أدبُ الرافعي
النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: أدبُ الرافعي

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,943

    افتراضي أدبُ الرافعي

    أدبُ الرافعي .
    كان الرافعي أحد أعلام الأدب العربي الكبار ، إن لم يكن واحدهم وكبيرهم ، سد من مفاقر الإنتاج في هذه اللغة الشريفة ما لولاه لم يسد ، وظهر بأسلوبه البديع الذي لم يقلد فيه أحدا ولم يستطع أن يقلده فيه أحد ، فزاد في عصور تاريخ أدب العرب عصرا قوامه منه فقط ووجوده به لا غير .

    كان الأدب القديم - كما يسمونه - قد اضمحل واندثر ودالت دولته وذهبت صولته فبعثه وأحياه ، ولكن لا بنفخ الروح في عظامه الفانية ورممه البالية ، وإنما بإعادة تكوينه من جديد وابتداء خلقه لثاني مرة .

    فأنت إذا قرأته أحسست أنك تقرأ إماما من أئمة اللغة وحجةً من حُجَجِ العرب أهل القرن الثاني أو الثالث ؛ لتمكنه من مادته وبلوغه الغايةَ في عبارته وترفعه عن سقط الألفاظ وتصرفه في الكلم تصرفَ الواضعِ الذي تنقل عنه اللغة ويُقتدى به فيها .

    وأنت إذا درستَه خرجتَ من دراسته بفلسفة عالية تزاوج بين العلم والدين والأدب والخلق وتنزل في شرع المادة على حكم الروح وفي شرح الروح على حكم المادة ، ليس فيها إلحاد ولا تعصب وليست دعوة إلى إباحية ولا تزمُّتٍ .

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,943

    افتراضي

    كانت موجةُ التفرنج قد طغت على أبناء العرب ، الذين تعلموا منهم في أوربا بالإيحاء ، والذين لم يبرحوا ديارَهم بالتقليد ، فأثرت تأثيرًا سيئًا على اللغة والتقاليد، وكادت تؤثر على الدين أيضا .
    فكانت رسالة الأدب حينئذ هي إيقاف التيار عند حدِّه ؛ لكيلا يجرفَ من بقي في نجوَةٍ من طغيان تلك الموجة ومحاولة إنقاذ الذين كانوا يتخبطون في ليلها المظلم ، وإن كان الأمل بإنقاذهم
    أوهى من بيت العنكبوت ، فأديب العروبة الحق هو من يقوم بهذه الرسالة ويؤديها على الوجه الأكمل .
    وقد انتدب لها الرافعي وحرص على بلاغها كل الحرص ، فبينما كان الناس بين متشكك في دعوته ويائسٍ من نجاحها أصلا ، كان هو مُوقنًا بالفوز والنصر ماضيًا في سبيله بعزم وثبات .

    وقضى ربك أن يُكلِّلَ سعيَ الرافعي بالنجاح فتسكن العاصفة وتهدأ الثائرة ويتراجع أبناء العروبة إلى حصن قوميتهم مؤمنين بقدسيتها معتقدين أن الشرف كلَّه في المحافظة عليها ، ويسجل الرافعي هذا النصر الباهر بمداد الفخر في تاريخ العروبة والإسلام ، ولو أن بعضهم يقول : إن تلك النزوات إنما تكون ظواهر وقتيةً صحبت عصر التحول والانتقال الذي قطعته الأمةُ العربيةُ بعد الحرب العظمى ثم زالت عند استقرار الأحوال وانتظام الأمور .

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,943

    افتراضي

    كانت فكرة الرافعي الامتياز في النجاح لا النجاح فقط ، فكان لا يزال يسمو حتى يحلق في جو من العبقرية لم يطف به حلمُ مفكرٍ ولا حامَ حوله تصور فيلسوف فيستنزل من آيات البيان ما إن بعضه ( إعجاز القرآن ).

    وكان أكثر ما يكون سمواً في تحليقه إذا عالج موضوعا من هذه المواضيع التي تمتُّ للفضيلة بصلة أو تشتبك من الدين بوشيجة أو تدلي إلى العزة القومية بسبب ونسب ، فهناك تجد متعةَ الحسِّ والخيال وسلوانَ النفس والفؤادِ ومرتعَ الفكر ومسرحَ الخيال .
    فمِن معنىً مبتكر إلى توليد غريب ، ومن نكتة مستطرفة إلى كناية غريبة ، بله البيان الساحر والافتنان الأخَّاذ حتى ليمكن أن يقال في كتاباته التي من هذا القبيل سواء كانت قصيدًا أو مقالاً أو كتابًا كاملا : إنها لا تخلو من جديد وطريف إن في المعنى أو اللفظ أو فيهما معًا .

    والعجيب في أسلوب الرافعي هو تأليفه بين الحقيقة والخيال وجمعه بين صورهما على نسق يبدوان معه في أتم التئام وأعظم انسجام .
    ولشعره في ذلك أسوة بنثره فلا تظن أن الوزن يتكاءده ، ولا أن القافية تعانده ، اقرأ ما شئت من شعره أو اقتصر على نشيد سعد ونشيد الشبان المسلمين ، ولنذكرك بهذا البيت منه :
    إنما الإسلام في الصحرا امتهد *** ليجيء كل مسلم أسد
    واقرأ ما شئت من نثره الكثير ولا سيما رسائل الأحزان وذيلها والمساكين.

    كان عيب الرافعي - في نظر بعضهم - هو هذه القعقعة اللفظية وهذا التقعير في التعبير ؛ بحيث إنه كان يتصيد الكلمة الجزلة وأختها المناسبة لها في القوة فيجيء كلامه مستعصيا على الفهم داعيًا إلى التأمل الطويل .
    ونحن لا نرى هذا عيبا ، ولا ندعوه إلا بالأسلوب المتين الذي كان على الرافعي أن ينهض به حين شاعت الألفاظ السوقية في كتابة الصحفيين وضعفت المادة اللغوية عند كثير من المنشئين .

    يتبع بإذن الله.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Nov 2012
    المشاركات
    12,943

    افتراضي

    ولئن كان أسلوبُ الرافعي من أسباب الخصومة بينه وبين الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد حتى قال في كتابه (( الإعجاز )) ما قال ، وهو أيضا الذي جعل حجة الإسلام المرحوم السيد رشيد رضا يقول في كتابه (( المساكين )) : إنه قرأ جله ولم يفهمه .
    فلقد كان ذلك الأسلوب نفسُه هو الذي حملَ زعيمَ الشرقِ الخالدَ سعد زغلول باشا ( كذا ! ) على أن يقول كلمتَه المأثورةَ في إعجاز الرافعي : " بيانٌ كأنه تنزيلٌ من التنزيل ، أو قبس من لنور الحكيم ". وبعثَ العلامةَ الطيب الذكر أحمد زكي باشا إلى القول عن صاحب (( المساكين )) : " لقد جعلتَ لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير ، وهيجو كما للفرنسيين هيجو ، وغوته كما للألمان غوته ".
    رحم الله الرافعي وعوض الأمة منه خيرا .

    " التعاشيب " للعلامة : عبد الله كنون ص 64 - 66 .

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •