السؤال



ملخص السؤال:
شابٌّ يدرُس في كلية العلوم - تخصص الكيمياء والجيولوجيا، ويريد أن تكونَ دراسته في سبيل الله وأن يكون نافعًا لأمته.

تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا طالب في كلية العلوم أدرس تخصص الكيمياء والجيولوجيا، وأريد أن تكونَ دراستي في سبيل الله وأن تكون مفيدة لأمتي.


فماذا أفعل؟ وهل فروض الكفاية فرض على المشتغلين بها؟


الجواب



الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فجزاك الله خيرًا أيُّها الابنُ الكريم على حِرصك على إخلاص العمل لله، فالنيَّةُ الصالحةُ في تعلُّم العلوم التجريبيَّة والتقنيات الحديثة تكون بقَصد نفْعِ المسلمين وخدمتهم، والمساعَدة في تحسين أوضاعنا المُزرية، ثم تستعين بعد تخرُّجك بالوظيفة التي ستُرشَّح لها على طاعة الله تعالى، والحذر أن يكون الهمُّ مُنحصرًا في أمور الدنيا وحسبُ؛ أي: الحصول على المؤهِّل من أجل الوظيفة والراتب أو المنصب ونحوها.


ومِن أعظم الأخطاء التي وقعَتْ فيها الأمة الإسلامية بقَصدٍ أو بغفلَة هو الفَهم الخاطئ لمعنى العبادة، فظننا أنها قاصرة على الشَّعائر التعبُّدية، ونسينا أن العبادات ما هي إلا مظهرٌ واحدٌ من مظاهِرِ الدينونة والخُضوع لله سبحانه، لا يستغرق حقيقتها ولا كل مظاهرِها؛ فالعبادة تَشْمَل كل جهد في عمارة الأرض وترقيتها، والانتفاعِ بثرواتها وطاقاتها، والنُّهُوض بالمجُتمعات؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]، والمنهجُ الإسلاميُّ كلُّه غايتُهُ تحقيقُ العبادة بهذا المعنى، حتى إنَّ الله تعالى لا يَستخلف في الأرض إلا مَن يَجْمَعُون بين الإيمان والعَمَلِ الصالِحِ، والإبداعِ في الأرض لعمارتها.


ولكن في عصور الانحِطاط الفكريِّ، وبِفعل الفِرَق المُنحرِفة، ومَكْر الليل والنهار مِن أعداء الإسلام، انحَسَرَ مفهوم العبادة حتى صار قاصرًا على الشَّعائر، بل وقع ما هو أسوء وأشد خطورة على المجتمع، ففقَدت العبادات الكبرى في نفوس كثيرٍ من المسلمين تأثيرَها في القلوب والسلوك، وتفشَّت ظاهرة الانفصام السلوكي، فأصبحتَ ترى الرجل يُصلي ويصوم ولا يهتم بإتقان عمله، ويُسيء التعامُل؛ ظنًّا منه أن هذا شيء وذلك شيء آخَر! حتى تَخَلَّفَ المسلمون عن ركب الحضارة، وتسوَّلنا التكنولوجيا، والتقنياتِ الحديثةَ من غيرنا، ولم نأخُذْ بأسباب الرقيِّ الذي يبدأ بمراحل الدراسة المختلفة، وجهلْنا أن الإيمانَ الصحيحَ يَدفع صاحبه للعمل في عمارَة الأرض، كما هو هدي نبيِّنا صلى الله عليه وسلم وسنَّة الخلفاء الراشدين، وتاريخُ المسلمين طافح بصفحات مُزدهرة بالمُزاوَجة بين العلم الشرعي والعلم الدنيويِّ، بل إنَّ هذا كان مِن البَدَهِيَّات والمسلَّمات، والأئمة المتبعون نَصُّوا في كتبهم وفتاواهم على وجوب تعلُّم العلوم الدنيويَّة؛ كالكيمياء والطبيعة والرياضيات والطب وغيرها، كوجوب العلوم الشرعيَّة، ونصوا أيضًا على وجوب تعلُّم الصناعات، وكل هذا هو المعنى الشَّامِل للعبادة.


إذا تقرَّر ما ذكرتُه لك أيها الابنُ الكريم، وعلمتَ أنَّ دراستك للكيمياء والجيولوجيا مِن الواجبات الشرعية، فتعلَّم في جامعتك بالنية التي ذكرتُها لك، واللهُ تعالى ضمن الثَّواب والفلاحَ للمخلِصِينَ في طلبهم للعلم، الحريصين على نفع البلاد والعباد، وفي الصحيحين: ((إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكلِّ امرئ ما نوى))، واجعلْ رضوانَ الله هو غايتك، وإن استطعتَ أن تَحتَسِب حياتك كلها لله؛ كما قال معاذٌ رضي الله عنه: "والله إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"؛ يعني: أجرًا وثوابًا على نومه وقيامه؛ لأنه لا يفعل شيئًا إلا بنيةٍ وهدفٍ.


أمَّا فرض الكفاية، هل يجب إتمامه على مَن تلبَّس به أو لا؟!
فموضعُ خلاف بين أهل العلم، فذهَب فريق منهم إلى أنه يتعيَّن بالشروع فيه، واستدلُّوا بأنَّه كالمجاهد إذا حضر ساحة المعركة حرم عليه الانصراف، وكذلك طالب العلم الذي شرع في الاشتغال به يحرم عليه تركُه، واحتجُّوا أيضًا كما في "شرح مُختصر الروضة" (2/ 410): "أنَّ بالشروع تعلَّق به حقُّ الغير، وهو انعقادُ سبب براءة ذمَّته مِن التكليف بفرض الكفاية، وخروجه عن عهدَتِه، فلا يجوز له إبطال ما تعلَّق به حق غيره، كما لو أقرَّ بحقٍّ، لم يجزْ له الرجوع عنه.


واستدلَّ مَن قال بعدم وجوب الإتمام كما في نفس المصدر: "أنَّ ما لا يَجب الشروع فيه لا يجب إتمامه في غير الحج، كصوم التطوُّع وصلاته، ولأنه لو تعيَّن بالشروع لما جاز للقاضي أن يَعزل نفسه، لكنه جائز باتِّفاق.


قلتُ: وقد يُجاب عن هذا بأنَّ فرض الكفاية له حظٌّ في الوجوب بالجملة، بل هو واجبٌ على التحقيق كما تقرَّر، بخلاف صوم النفل؛ فإنه لا حظَّ له في الوجوب أصلًا، مع أنَّ بعض العلماء أوجب إتمامه؛ فيلتزم على قوله، ولا يصحُّ القياس عليه.


وأما القاضي فإن لم يوجَد مَن يقوم مقامه، لم يجزْ له عزلُ نفسه؛ لأنه يضرُّ بالناس، وإن وجد غيره جاز له عزل نفسه، لا مِن جهة كونه متلبسًا بفرض الكفاية، ولكن مِن جهة كونه وكيل الإمام ونائبه، والوكيل له عزْل نفسه.


وقال الزركشي في "البحر المحيط في أصول الفقه" (1/ 330): "فرض الكفاية يلزم بالشروع على المشهور؛ قاله ابن الرِّفعة في "المطلب" في كتاب الوديعة، وأشار في باب اللقيط إلى أنَّ عدم اللزوم إنما هو بحثٌ للإمام، ولهذا قالوا: يَتعيَّن الجهاد بحضور الصفِّ، ويَلزمه إتمام الجنازة على الأصح بالشروع". اهـ.


وقال أيضًا في المنثور في القواعد الفقهية (2/ 244): "أمَّا الشارع في فرض الكفاية إذا أراد قطعه فإن كان يلزم مِن قَطعِه بطلان ما مضى من الفعل حرم كصلاة الجنازة، وإلا فإن لم تفُتْ بقطعِه المصلحة المقصودة للشارع، بل حصلتْ بتَمامها، كما إذا شرع في إنقاذ غريق ثم حضر آخر لإنقاذِه جاز قطعًا".


وفَّقك الله لكل خير، وأصلح الله أحوالنا جميعًا


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4OH7lM28h