السؤال



ملخص السؤال:
شابٌّ يريد ترك دراسته لطلب العلم والاهتمام بمشاكل المسلمين، لكن والده يرفُض هذا المَسار، والشابُّ غير مُقتنع، ويسأل: ماذا أفعل فقد أصبحتُ مشوَّشًا أرشدوني؟!

تفاصيل السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شابٌّ تائه، ولا أدري ماذا أفعل في حياتي؟! فلا أستطيع الاختيار بين طريق طلب العلم والاهتمام بمشاكل المسلمين، وبين دراستي.


فكَّرت في ترْكِ دراستي التي لن تُفيدني، لكن والدي يرسم لي مسارًا لا أحسب أنَّ فيه نفعًا عامًّا للمسلمين، وأنا بين هذين السبيلين ولا أدري ماذا أفعل؟!


دلوني، ماذا أفعل؟ فوالدي يقول لي: ما تريد فعلُه هو مِن تلبيس الشيطان عليك، ودراستك أهم الآن!


أصبحتُ مشوشًا، فأرشدوني، جزاكم الله خيرًا


الجواب



الحمدُ لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعدُ:
فشَكَر الله لك أيها الابن الكريم اهتمامك بأحوال المسلمين، وما يتعرضون له مِن أهوال وكروبٍ مزلزلة، لا لذنب اقترفوه إلا أنهم اختاروا الله، وقدموه على كل شيء!


والبلسمُ المريحُ لقلبك من تلك الهواجس القاتلة هو: أن تقوي ثقتك بالقويِّ العزيز، الغفور الودود، الفعال لما يريد، فمهما عظُمت الهواجسُ وبشعت فإنها تنقشع بتذكُّر معاني أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، واستشعار قرب الله تعالى الخاص لكل مَن لاذ بجنابه، فاطرحْ نفسك بين يديه على بابه مستغيثًا به، متضرِّعًا متذللًا مُستكينًا، فمتى وُفِّقْتَ لذلك فقد قرعتَ باب التوفيق أو ولجته، مع تذكُّر هيمنة الله المطلقة، وقدرته المطلقة، وإرادته المطلقة، وأنه لا يخفى عليه شيءٌ وأنه شهيدٌ علينا؛ ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: 19]، و﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 33]، وكذلك استشعار قهره وإحاطته بخلقِه، وأنه سبحانه يَختار ما يشاء ويفعل ما يريده لا لمحْضِ المشيئة وإنما لحِكَمٍ، فلا يُسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته وعلمه، ووقوع أفعاله على وفق المصلحة والرحمة والحكمة، فتارةً ينتصر المؤمنون به في هذه الأرض، ومرة ينتصر الإيمان على الفتنة، ولكن مع ذهاب أجسامهم الفانية أصلًا؛ لحكمة يريدها، ومرة يهلك جبابرة الأرض، وتارة يمهلهم ليوم القيامة، فهذه العقيدة في الله هي ما يطمئن قلبك، ويثبته على الحق بني العزيز.


ومِن أعظمِ ما يرسخ مُعتقدك قراءة القرآن العظيم بتدبر وفهم معانيه، وتأمَّلْ ما فيه من أمثال وقصص وعِبَرٍ، وحينها تُدرك أنَّ مِن حكم الله العِظام وقدره الكوني الذي لا يتبدل ولا يتخلف اختبار عباده الموحدين بما يشاء من الفتن، والتي من أعظمها فتنة الاستيحاش بالعقيدة، وهي الفتنة التي أثارتْ هَواجس نفسك، فأنت ترى أن من استعلى بعقيدته أصبح موحشًا غريبًا طريدًا، فتذكرْ حينئذٍ أن النفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث، وتوقظ كامن قواها المذخورة فتنهض ويشتد عودها ويصلب ويصقل، ولذلك جعل الله تعالى الابتلاء سنةً ليمتحن إيمان المؤمن ويميز بين الصادق.


وحسب أهل الابتلاء أن يكونوا هم المختارين من الله، ويشهد سبحانه أن في دينهم صلابة فاختارهم للابتلاء.


أما أهل الضلال فليسوا بمفلتين، فهم في قبضة الله كما قال تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ [العنكبوت: 4].


فهوِّن عليك أيها الحبيب، وطبْ نفسًا، وقر عينًا؛ فالمؤمنُ منصورٌ في الدنيا والآخرة بشهادة الكتاب العزيز، وإن وعد الله قاطع جازم؛ ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ﴾ [غافر: 51]، بينما يُشاهد الناس أن الرسُل منهم مَن يقتل، ومنهم مَن يهاجر من أرضه وقومه مكذَّبًا مطرودًا، وأن المؤمنين فيهم مَن يُسام العذاب، وفيهم مَن يُلقى في الأخدود، وفيهم مَن يستشهد، وفيهم مَن يعيش في كربٍ وشدة واضطهاد، فأين وعْدُ الله لهم بالنصر في الحياة الدنيا؟ ويدخل الشيطان إلى النفوس من هذا المدخل، ويفعل بها الأفاعيل، ولكن الناس يقيسون بظواهر الأمور، ويغفلون عن قيمٍ كثيرة وحقائقَ كثيرة في التقدير.


إن الناسَ يقيسون بفترة قصيرة مِن الزمان، وحيز محدودٍ من المكان، وهي مَقاييسُ بشرية صغيرة، فأما المقياسُ الشامل فيعرض القضية في الرقعة الفسيحة من الزمان والمكان، ولا يضع الحدود بين عصر وعصر، ولا بين مكان ومكان، ولو نَظَرْنا إلى قضية الاعتقاد والإيمان في هذا المجال لرأيناها تنتصر من غير شك، وانتصار قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها، فليس لأصحابِ هذه القضية وجودٌ ذاتيٌّ خارج وجودها، وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن يفنوا فيها، ويختفوا هم ويُبْرزوها!


والناس كذلك يُقصرون معنى النصر على صور معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم، ولكن صور النصر شتى، وقد يتلبس بعضها بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة؛ إبراهيم عليه السلام وهو يُلقى في النار فلا يرجع عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في موقف نصر أم في موقف هزيمة؟ ما من شك - في منطق العقيدة - أنه كان في قمة النصر وهو يلقى في النار، كما أنه انتصر مرة أخرى وهو ينجو من النار، هذه صورة وتلك صورة، وهما في الظاهر بعيد من بعيد، فأما في الحقيقة فهما قريب من قريب!


والحسين رضوان الله عليه وهو يستشهد في تلك الصورة العظيمة من جانب، المفجعة من جانب، أكانت هذه نصرًا أم هزيمة؟ في الصورة الظاهرة وبالمقياس الصغير كانت هزيمة، فأما في الحقيقة الخالصة وبالمقياس الكبير فقد كانتْ نصرًا، فما مِن شهيد في الأرض تهتز له الجوانح بالحب والعطف، وتهفو له القلوب وتجيش بالغيرة والفداء كالحسين رضوان الله عليه.


وكم مِن شهيد ما كان يملك أن ينصرَ عقيدته ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة التي يكتبها بدمه، فتبقى حافزًا محركًا للأبناء والأحفاد، وربما كانت حافزًا محركًا لخُطَا التاريخ كله مدى أجيال.


ما النصر؟ وما الهزيمة؟ إننا في حاجة إلى أن نراجعَ ما استقر في تقديرنا من الصور ومن القيم قبل أن نسأل: أين وعد الله لرسله وللمؤمنين بالنصر في الحياة الدنيا؟ على أن هناك حالاتٍ كثيرةً يتم فيها النصر في صورته الظاهرة القريبة، ذلك حين تتصل هذه الصورة الظاهرة القريبة بصورة باقية ثابتة، لقد انتصر محمد صلى الله عليه وسلم في حياته؛ لأن هذا النصر يرتبط بمعنى إقامة هذه العقيدة بحقيقتها الكاملة في الأرض، فهذه العقيدة لا يتم تمامها إلا بأن تهيمنَ على حياة الجماعة البشرية وتصرفها جميعًا، من القلب المفرد إلى الدولة الحاكمة، فشاء الله أن ينتصرَ صاحب هذه العقيدة في حياته، ليحققَ هذه العقيدة في صورتها الكاملة، ويترك هذه الحقيقة مقررة في واقعة تاريخية محددة مشهودة.


ومن ثَم اتصلتْ صورة النصر القريبة بصورة أخرى بعيدة، واتحدت الصورة الظاهرة مع الصورة الحقيقية، وفق تقدير الله وترتيبه.


وهنالك اعتبارٌ آخر تَحْسُن مراعاته كذلك: إن وعد الله قائم لرسله وللذين آمنوا، ولا بد أن توجد حقيقة الإيمان في القلوب التي ينطبق هذا الوعد عليها، وحقيقة الإيمان كثيرًا ما يتجوز الناس فيها، وهي لا توجد إلا حين يخلو القلب مِن الشرك في كل صوره وأشكاله، وإن هنالك لأشكالًا مِن الشرك خفية لا يخلص منها القلب إلا حين يتجه لله وحده، ويتوكل عليه وحده، ويطمئن إلى قضاء الله فيه، وقدره عليه، ويحس أن الله وحده هو الذي يصرفه، فلا خيرة له إلا ما اختار الله، ويتلقى هذا بالطمأنينة والثقة والرضا والقبول.


وحين يصل إلى هذه الدرجة فلن يقدم بين يدي الله، ولن يقترح عليه صورة معينة من صور النصر أو صور الخير، فسيكل هذا كله لله ويلتزم ويتلقى كل ما يصيبه على أنه الخير، وذلك معنى من معاني النصر؛ النصر على الذات والشهوات، وهو النصرُ الداخلي الذي لا يتم نصر خارجي بدونه بحال من الأحوال"؛ قاله حكيم الإسلام في ظلاله (5/ 3085-3086) مختصرًا.


فتأمَّلْ ما سبق جيدًا أيها الابن الحبيب، لتدركَ أن النصر في أرفع صوره هو انتصار الروح على المادة، وانتصار العقيدة على الألم، وانتصار الإيمان على الفتنة، ولجلاء هذا المعنى تدبر سورة البروج، وكيف أن الله تعالى وتقدستْ أسماؤه جَعَلَها عبرةً لنا؛ لأن فيها صورةً جلية من انتصار أرواح المؤمنين على الخوف والألم والفتنة انتصارًا يظهر بعض الحِكَم العظيمة مِن خَلْق الله للإنسان، والتي غابتْ عن الملائكة المقربين حتى قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [البقرة: 30]، فأجابهم الحكيم العليم: ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، وبذل النفس لله والاستعلاء بالعقيدة مِن أعظمِ صُوَر النصر، فلم يتنازلْ عنها طلَبًا للسلامة.


والإيمانُ بالقضاء والقدر قوةٌ دافعة للمسلم، فكن دائمًا على يقينٍ بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ ما أصابك لم يكنْ ليُخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.


فالأمرُ كلُّه مَرهونٌ بمشيئة الله وقدره، والجميعُ في قبضة الله الطائعين والعصاة وتحت قهره وسلطانه لا يعجزونه في شيء، ولا يملكون فعل شيء إلا بقدر الله ووفق مشيئته، ولا يحدثون شيئًا إلا بقدره، وهو الذي شاء أن يدَعَ لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112]، والنجاةُ الحقيقية والفوز والنجاح هو النجاة مِن عذاب الآخرة والفوز بالجنة؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111].


فأقبل على ربك يقبل عليك، وأكثِرْ مِن ذِكْره يطمئن قلبك وتسعد نفسك؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وقال: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّ هُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّ هُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82].


وحسبنا هذا الاستطراد الذي دعا إليه الحديثُ عن أحوالنا.


نعود لموضوع الاستشارة، فأقول: أقبل بني على دراستك، واستعن بالله ولا تعجز، وتذكر أن الشهادة الجامعية في عالمنا المعاصر هي رخصة للعمل أكثر مِن أي شيء آخر، وكلما تفوقتَ دراسيًّا كان مستوى الكلية التي ستدخلها مرتفعًا، وكانتْ فرصُك للعمل أكبر وإسهامك المجتمعي أحسن، وما تقدمه للمسلمين أجود، وليس الاهتمام بالواقع والدراسة ضدان فلا يجتمعان ولا بينهما تعارض فنرجح بينهما، وإنما هما متوافقان كما يشهد بهذا الواقع والتاريخ، وأنا أوافق والدك أن قرارك بترك الدراسة هو من تلبيس الشيطان عليك، ولتجعل تفكيرك في أحوال المسلمين تفكيرًا إيجابيًّا ووفق ما شرحتُه لك، وابتعدْ عن النظرة السلبية؛ لأنها تدفعك عافاك الله للتخبط واليأس، ومن ثم ترك الدراسة الذي هو فشل، ولا يعود على المجتمع إلا بالخسارة.


وفقك الله وشرح صدرك للخير، وأصلح أحوال المسلمين


http://www.alukah.net/fatawa_counsel...#ixzz4Nf7M2aL7