك في الموطأ .