السؤال:
ما حكم اجتماع النساء وقت الصيام ، والتكلم عن أزواجهن ، وذلك بوصف فعله، سواء خيرا أو شرا، أو بين هذا وهذا، وهل هذا من نشر أسرار الزوجية ، وهل هي غيبة ؛ لأن بعضهم استدل بحديث البخاري عن عائشة : " أن هناك إحدى عشرة امرأة اجتمعن وتعاهدن على أن تذكر كل واحدة زوجها ... " إلى آخر الحديث ؟

تم النشر بتاريخ: 2016-10-22


الجواب :
الحمد لله
إذا نُسب السوء والمكروه إلى أحد فلا يخلو من حالين:
الحالة الأولى:
أن يكون هذا الشخص المذكور بفعل الشر معلوما لدى الحاضرين أو السامعين أو القارئين: فَذِكرُه بما يكره حينئذ ـ مِن غير سبب شرعي ـ يعد مِن الغيبة المحرمة المتفق عليها، سواء كان حيا أو ميتا، معاصرا أو من الشخصيات التاريخية القديمة المعروفة، فحرمة المسلم محفوظة حتى بعد موته ووفاته، وخاصة إذا كان زوجا أو قريبا، فحرمته أكبر؛ لأن مقتضى الأمانة والمروءة كتم خصوصيات الأزواج والأقارب التي اطلع عليها بحكم الائتمان والعيش الواحد، فليس من الأمانة حينئذ كشف المستور من المؤتمن عليه.

يقول ابن حجر الهيتمي رحمه الله:
"الغيبة أن تذكر مسلما أو ذميا معيَّنًا للسامع ، حيا أو ميتا بما يكره أن يذكر به ، مما هو فيه ، بحضرته أو غيبته" انتهى من "الزواجر عن اقتراف الكبائر" (2/25) .

وهذه الحالة : هي صورة الوارد في السؤال ، فما دام النسوة يعرف بعضهن بعضا ، فالحكايات هنا سوف تكون عن أزواج معينين ، معروفين لدى النسوة الأخريات ، أو يسهل معرفتهم ؛ فلذلك كان ذكر هؤلاء النسوة لأزواجهن بسوء : من الغيبة المحرمة ؛ ولو لم يعرفن أسماء أزواجهن، فالقضية ليست بالأسماء، وإنما بالأشخاص، فإذا تعين الشخص بحكم معرفة المرأة بصديقتها ، فقد وقعت الغيبة بحديث السوء عنه.
ثم هو مع ذلك : خلل في المروءة ، ونقصان في العقل ، وسوء عشرة للزوج .

والواجب على هؤلاء النسوة أن يتقين الله في أنفسهن وفي أزواجهن، ولا يتحدثن بالشر عنهم أو بالمظلمة إلا لمستشار مؤتمن، أو قاض أو مفت، وإلا كتبت عليهن غيبة، والغيبة إثمها كبير عند الله.
الحالة الثانية :
ألا يكون الشخص المذكور بالسوء معينا لدى السامعين، ولا معروفا عندهم، ولم يسبق لهم به علم ولا تمييز، أو كان شخصية وهمية تذكرها كتب التاريخ والأدب على سبيل التخييل لأغراض أدبية أو قصصية: ففي هذه الحالة لا يحرم ذكر هذا الشخص بسوء، ولا يعد ذلك من الغيبة المحرمة.
واستدل العلماء لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا قَالَتْ الْأُولَى....- فساقت عائشة حديث كل امرأة عن زوجها بما يكره ، حتى كان آخرهن أم زرع التي أثنت على زوجها خيرا ، ثم قالت رضي الله عنها - فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ) رواه البخاري (5189)، ومسلم (2448) .
فإذا كانت هؤلاء النسوة لا يعرفن بعضهن، ولا يعرفن أزواجهن، ولا ترابط بينهن يكشف لهن عن هوية زوج كل واحدة منهن، فلا حرج عليهن في الحديث عن أزواجهن بالخير أو الشر، ولكن في حدود الأدب والأخلاق.

يقول الإمام الخطابي رحمه الله:
"وفيه أن بعضهن قد ذكرن عيوب أزواجهن، فلم يكن ذلك غِيبة؛ إذ كانوا لا يُعرفون بأعيانهم وأسمائهم، وإنما الغيبة أن يقصد الأعيان من الناس، فيُذكروا بما يكرهونه من القول ويتأذون به" انتهى من "أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري)" (3/ 2000) .
ويقول الإمام المازري رحمه الله:
"وإنّما يفتقر عندِي إلى الاعتذار عن هذا ، لو كان النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَمِع امرَأة تغتَاب زَوجَهَا من غير أن تسمّيه، فَأقرُّهَا على ذلك.
فأمّا حكاية عائشة رضي الله عنها عن نساء مجهولات، لاَ يدرَي مَن هنّ في العالمَ، ولسن بحاضراتٍ ينكر عليهن، فلا يكون حجّة على جواز ذلك، وَحَالها في ذلك كحال من قال في العالمَ من يَعْصي الله، ومن يسرق، فإن ذلك لا يكون غيبة لرجل معين.
وهذا يغني عَنِ الاعتذار الذي حكيناه عن بعضهم.
لكن المسألة لَو نزلت، وَوَصفَتِ امرأة زوجها بما هو غِيبة وهْو معروف عند السامعِين، فإن ذلك ممَنوع، وَلاَ فَرقَ بين قولها فلان بن فلان من صفته كذا وكذا، أو زوجي من صفته كذا وكذا، وهو معروف .
لكن لو كان مجهولا ، وممّن لا يعرف بعد البحث عنه ، فهذا الذي لا حرَج فيه على رأي بعضهم الذي قَدَّمناه، وكأنه يتنزّل عِنده منزلة مَن قال: في العالم من يعصي ويسرق .
وللنظر فيما قال مجال" انتهى من "المعلم بفوائد مسلم" (3/ 262) .
وعلق القاضي عياض رحمه الله على كلام المازري فقال:
"قد صدق فيما قال: إن تحقيق مسألة الغيبة تؤذي المغتاب بما قيل عنه وينقص به .
وإذا كان مجهولاً عند القائل والسامع، أو ممن يبلغه الحديث عنه، فليس بغيبة؛ إذ لا يتأذى إلا بتعيينه، وقد قال إبراهيم: لا تكون غيبة ما لم يسم صاحبها، يريد أن ينبه بأمر يفهم عينه.
وهؤلاء نساء مجهولات الأعيان والأزواج، بائدات الزمان، لم يثبت لهم إيمان يحكم فيهم بالغيبة ، لو تعين جميعهم، فكيف مع الجهالة بهم .
ولو كن معروفات مؤمنات لكان ذكرهن لأزواجهن - وإن جهلوا - غيبة؛ إذ قد تعينوا بهن، كما لو قيل: إن ابن فلان ولم يسم لكان غيبة، وإن جهله السامع" .
انتهى من " إكمال المعلم بفوائد مسلم" (7/ 470)، ونقله النووي في "شرح مسلم" (15/ 222)

وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (26/15):
"إذا لم توجد قرائن أحوال تعيِّن أو ترجح أصحاب الواقعة : فليست بغيبة" انتهى.
عبد العزيز بن باز - عبد الرزاق عفيفي - عبد الله بن غديان.
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
"قولهم لا غيبة لمجهول: صحيح بشرط أن يكون هذا المجهول لو بحث عنه لم يعلم به" .
انتهى من "شرح الأربعين النووية" (الشريط الأخير).
ويقول الشيخ أحمد القاضي:
" سألت شيخنا ابن عثيمين رحمه الله: ما صحة هذه العبارة "لا غيبة لمجهول"؟
فأجاب: هي ليست حديثاً، ولكن معناها صحيح، بشرط أن لا يفضي ذلك إلى البحث عنه وإمكان التعرف عليه" انتهى من "ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين" (مسألة رقم/551) .
ويقول الشيخ ابن جبرين حفظه الله:
"لا غيبة لمجهول كلام صحيح، ومعناه: أن يتكلم أحدهم في إنسان لا يعرفونه، ويذكر بخله وشحه، وعيوبه وحقده، ونقص خلقه، وشراسته، ونحو ذلك، وكل الحاضرين لا يعرفون من يعنيه، فقد يكون مثالًا غير واقعي قصد منه التحذير من هذه الأفعال وذمها وعيب فاعلها، فلذلك لا تسمى هذه غيبة" انتهى.
http://www.ibn-jebreen.com/fatwa/vmasal-9638-.html
وانظر جواب السؤال رقم : (105539)، (105470) في الموقع .
والله أعلم.

https://islamqa.info/ar/252328